← История

История · id 11995

تاريخ الخلفاء - ط المنهاج

الجلال السيوطي

Полный текст (783 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ونقل عنه: أنه قرأ (سورة يس) عند احتضاره، وصلى عليه خلائق بجامع الأباريقي بالروضة، عقيب صلاة الجمعة، وصلى عليه مرة ثانية خلائق لا يحصون، وكان له مشهد عظيم (١). ودفن بحوش قوصون، خارج باب القرافة، وقبره مشهور يزار، ومعروف عند أهل تلك المنطقة (٢)، وصلي عليه صلاة الغائب في دمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة، الثامن من رجب من تلك السنة. وممن رثاه بقصيدة الفقيه الشاعر عبد الباسط بن خليل الحنفي المتوفى سنة (٩٢٠ هـ) ومنها (٣): مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود وحافظ السنة مهدي الهدى … ومرشد الضال بنفع يعود فيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود وأظلمي يا دنيا إذ حق ذا … بل حق أن ترعد فيك الرعود وحق للضوء بأن ينطفي … وحق للقائم فيك القعود مصيبة حلت فحلت بنا … وأورثت نار اشتعال الكبود صبرنا الله عليها وأو … لاه نعيما حل دار الخلود وعمه منه بوبل الرضا … والغيث بالرحمة بين اللحود وبموته فقدت الأمة الإسلامية علما من أعلامها الأفذاذ على مر التاريخ، قل أن يجود الزمان بمثله، بل عجزت بطون الأمهات أن تلد بعده مثله، ولعل تلك الأم التركية الأصل، التي حملت في بطنها الجلال، وربته يتيما، ودفنته وقد بلغت الكبر .. لم تدر أن وليدها سيكون في يوم من الأيام مالئ الدنيا وشاغل الناس (٤). _________ (١) انظر «الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية» (ص ٤٣٦). (٢) انظر تفصيل الأستاذ إياد خالد الطباع حول مكان دفن الإمام السيوطي وتوضيحه ما توهمه كثير من الناس في كتابه «الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية» (ص ٤٣٧). (٣) الكواكب السائرة (١/ ٢٣٢). (٤) الإمام السيوطي معلمة العلوم الإسلامية (ص ٤٣٨).

стр. 37

رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا وإياه تحت لواء سيد المرسلين، فبمثل هؤلاء ترتفع الهامات، وبمثل هؤلاء تكون المكرمات، وبمثل هؤلاء تستمطر الرحمات، وبمثل هؤلاء تكون الحجج البالغات، وبمثلهم يستشفع إلى رب البريات فنسألك اللهم أن تنزل على قبره شآبيب البركات والرحمات والمغفرات، بجاه سيد الكائنات، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه النجوم الزاهرات والحمد لله رب العالمين

стр. 38

وصف النسخ الخطية لقد من الله تعالى علينا بست نسخ خطية نفيسة ومطبوعة نادرة، وهذا توصيفها: النسخة الأولى: نسخة مصورة من مكتبة لاله لي، بإستنبول برقم (٢٠٠٥)، وقد اعتمدناها أصلا. وهي نسخة نفيسة جدا. تقع في (٢٥٢) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢١) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها بالحمرة، وعليها بعض الحواشي، خطها نسخي جميل. كتبت سنة (٩٧٦ هـ)، بخط أحمد بن محمد بن يوسف الجوجري، وهي منسوخة عن نسخة تلميذ الإمام السيوطي الشيخ جرامرد رحمهما الله تعالى. ورمزنا لها بـ (أ). النسخة الثانية: نسخة مصورة من مكتبة السلطان طرخان والده بإستنبول، رقم (٢٢٧). وهي نسخة في غاية النفاسة والضبط. تقع في (١٥٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٦) سطرا، ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٩) كلمة، عناوينها باللون الأزرق اللازوردي، وتقييدات النص بالأحمر، في أولها فهرسة للموضوعات، وخطها نسخي جميل. كتبت سنة (٩٨٧ هـ)، عن نسخة تلميذ الإمام السيوطي الشيخ جرامرد الناصري، دون ذكر لاسم ناسخها.

стр. 39

ورمزنا لها بـ (ب). النسخة الثالثة: نسخة مصورة من مكتبة قراه جلبي زاده بإستنبول، رقم (٢٦٥). وهي نسخة جيدة. تقع في (١٨٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٥) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٥) كلمة، عناوينها باللون الأحمر، وعليها بعض الحواشي لكاتبها، وخطها نسخي. كتبت سنة (٩٨٥ هـ) بمكة المكرمة، بخط: عبد الكريم بن علي السمهودي الحسيني. ورمزنا لها بـ (ج). النسخة الرابعة: نسخة مصورة من مكتبة يني جامع باستنبول، رقم (٨٢٩). وهي نسخة نفيسة جدا، مضبوطة بالشكل الكامل. تقع في (٤٧٨) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (١٣) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (٩) كلمات، عناوينها باللون الأحمر، لم يذكر عليها اسم ناسخها وتاريخ النسخ. ورمزنا لها بـ (د). النسخة الخامسة: نسخة مصورة من مكتبة فضل أحمد بإستنبول، رقم (١٠٣٤). وهي نسخة في غاية الدقة والنفاسة: تقع في (٢١٠) ورقات، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٣) سطرا،

