← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

[فائدة] [فيمن ولي وهو هاشمي ابن هاشمية] قال المسعودي: (ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية: سوى علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين؛ فإن أمه: زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها: أمة العزيز، وزبيدة: لقب لها) (١). وقال إسحاق الموصلي: (اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره: كان أحسن الناس وجها وأسخاهم، وأشرف الخلفاء أبا وأما، حسن الأدب، عالما بالشعر، لكن غلب عليه الهوى واللعب، وكان مع سخائه بالمال بخيلا بالطعام جدا). وقال أبو الحسن الأحمر: (كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو، فينشدنيه الأمين، وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون). كان قتله في المحرم: سنة ثمان وتسعين ومئة، وله سبع وعشرون سنة. [من مات في عهده] ومات في أيامه من الأعلام: إسماعيل ابن علية، وغندر، وشقيق البلخي الزاهد، وأبو معاوية الضرير، ومؤرج السدوسي، وعبد الله بن كثير المقرئ، وأبو نواس الشاعر، وعبد الله بن وهب صاحب مالك، وورش المقرئ، ووكيع، وآخرون. وقال علي بن محمد النوفلي وغيره: (لم يدع: للسفاح، ولا للمنصور، ولا للمهدي، ولا للهادي، ولا للرشيد على المنابر بأوصافهم، ولا كتبت في كتبهم حتى ولي الأمين، فدعي له بالأمين على المنابر، وكتب عنه: من عبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين).

стр. 457

وكذا قال العسكري في «الأوائل»: (أول من دعي له بلقبه على المنابر: الأمين) (١) [من شعر الأمين] ومن شعر الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيره بأمه، لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه، ويفضل نفسه عليه - أنشده الصولي -: [من الكامل] لا تفخرن عليك بعد بقية … والفخر يكمل للفتى المتكامل وإذا تطاولت الرجال بفضلها … فاربع فإنك لست بالمتطاول أعطاك جدك ما هويت وإنما … تلقى خلاف هواك عند مراجل تعلو المنابر كل يوم آملا … ما لست من بعدي إليه بواصل فتعيب من يعلو عليك بفضله … وتعيد في حقي مقال الباطل قلت: هذا نظم عال، فإن كان له .. فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه. قال الصولي: ومما رواه جماعة له في خادمه كوثر، وقد سقاه وهو على بساط نرجس، والبدر قد طلع، وقد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع وكان نديمه لا يفارقه (٢): [من الخفيف] وصف البدر حسن وجهك حتى … خلت أني أراك وما أراكا وإذا ما تنفس النرجس الغـ … ـض توهمته نسيم ثناكا خدع للمنى تعللني فيـ … ـك بإشراق ذا ونكهة ذاكا لأقيمن ما حييت على الشكـ … ـر لهذا وذاك؛ إذ حكياكا وله في خادمه كوثر أيضا (٣): [من مجزوء الرمل] ما يريد الناس من صـ … ـب بمن يهوى كئيب

стр. 458

كوثر ديني ودنيا … ي وسقمي وطبيبي أعجز الناس الذي يلـ … حى محبا في حبيب وله لما يئس من الملك وعلا عليه طاهر: [من مجزوء الرجز] يا نفس قد حق الحذر … أين المفر من القدر كل امرئ مما يخا … ف ويرتجيه على خطر من يرتشف صفو الزما … ن يغص يوما بالكدر [رسالة الأمين إلى طاهر بن الحسين] وأسند الصولي: أن الأمين قال لكاتبه: (اكتب: من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين، سلام عليك، أما بعد: فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد؛ لشتات الفتنا، واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب إلي أمانا؛ لأخرج إلى أخي، فإن تفضل علي .. فأهل ذلك، وإن قتلني .. فمروءة كسرت مروءة، وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن يفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلب!! فأبى طاهر عليه). وأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال: (كان أبي يكلم الأمين والمأمون بكلام يتفصحان به، ويقول: كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصحوا، وأنتم أولى بالفصاحة منهم). [حديث واحد من رواية الأمين] قال الصولي: ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل، فسألوه عن الأمين وأدبه، فوصف الحسين أدبا كثيرا، قيل: فالفقه؟ قال: كان المأمون أفقه منه، قيل: فالحديث؟ قال: ما سمعت منه حديثا إلا مرة؛ فإنه نعي إليه غلام له مات بمكة، فقال:

стр. 459

حدثني أبي، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقول: «من مات محرما .. حشر ملبيا» (١). [امرأتان تعلقت الخلفاء بهما] قال الثعالبي في «لطائف المعارف»: (كان أبو العيناء يقول: لو نشرت زبيدة ضفائرها .. ما تعلقت إلا بخليفة أو ولي عهد؛ فإن المنصور: جدها، السفاح: أخو جدها، المهدي: عمها، الرشيد: زوجها، الأمين: ابنها، المأمون والمعتصم: ابنا زوجها، والواثق والمتوكل: ابنا ابن زوجها، وأما ولاة العهود .. فكثيرة. ونظيرتها من بني أمية: عاتكة بنت يزيد بن معاوية؛ يزيد: أبوها، ومعاوية: جدها، ومعاوية بن يزيد: أخوها، ومروان بن الحكم: حموها، وعبد الملك: زوجها، ويزيد: ابنها، والوليد بن يزيد: ابن ابنها، والوليد وهشام وسليمان: بنو زوجها، ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد: ابنا ابن زوجها) (٢).

стр. 460

خلافة المأمون [١٩٨ - ٢١٨ هـ] (١) عبد الله أبو العباس بن الرشيد، ولد سنة سبعين ومئة، في ليلة الجمعة، منتصف ربيع الأول؛ وهي الليلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه، وأمه: أم ولد، اسمها: مراجل، ماتت في نفاسها به، وقرأ العلم في صغره. وسمع الحديث من أبيه، وهشيم، وعباد بن العوام، ويوسف بن عطية، وأبي معاوية الضرير، وإسماعيل ابن علية، وحجاج الأعور وطبقتهم. وأدبه اليزيدي (٢)، وجمع له الفقهاء من الآفاق، وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس، ولما كبر .. عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها، فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن. روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي، والأمير عبد الله بن طاهر، وأحمد بن الحارث الشيعي، ودعبل الخزاعي، وآخرون. وكان من رجال بني العباس حزما وعزما، وحلما وعلما، ورأيا ودهاء، وهيبة وشجاعة، وسؤددا وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه، وكان فصيحا مفوها. وكان يقول: (معاوية بعمره، وعبد الملك بحجاجه، وأنا بنفسي) (٣).

