ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثا، ثم نزل، فقال لي: يا يحيى؛ كيف رأيت مجلسنا؟ قلت: أجل مجلس يا أمير المؤمنين، تفقه الخاصة والعامة، فقال: لا وحياتك؛ ما رأيت لكم حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر) (١).
وقال الخطيب: (حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان، حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: لما فتح المأمون مصر .. قال له قائل: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك، وأدان لك العراقين والشامات ومصر، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ .
فقال له: ويحك!! إلا أنه بقيت لي خلة؛ وهو أن أجلس في مجلس ومستمل يجيء (٢) فيقول: من ذكرت رضي الله عنك؟ فأقول: حدثنا الحمادان - حماد بن سلمة وحماد بن زيد - قالا: حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: «من عال ابنتين أو ثلاثا، أو أختين أو ثلاثا حتى يمتن أو يموت عنهن .. كان معي كهاتين في الجنة» وأشار بالمسبحة والوسطى) (٣).
قال الخطيب: (في هذا الخبر غلط فاحش، ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين؛ وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومئة، ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين، وأما حماد بن زيد فمات في سنة تسع وسبعين).
[اختبار المأمون لمن ادعى الحديث]
وقال الحاكم: (حدثنا محمد بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ، حدثنا
стр. 492
محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: وقف المأمون يوما للأذان ونحن وقوف بين يديه؛ إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال: يا أمير المؤمنين؛ صاحب حديث منقطع به.
فقال له المأمون: أيش تحفظ في باب كذا؟ فلم يذكر فيه شيئا، فما زال المأمون يقول: حدثنا هشيم، وحدثنا الحجاج، وحدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان، فلم يذكر فيه شيئا، فذكره المأمون، ثم نظر إلى أصحابه فقال: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث، أعطوه ثلاثة دراهم) (١)
[سيد القوم خادمهم]
وقال ابن عساكر: (أخبرنا محمد بن إبراهيم الغزي، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي، أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني عبيد الله بن محمد الزاهد العكبري، حدثنا عبد الله بن محمد بن مسبح، حدثنا محمد بن المغلس، حدثنا محمد بن السري القنطري، حدثنا علي بن عبيد الله، قال: قال يحيى بن أكثم: بت ليلة عند المأمون، فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت، فقال: يا يحيى؛ ما شأنك؟ قلت: عطشان، فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ألا دعوت بخادم؟! ألا دعوت بغلام؟! فقال: لا، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «سيد القوم خادمهم») (٢).
وقال الخطيب: (أخبرنا الحسن بن عثمان الواعظ، حدثنا جعفر بن محمد بن أحمد بن الحكم الواسطي، حدثني أحمد بن الحسن الكسائي، حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني، حدثني يحيى بن أكثم … فذكر نحوه، إلا أنه
стр. 493
قال: حدثني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: حدثني جرير بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيد القوم خادمهم») (١).
وقال ابن عساكر: (أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد، أخبرنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار، أخبرنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي، حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب، حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل، حدثنا أبو حذيفة البخاري: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: «مولى القوم منهم».
قال محمد بن قدامة: فبلغ المأمون: أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه، فأمر له بعشرة آلاف درهم) (٢).
وفي أيام المأمون: (أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفا؛ ما بين ذكر وأنثى، وذلك في سنة مئتين) (٣).
[من مات في عهده]
وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة، والإمام الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ويونس بن بكير راوي المغازي، وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة ﵀، ومعروف الكرخي الزاهد، وإسحاق بن بشر صاحب كتاب «المبتدأ»، وإسحاق بن الفرات قاضي مصر من أجلة أصحاب مالك، وأبو عمرو الشيباني اللغوي، وأشهب صاحب مالك، والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة
стр. 494
الحافظ، وروح بن عبادة، وزيد بن الحباب، وأبو داوود الطيالسي، والغازي بن قيس من أصحاب مالك، وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور، وعلي الرضا بن موسى الكاظم، والفراء إمام العربية، وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة، وقطرب النحوي، والواقدي، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والنضر بن شميل، والسيدة نفيسة، وهشام أحد النحاة الكوفيين، واليزيدي، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة، وعبد الرزاق، وأبو العتاهية الشاعر، وأسد السنة، وأبو عاصم النبيل، والفريابي، وعبد الملك بن الماجشون، وعبد الله بن عبد الحكم، وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية، والأصمعي، وخلائق آخرون
стр. 495
خلافة المعتصم بالله [٢١٨ - ٢٢٧ هـ] (١)
أبو إسحاق محمد بن الرشيد، ولد سنة ثمانين ومئة؛ كذا قال الذهبي (٢)، وقال الصولي: (في شعبان سنة ثمان وسبعين).
وأمه: أم ولد من مولدات الكوفة، اسمها: ماردة، وكانت أحظى الناس عند الرشيد.
روى عن أبيه، وأخيه المأمون، وروى عنه: إسحاق الموصلي، وحمدون بن إسماعيل وآخرون.
وكان ذا شجاعة وقوة وهمة، وكان عريا من العلم؛ فروى الصولي عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال: (كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه، فمات الغلام، فقال له الرشيد أبوه: يا محمد؛ مات غلامك؟ قال: نعم يا سيدي؛ واستراح من الكتاب، فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا؟! دعوه لا تعلموه، قال: فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة) (٣).
وقال الذهبي: (كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن) (٤).
[المثمن لقب المعتصم]
وقال نفطويه والصولي: (للمعتصم مناقب، وكان يقال له: المثمن؛ لأنه
стр. 496
ثامن الخلفاء من بني العباس، والثامن من ولد العباس، وثامن أولاد الرشيد، وملك سنة ثمان عشرة، وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام، ومولده سنة ثمان وسبعين، وعاش ثمان وأربعين سنة، وفتح ثمانية فتوح، وقتل ثمانية أعداء، وخلف ثمانية أولاد ذكور، ومن الإناث كذلك، ومات لثمان بقين من ربيع الأول) (١).
