← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

حذار من وصل من بليت به ... فقد لقيت الرّدى بجفوته دنوت منه كيما أقبّله ... فلم تدعنى نيران وجنته فقد جعل النيران المشتعلة فى وجنات محبوبته وخدودها تدفعه دفعا وتردّه ردا عنيفا، ومن هذا النمط قوله متغزلا: منعتنى من مقبّله ... حين أدنو منه عقربه واستدارت فهى تحرسه ... من فمى بخلا وترقبه وكانت النساء تلوى على أصداغها خصلة من شعرها فى شكل عقرب تزينا وتجملا، فاستغل ذلك حتى النهاية، إذ الخصلة مثل العقرب تستدير وترتفع فى طرفها، وكأنها تراقب صاحبتها وتستعد للدغ من يقترب من خدودها. ولن نستطيع أن نروى شيئا من فحشه فى الغزل، ونكتفى بذكر بعض أبيات تصور مجونه دون أن تؤذى الذوق، من ذلك قوله: ويوم لا يقاس إليه يوم ... يلوح ضياؤه من غير نار أقمنا فيه للذّات سوقا ... نبيع العقل فيها بالعقار فهو يعيش للإكباب على اللذات والانهماك فى المجون والعبّ من الخمر وإنه ليقيم للمجون سوقا يبيع فيه عقله بيع وكس بدنّ زهيد من الخمر يفقده رشده، ومن قوله: اشرب فلليوم فضل لو علمت به ... بادرت باللهو واستعجلت بالطّرب ورد الخدود وورد الروض قد جمعا ... والغيم مبتسم والشمس فى الحجب لا تحبس الكأس واشربها مشعشعة ... حتى تموت بها موتا بلا سبب وقد جعل كل شئ فى الزمان والمكان يحث على اللهو والطرب، فقد اجتمعت الخمر وورد الخدود كما يقول وورود الرياض فى يوم من أيام الشتاء الغائمة الباسمة. ويذكر أن ذلك كله يدعو لاحتساء الخمر حتى الموت موتا بلا سبب، دعابة مقصودة، ومن قوله: قد بدا الصبح مؤذنا بسفور ... وفرى الفجر حلّة الدّيجور (١) فاسقنى قهوة تترجم بالرّقّ ... ة عن دمع عاشق مهجور فالخمر رقيقة رقة دمع العاشق لكثرة حباته المتساقطة من مآقيه. ولو عرف قيمة الملكة الشعرية التى رزقها لحفظ لها حقها ولم يسقط فى شعر الفحش والمآثم، ولا لطخ أشعاره بهذا الدنس. وله هجاء كله سخرية ووخز كوخز الإبر. وكان واسع الخيال إلى درجة الوهم على نحو ما نرى فى قوله:

стр. 2522

قيل: ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدّه قلت: درّاعة عرى ... تحتها جبّة رعده والدراعة: ثوب من صوف، وبلغ من وهم خياله أن جعل للعرى دراعة وللرعدة من برد الشتاء جبّة. وما أظنه كان يصور شبئا من حقيقة حياته، فقد كان على غير قليل من اليسار. وكأنه فى البيتين استعار من معاصريه هذا اللون من التفاقر وإظهار الخصاصة، وكان لهما شعراء معروفون هم شعراء الكدية، فجاراهما فى بيتيه تظرفا ودعابة. وقد توفى سنة ٣٨٥ للهجرة. ابن الحجّاج (١) هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد، نسب إلى جدّ له يسمى الحجاج، ويبدو أن أباه كان من العمال، وعنى بتربية ابنه، فاختلف إلى مجالس الفقهاء والعلماء فضلا عن مجالس الأدب، والتحق بالدواوين كاتبا ثم أصبح ضامنا لفرائض الصدقات بسقى الفرات مدة، ثم تولى حسبة بغداد فترة إلى أن عزل بأبى سعيد الإصطخرى الفقيه الشافعى. وكان أكبر شعراء زمانه فى التماجن والتعابث، وهو يخطو فيهما خطوات بعيدة بالقياس إلى ابن سكرة، حتى زعم الرواة والنقاد أنه «فرد زمانه فى فنّه الذى شهر به وأنه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه فى نمطه» وفيه يقول أبو حيان: «سخيف الطريقة بعيد من الجدّ، قريع (فحل) فى الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له فى قرضه مثال، على أنه قويم اللفظ سهل الكلام، وشمائله نائية بالوقار، عن عادته الجارية فى الخسار، وهو شريك ابن سكرة فى هذه الغرامة، وإذا جدّ أقعى (٢)، وإذا هزل حكى الأفعى» ويقول صاحب اليتيمة: «هو وإن كان فى أكثر شعره لا يستتر من العقل بسجف (٣)، ولا يبنى جلّ قوله إلا على سخف، فإنه من سحرة الشعر، وعجائب العصر. . وأشعاره مشوبة بلغات الخلديين (أصحاب الحرف) والمكدين (أدباتية العامة) والشطار. . وكلامه يمدّ يد المجون فيعرك بها أذن الحرم، ويفتح جراب السخف فيصفع قفا العقل، ولكنه على علاته تتفكه الفضلاء بثمار شعره، وتستملح الكبراء بنات طبعه. . ولقد مدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء. . وهو عندهم مقبول الجملة غالى مهر الكلام، موفور

стр. 2523

الحظ من الإكرام والإنعام، مجاب إلى مقترحه من الصّلات الجسام. . وكان طول عمره يتحكم على وزراء الوقت ورؤساء العصر. تحكم الصبى على أهله، ويعيش فى أكنافهم عيشة راضية، ويستثمر نعمة صافية ضافية». وإلى ذلك يشير فى شعره مرارا، وأنه بناه على التماجن والفحش للتفكه والدعابة طلبا للكسب به، يقول: لو جدّ شعرى رأيت فيه ... كواكب الليل كيف تسرى وإنما هزله مجون ... يمشى به فى المعاش أمرى وقد عاش عيشة رفه ويسار حتى توفى سنة ٣٩١. وكان يكثر من نظم هذا الشعر الماجن حتى قالوا إن ديوانه يبلغ عشرة مجلدات، وكان يباع فى حياته بخمسين دينارا إلى سبعين، ولكثرة ما ملأه به من ذكر العورات والمقاذر قال فيه ابن سكرة الماجن حين سئل عن قيمته إن «قيمته بربخ» أى بالوعة تحمل القاذورات وما ينضاف إليها. وإذا كان هذا حكم ابن سكرة فما بالنا بحكم الناس وراءه فى عصره وبعد عصره، وقد دعا بعض أصحاب الحسبة فى كتبهم إلى منع الغلمان والصبيان من حفظ أشعاره وأخذهم بالضرب إن هم حاولوا ذلك. وينبغى أن نشير إلى ما ذكره أبو حيان من أنه كان فيه وقار يخالف هذا الإغراق فى التماجن، وكأنه كان تماجنا مقصودا به إلى الإضحاك: إضحاك الرؤساء والكبراء، غير أنه تجاوز فيه حده. وكان حسبه ما لديه من القدرة على الفكاهة ليضحك الناس دون التردّى فى بالوعات الفحش وقاذوراته، ويصور تماجنه من بعض الوجوه قوله فى مديحه لبختيار الحاكم البويهى لبغداد فى عصره: فديت وجه الأمير من قمر ... يجلو القذى نوره عن البصر فديت من وجهه يشكّكنى ... فى أنّه من سلالة البشر إن زليخا لو أبصرتك لما ... ملّت إلى الحشر لذّة النظر ويستمر فى مثل هذا التماجن. وهو لا يطيق الصبر حتى مع بختيار فى تماجنه، إذ يمضى فيلطخ المدحة فى أواخرها بشئ من قاذوراته. وكان شيعا إماميا، وكان يشوب تشيعه أحيانا بشئ من الغلو، وكان قريبا من نفس الشريف الرضى، فاختار من شعره قطعة تخلو من قذره وسخفه. ورثاه حين توفى رثاء حارا، ومن خمرياته التى تخلو من فحشه وبذاءته قوله: يا صاحبىّ استيقظا من رقدة ... تزرى على عقل اللبيب الأكيس

стр. 2524

هذى المجرّة والنجوم كأنها ... نهر تدفّق فى حديقة نرجس قوما اسقيانى قهوة روميّة ... من عهد قيصر دنّها لم يمسس صرفا تضيف إذا تسلّط حكمها ... موت العقول إلى حياة الأنفس والصورة فى البيت الثانى جيدة إذ جعل نهر المجرة يتدفق فى حديقة نرجس، وجعل الخمر فى البيت الأخير تميت العقول فى رأيه، ولكنها تحيى النفوس. وله خمرية قالها فى عيد المهرجان، وهى تخلو من مقاذره غير أن فيها تبجحا شديدا باعترافه بعصيانه لربه لشربه الخمر مع ما جاء من تحريمها فى الذكر الحكيم. وكل ذلك كان يريد به التماجن والتعابث والإضحاك، وقد عاد فى هذه القصيدة أو الخمرية يعلن أن رأس ماله كله خسران إلا ما كان من حبه لآل البيت وللرسول ﵇ والإمام على وفاطمة الزهراء والحسن والحسين، وتكثر فى أشعاره الكدية أو الشحاذة الأدبية، فهو يكثر من بيان فقره وحاجته، وأنه لا يجد المرق فضلا عن اللحم، وأنه دائما يأكل الخبز بالملح دون إدام فيجرح حلقه من خشونته، ودائما لا يجد صوفا يقيه برد الشتاء ولا خيشا يقيه حر الصيف. وكل ذلك دعابة وفكاهة، فقد كانت الدنانير والدراهم تنسكب عليه من كل جانب. ٣ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية منذ ظهور الإسلام يعدّ الزهد والتقشف من صميم حياة المسلم، زهد فى طيبات الحياة ومتاعها وإقبال على ما عند الله من ثواب الآخرة، وهو إقبال يوازن فيه المسلم بين نسكه وتعبده لربه وبين السعى لرزقه، فهو يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا. وهو يضع ثقته فى الله ويتوكل عليه حق التوكل، ولا يرى فى سعيه لكسب قوته ما يقلل من هذا التوكل أو تلك الثقة. وتلقانا فى العراق مع العصر الأموى طوائف من النساك والعباد الزهاد، فالزهد والنسك قديمان فى هذه البيئة، وأخذت تتسع موجة الزهد مع العصرين العباسى الأول والثانى. وظلت حادة فى هذا العصر، ولا شك فى أنها كانت أحدّ وأكثر اتساعا وجمهورا بل جماهير من موجة اللهو والمجون، فقد كانت هذه

стр. 2525

تكاد تكون خاصة بالطبقة المترفة فى الأمة ومن حفّ بها من المغنين والمغنيات والشعراء وأهل العبث. وكان الشعب لا يشترك فى اللهو إلا فى مواسم خاصة كأعياد المجوس والنصارى. أما موجة التقشف والنسك فكانت عامة يشترك فيها كثير من الطبقة العامة وجمهور أو جماهير الأمة، إذ كانت تغدو صباح مساء إلى المساجد تتلو القرآن وتسبح الله وتذكره ليلا ونهارا. وكان يغذى هذه الروح فى المساجد وعاظ يزدحم الناس على مجالسهم. ومن كبار الوعاظ ابن سمعون (١) المتوفى سنة ٣٨٧ ويقول ابن خلكان: كان وحيد دهره فى الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة» ومن قوله: «سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم، وأسمع بالعظم» إشارة إلى اللسان والعين والأذن، وإياه عنى الحريرى فى المقامة الرازية الحادية والعشرين بقوله فى أوائلها: «رأيت بالرّىّ ذات بكرة، زمرة فى إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد، ومستنّون (٢) استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلّون ابن سمعون دونه» ولم يكن له نظير فى زمنه. وكانت تعاصره ميمونة (٣) بنت ساقولة الواعظة البغدادية المتوفاة سنة ٣٩٣ وكان لها لسان حلو فى الوعظ. وكان قبلها وبعدها كثيرات زاهدات، وكان بعضهن يعظن وبعضهن يحمل عنهن الحديث وقد ترجم ابن الجوزى فى كتابه «صفة الصفوة» لطائفة كبيرة منهن. وفى سنة ٤٩٦ توفى ببغداد واعظ كبير هو أردشير بن منصور «وبوعظه حلق أكثر الصبيان رءوسهم ولزموا المساجد وبدّدوا الخمور وكسروا الملاهى» (٤) ومن كبار الوعاظ الزهاد أبو الوفاء بن عقيل الحنبلى المارّ ذكره ويقول ابن رجب: «من معانى كلامه يستمد أبو الفرج بن الجوزى». وفى كل بلدان العراق نلتقى بأخبار هؤلاء الوعاظ مثل محمد بن عبد الملك الفارقى (٥) المتوفى سنة ٥٦٤ وقد ترجم له العماد ترجمة ضافية، ذكر فيها مواعظه ومناجياته لربه، وكان يضمنها أشعارا فى الزهد والوجد مثل قوله:

стр. 2526

من كان فى ظلماء ليل ساريا ... رصد النجوم وأوقد المصباحا حتى إذا ما البدر أشرق نوره ... ترك السّراج وراقب الإصباحا حتى إذا انجاب الظلام جميعه ... ورأى الضياء بأفقه قد لاحا هجر المسارج والكواكب كلّها ... والبدر وارتقب السّنا الوضّاحا وهى قطعة صوفية رمزية إذ يشير إلى أن من أظلمت عليه الدنيا فى مطلبه الأسنى من الاتصال بربه، يلجأ إلى نجوم فهمه ومصباح قريحته وسراجها، حتى إذا بدر الدراية والمعرفة أشرق على نفسه هجر ذلك السراج وتلك النجوم وانتظر الإصباح والسّنا الوضاح فرأى عين اليقين ونهل من معين الحب الإلهى ورحيقه المصفى. وربما كان أكبر واعظ عرفته العراق فى هذا العصر ابن الجوزى المتوفى سنة ٥٩٧ وقد وصف مجلس وعظه ابن جبير سنة ٥٨٠ وصفا مسهبا قائلا «شاهدنا صبيحة يوم السبت الثالث عشر من شهر صفر مجلس الشيخ الفقية الإمام الأوحد جمال الدين أبى الفضائل عبد الرحمن بن على الجوزى بإزاء داره على الشطّ بالجانب الشرقى فى آخره على اتصال من قصور الخليفة. . وهو يجلس به كل يوم سبت، فشاهدنا مجلس رجل. . آية الزمان وقرة عين الإيمان رئيس الحنبلية والمخصوص فى العلوم بالرتب العليا إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة (يريد الوعظ) والمشهود له بالسبق الكريم فى البلاغة والبراعة، مالك أزمة الكلام فى النظم والنثر، والغائص فى بحر فكره على نفائس الدر، فأما نظمه فرضىّ الطباع مهيارى الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويعطل المثل بقسّ وسحبان، ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته أنه يصعد المنبر ويبتدئ القرّاء بالقراءة وعددهم نيف على العشرين قارئا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القرآن يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات. . فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن فى إيراد خطبته عجلا مبتدرا، وأفرغ فى أصداف الأسماع من ألفاظه دررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات فى أثناء خطبته فقرا. . ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها. . وحدّث ولا حرج عن البحر، وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر. ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر طارت لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفس احتراقا، إلى أن علا الضجيج وتردد النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقى ناصيته بيده فيجزّها ويمسح على رأسه داعيا له، ومنهم من يغشى عليه، فيرفع فى الأذرع إليه، فشاهدنا هولا يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكّرها هول يوم القيامة،

стр. 2527

فلو لم نركب ثبج (وسط) البحر، ونعتسف مفازات القفر، إلا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل لكانت الصفقة الرابحة، والوجهة المفلحة الناجحة. فالحمد لله على أن منّ بلقاء من تشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود عن مثله (١)». وطبيعى أن ينهى هذا الوعظ الذى كانت تتدفق جداوله فى المساجد الناس عن ارتكاب المعاصى وأن يدفع كثيرين دفعا إلى الزهد فى متاع الحياة وخيراتها فضلا عن قمع النفس عن الشهوات وارتكاب المآثم. وكما كان للوعاظ فضل كبير فى سريان هذه الروح كذلك كان لفقهاء الحنابلة نفس الفضل، فقد كانوا يؤلفون جمهورا كبيرا ببغداد، وكثيرا ما كانوا يثورون طالبين إلى الدولة قلع المواخير وتتبع المفسدين ومن يبيع النبيذ. وكثيرا ما نهضوا بأنفسهم فكبسوا الدور وأراقوا الأنبذة (٢) وكانت الدولة لا ترى بدا من النزول على إرادتهم، وسيرهم كما يمثلها كتاب طبقات الحنابلة لابن أبى يعلى وذيله لابن رجب تفوح دائما بشذى الزهد والتقشف والإعراض عن الدنيا وملذاتها، ويستحيل ذلك عند كثيرين منهم إلى أشعار زاهدة وأخرى تفيض بوجد ملتاع. وكان هذا الوجد يصل بين الزهاد والمتصوفة على نحو ما مرّ بنا آنفا فى مقطوعة واعظ ميّافارقين وزاهدها محمد بن عبد الملك. وتمتلئ كتب طبقات المتصوفة بأشعارهم الصوفية الخالصة التى يصورون فيها عشقهم الإلهى ومكابدتهم معطّلين لحواسهم وعقولهم بينما يتجلى الله فى كل الموجودات، وهم سابحون فى بحار الوجد وبين أمواجه، غارقون فى آلام حبهم وأشجانه ودموعه، على نحو ما يصور ذلك الشيخ أحمد الرفاعى صاحب الطريقة الرفاعية المشهورة فى قوله: (٣) إذا جنّ ليلى هام قلبى بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوّق وفوقى سحاب يمطر الهمّ والأسى ... وتحتى بحار بالأسى تتدفّق وسبق أن عرضنا لشهاب الدين السّهروردىّ البغدادى فى الفصل الأول. وهو إمام صوفية بغداد ومقدمهم فى القرن السابع الهجرى، وولىّ عدة ربط للصوفية، وكان فقيها عالما واعظا، عقد مجلس الوعظ سنين، ويروى أنه أنشد يوما فى تضاعيف وعظه (٤): لا تسقنى وحدى فما عوّدتنى ... أنى أشحّ بها على جلاّسى أنت الكريم ولا يليق تكرّما ... أن يعبر النّدماء دور الكاس

стр. 2528

فتواجد الناس بذلك، وقطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير، وواضح أنه عبر بالخمر عن النشوة بالعشق الإلهى، ومن غزله الصوفى: تصرّمت وحشة الليالى ... وأقبلت دولة الوصال تقاصرت عنكم قلوب ... فياله موردا حلا لى وهو يعبر عن فرحته الهنيئة بصلته أو اتصاله بربه، وكأنه تحقق له عالم الشهود أو عالم الفناء، فانجاب عنه الحجاب، وأضاءت مشكاة قلبه بنور ربه. وانبثقت من الشعر الصوفى منذ ابن دريد فى أوائل القرن الرابع الهجرى مدائح نبوية عطرة بالسيرة الذكية، وما نصل إلى القرنين السادس والسابع حتى يتكاثر هذا المديح ويزدهر، ونظن ظنا أنه كان للحروب الصليبية أثر فى ذلك، فقد رأى المسلمون تعظيم الصليبيين لعيسى ﵇ واهتمامهم بمولده وحربهم للدين الحنيف وصاحبه، وعرف الشعراء أنها حرب دينية يشنّها الغرب على الرسالة النبوية ورسولها الكريم، فاستحثوا الناس للدفاع عن دينهم، بل لقد مضوا يستصرخونهم للذود عن وطنهم الإسلامى محاولين-بكل ما وسعهم-أن يحيلوهم شعلا آدمية تشوى وجوه الصليبيين وتأتى عليهم كأن لم يكونوا شيئا مذكورا. وفى الوقت نفسه مضوا يمدحون النبى الكريم بعرض سيرته وشذاها العطر ورفعوها شعارات بل لواءات، ليتجمع من حولها أبطال الإسلام والعرب ويقضوا على الصليبيين قضاء مبرما. ولم يكتف بعض الشعراء بمدحتين أو مدائح معدودة للرسول، بل نظم فى ذلك ديوانا مثل محمد بن أبى بكر بن رشيد الواعظ البغدادى فقد نظم فى مديح الرسول ﵇ ديوانا سماه القصائد الوترية فى مدح خير البرية وهى تسع وعشرون قصيدة مقفاة على حروف المعجم. ونختار ثلاثة من الشعراء يمثلون الزهاد والمتصوفة ومداح الرسول ﵇، وهم على الترتيب ابن السّراج البغدادى والمرتضى الشهرزورى والصّرصرىّ. ابن السّراج البغدادى (١) هو جعفر بن أحمد بن الحسين السرّاج البغدادى المقرئ المحدث الأديب، ولد ببغداد سنة ٤١٧ أو فى أول سنة ٤١٨ وقرأ القرآن وتلقن قراءاته وأقرأه سنين، وعنى بالحديث النبوى ورحل فى طلبه إلى مكة والشام ومصر، وخرّج له الخطيب البغدادى خمسة أجزاء تسمى

стр. 2529

السّراجيات، وله مصنفات مختلفة وكان شاعرا مطبوعا، واستغلّ موهبته الشعرية فى نظم كتب الفقه مثل كتاب المبتدى وكتاب مناسك الحج وكتاب الخرقى وكتاب التنبيه. وأهم كتبه وأشهرها كتاب مصارع العشاق، وهو فى أخبار العبّاد والنساك، وبه أشعار كثيرة تفيض بوجد مبرح. وكان حنبليا حمل عنه الحديث كما حملت القراءات ويقول ابن الجوزى «حدثنا عنه أشياخنا، وآخر من حدثنا عنه شهدة بنت الإبرىّ، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى بمصارع العشاق بسماعها منه» ويقول ابن خلكان عن شهدة: «بغدادية المولد والوفاة كانت من العلماء، وسمع عليها خلق كثير، واشتهر ذكرها وبعد صيتها (١)». وقد جعل السراج كتابه «مصارع العشاق أجزاء، وكتب على كل جزء أبياتا، من ذلك قوله على الجزء الأول: هذا كتاب مصارع العشّاق ... صرعتهم أيدى نوى وفراق تصنيف من لدغ الفراق فؤاده ... وتطلّب الراقى فعزّ الراقى وكان تقيا ورعا يغلب عليه الزهد مع حسن الطريقة ومع الظرف ولطف الأخلاق. وأكثر أشعاره فى نظم كتب الفقه كما مرّ بنا وفى الزهد، والتخلص من درك الهوى إلى ذرى الهدى، والترفع عن اللذات البدنية، والشهوات الدنيّة، ومن قوله: أفلح عبد عصى هواه ... وفاق فى دينه وكاسا (٢) ولم يرح مدمنا لخمر ... ينهل طاسا يعلّ كاسا (٣) فهو يدعو الإنسان إلى عصيان هواه وأن يكون كيّسا فلا يقع فى الخطايا والزلات ويحفظ نفسه من الخمر أو المنكرات، وبذلك يرتقى فى درجات الهدى بقمعه لشيطانه وأمانه من غائلته. وله شعر وجدانى من مثل قوله يصوّر حنين ناقته لمنازلها فى نجد والحجاز: قضت وطرا من أرض نجد وأمّت ... عقيق الحمى مرخى لها فى الأزمّة (٤) وخبرّها الروّاد أنّ لحاجر ... حيا نوّرت منه الرياض فحنّت (٥) ولاح لها برق من الغور موهنا ... كشعلة نار للطوارق شبّت (٦)

стр. 2530

وغنىّ لها الحادى فأذكرها الحمى ... وأيامها فيه وساعات وجرة (١) وقد شركتنى فى الحنين ركائبى ... وزدن علينا رنّة بعد رنّة (٢) ألا ليت شعرى هل تعود رواجعا ... ليالى الصّبا من بعد ما قد تولّت والحنين يجرى فى الأبيات كما يجرى الماء والخضرة فى الأغصان النضرة، وقد جعل ناقته أو دابته نفسها تحنّ حنينا لا ينقطع إلى منازلها، وهو حنين يضاعفه فى نفسها ما يلوح لها من برق ليلا صادرا من جانب الغور، وكأنه شعلة نار تستدعيها وتناديها من بعيد. كما يضاعف هذا الحنين شدو الحادى وغناؤه، فتذكر أيامها فى وجرة وغير وجرة. ويصرّح بأن ناقته وركائبه تشركه فى الحنين، بل تزيد عليه رنة بعد رنة، فيأسى لها ولنفسه، ويتمنى لو عادت ليالى الصبا وكيف تعود وقد تولت إلى غير مآب، ولم يبق إلا الوجد والحنين الذى يتّقد فى فؤاده بمثل قوله: حبّذا نجد بلادا لم نجد ... راحة للقلب فى أرض سواها فإذا ما لاح منها بارق ... هاج أشواقى أو هبّت صباها لست أنسى إذ سليمى جارة ... تبذل الودّ وتصفينا هواها أرسلت طيف كرى لكنّه ... زارنا والعين قد زال كراها (٣) فنجد راحة نفسه ومسرة قلبه، وإنه ليذكر أيامها وما كان يغمره فيها من متاع وسعادة، حتى إذا لاح برق أو هبّ نسيم صبا هاجت به أشواقه، وأعادت إليه ذكرى حبه لسليمى حين كانت تبادله الهوى والود. وقد ضاع كل هذا الحلم منه وضاع منه النوم، فلم يعد يستطيع أن يراها أو يرى طيفها، وهو يتجشم أهوال وجده ويحتمل آلامه، باكيا ذارفا دموعه كما يقول: بان الخليط فأدمعى ... وجدا عليهم تستهلّ (٤) وحدا بهم حادى الفرا ... ق عن المنازل فاستقلّوا (٥) قل للذين ترحّلوا ... عن ناظرى والقلب حلّوا ما ضرّهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهم وعلّوا فأحبابه رحلوا وحبّات دموعه لا تزال تتساقط على خدوده، وهل يملك سوى البكاء

стр. 2531

والدموع الغزيرة، لقد كان فى حلم غمره وملأ عليه فؤاده، وأفاق منه على فراق أحبابه، وإنه ليعلن إن كانوا قد رحلوا وبعدوا عن مرأى عينه فسيظل وفيا للعهد، وسيظلون يحلّون فى سويداء قلبه. ويفضى إلى اليأس قائلا: ما ضرهم لو أذاقوه وصلهم وجعلوه ينعم به مرارا. ومع ذلك فسيظل يذكرهم بل سيظل حبهم فى قلبه قويا حارا. وله وراء ذلك أشعار مختلفة فى مديح إمامه أحمد بن حنبل وأصحابه. توفى ببغداد سنة ٥٠٠ للهجرة. المرتضى الشّهر زورىّ (١) هو أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفّر الشهرزورى الملقب بالمرتضى، ولد بالموصل سنة ٤٦٥ وتوفى بها سنة ٥١١ فى أرجح الأقوال، أقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه، ورجع إلى الموصل وتولى بها القضاء بجانب ما كان ينهض به من الوعظ والتذكير. وكان صالحا تقيا ناسكا متعبدا، ولم يلبس خرقة الصوفية ولا لزم رباطا من ربطهم، ومع ذلك كان صوفيا كبيرا، صوفيا سنيا، يدل على ذلك أكبر الدلالة ما تبقى من أشعاره واحتفظت به الخريدة للعماد ووفيات الأعيان لابن خلكان، وروى له الأخير قصيدة صوفية رائعة، يقول فى تضاعيفها: لمعت نارهم وقد عسعس اللّي ... ل وملّ الحادى وحار الدليل (٢) فتأملتها وقلت لصحبى ... هذه النار نار ليلى فميلوا وهى تعلو ونحن ندنو إلى أن ... حجزت دونها طلول محول (٣) فدنونا من الطلول فحالت ... زفرات من دونها وغليل قلت: من بالديار؟ قالوا جريح ... وأسير مكبّل وقتيل (٤) فحططنا إلى منازل قوم ... صرعتهم قبل المذاق الشّمول (٥) قلت: أهل الهوى سلام عليكم ... لى فؤاد عنكم بكم مشغول جئت كى أصطلى فهل لى إلى نا ... ركم هذه الغداة سبيل إنه لا يزال ساريا طوال الليالى يبحث عن نار الذات الإلهية، أو قل إنه يتخذ النار رمزا للمنازل على عادة الشعراء الغزلين، ويراها من بعيد فى الظلام الدامس وقد كلّ الحادى