стр. 461

وكان يقال: (لبني العباس: فاتحة، وواسطة، وخاتمة؛ فالفاتحة: السفاح، والواسطة: المأمون، والخاتمة: المعتضد). وقيل: (إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثا وثلاثين ختمة). وكان معروفا بالتشيع، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن، والعهد بالخلافة إلى علي الرضا؛ كما سنذكره (١). قال أبو معشر المنجم: (كان المأمون أمارا بالعدل، فقيه النفس، يعد من كبار العلماء) (٢). وعن الرشيد قال: (إني لأعرف في عبد الله: حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع - يعني: نفسه … لنسبته؛ وقد قدمت محمدا عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه، مبذر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر وميل بني هاشم إليه … لقدمت عبد الله عليه) (٣). استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه: سنة ثمان وتسعين وهو بخراسان، واكتنى بأبي جعفر. قال الصولي: (وكانوا يحبون هذه الكنية؛ لأنها كنية المنصور، وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كني بها؛ كالمنصور والرشيد). ففي هذه السنة: … ... … ... … (٤)

стр. 462

[خلع المؤتمن وتولية علي الرضا والخلاف في ذلك] وفي سنة إحدى ومئتين: خلع أخاه المؤتمن من العهد، وجعل ولي العهد من بعده علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك: إفراطه في التشيع، حتى قيل: إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه، وهو الذي لقبه: الرضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك السواد ولبس الخضرة، فاشتد ذلك على بني العباس جدا، وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدي، ولقب: المبارك، فجهز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب. وسار المأمون إلى نحو العراق، فلم ينشب علي الرضا أن مات في سنة ثلاث، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم إنما نقموا عليه بيعته لعلي وقد مات، فردوا جوابه أغلظ جواب، فسار المأمون، وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده، فاختفى في ذي الحجة، فكانت أيامه سنتين إلا أياما، وبقي في اختفائه مدة ثمان سنين. ووصل المأمون بغداد في صفر، سنة أربع، فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك. وأسند الصولي: (أن بعض آل بيته قالت له: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك .. أقدر منك على برهم والأمر فيهم!! فقال: إنما فعلت ما فعلت؛ لأن أبا بكر لما ولي .. لم يول أحدا من بني هاشم شيئا، ثم عمر، ثم عثمان كذلك، ثم ولي علي: فولى عبد الله بن عباس البصرة، وعبيد الله اليمن، ومعبدا مكة، وقثم البحرين، وما ترك أحدا منهم حتى ولاه شيئا، فكانت هذه في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت) (١). [زواج المأمون ببوران] وفي سنة عشر: تزوج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، وبلغ جهازها:

стр. 463

[أربعين تكة مجوهرة، وعشرة من صناديق جوهر من اللآلئ واليواقيت] (١)، وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوما، وكتب رقاعا فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين؛ فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة .. تسلمها، ونثر صينية ملأى جوهرا بين يدي المأمون عندما زفت إليه (٢). وفي سنة إحدى عشرة: أمر المأمون بأن ينادى: (برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب) (٣). وفي سنة اثنتي عشرة: أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر، فاشمأزت النفوس منه، وكاد البلد يفتتن، ولم يلتئم له من ذلك ما أراد، فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة (٤). وفي سنة خمس عشرة: سار المأمون إلى غزو الروم، ففتح حصن قرة عنوة، وحصن ماجدة، ثم سار إلى دمشق. ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون، ثم عاد إلى دمشق، ثم توجه إلى مصر ودخلها، فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين، ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم (٥).

стр. 464

[امتحان الناس بالقول بخلق القرآن] وفي سنة ثمان عشرة: امتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه على بغداد: إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة؛ ممن لا نظر له ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم و برهانه .. أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور: أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه؛ وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على: أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه، وقد قال تعالى: ﴿إنا جعلنه قرء انا عربيا﴾ فكل ما جعله الله .. فقد خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ وقال تعالى: ﴿نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾ فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال تعالى: ﴿أحكمت وايته ثم فصلت﴾ والله محكم كتابه ومفصله؛ فهو خالقه ومبتدعه. ثم انتسبوا إلى السنة، وأنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك، وغروا به الجهال؛ حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم، فنزعوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم … إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة؛ المنقوصون من التوحيد حظا، وأوعية الجهالة وأعلام الكذب، ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحق أن يتهم في صدقه، وتطرح شهادته ولا يوثق به .. من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس: من كذب على الله ووحيه، وتخرص الباطل ولم يعرف الله حقيقة معرفته. فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي، ولا واثق بمن لا يوثق بدينه.

стр. 465

فإذا أقروا بذلك ووافقوا .. فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود (١)، ومسألتهم عن علمهم في القرآن، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم، والأمر لهم بمثل ذلك. [السبعة الذين طلبهم المأمون ليمتحنهم] وكتب المأمون إليه أيضا في إشخاص سبعة أنفس؛ وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داوود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن، فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد. وسبب طلبهم: أنهم توقفوا أولا، ثم أجابوه تقية. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث، ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة، ففعل ذلك، فأجابه طائفة وامتنع آخرون، فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: (أجبنا خوفا من السيف). [كتاب المأمون إلى إسحاق ليختبر علماء سماهم له] ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق، وأمره بإحضار من امتنع، فأحضر جماعة منهم: أحمد ابن حنبل، وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد، وسجادة، والذيال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وسعدويه الواسطي، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وابن الهرش، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وغيرهم. وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا، ولم يجيبوا ولم ينكروا، فقال