وله محاسن وكلمات فصيحة، وشعر لا بأس به، غير أنه إذا غضب .. لا يبالي من قتل.
[الأسنة والأسنان لا تؤثر بالمعتصم]
وقال ابن أبي دؤاد: (كان المعتصم يخرج ساعده إلي ويقول: يا أبا عبد الله؛ عض ساعدي بأكثر قوتك، فأمتنع، فيقول: إنه لا يضرني، فأروم ذلك؛ فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان) (٢).
وقال نفطويه: (كان من أشد الناس بطشا، كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره) (٣).
وقال غيره: (هو أول الخلفاء أدخل الأتراك الديوان).
وكان يتشبه بملوك الأعاجم، ويمشي مشيهم، وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفا.
[هجاء دعبل للمعتصم]
قال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به، فخاف وهرب حتى قدم مصر، ثم خرج إلى المغرب، وهذه الأبيات التي هجاه بها (٤):
ملوك بني العباس في الكتب سبعة … ولم تأتنا في ثامن منهم الكتب
стр. 497
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة … غداة ثووا فيه وثامنهم كلب
وإني لأزهي كلبهم عنك رغبة … لأنك ذو ذنب وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم … وصيف وأشناس وقد عظم الخطب (١)
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها … مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة … فأنت له أم وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون في شهر رجب، سنة ثمان عشرة ومئتين، فسلك ما كان المأمون ختم به عمره؛ من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقا من العلماء، وضرب الإمام أحمد ابن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين.
[بناء مدينة سر من رأى]
وفيها: تحول المعتصم من بغداد، وبنى سر من رأى؛ وذلك أنه اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنا بجندك .. حاربناك.
قال: وكيف تحاربوني؟ قالوا: بسهام الأسحار، فقال: لا طاقة لي بذلك، فكان ذلك سبب بنائه سر من رأى، وتحوله إليها.
[غزو المعتصم للروم وفتح عمورية]
وفي سنة ثلاث وعشرين: غزا المعتصم الروم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتت جموعهم، وخرب ديارهم، وفتح عمورية
стр. 498
بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان لما تجهز لغزوها .. حكم المنجمون: أن ذلك طالع نحس، وأنه يكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة (١): [من البسيط]
السيف أصدق أنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب
والعلم في شهب الأرماح لامعة … بين الخميسين لا في السبعة الشهب
أين الرواية أم أين النجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرصا وأحاديثا ملفقة ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
[وفاة المعتصم]
مات المعتصم يوم الخميس، لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول، سنة سبع وعشرين، وكان قد ذلل العدو بالنواحي، ويقال: إنه قال في مرض موته: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذنهم بغتة﴾ (٢).
ولما احتضر .. جعل يقول: (ذهبت الحيلة فليس حيلة) (٣)
وقيل: (جعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلق) (٤)
وقيل: (إنه قال: اللهم؛ إنك تعلم أني أخافك من قبلي، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلي) (٥)
ومن شعره (٦): [من الرمل]
قرب النحام واعجل يا غلام … واطرح السرج عليه واللجام
أعلم الأتراك أني خائض … لجة الموت فمن شاء أقام
стр. 499
وكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب؛ ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس؛ لاستيلاء الأموي عليها.
فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: (قال لي المعتصم: إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك، وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي؟! فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته، وشرع في ذلك، فاشتدت علته ومات).
وقال الصولي: (سمعت المغيرة بن محمد يقول: يقال: إنه لم تجتمع الملوك بباب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم، ولا ظفر ملك قط كظفره: أسر ملك أذربيجان، وملك طبرستان، وملك استيشاب، وملك استاصح (١)، وملك فرغانة، وملك طخارستان، وملك الصعد، وملك كابل).
وقال الصولي: (وكان نقش خاتمه: الحمد لله الذي ليس كمثله شيء).
ومن أخبار المعتصم [قصر المعتصم]
أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال: (لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان، وجلس فيه .. دخل عليه الناس، فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها، إلا أنه افتتحها بقوله: [من الكامل]
يا دار غيرك البلى ومحاك … يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وتطير الناس، وتغامزوا وتعجبوا، كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؟! وخرب المعتصم القصر بعد ذلك).
وأخرج عن إبراهيم بن العباس قال: (كان المعتصم إذا تكلم .. بلغ ما أراد وزاد عليه).
стр. 500
وكان أول من ثرى (١) الطعام، وكثره حتى بلغ ألف دينار في اليوم.
وأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول: (إذا نصر الهوى .. بطل الرأي) (٢).
وأخرج عن إسحاق قال: (كان المعتصم يقول: من طلب الحق بما له وعليه .. أدركه).
[المعتصم وغلامه عجيب]
وأخرج عن محمد بن عمر الرومي قال: (كان للمعتصم غلام يقال له: عجيب، لم ير الناس مثله قط، وكان مشغوفا به، فعمل فيه أبياتا، ثم دعاني وقال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب؛ لحب أمير المؤمنين لي وميلي إلى اللعب وأنا حدث، فلم أنل ما نالوا، وقد عملت في عجيب أبياتا، فإن كانت حسنة وإلا .. فاصدقني حتى أكتمها، ثم أنشد: [من المجتث]
لقد رأيت عجيبا … يحاكي الغزال الربيبا
الوجه منه كبدر … والقد يحكي القضيبا
وإن تناول سيفا … رأيت ليثا حريبا
وإن رمى بسهام … كان المجيد المصيبا
طبيب ما بي من الحب … فلا عدمت الطبيبا
إني هويت عجيبا … هوى أراه عجيبا
فحلفت له بأيمان البيعة؛ إنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، فطابت نفسه، وأمر لي بخمسين ألف درهم).
стр. 501
[الجواب ما ترى لا ما تسمع]
وقال الصولي: (حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يهدده فيه، فلما قرئ عليه .. قال للكاتب: اكتب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد: فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار) (١).