стр. 40

ومتوسط عدد كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها باللون الأحمر، وعليها بعض الحواشي والتقييدات، خطها معتاد. كتبت في حياة الإمام السيوطي سنة (٨٩٥ هـ)، وقد حصل شطب لاسم ناسخها!! وعليها مقابلة ومطالعة باسم: عبد اللطيف بن محمد؛ المعروف: برضا زاده. ورمزنا لها بـ (هـ). النسخة السادسة: نسخة مصورة من مكتبة دار الكتب المصرية بالقاهرة، رقم (١٤) تاريخ. وهي نسخة جيدة. تقع في (١٥٢) ورقة، عدد أسطر الورقة الواحدة (٢٩) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٣) كلمة، عناوينها باللون الأحمر. كتبت سنة (٩٦٥ هـ)، وقد كشط اسم ناسخها. وتم الاستئناس بها أثناء العمل. ورمزنا لها بـ (و). النسخة السابعة: مطبوعة قديمة، طبعت بمدينة لاهور عاصمة البنجاب سنة (١٣٠٤ هـ). طبعت على نفقة التجار: فقير الله وعبد العزيز وعبد القادر بن أحمد الجامى، رزقهم الله إيمانا كاملا. تتكون من (٣٧١) صفحة، وعدد أسطر الصفحة الواحدة (٢٧) سطرا، ومتوسط كلمات السطر الواحد (١٢) كلمة. وجاء فيها: تاريخ الطبعة لمصححه ومحشيه الأحقر: غلام رسول عادل جرهي بعد إتمامه لعام الطبع (١٣٠٤ هـ - ١٨٨٧ م).

стр. 41

وجاء أيضا: لقد قام المحشي بتعريف وشرح لجميع الكلمات الغامضة، وكتب عقد الهبة للناشر، وبالتالي لا يسمح لأحد طباعة الكتاب دون إذن؛ وإلا .. فهو مسؤول بما يترتب على المخالفة القانونية. ورمزنا لها بـ (ط).

стр. 42

منهج العمل في الكتاب لقد بذلنا بحمد الله وتوفيقه جهدا علميا وتحقيقيا؛ ليخرج الكتاب على النحو الذي أراده المصنف، وتجلى عملنا في الخطوات التالية: - مقابلة النسخ جميعها مقابلة دقيقة ومحكمة، وإثبات بعض الفروق مما له أهمية، أو فائدة، أو يعطي معنى آخر. - ترصيع الكتاب بعلامات الترقيم وفق منهج الدار، ووضع عنونات بين معكوفين [] لبعض الفقرات، وجعلنا النص بلونين. - تخريج مواده العلمية كلها، وهي تنقسم إلى قسمين: أ - الأحاديث النبوية الشريفة: فكان تخريجنا للحديث بالرجوع إلى المصادر التي أحالنا عليها المصنف ﵀، فعرضناها على المصدر المطبوع، وأثبتنا الفرق إن وجد، وإن لم يكن ذاك المصدر مطبوعا .. أحلنا على مصدر آخر يستفيد من المصدر المتقدم، وإلا .. خرجناه تخريجا مستقلا يتناسب مع هدف الكتاب. ب - وأما الأخبار: فخرجناها من مظانها التي نبه عليها الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في آخر الكتاب، بالإضافة إلى غيرها وذلك تتميما للفائدة. - ضبط الأعلام والكلمات والأنساب التي تشكل. - جمع ترجمة وافية للمؤلف الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، وصنع مقدمة عن أهمية علم التاريخ، وشروط المؤرخ، وأهم ما ألف في هذا الموضوع، وأهمية هذا الكتاب. - صناعة فهرس المحتوى الكتاب. وبعد: فهذا جهدنا المتواضع أمام هذا الإمام العظيم، والجهبذ النحرير، وقد تمحور عملنا فيه لبيان مكانته العلمية وإخراجه كما أراده مؤلفه، فما كان فيه

стр. 43

من صواب .. فذاك من الله العلي القدير، وإن وجد فيه زلل أو خطل .. فهو منا عن غير تقصير، فرحم الله امرأ وجد فيه صوابا فأنالنا من دعائه، أو وجد فيه خطأ فأرشدنا إلى صوابه. وقد امتازت طبعتنا هذه بخصائص: أولها: مقابلة الكتاب على ست نسخ خطية، اثنتان منها منسوخة عن نسخة المصنف رحمه الله تعالى. ثانيها: الرجوع إلى المصادر التي أخذ عنها المصنف، فهذا توثيق يعادل توثيق النسخ الخطية؛ بل يزيد عليه بإصلاح ما وقع فيها من خلل إن كان. ثالثها: أن الكتاب قد مر على أكثر من لجنة علمية في دار المنهاج، وهذا يدلك على أن الأخطاء فيه تكاد تكون قليلة أو نادرة، ولسنا ندعي الكمال ولكن هذا جهدنا، وما كان قصدنا إلا رضا الله تعالى، والله من وراء القصد. والحمد لله رب العالمين اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات و التحقيق العلمي

стр. 44

صور المخطوطات المستعان بها

стр. 45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم رب يسر، يا لطيف [خطبة الكتاب] قال الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث الحافظ الأمة جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن السيوطي ﵀: أما بعد حمد الله الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفا، ومسود الخلفا، وعلى آله وصحبه أهل المكارم والوفا .. فهذا تاريخ لطيف، ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة؛ من عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى عهدنا هذا، على ترتيب زمانهم الأول فالأول. وذكرت في ترجمة كل منهم: ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة [الداعي إلى تأليف الكتاب] والداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور؛ منها: أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين، ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال، فرأيت أن إفراد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة، وأسهل في التحصيل. فأفردت كتابا في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وكتابا في الصحابة ملخصا من «الإصابة» لشيخ الإسلام أبي الفضل ابن حجر، وكتابا حافلا في طبقات المفسرين، وكتابا وجيزا في طبقات الحفاظ؛ لخصته من «طبقات الذهبي»، وكتابا جليلا في طبقات النحاة واللغويين، لم يؤلف قبله مثله، وكتابا