стр. 466

لبشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة، قال: وإن؛ فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب، قال: أقول: كلام الله، قال: لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟ قال: ما أحسن غير ما قلت لك، وقد استعهدت أمير المؤمنين ألا أتكلم فيه. ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ما تقول؟ قال: القرآن كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا، وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك. ثم قال لأحمد ابن حنبل: ما تقول؟ قال: كلام الله، قال: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد على هذا، ثم امتحن الباقين، وكتب بجواباتهم. وقال ابن البكاء الأكبر: أقول: القرآن مجعول ومحدث؛ لورود النص بذلك، فقال له إسحاق بن إبراهيم: والمجعول مخلوق؟ قال: نعم، قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول: مخلوق، ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون. فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة، وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل، فمن لم يجب أنه مخلوق .. فامنعه من الفتوى والرواية. ويقول في الكتاب: فأما ما قال بشر .. فقد كذب، لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد؛ أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص، والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك؛ فإن تاب .. فأشهر أمره، وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده .. فاضرب عنقه، وابعث إلينا برأسه. وكذلك إبراهيم بن المهدي .. فامتحنه؛ فإن أجاب، وإلا .. فاضرب عنقه. وأما علي بن أبي مقاتل .. فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم؟! وأما الذيال .. فأعلمه: أنه كان في الطعام الذي كان سرقه من الأنبار ما يشغله.

стр. 467

وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن .. فأعلمه: أنه صبي في عقله لا في سنه، جاهل سيحسن الجواب إذا أدب، ثم إن لم يفعل .. كان السيف من وراء ذلك. وأما أحمد ابن حنبل .. فأعلمه: أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته، واستدل على جهله وآفته بها. وأما الفضل بن غانم .. فأعلمه: أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة؛ يعني: في ولايته القضاء. وأما الزيادي .. فأعلمه: أنه كان منتحلا ولاء دعي، فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه، وإنما قيل له: الزيادي لأمر من الأمور. قال: وأما أبو نصر التمار .. فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره. وأما ابن نوح وابن حاتم .. فأعلمهم: أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد، وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم .. لاستحل ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا، وصاروا للنصارى شبها؟! وأما ابن شجاع .. فأعلمه: أنك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال الأمير علي بن هشام. وأما سعدويه الواسطي .. فقل له: قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة. وأما المعروف بسجادة، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن القرآن مخلوق .. فأعلمه: أن في شغله وإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد. وأما القواريري .. ففيما يكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات: ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته، وسخافة عقله ودينه.

стр. 468

وأما يحيى العمري: فإن كان من ولد عمر بن الخطاب .. فجوابه معروف. وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم: فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه .. لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه، وإنه بعد صبي يحتاج إلى أن يعلم. وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف: بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن، فحمحم عنها ولجلج فيها، حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف، فأقر ذميما فانصصه عن إقراره، فإن كان مقيما عليه .. فأشهر ذلك وأظهره. ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي .. فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم؛ فإن لم يرجعوا .. احملهم على السيف. قال: فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد ابن حنبل وسجادة ومحمد بن نوح والقواريري، فأمر بهم إسحاق فقيدوا، ثم سألهم من الغد وهم في القيود، فأجاب سجادة، ثم عاودهم ثالثا، فأجاب القواريري، ووجه بأحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم. ثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين، فغضب وأمر بإحضارهم إليه، فحملوا إليه، فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه، ولطف الله وفرج (١). [مرض المأمون ووفاته] وأما المأمون .. فمرض بالروم، فلما اشتد مرضه .. طلب ابنه العباس؛ ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه، فأتاه وهو مجهود، وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها: من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص، فقيل: إن ذلك وقع بأمر المأمون، وقيل: بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه (٢).

стр. 469

ومات المأمون يوم الخميس، لاثنتي عشرة بقيت من رجب، سنة ثمان عشرة بالبذندون من أدنى الروم، ونقل إلى طرسوس فدفن بها. [اشتهى سمكة ولم يذقها] قال المسعودي: (كان نزل على عين البذندون، فأعجبه بردها وصفاؤها، وطيب الموضع وكثرة الخضرة، فرأى فيها سمكة كأنها الفضة فأعجبته، فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها، فجعل لمن يخرجها سيفا، فنزل فراش فاصطادها وطلع، فاضطربت وفرت إلى الماء، فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه، ثم نزل الفراش ثانية فأخذها، فقال المأمون: تقلى الساعة، ثم أخذته رعدة، فغطي باللحف وهو يرتعد ويصيح، فأوقدت حوله نار، ثم أتي بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله، ثم أفاق المأمون من غمرته، فسأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل: مد رجليك، فتطير به. ثم سأل عن اسم البقعة، فقيل: الرقة، وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة، فكان يتجنب نزول الرقة؛ فلما سمع هذا من الروم .. عرف وأيس، وقال: يا من لا يزول ملكه؛ ارحم من قد زال ملكه. ولما وردت وفاته بغداد .. قال أبو سعيد المخزومي: [من الخفيف] هل رأيت النجوم أغنت عن المأ … مون أو عن ملكه المأسوس خلفوه بعرصتي طرسوس … مثل ما خلفوا أباه بطوس) (١) [تباعد قبري الأب والابن، وكذا أولاد العباس] قال الثعالبي: (لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبرا من الرشيد والمأمون. قال: وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد، ولم ير

стр. 470

الناس مثلهم: فقبر عبد الله: بالطائف، وعبيد الله: بالمدينة، والفضل: بالشام، وقتم: بسمرقند، ومعبد: بإفريقية) (١). فصل في نبذ من أخبار المأمون قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال: (كنا بين يدي المأمون فعطس، فلم نشمته، فقال: لم لا تشمتونني؟ قلنا: أجللناك يا أمير المؤمنين، قال: لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء). [شهادة مؤدب المأمون] وأخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال: (كنت أؤدب المأمون، فأتيته يوما وهو داخل، فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني فأبطأ، ثم وجهت إليه آخر فأبطأ، فقلت: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة؟ فقيل: أجل؛ ومع هذا: إنه إذا فارقك .. تعرم على خدمه، ولقوا منه أذى شديدا، فقومه بالأدب. فلما خرج .. أمرت بحمله فضربته سبع درر، قال: فإنه ليدلك عينيه بالبكاء؛ إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل، فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشه فقعد متربعا، ثم قال: ليدخل، فدخل، فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه، فأقبل عليه بوجهه، وحدثه حتى أضحكه، ثم خرج. فجئت فقلت: لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر؟ فقال لي: يا أبا محمد؛ ما كنت أطلع الرشيد على هذه، فكيف بجعفر: أني أحتاج إلى أدب؟!) (٢)