[فينا من يقول خيرا منه فيك]
وأخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال: وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه: من كان منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد (٢): [من البسيط]
إن المكارم والمعروف أودية … أحلك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصما … فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر لم تخلف فواضله … أو ضاق أمر ذكرناه فيتع
فقال أبو وهيب: فينا من يقول خيرا منه فيك، وقال (٣): [من البسيط]
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها … شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
تحكي أفاعيله في كل نائبة … الليث والغيث والصمصامة الذكر
ولما مات .. رثاه وزره محمد بن عبد الملك جامعا بين العزاء والهناء فقال (٤): [من المنسرح]
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت … عليك أيد بالترب والطين
стр. 502
اذهب فنعم الحفيظ كنت على الدنيا … ونعم الظهير للدين
ما يجبر الله أمة فقدت … مثلك إلا بمثل هارون
حديث رواه المعتصم
قال الصولي: (حدثنا الغلابي، حدثنا عبد الله بن الضحاك، حدثني هشام بن محمد، حدثني المعتصم قال: حدثني أبي الرشيد، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ نظر إلى قوم من بني فلان، يتبخترون في مشيتهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾ فقيل: أي شجرة هي يا رسول الله حتى نتجنبها؟ فقال: «ليست بشجرة نبات، إنما هم بنو أمية، إذا ملكوا .. جاروا، وإذا اؤتمنوا خانوا» وضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال: «يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده») (١).
قلت: الحديث موضوع، وآفته الغلابي.
وقال ابن عساكر: (أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، حدثني علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن طالب البغدادي، حدثنا ابن خلاد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبعي، حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال: كنت عند المعتصم أعوده فقلت: أنت في عافية، فقال: كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس مرفوعا: «من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه .. مات فيه»؟!
قال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين الضبعي وإسحاق، ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبعي عن أحمد بن محمد بن الليث، عن منصور بن النضر، عن إسحاق) (٢).
стр. 503
[من مات في عهده]
وممن مات في أيام المعتصم من الأعلام: الحميدي شيخ البخاري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو غسان النهدي، وقالون المقرئ، وخلاد المقرئ، وآدم ابن أبي إياس، وعفان، والقعنبي، وعبدان المروزي، وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وإبراهيم بن المهدي، وسليمان بن حرب، وعلي بن محمد المدائني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وقرة بن حبيب، وعارم، ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ، وأصبغ بن الفرج الفقيه، وسعدويه الواسطي، وأبو عمر الجرمي النحوي، ومحمد بن سلام البيكندي، وسنيد، وسعيد بن كثير بن عفير، ويحيى بن يحيى التميمي، وآخرون
стр. 504
خلافة الواثق بالله هارون [٢٢٧ - ٢٣٢ هـ] (١)
أبو جعفر، وقيل: أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد، أمه: أم ولد رومية، اسمها: قراطيس، ولد لعشر بقين من شعبان، سنة ست وتسعين ومئة، وولي الخلافة بعهد من أبيه، بويع له في تاسع عشر ربيع الأول، سنة سبع وعشرين
وفي سنة ثمان وعشرين: استخلف على السلطنة أشناس التركي، وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجا مجوهرا، وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطانا؛ فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه
وفي سنة إحدى وثلاثين: ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن، وكان قد تبع أباه في ذلك، ثم رجع في آخر أمره (٢).
[امتحان أحمد بن نصر وقتله وإكرام الله له]
وفي هذه السنة: قتل أحمد بن نصر الخزاعي، وكان من أهل الحديث، قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أحضره من بغداد إلى سامراء مقيدا، وسأله عن القرآن، فقال: ليس بمخلوق، وعن الرؤية في القيامة فقال: كذا جاءت الرواية، وروى له الحديث، فقال الواثق له: تكذب؟! فقال للواثق: بل تكذب أنت.
стр. 505
فقال: ويحك!! يرى كما يرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان ويحصره الناظر؟! إنما كفرت برب هذه صفته، ما تقولون فيه؟
فقال جماعة من فقهاء المعتزلة الذين حوله: هو حلال الضرب، فدعا بالسيف وقال: إذا قمت إليه .. فلا يقومن أحد معي؛ فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم أمر بالنطع، فأجلس عليه وهو مقيد، ومشى إليه فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه إلى بغداد، فصلب بها، وصلبت جثته في سر من رأى (١)، واستمر ذلك ست سنين، إلى أن ولي المتوكل فأنزله ودفنه (٢)
ولما صلب .. كتب ورقة، وعلقت في أذنه فيها: هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره (٣)
ووكل بالرأس من يحفظه، ويصرفه عن القبلة برمح، فذكر الموكل به: أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه، فيقرأ سورة ﴿يس﴾ بلسان طلق، ورويت هذه الحكاية من غير وجه (٤).
وفي هذه السنة: استفك من الروم ألف وست مئة أسير مسلم (٥)، فقال ابن أبي دؤاد - قبحه الله -: (من قال من الأسارى: القرآن مخلوق .. خلصوه، وأعطوه دينارين، ومن امتنع .. دعوه في الأسر) (٦)
стр. 506
قال الخطيب: (كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. ويقال: إنه رجع عنه (١) قبل موته) (٢)
[الشيخ الأزدي يقيم الحجة على الواثق وابن أبي دؤاد]
وقال غيره: (حمل إليه رجل فيمن حمل؛ مكبل بالحديد من بلاده، فلما دخل وابن أبي دؤاد حاضر. قال المقيد: أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه: أعلمه رسول الله ﷺ فلم يدع الناس إليه، أم شيء لم يعلمه؟ قال ابن أبي دؤاد: بل علمه.
