← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وخاتم رسله، وبعد: فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة - لتحمد الله على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة؛ وذلك منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة منذ عدة سنوات امتدادا لتلك الجهود، وسيرا على تلك المحجة التي عرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة معظمها يطبع لأول مرة؛ كتفسير العليمي «فتح الرحمن في تفسير القرآن»، و «مرسوم المصحف» للعقيلي، و «الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة» لأبي بكر عبد الغني المشتهر باللبيب، و «معاني الأحرف السبعة» لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر، و «حاشية مسند الإمام أحمد» للسندي، و «شرحين لموطأ الإمام مالك» - لكل من القنازعي والبوني، و «شرح مسند الإمام الشافعي» للرافعي، ونخب الأفكار «شرح معاني الآثار» للبدر العيني، و «مصابيح الجامع» للقاضي بدر الدين الدماميني، و «التقاسيم والأنواع» للإمام ابن حبان. إضافة إلى «صحيح الإمام ابن خزيمة» بتحقيقه الجديد المتقن، ومثله كتاب «السنن الكبرى» للإمام النسائي المحقق على عدة نسخ خطية، و «المخلصيات»

стр. 2

لأبي طاهر المخلص، و «مطالع الأنوار» لابن قرقول، و «نهاية المطلب في دراية المذهب» للإمام الجويني، بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله تعالى عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و «الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف» للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد الله الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أيضا، و «التبصرة» للإمام اللخمي، «حاشية الخلوتي» في الفقه الحنبلي. ومؤخرا كتاب «الأصل» لمحمد بن الحسن الشيباني، كاملا محققا على أصول عدة. وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى. كما طبعت الوزارة لأول مرة كتاب «جامع الآثار في السير ومولد المختار» لابن ناصر الدين الدمشقي، و «الوجيز في السيرة» و «عصر السيرة» كلاهما للدكتور أكرم ضياء العمري حفظه الله. وفي معتقد أهل السنة والجماعة على مذهب السلف الصالح أصدرت الوزارة كتابا نفيسا لطيفا وهو: «الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد» لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما الله تعالى. هذا في جانب ما ينشر لأول مرة من كتب التراث. أما في الدراسات والتأليف المعاصرة: فقد نشرت الوزارة مجموعة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها، منها: «القيمة الاقتصادية للزمن»، و «نوازل الإنجاب»، و «الأحكام المتعلقة بالتدخين»، وغيرها. وفي الطريق - بإذن الله تعالى - ما تقر به عيون الباحثين من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، والنوازل بأنواعها المختلفة. واليوم يسر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تقدم للقارئ الكريم طبعتها الخاصة والمنقحة من كتاب «تاريخ الخلفاء» للسيوطي.

стр. 3

ومن محاسن هذا الكتاب أنه ذكر الخلفاء جميعا بترتيب حسن، أساسه ذكر الخليفة لا العام، وعلى الرغم من الإيجاز الشديد أحيانا والاقتصار على القليل من الأخبار التاريخية لكثير من الخلفاء .. إلا أنه يقدم تصورا مجملا عمن تولى أمور المسلمين حتى أوائل القرن العاشر. وقد ساق فيه المصنف الأخبار النادرة عن كل خليفة بما يوفر للقارئ معلومات تقوده إلى المصادر المفصلة عنهم. ومن مزاياه: أن المصنف بسط فيه تاريخ الخلفاء الأربعة ﵃، وساق طرفا من فضائلهم ومناقبهم، مما هو قذى في عيون مبغضيهم، وبرد وسلام على محبيهم، فهم خلفاء الرسول ﷺ ووزراؤه وأصفياؤه، حبهم إيمان، وبغضهم نفاق. ومن ميزات الكتاب: أن المؤلف كان موسوعي الثقافة، لديه قدرة على فرز الأخبار المغرضة والتنبيه عليها، وقد فعل هذا في كثير من روايات الكتاب، وما فات المؤلف أتى عليه التحقيق، فزاد ذلك من قيمته، ويكفيه أنه بمثابة مختصر نفيس لكتاب (تاريخ الإسلام) للإمام الذهبي، بعد أن زاد عليه السيوطي ونقحه وهذبه. نسأل الله جل وعلا أن ينفع بهذا العمل، وأن يزيدنا من فضله وتوفيقه. إدارة الشؤون الإسلامية

стр. 4

﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾

стр. 5

بين يدى الكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي أفضل صلاة وأسلم أتم تسليم على سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحابته وأتباعهم أجمعين. وبعد: فإن العلم خير ما عني به الإنسان؛ ففيه قوام الدين والدنيا، وقد حثنا الله تعالى على العلم حيث قال: ﴿فأعلم أنه لا إله إلا الله﴾. فالعلم خير ما صرفت فيه الأوقات، وتوجهت إليه الرغبات. وفن التاريخ من خير ما صرفت إليه الهمم، وكتب به القلم؛ إذ به تعرف أحوال السابقين، وتلمح أفكار النابغين، ويميز بين الغث والسمين. ومن يعي التاريخ في صدره … أضاف أعمارا إلى عمره فهو علم ينور البصيرة، ويضيء السريرة، ويضع الناظر فيه في مواقف الاعتبار. قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾. ومن جملة فنونه: معرفة أحوال السلاطين والأمراء، وبيان ارتباط العامة بالعلماء. وإن هذا الكتاب الذي بين أيدينا، الموسوم بـ «تاريخ الخلفاء» للإمام الجلال السيوطي .. لهو سفر يبحث في أخبار الخلفاء السابقين، وأحوال الملوك والوزراء والسلاطين. فهو كتاب جليل القدر، عميم النفع، مختصر العبارة، جميل الإشارة، نظم فيه مؤلفه رحمه الله تعالى سير الخلفاء والأمراء، منذ أن انقضى عهد النبوة إلى عصره.

стр. 6

انتهج فيه مسلكا بديعا أنيقا، أتى فيه بزبدة كتب التواريخ، وعلى الأخص كتاب «تاريخ الإسلام» للإمام الذهبي رحمه الله تعالى، الذي كان عمدته في تصنيفه. ثم ضم إليه من غيره شوارد كانت أغفلت في ذاك الكتاب. ثم بعد انقضاء زمن الذهبي رحمه الله تعالى - وكان قد أتى على ما فيه .. - عول على غيره من الكتب المعتبرة؛ التي وضعت من قبل علماء أفذاذ محدثين، لهم الباع الطويل في نقد الأخبار والتواريخ؛ كأمثال ابن كثير وابن حجر وابن فضل الله رحمهم الله تعالى أجمعين. إلى أن وصل في تاريخه إلى عصره .. فانبرى هو لاستقراء الحوادث في عصره، فذكر أحداثا هامة تنير فكر القارئ، وتظهر له ملامح ذلك العصر. ثم إن إمامنا السيوطي رحمه الله تعالى رتب تحت كل ترجمة أحداث تلك الحقبة من الزمان، ثم ختم هذه الترجمة بذكر الذين ماتوا في تلك الفترة؛ تتميما للفائدة، واقتداء بأستاذه الذهبي رحمهما الله تعالى. تعريف التاريخ التاريخ لغة: الإعلام بالوقت، يقال: أرخت الكتاب وورخته؛ أي: بينت وقت كتابته. واصطلاحا: التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال: من مولد الرواة والأئمة، ووفاة وصحة، وعقل وبدن، ورحلة وحج، وحفظ وضبط، وتوثيق وتجريح، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم؛ في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم. ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة: من ظهور ملمة، وتجديد فرض وخليفة ووزير، وغزوة وملحمة وحرب، وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه، وانتقال دولة.

стр. 7

وربما يتوسع فيه: لبدء الخلق، وقصص الأنبياء، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية، وأحوال القيامة ومقدماتها مما سيأتي. أو دونها: كبناء جامع، أو مدرسة، أو قنطرة، أو رصيف، أو نحوها مما يعم الانتفاع به مما هو شائع مشاهد. أو خفي سماوي: كجراد، وكسوف وخسوف، أو أرضي: كزلزلة وحريق، وسيل وطوفان، وقحط، وطاعون، وموتان وغيرها من الآيات العظام، والعجائب الجسام. والحاصل: أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت، بل عما كان في العالم (١). وأما موضوعه: فالإنسان والزمان. ومسائله: أحوالهما المفصلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان، وفي الزمان (٢). وأما فائدته: فهي كثيرة لا تنحصر، ولكنها متشعبة من فهمنا لمفهوم التاريخ؛ فمن فوائده وهي أجلها: - معرفة الأمور على وجهها، ومحاولة الوصول إلى الحقائق التاريخية السابقة على أسس علمية دقيقة. - ومعرفة الناسخ من المنسوخ عند التعارض. - وأنه إذا ذكرت سيرة حازم ووصفت عاقبة حاله .. أفادت حسن التدبير واستعمال الحزم، أو سيرة مفرط ووصفت عاقبته .. أفادت الخوف من التفريط؛ فيتأدب المتسلط، ويعتبر المتذكر، ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول، ويكون روضة للمتنزه في المنقول. - ويطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر، وسماع الأخبار. _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧).