стр. 471

[سرور الرشيد بشعر ابنه المأمون] وأخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال: (أراد الرشيد سفرا، فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك، وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع، فمضى الأسبوع ولم يخرج، فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك، ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر، فكتب إليه المأمون: [من المنسرح] يا خير من دبت المطي به … ومن تقدى بسرجه فرس هل غاية في المسير نعرفها … أم أمرنا في المسير ملتبس ما علم هذا إلا إلى ملك … من نوره في الظلام نقتبس إن سرت سار الرشاد متبعا … وإن تقف فالرشاد محتبس فقرأها الرشيد فسر بها، ووقع فيها: يا بني؛ ما أنت والشعر أرفع حالات الدني، وأقل حالات السري) (١). تقدى؛ أي: استمر. وأخرج عن الأصمعي قال: (كان نقش خاتم المأمون: عبد الله بن عبيد الله) (٢). وأخرج عن محمد بن عباد قال: (لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون) (٣). قلت: وقد رددت هذا الحصر فيما تقدم (٤). [شدة ذكاء المأمون] وأخرج عن ابن عيينة قال: (جمع المأمون العلماء، وجلس للناس، فجاءت امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين؛ مات أخي، وخلف ست مئة

стр. 472

دينار، أعطوني دينارا، وقالوا: هذا نصيبك!! قال: فحسب المأمون، ثم كسر الفريضة، ثم قال لها: هذا نصيبك. فقال له العلماء: كيف علمت يا أمير المؤمنين؟ فقال لها: هذا الرجل خلف ابنتين؟ قالت: نعم، قال: فلهن الثلثان أربع مئة، وخلف والدة فلها السدس مئة، وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، بالله ألك اثنا عشر أخا؟ قالت: نعم، قال: أصابهم ديناران ديناران، وأصابك دينار (١). [معرفة المأمون بالطب وفوائد الأغذية] وأخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال: (تغدينا مع المأمون في يوم عيد، فوضع على مائدته أكثر من ثلاث مئة لون، قال: فكلما وضع لون .. نظر المأمون إليه فقال: هذا نافع لكذا، ضار لكذا؛ فمن كان منكم صاحب بلغم .. فليجتنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء .. فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء .. فلا يعرض لهذا، ومن قصد قلة الغذاء .. فليقتصر على هذا. فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين؛ إن خضنا في الطب .. كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم .. كنت هرمس في حسابه، أو في الفقه .. كنت علي بن أبي طالب في علمه، أو ذكر السخاء .. كنت حاتم طيئ في صفته، أو صدق الحديث .. فأنت أبو ذر في لهجته، أو الكرم .. فأنت كعب بن مامة في فعاله، أو الوفاء .. فأنت السموءل بن عادياء في وفائه، فسر بهذا الكلام، وقال: إن الإنسان إنما فضل بعقله؛ ولولا ذلك .. لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم) (٢). [بعد نظر المأمون وفراسته] وأخرج عن يحيى بن أكثم قال: (ما رأيت أكمل من المأمون؛ بت عنده ليلة

стр. 473

فانتبه، فقال: يا يحيى؛ انظر أيش عند رجلي؟ فنظرت فلم أر شيئا فقال: شمعة، فتبادر الفراشون، فقال: انظروا، فنظروا؛ فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها. فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب؟! فقال: معاذ الله؛ ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال: [من مجزوء الكامل] يا راقد الليل انتبه … إن الخطوب لها سرى ثقة الفتى بزمانه … ثقة محللة العرى فانتبهت، فعلمت أن قد حدث أمر؛ إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت (١). [علمه بالشعر] وأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟! والله؛ إنا لننشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه؛ قال: إني أنشدته بيتا أجدت فيه، فلم أره تحرك له!! وهو هذا فاسمعه (٢): [من البسيط] أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدين والناس بالدنيا مشاغيل فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوق لها؟! ألا قلت كما قال عمك في الوليد: [من الطويل] فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه … ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله (٣)

стр. 474

[قبح الله من لا أدب له] قال ابن عساكر: (أخبرنا أبو العز بن كادش، أخبرنا محمد بن الحسين، أخبرنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو وعلي أطمار، فقال لي: يا نضر؛ أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، قال: لا، ولكنك تتقشف، فتجارينا الحديث. فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها .. كان فيه سداد من عور». قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم، حدثني عوف الأعرابي، عن الحسن: أن النبي ﷺ قال: «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها .. كان فيه سداد من عوز» وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، وقال: السداد: لحن يا نضر؟ قلت: نعم ههنا؛ وإنما لحن هشيم وكان لحانا، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد في السبيل، والسداد: البلغة؛ وكل ما سددت به شيئا .. فهو سداد. قال: أفتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم؛ هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان ﵁ يقول (١): أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد تغر فأطرق المأمون مليا ثم قال: قبح الله من لا أدب له، ثم قال: أنشدني يا نضر

стр. 475

أخلب بيت للعرب، قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان (١): [من المنسرح] تقول لي والعيون هاجعة … أقم علينا يوما فلم أقم أي الوجوه انتجعت قلت لها … لأي وجه إلا إلى الحكم متى يقل حاجبا سرادقه … هذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلا … هيهات أدخل أعطني سلمي أسلمت: أسلفت، مقتبلا: آخذا قبيلا؛ أي: كفيلا. قال: أنشدني أنصف بيت قالته العرب، قلت: قول ابن أبي عروبة المديني (٢): [من الكامل] إني وإن كان ابن عمي عاتبا … لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان امرا … متزحزحا في أرضه وسمائه وأكون والي سره وأصونه … حتى يحن إلى وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه … قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا دعا باسم ليركب مركبا … صعبا قعدت له على سيسائه وإذا أتى من وجهه بطريقة … لم أطلع فيما وراء خبائه وإذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل … يا ليت أن علي حسن ردائه قال: أنشدني أقنع بيت للعرب، فأنشدته قول ابن عبدل (٣): [من المنسرح] إني امرؤ لم أزل وذاك من اللـ … ـه أديبا أعلم الأدبا أقيم بالدار ما اطمأن بي الد … ار وإن كنت نازحا طربا لا أجتري خلة الصديق ولا … أتبع نفسي شيئا إذا ذهبا أطلب ما يطلب الكريم من الـ … رزق بنفسي وأجمل الطلبا