قال: فكان يسعه ألا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم؟، قال: فبهتوا، وضحك الواثق، وقام قابضا على فمه، ودخل بيتا، ومد رجليه وهو يقول: وسع النبي ﷺ أن يسكت عنه ولا يسعنا، فأمر أن يعطى ثلاث مئة دينار، وأن يرد إلى بلده، ولم يمتحن أحدا بعدها، ومقت ابن أبي دؤاد من يومئذ) (٣)
والرجل المذكور هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأزدي؛ شيخ أبي داوود والنسائي.
قال ابن أبي الدنيا: (كان الواثق أبيض تعلوه صفرة، حسن اللحية، في عينيه نكتة) (٤)
قال يحيى بن أكثم: (ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق؛ ما مات وفيهم فقير) (٥)
стр. 507
[من خصال الواثق الممدحة]
وقال غيره: كان الواثق وافر الأدب، مليح الشعر، وكان يحب خادما أهدي إليه من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم: والله؛ إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل، فقال الواثق (١): [من البسيط]
يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخرا … ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر … وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى
ومن شعر الواثق في خادمه مهج: [من مجزوء الخفيف]
مهج يملك المهج … بسجي اللحظ والدعج
حسن القد مخطف … ذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بدا … عنه باللحظ منعرج
وقال الصولي: (كان الواثق يسمى المأمون الأصغر؛ لأدبه وفضله، وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده، وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء)
وكان شاعرا، وكان أعلم الخلفاء بالغناء، وله أصوات وألحان عملها نحو مئة صوت، وكان حاذقا بضرب العود، وكان راوية للأشعار والأخبار (٢).
وقال الفضل اليزيدي: (لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق، فقيل له: كان أروى من المأمون؟ فقال: نعم، كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق، وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئا).
وقال يزيد المهلبي: (كان الواثق كثير الأكل جدا) (٣)
وقال ابن فهم: (كان للواثق خوان من ذهب، مؤلف من أربع قطع، يحمل
стр. 508
كل قطعة عشرون رجلا، وكل ما على الخوان من غضارة (١) وصحفة وسكرجة من ذهب، فسأله ابن أبي دؤاد ألا يأكل عليه للنهي عنه، فأمر أن يكسر ذلك ويضرب، ويحمل إلى بيت المال).
[رؤيا الواثق وتأويلها]
وقال الحسين بن يحيى: (رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة، وأن قائلا يقول له: لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت، فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك، فلم يعرفوا معناه، فوجه إلى أبي محلم وأحضره (٢)، فسأله عن الرؤيا والمرت.
فقال أبو محلم: المرت: القفر الذي لا ينبت شيئا، فالمعنى على هذا: لا يهلك على الله إلا من قلبه خال من الإيمان خلو المرت من النبات. فقال له الواثق: أريد شاهدا من الشعر في المرت، فبادر بعض من حضر فأنشده بيتا لبني أسد:
ومرت مروراة يحار بها القطا … ويصبح ذو علم بها وهو جاهل
فضحك أبو محلم، وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك، فأنشده للعرب مئة قافية معروفة لمئة شاعر معروف، في كل بيت ذكر المرت، فأمر له الواثق بمئة ألف دينار).
وقال حمدون بن إسماعيل: (ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق، ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه) (٣).
وقال أحمد بن حمدون: (دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه، فأكرمه إلى الغاية، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل؟
стр. 509
قال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله، وأدناني من رحمة الله (١).
ومن مديح علي بن الجهم فيه (٢): [من مجزوء الرمل]
وثقت بالملك الوا ثق … بالله النفوس
ملك يشقى به الما ل … ولا يشقى الجليس
أسد يضحك عن شد اته … الحرب العبوس
أنس السيف به واسـ توحش العلق النفيس
يا بني العباس يأبى الد … د إلا أن تروسوا
[وفاة الواثق]
مات الواثق بسر من رأى، يوم الأربعاء، لست بقين من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين.
ولما احتضر .. جعل يردد هذين البيتين (٣): [من البسيط]
الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم … وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا
وحكي أنه لما مات .. ترك وحده، واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل، فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها
[من مات في عهده]
مات في أيامه من الأعلام: مسدد، وخلف بن هشام البزار المقرئ، وإسماعيل بن سعيد الشالنجي شيخ أهل طبرستان، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو تمام الطائي الشاعر، ومحمد بن زياد ابن الأعرابي اللغوي،
стр. 510
والبويطي صاحب الشافعي مسجونا مقيدا في المحنة، وعلي بن المغيرة الأثرم اللغوي، وآخرون.
[من شعر الواثق]
وأسند الصولي عن جعفر بن علي بن الرشيد قال: (كنا بين يدي الواثق وقد اصطبح، فناوله خادمه مهج وردا ونرجسا، فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه: [من السريع]
حياك بالنرجس والورد … معتدل القامة والقد
فألهبت عيناه نار الهوى … وزاد في اللوعة والوجد
أملت بالملك له قربه … فصار ملكي سبب البعد
ورنحته سكرات الهوى … فمال بالوصل إلى الصد
إن سئل البذل ثنى عطفه … وأسبل الدمع على الخد
غر بما تجنيه ألحاظه … لا يعرف الإنجاز للوعد
مولى تشكى الظلم من عبده … فأنصفوا المولى من العبد
قال: فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات).
وقال الصولي: حدثني عبد الله بن المعتز قال: أنشدني بعض أهلنا للواثق، وكان يهوى خادمين؛ لهذا يوم يخدمه فيه، ولهذا يوم: [من السريع]
قلبي قسيم بين نفسين … فمن رأى روحا بجسمين
يغضب ذا إن جاد ذا بالرضا … فالقلب مشغول بشجوين
وأخرج عن الحزنبل قال: (غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل (١): [من البسيط]
وشادن مربح بالكاس نادمني … لا بالحصور ولا فيها بسوار
فقيل: بسوار وسار؟ فوجه إلى ابن الأعرابي فسأل عن ذلك، فقال: سوار: وثاب، يقول: لا يثب على ندمائه، وسار: يفضل في الكأس سؤرا، وقد رويا جميعا، فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم).