стр. 8

وأن التواريخ وذكر السير راحة القلب، وجلاء الهم، وتنبيه للعقل؛ فإنه إن ذكرت عجائب المخلوقات .. دلت على عظمة الصانع، وإن وصفت أحوال ظريف .. أوجبت التعجب من الأقدار، والتنزه فيما يشبه الأسمار (١). منافع التاريخ الدنيوية والأخروية وذكر ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ»: (أن التاريخ له منافع دنيوية وأخروية: فأما الدنيوية: فمنها: أن الإنسان يحب البقاء، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء، فيا ليت شعري؛ أي فرق بين ما رآه أمس أو سمعه، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين، وحوادث المتقدمين؟! فإذا طالعها .. فكأنه عاصرهم، وإذا علمها .. فكأنه حاضرهم. ومنها: أن الملوك ومن إليهم الأمر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس، فيرويها خلف عن سلف، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر، وقبح الأحدوثة، وخراب البلاد، وهلاك العباد، وذهاب الأموال، وفساد الأحوال .. استقبحوها، وأعرضوا عنها، واطرحوها. وإذا رأوا سيرة الولاة العادلين، وحسنها، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم، وأن بلادهم وممالكهم عمرت، وأموالها درت .. استحسنوا ذلك، ورغبوا فيه، وثابروا عليه، وتركوا ما ينافيه، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء، وخلصوا بها من المهالك، واستصانوا نفائس المدن وعظيم الممالك، ولو لم يكن فيها غير هذا .. لكفى به فخرا. ومنها: ما يحصل للإنسان من التجارب، والمعرفة بالحوادث، وما تصير إليه عواقبها؛ فإنه لا يحدث أمر إلا قد تقدم هو أو نظيره؛ فيزداد بذلك عقلا، _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧، ٢١).

стр. 9

ويصبح لأن يقتدى به أهلا، ولقد أحسن القائل حيث يقول: رأيت العقل عقلين … فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع … إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس … وضوء العين ممنوع يعني بالمطبوع: العقل الغريزي الذي خلقه الله تعالى للإنسان، وبالمسموع: ما يزداد به العقل الغريزي من التجربة، وجعله عقلا ثانيا توسعا وتعظيما له، وإلا .. فهو زيادة في عقله الأول. ومنها: ما يتجمل به الإنسان في المجالس والمحافل من ذكر شيء من معارفها، ونقل طريفة من طرائفها، فترى الأسماع مصغية إليه، والوجوه مقبلة عليه، والقلوب متأملة ما يورده ويصدره، مستحسنة ما يذكره. وأما الأخروية: فمنها: أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها، ورأى تقلب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها إلى أعيان قاطنيها، وأنها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تبق على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير .. زهد فيها، وأعرض عنها، وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلها من هذه النقائص. ومنها: التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق؛ فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم، ولا ملك معظم، بل ولا أحد من البشر .. علم أنه يصيبه ما أصابهم، وينوبه ما نابهم) (١). فضل علم التاريخ وما قال فيه المؤرخون إن علم التاريخ يعد صلة الوصل بين الماضي والحاضر، وبين اليوم والمستقبل. _________ (١) الكامل في التاريخ (١/¬٩ - ١١).

стр. 10

فالدنيا كدولاب يدور، فما كان أمس .. فهو اليوم حاضر، وما كان اليوم .. فهو غدا، والعاقل من اتعظ بغيره. قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾. وهذا العلم يفسح العنان لخيالك؛ كي يسبح في أفق الماضي البعيد، فإذا هو متجسد بين يديك، وكأنك تجالس أعلامه، وتذاكر أيامه وساعاته؛ ولهذا تداولته الأمم: أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل. قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى مادحا علم التاريخ: (أما بعد: فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال. وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق؛ فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) (١). بهذا صدر العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى كتابه، وناهيك به وصفا عريقا لهذا العلم؛ فهو الخبير الخريت فيه، وهو صاحب دراية فيه وتعمق، وفضائل التاريخ جمة كثيرة لا تكاد تحصى. ومن المناسب هنا: أن نذكر جملا من أقوال جهابذة العلماء الذين تصدوا للتأليف فيه، أو الكلام عليه؛ فإن فيها نفعا لا يدركه إلا من عاينه. قال العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى: (اعلم: أن فن التاريخ فن عزيز. _________ (١) مقدمة ابن خلدون (ص ٣ - ٤).

стр. 11

المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم؛ حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا) (١). وقال الإمام الشافعي ﵁: (من حفظه - أي: التاريخ - … زاد عقله) (٢). وقال الجندي رحمه الله تعالى: (قص الله تعالى في كتابه المبين، كثيرا من أخبار الأمم الماضين؛ كقوم نوح وهود، وكمدين وثمود، وما حكاه عن موسى وهارون، وفرعون وقارون، وعن أصحاب الكهف والرقيم، وعن النمرود وإبراهيم، وقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾، وكفى بهذا دليلا على جلالة علم التاريخ وفضله، وفخامة قدر صاحبه ونبله) (٣). وقال سبط ابن الجوزي رحمه الله تعالى: (إن الفطر السليمة، والفكر المستقيمة .. تستشرف إلى معرفة البدايات، وتشرئب إلى إدراك المنسآت. ومن تدبر مجاري الأقدار، ومبادئ الليل والنهار .. صار كأنه عاصر تلك العصور، وباشر تلك الأمور، وإليه وقعت الإشارة الإلهية، والأمارة الربانية، إلى سيد الأولين والآخرين، بقوله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ وقال سبحانه في كتابه المجيد: ﴿ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد﴾ في آيات كثيرة وآيات عزيزة. فالله تعالى من على نبيه ﵊؛ بما قص عليه من أخبار الأمم في سالف الدهور والأعوام) (٤). _________ (١) مقدمة ابن خلدون (ص ٩). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ١٥). (٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ١٦). (٤) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٢٥ - ٢٦).

стр. 12

وقال السخاوي رحمه الله تعالى: ومن أحسن ما بلغني من الشعر في مدحه قول القاضي الأرجاني (١): إذا علم الإنسان أخبار من مضى … توهمته قد عاش من أول الدهر وتحسبه قد عاش آخر عمره … إذا كان قد أبقى الجميل من الذكر فقد عاش كل الدهر من كان عالما حليما كريما فاغتنم أطول العمر وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (إن معرفة الإنسان بأحوال العلماء .. رفعة وزين، وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم .. لوصمة وشين، ولقد علمت الأيقاظ أن العلم بذلك جم المصالح والمراشد، وأن الجهل به إحدى جوالب المناقص والمفاسد … وفي المعرفة بهم معرفة من هو أحق بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء) (٢). وكفى بهؤلاء العلماء شهودا، ولو أردنا أن نسوق باقي الأقوال .. لطال بنا الكلام. من هو المتأهل لكتابة التاريخ؟ لقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى شروطا يجب توافرها فيمن كتب في هذا الفن؛ فإن من حاد عنها .. وقع في الزلل والغلط، وقد ألمح العلامة ابن خلدون إلى بعضها، ثم تمم بعده الإمام السخاوي هذا البحث في كتابه العظيم «الإعلان بالتوبيخ» ولنبدأ بما ذكره العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى؛ حيث عرض بعض الأخطاء التي يقع فيها من ليس له أدنى علم وفهم بالتاريخ، فقال: (فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والآراء، وعلقت أفكارهم، ونقلها عنهم الكافة؛ من ضعفة النظر، والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضا كذلك من غير بحث ولا روية، واندرجت في محفوظاتهم؛ _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٤٥). (٢) طبقات الفقهاء الشافعية (١/ ٧٤ - ٧٥).