стр. 476

إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صنيعة رغبا … والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلا إذا رهبا مثل الحمار الموقع السوء لا يحسن شيئا إلا إذا ضربا … ولم أجد عروة العلائق إلا الـ دين لما اختبرت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما شد بعيس رحلا ولا قتبا … ويحرم الرزق ذو المطية والر حل ومن لا يزال معتربا قال: أحسنت يا نضر، وأخذ القرطاس فكتب شيئا لا أدري ما هو، ثم قال: كيف تقول: أفعل من التراب؟ قلت: أترب، قال: ومن الطين؟ قلت: طن، قال: فالكتاب ماذا؟ قلت: مترب مطين، قال: هذه أحسن من الأولى، فكتب لي بخمسين ألف درهم. ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل، فمضيت معه، فلما قرأ الكتاب .. قال: يا نضر؛ لحنت أمير المؤمنين؟! قلت: كلا؛ ولكن هشيم لحانة، فتبع أمير المؤمنين لفظه، فأمر لي من عنده بثلاثين ألفا، فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفا (١). [ما المراد ببنات طارق؟] وأخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال: (بعث إلي المأمون، فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم، فرأيتهما موليين فجلست، فلما أقبلا .. قمت فسلمت عليه بالخلافة، فسمعته يقول ليحيى: يا أبا محمد؛ ما أحسن أدبه!! رانا موليين فجلس، ثم رانا مقبلين فقام، ثم رد علي السلام، فقال: أخبرني عن قول هند بنت عتبة: نحن بنات طارق … نمشي على النمارق مشي القطا المهارق

стр. 477

من طارق هذا؟ فنظرت في نسبها فلم أجده، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما أعرفه في نسبها، فقال: إنما أرادت النجم، وانتسبت إليه؛ لحسنها من قول الله: ﴿والسماء والطارق﴾ فقلت: فائدة يا أمير المؤمنين!! فقال: أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبئه (١)، ثم دحا إلي بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم) (٢). وأخرج عن أبي عباد قال: (كان المأمون أحد ملوك الأرض، وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة) (٣). [قوة حجته وفرط ذكائه] وأخرج عن ابن أبي دؤاد، قال: (دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال له المأمون: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية في كتاب الله، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولبك هم الكافرون﴾ قال: ألك علم بأنها منزلة؟ قال: نعم، قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة، قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل .. فارض بإجماعهم في التأويل، قال: صدقت، السلام عليك يا أمير المؤمنين) (٤). وأخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال: (قال المأمون: من علامة الشريف: أن يظلم من فوقه، ويظلمه من هو دونه) (٥). [العفو عند المقدرة] وأخرج عن سعيد بن مسلم قال: (قال المأمون: لوددت أن أهل الجرائم

стр. 478

عرفوا رأيي في العفو؛ ليذهب عنهم الخوف، ويخلص السرور إلى قلوبهم (١). وأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: (وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية، فقال له: والله؛ لأقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين؛ تأن علي .. فإن الرفق نصف العفو، قال: وكيف وقد حلفت لأقتلنك؟ فقال: لأن تلقى الله حانثا .. خير من أن تلقاه قاتلا، فخلى سبيله) (٢). وأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال: (بت عند المأمون ليلة، فنام القيم الذي كان يصلح السراج، فقام المأمون وأصلحه، وسمعته يقول: ربما أكون في المتوضأ، فيشتمني الخدام ويفترون علي، ولا يدرون أني أسمع، فأعفو عنهم) (٣). وأخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال: (كان المأمون يحلم حتى يغيظنا، وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه، فمر ملاح وهو يقول: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه؟! قال: فوالله؛ ما زاد على أن تبسم، وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟) (٤). وأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال: (ما رأيت أكرم من المأمون؛ بت عنده ليلة فأخذه سعال، فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه). وكان يقول: (أول العدل: أن يعدل الرجل في بطانته، ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى) (٥). وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: (قال لي المأمون: يا

стр. 479

يحيى؛ اغتنم قضاء حوائج الناس؛ فإن الفلك أدور، والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا، أو يبقي لأحد نعمة) (١). وأخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: (قال المأمون: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء) (٢). وأخرج عن العتبي قال: (سمعت المأمون يقول: من لم يحمدك على حسن النية .. لم يشكرك على جميل الفعل) (٣). [مراتب القبح] وأخرج عن أبي العالية قال: (سمعت المأمون يقول: ما أقبح اللجاجة بالسلطان، وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهم، وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين، وأقبح منه البخل بالأغنياء، والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل) (٤) وأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال: (قال المأمون: أظلم الناس لنفسه: من يتقرب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه) (٥) وأخرج عن مخارق قال: (أنشدت المأمون قول أبي العتاهية (٦): [من الطويل] وإني لمحتاج إلى ظل صاحب … يروق ويصفو إن كدرت عليه قال لي: أعد، فأعدت سبع مرات، فقال لي: يا مخارق؛ خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب) (٧).

стр. 480

وأخرج عن هدبة بن خالد قال: (حضرت غداء المأمون، فلما رفعت المائدة .. جعلت ألتقط ما في الأرض، فنظر إلي المأمون، فقال: أما شبعت؟ قلت: بلى؛ ولكن حدثني حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أكل ما تحت مائدته .. أمن من الفقر» فأمر لي بألف دينار) (١) [ذكاء الفقير وكرم المأمون] وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال: (لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل .. أهدى الناس إلى الحسن، فأهدى له رجل فقير مزودين: في أحدهما ملح، وفي الآخر أشنان، وكتب إليه: جعلت فداك، خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها، فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته، فأخذ الحسن المزودين، ودخل بهما على المأمون، فاستحسن ذلك، وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير) (٢) وأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: (سمعت المأمون يقول: أنا والله؛ ألذ العفو حتى أخاف ألا أؤجر عليه، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو .. لتقربوا إلي بالذنوب). [المأمون والجارية] وأخرج الخطيب عن منصور البرمكي قال: كان للرشيد جارية، وكان المأمون يهواها، فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه. إذ أشار إليها بقبلة، فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصب، فنظر إليها هارون فقال: ما هذا؟ فتلكأت عليه، فقال: إن لم تخبريني .. لأقتلنك.