стр. 46

في طبقات الأصوليين، وكتابا جليلا في طبقات الأولياء، وكتابا في طبقات الفرضيين، وكتابا في طبقات البيانيين، وكتابا في طبقات الكتاب؛ أعني: أرباب الإنشاء، وكتابا في طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية، وهذه تجمع غالب أعيان الأمة. واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك؛ لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القراء بـ «طبقات الذهبي»، وفي الصوفية بـ «طبقات ابن الملقن»، وأما القضاة .. فهم داخلون فيمن تقدم. ولم يبق من الأعيان إلا الخلفاء مع تشوف النفوس إلى أخبارهم، فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا ممن ادعى الخلافة خروجا (١) ولم يتم له الأمر؛ ككثير من العلويين، وقليل من العباسيين. [أسباب عدم ذكر العبيديين] ولم أورد أحدا (٢) من الخلفاء العبيديين؛ لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور: منها: أنهم غير قرشيين، وإنما يسميهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلا .. فجدهم مجوسي. قال القاضي عبد الجبار البصري: (اسم جد الخلفاء المصريين: سعيد، وكان أبوه يهوديا حدادا بسلمية) (٣). وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (القداح: جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيا، ودخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي، ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وسماهم جهلة الناس الفاطميين) (٤). وقال ابن خلكان: أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد

стр. 47

خلفاء مصر، حتى إن العزيز بن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها مكتوب: [من السريع] إنا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدعي صادقا … فاذكر أبا بعد الأب السابع وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطائع أو لا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النسب الواسع فإن أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطامع (١) وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس (٢) كتابا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي: (أما بعد: فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك .. لأجبناك، فاشتد ذلك على العزيز وأفحمه عن الجواب) (٣) يعني: أنه دعي لا تعرف قبيلته. وقال الذهبي: (المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة وقد سأله ابن طباطبا العلوي عن نسبهم، فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي، ونثر على الحاضرين والأمراء الذهب وقال: هذا حسبي) (٤). ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام؛ منهم: من أظهر سب الأنبياء، ومنهم: من أباح الخمر، ومنهم: من أمر بالسجود له، والخير منهم: رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃، ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصح لهم إمامة. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: (كان المهدي عبيد الله باطنيا خبيثا، حريصا

стр. 48

على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء؛ ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه؛ أباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض) (١). وقال الذهبي: (كان القائم بن المهدي شرا من أبيه، زنديقا ملعونا، أظهر سب الأنبياء) (٢). قال: (وكان العبيديون على ملة الإسلام شرا من التتر) (٣). وقال أبو الحسن القابسي: (إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل؛ ليردهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، ويا حبذا لو كان رافضيا فقط!! ولكنه زنديق) (٤). وقال القاضي عياض: (سئل أبو محمد القيرواني الكراني (٥) من علماء المالكية: عمن أكرهه بنو عبيد - يعني خلفاء مصر - على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد بهذا، إلا من (٦) كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد .. فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته؛ لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم؛ لئلا يحلوا (٧) للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم) (٨). وقال يوسف الرعيني: (أجمع العلماء بالقيروان: على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة؛ لما أظهروا من خلاف الشريعة) (٩).

стр. 49

قال ابن خلكان: وقد كانوا يدعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد يوما إلى المنبر فرأى ورقة مكتوب فيها: [من مخلع البسيط] بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة إن كنت أعطيت علم غيب … فقل لنا كاتب البطاقة (١) وكتبت إليه امرأة قصة فيها: (بالذي أعز اليهود بمنشا (٢)، والنصارى بابن نسطور (٣)، وأذل المسلمين بك؛ إلا نظرت في أمري) (٤). وكان ولى منشا اليهودي عاملا بالشام، وابن نسطور النصراني بمصر. ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة، فلا تصح؛ إذ لا تصح البيعة الإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم. ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس .. لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى ابن مريم أو المهدي (٥)، فعلم أن من تسمى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ. فبهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج، وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة (٦) إمامته وعقد بيعته. وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة، وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة .. فهو ملخص من «تاريخ الحافظ الذهبي»، والعهدة في أمره عليه. والله المستعان

стр. 50

فصل في بيان كونه ﷺ لم يستخلف وسر ذلك قال البزار في «مسنده»: حدثنا عبد الله بن وضاح الكوفي، حدثنا يحيى بن اليمان، حدثنا إسرائيل (١)، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله؛ ألا تستخلف علينا؟ قال: «إني إن استخلفت عليكم فتعصون خليفتي .. ينزل عليكم العذاب» أخرجه الحاكم في «المستدرك»، وأبو اليقظان ضعيف (٢). وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: (إن أستخلف .. فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترككم .. فقد ترككم من هو خير مني؛ رسول الله ﷺ (٣). وأخرج أحمد، والبيهقي في «دلائل النبوة» بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل .. قال: (أيها الناس؛ إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه (٤)، ثم إن أقواما طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها) (٥). وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في «الدلائل» عن أبي وائل قال: قيل