стр. 511
[أيهما أشعر؟]
وقال: (حدثني ميمون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال: تلاحى الحسين بن الضحاك ومخارق يوما في مجلس الواثق في أبي نواس وأبي العتاهية، أيهما أشعر؟
فقال الواثق: اجعلا بينكما خطرا (١)، فجعلا بينهما مئتي دينار، فقال الواثق: من هنا من العلماء؟ فقيل: أبو محلم، فأحضره فسئل عن ذلك، فقال: أبو نواس أشعر وأذهب في فنون العرب، وأكثر افتنانا من أفانين الشعر، فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين)
стр. 512
خلاف المتوكل على الله جعفر [٢٣٢ - ٢٤٧ هـ] (١)
أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد، أمه: أم ولد، اسمها: شجاع، ولد سنة خمس - وقيل: سبع - ومئتين، وبويع له في ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومئتين بعد الواثق، فأظهر السنة، ونصر أهلها، ورفع المحنة، وكتب بذلك إلى الآفاق؛ وذلك في سنة أربع وثلاثين، واستقدم المحدثين إلى سامراء، وأجزل عطاياهم وأكرمهم، وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية.
وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع له نحو من ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه أيضا نحو من ثلاثين ألف نفس.
وتوفر دعاء الخلق للمتوكل، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم: (الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق ﵁: في قتال أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز: في رد المظالم، والمتوكل: في إحياء السنة وإماتة التجهم) (٢).
وقال أبو بكر بن الخبازة في ذلك: [من الطويل]
وبعد فإن السنة اليوم أصبحت … معززة حتى كأن لم تذلل
تصول وتسطو إذ أقيم منارها … وحط منار الإنك والنور من عل
وولى أخو الإبداع في الدين هاربا … إلى النار يهوي مدبرا غير مقبل
شفى الله منهم بالخليفة جعفر … خليفته ذي السنة المتوكل
стр. 513
خليفة ربي وابن عم نبيه … وخير بني العباس من منهم ولي
وجامع شمل الدين بعد تشتت … وفاري رؤوس المارقين بمنصل
أطال لنا رب العباد بقاءه … سليما من الأهوال (١) غير مبدل
وبوأه بالنصر للدين جنة … يجاور في روضاتها خير مرسل
[فالج ابن أبي دؤاد، وخبر الريح الشديدة]
وفي هذه السنة: أصاب ابن أبي دؤاد فالج صيره حجرا ملقى، فلا آجره الله (٢).
ومن عجائب هذه السنة: أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم لم يعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يوما، واتصلت بهمدان فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق، ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خلقا عظيما (٣).
وفي السنة التي قبلها: جاءت زلزلة مهولة بدمشق سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأخربتها، وإلى الموصل فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفا (٤).
وفي سنة خمس وثلاثين ومئتين: ألزم المتوكل النصارى بلبس العسلي (٥).
стр. 514
[الأمر بهدم قبر الحسين]
وفي سنة ست وثلاثين: أمر بهدم قبر الحسين، وهدم ما حوله من الدور، وأن يعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وحرث وبقي صحراء، وكان المتوكل معروفا بالنصب، فتألم المسلمون لذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء (١)، فمما قيل في ذلك (٢): [من الكامل]
تالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما
[إهانة قاضي مصر وحلق لحيته]
وفي سنة سبع وثلاثين: بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر أبي بكر محمد بن أبي الليث، وأن يضربه ويطوف به على حمار، ففعل ونعم ما فعل؛ فإنه كان ظالما من رؤوس الجهمية، وولى القضاء بدله الحارث بن مسكين من أصحاب مالك بعد تمنع، وأهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطا؛ ليرد الظلامات إلى أهلها (٣).
وفي هذه السنة: ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر، ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل، ثم كفت (٤).
وفيها: طلب من أحمد ابن حنبل المجيء إليه، فسار إليه ولم يجتمع به، بل دخل على ولده المعتز (٥).
стр. 515
وفي سنة ثمان وثلاثين: كبست الروم دمياط، ونهبوا وأحرقوا، وسبوا منها ست مئة امرأة، وولوا مسرعين في البحر (١).
وفي سنة أربعين: سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء، فمات منها خلق، ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج، وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب (٢).
وفي سنة إحدى وأربعين: ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرا مزعجا لم يعهد (٣).
[من العجائب التي وقعت]
وفي سنة اثنتين وأربعين: زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بقومس وأعمالها، والري وجرجان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت الجبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق، ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال، وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان، فصاح: (يا معاشر الناس؛ اتقوا الله، الله، الله، وصاح أربعين صوتا، ثم طار، وجاء من الغد ففعل كذلك، وكتب البريد بذلك، وأشهد خمس مئة إنسان سمعوه) (٤).
وفيها: حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل، وتعجب الناس من ذلك (٥).
стр. 516
وفي سنة ثلاث وأربعين: قدم المتوكل إلى دمشق، فأعجبته، وبني له القصر بداريا، وعزم على سكناها، فقال يزيد بن محمد المهلبي: [من الوافر]
أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن تدع العراق وساكنيه … فقد تبلى المليحة بالطلاق
فبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة (١).
[قصة قتل ابن السكيت]
وفي سنة أربع وأربعين: قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية؛ فإنه ندبه إلى تعليم أولاده، فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت: (من أحب إليك هما أو الحسن والحسين؟ فقال: قنبر - يعني: مولى علي - خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات) (٢).
وقيل: أمر بسل لسانه فمات، وأرسل إلى ابنه بديته (٣)، وكان المتوكل ناصبيا.
وفي سنة خمس وأربعين: عمت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكية جبل في البحر، وسمع من السماء أصوات هائلة، وزلزلت مصر، وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر ضجة هائلة، فمات خلق من أهل بلبيس، وغارت عيون مكة، فأرسل المتوكل مئة ألف دينار لإجراء الماء من عرفات إليها (٤).