стр. 481

فقالت: أشار إلي عبد الله بقبلة، فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه، فاعتنقه وقال: أتحبها؟ قال: نعم، قال: قم فادخل بها في تلك القبة، فقام، فلما خرج قال له: قل في هذا شعرا فقال: [من المجتث] ظبي كنيت بطرفي … عن الضمير إليه قبلته من بعيد … فاعتل من شفتيه ورد أحسن رد … بالكسر من حاجبيه فما برحت مكاني … حتى قدرت عليه (١) وأخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النخاسين يقول: عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية، فساومته في ثمنها بألفي دينار، فقال المأمون: إن هي أجازت بيتا أقوله ببيت من عندها .. اشتريتها بما تقول وزدتك، فأنشد المأمون: [من البسيط] ماذا تقولين فيمن شفه أرق … من جهد حبك حتى صار حيرانا؟ فأجازته: إذا وجدنا محبا قد أضر به … داء الصبابة أوليناه إحسانا (٢) [أين عادة أمير المؤمنين في العفو؟] وأخرج الصولي عن الحسين الخليع قال: (لما غضب علي المأمون، ومنعني رزقا لي .. عملت قصيدة أمتدحه بها، ودفعتها إلى من أوصلها إليه؛ وأولها: [من الطويل] أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد … متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد أعيذك من خلف الملوك وقد ترى … تقطع أنفاسي عليك من الوجد

стр. 482

أيبخل فرد الحسن عني بنائل قليل وقد أفردته بهوى فرد إلى أن قال: رأى الله عبد الله خير عباده … فملكه والله أعلم بالعبد ألا إنما المأمون للناس عصمة … مفرقة بين الضلالة والرشد فقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل: [من الطويل] أعيناي جودا وابكيا لي محمدا … ولا تدخرا دمعا عليه وأسعدا فلا تمت الأشياء بعد محمد … ولا زال شمل الملك فيه مبددا ولا فرح المأمون بالملك بعده … ولا زال في الدنيا طريدا مشردا هذا بذاك، ولا شيء له عندنا، فقال له الحاجب: فأين عادة أمير المؤمنين في العفو؟ فقال: أما هذا .. فنعم؛ فأمر له بجائزة، ورد رزقه عليه) (١). وأخرج عن حماد بن إسحاق (٢) قال: (لما قدم المأمون بغداد .. جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر). [المأمون والشطرنج] وأخرج عن محمد بن العباس قال: (كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديدا، ويقول: هو يشحذ الذهن، واقترح فيها أشياء، وكان يقول: لا أسمعن أحدا يقول: تعال حتى نلعب؛ ولكن يقول: نتزاول أو نتناقل، ولم يكن حاذقا بها). وكان يقول: (أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين).

стр. 483

[حلم المأمون على من هجاه] وأخرج عن ابن أبي سعيد قال: (هجا دعبل المأمون فقال (١): [من الكامل] إني من القوم الذين سيوفهم … قتلت أخاك وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله … واستنقذوك من الحضيض الأوهد فلما سمعها المأمون .. لم يزد على أن قال: ما أقل حياء دعبل!! متى كنت خاملا وقد نشأت في حجر الخلفاء؟! ولم يعاقبه) وأخرج من طرق عدة: (أن المأمون كان يشرب النبيذ) وأخرج عن الجاحظ قال: (كان أصحاب المأمون يزعمون أن لونه لون واحد: وجهه وجسده سوى ساقيه؛ فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران) (٢). وأخرج عن إسحاق الموصلي قال: (قال المأمون: ألذ الغناء: ما طرب له السامع، خطأ كان أو صوابا) [قصة مولاة المأمون وابن حامد] وأخرج عن علي بن الحسين قال: (كان محمد بن حامد واقفا على رأس المأمون وهو يشرب، فاندفعت غريب فغنت بشعر النابغة الجعدي: [من الطويل] كحاشية البرد اليماني المسهم فأنكر المأمون ألا تكون ابتدأت بشيء، فأمسك القوم، فقال: نفيت من الرشيد؛ لئن لم أصدق عن هذا .. لأقررن بالضرب الوجيع عليه، ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة، ولئن صدقت .. لأبلغن الصادق أمله. فقال محمد بن حامد: أنا يا سيدي، أومأت إليها بقبلة، فقال: الآن جاء

стр. 484

الحق، صدقت، أتحب أن أزوجك بها؟ قال: نعم. فقال المأمون: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين، لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي، ومهرتها عنه أربع مئة درهم على بركة الله وسنة نبيه ﷺ ، خذ بيدها، فقامت معه. فصار المعتصم إلى الدهليز، فقال: الدلالة، قال: لك ذاك. قال: دلالتي أن تغنيني الليلة، فلم تزل تغنيه إلى السحر، وابن حامد على الباب، ثم خرجت فأخذت بيده ومضت معه) (١). وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال: (أهدى ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مئتا رطل مسك، ومئتا جلد سمور، فقال: أضعفوها له؛ ليعلم عز الإسلام). وأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال: (قال المدائني للمأمون: إن معاوية قال: بنو هاشم أسود وأحداء، ونحن أكثر سيدا، فقال المأمون: إنه قد أقر وادعى، فهو في ادعائه خصم، وفي إقراره مخصوم). [لولا حمقهما لبقيت جائعا] وأخرج عن ابن أبي أسامة قال: (حدثني بعض أصحابنا: أن أحمد بن أبي خالد قرأ القصص يوما على المأمون فقال: فلان الثريدي - وهو اليزيدي - فضحك المأمون وقال: يا غلام؛ هات طعاما لأبي العباس، فإنه أصبح جائعا، فاستحيا وقال: ما أنا بجائع؛ ولكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء، فقال: علي (٢) ذلك؟ فجاءه بطعام، فأكل حتى انتهى. ثم عاد فمر بقصة فلان الحمصي فقال: الخبيصي، فضحك المأمون وقال: يا غلام؛ جامة فيها خبيص، فقال: إن صاحب القصة كان أحمق فتح الميم فصارت كأنها سنتان (٣)، فضحك وقال: لولا حمقهما .. لبقيت جائعا).