стр. 51

لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: (ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا .. فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) (١). قال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي ﵁. وقد قال هزيل بن شرحبيل (٢): أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ﷺ ؟! ود أبو بكر أنه وجد عهدا من رسول الله ﷺ فخزم (٣) أنفه بخزام. أخرجه ابن سعد والبيهقي في «الدلائل» (٤). وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي: (لما قبض النبي ﷺ .. نظرنا في أمرنا: فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا، فقدمنا أبا بكر) (٥). وقال البخاري في «تاريخه»: روي عن ابن جمهان عن سفينة: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان: «هؤلاء الخلفاء بعدي» قال البخاري: ولم يتابع على هذا؛ لأن عمر وعليا قالا: (لم يستخلف النبي ﷺ انتهى (٦). والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا حشرج، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد .. وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: «ضع حجرك إلى جنب حجري» ثم قال لعمر: «ضع حجرك إلى جنب حجر

стр. 52

أبي بكر» ثم قال لعثمان: «ضع حجرك إلى جنب حجر عمر» ثم قال: «هؤلاء الخلفاء بعدي». قال أبو زرعة: (إسناده لا بأس به)، وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» وصححه، والبيهقي في «الدلائل» وغيرهما (١). قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي: إنه لم يستخلف؛ لأن مرادهما: أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد، وهذه إشارة وقعت قبل ذلك؛ فهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية (٢). وكقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» (٣)، وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة. فصل في بيان أن الأئمة من قريش والخلافة فيهم قال أبو داوود الطيالسي في «مسنده»: حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن سيار بن سلامة، عن أبي برزة قال: قال رسول ﷺ : «الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا» أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في «مسنديهما»، والطبراني (٤) وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا

стр. 53

معاوية بن صالح، حدثنا أبو مريم الأنصاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة» إسناده صحيح (١). وقال الإمام أحمد في «مسنده»: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح، عن كثير بن مرة، عن عتبة بن عبد: أن النبي ﷺ قال: «الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة» رجاله موثقون (٢). وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا الفيض بن الفضل، حدثنا مسعر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «الأمراء من قريش؛ أبرارها أمراء أبرارها، وفجارها أمراء فجارها» (٣). فصل [في مدة الخلافة الراشدة] - قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون بعد ذلك الملك» أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان وغيره (٤). قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن. وقال البزار: حدثنا محمد بن مسكين، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا

стр. 54

يحيى بن حمزة [عن أبي وهب] (١)، عن مكحول، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبرية» حديث حسن (٢). وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة ة، عن النبي ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر عزيزا، ينصرون على من ناوأهم عليه إلى اثني عشر خليفة، كلهم من قريش» أخرجه الشيخان وغيرهما، وله طرق وألفاظ (٣). منها: «لا يزال هذا الأمر صالحا»، ومنها: «لا يزال هذا الأمر ماضيا» رواهما أحمد (٤). ومنها عند مسلم: «لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا» (٥). ومنها عنده: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» (٦). ومنها عنده: «لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة» (٧). ومنها عند البزار: «لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضي اثنا عشر خليفة؛ كلهم من قريش» (٨).

стр. 55

ومنها عند أبي داوود زيادة: فلما رجع إلى منزله .. أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: «ثم يكون الهرج» (١). ومنها عنده: «لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه الأمة» (٢). [بيان المراد من قوله ﷺ : «اثنا عشر»] وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: «اثنا عشر؛ كعدة نقباء بني إسرائيل» (٣). قال القاضي عياض: (لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها: أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة، وقوة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس، إلى أن اضطرب أمر بني أمية، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد (٤)، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم) (٥). قال شيخ الإسلام ابن حجر في «شرح البخاري»: (كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: «كلهم يجتمع عليه الناس». وإيضاح ذلك: أن المراد بالاجتماع: انقيادهم لبيعته، والذي وقع: أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين (٦)، فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على

стр. 56

معاوية عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر، بل قتل قبل ذلك. ثم لما مات يزيد .. وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز؛ فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو: الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام، فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه. وانتشرت الفتن، وتغيرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولما مات يزيد .. ولي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل. ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح، ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقا وغربا، يمينا وشمالا مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة) (١). ومن انفراط الأمر: أنه كان في المئة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر العبيدي، والعباسي ببغداد خارجا عمن كان يدعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج. قال: (فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله: «ثم يكون الهرج» يعني:

стр. 57

القتل الناشئ عن الفتن وقوعا فاشيا، ويستمر ويزداد، وكذا كان) (١). وقيل: (إن المراد: وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة، يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم، ويؤيد هذا: ما أخرجه مسدد في «مسنده الكبير» عن أبي الجلد أنه قال: «لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمد ﷺ » (٢). وعلى هذا: فالمراد بقوله: «ثم يكون الهرج» أي: الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال وما بعده) انتهى (٣). قلت: وعلى هذا: فقد وجد من الاثني عشر: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز: هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم: المهتدي (٤) من العباسيين؛ لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك: الظاهر (٥)؛ لما أتاه من العدل، ويبقى الاثنان المنتظران: أحدهما المهدي؛ لأنه من آل بيت محمد ﷺ . فصل في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داوود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله؛ فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره فساءه ذلك،