стр. 2532

لطول السّرى وحار الدليل المرشد، وإذا النار أو قبس منها يظهر فجأة، فينادى صحبه: رأيت نار ليلى فميلوا، وكلما جد فى السّرى إليها ودنا منها علت وارتفعت إلى أن امتدت بينه وبينها طلول محول، ويحاول الدنّو من الطلول وتحول بينه وبينها دموعه وزفراته الحارة. ولا يجد فى الديار سوى العشاق، وهم كثيرون بين جريح ومغلول فى القيود وقتيل. وينزل بين قوم شغفهم الحب الربّانى، بل لقد صرعهم قبل أن ينتشوا به ويذوقوا خمره. ويسلّم، ويقول إنه جاء يصطلى بالنار: نار الحب المشتعل، ويقولون له إن أحدا لا يبلغها ولا يصل إليها، فدونها أهوال وأمواج تجرفهم إلى طلولها. إنها نار تضيئ للسارى بالليل ولا تنال، ومنتهى الحظ أن يتزود اللحظ منها، وهم حيارى وقوف قد أصبحوا أشباحا ناحلة وأنفاسا متلاشية، وكلما ذاقوا كأس يأس مريرة لمعت لهم كأس رجاء حلوة، فيقولون: صبر جميل. والقصيدة من أروع ما خلّف الصوفية على مر الحقب، وقد أنشدها بكمالها ابن خلكان، وقال إنما أثبتّها كاملة، لأنها قليلة الوجود وهى مطلوبة، ويقول العماد فى الخريدة: «وجدت من كلام القاضى المرتضى أبى محمد الشهرزورى رسالة سلك بها مسلك الحقيقة، وسبق أهل الطريقة، مشحونة بأبيات فى رقة السلسال والشّمول» وكأنه لم ينظم فى التصوف فحسب، بل كتب أيضا، غير أن العماد لم يعن بأن يروى شيئا مما كتبه، إنما عنى بما جاء فى الرسالة من رقائق الغزل الصوفى من مثل قوله: وعاودت قلبى أسأل الصبر وقفة ... عليها فلا قلبى وجدت ولا صبرى وغابت شموس الوصل عنى وأظلمت ... مسالكه حتى تحيّرت فى أمرى والبيتان طريفان، فقد وقف بالديار فضاع منه قلبه وعزّ صبره، وغربت شمس الوصل وأصبحت جميع المسالك حوله مظلمة، وهو حائر لا يهتدى ولا يجد من ينقذه. إنه محب مهجور قد حرم وصله وخطف منه أو أسر قلبه، ويقول: يا ليل ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لى ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالى فهو دائما على عتبات الباب لا يدخل ولا ينعم بوصل ولا لقاء، ويملّ الوقوف والانتظار، ولكنه لا يستطيع الإياب، كأنما شئ يمسك بتلابيه، فكلما حاول الانصراف وأعياه الانتظار ورغب فى الرجوع تعثر فى أذياله فتسمّر فى مكانه، ومن قوله: شكوت إليها ما بقلبى من الجوى ... فقالت: وهل أبقى الفراق له قلبا

стр. 2533

فقلت: فهل لى فى وصالك مطمع ... فقالت: إذا ما شمسنا طلعت غربا فقلت: فهل من زورة يجتنى بها ... ثمار المنى ظمآن قد منع الشّربا فقالت إذا ما غاب عن كلّ مشهد ... وخاض حياض الموت واستسهل الصّعبا وأصبح فينا حائرا ذا ضلالة ... يواصلنا بعدا ونهجره قربا وهى محاورة بديعة بينه وبين محبوبته رمز بها إلى حبه الربانى، فمن يحب الذات العلية يفقد قلبه ولا يصبح له مطمع حقيقى فى وصال ولا فى زورة يقتطف فيها ثمار المنى وينهل معها من الماء ما يطفئ ظمأه إلا إن غاب عن كل مشهد فى الوجود واقتحم حياض الرّدى لايبالى، وحتى إن فعل فسيصبح حيران ضالاّ الطريق يواصل من بعيد ويهجر من قريب. ومن قوله يشكو آلامه وعذابه فى حبه الإلهى. بقلبى منهم حرق ... لها الأحشاء تحترق ولا وصل ولا هجر ... ولا نوم ولا أرق فليتهم وقد قطعوا ... ولم يبقوا علىّ بقوا فأفنى فى محبّتهم ... وريح محبّتى عبق كمثل الشّمع يمتع من ... ينادمه ويمّحق فأحشاؤه تحترق، ولا وصل ولا هجر، ولا يأس ولا طمع، ولا نوم ولا أرق، ولا صبر ولا جزع، وإنه ليكتوى بنيران هذا الحب مؤملا-على طريقة الصوفيين-أن تنمحى حواسّه وأحاسيسه، حتى يفنى فناء مطلقا فى الذات العلية، فناء ينعدم فيه وجوده البشرى انعداما تاما، كما ينعدم الشمع المضيئ، وينمحق انمحاقا خالصا. الصّرصرىّ (١) هو جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف الصّرصرى، نسبة إلى صرصر: قرية قريبة من بغداد، ولد سنة ٥٨٨ وحفظ القرآن واختلف إلى دروس العلماء والفقهاء والمحدثين، وكان حنبليا، ويصفه ابن تغرى بردى فى كتابه النجوم الزاهرة بالإمام الأديب الربانى، ويقول كان من العلماء الفضلاء الزهاد العبّاد، كانت له اليد الطولى فى النظم وشعره فى غاية الجودة، ويقول الصفدى عنه «صاحب المدائح النبوية السائرة فى الآفاق، ولا أعلم

стр. 2534

شاعرا أكثر من مدائح النبى ﷺ أشعر منه، وشعره طبقة عليا. . يدخل شعره فى ثمان مجلدات وكله جيد» ويقول القطب اليونينى وابن تغرى بردى: إن مدائحه فى النبى ﷺ تقارب عشرين مجلدا. ولا يزال الديوان غير منشور وفى دار الكتب المصرية مخطوطة منه. ويذكر الصفدى أن بين مدائحه النبوية قصيدة التزم فى كل حرف منها ظاء وثانية التزم فى كل حرف منها ضادا وثالثة التزم فى كل حرف منها زايا، وبالمثل بقية الحروف الصعبة، وقصيدة كل بيت منها يشتمل على حروف المعجم أو بعبارة أخرى الحروف الهجائية يقول الصفدى: وهذا دليل القدرة والاطلاع والتمكن. والصرصرى فى المدائح النبوية يعرض السيرة النبوية العطرة مع بيان معجزات الرسول ﵇ وانتصاراته على أعدائه ويشيد بصحابته وخدماتهم للإسلام وفى مقدمتهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وينوّه بزوجاته أمهات المؤمنين وفى مقدمتهم السيدة خديجة والسيدة عائشة والسيدة حفصة. وهو يتراءى فى نبوياته سنّيا حنبليا حتى ليعرض فى بعضها لمديح ابن حنبل وأتباعه، ويروى له ابن تغرى بردى أبياتا من همزية نبوية يقول فيها: يا هلال السرور يا قمر الأن ... س ونجم الهدى وشمس البهاء يا ربيع القلوب يا قرّة العي ... ن وباب الإحسان والنّعماء وهو يصدر فى القصيدة عن محبة للرسول ﵇ شغفت قلبه، حتى ليراه كل جمال فى الوجود فهو الهلال والقمر والنجم والشمس والربيع وقرة العيون ومسرة النفوس وباب الإحسان والعطاء وكل نعماء، ويروى له الصفدى قطعة طويلة من مدحة خائية يقول فى تضاعيفها: يا خاتم الرّسل الكرام وفاتح ال ... خيرات يا متواضعا شمّاخا يا من رست وسمت قواعد دينه ... وبه هوى أسّ الضلال وساخا يا خير من شدّ الرّحال لقصده ... حادى المطىّ وفى هواه أناخا عطفا على عبد تعلّق حبّكم ... طفلا وفى صدق المحبّة شاخا وهو يكثر من المناجاة للرسول ﵇ مستعطفا ومتشفعا به، ويبدو من القطعة الطويلة من أشعاره التى رواها القطب اليونينى أنه كان يصدر أحيانا عن نظرية الحقيقة المحمدية المعروفة، إذ ذهب إلى أزلية وجود الرسول وأنه مبدأ الوجود ومركزه. وليس فى يدنا الديوان لنحكم على الصرصرى حكما دقيقا فى هذا الجانب غير أن هناك بعض إشعاعات من الفكرة نلتقى بها عند اليونينى مثل قول الصّرصرى عن الرسول:

стр. 2535

هو سابق الأعيان إذ كتب اسمه ... بالعرش ثم استودع الألواحا فإذا كان قد أراد بسبقه الأعيان أن نوره يسبق الموجودات جميعا من قبل أن تخلق أو تخرج إلى الوجود فإنه يكون مستمدّا حينئذ من نظرية الحقيقة المحمدية، وبالمثل ما نجد عنده من الحديث عن قدم نور الرسول ﵇، وأنه تنقل فى صلب آدم والأنبياء من بعده، إذ يقول: حللت صلب أبينا عند مهبطه ... وصلب نوح وقد غشّى الورى الزّبد (١) وكنت فى صلب إبراهيم مستترا ... ونار نمرود أشقى الخلق تتّقد (٢) وحاز نورك إسماعيل يودعه ... أبناءه الغرّ حتى حازه أدد (٣) ويمضى الصرصرى فيذكر أن عدنان نال بهذا النور المنزلة الرفيعة، وما زال النور يتنقل حتى انعقد به على رأس هاشم إكليل فخر لا يشبهه إكليل. واتصل النور بعبد المطلب وابنه عبد الله، ولم تلبث أضواء النور أن انبثقت فى المشارق والمغارب. . وكانت وفاة الصرصرى سنة ٦٥٦ دخل عليه التتار فى اكتساحهم لبغداد، وكان ضريرا، فطعن بعكازه بطن واحد منهم فقتله، وقتل شهيدا. ٤ - شعراء الفلسفة والشعر التعليمى . يكثر الشعر على ألسنة المتفلسفة منذ الكندى، وفى الكتب الخاصة بتراجمهم من ذلك أسراب غير قليلة، وكثيرا ما كانوا ينظمون بعض معارفهم الفلسفية أو الطبية. وتلقانا فى كتاب عيون الأنباء فى طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة بعض وصايا طبية طريفة (٤)، وكثيرا ما كانوا يعرضون للنفس والجسم والعلاقة بينهما فى الحياة وبعد الممات، على شاكلة ما أنشده أبو النفيس (٥) أحد متفلسفة القرن الرابع الهجرى: فى النفس والجسم إن فكرت معتبر ... بل دون ذلك ضلّ الرأى والفكر وحار كلّ لبيب فى اتحادهما ... وتلك عين وهذا حكمه الأثر

стр. 2536

يا ليت شعرى إذا الأبدان أضمرها ... يد البلى وحواها التّرب والمدر هل للنفوس التفات نحو عالمها ... كما تلفّت نحو المركز الحجر ليحصل الفوز فى دار الخلود لها ... وتنتفى دونها الآفات والغير أم تضمحلّ كما قد بان هيكلها ... ولا يحسّ لها ورد ولا صدر هذا الذى صدئت منه خواطرنا ... وليس يجلو صداها العلم والخبر والأبيات تعرض مشكلة خلود النفس بعد الموت، فهل تفنى كما يفنى الجسد، أو تنفصل عنه إلى عالمها: عالم الخلود، وهى مشكلة حارت فيها من قديم العقول، فهذا الجسم مادى محسوس يفنى بموت صاحبه، وهذه لا تحسّ ولا ترى إلا بأثرها وببثّ الحياة فى الجسم، حتى إذا فارقته انتقل إلى عالم العدم والفناء، فهل يكون مصيرها نفس مصيره، أو أنها تحيا حياة جديدة خالدة فى الملأ الأعلى. إنها مشكلة محيرة فى رأى أبى النفيس يطبق عليها ظلام غامر لا يرفعه علم ولا خبرة، والأبيات تمضى فتجعل علم الحقيقة بذلك للواحد الأحد. وإذا تصفحنا كتاب عيون الأنباء فى طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة وجدنا به متفلسفين عراقيين كثيرين يجيدون نظم الشعر، مثل ابن التلميذ (١) المتوفى سنة ٥٦٠ ومن شعره فى ابنه سعيد: حبّى سعيدا جوهر ثابت ... وحبّه لى عرض زائل به جهاتى السّتّ مشغولة ... وهو إلى غيرى بها مائل والجهات الست هى اليمين واليسار والأمام والخلف والأعلى والأسفل، يريد أنه مشغول بابنه بكل كيانه وكل عواطفه ومشاعره، وقد جعل حبه له جوهرا ثابتا بينما حب سعيد ابنه له عرض زائل، ومن قوله: كانت بلهنية الشّبيبة سكرة ... فصحوت واستأنفت سيرة مجمل وقعدت أرتقب الفناء كراكب ... عرف المحلّ فبات دون المنزل والصورة فى البيتين بديعة، فقد صحا من سكرة الشباب واستأنف سيرة معتدل فاضل، وقعد ينتظر دوره ومماته، وكأنما هو راكب يعرف منزله ويبيت دونه بقليل، ولابد من الوصول. وكان ابن التلميذ يكثر من الشعر ومثله البديع الإصطرلابى وهبة الله ابن الفضل ومحمد بن المجلّى المعروف بالعنترى وابن هبل.

стр. 2537

ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول كيف أن كثيرين من شعراء بغداد عنوا باستحداث نمط شعرى جديد هو الشعر التعليمى، فى مقدمتهم أبان بن عبد الحميد الذى ترجم كليلة ودمنة شعرا ونظم قصائد طويلة فى الفقه والمنطق والتاريخ ومبدأ الخلق. ويستمر هذا النمط الجديد فى العصر العباسى الثانى على لسان ابن الجهم وابن المعتز وابن دريد، حتى إذا كنا فى هذا العصر اتسعت موجته وشملت جميع أنواع المعارف والعلوم. ومرّ بنا فى ترجمة ابن السراج أنه نظم أربعة كتب فقهية. ويذكر ابن الجزرى فى كتابه طبقات القراء أن أبا الخطاب بن الجراح على بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٤٩٧ نظم كتابا فى القراءات (١)، ونظم الحريرى صاحب المقامات ملحة الإعراب فى النحو وأبوابه وقواعده وهى مطبوعة. ونظم ابن أبى الحديد فصيح ثعلب وهو مطبوع، ونظم فخر الدين بن الفصيح مدرس العربية فى المستنصرية المتوفى سنة ٧٥٥ كتاب الكنز فى الفقه والسراجية فى الفرائض وقصيدة طويلة فى القراءات (٢)، وهو باب يطول ويتسع إن نحن حاولنا حصر ما نظم من العلوم والمعارف على مر الحقب لهذا العصر، ونقف قليلا عند شاعر متفلسف وشاعر تعليمى، وهما على الترتيب ابن الشّبل البغدادى وابن الهبّارية. ابن الشّبل البغدادى (٣) هو أبو على الحسين بن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن الشّبل، مولده ومنشؤه ببغداد وبها توفى سنة ٤٧٤ ومن المؤكد أنه اختلف إلى مجالس المتفلسفين فى زمنه، من أمثال يحيى ابن عدى، وأخذ عنهم كل ما كانوا يعرفونه من فلسفة وطب وفلك وتنجيم، ويقول ياقوت: «كان متميزا بالحكمة والفلسفة خبيرا بصناعة الطب أديبا فاضلا وشاعرا مجيدا. . وهو صاحب القصيدة الرائية التى نسبت إلى الشيخ الرئيس ابن سينا وليست له، وقد دلت على علو كعبه فى الحكمة والاطلاع على مكنوناتها وقد سارت بها الركبان، وتداولتها الرواة» وهو يستهلها بقوله: بربّك أيها الفلك المدار ... أقصد ذا المسير أم اضطرار مدارك قل لنا فى أىّ شئ ... ففى أفهامنا منك انبهار

стр. 2538

وفيك نرى الفضاء وهل فضاء ... سوى هذا الفضاء به تدار وعندك ترفع الأرواح أم هل ... مع الأجساد يدركها البوار وموج ذى المجرّة أم فرند ... على لجج الدروع له مدار وطوق للنجوم إذا تبدّى ... هلالك أم يد فيها سوار وأفلاذ نجومك أم حباب ... تؤلّف بينه لجج غزار وتنشر فى الفضا ليلا وتطوى ... نهارا مثلما يطوى الإزار ومعروف أن من الفلاسفة من كانوا يذهبون إلى أن العالم يديره الفلك دورة مقصودة له، وكان هناك من يذهبون إلى أن للكواكب تأثيرا بعيدا فى حياة الناس وكل أحوال العالم. وواضح أن ابن الشبل يصور حيرة لا قرار لها حول الفلك وحركته، فهل هى اضطرارية من قبل الذات العلية أو هى اختيارية، ويتساءل فى أى شئ مداره وحركته. وهل ترفع الأرواح إلى عالمه العلوى أو تفنى مع الأجساد فى العالم السفلى، وهذه المجرة التى تتدفق ليلا فى السماء بالنور هل هى موج من الأضواء كموج البحر أو هى أثر تموجات ضوئية تلمح كما يلمح تموج الضوء فى صفحة الفرند أو السيف، وهل الهلال طوق معلّق للنجوم أو سوار يلمع فى يد على صفحة السماء، والنجوم هل هى أفلاذ وأرواح أو هى حباب طاف على سطح السماء كحباب الماء، إنها تنشر ليلا وتطوى نهارا. فما أعظم ذلك من لغز كبير، بل ألغاز كبيرة، يقف الإنسان إزاءها مبهوتا يتملكه الدّهش وتتملكه الحيرة، حيرة يضل بين لججها ولا يمكنه أن يرسو على شاطئ، لأن أحدا لا يملك الجواب ولا يعرفه، ويمضى ابن الشّبل فى عرض هذه الألغاز: ودهر ينثر الأعمار نثرا ... كما للورد فى الروض انتثار ودنيا كلما وضعت جنينا ... غذته من نوائبها ظؤار (١) هى العشواء ما خبطت هشيم ... هى العجماء ما جرحت جبار (٢) فمن يوم بلا أمس ويوم ... بغير غد إليه بنا يسار فهذا الدهر. يسقط الأعمار كما تسقط الورود فى الروض وتذبل وتفارقها النضرة والحياة، وهذه الدنيا كلما وضعت جنينا لم ترضعه، بل تركته لظؤار أو مرضعة ترضعه النوائب والخطوب، وما الدنيا؟ إنها عشواء لا تبصر، وكل ما تخبطه من الأنفس يصبح هشيما، إنها لعجماء خرساء كل ما تجرحه يهدر ولا يصلح أبدا. وما الحياة فى رأى ابن الشبل إلا يوم بدون أمس يسبقه ويوم بدون غد يلحقه، إنها مأساة كبرى، سببها ذنب آدم

стр. 2539

وعصيانه ربه وأكله من الشجرة، فأخرج من الفردوس ثم أهبط إلى الأرض، ويصوّر ذلك ابن الشّبل قائلا: لقد بلغ العدوّ بنا مناه ... وحلّ بآدم وبنا الصّغار (١) فيالك أكلة ما زال منها ... علينا نقمة وعليه عار نعاقب فى الظهور وما ولدنا ... ويذبح فى حشا الأمّ الحوار (٢) ونخرج كارهين كما دخلنا ... خروج الضّبّ أخرجه الوجار (٣) وكان وجودنا خيرا لو انّا ... نخيّر قبله أو نستشار أهذا الداء ليس له دواء ... وهذا الكسر ليس له انجبار وهو يقصد بالعدو إبليس وأنه بلغ فى بنى الإنسان كل مناه من الغواية والضلال فحلّ بآدم وبهم الهوان والصغار، فيالها أكلة إثم ويا له ذنب جرم! . ويعود ابن الشبل إلى أساه وحزنه على أبناء جنسه، فقد يعاقبون وهم أجنة فى أحشاء أمهاتهم فيموتون، ومن يولد وتمتد به الحياة يحرج منها كرها خروج الضّبّ من جحره. وهكذا نجئ ونخرج دون اختيار، وإن هذه الحياة كلها بأسرارها وألغازها لداء يعز دواؤه، وهذا الموت إنه لكسر لا يمكن انجباره. ويمضى فيتحدث عن انقضاء الحياة الدنيا وتحطمها كما يصور ذلك القرآن الكريم إذ تتكور الشمس وتتناثر الكواكب وتنفطر السموات وتذهل كل مرضعة عن ابنها وتسيّر الجبال وتسجّر البحار، ويقول إن فى ذلك كله لعبرة وعظة لأولى الألباب. وله مرثية بديعة فى أخيه أحمد يقول فى تضاعيفها: يا أخى عاد بعدك الماء سمّا ... وسموما ذاك النسيم الرّخاء كيف أرجو شفاء ما بى وما بى ... دون سكناى فى ثراك شفاء شطر نفسى دفنت والشّطر باق ... يتمنىّ ومن مناه الفناء إن تكن قدّمته أيدى المنايا ... فإلى السابقين تمضى البطاء إنما الناس قادم إثر ماض ... بدء قوم للآخرين انتهاء والمرثية كلها بكاء وأنين، وتفكير فى الموت، موت الأحباب واندلاع الحزن بعدهم والبكاء، مع ما يخلّفون من غصص تعترض بالشجى فى الحلوق. ويقول إنما نحن بين ظفر وناب من خطوب كأنها سباع ضارية، ويأسى للإنسان وغدر الدنيا به واستردادها فى المساء ما وهبته فى الصباح، وكأن الإنسان يعيش فى حلم أو كأنما يعيش بدون عقل،

стр. 2540

فليست تعقل الدنيا إزاء هذا الفساد الذى يعم كل شئ فى الكون من أحياء وغير أحياء. وفى الحق أن الفلسفة عمقت تفكيره، وقد جمع إليها شاعرية خصبة وحسّا دقيقا مرهفا. ابن الهبّاريّة (١) هو أبو يعلى محمد بن محمد بن صالح بن الهّباريّة العباسى، نسب إلى هبّار جده لأمه، ولد ونشأ ببغداد، وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، وكان خبيث اللسان، فلم يكد يسلم من هجائه أحد، وفيه يقول العماد الأصبهانى: «من شعراء نظام الملك (وزير ألب أرسلان وابنه ملكشاه) غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف، وسبك فى قالب ابن الحجاج وسلك أسلوبه وفاقه فى الخلاعة والمجون، والنظيف من شعره فى نهاية الحسن» ويقول ابن تغرى بردى: «كان فيه إقدام بالهجو على أرباب المناصب». ومرت بنا فى حديثنا عن الهجاء فى الفصل السابق إشارة إلى قصيدة له فى هجاء أرباب الدولة فى عهد ملكشاه السلجوقى. وحتى راعيه نظام الملك لم يسلم من لسانه، ويقال إنه حين سمع هجاءه له أمر بأن يصرف رسمه أو راتبه مضاعفا. وعدّت تلك منّة من نظام الملك دالة على مكارم أخلاقه وسعة حلمه. وأشعاره مليئة بالهجو إلى حد الإقذاع، حتى ليهجو الإنسانية جميعا قائلا: خذ جملة البلوى ودع تفصيلها ... ما فى البريّة كلّها إنسان وجعلته صلته بنظام الملك يقيم بجواره مدة طويلة فى أصبهان عاصمة ألب أرسلان وملكشاه، ويبدو أن مقامه لم يستمر بها طويلا بعد وفاة نظام الملك سنة ٤٨٥. ولم يعد إلى بغداد، بل اتجه إلى كرمان وأقام بها إلى أن توفى سنة ٥٠٤. ولسنا نريد الحديث عن ابن الهبارية وهجائه ومديحه، وإنما نريد الحديث عن شعره التعليمى فقد نهض بعملين كبيرين فيه: أوّلهما نظمه لقصص كليلة ودمنة، وقد سماه «نتائج الفطنة فى نظم كليلة ودمنة» وهو على غرار نظم أبان من وزن الرجز المزدوج، فكل بيت فيه يتفق شطراهما فى قافية واحدة. وفى فواتحه ما يدل على أنه نظمه فى كرمان، وقد نوه بنظم أبان للقصص، وأبان يتفوق عليه فى جودة شعره وإن كان عمله سقط من يد الزمن إلا ما رواه منه الصولى فى ترجمته له بكتابه الأوراق، ونتائج الفطنة مطبوع فى بومباى من قديم.

стр. 2541

والعمل الثانى من شعره التعليمى ديوان الصادح والباغم، والصادح: رافع صوته بالطرب والباغم خافض الصوت فى لين. والديوان أراجيز قصصية مزدوجة، أو قل كثرته قصص ثم يليها وعظ خلقى وحكم متعاقبة. وقد طبع الديوان فى القاهرة وبيروت ولكنو فى الهند. وهو يستهله بالحمد لله والصلاة على رسوله ﷺ ، ويقول: هذا كتاب فيه علم وأدب ... يفوق أنواع القريض والخطب عملته لسيّد الملوك ... وموئل الملهوف والصّعلوك فجاء مثل الذهب المسبوك ... سلكت نهجا ليس بالمسلوك وضعته مخترعا معناه ... لملك ما خاب من رجاه ويصرح باسم الملك وهو صدقة بن منصور الأسدى صاحب الحلة المتوفى سنة ٥٠١ وقد مضى يمدحه طويلا، حتى إذا تمّ الديوان سيّره إليه من كرمان مع ولده فأجزل صلته وأسنى جائزته. ويمضى ابن الهبّارية فى الديوان بعد تقديمه لصدقة ومديحه فيذكر مناظرة بين هندى وفارسى استمع إليها فى أحد أسفاره، وفيها يفتخر كل منهما لوطنه، أما الهندى فافتخر باختراع بلاده للشطرنج ووضعها لكليلة ودمنة، وأما الفارسى فافتخر باختراع بلاده للنّرد. وتتوالى القصص، وقليل منها الذى يشبه كليلة ودمنه فى جريانه على ألسنة الحيوانات والطير. ونقرأ قصة الناسك واللص الفاتك، والبعير والجمال والتاجر، وامرأة الراعى، وامرأة التاجر، والذئب والغزالة، إلى غير ذلك من قصص تعليمية أراد بها ابن الهبارية العظة والعبرة. غير أن هذا الصوت القصصى فى الديوان لا يلبث أن ينقطع، ويحل محله صوت آخر، ليس فيه شئ من القصص، إذ يتحول ابن الهبارية مربّيا يقدم النصائح فى السياسة ومعاملة الناس وفى الزهد وعلو الهمة والنهى عن الظلم والأمر بالعدل، وكأن ابن الهبارية نفسه فقد إيمانه بعمله القصصى الأدبى، ولعل ذلك ما جعل الأدباء بعده ينصرفون عن مجاراته فى هذا العمل الفنى، وكان حريا أن تأخذ القصص مجرى كبيرا فى الشعر العربى، غير أن النموذج الذى وضعه ابن الهبارية كان من الضعف-فى رأيى- بحيث لم يمهّد تمهيدا حسنا لهذا الاتجاه الكبير. ونراه يختم الديوان بقوله: هذا كتاب حسن ... تحار فيه الفطن أنفقت فيه مدّه ... عشر سنين عدّه بيوته ألفان ... جميعها معانى ولعل ابن الهبارية بالغ فى قصة السنوات العشر، ومع ذلك كله لابد أن نبقى له على

стр. 2542

شئ من الإحسان، فقد كانت ملكته الشعرية خصبة، وساق له العماد وابن خلكان كثيرا من الأشعار البديعة، وحقا ليست من الأشعار التعليمية، ولكنها تدل على براعته الشعرية. ٥ - شعراء شعبيون قد يظنّ من هذا العنوان أن من شعراء العصر من كانوا شعبيين ومن كانوا غير شعبيين، والحق أن صفة الشعبية هذه تشمل كل فنون الشعر وكثرة الشعراء، أما فنون الشعر فإنها جميعا كانت تصوّر حياة الشعب، فالمديح يصوّر انتصاراته ويصور مطامحه فى الحاكم العادل، ويصور الهجاء الأخلاق الذميمة التى يرى الشعب تنحيتها عن المجتمع وأفراده. وشعر الغزل كان يصوّر فى كثير من جوانبه العلاقة الخالدة بين الرجل والمرأة، بينما شعر الزهد كان يصور من بعض جوانبه حياة الشظف والحرمان، وحتى شعر اللهو كان يصور أيضا من بعض جوانبه قصف الشعب فى أعياده. فليس هناك انفصال بين فنون الشعر العربى والشعب، وكذلك ليس هناك انفصال بين الشعراء والشعب، فقد كان جمهورهم من طبقاته الدنيا، وكانوا يحملون فى صدورهم أحاسيسها ومشاعرها، ويصدرون عنها فى أشعارهم. ولا بد أن نلاحظ أنه كانت هناك عوامل مهمة عملت على وصل الشعر العربى بشعوبه فى بغداد وغير بغداد وفى مقدمتها أن الثقافة كانت عامة، وكانت حقا للجميع، إذ كانت تلقى فى المساجد يوميا، يلقيها كبار العلماء، والناس يتحلّقون من حولهم، وكلّ يجد ما يريد من لغة ونحو ومن فقه ومن قراءات ومن حديث نبوى ومن دروس أدبية يروى فيها الشعر ويعرض العلماء لما فيه من فنون البلاغة والنقد. لم تكن هناك حواجز ولا أسوار تفصل بين أى فرد من أفراد الشعب وبين الغذاء بكل ما يريد من ألوان الثقافات شعرا وغير شعر. وقد أتاح ذلك لكثيرين فى مراحل متأخرة من حياتهم أن يصبحوا علماء فى هذا الفن أو ذاك. ولم يكن يشترط فيمن يحضر حلقات العلماء والأدباء أى شرط، ولذلك كان يحضرها كثير من الأميين، وأتاح ذلك لنفر منهم أن يصبحوا شعراء. ومن يرجع إلى كتب التراجم يصادفه من حين إلى آخر شاعر أمى أو شاعر من أصحاب الحرف والصناعات، نذكر منهم الخباز الموصلى، وله ترجمة فى كتاب

стр. 2543

اليتيمة (١) للثعالبى، وفيه يقول: «من عجيب شأنه أنه كان أميا، وشعره كله ملح وتحف وغرر وطرف». وانتظامه فى اليتيمة يدل على أنه كان من شعراء القرن الرابع للهجرة. وقد أشار إلى أميته فى بعض شعره قائلا لبعض خصومه: بالغت فى شتمى وفى ذمّى ... وما خشيت الشاعر الأمّى جرّبت فى نفسك سمّا فما ... أحمدت تجريبك للسّمّ وكان يحفظ القرآن الكريم، فاقتبس من آياته مرارا وتكرارا، وكأنما جعل ذلك خاصة فنية له تميزه من نظرائه، كقوله متغزلا: كأنّ يمينى حين حاولت بسطها ... لتوديع إلفى والهوى يذرف الدّمعا يمين ابن عمران وقد حالت العصا ... وقد جعلت تلك العصا حيّة تسعى وقائلة هل تملك الصبر بعدهم ... فقلت لها: لا (والذى أخرج المرعى) وهو فى البيت الثانى يقتبس قوله تعالى فى سورة طه عن عصا موسى بن عمران ﵇ حين ألقاها فحالت أو تحولت: «فإذا هى حية تسعى) واقتبس فى البيت الثالث آية سورة الأعلى: (والذى أخرج المرعى). ويقول الثعالبى إنه «كان يتشيع ويتمثل فى شعره بما يدل على مذهبه» وينشد طائفة من أشعاره الشيعية. ويلقانا فى الخريدة شاعر أمى ثان هو نباته (٢) الأعور الإبرى، وكان هجاء خبيث اللسان شغوفا بهجو أحد العلويين وفيه يقول: شريف أصله أصل حميد ... ولكن فعله غير الحميد ولم يخلقه ربّ العرش إلا ... لتنعطف القلوب على يزيد وهو يريد يزيد بن معاوية عدو العلويين والشيعة. ويلقانا كثيرون من أصحاب الحرف يشغفون بالشعر ويصادف فيهم ملكات خصبة فيصبحون من شعرائه النابهين مثل السّرىّ الرّفاء الذى تقدمت ترجمته فى الفصل الماضى، ومثل الزاهى أبى القاسم على بن إسحق بن خلف البغدادى وكان قطّانا وكانت دكانه فى قطيعة الربيع، وقد عرضنا له بين شعراء التشيع فى الفصل الماضى، وأنشد له ابن خلكان البيتين التاليين المعروفين فى كتب البلاغة وفيهما يصف البنفسج (٣): ولا زورديّة تزهو بزرقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت

стр. 2544

كأنها فوق قامات ضعفن بها ... أوائل النار فى أطراف كبريت وقرن البنفسج الذى ترفّ أوراقه الرطبة ويترقرق الماء فى غصنه بلهب نار فى أعواد كبريت جافة يدل على قدرة خيالية بديعة. ومما أنشده له ابن خلكان قوله: وبيض بألحاظ العيون كأنما ... هززن سيوفا واستللن خناجرا سفرن بدورا وانتقبن أهلّة ... ومسن غصونا والتفتن جآذرا (١) وأطلعن فى الأجياد بالدرّ أنجما ... جعلن لحبّات القلوب ضرائرا والتقسيم فى البيت الثانى بديع فقد جعلهن حين سفرن عن وجوههن بدورا وحين انتقبن وظهرت جباههن أهلة، وحين تبخترن غصونا وحين التفتن جآذر، وبذلك ومثله عدّ شاعرا مبدعا. ولا ريب فى أن مشاركة ذوى الحرف والأميين فى شعر العصر دليل قوى على صلته بالشعب، فأبناؤه جميعا يشاركون فيه حتى الأميون الذين لا يقرءون ولا يكتبون. ولم تقف مشاركة العامة فى الشعر عند هذا الحد، فقد أخذ يظهر بينهم شعراء لا ينظمون شعرا فصيحا، وإنما ينظمون شعرا ملحونا بلغتهم العامية، وأخذ ذلك يظهر بوضوح منذ القرن السادس الهجرى، وخير كتاب يصور هذا الجانب كتاب العاطل الحالى والمرخّص الغالى لصفى الدين الحلّى، وفيه يتحدث صفى الدين بالتفصيل عن الفنون العامية، المواليا والزجل والقوما والكان وكان، ويقول إن الثلاثة الأخيرة ملحونة أبدا، أما المواليّا فقد تكون معربة وقد تكون ملحونة، ويقول إن أول من اخترعها أهل واسط اقتطعوها من بحر البسيط وجعلوها معربة مثله، ومعروف أن وزنها «مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن» وهى أربعة شطور بقافية واحدة، ويقول صفى الدين إن أهل واسط تغزلوا بها ومدحوا وهجوا، والجميع معرب، إلى أن وصل إلى البغاددة فلطّفوه ولحنوه وسلكوا فيه غاية لا تدرك، ويذكر من أمثلة المواليا المعربة قول الخباز البغدادى فى مديح الصاحب بن الدّباهى (أحد متولّى الخراج فيما يبدو): بكم قرى نهر عيسى أصبحت كالمدن ... أى باذلين القرى أى عاقرين البدن (٢) ولو تشاءوا بأطراف الرماح الّلدن ... صيّرتم الأسد تحرث فى مكان الفدن (٣)

стр. 2545

ومع أن صفى الدين يعدّ هذه المواليا من الجزل المعرب إلا أنها لم تخل من اللحن كما هو واضح فى جزم الفعلين المضارعين «تشاءوا وتحرث». ويتحدث صفى الدين بالتفصيل عن الزجل وظهوره فى الأندلس وكبار أعلامه ويطيل فى بيان ما يدخله من اللحن عادة أو ضرورة، ويقول لأهل بغداد خاصة أزجال رقيقة بألفاظ لطيفة على اصطلاح لغتهم وجارى ألسنتهم على قاعدة اللحن المختص بهم، ويذكر طائفة من زجالى بغداد على رأسها على بن المراغى، ويذكر مطلع زجل له على هذا النمط: لما أسرتم فؤادى ... أطلقت دمعى المصون وصرت فيكم أغالى ... جهدى ولى ترخصون وواضح أن المطلع غير ملحون. والفن العامى الثالث الذى تحدث عنه صفى الدين فن الكان وكان، وهو يتكون من أدوار كل دور أربعة شطور، وتشترك شطور المنظومة الثانية والرابعة بكل دور فى قافية واحدة مردفة قبل حرف الروى بأحد حروف العلة ودائما الشطر الأول فى كل بيت أطول من الثانى. اخترعه البغداديون كما يقول صفى الدين ثم تداوله الناس فى البلاد. ويذكر أنه سمّى بذلك لأن البغداديين أول ما اخترعوه لم ينظموا فيه سوى الحكايات والخرافات، فكان قائله يحكى ما كان وكان. واتسع طريق النظم فيه على يد كبار الوعاظ من أمثال ابن الجوزى فى أواخر القرن السادس وشمس الدين محمد بن أبى بكر بن رشيد صاحب القصائد الوترية وشمس الدين محمد بن أحمد الكوفى فى القرن السابع. ويقول صفى الدين إنهم نظموا فيه المواعظ والرقائق والزهديات والأمثال والحكم فتداولها الناس وصارت حتى عصره تستحضر فى المذاكرات ويذاكر بها فى المحاضرات، وينشد من الكان وكان غزلية موجّهة فى الطيور، وفى تضاعيفها: طيرى الذى كان إلفى لو ردت مثلو ما حصل ... وهو علىّ معوّد وانا عليه معتاد إذا قلع من عندى فما تزال عينى معو ... واعرف مطارو وأقعد فى البرج بالمرصاد والمنظومة طويلة والشاعر يتخذ لغزله رمزا: طيرا نصب له شبكا فصاده وفرح واتخذه إلفا له. ويمضى فيصور كيف أن طيره أو طائره إذا حطّ فى برج لغيره لا يزال يرقبه، ومع أنه يعرف من ينزل عندهم كما يعرف جميع رفاقه يسامحه، وحين يأتيه يرضى عنه وينسى خصاله، ويقول إن الماضى: ماضى الناس جميعا لا يعود. وربما شرد منه أسبوعا بطوله، ثم أتاه ليلة الجمعة فاستقبله خير استقبال. والمنظومة طريفة كما هو واضح.

стр. 2546

والفن العامى الرابع القوما، ويقول صفى الدين إن له وزنين: وزنا مثل الرباعية يتكون من أربعة شطور، يتحد أولها وثانيها ورابعها فى القافية ويختلف الثالث، ومعروف أن هذا الوزن يخرج من بحر البسيط، وأن الشطر فيه إما مستفعلن فعلن وإما مستفعلن فاعلن. أما الوزن الثانى فيقول صفى الدين إن الدور فيه يتكون من ثلاثة شطور أو كما يسميها ثلاثة أقفال مختلفة الوزن متفقة القافية، والشطر الأول أقصر من الثانى، والثانى أقصر من الثالث، ويذكر أن البغداديين اخترعوه فى دولة العباسيين برسم السحور فى شهر رمضان واشتقاق اسمه من قول المسحّرين فى آخر كل دور منه: «قوما للسحور» ينبهون بذلك ربّ المنزل ويمدحونه ويدعون له، فأطلق عليه اسم «قوما» وصار علما له. ويذكر صفى الدين إنه قيل إن أول من اخترعه ابن نقطة برسم الخليفة الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ) ويعود فيقول: الصحيح أنه اخترع من قبله وكان الناصر يطرب له وجعل لابن نقطة رسما فى كل سنة وحدث أن توفّى وكان له ابن يحسن القوما، فأخذ أتباع والده فى أول ليلة من ليالى رمضان وتغنّى على مسمع من الناصر: يا سيد السادات ... لك بالكرم عادات أنا بنىّ ابن نقطه ... وابى تعيش انت مات فأعجب الخليفة منه هذا الاختصار واستحضره وخلع عليه وفرض له ضعفى ما كان لأبيه. والقوما هنا من الوزن الأول الذى ذكره صفى الدين، وقد ذكر منه منظومات تحتوى أكثر من عشرين دورا. ومثل للنوع الثانى من القوما بقوله. داوى عضالك (١) ... بعدنا واترك نضالك بالرّغم كان تركك لنا لا بالرّضا لك دام العنا لك إش ترى فى العشق نالك ... ما نال احد من بعد أحبابو منالك وينبغى أن نعرف أن هذه الفنون الأربعة العامية لم يكتب لها أن تكون الترجمان الدقيق عن مشاعر الشعوب العربية فى بغداد وغير بغداد، فقد ظلت فى مرتبة دانية، وظل ينظر إليها على أنها إنما تصلح للهزل أكثر منها للجد، وبذلك ظل الصولجان للشعر الفصيح وظل مهوى أفئدة العرب فى كل مكان، كما ظل ترجمانا صادقا عن كل ما يأملون ويألمون وكل ما يلم بهم من ابتهاج وابتئاس، حتى لنجد أصحاب الكدية والشحاذة الأدبية يؤثرونه على الشعر العامى، لما له من تأثير بعيد فى نفوس السامعين، ونقف قليلا عند الأحنف العكبرى كبيرهم فى بغداد.

стр. 2547

الأحنف العكبرى (١) هو أبو الحسن عقيل بن محمد الملقب بالأحنف العكبرى، ظريف الشعراء المكدين ببغداد وهم شعراء كانوا ينسبون أنفسهم إلى بنى ساسان الفارسيين تظرفا، ويعيشون على الكدية أو الشحاذة الأدبية، يطوفون من بلدة إلى بلدة. وفيه يقول الصاحب بن عباد: «لو أنشدتك ما أنشد نيه الأحنف العكبرى لنفسه، وهو فرد بنى ساسان اليوم بمدينة السلام (بغداد) لامتلأت عجبا من ظرفه وإعجابا بنظمه». ومن قوله يفتخر بمهنته وما اختاره لنفسه من الكدية والشحاذة: ألا إنى بحمد اللّ ... هـ فى بيت من المجد بإخوانى بنى ساسا ... ن أهل الجدّ والجدّ (٢) لهم أرض خراسان ... فقاشان إلى الهند إلى الروم إلى الزّنج ... إلى البلغار والسّند قطعنا ذلك النّهج ... بلا سيف ولا غمد ومن خاف أعاديه ... بنا فى الرّوع يستعدى وهو يفتخر بانتسابه إلى هذا البيت الكبير بيت بنى ساسان أو بيت الشحاذة الأدبية ويصوّر تطوافه وتطواف إخوانه الساسانيين، فقد قطعوا البلدان من خراسان وقاشان فى إيران إلى الهند، ومن أرض الروم والبلغار إلى أرض الزنج والسند، كل ذلك بدون أى عدة حربية، لأن أحدا لا يعترضهم، إذ هم شحاذون لا يملكون شيئا. وتنبه الصاحب بن عباد إلى ما يشير إليه البيت الأخير، فقال: لهذا البيت معنى بديع: يريد أن ذوى الثروة وأهل الفضل والمروءة إذا وقع أحدهم فى أيدى قطاع الطريق وأحب التخلص قال: أنا مكدى (أى لا يملك شروى نقير) فانظر كيف غاص، وأبرز هذا المعنى المعتاص. ويشكو الأحنف الفقر وتطوافه فى الأرض مرارا فى شعره بمثل قوله: عشت فى ذلّة وقلة مال ... واغتراب فى معشر أنذال بالأمانى أقول لا بالمعانى ... فغذائى حلاوة الآمال وطبيعى أن تمر عليه أوقات رخاء وتعقبها أوقات شدة حين يقلّ ماله ولا يجد حوله من يسعفه فيشعر بالغربة ونكدها ومرارتها وما يداخلها من حرمان، ويحس كأنه يعيش ويتغذى

стр. 2548

بالآمال، وقد ضيّق عليه الخناق. وكثيرا ما يشكو همه وبؤسه وتعاسته حتى ليقول: العنكبوت بنت بيتا على وهن ... تأوى إليه ومالى مثله وطن والخنفساء لها من جنسها سكن ... وليس لى مثلها إلف ولا سكن فليس له بيت حتى ولا بيت واه كبيت العنكبوت، بيت يجعله يشعر أن له وطنا يأوى إليه، فهو شريد، وحتى الخنفساء لها سكن ولها إلف، وهو لا إلف له ولا سكن. وهذه الأبيات وما يماثلها كان يتخذها وسيلة لترقّ له القلوب وتمدّ إليه الأيدى بالعطاء. وشعره كشعر أمثاله من هذه الطائفة يخلو من التنميق والمحسنات البديعية، إذ هو شعر الطبيعة والفطرة ولذلك لا يلقانا فيه أى حلية أو زينة. وقد توفى سنة ٣٨٥. وفى رأيى أن شعر الكدية والشحاذة الأدبية هبط بعد زمنه، إذ شغلت مكانه المقامات عند بديع الزمان والحريرى.

стр. 2549

الفصل الخامس النثر وكتّابه ١ - تنوع النثر: رأينا فى العصرين العباسى الأول والثانى كيف تنوع النثر تنوعا واسعا، فكان هناك النثر العلمى والنثر الفلسفى والنثر الأدبى، وكانت هناك المناظرات والمواعظ والقصص وكتب الأدب التهذيبى، وكانت هناك الرسائل الشخصية والسياسية، وكل هذه الأنواع مضت تزدهر فى عصر الدول والإمارات بالعراق وخاصة فى القرنين الرابع والخامس للهجرة. ولا نبالغ إذا قلنا إنهما كانا أزهى القرون فى العصر بالقياس إلى النثر وفنونه، فقد بلغ العقل العربى كل ما كان يرجى له من نضج، إذ ظل المترجمون ينقلون إليه قبل ذلك كل ما كان عند الأمم القديمة من معارف، وظل يتغذى بها وينمو ولم يلبث أن شارك فيها وأصبح للعرب علماؤهم ومتفلسفتهم، وظل يقطع أشواطا ومراحل حتى بلغ القمة فى مطالع هذا العصر. وكانت قد بقيت للترجمة بقية، وهى تدل بوضوح على ما نقوله، فقد كانت انتقلت من الترجمة الحرفية إلى الترجمة بالمعنى على نحو ما صورنا ذلك فى كتاب العصر العباسى الثانى، وإذا رجعنا إليها وإلى أصحابها فى هذا العصر لاحظنا أنهم انتقلوا بها نقلة واسعة نحو العناية بالأداء والصياغة، حتى لكأن المترجمات توضع فى العربية ابتداء، فلا عوج ولا أمت فى صيغة، بل مع الرونق وحسن الأداء، ونضرب مثلا للمترجمين عيسى بن زرعة البغدادى المتوفى سنة ٣٩٨ وفيه يقول أبو سليمان المنطقى السجستانى: «هو آخر من يرتضى نقله لكتب الحكيم أرسططاليس: البسائط والجوامع. . وكتاب جالينوس «منافع الأعضاء وغيره من الكتب». ويذكر مثلا لما ترجمه من كلام أرسططاليس على هذا النمط (١):

стр. 2550

«الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر إلى مركزه، إلا أن يكون مؤوفا (معلولا) فى طبيعته، مخلوقا بأخلاق بهيمية. ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله على غاربه، وسيّب هواه فى مرعاه، ولم يضبط نفسه عما تدعوه إليه طبيعته، وكان ليّن العريكة لاتباع الشهوات الرديئة، فقد خرج عن أفقه، وصار أرذل من البهيمة بسوء إيثاره». ولو أننا لم نعرف أن هذه الفقرة مترجمة عن أرسططاليس ما تنبهنا إلى ذلك لصياغتها العربية المحكمة، وما يجرى فيها من رونق الصياغة الأدبية كما هو واضح فى مثل قوله: «ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله على غاربه، وسيّب هواه فى مرعاه». وهى استعارات وكنايات بيانية. وأرسططاليس فى الفقرة يشير إلى ما ذهب إليه من أن الإنسان مكوّن من طبيعة هى البدن وما يتصل به من الملذات، وهى تصلح وتفسد، وأيضا من النفس التى لا تبلى والتى يترقى بها الإنسان ويكمل. وابن زرعة يترجم حقا، ولكنها ترجمة أشبه بأن تكون من إنشائه ابتداء، ولذلك تصبح الفقرة، وكأنها وصية أو نصيحة لواعظ-كما لاحظ أبو سليمان المنطقى السجستانى-يريد بها للإنسان أن يصلح من طبيعته الأمارة بالسوء ولا يستجيب إلى شهواتها ومآربها المادية. ولم ينقلها مترجم يعرف العربية فحسب، بل ترجمها أديب يتذوق أساليب العربية ويفقه دقائقها وخصائصها البيانية. ويشيد ابن أبى أصيبعة فى كتابه طبقات الأطباء ببلاغة كثيرين منهم ومن العلماء بالرياضيات والطبيعيات، ويسوق لهم أشعارا كثيرة. وشملت هذه الصياغة المحكمة الفلسفة، ويخيل إلى الإنسان أنها كانت قد أصبحت فى القرنين الرابع والخامس للهجرة قوتا أو غذاء عاما للشعب، بحيث لم تقتصر على الطوائف العليا والوسطى فى المثقفين، بل اتسعت حتى احتوت الطوائف الدنيا، وذكرنا فى الفصل الثانى دليلا قويّا على ذلك هو أن جماعة إخوان الصفا السرّيّة التى كانت تدعو فى البصرة إلى المذهب الإسماعيلى لجأت إلى الفلسفة والعلوم فى صنع رسائل اتخذتها وسيلة لنشر هذا المذهب، ولو أنه استقر فى نفسها أن العلوم والفلسفة معا يرتفعان عن مدارك العامة ما لجأت إلى هذه الوسيلة ولعرفت منذ أول الأمر أنها وسيلة قاصرة فكفّت عنها، أما وقد تمادى إخوان الصفا فيها ومضوا يدسّون رسائلهم فى دكاكين الوراقين ببغداد والبصرة فإن ذلك دليل حى على تعلق العامة بمعرفة الفلسفة، وسنرى عما قليل مناظرة بين زعيمهم المقدسى والحريرى فى دكان حمزة الوراق بشارع الوراقين فى بغداد، تتناول الأسس

стр. 2551

والغايات التى من أجلها كتبت رسائل إخوان الصفا، وقد عمل المقدسى ورفيقه زيد بن رفاعة على إذاعتها ونشرها ببغداد. وأخرى ألممنا بها فى فصل الثقافة وهى تدل على أن الفلسفة أصبحت فى القرن الرابع الهجرى شائعة مشتركة بين الناس أو قل بين البغداديين، وهى كثرة المنتديات التى كانت تثار فيها مسائلها، ومثلنا لذلك بندوة أبى سليمان المنطقى السجستانى، وذكرنا من كان يؤمها من علية المتفلسفة، وكان وراءهم آخرون دونهم فى الرتبة، يؤمون داره كل يوم. وكان كثيرا ما يلقى سؤال وتدور حوله محاورة كبيرة، كل متفلسف يرى فيها رأيا يدلى به، ثم يكون الرأى الأخير لأبى سليمان، وكأنه المنارة الهادية. وقد استطاع أحد تلاميذه وهو أبو حيان التوحيدى-كما مرّ بنا-أن يجمع طائفة كبيرة من هذه المحاورات الفلسفية، وسماها المقابسات أى المحاورات، وكأنما ارتضى لها كلمة المقابسة لتدل على أن كل من كان يحضر الندوة ويحاور فيها كان يقتبس من فكر صاحبه. وكأنما استحال بينهم الفكر الفلسفى إلى ما يشبه نارا كل يقبس منه حسب استطاعته، وقد بلغت المقابسات مائة وستا فى نحو أربعمائة صفحة كبيرة، وهى أشبه بدائرة معارف فلسفية تضم مباحث عميقة فى الإلهيات والطبيعيات والنفس والعقل والأخلاق والأدب والبلاغة. ويمكن أن ندخل متفلسفة القرن الرابع فى هذه الندوة وغيرها فى دائرة الفارابى وتلاميذه، فقد مضوا جميعا فى إثره يعنون بالإلهيات وبمنطق أرسطو وبالنفس والعقل متأثرين بنظرية الفيض التى بثّتها الأفلاطونية الحديثة، وهى مبثوتة فى كلام أبى سليمان وتلميذه النّوشجانى، وقد عرض لها الأخير فى المقابسة السادسة والثلاثين ولا نرى أحدا يراجعه مما يدل على إيمانهم بها جميعا. وفى مواضع كثيرة من المقابسات نرى أبا سليمان وغيره من تلاميذه يرفعون من شأن الدين، وقد حاول هو وبعض مريديه مرارا وتكرارا أن يدفعوا الفكرة أو النظرية التى قامت عليها رسائل إخوان الصفا، وهى الوصل بين الفلسفة والشريعة، كما مر بنا فى فصل الثقافة ونقضوها عليهم نقضا، وصوّر أبو حيان فى كتابه الإمتاع والمؤانسة ردّ أبى سليمان عليهم (١)، وهو رد مفحم رائع أوضح فيه أن مرد الشريعة إلى الله والوحى ومرد الفلسفة إلى الرأى والعقل، ونعرض حانبا من رده لنرى قدرته البيانية، يقول: «الشريعة مأخوذة عن الله بواسطة السفير بينه وبين الخلق من طريق الوحى وباب المناجاة، وشهادة الآيات وظهور المعجزات، على ما يوجبه العقل تارة، ويجوّزه

стр. 2552

تارة، لمصالح عامة متقنة، ومراشد تامة مبيّنة، وفى أثنائها ما لا سبيل إلى البحث عنه والغوص فيه (كالبعث) ولا بد من التسليم للداعى إليه والمنبه عليه، وهناك يسقط لم؟ ويبطل كيف؟ ويزول: هلاّ، ويذهب لو وليت فى الريح، لأن هذه المواد عنها محسومة واعتراضات المعترضين عليها مردودة، وارتياب المرتابين فيها ضار، وسكون الساكنين إليها نافع. . وأساسها على الورع والتقوى، ومنتهاها إلى العبادة وطلب الزلفى. ليس فيها حديث المنجم فى تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك. . ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر فى آثارها. . ولا فيها حديث المهندس. . ولا فيها حديث المنطقى. . فعلى هذا كيف يسوغ لإخوان الصفا أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع حقائق الفلسفة فى طريق الشريعة. . وكما لم نجد فى هذه الأمة من يفزع إلى أصحاب الفلسفة فى شئ من دينها، كذلك أمة عيسى ﵇، وهى النصارى، وكذلك المجوس. . فأين الدين من الفلسفة؟ وأين الشئ المأخوذ بالوحى النازل من الشئ المأخوذ بالرأى الزائل؟ . . وبالجملة النبى فوق الفيلسوف والفيلسوف دون النبى، وعلى الفيلسوف أن يتّبع النبى وليس على النبى أن يتبع الفيلسوف، لأن النبى مبعوث والفيلسوف مبعوث إليه. ولو كان العقل يكتفى به لم يكن للوحى فائدة ولا غناء، على أن منازل الناس متفاوته فى العقل بأسره لواحد منا وإنما هو لجميع الناس. . والنبى يقول أمرت وعلّمت وقيل لى وما أقول شيئا من تلقاء نفسى، والفيلسوف يقول رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت، والنبى يقول: معى نور خالق الخلق أمشى بضيائه، وهذا يقول معى نور العقل أهتدى به، والنبى يقول: قال الله تعالى وقال الملك، وهذا يقول قال أفلاطون وسقراط. .». وواضح أن أسلحة أبى سليمان من المنطق والتفلسف أسلحة حادة، فقد فصل بوضوح بين الدين أو الشريعة وبين الفلسفة، فالدين مرجعه الوحى والفلسفة مرجعها العقل، والدين مرجعه الله والفلسفة مرجعها آراء الفلاسفة، وهى تتفاوت وتختلف باختلافهم، والشريعة مستغنية عن الفلسفة بكل فروعها. والنبى فوق الفيلسوف، والشريعة تدعو إلى التقوى والورع ولا شأن للفلسفة بذلك. ولعل وصل إخوان الصفا بين الشريعة والفلسفة هو الذى دفع أبا سليمان وغيره من أفراد مدرسته إلى مهاجمة المتكلمين، لأنهم صدروا فى مباحثهم الكلامية كثيرا عن هذا الوصل وما يتصل به من التوفيق، وكأن أبا سليمان أحسّ أنهم هم المسئولون عن هذا العمل المغرض الذى يراد به الدعوة إلى المذهب الإسماعيلى الشيعى الغالى غلوّا شديدا، ولذلك مضى يهاجمهم مهاجمة عنيفة-كما نقل عنه أبو حيان

стр. 2553

فى المقابسات-قائلا إنهم يعتمدون على الجدل والمغالطة ومحاولة إسكات الخصم والإيهام مع قلة تألّه وسوء ديانة. ومن المؤكد أن وصفهم بقلة التأله وسوء الديانة فيه مبالغة، وقد يكون اتفق له منهم من رأى فيه انحرافا عن الدين، وكان ينبغى أن لا يعمّم حكمه. على كل حال إنما أردنا بما اقتبسناه من كلامه عن إخوان الصفا والوصل بين الشريعة والفلسفة أن ندل على أن لغة المتفلسفة فى العصر صبغت بأصباغ أدبية واضحة، إذ يعرف أبو سليمان كيف يصطفى ألفاظه، وكيف يجرى فيها ترادفا بديعا يجعل لوقعها على الآذان جمالا، وكيف ينسق عباراته ويأتى بها قصيرة متلاحقة. ونقرأ فى المقابسات قطعا فلسفية أدبية للكثيرين من تلاميذه ورفاقه مثل النّوشجانى الذى نراه يستدل على الحياة بعد الموت على هذا النمط (١): «إذا كان صنف من أصناف الموجود فى حكم المعدوم لخساسته، ونقصه وتهافته، وفساد طبيعته، وطموس ضيائه، وقبح صورته، وانمحاء بهجته، وخمود شعاعه، وفقد تمامه، وتقطّع نظامه، واستيلاء رذيلته، وبطلان فضيلته، فلا تنكر أن يكون فى مقابلته وبإزائه صنف آخر من المعدوم فى حكم الموجود لصحة صورته، ونفاسة جوهره، وكمال فضيلته، وظاهر عفته، وبهاء هيئته، وغلبة عدالته، ونقاء سنخه، وصفاء سوسه (٢)، وطهارة ذاته، وظاهر زينته، ودوام نضرته، وتناسب جملته وتفصيله، وسائر ما لا يحيط القول به. . فإنك متى حويت هذه المعانى. . اكتنفتك الخيرات عاجلا، والسعادات آجلا. فتكون حينئذ موجودا وإن عدمت، وباقيا وإن فنيت، وحاصلا وإن فقدت، وثابتا وإن نفيت، وحيا وإن مت، وظاهرا وإن بطنت، وجليّا وإن خفيت، وواضحا وإن أشكلت، وشاهدا وإن غبت، وقادرا وإن عجزت. . هنالك تصل إلى غنى بلا قنية (٣)، وتنطق بلا عبارة، وتفعل بلا آلة، وتصيب بلا مشورة، وتعقل بلا مقدمة، وتبقى بلا آفة. . وتسعد بلا شوب. إلهية ورثتها من البشرية، وربوبية وصلت إليها بالعبودية». ويمضى النوشجانى فيقول لمنكر الحياة بعد الموت إنك إنما تنكرها حين تنظر إلى شخص فى إسار الحس وقشور البدن مع فساد العقيدة والعكوف على الشهوات المهلكة، فتقول متى يكون لهذا رجوع وحياة بعد الموت؟ وكان حريّا به أن يباين هواه ويختار الحق ويؤثر الخير إذن تكون السعادة غايته، والأبد نعته ونهايته. وصياغة النوشجانى رائعة بما فيها من

стр. 2554

جمال الجرس فى الأداء الناشئ عن قصر العبارات وحسن انتخاب الألفاظ وما يجرى فيها من ترادف بديع وقدرة على التناسق فى الكلمات والصيغ وسيلانها، بل تدفقها، بالفكر الصافى الخالى من الشوائب. وهو ما نقوله إن النثر الفلسفى فى هذا العصر التقى بالأدب والتمع فى أثنائه وعلى حواشيه، فغدا يروع السمع كما يروع الفكر والذهن. وطبيعى فى هذه الأثناء أن تزدهر المناظرات، وأن تشيع فى كل مجلس وبين العلماء والأدباء، وقد اشتهر مجلس المهلبى ببعض مناظرات بين الحاتمى والمتنبى على نحو ما يوضح ذلك الحاتمى فى رسالته «الموضحة» واشتهر عضد الدولة البويهى بما كان يعقد من مناظرات بين العلماء فى مجالسه، ويحدثنا القاضى عياض فى ترجمته (١) للباقلاّنى عن مناظرته بحضرة عضد الدولة للأحدب رئيس معتزلة بغداد حول تكليف ما لا يطاق، ومناظرته بحضرته أيضا لأبى إسحق النّصيبينى رئيس معتزلة البصرة حول رؤية الذات العلية. وكانت المناظرات لا تزال ناشبة بين أصحاب الطب وغيره من علوم الأوائل حتى لنجد طبيبا بغداديّا فى القرن الخامس الهجرى هو ابن بطلان يرحل إلى مصر لمناظرة ابن رضوان الطبيب المصرى والحوار معه (٢). وما لنا نذهب بعيدا ومنتدى أو ندوة أبى سليمان المنطقى السجستانى فى القرن الرابع الهجرى كانت تعج بالحوار والجدال فى كل فروع الفلسفة ومسائلها الدقيقة. ولم تكن المناظرات تقتصر على الندوات أو على المساجد، بل كانت أيضا تجرى فى الأسواق وخاصة سوق الوراقين حيث يلتقى أصحاب المذاهب والآراء، فتنشب بينهم معارك الجدل والمناظرة، من ذلك المناظرة الطريفة التى حكاها أبو حيان بين شخص يسمى الحريرى كان يأخذ بشئ من الفلسفة والفكر الدقيق وبين المقدسى أبى سليمان محمد بن معشر البيستى الرازى مخرج رسائل إخوان الصفا كما أسلفنا فى فصل الثقافة، ولذلك نسبها إليه أبو سليمان المنطقى السجستانى كما مرّ بنا، وكان لا يزال يرى ببغداد فى ندوته، وفى شارع الوراقين. وكان الرأى العام السائد هناك يعارض نظريته فى التوفيق بين الشريعة والفلسفة، ولعلهم كانوا يعرفون مقصده الذى نبهنا إليه مرارا، وكانوا يتعرّضون له فلا يراهم أهلا للجواب، حتى كان يوم-وهو يتجوّل فى الوراقين-تعرّض له فيه الحريرى غلام ابن طرّارة وهيّجه بما أورد عليه من أدلة، مما جعله يندفع قائلا (٣) الشريعة طبّ المرضى والفلسفة طب الأصحاء، فالأنبياء يطبّون للمرضى حتى

стр. 2555

لا يتزايد مرضهم أو حتى يزول بالعافية ولا شئ وراء العافية، وأما الفلاسفة فيطبّون للأصحاء وبذلك يفيدونهم كسب الفضائل التى تؤهلهم للحياة الإلهية. وإن كسب المريض بعض الفضائل فليست فضائله من جنس فضائل الصحيح، إذ الأولى (فضائل المريض) تقليدية والثانية برهانية، والأولى مظنونة والثانية مستيقنة، والأولى جسمية والثانية روحانية، والأولى دهرية والثانية زمانية. وقال إننا جمعنا بينهما لأن الشريعة لا تعترف بالفلسفة بينما الفلسفة تعترف بها لأن الشريعة عامة والفلسفة خاصة فجمعنا بينهما لأن العامة قوامها بالخاصة، كما أن الخاصة تمامها بالعامة. وأخذ الحريرى ينقض أفكاره فكرة فكرة مبينا ما فيها من فساد، فقال له إن كلامك يخالف الواقع، إذ لا يوجد طبيبان: طبيب للمرض وطبيب للصحة، بل ذلك شئ خارج عن العادة، فدائما الطبيب يعنى بحفظ الصحة ودفع المرض، وإذن سقطت تلك الفكرة المضللة. ونقض عليه ما زعمه من أن الفضيلة الدينية تقليدية والفلسفية برهانية، فقال له إن الدينية برهانية لأنها صادرة عن الوحى ولذلك تستقيم مع أى برهان، أما الفضيلة الفلسفية فهى التقليدية، لأن مدارها على رأى الشخص فيوافقه أو يخالفه آخر، فهى لا تثبت ولا تستقر بحال. ويعجب الحريرى أشد العجب من جعل المقدسى الشريعة من باب الظن وهى بالوحى، والفلسفة من باب اليقين وهى من الرأى. ويقول له: إنك غالطت وموّهت إذ زعمت أن الفضيلة الدينية جسمية والفضيلة الفلسفية روحانية، إذ الصحيح العكس لأن الشريعة وحى من الله والفلسفة من قبل أشخاص ذوى أجسام، وهى تناقش الأجسام والأعراض. ويسأله إنك تقول إن الفلسفة للخاصة فلماذا تحاولون جمع العامة لها، بينما تقولون الشريعة للعامة، فلم تجمعون بين متفرقين؟ إنه لجهل أى جهل. وبالمثل يقول له إنك تذكر أن الشريعة تجحد الفلسفة، فلماذا تريدون حملها عليها قسرا. وبذلك أخرسه. وقد عاد يسأله أى شريعة تريدون وصلها بالفلسفة، ولماذا تعنون بالتوفيق بينها وبين الدين الحنيف، بينما فى المتفلسفة نصارى ومجوس ويهود. ويصارحه بأنه لا يرى من إخوان الصفا من يقوم بأركان الدين ويتقيد بالكتاب والسنة ويراعى معالم الفريضة ووظائف النافلة، ويتساءل أين كان الصحابة والتابعون من الفلسفة؟ ويعلن إليه أن هذه المحاولة من التوفيق بين الشريعة والفلسفة إنما هى كيد للدين القويم، حاوله من قبلهم كثيرون فباءوا بالخذلان والخسران المبين. ويذكر له طائفة كبيرة من معجزات الرسل، ويدعو المقدسى وصحبه إلى الإيمان بالشريعة دون تأويل ولا تدليس ولا تعليل ولا تلبيس.

стр. 2556

والحريرى إنما هو شخص أشبه بأن يكون من العامة، ولذلك عرضنا مناظرته مع المقدسى لندل على مدى ما حظى به العقل العربى فى القرن الرابع من قدرة على الاستنباط والتعليل وتحليل الأفكار وتشعيبها ونقضها من أساسها نقضا. واستمرت هذه الحركة الفكرية الفلسفية خصبة مثمرة حتى منتصف القرن الخامس، ثم أخذت تتراجع موجاتها إلى الوراء، أو قل أخذت حدّتها تخف، بسببين: أولا لانتشار التصوف وتعلق العامة به، وخاصة بعد أن وجّهه أبو نصر السرّاج الطوسى والقشيرى نحو التصوف السنى، ويعم هذا التصوف منذ القرن السادس الهجرى بعد ظهور الشيخ عبد القادر الجيلانى والشيخ الرفاعى، ولا يلبث الدراويش أن ينتشروا فى العراق وغير العراق. وثانيا لأنه أتيح للسنة ونصرتها على الفلسفة عالم كبير هو الغزالى الذى كان لحملاته العنيفة على الفلسفة والمتفلسفة أكبر الأثر فى انصراف الناس عنها، وكان هو نفسه صوفيّا سنّيّا، فدعم التصوف السنى إلى أقصى حد، وأصبحت كفته هى الراجحة طوال قرون متطاولة. وقد مضت خطابة الوعظ تزدهر فى العصر على نحو ما مرّ بنا فى حديثنا عن شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية، وأخذت تكثر أدعية ومناجيات مختلفة للذات العلية، ويكفى أن نذكر من كتبها كتاب الإشارات الإلهية لأبى حيان التوحيدى، وهو مطبوع، وجميعه دعاء واستغفار وتضرع إلى الله وتوبة وطلب للهداية واتباع سبيل الرشاد. وتلقانا من حين إلى آخر أدعية ومناجيات بديعة، من ذلك دعاء (١) لمحمد بن عبد الملك الفارقى المار ذكره فى الفصل الماضى. وأخذت توضع كتب كثيرة فى التصوف وفى القصص والحكايات عن أصحابه، من أهمها كتاب اللمع فى التصوف لأبى نصر السراج الملقب بطاووس الفقراء المذكور آنفا المتوفى سنة ٣٧٨ وهو من طوس وحين ورد على بغداد أفردت له غرفة خاصة فى جامع الشونيزية وأعطى رياسة الدراويش، وكتاب قوت القلوب لأبى طالب (٢) المكى الوافد على بغداد المتوفى بها سنة ٣٨٦. ويلقانا من كتب القصص كتاب حكايات المشايخ الجعفر (٣) الخلدى المتوفى سنة ٣٤٨ ومر بنا فى حديثنا عن ابن السراج البغدادى بين شعراء الصوفية كتابه «مصارع العشاق» وهو يزخر بأخبار وأقاصيص عن العباد والنساك.

стр. 2557

وأخذت تؤلف كتب قصص عامة، على نحو ما نرى عند أبى على المحسّن (١) التنوخى المتوفى سنة ٣٨٤ وله ثلاثة كتب قصصية، هى: كتاب «المستجاد من فعلات الأجواد» وهو أقاصيص عن مجموعة كبيرة من الأجواد أو الكرماء الماضين، وهو مطبوع، و «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» وهو أقاصيص وأخبار عن معاصريه وهو أيضا مطبوع، ثم كتاب الفرج بعد الشدة وهو مطبوع، وهو أقاصيص ونوادر وأخبار وأمثال ولابن مسكويه كتاب أقاصيص سماه «أنس الفريد» سقط من يد الزمن. وأخذ بعض الكتّاب يحاولون تقليد بديع الزمان الهمذانى فى مقاماته، وفى مقدمتهم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن ناقيا الذى ذكرناه فى فصل الثقافة بين علماء البلاغة فى القرن الخامس الهجرى، وهو سابق للحريرى، وقد ألف تسع مقامات بطلها واحد وهو اليشكرى، ورواتها متعددون، وتدور على الكدية أو الشحاذة الأدبية، وهى مطبوعة من قديم فى إستانبول مع ثلاثين مقامة لأبى العلاء أحمد بن أبى بكر بن أحمد الرازى من أدباء القرن السادس وقد حاكى بها مقامات الحريرى وأهداها إلى أبى حامد الشهرزورى المتوفى سنة ٥٨٦، وكان يعاصره ابن الجوزى الذى مرّ ذكره فى غير موضع، وله خمسون مقامة، غير أنه لم يجعل لها بطلا من الأدباء الشحاذين أصحاب الكدية، وإنما نحا بها نحو الوعظ، على طريقة الزمخشرى فى مقاماته الوعظية. وربما كانت أهم المقامات التى ألفت فى القرن السادس بعد مقامات الحريرى مقامات يحيى بن سعيد بن مارى النصرانى البغدادى المتوفى سنة ٥٨٩ وتسمى المقامات المسيحية لنصرانيته، وهى ستون مقامة ضاهى بها مقامات الحريرى. ونلتقى فى أواخر القرن السابع بالمقامات الزينية لمعد بن نصر الله ابن رجب الجزرى المعروف بابن الصّيقل المتوفى سنة ٧٠١ وهى خمسون مقامة، فرغ من تأليفها سنة ٦٧٢. ويخلفه كثيرون يؤلفون مقامات مفردة أو بضع مقامات مجموعة. وتظل مقامات الحريرى فى الذروة، لا يبلغ شأوه فيها أى أديب بعده، وسنفرد له كلمة نعرض فيها لمقاماته. وتكثر فى العصر كتب الأدب التهذيبى، وتتخذ مجريين: مجرى فلسفيّا فكريّا على نحو ما نرى فى كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه، ومجرى عمليّا تربويّا مثل كتاب أدب الدنيا والدين لأبى الحسن على بن محمد الماوردى المار ذكره وهو مقسم إلى خمسة أبواب: باب فى فضل العقل وذم الهوى، وباب فى أدب العلم، وباب فى أدب الدين. وباب فى

стр. 2558

أدب الدنيا، وباب فى أدب النفس، وكل باب ينقسم إلى فصول، وفى كل فصل تذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار التى تحث على الفضائل وتنهى عن الرذائل. وكان هذا الكتاب مقررا للمطالعة فى المدارس الثانوية وما أجدره أن يعود إليها لتربية النشء على الأخلاق القويمة. وتكثر كتب الأدب التهذيبى بعد هذا الكتاب ولكنها لا تبلغ مبلغه فى النفع والفائدة. وتموج اليتيمة والخريدة بالرسائل الشخصية أو الإخوانية، وتتكاثر كثرة مفرطة، فى الشكر والثناء والتهنئة والعتاب والاعتذار والاستعطاف والتهادى والتعزية، وعادة تدور حول معان محدودة، ولكن الكتاب يتفننون فى تطويلها، وبذلك يستحيل المعنى الضئيل النحيل إلى ما يشبه خيطا أو حبلا تعلق عليه سجوف من السجع والجناس وفنون البديع تكدّس فيها أكداسا، وتكدّس معها تعقيدات بصور كثيرة تارة بجلب بعض المصطلحات العلمية وخاصة منذ القرن الخامس وما بعده، وتارة باتخاذ حرف واحد تبنى عليه الرسالة. وللحريرى رسالتان إحداهما سينية كل كلماتها من ذوات السين، والثانية شينية كل كلماتها من ذوات الشين، وقد قلده الحصكفى (١) يحيى بن سلامة خطيب ميّا فارقين المتوفى سنة ٥٥١ فصنع رسالة سينية، وحاول الإغراب أكثر فصنع رسالة من الحروف المهملة وخطبة ليس فى حروفها حرف منقوط، وكان شغوفا بالجناس وصنع المنعكس منه بحيث تشتق كل كلمة من أختها على هذه الشاكلة: «النفس بعقود التذرّع حالية، ولقعود التعذر حائلة، ومن الودائع المعجزة مالية، وإلى الدواعى المزعجة مائلة، وفى بحار الحمدراسية، وفى رحاب المدح سارية». ويستمر بهذه الصورة، فكل كلمة فى السجعة الأولى تعود فى السجعة الثانية مقلوبة معكوسة فى هيئتها وبنيتها وصورتها، فعقود تتحول إلى قعود والتذرع إلى التعذر وحالية إلى حائلة. وهى مهارة تحيل الرسالة إلى ما يشبه العمل المطبعى الذى يؤدّيه عمال المطابع من جمع الحروف بعضها إلى بعض من أول الكلمة إلى آخرها تارة ومن آخرها إلى أولها تارة ثانية جمعا يصور مهارة، ولكنها مهارة لفظية أشبه باللعب. ونلتقى بمعاصر للحصكفى، هو الحيص بيص البغدادى المارّ ذكره بين الشعراء وفيه يقول العماد الأصبهانى: «له رسائل ومكاتبات معدول بها عن الفن المعتاد والأسلوب المعروف» يقول: وهى كثيرة، وسأورد

стр. 2559

منها نبذا يستدلّ بها على الباقيات. وتدل النّبذ على أنه كان يحشد فيها أوابد اللغة وشواردها وشواذها متقعرا فيها أبعد تقعّر، وهو تقعر لا يفيد حسنا ولا جمالا، وإنما يضيف صعوبات لغوية، وكأن الرسالة مجموعة من الألغاز، وكلما فك القارئ فيها لغزا لقيه لغز جديد، لا يقل عنه تكلفا وإغرابا. وقد استطاع أبو السّمح (١) سعيد بن سمرة أن يؤلف على نمط الحريرى لا رسالة سينية أو شينية، بل أن يؤلف رسائل كل رسالة منها كلماتها على حرف من حروف المعجم. ونصبح منذ القرن السادس حقا بإزاء رسائل شخصية معقدة غاية التعقيد، وحتى المحسنات البديعية مثل الجناس استحالت بدورها عقدا، وكأنما فارقت كل ما كانت تزدان به من حسن وجمال. وحرى بنا أن نتحول إلى الحديث عن كتّاب الرسائل الديوانية. ٢ - كتّاب الرسائل الديوانية كانت الدواوين طوال هذا العصر كثيرة ومتنوعة، فكان هناك ديوان الخليفة وديوان الزمام الخاص بالشئون المالية وديوان الضياع والعقار وديوان الجيش وديوان النفقات وديوان الأوقاف وديوان التركات وديوان الجوالى أو الجزية الخاص بأهل الذمة وديوان السلّة الذى تحفظ فيه الكتابات الديوانية، وأهم من هذه الدواوين جميعا ديوان الإنشاء الخاص بالرسائل الصادرة عن الخليفة وحاكم بغداد العام، وعنى البويهيون بهذا الديوان منذ استيلائهم على بغداد فاتخذوا له بعض النابهين من الأدباء، وكثيرا ما كان يقوم عليه وزيرهم، وأول من نهض بأعبائه فى عهدهم وكان له ذكر حسن أبو محمد المهلّبى (٢) الذى وزر لمعز الدولة البويهى منذ سنة ٣٣٩ وكان شاعرا كاتبا وأنشد الثعالبى فى يتيمته طائفة من شعره، أما نثره فاكتفى فيه بفصول قصيرة تدل على أنه كان يسجع فى كتاباته، والسجع فى ديوان بغداد قديم منذ عصر المقتدر كما مر بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى، وقد مضى كتّاب الدواوين بعد عصره جميعا يسجعون. ويظل المهلبى ناهضا بالوزارة والكتابة حتى وفاته سنة ٣٥٢. وأهم كتاب البويهيين ببغداد بعده أبو القاسم عبد العزيز (٣) بن يوسف،

стр. 2560

وفيه يقول الثعالبى: «كان أحد المقدمين فى الآداب والكتابة والبراعة، والكفاية وجميع أدوات الرياسة، وكان مع تقلده ديوان الرسائل لعضد الدولة طول أيامه معدودا فى وزرائه، وتقلد الوزارة بعده دفعات لأولاده». ويورد الثعالبى مقاطع من رسائله السلطانية يشيع فيها السجع على عادة كتاب الدواوين فى عصره. وبدون ريب أكبر كاتب للرسائل الديوانية زمن البويهيين أبو إسحاق الصابئ وسنخصه بكلمة عما قليل. وعنى السلجوقيون مثل البويهيين بديوان الإنشاء وحين دخلوا بغداد وجدوا عليه العلاء ابن الموصلا يا فقد كان كاتب الديوان العزيز أو ديوان الخلافة منذ سنة ٤٣٢ ورأوا أن يظل عليه، ومضت عشرات من السنين وهو على ديوان الإنشاء حتى قضى نحبه، وسنخصه هو الآخر بكلمة مفردة. وأهم من تولوا الديوان بعده فى العصر السلجوقى سديد الدولة أبو عبد الله محمد (١) بن عبد الكريم الأنبارى منشئ ديوان الخلافة لعصر خمسة من الخلفاء هم المستظهر والمسترشد والراشد والمقتفى والمستنجد الذين تولوا الخلافة من سنة ٥٠٣ إلى سنة ٥٥٨ وهى سنة وفاة سديد الدولة، وبذلك ظل كاتب الإنشاء نيفا وخمسين سنة ويقال إنه عمّر حتى قارب التسعين، ولم يسجل العماد ولا صبح الأعشى للقلقشندى شيئا من نثره. وخلفه على ديوان الإنشاء ابنه محمد (٢) بن محمد بن عبد الكريم، وظل قائما عليه حتى توفى بدوره سنة ٥٧٥. وربما كان أهم من ولوا هذا الديوان فى عهد الخليفة الناصر لدين الله يحيى (٣) بن زبادة المتوفى سنة ٥٩٤ وقد أشاد به ابن خلكان ونوّه طويلا قائلا: «انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء والحساب مع مشاركته فى الفقه وعلم الكلام والأصول وغير ذلك. . وخدم الديوان من صباه إلى أن توفى عدة خدمات، وكان مليح العبارة فى الإنشاء جيد الفكرة حلو الترصيع لطيف الإشارة، وكان الغالب عليه فى رسائله العناية بالمعانى أكثر من طلب التسجيع، وله رسائل بليغة». وقد احتفظ القلقشندى برسالة (٤) له كتب بها عن الخليفة الناصر إلى الطواشى طغرل صاحب إقطاع البصرة، وقد بلغ الخليفة أنه نزح عنها مفارقا لطاعته عند ما طلب من ديوانه بعض المال، وهو فى الرسالة يحاول إثناءه عن خلع الطاعة ويذكر أن الخليفة سيتلقاه بالصفح والقبول، وفيها يقول:
следующие страницы →