стр. 485

وأخرج عن أبي عباد قال: (ما أظن الله خلق نفسا هي أنبل من نفس المأمون ولا أكرم). [شره أحمد بن أبي خالد] وكان قد عرف شره أحمد بن أبي خالد، فكان إذا وجهه في حاجة .. غداه قبل أن يرسله. ورفع إليه في قصة: (إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبي خالد نزلا؛ فإنه يعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته) (١). وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس، فقال دعبل الشاعر (٢): [من المتقارب] شكرنا الخليفة إجراءه … على ابن أبي خالد نزله فكف أذاه عن المسلمين … وصير في بيته شغله وأخرج عن ابن أبي دؤاد قال: (سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك، ولا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك). وأخرج عن الجاحظ قال: (قال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى البرمكي والمأمون) (٣). [محاورة بين المأمون ومن ادعى النبوة] وأخرج السلفي في «الطيوريات» عن حفص المدائني قال: (أتي المأمون

стр. 486

بأسود قد ادعى النبوة وقال: أنا موسى بن عمران!!! فقال له المأمون: إن موسى أخرج يده من جيبه بيضاء، فأخرج يدك بيضاء حتى أؤمن بك، فقال الأسود: إنما جعل ذلك لموسى لما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء، وإلا .. لم تبيض) وأخرج أيضا: (أن المأمون قال: ما انفتق علي فتق .. إلا وجدت سببه جور العمال) [مناظرة بين المأمون ورجل] وأخرج عن يحيى بن أكثم قال: (كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء، فجاء رجل؛ عليه ثياب قد شمرها، ونعله في يده، فوقف على طرف البساط وقال: السلام عليكم، فرد عليه المأمون، فقال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه؛ جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر؟ قال: لا بهذا ولا بهذا؛ بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي، فلما صار الأمر إلي. علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على الرضا بي، فرأيت أني متى خليت الأمر .. اضطرب حبل الإسلام، ومرج أمرهم، وتنازعوا، وبطل الجهاد والحج، وانقطعت السبل، فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به، فأسلم إليه الأمر، فمتى اتفقوا على رجل .. خرجت له من الأمر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، وذهب) [سرعة حفظ المأمون] وأخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال: (حج الرشيد فدخل الكوفة، فطلب المحدثين، فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون، فحدثهما ابن إدريس بمئة حديث، فقال المأمون: يا

стр. 487

عم؛ أتأذن لي أن أعيدها من حفظي، قال: نعم افعل، فأعادها، فعجب من حفظه (١). وقال بعضهم: (استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس). هكذا ذكره الذهبي مختصرا (٢). وقال الفاكهي: (أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض: المأمون، واستمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر، إلا أن محمود بن سبكتكين كساها في خلال هذه المدة ديباجا أصفر) (٣). ومن كلام المأمون: (لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال) (٤). وقال: (أعيت الحيلة في الأمر: إذا أقبل أن يدبر، وإذا أدبر أن يقبل) (٥). وقال: (أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس) (٦). وقال: (الناس ثلاثة: فمنهم: مثل الغذاء لا بد منه على كل حال، ومنهم: كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم: كالداء مكروه على كل حال) (٧). [رجل أعيا المأمون جوابه] وقال: (ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة؛ قدمه أهلها يشتكي عاملهم، فقلت: كذبت، بل هو رجل عادل، فقال: صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا؛ قد خصصتنا به في هذه المدة دون باقي البلاد،

стр. 488

فاستعمله على بلد آخر؛ ليشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا، فقلت: قم في غير حفظ الله، قد عزلته عنكم (١). ومن شعر المأمون (٢): [من المتقارب] لساني كتوم لأسراركم … ودمعي نموم السرى مذيع فلولا دموعي كتمت الهوى … ولولا الهوى لم يكن لي دموع وله في الشطرنج (٣): [من البسيط] أرض مربعة حمراء من أدم … ما بين الفين معروفين بالكرم تذاكرا الحرب فاحتالا لها حيلا … من غير أن يأثما فيها بسفك دم هذا يغير على هذا وذاك على … هذا يغير وعين الحزم لم تنم فانظر إلى فطن جالت بمعرفة … في عسكرين بلا طبل ولا علم وأخرج الصولي عن محمد بن عمرو قال: دخل أصرم بن حميد على المأمون وعنده المعتصم، فقال: يا أصرم؛ صفني وأخي ولا تفضل واحدا منا على صاحبه، فأنشد بعد قليل: [من الوافر] رأيت سفينة تجري ببحر … إلى بحرين دونهما البحور إلى ملكين ضوءهما جميعا … سواء حار دونهما البصير كلا الملكين يشبه ذاك هذا … وذا هذا وذاك وذا أمير فإن يك ذا كذاك وذاك هذا … فلي في ذا وذاك معا سرور رواق المجد ممدود على ذا … وهذا وجهه بدر منير ذكر أحاديث من رواية المأمون قال البيهقي: (سمعت الإمام أبا عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا أحمد

стр. 489

الصيرفي: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول: صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة، فلما سلم .. كبر الناس، فرأيت المأمون خلف الدرابزين وهو يقول: لا يا غوغاء، لا يا غوغاء، غدا سنة أبي القاسم ﷺ . فلما كان يوم الأضحى .. حضرت الصلاة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا ابن شبرمة، عن الشعبي، عن البراء بن عازب، عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذبح قبل أن يصلي .. فإنما هو لحم قدمه، ومن ذبح بعد أن يصلي .. فقد أصاب السنة» الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، اللهم؛ أصلحني واستصلحني، وأصلح على يدي. قال الحاكم: هذا حديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد، وهو عندنا ثقة مأمون، ولم يزل في القلب منه حتى ذاكرت به أبا الحسن الدارقطني، فقال: هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر، فقلت: هل من متابع فيه لشيخنا أبي أحمد؟ فقال: نعم، ثم قال: حدثني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات، حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروذباري، حدثنا محمد بن عبد الملك التاريخي، قال الدارقطني: وما فيهم إلا ثقة مأمون، حدثنا جعفر الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين قال: سمعت المأمون … فذكر الخطبة والحديث (١). وقال الصولي: (حدثنا جعفر الطيالسي، حدثنا يحيى بن معين، قال: خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة ووافق يوم عرفة، فلما سلم .. كبر الناس، فأنكر التكبير، ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال: يا غوغاء؛ ما هذا التكبير في غير أيامه؟ حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة، والتكبير