стр. 58

فنزلت: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، ونزلت: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ «يملكها بعدك بنو أمية يا محمد». قال القاسم: فعددنا؛ فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص، قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم، وهو ثقة، ولكن شيخه مجهول (١). وأخرج هذا الحديث الحاكم في «مستدركه»، وابن جرير في «تفسيره» (٢)، قال الحافظ أبو الحجاج: وهو حديث منكر، وكذا قال ابن كثير (٣). وقال ابن جرير في «تفسيره»: حدثت عن محمد ابن زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، حدثني أبي عن جدي قال: (رأى رسول الله ﷺ بني الحكم بن أبي العاصي ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، وأنزل الله في ذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾)، إسناده ضعيف (٤)؛ لكن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر (٥)، ويعلى بن مرة (٦)، والحسين بن علي (٧).

стр. 59

وغيرهم، وقد أوردتها بطرقها في كتابي «التفسير المسند»، وأشرت إليها في كتابي «أسباب النزول» (١). فصل في الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس قال البزار: حدثنا يحيى بن معلى بن منصور، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: «فيكم النبوة والمملكة» العامري ضعيف (٢)، وقد أخرجه أبو نعيم في «دلائل النبوة»، وابن عدي في «الكامل»، وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك به (٣). وقال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ للعباس: «إذا كان غداة الاثنين .. فأتني أنت وولدك؛ حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك» فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء، ثم قال: «اللهم؛ اغفر للعباس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة، لا تغادر ذنبا، اللهم؛ احفظه في ولده» هكذا أخرجه الترمذي في «جامعه» (٤). وزاد رزين العبدري في آخره: «واجعل الخلافة باقية في عقبه» (٥).

стр. 60

قلت: هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر (١)، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك» (٢) التعاور: التداول. وقال أبو نعيم في «الحلية»: حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا عمر بن الحسن بن علي، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد (٣)، حدثنا محمد بن صالح العدوي، حدثنا ابن جعفر التميمي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، أخبرني علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ فتلقاه العباس، فقال: «ألا أبشرك يا أبا الفضل؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «إن الله افتتح بي هذا الأمر، وبذريتك يختمه»، إسناده ضعيف (٤) وقد ورد من حديث علي بإسناد أضعف من هذا، أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن يونس الكديمي - وهو وضاع - عن إبراهيم بن سعيد الأشقر (٥)، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال للعباس: «إن الله فتح هذا الأمر بي، ويختمه بولدك» (٦)

стр. 61

وورد أيضا من حديث ابن عباس، أخرجه الخطيب في «التاريخ»، ولفظه: «بكم يفتح هذا الأمر، وبكم يختم» (١)، وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي بالله (٢). وورد أيضا من حديث عمار بن ياسر، أخرجه الخطيب (٣). وقال في «الحلية»: حدثنا محمد بن المظفر، حدثنا نصر بن محمد، حدثنا علي بن أحمد السواق، حدثنا عمر بن راشد، حدثنا عبد الله بن محمد بن صالح، عن أبيه، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون من ولد العباس ملوك يكون أمر أمتي، يعز الله بهم الدين»، عمر بن راشد ضعيف (٤). وقال أبو نعيم في «الدلائل»: حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر، حدثنا أحمد بن راشد بن خثيم، [ثنا عمي سعيد بن خثيم] (٥)، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني أم الفضل قالت: مررت بالنبي ﷺ فقال: «إنك حامل بغلام، فإذا ولدت .. فأتني به» فلما ولدت .. أتيت به النبي ﷺ فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وألبأه من ريقه (٦)، وسماه عبد الله، وقال: «اذهبي بأبي الخلفاء» فأخبرت العباس، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء، حتى يكون منهم السفاح، حتى يكون منهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى ابن مريم ﵇» (٧).

стр. 62

وقال الديلمي في «مسند الفردوس»: أخبرنا عبدوس بن عبد الله كتابة، أخبرنا الحسين بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، حدثنا العباس بن علي النسائي، حدثنا يحيى بن يعلى الرازي، حدثنا سهل بن تمام، حدثنا الحارث بن شبل، حدثتنا أم النعمان، عن عائشة ﵂ مرفوعا: «ستكون لولد العباس راية، ولن تخرج من أيديهم ما أقاموا الحق» (١) وقال الدارقطني في «الأفراد»: حدثنا عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي، حدثنا محمد بن هارون السعدي، حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري، عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي، سمعت المنصور يقول: حدثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال للعباس: «إذا سكن بنوك السواد، ولبسوا السواد، وكان شيعتهم أهل خراسان .. لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى ابن مريم»، أحمد بن إبراهيم ليس بشيء، وشيخه مجهول، والحديث ضعيف بمرة، حتى إن ابن الجوزي ذكره في «الموضوعات» (٢). وله شاهد أخرجه الطبراني في «الكبير» عن أحمد بن داوود المكي، عن محمد بن إسماعيل بن عون النيلي، عن الحارث بن معاوية بن الحارث، عن أبيه، عن جده أبي أمه، عن أم سلمة ﵂ مرفوعا: «الخلافة في ولد عمي صنو أبي، حتى يسلموها إلى المسيح» وأخرجه الديلمي من وجه آخر عن أم سلمة ﵂ (٣)

