فتحت عينى فإذا الدولة ال ... دولة والشيخ الوزير الوزير
والهردب: العجوز الغليظ، يريد أنه لا يستطيع حراكا فكيف يحرك دواليب دولة، وإنه ليطلب إلى الناس أن تنفر للقاء هذا الأمر الخطير، ويراها غمّة على صدر الأمة لا تنجلى، ويفتح عينه فى كل يوم أو فى كل صباح فيراها جاثمة لا تريم. ولعله كان يريد القاضى الزينبى الذى زجّ به فى السجن كما مر بنا، فإنه تولى الوزارة، ويقال إنه لما وليها دخل عليه ابن القطان والمجلس غاص بأعيان الرؤساء وقد اجتمعوا لتهنئته، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح والسرور، ورقص. فلما رآه الزينبى يرقص أسرّ إلى بعض خواصه: قبّح الله هذا الشيخ، فإنه يشير برقصه إلى ما تقول العامة فى أمثالها: «ارقص للقرد فى زمانه». وبحق ما قاله الزينبى إذ نراه يقول فى هجائه لبعض الرؤساء:
كلّ من صفّق الزما ... ن له قمت أرقص
وكان بينه وبين الحيص بيص الشاعر بغض ومهاترة، وكانا يصطلحان وقتا ثم يعودان إلى ما كانا فيه من التنابذ والتهاجى تماجنا وتظرفا ودعابة، فمن ذلك أن الحيص بيص خرج ليلة من دار الوزير الزينبى، فنبح عليه جرو كلبة، وكان متقلدا سيفا، فوكزه بعقب السيف، فمات. وعلم بذلك ابن القطان، فنظم أبياتا، وأضاف إليها بيتين من أبيات ديوان الحماسة لأعرابى قتل أخوه ابنا له، فقدّم إليه ليثأر منه وكان بيده سيف، فألقاه من يده وأنشد البيتين. وكتب ابن القطان الأبيات فى ورقة وعلّقها فى عنق كلبة لها جراء، ورتّب معها من طردها هى وجراءها أو أولادها إلى باب دار الوزير كالمستغيثة، فأخذت الورقة من عنقها، وعرضت على الوزير، فإذا فيها:
يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بفعلة أكسبته الخزى فى البلد
هو الجبان الذى أبدى شجاعته ... على جرىّ ضعيف البطش والجلد
فأنشدت أمّه من بعد ما احتسبت: ... دم الأبيلق عند الواحد الصّمد
«أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدىّ أصابتنى ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخى حين أدعوه وذا ولدى»
وجلب ابن القطان البيتين الأخيرين من ديوان الحماسة من أروع أمثلة التضمين، فقد بلغ بهما كل ما أراد من سخرية بالحيص بيص، إذ جعل الكلبة تقول بلسان حالها إن أخى الحيص بيص الذى موقعه منى موقع إحدى يدى جنى علىّ سهوا وخطأ لا عمدا ولا قصدا لسوء، وإن كلا من الأخ القاتل سهوا والابن المفقود يعوّض عن
стр. 2487
فقدان صاحبه، وبذلك جعله من فصيلة الكلاب، متسلسلا إليه من تضمين البيتين فى مقطوعته، فضلا عما صوّره به من الجبن والهلع إزاء جرو مستضعف لا حول له ولا قوة. وكانت فى ابن القطان دعابة وميل شديد إلى النادرة، وروى ابن خلكان طائفة من نوادره، من ذلك أنه دخل على الوزير ابن هبيرة وعنده نقيب للأشراف يشتهر ببخله وكان دخوله عليه فى يوم حر شديد فى شهر رمضان، فقال له الوزير: أين كنت؟ فقال على البديهة: فى مطبخ سيدى النقيب أتبرد، يريد أنه ليس فيه نار ولا طبيخ فى رمضان، فضحك الحاضرون وخجل النقيب. ومازال يطرف البغداديين بنوادره حتى توفّى عن سن عالية ببغداد فى عيد الفطر سنة ٥٥٨
٥ - شعراء التشيع
مر بنا فى الفصل الأول كيف أن مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية أخذ يعم فى العراق منذ فواتح هذا العصر إذ كان البويهيون شيعة إمامية، فأخذ المذهب ينتشر فى عصرهم، وأخذ أتباعه يتكاثرون، وتكاثر معهم الشعراء، ومضوا ينظمون فى موضوعين أساسيين هما: مناقب على بن أبى طالب رضوان الله عليه، متحدثين عن سيرته وانتصاراته على مشركى قريش وغيرهم وما فتح الله عليه، متحدثين عن سيرته وانتصاراته على مشركى قريش وغيرهم وما فتح الله على يديه من حصون خيبر، مضيفين إلى ذلك كلّ ما يروى له من فضائل منذ اعتنق الدين الحنيف وجاهد فى سبيله إلى وفاته. أما الموضوع الثانى فهو بكاء الحسين وندبه، واتسع ذلك حتى أصبح يوم مصرعه مأتما عامّا فى كربلاء وبغداد، وهيأ لذلك أن حاكم بغداد البويهى معز الدولة ألزم الناس-كما أسلفنا-فى سنة ٣٥٢ بغلق الأسواق فى يوم عاشوراء، يوم مقتل الحسين، وأن ينصبوا القباب ويرفعوا فوقها المسوح السوداء، كما ألزمهم بأن تخرج النساء منشورات الشعور يندبن ويلطمن على الحسين. وأقيم مأتم مماثل فى كربلاء. ومنذ هذا التاريخ يتكرر هذا المأتم كل عام. وكان الإمامية لا يكتفون بهذا اليوم فكانوا يندبون الحسين فى أيام أخرى طوال العام، وإن لم يأخذ ندبهم فيها شكل هذا المأتم الكبير. على كل حال أعدّت هذه المآتم لأن يصبح بكاء الحسين وندبه موضوعا أساسيا فى شعر الشيعة الإمامية، وكثيرا ما تبارى الشعراء فيه يوم الاحتفال الكبير بذكرى مصرعه، ولا يزال هذا شأنهم إلى اليوم. ولن نستطيع أن نتحدث بالتفصيل عن شعراء الشيعة الإمامية فى العصر،
стр. 2488
إنما حسبنا أن نشير إلى بعض مشاهيرهم، ويمكن القارئ أن يعود إلى كتاب أدب الطّفّ (كربلاء) لجواد شبّر المطبوع فى بيروت، ويقرأ فيه الجزء الثانى الخاص بشعراء القرنين الرابع والخامس فسيرى كثيرين من شعراء الشيعة الإمامية، وفى مقدمتهم الزاهى (١) الشاعر البغدادى المتوفى سنة ٣٦١ وقد أنشد له المؤلف مجموعة من القصائد فى بيان مناقب الإمام على بن أبى طالب، واستهل إحدى قصائده بقوله:
تولّيت خير الخلق بدءا وآخرا ... وألقيت رحلى فى حماهم مجاورا
أئمة حقّ خاتم الرّسل جدّهم ... ووالدهم من كان للحقّ ناصرا
ومضى يذكر الأئمة الاثنى عشر واحدا واحدا مشيدا بهم إلى أن انتهى إلى مهديّهم، ويبكيهم، ويمنى نفسه بظهور المهدى قائم الزمان، حتى ينشر بين الناس العدل الذى لا تصلح حياتهم بدونه. ويبدو أنه كانت فى السّرىّ الرفاء نزعة شيعية، وقد أنشد له صاحب أدب الطفّ قصيدة موجودة فى ديوانه يمدح فيها آل البيت ويبكى الحسين قائلا:
كأنّ أحشاءنا من ذكره أبدا ... تطوى على الجمر أو تحشى السّكاكينا
ومثله أبو بكر محمد الخالدى الموصلى، ومرّ بنا أنه كانت بينه وبين السّرىّ منازعة فى الشعر ومهاجاة وأكبر الظن أنه كان شيعيا إماميا مثله، فقد ترجم له صاحب أدب الطف، ونرى الثعالبى فى اليتيمة ينشد له قطعة فى ندب الحسين يقول فيها (٢):
عفّرتم بالثّرى جبين فتى ... جبريل بعد النبىّ ماسحه
سيّان عند الأنام كلّهم ... خاذله منكم وذابحه
وهو يسوّى فى الإثم بين من خذلوه من أهل الكوفة ومن ذبحوه، فجنايتهم واحدة فى رأيه. وكان طبيعيا أن تتكون مع هذا الندب والنواح فى بغداد والكوفة وكربلاء طائفة من النّاحة، ينوحون على الحسين فى يوم عاشوراء وغيره من الأيام (٣)، واشتهر من بينهم ببغداد حوالى منتصف القرن الرابع الهجرى أحمد المزوّق، وكان يجد أكبر
стр. 2489
مدد لنواحه فى شعر الناشئ (١) الأصغر على بن عبد الله بن وصيف المتوفى سنة ٣٦٦ ويقول ابن خلكان: هو من الشعراء المحسنين، وكان متكلما بارعا وله فى أهل البيت قصائد كثيرة، ويقول ياقوت: «كان يعتقد الإمامية ويناظر عليها بأجود عبارة واستنفد عمره فى مديح أهل البيت حتى عرف بهم» وأشعاره فيهم لا تحصى كثرة. وكثير من هذه الأشعار كان يناح بها فى مساجد بغداد، ينوح بها أحمد المزوّق وغيره، ويروى أنه ناح يوما فى أحد هذه المساجد بقصيدة ملتاعة للناشئ الأصغر، وفيها يقول:
بنى أحمد قلبى لكم يتقطّع ... بمثل مصابى فيكم ليس يسمع
عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم ... ويسطو عليكم من لكم كان يخضع
كأنّ رسول الله أوصى بقتلكم ... فأجسامكم فى كل أرض توزّع
فما بقعة فى الأرض شرقا ومغربا ... وليس لكم فيها قتيل ومصرع
وكان الشاعر حاضرا، فظل يلطم وجهه، وتبعه النائح والحاضرون يلطمون وجوههم وينوحون بأبيات القصيدة من الضحى حتى صلاة الظهر. وللناشئ قصيدة بائية يدعو فيها للأخذ بثأر الحسين كان الناس ينوحون بها فى أيامه ببغداد وفى مشهد الحسين بكربلاء، وفيها يقول:
متى تأخذون الثأر ممن تألّبوا ... عليكم وشبّوا الحرب وهى ضروب
شهيد توزّعن الصوارم جسمه ... فخرّ بأرض الطّفّ وهو تريب
قتيل على نهر الفرات على ظما ... تطوف به الأعداء وهو غريب
وأرض الطف: كربلاء. وتريب: معفّر بالتراب. والناشئ الأصغر يشير إلى سفك دم الحسين بكربلاء، ويمضى فيشيد بالأئمة الأولين: على والحسن والحسين الذين حووا-فى رأيه-علم كل ما قد كان أو هو كائن أو يكون ويقول:
حووا علم ما قد كان أو هو كائن ... وكلّ رشاد يبتغيه طلوب
وقد حفظت غيب العلوم صدورهم ... فما الغيب عن تلك الصدور يغيب
ولابد أن نلاحظ أن كثيرين من الشعراء بكوا الحسين، ولم يكونوا شيعة مثل سبط ابن التعاويذى، وهو أكبر مداح للخلفاء العباسيين فى القرن السادس، حتى إنه ليخلع عليهم صفات أئمة الشيعة كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ومع ذلك رأينا له مرثية يائية للحسين، إن صح أنها له كما مرّ بنا. وكأنما أصبح رثاؤه موضوعا عاما يشترك فيه الشيعة وغير الشيعة،
стр. 2490
لعظم المحنة فيه. ولعل فيما قدمنا ما يصور من بعض الوجوه نشاط الشعر الشيعى فى فواتح العصر، وظل ذلك ساريا طوال حقبه، وهو جانب يطول عرضه، ولذلك نكتفى بالحديث عن ثلاثة، لعل أولهم وثانيهم يعدان أنبه شعراء العراق بعد المتنبى، وهم الشريف الرضى ومهيار وابن أبى الحديد.
الشريف الرضى (١)
هو أبو الحسن محمد بن الطاهر أبى أحمد الحسين من سلالة جعفر الصادق المعروف بالموسوى، كان أبوه أبو أحمد عظيم المنزلة عند خلفاء بنى العباس والبويهيين، وتولى نقابة الطالبيين مرات، وتولى المظالم والحج بالناس دفعات، وقد ولد له أولا الشريف المرتضى سنة ٣٥٥ ثم ولد له الشريف الرضى سنة ٣٥٩ ولما شبّا كانا ينوبان عن أبيهما فى النقابة، منذ سنة ٣٨٠ وخلع عليهما من دار الخلافة واختص أبوهما بالنظر فى المظالم وأمور المساجد والحج بالناس، وكتب أبو إسحق الصابئ عهدا بذلك. وكانت تربط الشريف الرضى بالخليفة الطائع مودة وثيقة. ويقبض على الخليفة فى سنة ٣٨١ ويتولى الخلافة القادر، ويعفى والد الشريف الرضى من وظائفه فى سنة ٣٨٤ وترد إلى الشريف الرضى تلك الوظائف جميعا سنة ٣٨٨ وأبوه حى.