стр. 13

حتى صار فن التاريخ واهيا مختلطا، وناظره مرتبكا، وعد من مناحي العامة فإذا؛ يحتاج صاحب هذا الفن إلى العلم بقواعد السياسة، وطبائع الموجودات، واختلاف الأمم والبقاع والأعصار، في السير والأخلاق والعوائد، والنحل والمذاهب، وسائر الأحوال، والإحاطة بالحاضر من ذلك، ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق، أو بون ما بينهما من الخلاف، وتعليل المتفق منها والمختلف، والقيام على أصول الدول والملل، ومبادئ ظهورها، وأسباب حدوثها، ودواعي كونها، وأحوال القائمين بها وأخبارهم؛ حتى يكون مستوعبا لأسباب كل خبره وحينئذ يعرض خبر المنقول، على ما عنده من القواعد والأصول؛ فإن وافقها وجرى على مقتضاها .. كان صحيحا، وإلا .. زيفه واستغنى عنه) (١) شروط المؤرخ ولقد عقد الإمام السخاوي رحمه الله تعالى فصلا خاصا بشروط المؤرخ فقال: وأما شرط المعتني به: ١ - فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عنه مزيد الإتقان والتحري، ولا سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٢) وقد قال الخطيب رحمه الله تعالى في «جامعه»: ويجمعون - أي: أهل الحديث - أيضا: ما روي عن سلف المسلمين، من أخبار الأمم المتقدمين، وأقاصيص الأنبياء، وسير الأولياء، والذي نستحبه: ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله ﷺ . ثم ساق عن ابن عياش القطان: قلت لأحمد: أشتهي أن أجمع حديث الأنبياء؟ فقال لي: حتى تفرغ من حديث نبينا ﷺ (٣). _________ (١) مقدمة ابن خلدون (ص ٢٨). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٣). (٣) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥).

стр. 14

كذا صرح هو وغيره: بأنه ينبغي التحرز فيما يكتب من أخبار الأوائل والكتب القديمة، وما يكون من الحوادث والملاحم؛ لتردد الأمر فيها بين تجويز الإبطال أو الجزم؛ كـ «الكتاب» المنسوب لدانيال، بل ليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المسطرة .. إلا اليسير مما اتصل بنا أسانيده إلى الرسول ﷺ . وبالجملة: فأكثر ذلك إلى الوهاء أقرب (١) ٢ - أن يكون المؤرخ ذا دين وصلاح وخير، غير مداهن ومداح بعيد عن الورع؛ كما قال الذهبي رحمه الله تعالى: (قوم أعرض أهل الجرح والتعديل عن كشف حالهم؛ خوفا من السيف والضرب، وما زال هذا في كل دولة قائمة، يصف المؤرخ محاسنها، ويغضي عن مساوئها. هذا إذا كان المؤرخ ذا دين وخير، فإن كان مداحا مداهنا .. لم يلتفت إلى الورع، بل ربما أخرج مساوئ الكبير وهناته في هيئة المدح والمكارم والعظمة، فلا قوة إلا بالله) (٢) قال السخاوي: (بل ربما يخفي من ترجمته ما يظهر خلافه، ولا يسمح بترجمته بعد موته بما ترجمه به في حياته) (٣) ٣ - أن يكون ذكيا، متحريا لألفاظه مع أقرانه، وموريا بالصريح إلى إشاراته، وذلك بعدا من وقوع البغضاء بين القرناء (٤) ٤ - أن يكون عالما بطريق النقل؛ حتى لا يجزم إلا بما يتحققه. فإن لم يحصل له مستند معتمد في الرواية .. لم يجز له النقل، ولا يكتفي بالنقل الشائع؛ خصوصا إن ترتبت على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح. _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٣ - ٦٤). (٢) تاريخ الإسلام (٨/ ٤١٢). (٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٦ - ٦٧). (٤) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٧).

стр. 15

بل إن كان في الواقعة أمر قادح في حق المستور .. فينبغي له: ألا يبالغ في إفشائه، ويكتفي بالإشارة؛ لئلا يكون المذكور وقعت منه فلتة، فإذا ضبطت عليه .. لزمه عارها أبدا. ٥ - عدم التعرض لما قد يقع من العالم في مقتبل العمر والتشهير به، ويكون في مستدبر العمر قد رجع عنها؛ كما قال السخاوي رحمه الله تعالى: (وكذا يتجنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به، فمن ذا سلم؟! وإنما الاعتبار بحاله الآن، وما أحسن قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل - يعني: غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام … إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه .. وهب نقصه لفضله) (١) ٦ - أن يكون عارفا بمقادير الناس، وبأحوالهم، وبمنازلهم، فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع (٢) ٧ - أن يكون عالما بمراتب العلوم، ولا سيما الفروع والأصول، ويفهم الألفاظ ومواقعها؛ خوفا من إطلاق ألفاظ لا تليق بالمترجمين، فيحصل التعرض له بالتنقيص والتعزير الذي يشين (٣) ٨ - أن يكون ورعا تقيا؛ بحيث لا يأخذ بالتوهم والقرائن التي تختلف؛ خوفا من الدخول في قوله ﷺ : (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث) (٤)، ومتى لم يكن ورعا مع كونه معروفا بالعلم .. اشتد البلاء به، بخلاف العكس؛ فالورع والتقى يحجزه، ويوجب له الفحص والاجتهاد وترك المجازفة (٥). _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٦٩ - ٧٠). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٠). (٣) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٠). (٤) أخرجه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣) عن أبي هريرة ﵁. (٥) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧١ - ٧٢).

стр. 16

٩ - ألا يطيل الترجمة إلا بالقدر الذي يحتاج إليه قال السخاوي رحمه الله تعالى: (فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا، ولكنه يأتي إلى من يبغضه: فينقل جميع ما ذكر من مذامه، ويحذف كثيرا مما يراه من ممادحه، ويعكس الحال فيمن يحبه، ويظن المسكين أنه لم يأت بذنب؛ فإنه لا يجب عليه تطويل ترجمة أحد، ولا استيفاء ما ذكر من ممادحه، ولا يظن المغتر أن تقصيره لترجمته بهذه النية استزراء به، وخيانة الله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين في تأدية ما قيل في حقه من حمد وذم) (١) وقال رحمه الله تعالى أيضا: (قال التقي المقريزي: العلم في الجملة على قسمين: عقلي ونقلي، فينبغي أن يتفرغ المرء بعد إتقان ما يجب معرفته منهما لمطالعة التاريخ وتدبر مواعظه؛ فإنه يحصل بتدبره لمن أزال الله تعالى أكنة قلبه وغشاوة بصره نتيجة العلم بما صار إليه أبناء جنسه من الفناء والبيود، بعد التخول في الأموال والجنود، فيخطئ بالعزوف عن الدنيا، والرغبة في الآخرة) (٢) أخطاء المؤرخين ومما سبق يتبين لنا: أن الإطالة والإسهاب في المواضيع التاريخية، وعدم التثبت والتحقيق في جمع الروايات .. يولد مؤرخا مقلدا، بل مقلدا سيئا، فكأنه حاطب ليل لا يدري من أين يأخذ، ولا أين يضع. وقد ذكر العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى بعض تلك المآخذ التي قد يخطئ فيها المؤرخ فقال: (وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار؛ _________ (١) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٧٤). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٣٥)

стр. 17

فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، ولا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولا بد من ردها إلى الأصول، وعرضها على القواعد) (١). الإمام السيوطي وكتابه «تاريخ الخلفاء» علم من المقالة السابقة للعلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى، وبالنظر إلى سير الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه «تاريخ الخلفاء» أنه مؤرخ، حاذق، عالم، قد كان له قصب السبق مع تأخر زمانه، فكان مثالا للمؤرخ المتثبت، وعالما عارفا بأحواله، مطلعا على كل زمان، وبالأخص أحوال زمانه. فقد رام رحمه الله تعالى الاختصار في تراجمه للخلفاء، ولم يأت فيها إلا بالمهم المفيد لمن أراد التعرف على صاحب الترجمة. ومن خلال تتبع نص «تاريخ الخلفاء» مع أصله «تاريخ الإسلام» .. نجد أن الإمام السيوطي رحمه الله تعالى قد ابتعد عن كل ما فيه إشكال أو اختلاف من أعداد ونحوها مما نبه عليه العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى كما سبق. وقد جرد الإمام السيوطي رحمه الله تعالى كتابه من الاختلافات حول ما يدور في تراجم بعض الخلفاء؛ كالخلاف الواقع في خلافة معاوية ﵁، وخلافة يزيد، وخلافة هارون الرشيد … إلى غير ذلك مما يذكره أهل التاريخ. والحاصل: أن من أراد التعرف على خلفاء الإسلام، ويحصل خلاصة القول فيهم .. ففي كتاب الإمام السيوطي غنية، ومن طلب ما وراء ذلك .. فليقصد المطولات من المؤلفات. منهج الإمام السيوطي في هذا المختصر أما عن منهج الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في هذا المختصر .. فهو لم _________ (١) مقدمة ابن خلدون (ص ٩ - ١٠).

стр. 18

يكن عجالة رام فيها مجرد التأليف، وأن يذكر اسمه في سلك من ألف في هذا الفن، بل عمد رحمه الله تعالى إلى أفضل كتب التاريخ ثقة وضبطا، وتمحيصا وتحقيقا؛ كتاب «تاريخ الإسلام» للإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى، فمشى فيه على طريقته ونهجه. فإن كتاب الذهبي رحمه الله تعالى مرتب على السنوات، وفي ضمنها يذكر أحداث تلك السنوات؛ فالأعوام والسنوات كانت المحور الأساس لترتيب كتابه، وكان ذكر الخلفاء فيه تابعا لترتيب تلك السنوات. أما «تاريخ الخلفاء»: فكانت تراجم الخلفاء هي المحور لترتيب كتابه، والسنوات تابعة له. فيبدأ بذكر اسم الخليفة، ونسبه، وذكر زوجته وأولاده، وذكر سنة ولادته إن تحصل له، وسنة توليه، ثم يذكر الأحداث في خلافته مرتبة على السنوات إلى حين وفاته، وهكذا مشى في كل تراجمه. ثم في آخر ترجمة كل خليفة يذكر وفيات الأعلام الذين ماتوا خلال ولاية هذا الخليفة، وهو أيضا تابع فيه للإمام الذهبي رحمهما الله تعالى. إلا أنه لم يكن ما عند الذهبي فقط بغيته، بل صار يحشد من كتب التاريخ الموثوقة ما تحصل له؛ لإثراء المادة التي يكتب فيها؛ كـ «الأوراق» للصولي وكان عنده كاملا، و «المسالك» لابن فضل الله، وغيرهما. حتى إذا بلغ سنة (٧٠٠ هـ) .. التفت الإمام السيوطي إلى «البداية والنهاية» لابن كثير رحمهما الله تعالى، ثم من بعده إلى «إنباء الغمر بأبناء العمر» للحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيرها من كتب ابن تغري بردي والمقريزي وغيرهما. فإذا كان عصره .. سرد أخبارا لم نقف عليها إلا في كتابه هذا، وكان من بعده من العلماء إنما يأخذون هذه الأخبار منه، فكان مرجعا لهم.

стр. 19

سبب إفراد العلماء لتراجم الخلفاء لعل ما ذكره الإمامان ابن خلدون والسخاوي رحمهما الله تعالى في كتابيهما .. يبين لنا الارتباط الوثيق بين علم التاريخ وعلم السياسة، فالخلفاء والوزراء والقواد والولاة كانوا يمثلون السياسة الإسلامية؛ فمعرفة أحوالهم وأفعالهم، وتتبع أقوالهم .. يرشدنا إلى أن سياسة الناس كانت عندهم في المرتبة الأولى، وكان لها الحيز الأول في تفكيرهم، وتدبير أمور رعاياهم. وأيضا فقد قالوا قديما: (الناس على دين ملوكهم)، فأحوال الناس إنما تعرف من صنيع سلاطينهم. وإلى هذا أشار العلامة ابن خلدون رحمه الله تعالى فقال: (إن عوائد كل جيل تابعة لعوائد سلطانه؛ كما يقال في الأمثال الحكمية: «الناس على دين الملك»، وأهل الملك والسلطان إذا استولوا على الدولة والأمر .. فلا بد من أن يفزعوا إلى عوائد من قبلهم ويأخذون الكثير منها، ولا يغفلون عوائد جيلهم مع ذلك، فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول، فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم، ومزجت من عوائدهم وعوائدها .. خالفت أيضا بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة، ثم لا يزال التدريج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة) (١). وقال الإمام السخاوي رحمه الله تعالى: (ويستفاد من أنباء هذا الفن ما لعله مندرج في علوم أخر؛ كالسياسة العلم الذي يتعرف منه أنواع الرياسات والسياسات، والاجتماعات الفاضلة والمردية وتوابع ذلك) (٢). ولهذا كثرت اهتمامات الباحثين في هذا المجال بتراجم الخلفاء قديما وحديثا. _________ (١) مقدمة ابن خلدون (ص ٢٩). (٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ (ص ٤٥).

стр. 20

بعض المؤلفات في تراجم الخلفاء - «تاريخ الخلفاء» للمدائني الإمام الأخباري النسابة: علي بن محمد بن عبد الله أبي الحسن البغدادي (ت ٢٢٤ هـ). - «تاريخ الخلفاء» لمحمد بن حبيب بن أمية الأخباري المؤرخ: أبي جعفر البغدادي، صاحب كتاب «المحبر» و «المنمق» (ت ٢٤٥ هـ). - «تاريخ الخلفاء» لابن أبي الدنيا، الإمام الحافظ المحدث: عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي، صاحب التصانيف (ت ٢٨١ هـ). - «أخبار الخلفاء» للدولابي الإمام المحدث المؤرخ: محمد بن أحمد بن حماد أبي بشر (ت ٣٢٠ هـ). - «تاريخ الخلفاء» لنفطويه الإمام النحوي الأخباري: إبراهيم بن محمد بن عرفة أبي عبد الله العتكي (ت ٣٢٣ هـ). - «تاريخ الخلفاء» للخطبي الأديب الأخباري: إسماعيل بن علي بن إسماعيل أبي محمد، كان عارفا بأخبار الخلفاء (ت ٣٥٠ هـ). - «تاريخ الخلفاء» للسرخسي العلامة الفقيه: زهير بن الحسن بن علي أبي نصر الشافعي (ت ٤٥٤ هـ). - «الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء» للقضاعي الإمام المحدث القاضي: محمد بن سلامة أبي عبد الله، صاحب كتاب «الشهاب» (ت ٤٥٤ هـ). - «أسماء الخلفاء والولاة» لابن حزم الفقيه الحافظ المؤرخ: علي بن أحمد بن سعيد أبي محمد الأندلسي الظاهري (ت ٤٥٦ هـ). - «الإنباء في تاريخ الخلفاء» لابن العمراني العلامة المؤرخ: محمد بن علي بن محمد (ت نحو ٥٨٠ هـ).

стр. 21

- «بلغة الظرفاء في ذكر تواريخ الخلفاء» للسروجي العلامة المؤرخ: علي بن عبد الله بن محمد بن أبي السرور (ت ٦٤٨ هـ). - «ملخص تاريخ الخلفاء» للعلامة المؤرخ: علي بن أنجب بن الساعي البغدادي (ت ٦٧٤ هـ). - «الاكتفاء من تاريخ الخلفاء» للعلامة المؤرخ الشاعر: ابن نباتة، محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن الحسين أبي بكر (ت ٧٦٨ هـ). - «نظم السلوك في تواريخ الخلفاء والملوك» للبسطامي الفقيه العلامة المؤرخ: عبد الرحمن بن علي بن أحمد الحنفي (ت ٨٤٣ هـ). - «تاريخ الخلفاء» للنويري المؤرخ الخطيب المالكي: محمد بن محمد بن محمد بن علي كمال الدين (٨٥٧ هـ) التزم فيه ذكر الوفاة واسم الأب والأم والولد، والنسب والمذهب، ونقش الخاتم، ومن كان في دولته ومن كان في أيامه إلى قريب الثلاث مئة. - «مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة» ليوسف بن تغري بردي العلامة المؤرخ الطاهري: جمال الدين أبي المحاسن (ت ٨٧٤ هـ). - «بهجة السالك والمسلوك في تاريخ الخلفاء والسلاطين والملوك» للجعفري المؤرخ العلامة: محمد بن محمد بن محمد بن الحسن القاهري (ت ٨٨٧ هـ). وممن نظم تواريخ الخلفاء: - العلامة المؤرخ: محمد بن أحمد بن محمد الباعوني (ت ٨٧١ هـ) له (فرائد السلوك في تاريخ الخلفاء والملوك). - العلامة المؤرخ: محمد بن يوسف بن محمد الباعوني ابن أخ السابق (ت ٩١٦ هـ) وسماها «الإشارة الوفية إلى الخصائص الأشرفية» وهي ذيل للمنظومة السابقة.

стр. 22

خاتمه شكر قال ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١) فكان لزاما علينا أن تنطق ألسنتنا بالشكر، وأن نمد أيدينا بالدعاء لهذه الدار العامرة وللقائمين عليها لما تقدمه من خدمات للكتب العلمية وطلبة العلم، أمدها الله بمدد من عنده، وأعانها على متابعة الطريق؛ فإنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده _________ (١) أخرجه أبو داوود (٤٨١١)، والترمذي (١٩٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 23

ترجمه الإمام الحافظ العلامة جلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي رحمه الله تعالى (١) (٨٤٩ - ٩١١ هـ) اسمه ونسبه هو الإمام الحافظ، المحدث، الفقيه، العلامة، الحبر الفهامة: جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين أبي بكر بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الهمام، الخضيري، السيوطي (٢)، المصري، الشافعي (٣) _________ (١) مصادر الترجمة: (التحدث بنعمة الله) للإمام السيوطي، و «حسن المحاضرة» (١/ ٢٨٩ - ٢٩٧)، و «الضوء اللامع» (٤/ ٦٥ - ٧٠)، و (شذرات الذهب في أخبار من ذهب) (١٠/ ٧٩٧٤) و «الكواكب السائرة» (١/ ٢٢٧ - ٢٣٢)، و «النور السافر» (ص ٩٠ - ٩٤)، و «البدر الطالع» (ص ٣٣٧)، و «الأعلام» (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢)، و «معجم المؤلفين» (٢/ ٨٥٨٢)، و «الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي معلمة العلوم الإسلامية» للأستاذ الفاضل البحاثة إياد خالد الطباع (٢) نسبة الخضيري: لم يتحقق الإمام السيوطي رحمه الله تعالى إلام تكون هذه النسبة، إلا أنه رأى في كتب البلدان والأنساب أن الخضيرية محلة ببغداد، وحدثه من سمع أباه يذكر أن جده الأعلى كان أعجميا أو من الشرق، فلا يبعد أن تكون النسبة إلى المحلة المذكورة. ورجح العلامة أحمد تيمور باشا ﵀ كما نقله الأستاذ المحقق إياد خالد الطباع عنه في كتابه (الإمام الحافظ السيوطي) (ص ٣٤ - ٣٥) -: (أن في أسيوط مسجدا في المحلة المسماة بالخضيرية، ولعله المدرسة التي بناها أحد أجداده في أسيوط). وأما نسبة السيوطي - ويقال: الأسيوطي -: فإلى بلدة بصعيد مصر، والذي تحرر لدى الإمام السيوطي أن فيها خمس لغات: أسيوط بضم الهمزة وفتحها، وسيوط بتثليث السين. (٣) كذا ذكر المؤلف نسبه في «حسن المحاضرة» (١/ ٢٨٩) وترجم لنفسه فيه فقال: (وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب؛ اقتداء بالمحدثين قبلي، فقل أن ألف أحد منهم تاريخا إلا وذكر ترجمته فيه؛ وممن وقع له ذلك: الإمام عبد الغافر الفارسي في «تاريخ نيسابور»، وياقوت الحموي في «معجم الأدباء»، ولسان الدين بن الخطيب في «تاريخ غرناطة»، والحافظ تقي الدين الفاسي في «تاريخ مكة»، والحافظ

стр. 24

مولده ونشأته العلمية ولد الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى بعد المغرب، ليلة الأحد، مستهل شهر رجب، سنة (٨٤٩ هـ)، بالقاهرة، وكان يلقب بابن الكتب؛ لأن أباه كان من أهل العلم، واحتاج إلى مطالعة كتاب، فأمر أمه أن تأتيه بالكتاب من بين كتبه، فذهبت لتأتي به، ففاجأها المخاض وهي بين الكتب، فوضعته (١). وسماه والده في اليوم السابع من ولادته بعبد الرحمن (٢)، وفي ذلك لطائف؛ كما قاله المؤلف رحمه الله تعالى في «التحدث بنعمة الله»: منها: أنه أحب الأسماء إلى الله تعالى، وأنه موافق لاسم أمير الملائكة إسرافيل، وأنه موافق لاسم ولد سيدنا أبي بكر الصديق ﵄. قال السيوطي رحمه الله تعالى: وأظن الوالد قصد ذلك؛ فإن اسمه أبو بكر، فسماني باسم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. ومنها: أن هذا الاسم يجري مجرى اللقب؛ لأن اللقب المحبوب: ما أشعر بمدح أو رفعة، وكفى مدحا ورفعة الإضافة إلى الرحمن على وجه العبودية له. ومنها: أنه أول اسم سمى به آدم أول ولده. ومنها: أن المسمى به يصير من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما … ﴾ إلى آخر الآيات. ولقبه والده بجلال الدين، وكناه شيخه قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني لما عرض عليه وقال له: ما كنيتك؟ قال: لا كنية لي، فقال: أبو الفضل، وكتبه بخطه (٣). _________ = أبو الفضل ابن حجر في «قضاة مصر»، وأبو شامة في «الروضتين» وهو أورعهم وأزهدهم). (١) انظر «النور السافر» (ص ٩٠). (٢) كما هي السنة النبوية المشرفة، وقد غفل عنها كثير من الناس، وغفلوا أيضا عن تحسين الأسماء وقد أمروا بذلك، وهو من حق الأبناء على الآباء. (٣) انظر «النور السافر» (ص ٩٠).

стр. 25

وكان والد الإمام السيوطي من العلماء الأفاضل، والقضاة الأماثل، وقد ترجم له في «حسن المحاضرة»: أنه ولد بسيوط بعد ثمان مئة، واشتغل ببلده، وتولى بها القضاء قبل قدومه إلى القاهرة، ثم قدمها ولازم العلامة القاياتي (١)، وأجازه بالتدريس، وأخذ عن الحافظ ابن حجر، والشيخ عز الدين المقدسي (٢) وغيرهم. كان على جانب عظيم من الدين والتحري في الأحكام، وعدم الاجتماع بالناس، مواظبا على قراءة القرآن، يختم كل جمعة ختمة، وألف بعض التصانيف. توفي ليلة الاثنين بمرض ذات الجنب، في شهر صفر، سنة (٨٥٥ هـ)، وصلى عليه قاضي القضاة شرف الدين المناوي، رحمهم الله تعالى وأحسن إليهم جميعا (٣). فتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة (التحريم)، وأسند وصايته إلى جماعة منهم: الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم، وله من العمر دون ثماني سنين (٤). _________ (١) الإمام العلامة شمس الدين محمد بن علي القاياتي، ولد سنة (٧٨٥ هـ) تقريبا، وأخذ عن السراج البلقيني والبدر الطبندي والعز ابن جماعة وغيرهم، برع في الفقه والعربية والأصلين والمعاني، انتفع به خلق، وكان قاضي القضاة ومحقق الوقت وعلامة الافاق، توفي سنة (٨٥٠ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٣٩٠ - ٣٩١). (٢) الإمام العلامة قاضي الأقاليم عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن علي البغدادي مولدا، ثم المقدسي الحنبلي، الإمام العالم المفسر، ولد ببغداد سنة (٧٧٠ هـ)، واشتغل بها، ثم قدم دمشق وأخذ عن ابن اللحام الفقه، وبرع وصنف، وولي القضاء في دمشق وبغداد ومصر وبيت المقدس؛ لذلك سمي قاضي الأقاليم، توفي في دمشق سنة (٨٤٦ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٣٧٧). (٣) حسن المحاضرة (١/ ٣٨٠ - ٣٨١). (٤) شذرات الذهب (١٠/ ٧٥)

стр. 26

شيوخه وقد أحضره والده - وعمره ثلاث سنين - مجلس شيخ الإسلام ابن حجر مرة واحدة، وحضر وهو صغير مجلس الشيخ المحدث زين الدين رضوان العقبي (١)، ودرس الشيخ سراج الدين عمر الوردي (٢). قال المؤلف رحمه الله تعالى في «حسن المحاضرة»: (وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب)؛ رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي (٣)، فبرك علي، ونشأت يتيما، فحفظت القرآن دون ثماني سنين، ثم حفظت «العمدة»، و «منهاج الفقه والأصول» (٤)، و «ألفية ابن مالك»، وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهل سنة أربع وستين؛ فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضي زمانه الشيخ شهاب الدين الشار مساحي (٥) الذي كان يقال: إنه بلغ السن العالية، وجاوز المئة بكثير، والله أعلم بذلك، قرأت عليه في «شرحه على المجموع». وأجزت بتدريس العربية في مستهل سنة ست وستين. وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته: «شرح الاستعاذة _________ (١) هو الإمام المحدث رضوان بن محمد بن يوسف العقبي، ثم القاهري، محدث العصر، ولد سنة (٧٦٩ هـ) بمنية عقبة بالجيزة، فنشأ وحفظ القرآن وتلا بالسبع على الشيخ إسماعيل الأنبابي، وحضر دروس البلقيني وابن الملقن والصدر المناوي والعز ابن جماعة، واشتدت عنايته بالرواية، وانفرد بالديار المصرية بمعرفة شيوخها وما عندهم من المسموعات، وعرف العالي والنازل، وكتب بخطه الكثير من الكتب والأجزاء، توفي سنة (٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «الضوء اللامع» (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٩). (٢) النور السافر (ص ٩١). (٣) نسبة للسيدة نفيسة الحسنية صاحبة المشهد المشهور بمصر، والدها الأمير حسن، ولي إمرة المدينة للمنصور، ثم حبسه، ودخلت هي مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر، ولما توفيت سنة (٢٠٨ هـ) .. هم زوجها بحمل جنازتها إلى المدينة، فأبى أهل مصر، فدفنت بين القاهرة ومصر، رحمها الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٣/¬٤٣). (٤) أي: «منهاج الطالبين» للنووي، و «منهاج الأصول» للبيضاوي. (٥) الإمام العلامة شهاب الدين أحمد بن علي الشار مساحي، وهي نسبة إلى قرية شار مساح بلد قرب دمياط، كان شيخ علم الفرائض، توفي سنة (٨٦٥ هـ). انظر «نظم العقيان» (ص ٤٣ - ٤٤).

стр. 27

والبسملة» وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني (١)، فكتب عليه تقريظا. ولازمته في الفقه إلى أن مات، فلازمت ولده، فقرأت عليه من أول «التدريب» لوالده إلى (الوكالة) (٢)، وسمعت عليه من أول «الحاوي الصغير» إلى (العدد)، ومن أول «المنهاج» إلى (الزكاة) … وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري. فلما توفي سنة ثمان وسبعين. لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي (٣)، فقرأت عليه قطعة من «المنهاج». ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبته أربع سنين، وكتب لي تقريظا على «شرح ألفية ابن مالك»، وعلى «جمع الجوامع» تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه (٤). ولم ينفك عن الشيخ إلى أن مات رحمه الله تعالى. _________ (١) قاضي القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني، حامل لواء الشافعية، ولد سنة (٧٩١ هـ) تولى مشيخة الخشابية، والتفسير بالبرقوقية، وتولى القضاء الأكبر، وتكرر عزله وإعادته، توفي سنة (٨٦٨ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٤٥٤). (٢) التدريب في الفروع، للإمام الفقيه سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفى سنة (٨٠٥)، بلغ فيه إلى (كتاب الرضاع)، ثم أكمله ولده علم الدين، رحمهما الله تعالى. (٣) قاضي القضاة شرف الدين يحيى بن محمد بن محمد بن محمد المناوي، شيخ الإسلام، ولد سنة (٧٩٨ هـ)، ولازم الشيخ ولي الدين العراقي، وتصدى للإقراء والإفتاء، وتخرج به الأعيان، توفي سنة (٨٧١ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «حسن المحاضرة» (١/ ٣٨٤). (٤) حسن المحاضرة (١/ ٢٩١)، ثم قال عن شيخه الشبلي رحمه الله تعالى: (ورجع إلى قولي مجردا في حديث؛ فإنه أورد في «حاشيته على الشفا» حديث أبي الحمراء في الإسراء، وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت «ابن ماجه» في مظنته فلم أجده، فمررت على الكتاب كله، فلم أجده، فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده، ورأيته في «معجم الصحابة» لابن قانع، فجئت إلى الشيخ وأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك .. أخذ نسخته، وأخذ القلم فضرب على لفظ «ابن ماجه» وألحق «ابن قانع» في الحاشية، فأعظمت ذلك، وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي، واحتقاري في نفسي، فقلت: ألا تصبرون لعلكم تراجعون؟! فقال: لا؛ إنما قلدت في قولي: «ابن ماجه» البرهان الحلبي).

стр. 28

ولزم الشيخ العلامة: محيي الدين الكافيجي أربع عشرة سنة (١)، وأخذ عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك، وكتب له إجازة عظيمة. وحضر عند الشيخ سيف الدين الحنفي (٢) دروسا عديدة في «الكشاف»، و «التوضيح»، و «حاشيته عليه»، و «تلخيص المفتاح»، و «العضد». قال رحمه الله تعالى عن نفسه: (وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور، ولما حججت .. شربت من ماء زمزم لأمور: منها: أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين، وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنتين وسبعين) (٣). وقرأ على الشمس السيرامي «صحيح مسلم» إلا قليلا منه (٤)، و «الشفا»، و «ألفية ابن مالك» فما أتمها إلا وقد صنف، وسمع على شيخه المذكور كثيرا من الكتب (٥). _________ (١) الإمام العلامة محيي الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن مسعود الرومي، الكافيجي - بكسر الفاء وفتح التحتية: نسبة إلى «كافية ابن الحاجب» لكثرة قراءته وإقرائه لها - الحنفي، الإمام المحقق علامة الوقت، ولد قبل سنة (٨٠٠ هـ)، برع وتقدم في التفسير والحديث والأصلين والعربية وغير ذلك، توفي سنة (٨٧٢ هـ) رحمه الله تعالى. انظر (حسن المحاضرة) (١/ ٤٧٦). (٢) هو العلامة الشيخ سيف الدين الحنفي محمد بن محمد بن محمد بن قطلوبغا، العلامة الورع الزاهد العابد، ولد تقريبا على رأس سنة (٨٠٠ هـ)، وأخذ عن قارئ «الهداية»، ولازم ابن الهمام، وهو محقق الديار المصرية، توفي سنة (٨٨١ هـ)، وهو آخر شيوخ المؤلف موتا، رحمهم الله تعالى. انظر (حسن المحاضرة) (١/ ٤١٣). (٣) حسن المحاضرة (١/ ٢٩١ - ٢٩٢). (٤) العلامة نظام الدين يحيى بن يوسف - وقيل: سيف وهو الأشهر - ابن عيسى السيرامي الأصل والمولد، المصري الدار والوفاة، الحنفي شيخ الشيوخ، برع في الفقه والأصلين والعربية، وشارك في عدة فنون، وتصدر للإفتاء والتدريس، وتخرج به الكثير، توفي سنة (٨٣٣ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١). (٥) شذرات الذهب (١٠/ ٧٥).

стр. 29

وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي (١) «الكافية» و «شرحها»، ومقدمة «إيساغوجي» و «شرحها» للكاتي، وسمع عليه من «المتوسط» (٢)، و «الشافية» و «شرحها» للجاربردي، ومن «ألفية العراقي»، ولزمه حتى مات سنة سبع وستين. وقد ذكر تلميذه الداوودي في ترجمة شيخه السيوطي أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم، فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا (٣). وقال في «حسن المحاضرة»: (وأما مشايخي في الرواية سماعا وإجازة .. فكثير، أوردتهم في «المعجم» الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مئة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية؛ لاشتغالي بما هو أهم؛ وهو قراءة الدراية) (٤). وقد أورد الأستاذ المحقق إياد خالد الطباع حفظه الله أسماء شيوخه من الرجال والنساء حتى أوصلهم إلى أربعة ومئتي شيخ، خمسهم - اثنان وأربعون - من النساء، ونلاحظ من خلال التتبع: أن شيوخه هم أعيان عصره، وفضلاء دهره، وأكابر علماء زمانه في التفسير والحديث والفقه، والمنطق والكلام، والأدب واللغة، والنحو والبلاغة. وقد تنوعت مذاهب شيوخه: كالإمام الشمني الحنفي (٥)، والكافيجي. _________ (١) العلامة محمد بن سعد الدين بن خليل، الشمس المرزباني الحنفي، الفقيه اللغوي الأصولي، توفي سنة (٨٦٧ هـ) رحمه الله تعالى. انظر (الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية) (ص ٥٩). (٢) المتوسط: هو شرح على «كافية ابن الحاجب» تأليف السيد ركن الدين حسن بن محمد الإسترابادي المتوفى سنة (٧١٧ هـ) رحمه الله تعالى. (٣) شذرات الذهب (١٠/ ٧٦). (٤) حسن المحاضرة (١/ ٢٩٢). (٥) الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن العلامة كمال الدين محمد الشمني الحنفي، إمام النحاة في زمانه، وشيخ التفسير والفقه والحديث وغير ذلك من العلوم العديدة، توفي رحمه الله تعالى سنة (٨٧٢ هـ). انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٧).

стр. 30

الحنفي، والإمام نجم الدين عبد الرحمن بن عبد الوارث المالكي (١)، والعلامة الإمام عز الدين الكناني الحنبلي (٢) وتنوعت روايته عن مشايخ من أمصار مختلفة؛ مما جعله يحوز قصب السبق في أكثر الميادين؛ وكأن لسان حاله يقول: (من الطويل) أولئك أهل الفضل حتى ولو فنوا … لهم بركات في الدنا ومنافع أولئك أشياخي فجئني بمثلهم … إذا جمعتنا يا جرير المجامع صفاته تميز الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: بذهن ثاقب، وحافظة قل أن يوجد لها نظير، وتبحر في علوم كثيرة، قلما تجدها مجموعة في شخص واحد. وهو أعجوبة زمانه، ومؤلفاته التي لا تكاد تحصر خير دليل على تبحره وإتقانه. واسمع ما قاله عن نفسه في «حسن المحاضرة»: (ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده: أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه، والنقول التي اطلعت عليها فيها .. لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي؛ فضلا عمن دونهم، وأما الفقه .. فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي (٣) فيه أوسع نظرا، وأطول باعا … ) (٤) _________ (١) العلامة عبد الرحمن بن عبد الوارث القرشي البكري المصري المالكي، ولد سنة (٧٨٣ هـ) بمصر، قرأ القرآن، وحفظ «الإلمام» لابن دقيق العيد و «مختصر ابن الحاجب»، وأخذ عن علماء عصره، كثير التواضع، عالي الهمة، ذو سطوة على المفسدين، وكان من القضاة، توفي سنة (٨٦٨ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «الضوء اللامع» (٤/ ٩٠ - ٩١). (٢) قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد، قاض مشى على طريقة السلف، تفرد بمذهب الإمام أحمد في عصره، ولد سنة (٨٠٠ هـ)، أخذ عن علماء عصره، وولي قضاء الحنابلة بمصر، توفي سنة (٨٧٦ هـ) رحمه الله تعالى. انظر «شذرات الذهب» (٩/ ٤٧٩ - ٤٨٠). (٣) العلامة علم الدين البلقيني رحمه الله تعالى. (٤) حسن المحاضرة (١/ ٢٩٢).

стр. 31

قال عنه العلامة ابن العماد ﵀ في (شذرات الذهب): (وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه؛ رجالا وغريبا، ومتنا وسندا، واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه: أنه يحفظ مئتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر .. لحفظته … ) (١) وإليك مثالا يدل على تبحره وعلو همته، وتصميمه وحفظه وإتقانه؛ حيث قال رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه «الأشباه والنظائر» في النحو: (ولم أزل من زمن الطلب أعتني بكتبها قديما وحديثا - أي: اللغة العربية - وأسعى في تحصيل ما دثر منها سعيا حثيثا، إلى أن وقفت منها على الجم الغفير، وأحطت بغالب الموجود؛ مطالعة وتأملا، بحيث لم يفتني سوى النزر، وألفت فيها الكتب المطولة والمختصرة … ) إلى أن قال: (وكان مما سودت من ذلك كتاب ظريف، لم أسبق إلى مثله، وديوان منيف؛ لم ينسج ناسج على شكله … ولم يكن انتهى المقصود منه؛ لاحتياجه إلى إلحاق، ولا سود بتسطير جميع ما أرصد له من بياض الأوراق، فحبسته بضع عشرة سنة، وحرم منه الكاتبون والمطالعون، ثم قدر الله أني أصبت بفقده؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، فاستخرت الله تعالى في إعادة تأليفه ثانيا، والعود - إن شاء الله تعالى - أحمد، وعزمت على تجديده، طالبا من الله سبحانه المعونة، فهو أجل من في المهمات يقصد) (٢). ومن يطلع على معجم شيوخه وما قرأه عليهم من الكتب .. يدفع قول القائل: إنه استبد بالأخذ من بطون الدفاتر والكتب، بل الناظر في تاريخ حياته، وعدد مؤلفاته سيسجل موقف إعجاب بتلك الشخصية الموسوعية الفذة، هذه الشخصية الفياضة بالعلم والمعرفة، أخرجت إلى الحضارة مئات المؤلفات والبحوث؛ والتي تعجز عن إعدادها مراكز البحوث الدولية الآن _________ (١) شذرات الذهب (١٠/ ٧٦). وذكر النجم الغزي رحمه الله تعالى في «الكواكب السائرة» (١/ ٢٢٩): (ورئي النبي ﷺ في المنام، والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث، والنبي ﷺ يقول: «هات يا شيخ السنة»). (٢) الأشباه والنظائر (١/¬٢٢)

стр. 32

ومؤلفاته الكبرى في: علوم القرآن، والحديث، والفقه، والنحو، والبلاغة، والطبقات؛ كلها من أمات المصادر في بابها، وعليها المدار في موضوعاتها. وما جمع في كتبه من مصادر قد لا توجد اليوم حتى بين المخطوطات؛ مما جعل كتبه هي الأصل، فحفظ لنا بكتبه كثيرا من الأخبار والآثار والنقول. وآراؤه في كتبه، وأقواله واجتهاداته: جعلته متفردا في عصره، وادعاؤه الاجتهاد والتجديد على خطورتهما لم ينزعهما عنه إلا حاسد أو مشاحن. واتفق مترجموه على الإقرار له بهما، والاعتراف بفضله وعلمه وتقدمه؛ مع ما كان عليه من التواضع وحب الصالحين، والتأني في المسائل والفتاوى، وورعه وزهده، وبعده عن عطايا الملوك. وكان إذا احتاج شيئا من النفقة .. باع من كتبه وأكل من ثمنها، وكل من وصل إلى هذه المرتبة لا بد له من حساد، وهذا من طباع البشر، فلا نتعرض لشيء من هذا؛ فأقوال الأقران في بعضهم غير مقبولة، رحمهم الله تعالى وعفا عنهم. وقد تحدى أهل زمانه بسبعة أسئلة طرحها عليهم، وأجاب عليها رحمه الله تعالى (١). قال عن نفسه في «حسن المحاضرة»: (وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى، أقول تحدثا بنعمة الله تعالى، لا فخرا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيلها بالفخر؟! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها .. لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله) (٢). _________ (١) انظر «الإمام الحافظ السيوطي» للأستاذ المحقق إياد خالد الطباع (ص ٧٣ - ٨٦). (٢) حسن المحاضرة (١/ ٢٩٢).

стр. 33

مؤلفاته وهي النافعة، الكثيرة الكاملة الجامعة، المتقنة المحررة، المعتمدة المعتبرة، فقد بلغها تلميذه الداوودي إلى خمس مئة مؤلف، وشهرتها تغني عن ذكرها. وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية في سرعة التأليف؛ حتى قال تلميذه الداوودي رحمه الله تعالى: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث، ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة (١). لكن بعد استقصاء مؤلفاته: ما بين مطول ومختصر، ورسالة وفتيا .. فقد بلغت - كما أحصاها الأستاذ المحقق إياد خالد الطباع حفظه الله - (١١٩٤) مؤلفا. نذكر من أهمها: في القرآن وما يتعلق به: «الإتقان في علوم القرآن»، و «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»، و «لباب النقول في أسباب النزول»، و «تناسق الدرر في تناسب السور». وفي الحديث وما يتعلق به: كتب شروحا على الكتب الستة، و «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي»، و «شرح ألفية العراقي»، و «جمع الجوامع»، و «الجامع الصغير»، و «الخصائص الكبرى» و «الصغرى»، و «شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور»، و «البدور السافرة عن أمور الآخرة» … إلى غير ذلك. وفي الفقه وما يتعلق به: «الأشباه والنظائر»، ونظم «الروضة» المسمى: «الخلاصة»، و «الأزهار الغضة في حواشي الروضة»، و «شرح التنبيه»، و «شرح الروض» … إلى آخره. _________ (١) شذرات الذهب (١٠/ ٧٦)

стр. 34

وفي الأجزاء المفردة: في مسائل مختلفة، وله أجزاء كثيرة؛ منها: «المصابيح في صلاة التراويح»، و «بسط الكف في إتمام الصف»، و «نتيجة الفكر في الجهر بالذكر»، و «الإنصاف في تمييز الأوقاف». وفي فن العربية وما يتعلق به: «شرح ألفية ابن مالك» المسمى: «البهجة المرضية في شرح الألفية»، و «جمع الجوامع» وشرحه «همع الهوامع»، و «الفتح القريب على مغني اللبيب»، و النكت على: «الألفية»، و «الكافية»، و «الشذور»، و «النزهة». وفي فن الأصول والبيان والتصوف: «شرح الكوكب الوقاد في الاعتقاد»، و «عقود الجمان في المعاني والبيان»، و «تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية»، و «درج المعالي في نصرة الغزالي على المنكر المتغالي»، و «الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال». وفي التاريخ والأدب: كتب عدة؛ كتب في الطبقات كـ «طبقات الحفاظ»، و «النحاة»، و «المفسرين»، و «الأصوليين»، و «الكتاب»، و «تاريخ الخلفاء» وهو كتابنا هذا، و «معجم شيوخه الكبير»، و «ديوان خطب»، و «ديوان شعر»، و «شرح بانت سعاد»، وغير ذلك كثير. حسبي وفي تعدادها لم أطمع. قال العلامة ابن العماد رحمه الله تعالى: (ومناقبه لا تحصر كثرة، ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتدقيقها .. لكفى ذلك شاهدا لمن يؤمن بالقدرة، وله شعر كثير، جيده كثير، ومتوسطه أكثر، وغالبه في الفوائد العلمية … ) (١). ومن هذه الفوائد أنه قال: حدثنا شيخنا الكناني … عن أبيه صاحب الخطابة أسرع أخا العلم في ثلاث … الأكل والمشي والكتابة _________ (١) شذرات الذهب (١٠/ ٧٨).