стр. 63

وقال العقيلي في كتاب «الضعفاء»: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي، حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي، حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري، حدثنا عبد العزيز بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جده [عن] أبي بكرة ﵁ مرفوعا: «يلي ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين، ولكل شهر شهرين» (١). هذا حديث أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» وأعله ببكار (٢)، وليس كما قال؛ فإن بكارا لم يتهم بكذب ولا وضع، بل قال فيه ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، ثم قال: وأرجو أنه لا بأس به (٣). ولعمري!! فليس معنى الحديث ببعيد؛ فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا، ما عدا أقصى المغرب .. كانت من سنة بضع وثلاثين ومئة إلى سنة بضع وتسعين ومئتين حتى تولى المقتدر، وفي أيامه انخرم النظام وخرجت المغرب بأسرها عن أمره، ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي (٤)، فكانت أيام شموخ مملكتهم مئة وبضعا وستين سنة، وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة؛ فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة، منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير أكثر، فصفت ثلاثة وثمانين سنة وكسرا، وهي ألف شهر سواء. ثم وجدت للحديث شاهدا؛ قال الزبير بن بكار في «الموفقيات»: حدثني علي بن صالح، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ أنه قال لمعاوية: (لا تملكون يوما .. إلا ملكنا يومين، ولا شهرا .. إلا ملكنا شهرين، ولا حولا .. إلا ملكنا حولين). وقال الزبير بن بكار في «الموفقيات»: حدثني علي بن المغيرة عن ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال:

стр. 64

(الرايات السود لنا أهل البيت)، وقال: (لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب). وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: أنبأنا أبو القاسم بن بيان، أخبرنا أبو علي بن شاذان، أخبرنا جعفر بن محمد الواسطي، حدثنا محمد بن يونس الكديمي، حدثنا عبد الله بن سوار العنبري، حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن أبي رجاء العطاردي، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه ﵄: أن رسول الله ﷺ قال له: «اللهم؛ انصر العباس وولد العباس» قالها ثلاثا، ثم قال: «يا عم؛ أما شعرت أن المهدي من ولدك، موفقا راضيا مرضيا؟!»، الكديمي وضاع (١) وقال ابن سعد في «الطبقات»: حدثنا محمد بن عمر، أخبرنا عمر بن عقبة الليثي، عن شعبة مولى ابن العباس، عن ابن عباس ﵄ قال: (أرسل العباس بن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب فجمعهم عنده، وكان علي عنده بمنزلة لم يكن أحد بها، فقال العباس: يا بن أخي؛ إني قد رأيت رأيا لم أحب أن أقطع فيه شيئا حتى أستشيرك. فقال علي: ما هو؟ قال: ندخل على النبي ﷺ فنسأله إلى من هذا الأمر من بعده؛ فإن كان فينا .. لم نسلمه - والله - ما بقي منا في الأرض طارف، وإن كان في غيرنا .. لم نطلبها بعد أبدا؟ قال علي: يا عم؛ وهل هذا الأمر إلا إليك، وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟!) (٢) فصل [إذا أراد الله أن يخلق خلقا للخلافة .. مسح ناصيته بيمينه] قال الديلمي في «مسند الفردوس»: أخبرنا أبو منصور ابن خيرون، أخبرنا

стр. 65

أحمد بن علي، حدثنا بشرى بن عبد الله الرومي، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي - يعرف بغندر - قال: قرئ على أبي شاكر مسرة بن عبد الله: حدثنا الحسن بن يزيد، حدثنا ابن المبارك، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري، حدثنا أنس بن مالك مرفوعا: «إذا أراد الله أن يخلق خلقا للخلافة .. مسح على ناصيته بيمينه»، مسرة ذاهب الحديث متروك (١). وقد ورد من حديث أبي هريرة أخرجه الديلمي من ثلاث طرق عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوءمة، عن أبي هريرة مرفوعا (٢). وأخرجه الحاكم في «مستدركه» من حديث ابن عباس ﵄ (٣). فصل في شأن البردة النبوية التي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت أخرج السلفي في «الطيوريات» بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: أن كعب بن زهير ﵁ لما أنشد النبي ﷺ قصيدته (بانت سعاد) .. رمى إليه ببردة كانت عليه، فلما كان زمن معاوية ﵁ .. كتب إلى كعب: (بعنا بردة رسول الله ﷺ بعشرة آلاف درهم)، فأبى عليه، فلما مات كعب .. بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم، وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء إلى اليوم، وهكذا قاله خلائق آخرون (٤).

стр. 66

وأما الذهبي .. فقال في «تاريخه»: (أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس .. فقد قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك: إن النبي ﷺ أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاث مئة دينار) (١). قلت: فكأن التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية (٢). وأخرج الإمام أحمد في «الزهد» عن عروة بن الزبير ﵁: (أن ثوب رسول الله ﷺ الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي؛ طوله أربع أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر)، في إسناده ابن لهيعة (٣). وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم، وأظن أنها فقدت في فتنة التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٤). فصل في فوائد منثورة تقع في التراجم ولكن ذكرها ههنا في موضع واحد أنسب وأفيد قال ابن الجوزي: ذكر الصولي أن الناس يقولون: إن كل سادس يقوم للناس .. يخلع، قال: فتأملت هذا فرأيته عجبا، اعتقد الأمر لنبينا ﷺ ، ثم قام بعده أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والحسن فخلع. ثم معاوية، ويزيد، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وعبد الملك، وابن الزبير فخلع.