وقد تتلمذ الشريف لعلماء عصره فى بغداد من رجال الشيعة وغيرهم، مثل أبى على الفارسى وابن جنى والمرزبانى فى اللغة والنحو، والقاضى عبد الجبار فى الاعتزال، والشيخ المفيد فى الفقه وأصول العقيدة الإمامية. وأكبر الظن أنه لم يترك مفسرا لعصره إلا اختلف إلى دروسه، بل لقد أقبل على كتب التفسير السابقة يعبّ منها، يدل على ذلك كتابه فى التفسير الذى ذكرناه فى غير هذا الموضع والذى سماه حقائق التأويل فى متشابه التنزيل، وبالمثل أقبل على كتب الحديث النبوى ينهل منها، على نحو ما يتضح فى كتابه المجازات النبوية. ومعروف أنه هو الذى جمع خطب الإمام على فى الكتاب المعروف باسم نهج البلاغة، وعرضنا فى كتابنا «العصر الإسلامى» لما داخله من وضع.
стр. 2491
وكان ذكيا ذكاء نادرا مع حضور البديهة ورهافة الحس، ويروى أنه أحضر إلى يوسف بن أبى سعيد السيرافى النحوى وهو طفل لم يبلغ عمره عشر سنوات، فلقنه النحو، وقعد معه يوما فى حلقته-كما يقول مترجموه-فذاكره بشئ من الإعراب على عادة التعليم، فقال له: إذا قلنا «ضرب زيدا عمرا» فما علامة النصب فى عمرو؟ فقال: بغض على (يشير إلى عمرو بن العاص). فعجب أستاذه والحاضرون من حدة خاطره. وهو زعيم شعراء العراق فى عصره غير مدفع، وقد تفتحت موهبته الشعرية مبكرة بعد العاشرة من عمره بقليل كما يقول الثعالبى، ويمضى مشيدا به وبشعره قائلا: «هو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادة العراق، يتحلّى مع محتده الشريف، ومفخره المنيف، بأدب ظاهر، وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر، ثم هو أشعر الطالبيين: من مضى منهم ومن غبر، ولو قلت إنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق، وسيشهد بما أجريه من ذكره شاهد عدل من شعره العالى القدح، الممتنع عن القدح، الذى يجمع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل على معان يقرب جناها، ويبعد مداها». ويقول صاحب الدمية: «أنا إذا مدحته كنت كمن قال للشمس: ما أنورك. . وله شعر إدا افتخر به أدرك من المجد أقاصيه، وعقد بالنجم نواصيه». وقد توفى ببغداد ودفن فى الكرخ سنة ٤٠٦ وهو فى السابعة والأربعين من عمره، ويقال إن رفاته نقل إلى مشهد الحسين فى كربلاء.
ويدل شعر الشريف الرضى على أنه تأثر أشد التأثر بالمتنبى فقد أكبّ عليه يقرؤه المرة والمرات، محبّا له متعاطفا معه، متمثلا لكل ما يقول من شكوى الزمان وأنه لا يعطيه ما يستحقه، وكان المتنبى كما مرّ بنا يريد أن يكوّن دولة عربية، والدهر يناهضه، وكان الرضى يشعر فى أعماقه بأنه خليق أن يكون هو الخليفة دون أبناء عمه العباسيين، وتدفعه الضرورة إلى مصانعتهم بمديح لا يزال يزخر-مثل مديح المتنبى-بالفخر والشكوى من الأيام التى لا تنيله مبتغاه، حتى ليقول للقادر:
عطفا أمير المؤمنين فإننا ... فى دوحة العلياء لا نتفرّق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت ... أبدا كلانا فى المعالى معرق
إلا الخلافة ميّزتك فإننى ... أنا عاطل منها وأنت مطوّق
وظل شعوره بأحقيته فى الخلافة لا يفارقه طوال حياته، مما جعل أشعاره تطبع-كما طبعت أشعار المتنبى-بالتذمر من الدهر، بل بالثورة عليه دون أن يلم به شئ من يأس أو قنوط. وليس هذا ما يجمعه بالمتنبى فقط، فإنه يجمعه به أيضا شعور عارم بالفتوة وقوة النفس والكبرياء والكرامة والأنفة والعزة، ولذلك كان شعرهما من خير ما يربّى به
стр. 2492
الشباب، إذ يدلع فى أنفسهم الشعور الطاغى بالقوة وتمثل الأخلاق الرفيعة، على نحو ما نرى فى هذه الأبيات من قصيدة:
لغير العلا منى القلى والتجنّب ... ولولا العلا ما كنت فى الحبّ أرغب
وإن تك سنّى ما تطاول باعها ... فلى من وراء المجد قلب مدرّب
وحسبى أنى فى الأعادى مبغّض ... وأنى إلى غرّ المعالى محبّب
وللحلم أوقات وللجهل مثلها ... ولكنّ أوقاتى إلى الحلم أقرب (١)
ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها ... ولا أنطق العوراء والقلب مغضب (٢)
وتموج أشعاره بمثل هذا الفخر الذى يضرم جذوة النفس ويوقدها إيقادا ويدفعها دفعا إلى النهوض بجلائل الأعمال. وجامعة ثالثة تجمعه بالمتنبى هى استشعار البادية وروحها، إحساسا منه بأنه عربى أصيل، نفس إحساس المتنبى الذى دفعه إلى أن يجعل البدويات موضع نسيبه، كذلك صنع صنيعه الرضىّ، فهو دائم التغزل بالبدويات، دائم الافتتان بهن والتغنى بجمالهن وحسنهن الطبيعى، وله فى ذلك أشعار بديعة من مثل قوله:
يا ظبية البان ترعى فى خمائله ... ليهنك اليوم أنّ القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه ... وليس يرويك إلا مدمع الباكى
سهم أصاب وراميه بذى سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك (٣)
حكت لحاظك ما فى الرّيم من ملح ... يوم اللّقاء فكان الفضل للحاكى
أنت النعيم لقلبى والجحيم له ... فما أمرّك فى قلبى وأحلاك
وهو نسيب رقيق كنسيب العذريين، بل ربما كان أكثر رقة، إذ تجرى فيه نغمة من لأسى والحزن واللوعة وكأنما يبثّ فيه يأسه من آماله فى الخلافة، وكأنما يراها نفس هؤلاء البدويات اللائى يتعثر فى شباك هواهن، دون أن يقطف شيئا من أزهار حبّه. وإنما استطردنا كل هذا الاستطراد فى الشريف الرضىّ ليطلع القارئ على روعة أشعاره، قبل أن نعرض لرثائه جده الحسين، وفى الديوان مراث كثيرة لأم الرضىّ وأبيه ولبعض أساتذته وأصدقائه مثل ابن جنى وأبى إسحق الصابئ، وله فى جده الحسين خمس مراث، وهو يتسع أحيانا فى بعضها فيجعلها مرثية عامة لآل البيت، ونكتفى بأن نعرض أهمها فى رأينا، وهى آخر مراثيه لجده، وأعتقد أنه أراد بها النّواح عليه وأن ينشدها النّاحة فى بغداد وكربلاء، وهو يستهلها بقوله:
стр. 2493
كربلا لازلت كربا وبلا ... ما لقى عندك آل المصطفى
ويصوّر الموقعة وما سال فيها من دماء طاهرة ودموع جارية، والنساء اللائى كن مع الحسين يمسحن الرمل عن نحره الملطّخ بالدماء، ولم تلبث الوحوش أن طعمت من أشلاء القتلى أرجلا طالما قامت إلى الصلاة وأيمانا طالما رفعت إلى السماء ووجوها طالما تبتّلت إلى الله، وينشد:
يا رسول الله لو عاينتهم ... وهم ما بين قتلى وسبا
لرأت عيناك منهم منظرا ... للحشا شجوا وللعين قذى
ليس هذا لرسول الله يا ... أمّة الطّغيان والبغى جزا
غارس لم يأل فى الغرس لهم ... فأذاقوا أهله مرّ الجنا
جزروا-جزر الأضاحى-نسله ... ثم ساقوا أهله سوق الإما (١)
وهو يصوّر ركب الحسين، أما الرجال فسفكت دماؤهم الذكية، وأما النساء فسيقوا سبيّات محمولات على ظهور الإبل دون مهاد أو كساء يسترحن عليه، فيا للظلم ويا للقسوة، وهن مشعّثات الشعور مكشوفات الوجوه والأعناق يهتفن باسم رسول الله، ولا من يشفق عليهن أو يرحم. ويقول الرضى: أهكذا يكون جزاء رسول الله فى سبطه وآله؟ يغرس وتفتح لدينه الحنيف الأرض ولا يذوق أهله سوى الحنظل، بل إنهم ليذبحون ذبح الأضاحى، يذبح الرجال، وتساق النساء سبيّات، ويتجه الرضى إلى جده الحسين منشدا:
يا قتيلا قوّض الدهر به ... عمد الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد علم منهم ... أنه خامس أصحاب الكسا (٢)
مرهقا يدعو ولا غوث له ... بأب برّ وجدّ مصطفى
وبأمّ رفع الله لها ... علما ما بين نسوان الورى
ميّت تبكى له فاطمة ... وأبوها وعلىّ ذو العلا
لو رسول الله يحيا بعده ... قعد اليوم عليه للعزا
والقصيدة كلها لوعات وأنات على هذا النحو، وعنى الرضى برصف كلماتها بحيث لا تعلو على أفهام العامة، ولتكون صالحة لكى يردّدها الناحة. وجعلت هذه السهولة
стр. 2494
فى ألفاظها بعض الباحثين يظن أنها منحولة على الرضى، وليست من الانتحال فى قليل ولا كثير، إذ هى سهولة مقصودة لتخف على ألسنة الناحة والناس.
مهيار (١)
هو أبو الحسن مهيار بن مرزويه الدّيلمىّ الفارسى الأصل، ولد على ما يظهر حوالى سنة ٣٦٠ للهجرة ويغلب أن يكون ميلاده بعدها بقليل، وليس لدينا معلومات دقيقة عن مسقط رأسه ونشأته، فهل ولد ببغداد وبها نشأ، وكان بها مجوس كثيرون، أو ولد فى بلاد الدّيلم، وهاجر منها وحده أو مع أبيه؟ . وأغلب الظن أنه ولد ببغداد وتربّى بها وتثقف. ولا نعرف من كانوا أساتذته وتخرّج على أيديهم، ويبدو أنه كان فيه ذكاء حادّ جعله يحسن العربية سريعا، ويروى أنه كان يسكن فى الكرخ مستقرّ شيعة بغداد الإمامية، ولعل ذلك هو الذى أعطاه الفرصة لكى يدرس عقيدتهم، حتى إذا أسلم انتظم فى سلكها.
ونظن ظنا أنه كان يحضر قبل اعتناقه الإسلام دروس رأس الإمامية فى زمانه محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد المتوفى سنة ٤١٣ وكان يلقى دروسه فى الكرخ.
ويقول بعض مترجميه إنه أسلم على يد الشريف الرضى سنة ٣٩٤ ونظن ظنا أن إسلامه يسبق هذه السنة بشهادة كثير من قصائده المؤرخة فى ديوانه، ونراه يذكر فضل أبى العباس الضبى عليه فى إرشاده وهدايته إلى الإسلام، إذ يقول فى إحدى مدائحه له:
هو المنقذى من شرك قومى وباعثى ... على الرّشد أن أصفى هواى محمّدا
وأترك بيت النار يبكى شراره ... علىّ دما إذ صار بيتى مسجدا
والمظنون أنه زار أبا العباس الضبى حين كان وزيرا بمدينة الرّىّ. على كل حال من الممكن أن يكون أسلم على يد الشريف الرضى. ولكن ليس من الضرورى أن يكون تاريخ إسلامه صحيحا. ويقال إن الرضى أعانه فى أن يصبح كاتبا بدواوين الخلافة، ولا نعرف متى كان ذلك بالضبط، وأغلب الظن أن ذلك يسبق إسلامه، ودائما يلقبه مترجموه بلقب الكاتب.
وإذا كنا ترددنا فى أن يكون إسلامه على يد الرضى فى سنة ٣٩٤ فمما لا يقبل شكا أنه
стр. 2495
هو الذى رعاه أدبيا، وخاصة أنه رأى عنده استعدادا حسنا، فمضى معه يثقّفه ويدرّبه، حتى خرّجه شاعرا بارعا. والرضىّ بذلك يعدّ استاذه الفنى، فلا غرابة إذا وجدنا التلميذ ينسج على منوال أستاذه، وهو نسيج يلاحظ من جهتين: جهة معارضته لكثير من قصائد الرضى، يأخذ منه الوزن والقافية، وينظم على غراره. وجهة ثانية لعلها أهم هى تمثّل اتجاهاته الشعرية، ونقصد اتجاهات الشكوى من الزمن والفخر والنزوع إلى التبدّى أو النسيب والغزل بالبدويات، أما الشكوى فإنه يشكو كثيرا سوء بخته وأن الزمن لا ينيله ما يتمنى، بل يقف حجر عثرة دون أمانيه.