стр. 35

وله أيضا فيما يسن قبوله من الأشياء: (من الطويل) عن المصطفى سبع يسن قبولها … إذا ما بها قد أتحف المرء خلان فحلو وألبان ودهن وسادة … ورزق لمحتاج وطيب وريحان وقال في إملاء الحديث: (من الخفيف) عاب الإملاء للحديث رجال … قد سعوا في الضلال سعيا حثيثا إنما ينكر الأمالي قوم … لا يكادون يفقهون حديثا وقال أيضا: (من السريع) لم لا نرجي العفو من ربنا … وكيف لا نطمع في حلمه وفي الصحيحين أتى إنه … بعبده أرحم من أمه ولم نتعرض لتلامذته لكثرتهم، ولا لمناصبه رحمه الله تعالى؛ فقد كتبت فيه مؤلفات عديدة، وقصدنا الإيجاز، ومهما كتبنا .. فلن نوفي هذا العلم شيئا يسيرا من قدره، بل هذه رشفة من بحره الواسع، وقطرة من غيثه الهامع. وفاته ولما بلغ الأربعين .. أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك بمؤلف سماه بـ «التنفيس». وأقام في روضة المقياس جنوب القاهرة، وانقطع عن الخلق في منزله؛ حتى لم يكن يفتح طاقات بيته على النيل مدة سكناه. مرض رحمه الله تعالى في آخر حياته بورم شديد في ذراعه اليسرى، فمكث سبعة أيام، وتوفي رحمه الله تعالى سحر ليلة الجمعة، التاسع عشر من جمادى الأولى، سنة (٩١١ هـ) في منزله، وقد استكمل من العمر إحدى وستين وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما.

стр. 36

ونقل عنه: أنه قرأ (سورة يس) عند احتضاره، وصلى عليه خلائق بجامع الأباريقي بالروضة، عقيب صلاة الجمعة، وصلى عليه مرة ثانية خلائق لا يحصون، وكان له مشهد عظيم (١). ودفن بحوش قوصون، خارج باب القرافة، وقبره مشهور يزار، ومعروف عند أهل تلك المنطقة (٢)، وصلي عليه صلاة الغائب في دمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة، الثامن من رجب من تلك السنة. وممن رثاه بقصيدة الفقيه الشاعر عبد الباسط بن خليل الحنفي المتوفى سنة (٩٢٠ هـ) ومنها (٣): مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود وحافظ السنة مهدي الهدى … ومرشد الضال بنفع يعود فيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود وأظلمي يا دنيا إذ حق ذا … بل حق أن ترعد فيك الرعود وحق للضوء بأن ينطفي … وحق للقائم فيك القعود مصيبة حلت فحلت بنا … وأورثت نار اشتعال الكبود صبرنا الله عليها وأو … لاه نعيما حل دار الخلود وعمه منه بوبل الرضا … والغيث بالرحمة بين اللحود وبموته فقدت الأمة الإسلامية علما من أعلامها الأفذاذ على مر التاريخ، قل أن يجود الزمان بمثله، بل عجزت بطون الأمهات أن تلد بعده مثله، ولعل تلك الأم التركية الأصل، التي حملت في بطنها الجلال، وربته يتيما، ودفنته وقد بلغت الكبر .. لم تدر أن وليدها سيكون في يوم من الأيام مالئ الدنيا وشاغل الناس (٤). _________ (١) انظر «الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية» (ص ٤٣٦). (٢) انظر تفصيل الأستاذ إياد خالد الطباع حول مكان دفن الإمام السيوطي وتوضيحه ما توهمه كثير من الناس في كتابه «الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية» (ص ٤٣٧). (٣) الكواكب السائرة (١/ ٢٣٢). (٤) الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية (ص ٤٣٨).

стр. 37

رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا وإياه تحت لواء سيد المرسلين، فبمثل هؤلاء ترتفع الهامات، وبمثل هؤلاء تكون المكرمات، وبمثل هؤلاء تستمطر الرحمات، وبمثل هؤلاء تكون الحجج البالغات، وبمثلهم يستشفع إلى رب البريات فنسألك اللهم أن تنزل على قبره شآبيب البركات والرحمات والمغفرات، بجاه سيد الكائنات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجوم الزاهرات والحمد لله رب العالمين

стр. 38

وصف النسخ الخطية لقد من الله تعالى علينا بست نسخ خطية نفيسة ومطبوعة نادرة، وهذا توصيفها: النسخة الأولى: نسخة مصورة من مكتبة لاله لي، بإستنبول برقم (٢٠٠٥)، وقد اعتمدناها أصلا. وهي نسخة نفيسة جدا. تقع في (٢٥٢) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢١) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها بالحمرة، وعليها بعض الحواشي، خطها نسخي جميل. كتبت سنة (٩٧٦ هـ)، بخط أحمد بن محمد بن يوسف الجوجري، وهي منسوخة عن نسخة تلميذ الإمام السيوطي الشيخ جرامرد رحمهما الله تعالى. ورمزنا لها بـ (أ). النسخة الثانية: نسخة مصورة من مكتبة السلطان طرخان والده بإستنبول، رقم (٢٢٧). وهي نسخة في غاية النفاسة والضبط. تقع في (١٥٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٦) سطرا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٩) كلمة، عناوينها باللون الأزرق اللازوردي، وتقييدات النص بالأحمر، في أولها فهرسة للموضوعات، وخطها نسخي جميل. كتبت سنة (٩٨٧ هـ)، عن نسخة تلميذ الإمام السيوطي الشيخ جرامرد الناصري، دون ذكر لاسم ناسخها.

стр. 39

ورمزنا لها بـ (ب). النسخة الثالثة: نسخة مصورة من مكتبة قراه جلبي زاده بإستنبول، رقم (٢٦٥). وهي نسخة جيدة. تقع في (١٨٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٥) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٥) كلمة، عناوينها باللون الأحمر، وعليها بعض الحواشي لكاتبها، وخطها نسخي. كتبت سنة (٩٨٥ هـ) بمكة المكرمة، بخط: عبد الكريم بن علي السمهودي الحسيني. ورمزنا لها بـ (ج). النسخة الرابعة: نسخة مصورة من مكتبة يني جامع باستنبول، رقم (٨٢٩). وهي نسخة نفيسة جدا، مضبوطة بالشكل الكامل. تقع في (٤٧٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (١٣) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (٩) كلمات، عناوينها باللون الأحمر، لم يذكر عليها اسم ناسخها وتاريخ النسخ. ورمزنا لها بـ (د). النسخة الخامسة: نسخة مصورة من مكتبة فضل أحمد بإستنبول، رقم (١٠٣٤). وهي نسخة في غاية الدقة والنفاسة: تقع في (٢١٠) ورقات، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٣) سطرا،

стр. 40

ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها باللون الأحمر، وعليها بعض الحواشي والتقييدات، خطها معتاد. كتبت في حياة الإمام السيوطي سنة (٨٩٥ هـ)، وقد حصل شطب لاسم ناسخها!! وعليها مقابلة ومطالعة باسم: عبد اللطيف بن محمد؛ المعروف: برضا زاده. ورمزنا لها بـ (هـ). النسخة السادسة: نسخة مصورة من مكتبة دار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم (١٤) تاريخ. وهي نسخة جيدة. تقع في (١٥٢) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٩) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها باللون الأحمر. كتبت سنة (٩٦٥ هـ)، وقد كشط اسم ناسخها. وتم الاستئناس بها أثناء العمل. ورمزنا لها بـ (و). النسخة السابعة: مطبوعة قديمة، طبعت بمدينة لاهور عاصمة البنجاب سنة (١٣٠٤ هـ). طبعت على نفقة التجار: فقير الله وعبد العزيز وعبد القادر بن أحمد الجامى، رزقهم الله إيمانا كاملا. تتكون من (٣٧١) صفحة، وعدد أسطر الصفحة الواحدة (٢٧) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة. وجاء فيها: تاريخ الطبعة لمصححه ومحشيه الأحقر: غلام رسول عادل جرهي بعد إتمامه لعام الطبع (١٣٠٤ هـ - ١٨٨٧ م).
следующие страницы →