[جود المتوكل على الشعراء]
وكان المتوكل جوادا ممدحا، يقال: (ما أعطى خليفة شاعرا ما أعطى
стр. 517
المتوكل، وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب: [من الطويل]
فأمسك ندى كفيك عني ولا تزد … فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
فقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي، وكان أجازه على قصيدة بمئة ألف وعشرين ألفا وخمسين ثوبا) (١).
ودخل علي بن الجهم عليه يوما وبيده درتان يقلبهما، فأنشده قصيدة له، فدحى إليه بدرة فقلبها، فقال: تستنقص بها وهي والله خير من مئة ألف، فقال: لا؛ ولكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى، فقال: قل، فقال: [من مخلع البسيط]
بسر من را إمام عدل … تعرف من بحره البحار
يرجى ويخشى لكل خطب … كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنه … ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان عليه … كلتاهما تغار
لم تأت منه اليمين شيئا … إلا أتت مثلها اليسار
فدحى إليه بالدرة الأخرى (٢).
[فائدة] [ثمانية سلم عليهم بالخلافة وكل منهم أبوه خليفة]
قال بعضهم: (سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة: منصور بن المهدي، والعباس بن الهادي، وأبو أحمد بن الرشيد، وعبد الله بن الأمين، وموسى بن المأمون، وأحمد بن المعتصم، ومحمد بن الواثق، وابنه المنتصر) (٣).
стр. 518
وقال المسعودي: (لا يعلم أحد متقدم في جد ولا هزل .. إلا وقد حظي في دولته، ووصل إليه نصيب وافر من المال) (١).
وكان منهمكا في اللذات والشراب، وكان له أربعة آلاف سرية وطئ الجميع (٢).
وقال علي بن الجهم: كان المتوكل مشغوفا بقبيحة أم ولده المعتز، لا يصبر عنها، فوقفت له يوما وقد كتبت على خديها بالغالية: جعفرا، فتأملها وأنشأ يقول:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا بنفسي … مخط المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدها لقد … أودعت قلبي من الحب أسطرا (٣)
[إكرام المتوكل لذي النون المصري]
وفي كتاب «المحن» للسلمي: (أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر، ومن جلة أصحاب مالك، وأنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف، ورماه بالزندقة، فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده، فتكلم فرضي أمره، وكتب به إلى المتوكل، فأمر بإحضاره، فحمل على البريد، فلما سمع كلامه .. ولع به وأحبه وأكرمه، حتى كان يقول: إذا ذكر الصالحون .. فحيهلا بذي النون) (٤).
[عهد المتوكل وقتل ولده له]
كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه: المنتصر، ثم المعتز، ثم المؤيد، ثم إنه أراد أن يقدم المعتز لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى،
стр. 519
فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته، ويتهدده ويشتمه ويتوعده، واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور، فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه، فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه، فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان؛ وذلك في خامس شوال، سنة سبع وأربعين ومئتين.
ورئي في النوم، فقيل له: (ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها) (١).
ولما قتل .. رثته الشعراء، من ذلك قول يزيد المهلبي (٢):
جاءت منيته والعين هاجعة … هلا أتته المنايا والقنا قصد
[وصيفة وفية للمتوكل]
خليفة لم ينل ما ناله أحد … ولم يصغ مثله روح ولا جسد
وكان من حظاياه: وصيفة تسمى محبوبة، شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة، فلما قتل .. ضمت إلى بغا الكبير، فأمر بها يوما للمنادمة، فجلست منكسرة، فقال: (غني، فاعتلت، فأقسم عليها وأمر بالعود، فوضع في حجرها، فغنت ارتجالا:
أي عيش يلذ لي … لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأيته … في نجيع معرا
كل من كان ذا هيا م … وسقم فقد برا
غير محبوبة التي لو ترى الموت يشترى
لا شترته بما حوت … هـ يداها لتقبرا
إن موت الحزين أط … يب من أن يعمرا
فغضب بغا، وأمر بها فسجنت، فكان آخر العهد بها) (٣).
стр. 520
[المتوكل ووزيره عاشا معا وماتا معا]
ومن الغريب: أن المتوكل قال للبحتري: (قل في شعرا وفي الفتح بن خاقان؛ فإني أحب أن يحيا معي، ولا أفقده فيذهب عيشي، ولا يفقدني (١)، فقل في هذا المعنى، فقال:
سيدي أنت كيف أخلفت وعدي … وتناقلت عن وفاء بعهدي
لا أرتني الأيام فقدك يا فتح … ولا عرفتك ما عشت فقدي
أعظم الرزء أن تقدم قبلي … ومن الرزء أن تؤخر بعدي
حذرا أن تكون الفا لغيري … إذ تفردت بالهوى فيك وحدي
فقتلا معا؛ كما تقدم) (٢)
ومن أخبار المتوكل
أخرج ابن عساكر: (أن المتوكل رأى في النوم: كأن سكرا سليمانيا سقط عليه من السماء، مكتوب عليه: جعفر المتوكل على الله، فلما بويع .. خاض الناس في تسميته، فقال بعضهم: نسميه المنتصر، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه، فوجده موافقا، فأمضى وكتب به إلى الآفاق) (٣).
[تعظيم المتوكل للإمام الشافعي وتمذهبه بمذهبه]
وأخرج عن هشام بن عمار قال: (سمعت المتوكل يقول: واحسرتي على محمد بن إدريس الشافعي؛ كنت أحب أن أكون في أيامه، فأراه وأشاهده وأتعلم منه؛ فإني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول: «يا أيها الناس؛ إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله تعالى، وخلف فيكم
стр. 521
علما حسنا، فاتبعوه .. تهتدوا»، ثم قال: اللهم؛ ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل علي حفظ مذهبه، وانفعني بذلك) (١).
قلت: استفدنا من هذا: أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي، وهو أول من تمذهب له من الخلفاء.