وكان الرضى يفخر بمحتده الشريف وعروبته العريقة، فبماذا يفخر مهيار؟ لقد اتجه بفخره فى بواكير حياته نحو قومه، وبذلك استحال فخره شعوبيا ذميما، على نحو ما يلقانا فى مثل قوله:
أعجبت بى بين نادى قومها ... أمّ سعد فمضت تسأل بى
قومى استولوا على الدهر فتى ... ومشوا فوق رءوس الحقب
عمّموا بالشمس هاماتهم ... وبنوا أبياتهم بالشّهب
قد قبست المجد من خير أب ... وقبست الدين من خير نبى
وضممت الفخر من أطرافه ... سؤدد الفرس ودين العرب
وقد التقينا بهذا الصوت المنكر فى كتاب العصر العباسى الأول عند بشار، وأخذ يخفت غير أنه كان يظهر من حين إلى حين، حتى إذا كان ابن قتيبة وجدناه يمزج بين الثقافة الإسلامية العربية-كما أشرنا إلى ذلك فى كتاب العصر العباسى الثانى-وبين الثقافات الأجنبية، حتى يزيل الحواجز والفروق بين النوعين من الثقافات والحضارات، وحتى يقطع الطريق على الشعوبيين وما يدّعونه من تفوق الفرس والروم على العرب فى الحضارة والمدنية. ومع ذلك ظلت أصوات ضعيفة ترتفع من حين إلى حين، كصوت أبى عبد الله أحمد بن محمد بن نصر الجيهانى وزير السامانيين وكان يظهر الإسلام ويبطن الزندقة، فألف كتابا حمل فيه على العرب وتبدّيهم حملات شعواء، صورها أبو حيان فى كتابه الإمتاع والمؤانسة، ناقضا لها نقضا شديدا. وكأنما وجد الجيهانى الفارسى فى مهيار مستجيبا له، لا فى هذه اليائية وحدها، بل أيضا فى قصائد أخرى. ونراه مع الزمن يتخلص من هذه النزعة الشعوبية، ويملأ شعره بالحنين إلى نجد وبدوياتها الفاتنات، مستلهما فى ذلك أستاذه الرضىّ، بمثل قوله:
стр. 2496
يا نسيم الصّبح من كاظمة ... شدّ ماهجت الجوى والبرحا (١)
الصّبا! إن كان لابدّ الصّبا ... إنها كانت لقلبى أروحا
يا نداماى بسلع هل أرى ... ذلك المغبق والمصطبحا (٢)
اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... ربّ ذكرى قرّبت من نزحا
واذكروا صبّا إذا غنّى بكم ... شرب الدّمع وعاف القدحا
قد عرفت الهمّ من بعدكم ... فكأنى ما عرفت الفرحا
وهذه القطعة وسابقتها من أروع شعر مهيار فى البناء اللفظى، وهما لذلك لا توضحان خصائصه الفنية التى تحدثت عنها بالتفصيل فى كتاب «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى» حيث أوضحت أثر نشأته الأعجمية فى شعره وأن اللفظة الحادة كانت تضلّ منه، فكان يدور حول الفكرة دورانا يصيب شعره أحيانا بغير قليل من الركاكة والإسفاف، وكان مع ذلك يطيل قصائده طولا مسرفا، مما جعل رقعتها تتسع أو قل رقعها، فيتضح فيها التلفيق وكثرة التكرار للكلمات وما يدخل فى ذلك من الحشو والاعتراض. وحين أسلم أخذ يكثر فى شعره من ذكر مناقب أهل البيت ورثاء الحسين، ولم يكتف بذلك، كما كان يصنع أستاذه، بل أكثر أيضا من سبّ الصحابة رضوان الله عليهم، ويروى أن أبا القاسم بن برهان النحوى قال له: يا أبا الحسن! انتقلت بإسلامك فى النار من زاوية إلى زاوية، فقال له: وكيف ذلك؟ قال أبو القاسم: لأنك كنت مجوسيا وصرت تسبّ أصحاب رسول الله ﷺ ، والمجوسى والرافضىّ فى النار. وله من قصيدة يمدح فيها آل البيت، وقد بث فى مطلعها شكواه من الزمن:
لئن نام دهرى دون المنى ... فلى أسوة ببنى أحمد
بأكرم حىّ على الأرض قام ... وميت توسّد فى ملحد
أتاكم على فترة فاستقام ... بكم جائرين عن المقصد
وولىّ حميدا إلى ربّه ... ومن سنّ ما سنّه يحمد
وقد جعل الأمر من بعده ... لحيدر بالخبر المسند
وسمّاه مولى بإقرار من ... لو اتّبع الحقّ لم يجحد
وواضح أن تعبيره عن حرمان الدهر له ما يتمناه بنومه عنه غير دقيق، وهو تعبير فاتر إن صح هذا التعبير، والأبيات الأربعة التالية فى مديح الرسول ﵇، وهى تخلو
стр. 2497
من أى حرارة، وكأنها نثر لفّقت ألفاظه وهو فى البيتين الأخيرين يشير إلى ما تذهب إليه الشيعة من أن الرسول ﵇ أوصى لعلى أو كما يسميه حيدرا بالخلافة يوم غدير خمّ، إذ آخاه قائلا-كما يروون-: علىّ منى كهرون من موسى، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله. والأبيات تخلو من العاطفة ومن اللذع والحدة، ولذلك لا تكاد تؤثر فى قارئها أى تأثير، وله فى رثاء على والحسين قصائد أخرى من أروعها لاميته، وفيها يقول:
وشهيد بالطّفّ أبكى السّموا ... ت وكادت له تزول الجبال
يا غليلى له وقد حرّم الما ... ء عليه وهو الشراب الحلال
قطعت وصلة النبىّ بأن تق ... طع من آل بيته الأوصال
لم تنجّ الكهول سنّ ولا الشّ ... بّان زهد ولا نجا الأطفال
لهف نفسى يا آل طه عليكم ... لهفة كلّها جوى وخبال
وهو رثاء حار يمتلئ باللوعة والحسرة والنواح على الحسين ومن قتل معه من آل بيته.
ولمهيار مراث أخرى فى الحسين وآله تجمد فيها العاطفة فلا نار تتقد فى الأحشاء ولا لهب يستعر فى الأفئدة. وليس معنى ذلك أن مهيار لم يكن مخلصا لعقيدته الإمامية، ولكن معناه ما قلته من أنه كان يعثر على ضالته من التعبير اللاذع أحيانا، وأحيانا يضل منه هذا التعبير، لأنه لم ينشأ فى مهد عربى يمكّنه دائما من تملك السليقة العربية فى التعبير والصياغة.
ابن أبى (١) الحديد
هو عز الدين عبد الحميد بن هبة الله المعروف ب ابن أبى الحديد ، ولد فى «المدائن» سنة ٥٨٦ لقاضيها وأحد العدول فيها، وبها نشأ وتلقى معارفه، ويقول ابن خلكان عنه وعن أخ له يسمى موفق الدين إنهما كانا فقيهين أديبين، لهما أشعار مليحة». ويبدو أنه شبّ على الاعتزال والتشيّع جميعا، وكان لا يزال يغدو ويروح إلى بغداد وإلى حى الكرخ الشيعى
стр. 2498
خاصة، ثم لا يلبث أن يعود إلى مسقط رأسه، حتى إذا بلغ الخامسة والعشرين من عمره نظم قصائده السبع العلويات، وهى فى مديح على بن أبى طالب وبيان فضائله، وفيها لا يبدو شيعيا إماميا فى هذه الحقبة من حياته، بل يبدو رافضيا غاليا فى الرفض، إذ يخلع على الإمام علىّ صفات الله جل شأنه، وكأنه حلّ فيه وامتزج بذاته، تعالى الله علوا كبيرا عما يلج فيه من مثل قوله فى على أو كما يسميه حيدرا (١):
والله لولا حيدر ما كانت ال ... دّنيا ولا جمع البريّة مجمع
من أجله خلق الزمان وضوّءت ... شهب كنسن وجنّ ليل أدرع (٢)
علم الغيوب إليه غير مدافع ... والصّبح أبيض مسفر لا يدفع
وإليه فى يوم المعاد حسابنا ... وهو الملاذ لنا غدا والمفزع
فعلىّ علة الوجود من أجله خلق الكون والزمان وأضاءت الشمس والكواكب وأظلم الليل وانتشرت دجنتّه، وهو علام الغيوب أو عالمها، وهو-يوم البعث-الذى سيحاسب الناس على ما قدمت أيديهم من خير أو شر. وكل هذا تجديف فى حق الذات العلية، فعلى ليس علة الكون والوجود، فمثله مثل البشر جميعا، حقا هو صحابى جليل، ولكن ذلك لا يرفعه على بشريته ولا يجعله سر الوجود ولا علة له، ومعاذ الله أن يكون علام الغيوب، وقد استأثر الله بعلم الغيب كما نصت على ذلك آيات الذكر الحكيم من مثل قوله تعالى: ﴿(قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ)﴾ وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾. وبالمثل زعم ابن أبى الحديد أن الناس يعرضون على الإمام على ابن أبى طالب يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم، والحساب إنما هو لله وحده جلّ شأنه.
ويتمادى فى علوياته الرافضة، فيتعرض بالبهتان على أول من صدّق بالرسول ﷺ من الرجال وأوثق الصحابة صلة به ورفيقه فى الهجرة، على الصديق أبى بكر، ومعروف أن الرسول ﷺ ولاه أمور دين المسلمين من الحج بهم فى السنة التاسعة للهجرة والصلاة بهم فى مرضه ونرى ابن أبى الحديد يزعم افتراء وبهتانا أن الرسول أناب أبا بكر كى يقيم للناس الحج ثم عزله (٣)، وهو لم يعزل إذ أقام الحج فعلا للناس. ومعروف أنه حين اشتد المرض بالرسول ﷺ قبيل انتقاله إلى الرفيق الأعلى أمر أبا بكر أن يصلى بالناس، فصلى بهم سبع
стр. 2499
عشرة صلاة، وصلى الرسول ﵇ مؤتما به ركعة ثانية من صلاة الصبح، ثم قضى الركعة الباقية وقال: «لم يقبض نبىّ حتى يؤمّه رجل من قومه». ومع تواتر هذه الولاية من الرسول ﷺ لأبى بكر الصديق على أمور المسلمين فى الصلاة والحج وثبوتها ثبوتا قاطعا يزعم ابن أبى الحديد زعما باطلا أن الرسول عزل أبا بكر عن الصلاة (١). كما عزله عن الحج. وكل هذا غلو فى البهتان والرفض. ويترك المدائن إلى بغداد نهائيا فى تاريخ غير معروف تماما، ويبدو أنه تخلى عن رفضه ورجع إلى صوابه، إذ نراه يمدح الناصر، ثم يلزم الخليفة المستنصر العباسى ويدبج فيه مدائح عرفت بالمستنصريات، وقد بلغت خمس عشرة قصيدة نظمها فى السنوات من ٦٢٩ إلى ٦٣١ وكان ألحق بدواوين الدولة وأصبح من موظفيها، وإنه لينقلب عباسيا ضد العلويين يحطب فى حبل العباسيين ويدعو لهم، بمثل قوله فى المستنصر:
يا بنى هاشم بكم يغفر اللّ ... هـ الخطايا ويقبل الأعمالا
أنتم بالنبىّ أولى فإن ش ... كّ جهول فليقرأ الأنفالا
وإليكم إرث النبىّ تناهى ... وإليكم سرّ الإله تعالى
وقد يقال إن البيت الأول عام فى بنى هاشم جميعا علويين وعباسيين، غير أنه لا يلبث فى البيت الثانى أن يصرح بأن العباسيين أحق بإرث الخلافة عن الرسول ﷺ لقوله تعالى فى سورة الأنفال: ﴿(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)﴾ مشيرا بذلك إلى حكم الإسلام فى الميراث وأن العم وهو العباس يحجب ابن العم وهو على بن أبى طالب كما يحجب أبناء بنت الرسول، والعباسيون كما يقول فى البيت الأخير الورثة الحقيقيون للخلافة. وبمثل هذه الأبيات، بل بمستنصرياته جميعا نقض رفضه، بل تشيعه عامة، حتى لنراه يقول فى المستنصر:
وأنت الدّهر يخفض كلّ عال ... بقوّته ويمسك كلّ هارى (٢)
ويبرم ما يشاء بلا اعتساف ... وينقض ما يشاء بلا اقتسار
وكأنه تمثل فيه ثانية غلوّه السالف فى على بن أبى طالب، فجعله الدهر يخفض ويرفع ويعصم من السقوط ويبرم الأمور وينقضها نقضا.
ولا يزال يعمل فى دواوين الخلافة حتى يتوفى المستنصر ويخلفه ابنه المستعصم (٦٤٠ - ٦٥٦ هـ). ويعزل من وظيفته سنة ٦٤٢ ويتولى أعمالا مختلفة حتى يتوفى سنة ٦٥٦ وقيل بل سنة ٦٥٥ وكانت قد توثقت صلته بابن العلقمى وزير المستعصم وكان شيعيا فيستحثه على
стр. 2500
شرح نهج البلاغة ويصدع لرأيه، وهو فى هذا الشرح يتردد بين مذهب أهل السنة حتى ليقول إنه ليس هناك أى نص صريح على خلافة على للرسول ﵇ (١) ومذهب الزيدية إذ يذهب مثلهم إلى صحة إمامة المفضول مع وجود الأفضل (٢) ومذهب الشيعة الرافضة الذين يحاولون الغضّ من الشيخين العظيمين أبى بكر وعمر (٣). ومعروف أن لهما عند الله الدرجة العظمى بما أدّيا للدين الحنيف من خدمات جلّى، كتبت-ولا تزال تكتب-فيها المجلدات الضخام.