стр. 67

ثم الوليد، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد، وهشام، والوليد فخلع، ثم لم ينتظم لبني أمية أمر. فولي السفاح، والمنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين فخلع. ثم المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكل، والمنتصر، والمستعين فخلع. ثم المعتز، والمهتدي، والمعتمد، والمعتضد، والمكتفي، والمقتدر فخلع مرتين، ثم قتل. ثم القاهر، والراضي، والمتقي، والمستكفي، والمطيع، والطائع فخلع. ثم القادر، والقائم، والمقتدي، والمستظهر، والمسترشد، والراشد فخلع، هذا آخر كلام ابن الجوزي (١). قال الذهبي: (وما ذكره منخرم بأشياء: أحدها: قوله: «وعبد الملك وابن الزبير» وليس الأمر كذلك، بل ابن الزبير خامس وبعده عبد الملك، أو كلاهما خامس، أو أحدهما خليفة والآخر خارج؛ لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير. والثاني: تركه لعد يزيد الناقص، وأخيه إبراهيم الذي خلع، ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا. قلت: قد تقدم أن مروان ساقط من العدد (٢)؛ لأنه باغ، ومعاوية بن يزيد كذلك؛ لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد، وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد، وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر؛ فإن قوما بايعوه

стр. 68

بالخلافة، وآخرين لم يبايعوه، وقوم كانوا يدعونه بالإمرة دون الخلافة، ولم يقم سوى أربعين (١) يوما أو سبعين يوما، فعلى هذا مروان الحمار سادس؛ لأنه الثاني عشر من معاوية، والأمين بعده سادس. والثالث: أن الخلع ليس مقتصرا على كل سادس؛ فإن المعتز خلع، وكذا القاهر والمتقي والمستكفي) (٢). قلت: لا انخرام بهذا؛ فإن المقصود أن السادس لا بد من خلعه، ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع. ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي: ولي بعد الراشد المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والناصر، والظاهر، والمستنصر، وهو السادس فلم يخلع، ثم المستعصم وهو الذي قتله التتار، وكان آخر دولة الخلفاء، وانقطعت الخلافة بعده ثلاث سنين ونصف. ثم أقيم بعده المستنصر، فلم يقم في الخلافة، بل بويع بمصر وسار إلى العراق، فصاف التتار فقتل أيضا، وتعطلت الخلافة بعده سنة كاملة. ثم أقيمت الخلافة بمصر؛ فأولهم: الحاكم، ثم المستكفي، ثم الواثق، ثم الحاكم، ثم المعتضد، ثم المتوكل وهو السادس فخلع. وولي المستعصم، ثم خلع بعد خمسة عشر يوما، وأعيد المتوكل، ثم خلع وبويع الواثق، ثم المستعصم (٣)، ثم خلع وأعيد المتوكل، فاستمر إلى أن مات، ثم المستعين، ثم المعتضد، ثم المستكفي، ثم القائم وهو السادس من المستعصم الأول ومن المستعصم الثاني فخلع، ثم المستنجد خليفة العصر وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس.

стр. 69

فوائد [فيما اتفق فيه الخلفاء] يقال: لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة؛ فالفاتحة: المنصور، والواسطة: المأمون، والخاتمة: المعتضد (١). خلفاء بني العباس كلهم أبناء سراري إلا السفاح والمهدي والأمين. ولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلا علي بن أبي طالب ﵁، وابنه الحسن، والأمين، قاله الصولي (٢). لم يل الخلافة من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب، وعلي المكتفي، قاله الذهبي (٣). قلت: غالب أسماء الخلفاء أفراد، والمثنى منهم قليل، والمتكرر كثيرا: عبد الله وأحمد ومحمد، وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر الخلفاء العراقيين. ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين، فكرر المستنصر، والمستكفي، والواثق، والحاكم، والمعتضد، والمتوكل، والمستعصم، والمستعين، والقائم، والمستنجد. وكلها لم تكرر غير مرة واحدة، إلا المستكفي والمعتضد فكررا مرة أخرى، فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة. ولم يتلقب أحد من بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، وأما المهدي والمنصور .. فسبق التلقيب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد. قال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح، لا من الخلفاء ولا من الملوك. قلت: وكذا المستكفي والمستعين لقب بكل منهما اثنان من بني العباس،

стр. 70

فخلعا ونفيا، والمعتضد من أجل الألقاب وأبركه لمن لقب به. لم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفي بعد الراشد، والمستنصر بعد المستعصم، قاله الذهبي (١). قال: (ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلا أولاد الرشيد: الأمين والمأمون والمعتصم، وأولاد المتوكل: المنتصر والمعتز والمعتمد، وأولاد المقتدر: الراضي والمتقي والمطيع). قال: (وولي الأمر من أولاد عبد الملك أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك) (٢). قلت: جاء له نظير في الخلفاء بعد الذهبي، فولي الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة، بل خمسة: المستعين والمعتضد والمستكفي والقائم والمستنجد خليفة العصر. [أوليات الخلفاء] ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق ﵁، وأبو بكر الطائع بن المطيع، حصل لأبيه فالج، فنزل لابنه عنها طوعا. قال العلماء: أول من ولي الخلافة وأبوه حي: أبو بكر، وهو أول من عهد بها، وأول من اتخذ بيت المال، وأول من سمى المصحف مصحفا. أول من سمي أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁، وهو أول من اتخذ الدرة، وأول من ورخ من الهجرة، وأول من أمر بصلاة التراويح، وأول من وضع الديوان. أول من حمى الحمى: عثمان، وهو أول من أقطع الإقطاعات؛ أي: أكثر من ذلك، وأول من زاد الأذان الأول في الجمعة، وأول من رزق المؤذنين،

стр. 71

وأول من أرتج عليه في الخطبة، وأول من اتخذ صاحب شرطة. أول من استخلف ولي العهد في صحته: معاوية، وهو أول من اتخذ الخصيان الخاص خدمته. أول من حملت إليه الرؤوس: عبد الله بن الزبير. أول من ضرب اسمه على السكة: عبد الملك بن مروان. أول من منع من ندائه باسمه: الوليد بن عبد الملك. أول ما حدثت الألقاب لبني العباس. وقال ابن فضل الله: زعم بعضهم أن لبني أمية ألقابا مثل ألقاب بني العباس. قلت: ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية: الناصر لدين الله (١)، ولقب يزيد: المستنصر (٢)، ولقب معاوية ابنه: الراجع إلى الحق (٣)، ولقب مروان: المؤتمن بالله (٤)، ولقب عبد الملك: الموفق لأمر الله (٥)، ولقب ابنه الوليد: المنتقم بالله (٦)، ولقب عمر بن عبد العزيز: المعصوم بالله (٧)، ولقب يزيد بن عبد الملك: القادر بصنع الله (٨)، ولقب يزيد الناقص: الشاكر لأنعم الله (٩). أول من تفرقت الكلمة في دولته: السفاح. أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم: المنصور، وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب. أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين: المهدي.

стр. 72

أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة: الهادي. أول من لعب بالصوالجة (١) في الميدان: الرشيد. أول ما دعي وكتب للخليفة بلقبه: في أيام الأمين. أول من أدخل الأتراك الديوان: المعتصم. أول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم: المتوكل. أول من تحكمت الأتراك من قتله: المتوكل، وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي؛ كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «اتركوا الترك ما تركوكم؛ فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما حولهم الله: بنو قنطوراء» (٢) أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس: المستعين. أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب: المعتز. أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به: المعتمد. أول من ولي الخلافة من الصبيان: المقتدر. آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال: الراضي؛ وهو آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائما، وآخر خليفة جالس الندماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه، وعطاياه وخدمه، وجراياته وخزائنه، ومطابخه ومشاربه، ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولى، وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء. أول ما كررت الألقاب: من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم. في «الأوائل» للعسكري: (أول خليفة ولي في حياة أمه: عثمان بن عفان ﵁، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين، ثم المتوكل، ثم

стр. 73

المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتز، ثم المعتضد، ثم المطيع، ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق ﵁ (١)، وزيد عليه الطائع. وقال الصولي: (لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة: أم الوليد، وسليمان ابني عبد الملك، وشاه فرند (٢): أم يزيد الناقص، وإبراهيم ابني الوليد، والخيزران: أم الهادي، والرشيد). قلت: ويزاد أم العباس، وحمزة، وأم داوود، وسليمان أولاد المتوكل الأخير (٣). فائدة [في أسماء المتخلفين العبيديين] المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر؛ ثلاثة بالمغرب: المهدي، والقائم، والمنصور، وأحد عشر بمصر: المعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد. وكان ابتداء مملكتهم: من سنة بضع وتسعين ومئتين، وانقراضها: في سنة سبع وستين وخمس مئة. قال الذهبي: (وهي الدولة المجوسية أو اليهودية لا العلوية، والباطنية لا الفاطمية، وكانوا أربعة عشر متخلفا لا مستخلفا) انتهى (٤).

стр. 74

فائدة [في خلفاء المغرب من الأمويين] المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير؛ إسلاما وسنة، وعدلا وفضلا وعلما، وجهادا وغزوا، وهم كثير؛ حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة. فائدة [في المؤلفات بتواريخ الخلفاء] أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين، منها: - «تاريخ الخلفاء» لنفطويه النحوي، مجلدان، انتهى إلى أيام القاهر. - و «الأوراق» للصولي، ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إلى … ... (١) وقفت عليه. - و «تاريخ خلفاء بني العباس» لابن الجوزي، رأيته أيضا انتهى فيه إلى أيام الناصر. - و «تاريخ الخلفاء» لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب، أحد فحول الشعراء، مات في سنة ثمانين ومئتين. - و «تاريخ خلفاء بني العباس» للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي. فائدة [فيمن حفظ القرآن من الخلفاء] أخرج الخطيب في «التاريخ» بسنده عن محمد بن عباد قال: (لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان، والمأمون) (٢).

стр. 75

قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصديق ﵁ على الصحيح، وصرح به جماعة منهم النووي في «تهذيبه» (١)، وعلي ﵁ ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي ﷺ (٢). فائدة [في لفظ بيعة الخلفاء] قال ابن الساعي: (حضرت مبايعة الخليفة الظاهر، فكان جالسا في شباك القبة؛ بثياب بيض وعليه الطرحة، وعلى كتفه بردة النبي ﷺ ، والوزير قائما بين يديه على منبر، وأستاذ الدار دونه بمرقاة؛ وهو الذي يأخذ البيعة على الناس. ولفظ المبايعة: أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام: أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه) انتهى (٣).
следующие страницы →