[نزهتك من عذاب الله]
وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال: (وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل، فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا، فقال له: بلى يا أمير المؤمنين؛ ولكن في بصره سوء.
فقال أحمد بن المعدل: يا أمير المؤمنين؛ ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله؛ قال النبي ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما .. فليتبوأ مقعده من النار» فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه) (٢).
وأخرج عن يزيد المهلبي قال: (قال لي المتوكل: يا مهلبي؛ إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها، وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني) (٣).
[جزاء الهم بالخير]
وأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال: (دخلت على المتوكل فقال لي: يا أبا يحيى؛ ما أبطأ بك عنا؟ منذ ثلاث لم نرك، كنا هممنا لك بشيء فصر فناه إلى غيرك.
قلت: يا أمير المؤمنين؛ جزاك الله عن هذا الهم خيرا، ألا أنشدك بهذا
стр. 522
المعنى بيتين؟ قال: بلى، فأنشدته: [من البسيط]
لأشكرنك معروفا هممت به … إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يمضه قدر فالرزق بالقدر المحتوم مصروف
فأمر لي بألف دينار) (١).
[عزيت نفسي بالنبي محمد ﷺ ]
وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: دخلت على المتوكل لما توفيت أمه، فقال: يا جعفر؛ ربما قلت البيت الواحد، فإذا جاوزته .. خلطت، وقد قلت: [من الطويل]
تذكرت لما فرق الدهر بيننا … فعزيت نفسي بالنبي محمد
فأجازه بعض من حضر المجلس:
وقلت لها إن المنايا سبيلنا فمن لم يمت في يومه مات في غد (٢)
[صفة رجل أطيب عيشا من الخليفة]
وأخرج عن الفتح بن خاقان قال: (دخلت يوما على المتوكل فرأيته مطرقا متفكرا، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما هذا الفكر؟! فوالله؛ ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك!!
فقال: يا فتح؛ أطيب عيشا مني: رجل له دار واسعة، وزوجة صالحة، ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه) (٣)
стр. 523
[الجارية الشاعرة والمتوكل]
وأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة، اسمها: فضل، فقال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: هكذا زعم من باعني واشتراني، فقال: أنشدينا شيئا من شعرك، فأنشدته: [من السريع]
استقبل الملك إمام الهدى … عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر … وهو ابن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى … أن تملك الملك ثمانينا
لا قدس الله امرأ لم يقل … عند دعائي لك آمينا (١)
[منامان توافقا]
وأخرج عن علي بن الجهم قال: (أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها: محبوبة، قد نشأت بالطائف، وتعلمت الأدب، وروت الأشعار، فأغري المتوكل بها، ثم إنه غضب عليها، ومنع جواري القصر من كلامها، فدخلت عليه يوما، فقال لي: قد رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني، فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين.
فقال: قم بنا لننظر ما هي عليه، فقمنا حتى أتينا حجرتها؛ فإذا هي تضرب
بالعود وتقول: [من المنسرح]
أدور في القصر لا أرى أحدا … أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني أتيت معصية … ليست لها توبة تخلصني
فهل شفيع لنا إلى ملك … قد زارني في الكرى فصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا … عاد إلى هجره فصارمني
فصاح المتوكل، فخرجت إليه، فأكبت على رجليه تقبلهما، فقالت: يا سيدي؛ رأيتك في ليلتي هذه كأنك صالحتني، قال: وأنا والله قد رأيتك،
стр. 524
فردها إلى مرتبتها، فلما قتل المتوكل .. صارت إلى بغا … وذكر الأبيات السابقة) (١).
[مدح البحتري للمتوكل في رفعه للمحنة]
وأخرج عن علي البحتري يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة، ويهجو ابن أبي دؤاد: [من الوافر]
أمير المؤمنين لقد شكرنا … إلى أيامك الغر الحسان
رددت الدين فذا بعدما قد … أراه فرقتين تخاصمان
قصمت الظالمين بكل أرض … فأضحى الظلم مجهول المكان
وفي سنة رمت متجبريهم … على قدر بداهية عوان
فما أبقت من ابن أبي دؤاد … سوى جسد يخاطب بالمعاني
تحير فيه سابور بن سهل … فطاوله وماه الأماني
إذا أصحابه اصطحبوا (٢) بليل أطالوا الخوض في خلق القران (٣)
[رؤيتان في وفاة المتوكل]
وأخرج عن صالح بن أحمد ابن حنبل قال: (سهرت ليلة ثم نمت، فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج به إلى السماء، وقائلا يقول: [من الكامل]
ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضل في العفو ليس بجائر
ثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد) (٤).
стр. 525
وأخرج عن عمرو بن شيبان الجهني قال: (رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول: [من البسيط]
يا نائم العين في أقطار جثمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان
أما ترى الفتية الأرجاس ما فعلوا … بالهاشمي وبالفتح بن خاقان
وافي إلى الله مظلوما تضح له … أهل السماوات من مثنى ووحدان
وسوف يأتيكم أخرى مسومة … توقعوها لها شأن من الشان
فابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الإنس والجان
ثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بقليل من السنة أحييتها، قلت: فما تصنع ههنا؟ قال: أنتظر محمدا ابني أخاصمه إلى الله) (١).
أحاديث من رواية المتوكل
قال الخطيب: (أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم القاضي، حدثنا محمد بن هارون الهاشمي، حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال: سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم، عن محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «من حرم الرفق .. حرم الخير» أخرجه الطبراني في «معجمه الكبير» من وجه آخر عن جرير) (٢).