стр. 2501
الفصل الرّابع
طوائف من الشعراء
١ - شعراء الغزل
لعلنا لا نغلو إذا قلنا إنه لم يخل شاعر من شعراء اليتيمة والدّمية والخريدة ومن تلاهم على مر الحقب من بعض قصائد أو مقطوعات تغنىّ فيها بالحب، مصورا هذه العاطفة الإنسانية التى تملك على النفوس أهواءها وأحاسيسها ومشاعرها. ويمتلئ تاريخ الشعر العربى بأبطال لهذه العاطفة، يعيشون للحب وآماله وآلامه، يتجرّعون غصصه فى صبر، مهما ألمّ بهم اليأس وما يطوى فيه من حزن. ومن أطرف الأشياء حقا أن نقرأ شعر أحد هؤلاء الأبطال وما يعانون من وجد لا يشبهه وجد وخطوب لا تدانيها خطوب. وهم دائما من العشاق العذريين الذين يتعمقهم الحب ويستأثر بقلوبهم، ويفتنهم فتنة لا يستطيعون الخلاص منها، حتى لتصبح المحبوبة كأنها معبودة، فهم يحبونها، بل يقدسونها، ويقدمون لها الأشعار، بل التراتيل التى يتغنون فيها بسحرها سحرا يشغلهم عن كل شئ وعن كل متاع فى الحياة إلا ما يكون من الغرام العنيف وما ينسج فيه العاشق بشعره من شباك الأمل والتضرع والاستعطاف. وهذا اللون من الحب العذرى العفيف الذى يتحول فى قلب صاحبه إلى ما يشبه جذوة من النار لا تنطفئ أبدا قديم فى الشعر العربى منذ العصر الجاهلى، وأصبح ظاهرة عامة فى بوادى نجد والحجاز طوال العصر الأموى، وظل حيّا بقوة فى العصرين: العباسى الأول والعباسى الثانى، وكانت ترافقه من قديم من موجة من الغزل المادى اتسعت مع العصر العباسى الأول وما كان به من فنون اللهو والمجون على نحو ما يصور ذلك بشارو أبو نواس. غير أن الشعراء التالين حاولوا أن يخففوا من حدة هذا المجون والعبث، بما أشاعوا فى غزلهم من عفة ومن نقاء وطهارة، على نحو ما هو معروف عن أبى تمام والبحترى وابن الرومى وأضرابهم، ومع ذلك كانت لا تزال تظهر فى بغداد وغير بغداد جماعات من الغزلين الماجنين. ولعل ذلك هو الذى دفع المتنبى فى أوائل هذا
стр. 2502
العصر إلى أن يهجر فى غزله المرأة المتحضرة، وكأنه رآها أو رأى كثيرات من الجوارى ببغداد فى أوائل شبابه يتهالكن على اللهو ويسرفن فيه، فصمم-كما مرّ بنا-أن يتخذ البدويات الأعرابيات موضوعا لغزله، حتى يردّ إلى الغزل فى أيامه العفة والسمو والنبل والارتفاع عن الجسد والغريزة التى يشترك فيها الإنسان والحيوان، وحتى يذيع فيه أريج الوجدان النقى الأفلاطونى البرئ، كما يذيع فيه شذا الحنان الذى يكتظ به الغزل العذرى عند العرب وما يطوى فيه من حرارة ولوعة. وهذا الوتر من الغزل البدوى الطاهر الملتاع الذى شدّه المتنبى إلى قيثارته، تبعه فيه الشريف الرضى يشده بدوره إلى قيثارة شعره مستخرجا منه ما لا يكاد يحصى من الأنغام كما أشرنا إلى ذلك فى ترجمته، على شاكلة قوله:
خذى نفسى يا ريح من جانب الحمى ... ولاقى به ليلا نسيم ربى نجد
فإنّ بذاك الجوّ حيّا عهدته ... وبالرغم منى أن يطول به عهدى
ولولا تداوى القلب من ألم الجوى ... بذكر تلاقينا قضيت من الوجد
وما شرب العشّاق إلا بقيّتى ... ولا وردوا فى الحبّ إلا على وردى
فقد انقطعت الأسباب بينه وبين محبوبته النجدية، ولم يبق من أمل إلا أن تلتقى نفسه من جانب الحمى بقطع من النسيم المعطّر بشذا صاحبته، نسيم ربى نجد الذكىّ، وإنه ليشعر بآلام ثقال بقلبه من أثر الحب وعذابه وأوصابه، آلام ليس لها من دواء إلا دواء ذكريات لقائهما، ولولا هذا الدواء لمات أسى والتياعا. وياله من عاشق شرب كأس الحب، حتى لم يبق لغيره منها سوى الثمالة، وكأنه أب العشاق أو كبيرهم، فجميعهم إنما يرد على ورده وينهل من بقية شربه. وتبعه تلميذه مهيار يشدّ إلى قيثارته نفس هذا الوتر، كما مرّ بنا فى ترجمته، صابّا فى أشعاره منه ألحانا كثيرة من مثل قوله:
قل لجيران الغضا آه على ... طيب عيش بالغضا لو كان داما
نصل العام ولا ننساكم ... وقصارى الوجد أن نسلخ عاما
حمّلوا ريح الصّبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحا وثماما
وابعثوا أشباحكم لى فى الكرى ... إن أذنتم لجفونى أن تناما
والغضا من أشجار نجد، وكذلك الشيح والثمام من نباتاتها ذات الرائحة الطيبة.
والقطعة تفيض بالحنين لصاحبته وأهلها من جيران الغضا أو أهل نجد، فإنه لا ينساهم ولا يسلوهم، ولا يزال يأمل فى أن تحمل ريح الصبا نشرهم العطر حتى يردّ إليه روحه،
стр. 2503
ويتمنى أن يرى صاحبته ولو خيالا أو شبحا فى النوم حتى تملأ نفسه بهجة وغبطة. ولصرّدرّ أشعار نجدية أو فى نجد ومحبوباته بها بديعة، من مثل قوله فى مطلع قصيدته الهائية التى أشرنا إليها فى حديثنا عن شعراء المديح:
وقفنا صفوفا فى الديار كأنها ... صحائف ملقاة ونحن سطورها
يقول خليلى والظّباء سوانح ... أهذى التى تهوى؟ فقلت نظيرها
ويا عجبى منها يصدّ أنيسها ... ويدنو على ذعر إلينا نفورها
وو الله ما أدرى غداة نظرننا ... أتلك سهام أم كئوس تديرها
فإن كنّ من نبل فأين حفيفها ... وإن كنّ من خمر فأين سرورها
أراك الحمى قل لى بأىّ وسيلة ... وصلت إلى أن قبّلتك ثغورها
وتصوير صرّدر نفسه وصحبه وهم وقوف بأطلال الديار كأنهم سطور بديع، ولا نكاد نمضى معه حتى نشعر بروعة التصوير ودقة المشاعر. فصواحبه والظباء جنس واحد يدنو وحشيّه مذعورا ويصد أنيسه نفورا، ولا يدرى ما الذى أودعته ظباء الإنس-حين نظرن اليهم-قلوبهم وأفئدتهم، هل أودعتها نبلا قاتلا، أو كئوسا من خمر تلذ الشاربين.
ويظل فى حيرته ويتساءل إنها إن كانت نبلا فأين حفيفها ودويّها؟ وإن كانت كئوسا فأين سرورها ومتاعها. ويلتفت إلى شجر الأراك وبراهنّ يتخذن منه المسواك، فيسأله مذهولا كيف وصل إلى ثغورهنّ. وكلها حيرات تصور لوعات هذا العاشق المفتون، ومن بديع غزلياته قوله:
نسائل عن ثمامات بحزوى ... وبان الرّمل يعلم من عنينا
وقد كشف الغطاء فما نبالى ... أصرّحنا بذكرك أم كنينا
بنفسى راميات ليس تفنى ... نصول سهامهنّ إذا رمينا
وأمسينا كأنا ما افترقنا ... وأصبحنا كأنا ما التقينا
إنه يمشى على استحياء فى ديار صواحبه بحزوى يسأل عن نبات الثمام، وكل شيئ فى الديار حتى ما بها من أشجار البان تعلم حقيقة أمره وخبيئة سرّه، فقد كشف الغطاء وذاع السر المخبوء. وإنه ليفدى بروحه من رمته بسهامها، ويقول إن سهامها لا تفنى أبدا، فهى ما تنى ترسلها على المعجبين والمحبين. والبيت الأخير حكمة بديعة تصدق على كل شئ فى الدنيا وكل أمل ضائع أو سيضيع.
стр. 2504
وهذا الوجد فى شعر الغزل البدوى وما يثير فى النفس من حنين ومن ظمأ لا يرتوى إلى رؤية المحبوبة استغله المتصوفة منذ ظهوره للتعبير عن حبهم للذات الإلهية بما فيه من مواجد ومن لوعات، لوعات تلذع فى الفؤاد كأنها نيران محرقة، فإنهم وجدوا فيه خير معبّر عن تشوقهم لرؤية الذات الإلهية، وأنىّ لهم! ، فمضوا يتغنون به فى حفلات الذكر المعروفة حين ينعقد الذاكرون لله فى صفين متقابلين، ويقف منشد بينهما، يرتّل أشعار الوجد والهيام تارة مما نظمه الصوفية وتارة مما نظمه الشريف الرضى ومهيار وغيرهما ممن تلاهما واستلهم طريقتهما البدوية النجدية فى الغزل، لما أحسوا فى هذه الطريقة من الوجد والصبابة، بل من سعة النداء فيها، وهى سعة تلاحظ أيضا فى الغزل الصوفى، وكأن هذين الضربين من الغزل يلتقيان، وهو التقاء هيأ لأن يتأثر الغزل عامة بالشعر الصوفى، وأن يتيح ذلك الفرصة لظهور ما يمكن أن نسميه الشعر الوجدانى الصافى، على نحو ما سنرى عند الحاجرى والتّلعفرىّ.
ولا بد أن نلاحظ أن وتر الغزل البدوى الذى شدّه المتنبى إلى فيثارته ظل الشعراء بعده لا فى العراق وحده بل فى جميع الأقاليم العربية يشدّونه إلى قيثاراتهم حتى العصر الحديث، إذ وجدوا فيه فسحة للتعبير عن حبهم ووجدهم وما يثيران فى القلوب من العواطف والأهواء. وقد تفجرت ينابيعه تفجرا فى مقدمات المدائح النبوية التى أخذت تجرى على كل لسان منذ القرن السابع الهجرى. ومرّ بنا فى الفصل الأول من هذا القسم حديث طويل عن تغنى الجوارى والحرائر فى بغداد لزمن أبى حيان التوحيدى، وما ذكره من أنه كان ببغداد أربعمائة وستون جارية ومائة وعشرون حرة يتغنين بأشعار غزلية تدلع الوجد والحنين واللوعة فى قلوب الناس من المتصوفة وغير المتصوفة، فتتفتّت قلوبهم وتتحدر دموعهم ويعلو نحيبهم، ومنهم من يسقط مغشيا عليه، ومن يلطم وجهه ويخرّق ثيابه أو يمزّقها، ومن يضرب الأرض بقدمه أو بجسده ويرغى ويزبد. وكان وراء هؤلاء المغنيات مغنون يعدّون أو قل لا شك أنهم كانوا يعدّون بالعشرات إن لم يكن بالمئات، كانوا يزلزلون الأرض-كما يقول أبو حيان-بأصواتهم الناعمة وألحانهم الرخيمة ودماثتهم الحلوة. وكل ذلك عمل على ازدهار شعر الحب وأغانيه.
وطبيعى أن يتكاثر شعراء الغزل فى هذا العصر كما تكاثروا فى العصور السابقة، وأن لا يقف ذلك عند شعراء القرنين الرابع والخامس وأن يتعدّاهم إلى شعراء القرنين السادس والسابع ومن جاء بعدهم، ومن أهم الشعراء الذين عاشوا للغزل وشعر الصبابة فى القرن
стр. 2505
السادس الشاعر الملقب بالأبله (١) لقّب بذلك لأنه كان فيه طرف بله، وقيل بل لأنه كان غاية فى الذكاء فلقّب بذلك على طريقة الأضداد، واسمه أبو عبد الله محمد بن بختيار ابن عبد الله المولّه أى الهائم صبابة وعشقا، وحرّفت الكلمة فى بعض الكتب فقيل المولد بدلا من الموله، وهو تحريف واضح. وذكره العماد الأصبهانى فى كتاب الخريدة، فقال:
«هو شاب ظريف يتزيىّ بزىّ الجند، رقيق أسلوب الشعر حلو الصناعة، رائق البراعة، عذب اللفظ، أرق من النسيم. وكل ما ينظمه، ولو أنه يسير، يسير، والمغنون يغنون برائقات أبياته (مؤثرين لها) عن أصوات (أغانى) القدماء، فهم يتهافتون على نظمه المطرب، تهافت الطير الحوّم على عذب المشرب». ثم قال أنشدنى لنفسه من قصيدة سنة ٥٥٥ ببغداد:
زار من أحيا بزورته ... والدّجى فى لون طرّته
يا لها من زورة قصرت ... فأماتت طول جفوته
آه من خصر له وعلى ... رشفة من برد ريقته
يا له فى الحسن من صنم ... كلّنا من جاهليّته
والكلمات محكمة، وتكاد تطير عن الشفاه طيرانا لخفتها، والدقة واضحة فى تشبيهاته وطبقاته، وأيضا فى مراعاته للنظائر فى الكلمات كما فى البيتين الأخيرين، وقد جعل محبوبته صنما يريد أنها معبودة لفتنتها وسحر جمالها وكأنها أعادت الناس إلى زمن الجاهلية، فكلهم عابد لها مسحور. والكلمات والأبيات معدّة حقا للغناء، إذ كان أستاذا فى زمنه من أساتذة الأغانى، ولذلك كان يتخاطف المغنون والمغنيات غزلياته. ويقول ابن خلكان: «جمع الأبله البغدادى فى شعره بين الصناعة والرقة وله ديوان شعر بأيدى الناس» وقال ابن الجوزى فى المنتظم كانت وفاته ببغداد سنة ٥٧٩ وقال غيره بل سنة ٥٨٠ ومن غزله البديع قوله فى مطالع إحدى قصائده:
يا برق إن تجف العقيق فطالما ... أغنته عنك سحائب الأجفان
هيهات أن أنسى رباك ووقفة ... فيها أغير بها على الغيران
ومهفهف ساجى اللّحاظ حفظته ... فأضاعنى وأطعته فعصانى
يصمى قلوب العاشقين بمقلة ... طرف السّنان وطرفها سيّان
стр. 2506
ما قام معتدلا يهزّ قوامه ... إلا وبانت خجلة فى البان
وفى الأبيات انسياب مع جمال التصوير، بل مع التصوير المفاجئ، إذ نراه يخاطب البرق المختفى مع السحاب عن ديار صاحبته بأن سحائب الأجفان ودموع العيون حرية أن ترويها ويقول إنه حفظ صاحبته فأضاعته، وأطاعها فعصته، ويعقد صلة بين طرفها وطرف السنان، فكلاهما يصمى ويقتل، ويذكر أن قوام صاحبته لا يشبه قوام شجر البان فى اعتداله فحسب، بل إنه حين يبصره شجر البان يسرى فيه خجل وحياء شديد لحسن قوامه بالقياس إليه وجمال استوائه ومن أبياته السائرة قوله من قصيدة:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصّبابة إلا من يعانيها
ولن نستطيع أن نمضى فى عرض أشعار الغزلين لكثرتهم ونكتفى بالحديث عن ابن المعلم والحاجرى والتلعفرى، إذ هم أهم من نظم الغزل فى العصر، وقد استطاعوا النفوذ فيه إلى ضرب جديد من الشعر الوجدانى يكتظ بالشوق والوجد والحب المبرّح الذى يستأثر بالقلوب والأفئدة.