стр. 490

في غد ظهرا عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى) وقال الصولي: (حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال: كنا عند المأمون، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ قال رسول الله ﷺ : «الخلق عباد الله، فأحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله» فصاح المأمون وقال: اسكت، أنا أعلم بالحديث منك، حدثنيه يوسف بن عطية الصفار، عن ثابت، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: «الخلق عيال الله، فأحب عباد الله إلى الله أنفعهم لعياله» أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر، وأخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» وغيره من طرق عن يوسف بن عطية) (١). وقال الصولي: (حدثنا المسبح بن حاتم العكلي، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: سمعت المأمون يخطب … فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه، ثم قال: أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا: قال رسول ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون) (٢) [عقد المأمون مجلسا للتحديث] وقال الحاكم: (أخبرنا محمد بن أحمد بن تميم، حدثنا الحسين بن فهم، حدثنا يحيى بن أكثم القاضي قال: قال لي المأمون يوما: يا يحيى؛ إني أريد أن أحدث، فقلت: ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين؟! فقال: ضعوا لي منبرا، فصعد وحدث، فأول حديث حدثنا به: عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار»

стр. 491

ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا، ثم نزل، فقال لي: يا يحيى؛ كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا وحياتك؛ ما رأيت لكم حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر) (١). وقال الخطيب: (حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: لما فتح المأمون مصر .. قال له قائل: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ . فقال له: ويحك!! إلا أنه بقيت لي خلة؛ وهو أن أجلس في مجلس ومستمل يجيء (٢) فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان - حماد بن سلمة وحماد بن زيد - قالا: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «من عال ابنتين أو ثلاثا، أو أختين أو ثلاثا حتى يمتن أو يموت عنهن .. كان معي كهاتين في الجنة» وأشار بالمسبحة والوسطى) (٣). قال الخطيب: (في هذا الخبر غلط فاحش، ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين؛ وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومئة، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في سنة تسع وسبعين). [اختبار المأمون لمن ادعى الحديث] وقال الحاكم: (حدثنا محمد بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، حدثنا

стр. 492

محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: وقف المأمون يوما للأذان ونحن وقوف بين يديه؛ إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال: يا أمير المؤمنين؛ صاحب حديث منقطع به. فقال له المأمون: أيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، وحدثنا الحجاج، وحدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان، فلم يذكر فيه شيئا، فذكره المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم) (١) [سيد القوم خادمهم] وقال ابن عساكر: (أخبرنا محمد بن إبراهيم الغزي، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي، أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسبح، حدثنا محمد بن المغلس، حدثنا محمد بن السري القنطري، حدثنا علي بن عبيد الله، قال: قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت، فقال: يا يحيى؛ ما شأنك؟ قلت: عطشان، فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ألا دعوت بخادم؟! ألا دعوت بغلام؟! فقال: لا، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد القوم خادمهم») (٢). وقال الخطيب: (أخبرنا الحسن بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، حدثني أحمد بن الحسن الكسائي، حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني، حدثني يحيى بن أكثم … فذكر نحوه، إلا أنه

стр. 493

قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: حدثني جرير بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيد القوم خادمهم») (١). وقال ابن عساكر: (أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار، أخبرنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب، حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، حدثنا أبو حذيفة البخاري: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «مولى القوم منهم». قال محمد بن قدامة: فبلغ المأمون: أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم) (٢). وفي أيام المأمون: (أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا؛ ما بين ذكر وأنثى، وذلك في سنة مئتين) (٣). [من مات في عهده] وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس بن بكير راوي المغازي، وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة ﵀، ومعروف الكرخي الزاهد، وإسحاق بن بشر صاحب كتاب «المبتدأ»، وإسحاق بن الفرات قاضي مصر من أجلة أصحاب مالك، وأبو عمرو الشيباني اللغوي، وأشهب صاحب مالك، والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة

стр. 494

الحافظ، وروح بن عبادة، وزيد بن الحباب، وأبو داوود الطيالسي، والغازي بن قيس من أصحاب مالك، وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور، وعلي الرضا بن موسى الكاظم، والفراء إمام العربية، وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة، وقطرب النحوي، والواقدي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والنضر بن شميل، والسيدة نفيسة، وهشام أحد النحاة الكوفيين، واليزيدي، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة، وعبد الرزاق، وأبو العتاهية الشاعر، وأسد السنة، وأبو عاصم النبيل، والفريابي، وعبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن عبد الحكم، وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية، والأصمعي، وخلائق آخرون

стр. 495

خلافة المعتصم بالله [٢١٨ - ٢٢٧ هـ] (١) أبو إسحاق محمد بن الرشيد، ولد سنة ثمانين ومئة؛ كذا قال الذهبي (٢)، وقال الصولي: (في شعبان سنة ثمان وسبعين). وأمه: أم ولد من مولدات الكوفة، اسمها: ماردة، وكانت أحظى الناس عند الرشيد. روى عن أبيه، وأخيه المأمون، وروى عنه: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل وآخرون. وكان ذا شجاعة وقوة وهمة، وكان عريا من العلم؛ فروى الصولي عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال: (كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد؛ مات غلامك؟ قال: نعم يا سيدي؛ واستراح من الكتاب، فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا؟! دعوه لا تعلموه، قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة) (٣). وقال الذهبي: (كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن) (٤). [المثمن لقب المعتصم] وقال نفطويه والصولي: (للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمن؛ لأنه
следующие страницы →