[حديث مسلسل بالجمة والآباء والخلفاء]
وقال ابن عساكر: (أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي، أخبرنا جدي
стр. 526
أبو محمد، حدثنا أبو علي الحسن بن علي الأهوازي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي، حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر، حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي، حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار، حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق قالوا: حدثنا علي بن الجهم قال: كنت عند المتوكل، فتذاكروا عنده الجمال، فقال: إن حسن الشعر لمن الجمال، ثم قال: حدثني المعتصم، حدثنا المأمون، حدثنا الرشيد، حدثنا المهدي، حدثنا المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله ﷺ جمة إلى شحمة أذنيه، كأنها نظام اللؤلؤ، وكان من أجمل الناس، وكان أسمر رقيق اللون، لا بالطويل ولا بالقصير، وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه، وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه).
قال علي بن الجهم: وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه، وقال لنا المتوكل: كان للمعتصم جمة، وكذلك للمأمون والرشيد والمهدي والمنصور، ولأبيه محمد ولجده علي ولأبيه عبد الله بن عباس.
قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه: بذكر الجمة، وبالآباء، وبالخلفاء؛ ففي إسناده ست خلفاء.
[من مات في عهده]
مات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام: أبو ثور، والإمام أحمد ابن حنبل، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وإسحاق بن راهويه، وإسحاق النديم، وروح المقرئ، وزهير بن حرب، وسحنون، وسليمان الشاذكوني، وأبو مسعود العسكري، وأبو جعفر النفيلي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه، وديك الجن الشاعر، وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية، وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي، وعبيد الله بن عمر القواريري، وعلي بن المديني، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويحيى بن معين، ويحيى ابن بكير، ويحيي بن
стр. 527
يحيى، ويوسف الأزرق المقرئ، وبشر بن الوليد الكندي المالكي، وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا ﵀، وأبو الهذيل العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال، وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة، وابن كلاب المتكلم، والقاضي يحيى بن أكثم، والحارث المحاسبي، وحرملة صاحب الشافعي، وابن السكيت، وأحمد بن منيع، وذو النون المصري الزاهد، وأبو تراب النخشبي، وأبو عمر الدوري المقرئ، ودعبل الشاعر، وأبو عثمان المازني النحوي، و خلائق آخرون
стр. 528
خلافة المنتصر بالله محمد [٢٤٧ - ٢٤٨ هـ] (١)
أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد، أمه: أم ولد رومية، اسمها: حبشية، وكان مليح الوجه، أسمر، أعين، أقنى، ربعة جسيما بطينا، مليحا مهيبا، وافر العقل، راغبا في الخير، قليل الظلم، محسنا إلى العلويين، وصولا لهم، أزال عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين، ورد على آل الحسين فدك، فقال يزيد المهلبي في ذلك (٢):
ولقد بررت الطالبية بعدما … ذموا زمانا بعدها وزمانا
ورددت ألفة هاشم فرأيتهم … بعد العداوة بينهم (٣) إخوانا
بويع له بعد قتل أبيه في شوال، سنة سبع وأربعين، فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده، وأظهر العدل والإنصاف في الرعية، فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له، وكان كريما حليما.
ومن كلامه: (لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح أفعال المقتدر الانتقام) (٤).
ولما ولي .. صار يسب الأتراك، ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء، فعملوا عليه، وهموا به، فعجزوا عنه؛ لأنه كان مهيبا شجاعا، فطنا متحرزا، فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه، فأشار بفصده، ثم فصده بريشة مسمومة فمات
стр. 529
ويقال: إن ابن طيفور نسي ومرض، فأمر غلامه فقصده بتلك الريشة فمات أيضا.
قيل: بل سم في كمثراة، وقيل: مات بالخوانيق (١).
ولما احتضر .. قال: (يا أماه؛ ذهبت مني الدنيا والآخرة، عاجلت أبي فعوجلت) (٢).
مات في خامس ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين، عن ست وعشرين سنة، أو دونها، فلم يمتع بالخلافة إلا أشهرا معدودة دون الستة أشهر.
وقيل: إنه جلس للهو، فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج، وحوله كتابة فارسية، فطلب من يقرأ ذلك، فأحضر رجل فنظره فقطب، فقال: (ما هذه؟ قال: لا معنى لها، فألح عليه، فقال: أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز، قتلت أبي فلم أمتع بالملك إلا ستة أشهر، فتغير وجه المنتصر) (٣).
وفي «لطائف المعارف» للثعالبي: (أعرق الخلفاء في الخلافة: المنتصر؛ فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء، وكذلك أخواه المعتز والمعتمد) (٤).
قلت: أعرق منه: المستعصم الذي قتله التتار، فإن آباءه الثمانية خلفاء
[من قتل أباه لم يمتع بملكه]
قال الثعالبي: (ومن العجائب: أن أعرق الأكاسرة في الملك - وهو شيرويه - قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر، وأعرق الخلفاء في الخلافة وهو المنتصر قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر) (٥).
стр. 530
خلافة المستعين بالله [٢٤٨ - ٢٥٢ هـ] (١)
أبو العباس، أحمد بن المعتصم بن الرشيد، وهو أخو المتوكل، ولد سنة إحدى وعشرين ومئتين، وأمه: أم ولد، اسمها: مخارق.
وكان مليحا أبيض، بوجهه أثر الجدري، ألثغ، ولما مات المنتصر ..
اجتمع القواد وتشاوروا، وقالوا: متى وليتم أحدا من ولد المتوكل .. لا يبقى منا باقية.
فقالوا: ما لها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا، فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة، واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين، فتنكر له الأتراك لما قتل وصيف وبغا باغرا التركي الذي فتك بالمتوكل، ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر، حتى قيل في ذلك (٢):
خليفة في قفص بين وصيف وبغا … يقول ما قالا له كما تقول الببغا
ولما تنكر له الأتراك .. خاف وانحدر من سامراء إلى بغداد، فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له، ويسألونه الرجوع فامتنع، فقصدوا الحبس، وأخرجوا المعتز بالله، وبايعوه وخلعوا المستعين.
ثم جهز المعتز جيشا كثيفا لمحاربة المستعين، واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين، فوقعت بينهما وقعات، ودام القتال أشهرا، وكثر القتل، وغلت