ابن المعلم (١)
هو أبو الغنائم نجم الدين محمد بن على المعروف بابن المعلم، ولد بقرية الهرث من أعمال واسط جنوبى العراق سنة ٥٠١ وتوفى بها سنه ٥٩٢ واستيقظت موهبته الشعرية مبكرة، فقصد بشعره حكام بغداد وبها اصطدم بشاعرها سبط ابن التعاويذى بعامل التنافس.
وكان كلما ألم ببغداد لا يلبث أن يفارقها إلى مسقط رأسه، وفيه يقول العماد الأصبهانى فى الخريدة: «متقدم الهرث شعره الديباج الملمّع المعلم، طرازه المعنّى الممنّع المحكم، فلفظه السّوار ومعناه المعصم. . كلامه حلو حال، عال غال، صفو من الرّنق خال. . فأين مهيار من أسلوبه! لو عاش شرب من كوبه». ويقول ابن خلكان: «كان شاعرا رقيق الشعر لطيف حاشية الطبع يكاد شعره يذوب من رقته. . وأكثر القول فى الغزل والمدح وفنون المقاصد، وكان سهل الألفاظ صحيح المعانى، يغلب على شعره وصف الشوق والحب وذكر الصبابة والغرام، فعلق بالقلوب واستشهد به الوعاظ واستحلاه السامعون». وأتاحت له رقة شعره الوجدانى صلة وثقى بينه وبين أصحاب الشيخ أحمد
стр. 2507
الرفاعى، فكانوا يتغنون بغزلياته، ويرونها معينا لا ينضب لاستثارة حبهم الصوفى، ويقول ابن خلكان: «سمعت جماعة من مشايخ البطائح (يريد أصحاب الرفاعى) يقولون:
ما سبب لطافة شعر ابن المعلم إلا أنه كان إذا نظم قصيدة حفظها الفقراء (المتصوفة) المنتسبون إلى الشيخ أحمد الرفاعى وغنوا بها فى سماعاتهم (يريد أذكارهم) وطابوا عليها، فعادت عليه بركة أنفاسهم. . وبالجملة فشعره يشبه النّوح، ولا يسمعه من عنده أدنى هوى إلا فتنه وهاج غرامه». وملاحظة ابن خلكان أن شعر ابن المعلم يشبه النّوح ملاحظة دقيقة توضح السبب الحقيقى فى تعلق طائفة الرفاعيين به، لما يحمل من كثرة الوجد ولوعاته وحرارته التى لا تنطفئ فى فؤاده أبدا، فهو دائما يريد الوصال، ولا وصال على طريقة الصوفية، بل فراق متصل، يشقى به المحب ويبكى وينوح ولا مغيث ولا مخلّص ولا معين ولا أمل فى لقاء أو ما يشبه اللقاء، يقول:
لو قضى من أهل نجد أربه ... لم يهج نشر الخزامى طربه
علّلوا الصّبّ بأنفاس الصّبا ... إنها تشفى النفوس الوصبه
فهى إن مرّت عليه نشرت ... ما انطوى عنه وجلّت كربه
كلفى فيكم قديم عهده ... ما صباباتى بكم مكتسبه
عن جفونى النوم من بعّده ... وإلى جسمى الضّنا من قرّبه
فصلوا الطّيف إذا لم تصلوا ... مستهاما قد قطعتم سببه
فهو لم يقض أربا من صاحبته، وذلك هو مصدر لهفته ولوعته، وإنه ليتمنى أن تمرّ به أنفاس الصّبا محمّلة بنشرها علّها تشفيه من أوصابه وأوجاعه وتنقذه من كربه العظيم، وإنه ليكلف بها أشد الكلف، كلفا كأنما فطر عليه، فهو يعذبه ويشقيه ويسهده ويضنيه، وإنه ليتمنى أقل التمنى: أن يرى طيف المحبوبة ولكن أنّى له، وهو لا ينام، بل يظل ليله-مثل نهاره-يحتمل ما لا يستطيع تحمله من آلام الحب الذى أصبح محنة، لا يستطيع قلبه أن يجد إلى التخلص منه سبيلا. وينشد له العماد قطعة من كلمة له سارت وأنجدت وغارت حتى شدا بها الشادى، وحدا بها الحادى، ووجد بها أرباب الغناء الغنى والوجد (١) وأصحاب القلوب الهوى والوجد، وهى مطلع لإحدى مدائحه وفيها يقول:
تنبّهى يا عذبات الرّند ... كم ذا الكرى؟ هبّ نسيم نجد
مرّ على الروض وجاء سحرا ... يسحب بردى أرج وبرد
стр. 2508
حتى إذا عانقت منه نفحه ... عاد سموما والغرام يعدى
وا عجبا منى! أستشفى الصّبا ... وما تزيد النار غير وقد
أعلّل القلب ببان رامة ... وما ينوب غصن عن قدّ
وأسأل الرّبع ومن لى لو وعى ... رجع الكلام أو سخا بردّ
أأقتضى النّوح حمامات اللّوى ... هيهات ما عند اللّوى ما عندى
بانوا فلا دار العقيق بعدهم ... دار ولا عهد الحمى بعهد
والقطعة تكتظ بحب محروم يلذع فؤاد صاحبه لذعا بنيرانه، وبينما هو فى آلامه وغصصه التى يتجرعها محزونا إذا نسيم نجد يهبّ محملا بشذى عطر، يرد الروح، وكأنه رحيق الحياة، غير أنه لا يكاد يعانق منه نفحة حتى يحس كأنما فارق كل ما كان به من برد ولطف وعاد سموما، بل سمّا. ويا للهول نسيم أرج بارد يصبح ريحا سموما ساخنا، وإنه ليزيد نار حبه وقدا واشتعالا، ويتلفت يسأل الربع عن محبوبته، وليس عند الربع من جواب، وإنه ليئنّ وينوح ويطلب من حمامات اللوى أن تنوح وتئن معه، فهو أولى من الّلوى بالأنين والنواح، إنه ليس عندها ما عنده من تباريح الغرام، فقد رحلت صاحبته، ولم تعد دار العقيق دارها ولا عهد الحمى بعهد لها. لقد ذهب منه كل شئ ولم يعد له إلا النواح والبكاء. وله من أخرى فى فنّها وحلاوتها وحسنها كما يقول العماد الأصبهانى:
أرقى وهو المحبّ المستهام ... ما يداوى بالتعاويذ الغرام
قصرت عن برئه أيدى الأسا ... كيف حسم الداء والداء عقام (١)
يا لديغ الحدق النّجل متى ... تجد البرء وحاميه الحسام
ودواء الحب فى شوك القنا ... مت لديغا كلّ درياق سمام
قل لنوّام الغضا عن ساهر ... من تجافاه الهوى كيف ينام
غبتم بالشمس عن ناظره ... والضّحى مثل الدّجى كلّ ظلام
فحبه مرض عضال لا يداوى بالتعاويذ والرّقى، وقد عجزت عن برئه وشفائه أيدى الأسا والطب والعلاج، إنه داء لا يمكن الخلاص منه، وإنه للديغ الحدق النّجل الساحرة، وكل درياق له أو دواء إنما هو سم فلا يدرى المصاب به أيشرب رحيقا شافيا أم سمّا قاتلا. ويتجه إلى أهل الغضا يشكو سهاده وجفاء محبوبه، فقد غابوا بشمسه عن
стр. 2509
بصره، وأصبح ضحاه مثل دجاه، وأظلمت الدنيا فى عينيه، وأصبح كل شئ قطعا من الظلام بعضها فوق بعض، وعبثا يرى نور محبوبته فقد أرخى الظلام من حوله سدوله ولم يعد هناك أمل فى انفراجه، وهو يئنّ وينوح نواحا لا ينقطع كما يقول ابن خلكان. ولعل فى ذلك كله ما يصور كيف أن غزله الوجدانى كان خليقا أن تتداوله طائفة الرفاعية الصوفية، لتعبر به عما يختلج فى حنايا صدورها وقلوبها من الحب الإلهى وكل ما يطوى فيه من وجد ولهفة ولوعة وظمأ لا ينتهى إلى رؤية الذات العلية، وكأنما مسته-كما تصوّر شيوخهم- بركة أنفاسهم، أو كما نقول كأنما مسته أنفاس وجدهم الربانى الحار، مما جعلهم يحفظون شعره ويتناشدونه، وينشده معهم الوعاظ فى وعظهم. ويروى ابن خلكان أن الشاعر مرّ يوما على ابن الجوزى وهو يعظ الناس وهم مزدحمون فى مجلسه، وكان عجبه شديدا حين سمعه يستشهد على بعض إشاراته ببيت من شعره منوها به.
الحاجرى (١)
هو أبو الفضل حسام الدين عيسى بن سنجر بن بهرام بن جبريل بن خمار تكين بن طاشتكين الإربلى المعروف بلقبه الحاجرى نسبة إلى الحاجر بلدة كانت بالحجاز أكثر من ذكرها فى شعره، فنسب إليها. وهو إربلى الأصل والمولد والمنشأ، ويقول ابن خلكان إنه كان صاحبه، ومع ذلك لا يذكر لنا شيئا عن زمن مولده ولا عن أسرته ونشأته، وكل ما يقول إنه جندى من أولاد الأجناد الأتراك، ويبدو أنه كان على شئ من اليسار، إذ لا نراه فى ديوانه مشغولا بممدوحين مختلفين يهديهم أشعاره، إلا ما كان من مدحة يستهل بها ديوانه مدح بها الأمير ركن الدين أحمد بن الأمير شهاب الدين قراطايا بإربل، ولعله أراد أن يستلّ من نفسه ضغينة عليه، إذ جاء فى مقدمة مدحته إنه كان السبب فى مقتله، ويقول ابن خلكان إنه خرج من إربل فى سنة ٦٢٦ بينما كان الحاجرى معتقلا فى قلعتها لأمر يطول شرحه ولعل الأمير السالف هو الذى دبّر له هذا الاعتقال، وله فى ذلك أشعار يشكو فيها من حبسه مثل قوله:
قيد أكابده وسجن ضيّق ... يا ربّ شاب من الهموم المفرق
ويذكر ابن خلكان أنه بلغه بعد ذلك خروجه من الاعتقال وأنه اتصل بخدمة الملك
стр. 2510
المعظم مظفر الدين كوكبورىّ والى إربل من قبل صلاح الدين منذ سنة ٥٨٦ وتقدم عنده وتزيّا بزىّ الصوفية. وتوفى مظفر الدين سنة ٦٣٠ فغادر الحاجرى إربل، وكأنه كان لا يزال يخشى بأس غريمه المذكور آنفا، غير أنه سرعان ما عاد إليها حين صارت فى مملكة الخليفة المستنصر بالله وتولاها عنه الأمير شمس الدين أبو الفضائل باتكين، فأقام مدة قصيرة وهو لا يدرى أن وراءه من يقصده واتفق أن خرج يوما من بيته قبل الظهيرة، فوثب عليه شخص وضربه بسكين ضربة قاتلة توفى على إثرها فى شوال سنة ٦٣٢ ويقدّر ابن خلّكان عمره بخمسين سنة. ويقول: «له ديوان شعر تغلب عليه الرقة، وفيه معان جيدة، وهو مشتمل على الشعر والدوبيت والمواليا، وقد أحسن فيها جميعا مع أنه قلّ من يجيد فى مجموع هذه الثلاثة، بل من غلب عليه واحد منها قصّر فى الباقى، وله أيضا «كان وكان» واتفقت له فيه مقاصد حسان وهو شعر عامى، سنعرض له فى غير هذا الموضع.
وأول ما نقرأ فى ديوانه مطلع مدحته لابن قراطايا، وفيه يقول:
ما للدموع تسيل سيل الوادى ... أحدا بركب العامريّة حادى
نعم استقلّوا ظاعنين وخلّفوا ... نارا لها فى القلب قدح زناد (١)
ما كان أطيب للوداع عناقنا ... لو لم يكن منا عناق بعاد
يا سائق الوجناء غير مقصّر ... يطوى المفاوز من ربى ووهاد (٢)
مالى إليك سوى التحية حاجة ... تلقى سعاد بها ودار سعاد
عرّج برامة إنّ رامة منتهى ... أملى وغاية بغيتى ومرادى (٣)
يأيّها الرّشأ الذى بلحاظه ... دعج يصول به على الآساد (٤)
الله فى كبدى التى أحرقتها ... عبثا بجمرة خدّك الوقّاد
ويلى هذا الاستهلال غزل من هذا الطراز يكاد يستنفد الديوان جميعه بما فيه من مخمسات ودوبيتات أو رباعيات، وواضح أنه مرحلة جديدة للغزل بالبدويات الذى قرأناه عند المتنبى والشريف الرضى ومهيار، وكأن الحاجرى استوعب غزلهم وتمثله تمثلا نادرا، فإذا هو ينفذ مثل ابن المعلم إلى هذا الغزل الجديد الذى سميناه بحق شعرا وجدانيا، شعرا ينساب من معين ثرّ لا يزال يتدفق حارا دون أى تكلف أو تصنع. وإن نار الحب لتتقد فى قلبه وتسيل دموعه أنهارا فقد فارقته صاحبته إلى رامة، وهو لا يملك إلا أن يرسل إليها
стр. 2511
بتحية رقيقة، وإنه ليذكر سهام عينيها الفاتنتين ويتضرع إليها مستعطفا لكبده التى أحرقتها بجمرة خدّها الوقاد، ونحس دائما كأنما يتوجع حقا من حريق فكل شئ من صاحبته يلهب صدره وقلبه بنار لا تخمد أبدا حتى الرضاب أو الريق، يقول:
ويلاه من برد رضاب لها ... أشكو إلى العذّال منه الحريق
وهو فى أثناء هذا الحريق الذى يأخذ فؤاده من كل جانب يلتاع لوعات ممضة، كان يروّع منها دائما، فيهتف منشدا أشعاره الوجدانية التى تكتظ بالحنين إلى رؤية صاحبته فى رامة وغير رامة من منازل نجد والحجاز، مثل قوله:
إنّ الألى رحلوا غداة محجّر ... ملئوا القلوب لواعج الأحزان
نزلوا برامة قاطنين فلا تسل ... ما حلّ بالأغصان والغزلان
فلأبعثنّ مع النسيم إليهم ... شكوى تميل لها غصون البان
يا عاذلى فيمن أحبّ جهالة ... عنى إليك فليس شأنك شانى
لم لا أحنّ إلى الحجاز صبابة ... ويجود دمع العين بالهملان
فقد رحلت صاحبته عنه وتركته بحاجر يشكو آلام حبه ولواعج حزنه وأوجاعه، ونزلت رامة فأخجلت بقدّها وجمال عينيها الأغصان والغزلان، ولم يعد له إلا أن يبعث إليها بالسلام مع النسيم، لعلها ترقّ له وتذكره، ويلتفت إلى عذوله ينهاه أن يتعرض له فليس من دربه، وليس ذلك من شأنه، ويتساءل إن كل محب ليصبو قلبه إلى الحجاز ونازليه، ويذرف الدمع مدرارا. لغة سهلة هى لغة الشعر الوجدانى الذى ينساب فى النفس انسيابا. وله قصيدة تفيض بحنين رائع صوّر فيها تصويرا بديعا حزنه لفراق صاحبته كأقوى ما عرف الناس من الحزن للفراق بين المحبين قائلا:
أأحبابنا بنتم عن الخيف فاشتكت ... لبعدكم آصالها وضحاها
كأنكم يوم الرحيل رحلتم ... بنومى فعينى لا تصيب كراها (١)
رعى الله ليلات بطيب حديثكم ... تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها
فما قلت إيه بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبى آها
متى تنقضى أيام ذلّى وأجتنى ... ثمار وصال قد حرمت جناها
وأستصحب القوم الذين بمهجتى ... لفقدهم نار يشبّ لظاها
стр. 2512
فهو لا يشكو فراقهم بل تشكوه معه الطبيعة، وإنه ليشكو من سهاده، فالنوم لا يلمّ ليلا بطرفه، وهو يذكر ليلات سمره مع صاحبته ويدعو لها مذيبا فى دعائه حنينا حارا، ويصور نفسه، فهو مع سمره أحيانا لا يزال قلبه يتوجع، وهو مع ابتساماته تملأ الهموم أحشاءه، وإنه ليتمنى أن يجتمع بصاحبته ويقتطف ثمار وصاله ويطفئ النار التى تستعر بفؤاده.
وله بجانب هذه الأشعار الوجدانية البديعة مخمسات بنفس الروح ونفس المعانى والوجد والصبابة كقوله فى فاتحة مخمس:
خليلىّ عوجا بالغوير وكثبه ... ولا تمنعا المشتاق من لثم تربه
هو الصبّ يصبيه الهوى دون صحبه ... خذا من صبا نجد أمانا لقلبه
فقد كاد ريّاها يطير بلبّه
والغوير: ماء فى بادية الشام، والديوان يطفح بأسماء المواضع والمنازل فى نجد والحجاز. وفى ديوانه رباعية يذيب فيها وجده وحبّه قائلا:
حيّا وسقى الحمى سحاب هامى ... ما كان ألذّ عامه من عام
يا علوة ما ذكرت أيامكم ... إلا وتظلّمت على الأيام
وقد نوه القدماء طويلا بما فى شعره من انسياب موسيقى رائع، وبلغ من إعجابهم به أن سموا ديوانه «بلبل الغرام الكاشف عن لثام الانسجام» وفى دار الكتب المصرية مخطوطة شعرية له باسم: «القصائد الحجازيات فى مدح خير البريات» وهى مجموعة من المدائح النبوية، لم يضمنّ ديوانه منها شيئا.
التّلعفرىّ (١)
هو شهاب الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف المعروف بالتّلعفرىّ نسبة إلى «تلّ أعفر» بين سنجار والموصل، ويروى ابن خلكان عنه أنه ولد بالموصل سنة ٥٩٣ وبها كانت نشأته وتربيته الأدبية. وتفتحت موهبته الشعرية مبكرة، فرأى أن يمدح الحكّام والأمراء على عادة الشعراء فى عصره، ولم يكتف بأمراء موطنه، فقد اتجه بمديحه أيضا إلى أمراء الشام،
стр. 2513
ولزم كثيرين منهم وخاصة الملك الأشرف موسى الأيوبى الذى ظل مستوليا على صولجان الحكم فى دمشق من سنة ٦٢٦ إلى سنة ٦٣٥ وكان يسبغ عليه كثيرا من العطاء الجزل، غير أن التلعفرى كان مغرى بشرب الخمر والقمار، وكان الأشرف موسى يراجعه فى ذلك كثيرا، ولم يكن يصبر عليهما أو يستطيع شيئا من الصبر، وفى ذلك يقول:
أقلعت إلا عن العقار ... وتبت إلا من القمار
فالكأس والقمر ليس يخلو ... منها يمينى ولا يسارى
ولما أعيت الحيل الأشرف موسى معه أمره بمغادرة دمشق، فتركها إلى حلب وصاحبها الملك الناصر الأيوبى، فقرّبه منه، وجعله من جلسائه، وقرّر له راتبا، راجيا أن ينوب ويتوب، غير أنه سرعان ما عاد إلى سيرته السيئة فى دمشق، فكان يشرب ويقامر بكل ما يحصل عليه من مال، حتى قيل إنه قامر بثيابه ونعليه. وعرف ذلك الملك الناصر، فأمر أن ينادى فى حلب من قبل السلطان: «من قامر مع الشهاب التّلعفرىّ قطعنا يده» فضاقت عليه حلب وأرضها بما رحبت وعاد إلى دمشق، وكان الملك الأشرف موسى قد توفى، وظل بها يستجدى ويقامر حتى ساءت حاله سوءا شديدا، ورحل إلى مصر فى هذه الأثناء إذ يقول ابن خلكان إنه لقيه بها سنة ٦٣٨ وعاد منها لا إلى دمشق ولا إلى حلب، بل إلى حماة وصاحبها الملك المنصور، فاحتفى به وأضفى عليه عطاء وفيرا أتاح له بأخرة من حياته عيشا كريما. وظل بحماة حتى وفاته سنة ٦٧٥ وكان آخر ما تلفظ به من شعره قبيل موته.
إذا ما بات من ترب فراشى ... وبتّ مجاور الربّ الكريم
فهنّونى أصيحابى وقولوا ... لك البشرى قدمت على رحيم
وليس فى الديوان مدحة من مدائحه، إلا ما قد يشير إلى بعضها فى الأبيات التى يختتم بها ما احتفظ به من بعض مطالعها، وبذلك يصبح الديوان كله غزلا، وهو غزل من طراز غزل الحاجرى، أو هو بعبارة أدق شعر وجدانى يسيل رقة وعذوبة وسلاسة، وكأنه الماء النمير حلاوة وصفاء ورشاقة ونعومة حتى ليشفع له فيما ابتلى به من القمار، وهو فيه يجرى على هذا النمط الوجدانى الرائع:
أىّ دمع من الجفون أساله ... إذ أتته مع النسيم رساله
سل عقيق الحمى وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختاله
стр. 2514
أين تلك المراشف العسليّا ... ت وتلك المعاطف العسّاله (١)
وليال قضيتها كلآل ... بغزال تغار منه الغزاله (٢)
بابلىّ الألحاظ والرّيق والأل ... فاظ كلّ مدامة سلساله
وسقيم الجفون والخصر والعه ... د فكلّ تراه يشكو اعتلاله
أوقع الوهم حين يرمى فلم ند ... ر يداه أم عينه النبّاله
والقصيدة كلها تموج بهذه الرقة والعذوبة مع الانسياب والتدفق، وكأننا بإزاء جدول يسيل شعراء ووجدا وهياما، مع جمال القافية وحسن الألفاظ وطواعيتها للشاعر، وكأن كلا منها تجذب صاحبتها تريد أن تعانقها عناق ذوى الرحم والقرابة. وتلك الألحاظ والريق والألفاظ لصاحبته جميعا كأنها رحيق مسكر، وما أجمل جمعه بين سقم الجفون وفتورها وهو جمال وحسن فيها، وبين الخصر وسقمه أو نحو له وهو يستحب فيه، وأخيرا بين هذين السقمين وسقم عهد صاحبته فهى تدلّ عليه ولا تفى بوعدها، وهكذا يشكو كلّ سقمه واعتلاله. ودائما يذكر الشعراء سهام العيون وكيف تصمى الأفئدة، وهو يضم إليها سهام الأيدى الفاتنة، فلا يدرى أحد من أين يأتى النبل أمن الأيدى أم من العيون، ويكرر كثيرا أن حاجبى صاحبته قوسان كبيران لا يزالان يرسلان النبل والسهام ويصوّبانهما إلى العاشقين المفتونين. وله يصور ألم الفراق.
إنى لأعجب من محبّ مشغف ... عيشا له من بعد حثّ الأينق
يأيّها الحادى بعودك سالما ... ألا رثيت لشملنا المتمزّق
أرح المطىّ وها فؤادى فاقتبس ... وامنن علىّ وها دموعى فاستق
ليس التعجب من رقادى-إذ مضى- ... فيه ولكن من جميعى إذ بقى
لدلاله ذلّى به ولحبّه ... وهواه ما يلقى الفؤاد وما لقى
فهو يعجب من أن يعيش العاشق الولهان بعد فراق صاحبته، وإنه ليهتف بالحادى أن يريح مطيه، وإذا كان يريد نارا فليقتبسها من فؤاده، أو ماء فليستق من دموعه التى تتدافع سيلا مدرارا. ويأسى لبخته أو حظه إزاء صاحبته ولا يعجب من سهاده فيها، بل يعجب من أن يظل جميعه حيا يتنفس، وإنه ليتذلل ويضرع أسى ووجدا. وكل ذلك شعر وجدانى وقف عليه التلعفرى-مثل أستاذه الحاجرى مواطنه-حياته وشعره، وله موشحة وحيدة مدح بها العزّازى الشاعر الوشاح المصرى احتفظ الديوان بها تامة وهى من
стр. 2515
نفس المعين الذى يستمد منه شعره الوجدانى، على نحو ما يتضح من قوله فى مطلعها:
ليس يروى ما بقلبى من ظما ... غير برق لائح من إضم (١)
إن تبدّى لك بان الأجرع (٢) ...
وأثيلات النّقا من لعلع (٣) ...
يا خليلى قف على الدار معى ... وتأمّل كم بها من مصرع
واحترز واحذر فأحداق الدّمى ... كم أراقت فى رباها من دم
وللحاجرى موشح فى ديوانه، ولكنه لا يبلغ جمال هذا الموشح فى موسيقاه ورصف ألفاظه. وليس معنى ذلك أن التلعفرى يتفوق على الحاجرى فى روعة شعره، فالحاجرى هو الأستاذ وهو الذى مهد الطريق وعبّدها للتّلعفرى، وهما جميعا يجلّيان فى غزلهما تجلية بديعة. ويقول ابن تغرى بردى عن التلعفرى إنه كان يتشيع، ولكنه لم يفسح لنحلته فى شعره.
٢ - شعراء اللهو والمجون
مرّ بنا فى حديثنا عن المجتمع فى الفصل الأول كيف أن الطبقة المترفة من الحكام والوزراء وعلية القوم كانت تنغمس فى الترف، وكيف كان كثيرون منها يقبلون على اللهو واحتساء الخمر فى مجالس أنس كانت لا تزال تنعقد فى بغداد، وذكرنا من بين هذه المجالس مجلس الوزير المهلبى ومن كان يحضره من القضاة والفقهاء وكيف كانوا يطرحون الحشمة والوقار ويقبلون على القصف والخلاعة والرقص، وفى يد كل منهم طاس مملوء خمرا يعبّ منه عبّا. ولم يكن جميع الوزراء مثل المهلبى، ولكن كثيرين منهم كانوا يقيمون هذه المجالس وإن لم يتسعوا مثله فى اللهو والعبث، ويصور محمد بن أبى المطهر الأزدى فى كتابه «حكاية أبى القاسم البغدادى» -الذى عرضنا له فى غير هذا الموضع-بعض هذه المجالس فى القرن الخامس الهجرى وكيف كانت تعبق بالطيب على بساط الرياحين
стр. 2516
والورود وكيف كانت تهبّ للأنس رياح، سحابها الأقداح، وبرقها الراح، وقد نطقت ألسنة العيدان والنايات تسند غناء الجوارى والمغنين بألحانها الشجية، ويطيل فى وصف الخمر وأن منها ما كأنه عصر من خدّ الشمس، وما هو أصفى من الماء، وأرق من دمعة العاشق المهجور (١). والكتاب إنما كتب فى وصف المجون ببغداد لعصر مؤلفه، وينبغى أن لا نظن أنه يمثل صورة الحياة العامة، إنما هى صورة حياة طبقة خاصة هى الطبقة المترفة، وكان وراءها الشعب يكدح ويتصبّب جبينه عرقا كى تملأ هذه الطبقة بطونها وتملأ مجالسها بالشرب من الطاس والكاس. وحقا كانت للشعب مواسم للهو والعبث، غير أنها قلما تعدّت أعياد المجوس والنصارى مما عرضنا له فى غير هذا الموضع.
على كل حال ينبغى أن لا نبالغ فى تصور ما كان ببغداد من اللهو والمجون، وأن نقصر ذلك على الفئة الأرستقراطية أما الشعب فحسبه منها ما كان يستمتع به من لهو فى بعض الأعياد وخاصة أعياد الربيع، وظل ذلك طوال العصر ومن خير ما يصوره مقامة لظهير الدين الكازرونى المتوفى سنة ٦٩٧ عرض فيها لهذا الجانب من لهو البغداديين وخروجهم إلى الرياض وتنزههم فى الحدائق والأنهار قائلا: «أما زمان الربيع وأيام الوشى البديع فإنهم كانوا يصطحبون ويتجمعون وينثالون (كأنهم إلى نصب يوفضون) فينزلون الجوارى (السفن) فى رهط من الجوارى، ويدخلون نهر عيسى ويباكرون إلى قصده. . ويخترقون أشجاره ويقطفون ثماره ونوّاره، ويفترشون رياضه وأزهاره وينزلون غيطانه وأنهاره، ثم تعزف القيان وتصطخب العيدان، وتصفّق الغدران، وترقص الأغصان، وتميد الأفنان، وكلما دسع (امتلأ) الرّاووق (دنّ الخمر وطاسه) طاب المشوق. . وكلما طرب العود، زمجرت الرعود، وقد انتظموا فى سلك الراحة، واجتمعوا للاستراحة، كذلك أياما، لا يطعمون مناما» (٢) ولم تكن حانات بغداد فى الكرخ ولا حانات المتنزهات وحدهما هما اللتان يجد فيهما عشاق المجون ما يصبون إليه من الخمور بل كانوا يجدونها أيضا فى الأديرة.
وبذلك كله ظلت الخمرية تتردد على ألسنة الشعراء، وظلوا يصوغونها، وكل منهم يحاول أن يأتى فيها بمقطوعة أو قصيدة بديعة، وقد نظمت كثير من الخمريات فى مجالس الوزير المهلبى، ولعل جليسه القاضى أبا القاسم التنوحى كان المجلّى بين ناظميها بمثل قوله فى
стр. 2517
إحدى خمرياته (١).
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك فى قدح من نهار
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار
وهو تصوير بديع أن يجعل الخمر شمسا أو قطعة منها وماء غير جار والكأس نهارا وهواء جامدا. وكان كثيرون من أهل بغداد رجالا ونساء يحفظون الخمرية لجمال تصويرها، يدل على ذلك ما حكاه ابن خلكان-فى ترجمة صاحبها-عن الحسن بن عسكر الصوفى الواسطى قال: كنت ببغداد فى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة جالسا على دكة بباب أبرز للفرجة إذ جاء ثلاث نسوة فجلسن إلى جانبى، فأنشدت متمثلا:
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار
وسكتّ، فقالت إحداهن: هل تحفظ لهذا البيت تماما؟ فقلت: ما أحفظ سواه، فقالت: إن أنشدك أحد تمامه وما قبله ماذا تعطيه؟ فقلت ليس لى شئ أعطيه، فأنشدتنى الخمرية وزادت بعد البيت السابق:
إذا ما تأمّلتها وهى فيه ... تأملت نورا محيطا بنار
فهذا النهاية فى الابيضاض ... وهذا النهاية فى الاحمرار
فحفظت البيتين منها. وإنما روينا ذلك لندل على ظرف الجوارى فى بغداد وأن سوق الخمريات كانت رائجة، ولذلك كان الشعراء يحاولون الإبداع فيها والإتيان بالمعانى المبتكرة الطريفة كقول الببّغاء فى عتق الخمر (٢):
وعريقة الأنساب والشّيم ... موجودة والخلق فى العدم
هى آدم الكرم المولّد فى ال ... دّنيا وحوّا الخمر فى القدم
ظهرت ونور الشمس فى فلك ... من قبل خلق الصبح والظّلم
واشتقّ معنى اسم السّلاف لها ... من كونها فى سالف الأمم
وبون بعيد بين هذه الخمرية وخمرية التنوخى فى بعد الخيال والتصوير. ومن قديم يمزج الشعراء فى الخمرية بين الحب ونشوة الخمر. ومن طريف ما كان يطرب الناس ببغداد لعهد أبى حيان التوحيدى غناء سندس جارية ابن يوسف صاحب ديوان السواد، وهى تتشاجى وتتدلل وتتمايل وتتكسّر متغنية بهذه الخمرية (٣).
стр. 2518
مجلس صبّين عميدين ... ليسا من الحبّ بخلوين
قد صيّرا روحيهما واحدا ... واقتسماه بين جسمين
تنازعا كأسا على لذّة ... قد مزجاها بين دمعين
والكأس لا تحسن إلا إذا ... أدرتها بين محبّين
ومن قديم أيضا يمزج الشعراء بين النشوة بالخمر والنشوة بالطبيعة، إذ كانوا فعلا كما مر بنا يشربونها على أبسطة الربيع وبين آسه وورده وزهره، ونقلوا الأزهار إلى مجالسها، حتى تعبق بروائحها أو قل نقلوا الربيع بكل ما فيه نقلا يأخذ بمجامع القلوب ويمتزج بالنفوس.
فكان طبيعيا أن يتحدث الشعراء فى خمرياتهم عن جمال الطبيعة وجمال الورود والرياحين فى الربيع، وقرنوا إلى ذلك سقوط الثلج فى الشتاء كقول الوزير المهلبى فى إحدى خمرياته (١):
الورد بين مضمّخ ومضرّج ... والزهر بين مكلّل ومتوّج (٢)
والثلج يهبط كالنّثار فقم بنا ... نلتذّ بابنة كرمة لم تمزج (٣)
وكان الغناء يرافق الخمر، كما أشرنا إلى ذلك، فعرضت خمريات كثيرة للغناء والخمر معا، كما عرضت أخرى للغزل بالسقاة من الغلمان، وكثير منه كان يقصد به إلى التندر والدعابة فى أثناء السكر. وكان الغزل بالغلمان لونا من ألوان التماجن فى العصر، وهو -لا شك-وصمة معيبة فى جبين أصحابه.
ودفع التماجن إلى ظهور أشعار لا يستحى أصحابها من ذكر العورات والإسراف فى الفحش، ونعجب الآن أن يتّخذ ذلك ضربا من الهزل والتسرية عن الناس، وكأنما أعياهم أن يسرّوا عن أنفسهم، فالتمس بعض الشعراء هذه التسرية التى تؤذى النفوس الكريمة. وكان شعراء هذا الهزل الماجن يمزجونه بفكاهات ونوادر ودعابات كثيرة، وكأنهم أحسوا أنه يجب تخفيف حدّته، وأنى لهم؟ ! فقد كان يمتلئ بسخف كثير، وسخفه ليس ناشئا عن التورط فى الخمر فحسب وإنما أيضا عن التورط فى وصف الفواحش والتصريح بالآثام فى غير استحياء. وكان الذى دفع إلى ذلك ابن سكّرة وابن الحجّاج فى القرن الرابع، غير أن شعراء الخمر أنفسهم من حولهما ومن بعدهما كانوا يترفعون عن هذا الدّرك
стр. 2519
الأسفل من التصريح بالمآثم على نحو ما نرى فى خمريات عبد الصمد (١) بن بابك المتوفى بعدهما سنة ٤١٠ وله من خمرية:
عقار عليها من دم الصّبّ نفضة ... ومن عبرات المستهام فواقع
معوّدة غصب العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائع
تحيّر دمع المزن فى كأسها كما ... تحيّر فى ورد الخدود المدامع
وقد أبدع فى تصوير فواقعها فى كأسها بأنها عبرات شاربها العاشق الولهان، ويقول إنها استردّت منه وديعتها، ففارقه عقله. ويصل بين امتزاج الماء بالخمر المحمرة فى كأسها وبين الدموع وتحدرها على خدود المحبوبة الموردة، وله من أخرى:
يا صاحبىّ امزجا كأس المدام لنا ... كيما يضئ لنا من نورها الغسق
خمرا إذا ما نديمى همّ يشربها ... أخشى عليه من اللألاء يحترق
لو رام يحلف أن الشمس ما غربت ... فى فيه كذّبه فى وجهه الشّفق
وخوفه على نديمه من الاحتراق فى لألاء الخمر غريب، وأغرب منه دعواه أن الشمس غربت فى فمه بدليل ما تتضرج به خدوده من حمرتها، وكأنها تركت عليها شفقها أو بصماتها الحمراء. ويظل الشعراء بعد ابن بابك ينظمون فى الخمر متفننين فى معانيها محاولين بكل جهدهم أن ينفذوا فيها إلى طرائف جديدة، على نحو ما يلقانا عند سبط ابن التعاويذى والحاجرى والتّلعفرى وصفى الدين الحلّى. وانحصرت موجة المجون والفحش بذلك عند ابن سكرة وابن الحجاج وتراجعت عند خالفيهم وكادت تنحصر فى شعر هزلى مضحك على نحو ما هو معروف عند صريع (٢) الدّلاء المتوفى بمصر سنة ٤١٢ من مثل قوله:
من مضغ الأحجار أدمت فكّه ... فالضّرس لم تخلق لتليين الحصى
من قطع النّخل وظلّ راجيا ... ثمارها فذاك مقطوع الرّجا
وقد يحاول شاعر من باب الدعابة محاكاة ابن حجاج أو ابن سكرة، غير أنه يخفف جدا من تماجنه وتعابثه بحيث لا يستخدم شيئا من ألفاظ الفحش، إنما يكتفى ببيان عكوفه على الخمر وأنها كل لذته فى دنياه، حتى إنه لا يستطيع أن يهجرها فى ليالى رمضان
стр. 2520
قبل سحوره، وفى ذلك يقول ابن السّوادى (١) من شعراء القرن السادس متماجنا:
الصّبوح الصبوح فى شعبان ... لا تخلّوا به مع الإمكان
واسقنيها يوم الثلاثين فى الشّ ... كّ وبعد السّحور قبل الأذان
وبعد أن تماجن طويلا فى القصيدة راجع نفسه وعاد يعلن حسن إسلامه وطاعة ربه وأنه براء من كل ما يصف به نفسه، قائلا:
نيّتى غير ما سمعت وما كا ... ن لسانى عن نيّتى ترجمانى
ومضى يذكر أن عدّته فى معاده شفاعة الرسول ﵇ وعلى وفاطمة الزهراء والحسنين، وبذلك محا كل ما جاء به فى قصيدته من تماجن، مصرحا بعقيدته الشيعية وما يعتقده الشيعة فى شفاعة على والسيدة فاطمة والحسن والحسين. وما دمنا بصدد التماجن فحرى بنا أن نتوقف قليلا عند علميه فى العصر: ابن سكرة وابن الحجاج.
ابن سكّرة (٢)
هو أبو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكرة البغدادى الهاشمى، وهو من سلالة على بن المهدى بن أبى جعفر المنصور الخليفة العباسى المشهور، ويبدو أنه كان فى يسار وسعة من المال وأنه عاش للمجون والخلاعة. ولسنا نعرف شيئا عن نشأته وتربيته وحياته إلا ما يصفه به الثعالبى فى اليتيمة من قوله: «هو شاعر متسع الباع، فى أنواع الإبداع، فائق فى قول الملح والطّرف، أحد الفحول الأفراد. جار فى ميدان المجون والسخف ما أراد. . ويقال إن ديوانه يربو على خمسين ألف بيت، منها فى قينة سوداء يقال لها خمرة أكثر من عشرة آلاف بيت، وكانت عرضة نوادره وملحه. وحكى بعض معاصريه أنه حلف بطلاق امرأته-وهى ابنة عمه-أنه لا يخلى بياض يوم من سواد شعره فى هجاء خمرة، ولما علمت امرأته بالقصة كانت كل يوم إذا انفتل زوجها من صلاة الصبح تجيئه بالدواة والقرطاس وتلزم مصلاه لزوم الغريم غير الكريم، فلا تفارقه ما لم يقرض ولو بيتا فى ذكرها وهجائها. وتدل الأشعار التى أنشدها له الثعالبى على شاعرية خصبة فى الغزل وغير الغزل من مثل قوله:
стр. 2521
حذار من وصل من بليت به ... فقد لقيت الرّدى بجفوته
دنوت منه كيما أقبّله ... فلم تدعنى نيران وجنته
فقد جعل النيران المشتعلة فى وجنات محبوبته وخدودها تدفعه دفعا وتردّه ردا عنيفا، ومن هذا النمط قوله متغزلا:
منعتنى من مقبّله ... حين أدنو منه عقربه
واستدارت فهى تحرسه ... من فمى بخلا وترقبه
وكانت النساء تلوى على أصداغها خصلة من شعرها فى شكل عقرب تزينا وتجملا، فاستغل ذلك حتى النهاية، إذ الخصلة مثل العقرب تستدير وترتفع فى طرفها، وكأنها تراقب صاحبتها وتستعد للدغ من يقترب من خدودها. ولن نستطيع أن نروى شيئا من فحشه فى الغزل، ونكتفى بذكر بعض أبيات تصور مجونه دون أن تؤذى الذوق، من ذلك قوله:
ويوم لا يقاس إليه يوم ... يلوح ضياؤه من غير نار
أقمنا فيه للذّات سوقا ... نبيع العقل فيها بالعقار
فهو يعيش للإكباب على اللذات والانهماك فى المجون والعبّ من الخمر وإنه ليقيم للمجون سوقا يبيع فيه عقله بيع وكس بدنّ زهيد من الخمر يفقده رشده، ومن قوله:
اشرب فلليوم فضل لو علمت به ... بادرت باللهو واستعجلت بالطّرب
ورد الخدود وورد الروض قد جمعا ... والغيم مبتسم والشمس فى الحجب
لا تحبس الكأس واشربها مشعشعة ... حتى تموت بها موتا بلا سبب
وقد جعل كل شئ فى الزمان والمكان يحث على اللهو والطرب، فقد اجتمعت الخمر وورد الخدود كما يقول وورود الرياض فى يوم من أيام الشتاء الغائمة الباسمة. ويذكر أن ذلك كله يدعو لاحتساء الخمر حتى الموت موتا بلا سبب، دعابة مقصودة، ومن قوله:
قد بدا الصبح مؤذنا بسفور ... وفرى الفجر حلّة الدّيجور (١)
فاسقنى قهوة تترجم بالرّقّ ... ة عن دمع عاشق مهجور
فالخمر رقيقة رقة دمع العاشق لكثرة حباته المتساقطة من مآقيه. ولو عرف قيمة الملكة الشعرية التى رزقها لحفظ لها حقها ولم يسقط فى شعر الفحش والمآثم، ولا لطخ أشعاره بهذا الدنس. وله هجاء كله سخرية ووخز كوخز الإبر. وكان واسع الخيال إلى درجة الوهم على نحو ما نرى فى قوله:
стр. 2522
قيل: ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشدّه
قلت: درّاعة عرى ... تحتها جبّة رعده
والدراعة: ثوب من صوف، وبلغ من وهم خياله أن جعل للعرى دراعة وللرعدة من برد الشتاء جبّة. وما أظنه كان يصور شبئا من حقيقة حياته، فقد كان على غير قليل من اليسار. وكأنه فى البيتين استعار من معاصريه هذا اللون من التفاقر وإظهار الخصاصة، وكان لهما شعراء معروفون هم شعراء الكدية، فجاراهما فى بيتيه تظرفا ودعابة.
وقد توفى سنة ٣٨٥ للهجرة.
ابن الحجّاج (١)
هو أبو عبد الله الحسين بن أحمد، نسب إلى جدّ له يسمى الحجاج، ويبدو أن أباه كان من العمال، وعنى بتربية ابنه، فاختلف إلى مجالس الفقهاء والعلماء فضلا عن مجالس الأدب، والتحق بالدواوين كاتبا ثم أصبح ضامنا لفرائض الصدقات بسقى الفرات مدة، ثم تولى حسبة بغداد فترة إلى أن عزل بأبى سعيد الإصطخرى الفقيه الشافعى. وكان أكبر شعراء زمانه فى التماجن والتعابث، وهو يخطو فيهما خطوات بعيدة بالقياس إلى ابن سكرة، حتى زعم الرواة والنقاد أنه «فرد زمانه فى فنّه الذى شهر به وأنه لم يسبق إلى طريقته، ولم يلحق شأوه فى نمطه» وفيه يقول أبو حيان: «سخيف الطريقة بعيد من الجدّ، قريع (فحل) فى الهزل، ليس للعقل من شعره منال، ولا له فى قرضه مثال، على أنه قويم اللفظ سهل الكلام، وشمائله نائية بالوقار، عن عادته الجارية فى الخسار، وهو شريك ابن سكرة فى هذه الغرامة، وإذا جدّ أقعى (٢)، وإذا هزل حكى الأفعى» ويقول صاحب اليتيمة: «هو وإن كان فى أكثر شعره لا يستتر من العقل بسجف (٣)، ولا يبنى جلّ قوله إلا على سخف، فإنه من سحرة الشعر، وعجائب العصر. . وأشعاره مشوبة بلغات الخلديين (أصحاب الحرف) والمكدين (أدباتية العامة) والشطار. .
وكلامه يمدّ يد المجون فيعرك بها أذن الحرم، ويفتح جراب السخف فيصفع قفا العقل، ولكنه على علاته تتفكه الفضلاء بثمار شعره، وتستملح الكبراء بنات طبعه. . ولقد مدح الملوك والأمراء والوزراء والرؤساء. . وهو عندهم مقبول الجملة غالى مهر الكلام، موفور
стр. 2523
الحظ من الإكرام والإنعام، مجاب إلى مقترحه من الصّلات الجسام. . وكان طول عمره يتحكم على وزراء الوقت ورؤساء العصر. تحكم الصبى على أهله، ويعيش فى أكنافهم عيشة راضية، ويستثمر نعمة صافية ضافية». وإلى ذلك يشير فى شعره مرارا، وأنه بناه على التماجن والفحش للتفكه والدعابة طلبا للكسب به، يقول:
لو جدّ شعرى رأيت فيه ... كواكب الليل كيف تسرى
وإنما هزله مجون ... يمشى به فى المعاش أمرى
وقد عاش عيشة رفه ويسار حتى توفى سنة ٣٩١. وكان يكثر من نظم هذا الشعر الماجن حتى قالوا إن ديوانه يبلغ عشرة مجلدات، وكان يباع فى حياته بخمسين دينارا إلى سبعين، ولكثرة ما ملأه به من ذكر العورات والمقاذر قال فيه ابن سكرة الماجن حين سئل عن قيمته إن «قيمته بربخ» أى بالوعة تحمل القاذورات وما ينضاف إليها. وإذا كان هذا حكم ابن سكرة فما بالنا بحكم الناس وراءه فى عصره وبعد عصره، وقد دعا بعض أصحاب الحسبة فى كتبهم إلى منع الغلمان والصبيان من حفظ أشعاره وأخذهم بالضرب إن هم حاولوا ذلك. وينبغى أن نشير إلى ما ذكره أبو حيان من أنه كان فيه وقار يخالف هذا الإغراق فى التماجن، وكأنه كان تماجنا مقصودا به إلى الإضحاك: إضحاك الرؤساء والكبراء، غير أنه تجاوز فيه حده. وكان حسبه ما لديه من القدرة على الفكاهة ليضحك الناس دون التردّى فى بالوعات الفحش وقاذوراته، ويصور تماجنه من بعض الوجوه قوله فى مديحه لبختيار الحاكم البويهى لبغداد فى عصره:
فديت وجه الأمير من قمر ... يجلو القذى نوره عن البصر
فديت من وجهه يشكّكنى ... فى أنّه من سلالة البشر
إن زليخا لو أبصرتك لما ... ملّت إلى الحشر لذّة النظر
ويستمر فى مثل هذا التماجن. وهو لا يطيق الصبر حتى مع بختيار فى تماجنه، إذ يمضى فيلطخ المدحة فى أواخرها بشئ من قاذوراته. وكان شيعا إماميا، وكان يشوب تشيعه أحيانا بشئ من الغلو، وكان قريبا من نفس الشريف الرضى، فاختار من شعره قطعة تخلو من قذره وسخفه. ورثاه حين توفى رثاء حارا، ومن خمرياته التى تخلو من فحشه وبذاءته قوله:
يا صاحبىّ استيقظا من رقدة ... تزرى على عقل اللبيب الأكيس
стр. 2524
هذى المجرّة والنجوم كأنها ... نهر تدفّق فى حديقة نرجس
قوما اسقيانى قهوة روميّة ... من عهد قيصر دنّها لم يمسس
صرفا تضيف إذا تسلّط حكمها ... موت العقول إلى حياة الأنفس
والصورة فى البيت الثانى جيدة إذ جعل نهر المجرة يتدفق فى حديقة نرجس، وجعل الخمر فى البيت الأخير تميت العقول فى رأيه، ولكنها تحيى النفوس. وله خمرية قالها فى عيد المهرجان، وهى تخلو من مقاذره غير أن فيها تبجحا شديدا باعترافه بعصيانه لربه لشربه الخمر مع ما جاء من تحريمها فى الذكر الحكيم.
وكل ذلك كان يريد به التماجن والتعابث والإضحاك، وقد عاد فى هذه القصيدة أو الخمرية يعلن أن رأس ماله كله خسران إلا ما كان من حبه لآل البيت وللرسول ﵇ والإمام على وفاطمة الزهراء والحسن والحسين، وتكثر فى أشعاره الكدية أو الشحاذة الأدبية، فهو يكثر من بيان فقره وحاجته، وأنه لا يجد المرق فضلا عن اللحم، وأنه دائما يأكل الخبز بالملح دون إدام فيجرح حلقه من خشونته، ودائما لا يجد صوفا يقيه برد الشتاء ولا خيشا يقيه حر الصيف. وكل ذلك دعابة وفكاهة، فقد كانت الدنانير والدراهم تنسكب عليه من كل جانب.
٣ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية
منذ ظهور الإسلام يعدّ الزهد والتقشف من صميم حياة المسلم، زهد فى طيبات الحياة ومتاعها وإقبال على ما عند الله من ثواب الآخرة، وهو إقبال يوازن فيه المسلم بين نسكه وتعبده لربه وبين السعى لرزقه، فهو يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لآخرته كأنه يموت غدا. وهو يضع ثقته فى الله ويتوكل عليه حق التوكل، ولا يرى فى سعيه لكسب قوته ما يقلل من هذا التوكل أو تلك الثقة. وتلقانا فى العراق مع العصر الأموى طوائف من النساك والعباد الزهاد، فالزهد والنسك قديمان فى هذه البيئة، وأخذت تتسع موجة الزهد مع العصرين العباسى الأول والثانى. وظلت حادة فى هذا العصر، ولا شك فى أنها كانت أحدّ وأكثر اتساعا وجمهورا بل جماهير من موجة اللهو والمجون، فقد كانت هذه
стр. 2525
تكاد تكون خاصة بالطبقة المترفة فى الأمة ومن حفّ بها من المغنين والمغنيات والشعراء وأهل العبث. وكان الشعب لا يشترك فى اللهو إلا فى مواسم خاصة كأعياد المجوس والنصارى. أما موجة التقشف والنسك فكانت عامة يشترك فيها كثير من الطبقة العامة وجمهور أو جماهير الأمة، إذ كانت تغدو صباح مساء إلى المساجد تتلو القرآن وتسبح الله وتذكره ليلا ونهارا. وكان يغذى هذه الروح فى المساجد وعاظ يزدحم الناس على مجالسهم.
ومن كبار الوعاظ ابن سمعون (١) المتوفى سنة ٣٨٧ ويقول ابن خلكان: كان وحيد دهره فى الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة» ومن قوله:
«سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم، وأسمع بالعظم» إشارة إلى اللسان والعين والأذن، وإياه عنى الحريرى فى المقامة الرازية الحادية والعشرين بقوله فى أوائلها:
«رأيت بالرّىّ ذات بكرة، زمرة فى إثر زمرة، وهم منتشرون انتشار الجراد، ومستنّون (٢) استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ويحلّون ابن سمعون دونه» ولم يكن له نظير فى زمنه. وكانت تعاصره ميمونة (٣) بنت ساقولة الواعظة البغدادية المتوفاة سنة ٣٩٣ وكان لها لسان حلو فى الوعظ. وكان قبلها وبعدها كثيرات زاهدات، وكان بعضهن يعظن وبعضهن يحمل عنهن الحديث وقد ترجم ابن الجوزى فى كتابه «صفة الصفوة» لطائفة كبيرة منهن. وفى سنة ٤٩٦ توفى ببغداد واعظ كبير هو أردشير بن منصور «وبوعظه حلق أكثر الصبيان رءوسهم ولزموا المساجد وبدّدوا الخمور وكسروا الملاهى» (٤) ومن كبار الوعاظ الزهاد أبو الوفاء بن عقيل الحنبلى المارّ ذكره ويقول ابن رجب: «من معانى كلامه يستمد أبو الفرج بن الجوزى». وفى كل بلدان العراق نلتقى بأخبار هؤلاء الوعاظ مثل محمد بن عبد الملك الفارقى (٥) المتوفى سنة ٥٦٤ وقد ترجم له العماد ترجمة ضافية، ذكر فيها مواعظه ومناجياته لربه، وكان يضمنها أشعارا فى الزهد والوجد مثل قوله: