فى الحيوانية وأنه يخطر بباله أنه ربما أصابه نفس المكروه بجامع الحيوانية بينه وبين الحيوان.
ولا يزال ابن مسكويه يتعمق فى الإجابة موضحا أن الشريعة لا تخرج عن مقتضى العقل بحال. ونذكر طرفا من إجابة ابن مسكويه عن مسألة خلقية سألها أبو حيان، وهى إذاعة الأسرار مهما ضرب عليها من حجب الكتمان، يقول:
«قد تبيّن فى المباحث الفلسفية أن للنفس قوتين إحداهما معطية والأخرى آخذة. فهى بالقوة الآخذة تستثيب (تسترجع) المعارف وتشتاق إلى تعرف الأخبار، وبها يوجد الصبيان أول نشوئهم محبيّن لسماع الخرافات، فإذا اكتهلوا أحبوا معرفة الحقائق. وهذه القوة هى انفعال وشوق إلى الكمال الذى يخصّ النفس. وهى بالقوة المعطية تفيض على غيرها ما عندها من المعارف، وتفيده العلوم الحاصلة لها، وهذه القوة ليست انفعالا بل فاعلة. وهاتان القوتان موجودتان للنفس بالذات لا بالعرض. فكل إنسان يحرص بإحدى قوتيه على الفعل، وهو الإعلام، وبالأخرى على الانفعال، وهو الاستعلام. . فقد ظهر السبب الداعى إلى إخراج السر، وهو أن النفس لما كانت واحدة واشتاقت بإحدى قوتيها إلى الاستعلام، واشتاقت بالأخرى إلى الإعلام لم ينكتم سرّ بتّة. وهذا تدبير إلهى عجيب، ومن أجله نقلت الأخبار القديمة وحفظت قصص الأمم، وعنى المتقدمون بتدوين ذلك وحرص المتأخرون على نقله وقراءته».
ويمضى ابن مسكويه فيذكر أن صاحب السر ينبغى أن لا يستودع إلا القادر على نفسه والقاهر لنزواتها، وأن إخراجه من جملة شهوات النفس وأن حفظه لذلك يحتاج مجاهدة شديدة. وهذه الإجابة توضح كيف كان عقل ابن مسكويه خصبا وكيف كان حافلا بالآراء الطريفة، وهو يعرضها فى أسلوب جزل مصقول ليس فيه أى صعوبة ولا أى عوج أو التواء. وقد روى ياقوت فى ترجمته نسخة وصية له طريفة يعاهد فيه الله على العفة والشجاعة والحكمة وما يتفرع عن ذلك من شيم نبيلة رفيعة.
٥ - الحريرى (١)
هو أبو محمد القاسم بن على الحريرى، كان أبوه من أثرياء «المشان»، وهى قرية قريبة
стр. 2592
من البصرة، وقد ولد له سنة ٤٤٦ وبها كان منشؤه ومرباه. ثم سكن البصرة فى حى بنى حرام الفزاريّين، وأخذ يختلف إلى علماء عصره، يأخذ عنهم الحديث والفقه والأدب، ويسميهم، ويعدّدهم، السبكى فى طبقاته. ويذكر مترجموه أنه تولى وظيفة الخبر فى ديوان الخلافة بالبصرة، وهى وظيفة تشبه وظيفة مصلحة الاستعلامات فى عصرنا، ولا يعرف بالضبط متى تقلّدها ولا متى عهد إليه بها، وظل فى هذه الوظيفة إلى وفاته سنة ٥١٦ وظلت بعده فى أبنائه حتى آخر عهد المتقى بالله (٥٣٠ - ٥٥٥ هـ). ولم تمنعه الوظيفة من أن يعكف على الأدب واللغة، بل أن يفرغ لهما، فيكتب مجموعة من الرسائل، وآيته الرائعة: المقامات، وينظم من الشعر ما يتيح له أن يكون من أصحاب الدواوين، ويؤلف كتابه المعروف «درّة الغوّاص فى أوهام الخواص» وهو مطبوع مرارا وواضح من عنوانه أنه فيه يسجل أغلاط المتأدبين مما يشيع على ألسنة العامة، وإن كان قد بالغ فى ذلك حتى عدّ بعض الكلمات الفصيحة غير صحيحة. ولشهاب الدين الخفاجى شرح عليه طبع فى إستانبول، ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن لتلميذه الجواليقى تكملة ألحقها بالكتاب وهى مطبوعة. ويؤلف الحريرى أيضا ملحة الإعراب، وهى منظومة فى النحو شرحها شرحا جيدا، وهى مطبوعة فى القاهرة مرارا. وكان لا يزال يختلف بين عمله فى البصرة وضياعه فى المشان وبين بغداد دار الخلافة وملتقى العلماء والأدباء. ومما يدل على أنه كان يختلف إلى بغداد منذ أواخر القرن الخامس ما أنشده له العماد الأصبهانى فى مديح سعد الملك وزير السلطان محمد شاه السلجوقى الذى صلبه وقتله سنة ٥٠٠ للهجرة. ويقول السبكى إنه حدّث فى بغداد بجزء من حديثه وبمقاماته.
وكان الحريرى لا يبارى فى الأدب والبلاغة والفصاحة، وتعدّ مقاماته آية براعته التى ليس لها لاحقة مماثلة وكأنما أغلق الأبواب بكلتا يديه بعده، فلم يستطع أحد أن يجاريه أو يبلغ مبلغه فى تلك المقامات، ويشهد بذلك الزمخشرى قائلا:
أقسم بالله وآياته ... ومشعر الحج وميقاته
إن الحريرىّ حرىّ بأن ... نكتب بالتّبر مقاماته
ويقول السمعانى عنه: «لم يكن له فى فنه نظير فى عصره، ولو قلت إن مفتتح الإحسان فى شعره كما أن مختتم الإبداع فى نثره، وأن مسير الحسن تحت لواء كلامه، كما أن
стр. 2593
مخيّم السحر عند أقلامه، لما زلقت من شاهق الإنصاف، إلى حضيض الاعتساف».
ويقول العماد الأصبهانى: «طلعت ذكاء (١) ذكائه فى المغرب والمشرق، وامتلأت ببضائع فوائده، ونواصع فرائده، حقائب المشئم والمعرق. . حريرىّ الوشى، عراقىّ الوشم (٢)، لؤلؤى النظم، كلامه يتيمة البحر، وتميمة النّحر، ودرّة الصّدف، ودرّى السّدف (٣). . قد أعجز الفصحاء بصناعته، وأبرّ (٤) على البلغاء ببراعته». ويقول الرواة إنه كان بخيلا دميم الخلقة والهيئة، تقتحمه العين، وكان يعتاد نتف لحيته، والناس على الرغم من ذلك يزدحمون عليه لسماع مقاماته وإجازتهم بروايتها. ويقال إنه أجاز لسبعمائة طالب أن يرووها عنه، وفى ذلك ما يدل على ما كان يحظى به هو ومقاماته فى عصره من منزلة أدبية رفيعة.
والمقامات أقاصيص قصيرة تصور مواقف متنوعة لأديب متسول يحتال ببيانه وفصاحة لسانه على الناس، فيلقون إليه بالدراهم والدنانير، وهى تزخر بحركة تمثيلية، غير أنها لا تتسع لتصوير حياة مجتمعها، فقد كانت غاية الحريرى منها غاية بيانية بلاغية فحسب، واستطاع أن يحقق هذه الغاية إلى أبعد مدى. ويزعم الرواة أن سبب صوغه لها ما حكاه عن نفسه من أنه كان جالسا فى مسجد بنى حرام فى البصرة فدخل شيخ رثّ الهيئة، كان شحاذا أديبا فسلّم ثم سأل، فأعجبت الحاضرين فصاحته وحسن بيانه، فسألوه عن كنيته فقال أبو زيد، وسألوه عن موطنه، فقال من سروج، وهى بلدة قرب حرّان شمالى العراق، فعمل الحريرى المقامة المعروفة باسم الحرامية، وهى المقامة الثامنة والأربعون، ونسبها إلى أبى زيد السّروجى المذكور، واشتهرت فبلغ خبرها-فيما يقال-أنو شروان ابن خالد وزير الخليفة المسترشد (٥١٢ - ٥٢٩ هـ). فأشار عليه أن يضم إليها غيرها، فأتمها خمسين مقامة. ويقال بل إنه حين عاد إلى البصرة صنع أربعين مقامة، ورجع إلى بغداد، فأعجب بها الأدباء، وطلبوا إليه أن يؤلف على غرارها مقامة امتحانا له، فظل أربعين يوما لا يفتح عليه بشئ، فعاد إلى البصرة، وألف عشر مقامات، وأصعد بها إلى بغداد فعرف الأدباء فضله. وقال بعض حساده إنها من صناعة شخص كان استضافه، فمات عنده. وقال حساد آخرون إن البدو أخذوا جرابا لمغربى من بعض القوافل كانت به هذه المقامات، وتصادف أن اشتراه منهم الحريرى فنسبها إلى نفسه! .
وكل ما قدمنا قصص غير صحيحة، وفى مقدمتها قصة تشجيع أنوشروان بن خالد له
стр. 2594
وبعثه على تأليفها، فإنه تولى وزارة المسترشد بعد وفاة الحريرى، وكذّبها ابن خلكان بطريق آخر إذ قال إنه رأى نسخة من المقامات بخط الحريرى نفسه كتب بخطه على ظهرها إنه صنفها للوزير جلال الدين بن صدقة وزير المسترشد وقد وزر له فى أول خلافته سنة ٥١٢ وكأنه هو الذى أشار إليه فى مقدمة المقدمات بقوله: «فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع» يريد البديع الهمذانى ومقاماته.
وتوقف الشريشى فى شرحه إزاء هذه العبارة، وكأنه أراد أن يدحض كل ما قيل من أن المقامات ألفت فى عهد المسترشد بإشارة أحد وزيريه: ابن صدقة أو ابن خالد، فقال إنها إنما ألفت بإشارة الخليفة المستظهر (٤٨٧ - ٥١٢ هـ) وبدأ الحريرى تأليفها سنة ٤٩٥ واستغرقت منه نحو عشر سنوات حتى سنة ٥٠٤.
واتسعت الأسطورة بأبى زيد، أديب المقامات الشحاذ، فقيل إنه نحوى يسمى المطهّر ابن سلار، ونرى كتب تراجم النحاة تترجم له ذاكرة أنه صاحب الحريرى الذى أنشأ المقامات على لسانه، وتقول إنه روى عنه أرجوزته «ملحة الإعراب» وربما كان المطهر شخصية حقيقية، ودخل الوهم منه على النحاة، فظنوا أنه أبو زيد السّروجى. ومن المؤكد أن أبا زيد فى المقامات شخصية خيالية اخترعها خيال الحريرى ليحوك من حولها حيل أديب متسول. وقد سمى راويته الحارث بن همّام يعنى به نفسه أخذا من الحديث النبوى:
«كلكم حارث وكلكم همام» أى كاسب كثير الاهتمام. ومن المؤكد أيضا أنها بناء متكامل، لم يعدّ مجزّا ولا قطعة تلو قطعة، ويتضح ذلك من طريقة الحريرى فى عرضه المقامة الأولى، إذ جعلها لتعريف أبى زيد بروايته، بينما جعل الأخيرة، وهى ذات الرقم الخمسين، لتوبة أبى زيد من حرفة الشحاذة وحيلها الكاذبة وندمه على ما تقدم من ذنوبه، ويغيب عن راويته، ولا يزال يبحث عنه حتى يجده فى بلدته سروج وقد تحول ناسكا متصوفا مستغرقا فى عبادة ربه. وسمى المقامات فيما عدا ثلاثا منها باسم البلدان التى تنقل فيها أبو زيد من مشرق العالم الإسلامى إلى مغربه. ونرى الحريرى يذكر فى مقدمتها مقصده منها إذ يقول: «أنشأت خمسين مقامة تحتوى على جدّ القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره، إلى ما وشّحتها به من الآيات، ومحاسن الكنايات ورصّعته فيها من الأمثال العربية، واللطائف الأدبية، والأحاجى النحوية، والفتاوى اللغوية، والرسائل المبتكرة، والخطب المحبّرة، والمواعظ المبكية، والأضاحيك الملهية».
ومعنى ذلك أنه لم يقصد فيها إلى القصص لذاته، وإنما قصد فيها إلى أفانين من النثر فضلا عما التزمه من السجع. وكان ذوق التصنع عمّ فى الكتابة، فلم يقف الكتّاب عند السجع
стр. 2595
والمحسنات البديعية، بل أخذوا يضيفون إلى ذلك عقدا غريبة يصعّبون بها المرور إلى السجع، حتى يثبتوا براعتهم الأدبية، وما نكاد نلمّ بالمقامة السادسة، حتى نراه يخلب ألباب الناس برسالة تتوالى كلماتها: كلمة حروفها منقوطة وكلمة حروفها غير منقوطة، حتى إذا كانت المقامة المغربية السادسة عشرة عرض عقدة أو لعبة غاية فى العسر تسمى ما لا يستحيل بالانعكاس كقوله. «لم أخا ملّ» فإن العبارة تقرأ طردا وعكسا فلا تتغير حروفها، ومضى يعرض طائفة كبيرة من مثل هذه العبارة نثرا وشعرا، مما ملأ الحاضرين به إعجابا شديدا. وفى المقامة القهقرية التالية جاء بطائفة كبيرة من الحكم تقرأ الألفاظ فيها لا الحروف طردا وعكسا مثل «مع اللجاجة تلغى الحاجة» فإنها يمكن أن تقرأ «الحاجة تلغى مع اللجاجة». ويسمى المقامة السادسة والعشرين باسم الرّقطاء لأنها تتألف من كلمات تتوالى حروفها بالتبادل بين النقط وعدمه مثل «نائل يديه فاض، وشحّ قلبه غاض». وفى المقامة الثامنة والعشرين نرى أبا زيد يخطب خطبة كل كلماتها غير منقوطة، ويعود إلى نفس اللعبة فى المقامة التالية. وكل هذه عقد غريبة كان يمكن أن تخنق المقامات خنقا لولا ما امتاز به نسج الحريرى من عذوبة ورشاقة. وكانت لعبة الألغاز شاعت فى العصر، فأفرد لها مقاماته: السادسة والثلاثين والثانية والأربعين والرابعة والأربعين. وخصّ النحو بالمقامة الرابعة والعشرين، إذ عرض فيها اثنتى عشرة مسألة نحوية، وأفرد للفقه مقامتين:
الخامسة عشرة والثانية والثلاثين. وقلما يعنى بعرض شئون عصره السياسية والاجتماعية إلا أشياء طفيفة هنا وهناك، فقد كان مشغولا بعرض الأمثال والكنايات وألفاظ اللغة الغريبة، على أن تكون مقبولة لا تصكّ الأسماع ولا تستثقلها الأفواه. وهو يكثر فى مقاماته من الآيات القرآنية ومن أشعاره الجيدة ومن المحسّنات البديعية وخاصة الجناس. وطبيعى أن تتعدد فيها المواقف ويتنوع معها وصفه، فتارة يصف روضة أو فلاة أو بحرا أو سوقا، وتارة ثانية هو زاهد متعبد يكثر من وعظه بمثل قوله:
«ابن آدم ما أغراك بما يغرّك، وأضراك (أجرأك) بما يضرّك، وألهجك بما يطغيك، وأبهجك بمن يطريك. . لا بالكفاف تقتنع، ولا من الحرام تمتنع، ولا للعظات تستمع، ولا بالوعيد ترتدع. . يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك. .
أتظن أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب غدا. . كلا والله لن يدفع المنون، مال ولا بنون، ولا ينفع أهل القبور، سوى العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادّعى (ونهى النّفس عن الهوى) وعلم أن الفائز من ارعوى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى)».
стр. 2596
والمواعظ والأدعية الإلهية كثيرة فى المقامات، ودائما تعرض فى مثل هذه الأسجاع الخفيفة التى تطير عن الأفواه فى عذوبة ورشاقة. وبينما يلقانا أبو زيد فى بعض النوادى واعظا إذا هو يتحول من حين إلى حين ماجنا مع ندامى يحتسى العقار ويخلع الوقار. ولكن من الحق أن ذلك قليل فى المقامات، وقد أراد به الحريرى إلى الفكاهة والدعابة، وهما واضحتان عنده فى مقامات عدّة، وخاصة حين يظهر أبو زيد مع ابنه أو مع زوجته مختصمين إلى أحد القضاة أو الحكّام على نحو ما نرى فى المقامة الإسكندرانية، إذ تنكّر فى زى شيخ هرم خبيث تجرّه بعنف امرأة معها طفل نحيل ضئيل، وتقدما إلى القاضى وكانا قد عرفا أنه أحضر مال الصدقات ليوزعه على الفقراء وذوى الحاجات، ولم تلبث المرأة أن بادرت إليه قائلة:
«أيّد الله القاضى، وأدام به التراضى، إنى امرأة من أكرم جرثومة، وأطهر أرومة، ميسمى الصّون. . وخلقى نعم العون، وبينى وبين جاراتى بون، وكان أبى إذا خطبنى بناة المجد، وأرباب الجدّ، سكّتهم وبكّتهم، وعاف وصلتهم وصلتهم، واحتجّ بأنه عاهد الله تعالى بحلفة، أن لا يصاهر غير ذى حرفة، فقيّض القدر لنصبى ووصبى، أن حضر هذا الخدعة نادى أبى، فأقسم بين رهطه، أنه وفق شرطه، وادّعى أنه طالما نظم درّة إلى درّة، فباعهما ببدرة (مال كثير) فاغترّ أبى بزخرفة محاله (كيده) وزوّجنيه قبل اختبار حاله، فلما استخرجنى من كناسى (بيتى) ورحّلنى عن أناسى، ونقلنى إلى كسره (بيته) وحصّلنى تحت أسره، وجدته قعدة جثمة (لا يفارق البيت) وألفيته ضجعة (عاجزا) نومة. . . ومزّق مالى بأسره، وأنفق مالى فى عسره. . ولى منه سلالة، كأنه خلالة، وكلانا ما ينال منه شبعة، ولا ترقأ له من الطّوى (الجوع) دمعة، وقد قدته إليك، وأحضرته لديك، لتعجم (لتختبر) عود دعواه، وتحكم بيننا بما أراك الله».
وتمضى المقامة على هذا النمط الفكه، ويردّ الشيخ بقصيدة طويلة يدعى فيها أنه لا يشقّ غباره فى العلم والشعر، وأنه طالما اكتسب الأموال بدرر كلامه، غير أن سوق الأدب كسدت، لانقراض جيل الكرام، مما اضطره إلى بيع كل ما يملك هو وزوجته، حتى لقد باع-كارها والدموع تترقرق فى عينيه-جهازها وكل ما دخلت به من أثاث ورياش أو ثياب فاخرة. وتنتهى المقامة بعطف القاضى على الشيخ وزوجته وفرضه لهما فى الصدقات حصّة.
والمقامات يشيع فيها الجناس والمحسنات البديعية، كما تشيع فيها العذوبة، ويخيل إلى قارئ الحريرى فى مقاماته كأنما جمع العربية كلها فى كنانة أو حقيبة ثم نثر ألفاظها بين
стр. 2597
يديه، وأخذ يختار منها وينتخب أروع ما عرفت لغتنا من أساليب مسجوعة، وكأنما كان يعزفها على قيثارة عزف ملحن مبدع، مما جعل معاصريه ومن جاء بعدهم يتخذونها النموذج النثرى الذى لا يجارى فى غرس ذوق العربية فى نفوس الناشئة وكل ما يطوى فى هذا الذوق من إحساس بجمال الصياغة الأدبية النثرية. ومرّ بنا فى الفصل الثانى من هذا القسم الخاص بالعراق أن لابن الخشاب البغدادى المتوفى سنة ٥٦٧ مبحثا لغويا فيما زعمه من أغلاط الحريرى فى مقاماته وأن لابن برّىّ اللغوى المصرى المتوفى سنة ٥٨٢ ردّا عليه انتصر فيه للحريرى.
وكان للحريرى بجانب مقاماته مجموع رسائل، لم تحتفظ به يد الزمن، غير أن العماد فى خريدته وياقوت فى معجمه احتفظا ببعض رسائله، وأطال العماد الأصبهانى فى قطف منتخبات كثيرة من هذه الرسائل شغلت منه فى ترجمته له نحو أربعين صحيفة، وقد سجل منها هو وياقوت رسالتين اشتهرتا فى عصر الحريرى وبعد عصره، اختار كلمات الأولى منها من ذوات السين ولذلك سميت السينية، واختار كلمات الثانية من ذوات الشين، ولذلك سميت الشينية، والتكلف فيهما واضح لالتزام كلمات بعينها، وكأنه فيهما يحجل فى قيود ثقيلة. غير أن ما وراءهما من رسائل يشهد له بسلاسة سجعه وحسن رصفه فى رسائله شأنه فى مقاماته، كقوله فى وصف جواب أو رسالة من أحد أصدقائه:
«وصل الجواب. . وخلته كتاب الأمان، من الزمان، فتلقيته، كما تتلفى يد الإنسان، صحف الإحسان، وصكاك العطايا الحسان. لا: بل كما تتلقى أنامل الرّاح (الكف) كاسات الرّاح (الخمر) من أيدى الصّباح (الفاتنات) فى نسمات الصّباح، ومازلت أتمتع بحلىّ ودرر، ووشى وحبر (حرير) وملح وزهر. . فلله ما جمع فيه من أنوار ونوّار (زهر) ونضير (جميل) ونضار (ذهب) وتحسين وإحسان، ومعين (ماء عذب) ومعان».
وواضح ما فى هذا السجع من خفة ورشاقة بما يحتويه من مهارة فى انتخاب ألفاظه وتقصير عباراته بحيث يمتع الألسنة كلامه حين يجرى عليها متدفقا فى عذوبة، كما يمتع الآذان حين تستمع إلى جرسه ونبراته، حتى ليشعر قارؤه أن متاعا موسيقيّا خلابا يصبّ فى حنايا سجعه، متاعا يلذ الآذان والقلوب والأفئدة.
стр. 2598
القسم الثالث
إيران
стр. 2599
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
١ - دول متقابلة
أخذت تنشأ فى إيران منذ القرن الثالث الهجرى دول متقابلة، كانت أولاها دولة الطاهريين بخراسان التى أنشأها طاهر بن الحسين قائد المأمون، وخلفه عليها أبناؤه حتى سنة ٢٥٩ للهجرة، وكانوا تابعين للخلافة ببغداد، فكانوا يرسلون لها بالجبايات والضرائب.
وفى سنة ٢٤٧ أقام يعقوب بن الليث الصفّار الدولة الصفّارية فى إقليم بلوخستان شرقىّ إيران، ومدّ حدودها حتى شملت كرمان جنوبى إيران، وأفغانستان، واستولى على خراسان التى كانت بيد الطاهريين. وخلفه أخوه عمرو حتى سنة ٢٨٦ إذ قضى عليه السامانيون قضاء مبرما. ويغلب الحسن بن زيد العلوى على طبرستان منذ سنة ٢٥٠ ويقيم بها دولة علوية يخلفها عليها أخوه محمد لسنة ٢٧٠ حتى إذا كانت سنة ٢٨٧ هاجمه السامانيون ولم يلبثوا أن أسروه على أبواب جرجان، وبذلك أجهزوا على تلك الدولة العلوية، كما أجهزوا من قبل على الدولة الصّفارية. وكتب للسامانيين أن تظل دولتهم قائمة حتى سنة ٣٨٩ وبذلك تشغل شطرا من العصر العباسى الثانى إذ بدأت فى سنة ٢٦١ وظلت فترة طويلة فى عصر الدول والإمارات، متقابلة مع الدولة البويهية التى سيطرت منذ فواتح هذا العصر على الأقاليم الجنوبية والجنوبية الغربية من إيران، ومدّت ذراعها إلى بغداد فسيطرت عليها وعلى العراق، وكانت تقابلهما الدولة الزيارية التى سيطرت على طبرستان بعد زوال الدولة العلوية منها، وقد مدّت سلطانها أحيانا على جرجان وبلاد الجبل. ولا يكاد القرن الرابع ينتهى حتى يبزغ نجم الدولة الغزنوية. وبذلك كانت تتقابل فى أوائل عصر الدول والإمارات دول السامانيين والبويهيين والزّياريين والغزنويين.
стр. 2600
الدولة السامانية (١)
يرجع نسب السامانيين-فيما يذكر البيرونى وغيره-إلى بهرام جوبين الذى كان مرزبانا لخسرو أبرويز (٥٩٠ - ٦٢٧ م) على ولاية أذربيجان الفارسية، وقد أسلم جدهم سامان خوداه أى سيد قرية سامان الواقعة فى إقليم بلخ بخراسان زمن خلافة هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٤ هـ.) ولم يلبث اسمه أن لمع بين أصحاب أبى مسلم الخراسانى حين نهض بالدعوة للعباسيين فى أواخر العصر الأموى، وتوفّى، فحلّ ابنه أسد مكانه فى خدمة العباسيين حتى توفّى لعصر الرشيد. ويصطنع المأمون أبناءه، ويأمر عبد الله بن طاهر أمير خراسان أن يوليهم على ما وراء النهر، فيولّى أحمد فرغانة ونوحا سمرقند ويحيى الشّاش وأشروسنة، كما يولى أخاهم إلياس هراة فى أفغانستان. ويغلب أحمد على أخويه نوح ويحيى ويصبح له أمر ما وراء النهر جميعه. ويتوفّى سنة ٢٦١ ويخلفه ابنه نصر على ما بيده، ويفزع إليه أهل بخارى، فيرسل إليهم أخاه إسماعيل، ويصبح نائبا له عليها.
وتفسد الأمور بين الأخوين، وتكون الغلبة لإسماعيل، فيجرد أخاه من كل سلطان. وهو يعدّ المؤسس الحقيقى للدولة السامانية.
وتلتقى جيوش إسماعيل فى سنة ٢٨٦ للهجرة مع جيوش عمرو بن الليث الصفار صاحب كرمان والرىّ وبلوخستان، وتدور الدوائر على عمرو، ويصير ما بيده من البلدان إلى إسماعيل، ويرسل إليه الخليفة المعتضد بخلعة السلطنة. ولا يكاد يدور عام حتى تنشب الحرب بين إسماعيل ومحمد بن زيد العلوى صاحب طبرستان، ويؤسر محمد بعد أن أصابته ضربات قاتلة، ويموت متأثرا بجراحه، ويستولى إسماعيل على إمارته. وبذلك تتسع الدولة السامانية سعة كبيرة، مما جعل السامانيين يقيمون على ولاياتها نوّابا عديدين، وبينما كانوا يقيمون فى بخارى حاضرتهم كان قائد جيشهم يقيم فى نيسابور حاضرة الدولة الطاهرية القديمة. وتكلّل انتصارات إسماعيل بانتصار حاسم له على الترك سنة ٢٩١ للهجرة فقد زحفوا فى جيش جرار، فنادى إسماعيل فى خراسان وبقية إمارته
стр. 2601
بالنفير، وجاءت الجنود من كل فجّ، وهجم بهم على الترك فى السّحر، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وفرّ الباقون لا يلوون. وإسماعيل أعظم أمراء هذه الدولة، فهو الذى نظّم علاقتها بالخلافة العباسية فى بغداد، فلم يكن يؤدّى لها ضرائب مالية، بل كان يكتفى بإرسال بعض الهدايا، ويقال إن هديته لسنة ٢٩٢ اشتملت على ثلثمائة بعير كانت تحمل صناديق المسك والعنبر والثياب وتحفا كثيرة، وقد منحه الخليفة حقّ ذكر اسمه معه فى خطبة الجمعة وحق نقش اسمه على الدنانير. وظل ذلك تقليدا للأمراء السامانيين، وهو رمز واضح لاستقلالهم السياسى عن الخلافة، ومع ذلك كانوا يفتقرون دائما إلى عهود تولية من الخلفاء العباسيين حتى يكون حكمهم شرعيّا، وكانوا تبعا لذلك سنيين مما جعلهم دائما خصوما للشيعة.
وخلف إسماعيل ابنه أحمد (٢٩٥ - ٣٠١ هـ.) وكان شجاعا، فاستولى على سجستان، غير أن غلمانه لم يلبثوا أن قتلوه، فولى بعده ابنه نصر (٣٠١ - ٣٣٢ هـ.) ومنه اقتطع مرداويج الزّيارى طبرستان سنة ٣١٦ واتّهم باعتناقه للمذهب الإسماعيلى الشيعى، فاضطره حرسه إلى التنازل عن السلطان لابنه نوح (٣٣٢ - ٣٤٣ هـ.) وهو أول سلاطين الدولة فى هذا العصر: عصر الدول والإمارات، وكانت فيه شدة وعنف، فلما خرج عليه أخواه وعمه إبراهيم سمل عيونهم جميعا. وخلفه ابنه عبد الملك (٣٤٣ - ٣٥٠ هـ) وكان ضعيفا. وولى بعده أخوه منصور (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ.) وأرسل إليه الخليفة المطيع لله بالخلع والتقليد. وأخذ البويهيون منذ ظهورهم يقتطعون من السامانيين كثيرا من أطراف دولتهم فى إيران، فاستولوا على كرمان. غير أن خراسان ظلت فى أيدى السامانيين هى وماوراء النهر، وظل سلطانهم قويا فيها حتى عهد منصور. وكانوا يمتازون بنشر العدل والأمن فى ربوع بلادهم. ويحكى ذلك ابن حوقل قائلا: «ليس بأرض المشرق ملك أمنع جانبا، ولا أوفر عدّة، ولا أكمل عدّة، ولا أنظم أسبابا، ولا أكثر أعطية، ولا أدرّ طعاما، ولا أدوم حسن نيات من السامانيين، مع قلة جباياتهم ونزور أخرجتهم، وقلة الأموال فى خزائنهم، وذلك أن جباية خراسان وما وراء النهر لأبى صالح منصور بن نوح فى وقتنا هذا، لكل خراج يقبض وضمان يحمل فى كل ستة أشهر، عشرون ألف ألف درهم. وعليه أربعة أطعمة فى كل سنة دارّة، غير مقطوعة ولا ممنوعة، وكل طعم منها فى رأس تسعين يوما، يخرج منه إلى غلمانه وقواده ولسائر المتصرّفين خمسة آلاف ألف درهم، وتستوعب أطعمتهم نصف جباياته المذكورة، وهى عشرون ألف ألف درهم، عن نفس طيبة ومسرة ظاهرة، وغبطة بقيام المعدلة فيهم تامة. . ولهذه الحال أعمالهم مشحونة
стр. 2602
بالقضاة والجباة والكفاة والولاة منزّلين على أرزاق تتساوى، وأحوال فى المراتب تتدانى، وذلك أن رزق القاضى وصاحب البريد والعامل على جباية الأموال من البنادرة (المدن) ووالى الصلاة والمعونة وراتبهم واحد بقدر كل ناحية وحسب كل كورة، وليس ينقص بعضهم عن بعض». وهى شهادة قيمة من شاهد عيان غير متحيز، إذ كان ابن حوقل شيعيا إسماعيليا، وكان السامانيون سنيين، خصوما لشيعته، ومع ذلك يشهد لهم شهادة صدق بالعدل الذى لا تصلح حياة الرعية بدونه، كما يشهد لهم بحسن الإدارة وتنظيم الدولة وتسويتهم بين موظفيها فى الأرزاق والرواتب، مما جمعهم لهم على الإخلاص والتفانى فى خدمتهم.
وخلف منصورا ابنه نوح الثانى (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ.) وكان صغيرا لا يتجاوز عمره ثلاث عشرة سنة، وكأنما كان ذلك نذيرا بتضعضع شئون الدولة، فقد أخذ القرخانيون حكام الترك بين فرغانة وحدود الصين ينازلون السامانيين فيما وراء النهر، وكانوا قد أبلوا فى حربهم قبل ذاك طويلا، وبنوا على حدودهم معهم ربطا كثيرة، حتى إذا ولى نوح وهو غلام استفحل خطر الترك وأخذوا يكثرون من الإغارة على السامانيين، وكان عبد الملك أبوه قد ولّى ألبتكين قائد جيوشه أمر غزنة، فاستعان بمملوكه سبكتكين، ولم يلبث أن خلفه على ولايته وأدارها إدارة حسنة، فولّى نوح الثانى ابنه محمودا الغزنوى خراسان، وتوفّى نوح، واضطربت الأمور بعد وفاته، بين ابنيه منصور وعبد الملك، وعلت كفة الأخير، غير أن إيلك خان حاكم الترك القرخانيين أغار على بخارى وأخذ عبد الملك أسيرا، فخلا الجو لمحمود الغزنوى، وضم خراسان إلى ممتلكاته سنة ٣٨٩ وبذلك انتهت الدولة السامانية.
الدولة البويهيّة (١)
لما خرج فرسان الديلم وبعض قوادهم لامتلاك البلاد لم يخرجوا إلى جنوبى بحر قزوين موطنهم فقط، بل تغلغلوا فى إيران، وكان فى مقدمة من خرجوا على بن بويه وأخواه الحسن وأحمد، وعملوا أولا-كما مر بنا فى قسم العراق-مع القائد الديلمى ما كان بن كاكى، حتى إذا هزمه مرداويج الزّيارى حاكم طبرستان وجرجان تركوه إلى خصمه قائلين له-كما روى ابن مسكويه- «الأصلح لك مفارقتنا إياك لتخفّ عنك مئونتا، ويقع كلّنا (عبئنا) على غيرك، فإذا تمكنت عاودناك». ووقع على بن بويه من مرداويج موقعا حسنا
стр. 2603
فولاه على الكرج إلى الجنوب الشرقى من همذان سنة ٣٢٠ للهجرة، ولم يلبث أن استولى فى السنة التالية على أرّجان وفى تاليتها على فارس. وقتل مرداويح فى سنة ٣٢٣ فانتهز على وأخوه الحسن الفرصة واستوليا على أصفهان والرّىّ اللتين كانتا بيده. وكان أخوهما-كما مرّ بنا فى قسم العراق-قد استولى على كرمان جنوبى إيران فى سنة ٣٢٢ ومنها استولى على الأهواز سنة ٣٢٦ وتآمر معه عامل واسط على اقتحامه بغداد، وكانت تعانى من فوضى شديدة، فدخل أحمد-كما مر بنا فى قسم العراق-بغداد دون مقاومة سنة ٣٣٤ وخلع عليه الخليفة المستكفى ولقبه معزّ الدولة، ولقّب أخاه عليا صاحب فارس عماد الدولة ولقّب أخاهما الحسن صاحب بلدان الجبل والرى ركن الدولة.
وبذلك أصبح الشطر الأكبر من إيران والعراق فى قبضة البويهيين، وأخذوا يزعمون أنهم من سلالة الملوك الساسانيين، ويذكر البيرونى أنهم انتسبوا إلى الملك الساسانى بهرام جور، بينما ينسبهم ابن الجوزى فى كتابه المنتظم إلى سابور بن أردشير. ويروى أن بويه أباهم كان صيّادا بائسا على بحر قزوين لا يكاد يجد ما يتبلّغ به. ويغلب أن يكون هذا النسب الشريف صنعه لهم بعض المتملقين من المؤرخين إرضاء لهم. وبلغ الإخوة الثلاثة من السلطان مبلغا عظيما، حتى كانت السّكّة تضرب بأسمائهم، وحتى كانت أسماؤهم تذكر مع الخليفة فى خطبة الجمعة.
وكانوا شيعة ويذهب ابن حسول إلى أنهم كانوا يعتنقون المذهب الزيدى (١)، ولعله تأثر فى هذا الحكم بأن أصلهم من الديلم وكان المذهب الزيدى قد شاع هناك منذ خروج الحسن بن زيد فى أواسط القرن الثالث بتلك الديار، ونمىّ المذهب بعده هناك أخوه محمد، ثم الحسن الأطروش. والحق أن البويهيين كانوا إمامية اثنى عشرية على نحو ما سنوضح ذلك فى حديثنا عن التشيع ويقال إن معز الدولة فكر فى نقل الخلافة إلى العلويين، فخوّفه بعض أصحابه مغبة ذلك قائلا له: «متى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لفعلوه» فانصرف عما كان عزم عليه. وظل الخلفاء العباسيون فى يده وأيدى البويهيين بعده كأنهم أسرى.
وكانت رياسة البيت البويهى للأخ الأكبر عماد الدولة، فلما توفى سنة ٣٣٨ للهجرة ولم يترك عقبا انتقلت الرياسة إلى أخيه ركن الدولة، كما انتقلت إليه ولاية عماد الدولة على فارس، وجعلها ركن الدولة لابنه عضد الدولة، حتى إذا حانت وفاته سنة ٣٦٥ قسم
стр. 2604
ملكه بين أولاده، فجعل-كما مرّ بنا فى قسم العراق-لعضد الدولة أقاليم فارس وكرمان وأرّجان ولأخيه مؤيد الدولة الرىّ وأصفهان ولأخيهما فخر الدولة همذان والدّينور. وجعل لعضد الدولة الرياسة على أخويه، وصدعا لأمره، فكانا لا يجلسان فى حضرته ويقبّلان الأرض بين يديه على عادة الديالمة، ويخدمانه بالريحان. ولم تلبث الأمور أن فسدت بين عضد الدولة وبين ابن عمه بختيار بن معز الدولة صاحب بغداد والعراق، ونشبت بينهما الحرب وسقط فى ميادينها بختيار، فاستولى عضد الدولة على بغداد سنة ٣٦٧. ووضع فى سنة ٣٧١ أخوه فخر الدولة يده فى يد قابوس بن وشمكير صاحب طبرستان ضده، فوجه إليهما أخاه مؤيد الدولة فاستولى على بلادهما.
ومرّ بنا فى قسم العراق أن عضد الدولة المتوفى سنة ٣٧٢ أعظم الحكام البويهيين، فقد اتسعت دولته حتى شملت كرمان وإقليم فارس والأهواز وبغداد والعراق وطبرستان، وأنه أول من خوطب بالملك شاهنشاه (ملك الملوك) فى الإسلام. وبلغ من شعوره بأمجاده واعتداده بنفسه أن فكر يوما فى أن يتقلد خلافة المسلمين، فقد ذكر ابن حزم فى كتابه «نقط العروس فى تواريخ الخلفاء» أنه أمر لذلك الحسن بن على البصرى المعروف باسم الجعل أن يؤلف كتابا فى تقليد الخلافة فى غير قريش أملا منه فى أن يتسمّى بها، وألّف الجعل الكتاب، وانتشر الخبر إلى خراسان، فصاح الناس فى مجالس الفقهاء:
واإسلاماه! وا محمداه! . وبلغ ذلك عضد الدولة، فخشى الثورة عليه، وسمّ الجعل، وقنع الناس بموته وسكن الأمر (١). وكانت فيه قسوة شديدة جعلت قائده المطهر بن عبد الله يقتل نفسه حين هزمه بعض الثوار خوفا ورعبا، وبلغ من قسوته أنه خشى على ملكه من تدلهه بفتاة، فأمر بتغريقها فى غير شفقة ولا رحمة. وكان يضبط أمور دولته ضبطا دقيقا، فطهّر الطرق من اللصوص-كما مرّ بنا فى قسم العراق-ورفع الجباية عن قوافل الحجاج، واحتفر لهم الآبار فى الطريق إلى الحرمين، وبنى كثيرا من المساجد الجامعة فى مملكته وعنى بالعمران وزرع البساتين عناية واسعة.
ويتوفى ويخلفه-كما مر بنا فى قسم العراق-ابنه صمصام الدولة، وتتوالى الأحداث، فيتوفى سنة ٣٧٣ مؤيد الدولة دون عقب، فيستدعى وزيره الصاحب بن عباد أخاه فخر الدولة من نيسابور، ويسلمه أمور الجبل وطبرستان وكل مقاليد دولة مؤيد الدولة وبلاده. ويخرج فى سنة ٣٧٦ على صمصام الدولة أخوه شرف الدولة، ويصبح له الأمر
стр. 2605
من دونه حتى يتوفى سنة ٣٧٩ فيخلفه أخوه أبو نصر الملقب ببهاء الدولة وضياء الملة (٣٧٩ - ٤٠٣ هـ.). وكان البويهيون يستكثرون من الألقاب، ولم يكتفوا بتلقيب أنفسهم، فقد أكثروا من تلقيب وزرائهم بمثل كافى الكفاة وأوحد الكفاة إلى غير ذلك.
ومعروف أن السامانيين لم يكونوا يعنون بتلقيب أنفسهم، ولكننهم تفنّنوا فى تلقيب قواد جيوشهم. وبلغ من شيوع ذلك بين حكام إيران أن نجد بغراخان التركى حين يثور على الدولة فى سنة ٣٨٢ يلقب نفسه شهاب الدولة.
وكان بهاء الدولة-كما مر بنا فى قسم العراق-ظالما سفاكا للدماء، وهو أقبح ملوك بنى بويه سيرة، وولى بعده ابنه سلطان الدولة (٤٠٣ - ٤١٥ هـ.) وانتزع الملك منه أخوه مشرف الدولة صاحب كرمان إلى أن توفى سنة ٤١٦ فخلفه أخوه جلال الدولة (٤١٦ - ٤٣٥ هـ.) ولا يلبث محمود الغزنوى أن يستولى من يد مجد الدولة بن فخر الدولة على الرىّ وأصفهان وبلاد الجبل. وتعظم الفوضى فى عهد جلال الدولة، ويخلفه أبو كاليجار محيى الدولة (٤٣٥ - ٤٤٠ هـ.) ويعظم فى عصره شأن السلاجقة، ويستولون على كثير من إيران، ويتوفى أبو كاليجار غمّا، ويخلفه الملك الرّحيم، ويدخل طغرلبك بغداد سنة ٤٤٧ للهجرة، كما مرّ بنا فى قسم العراق، وبذلك يتقوّض سلطان البويهيين فى العراق وإيران نهائيا.
الدولة الزّياريّة (١)
زعم البيرونى فى كتابه الآثار الباقية أن هذه الدولة تنسب إلى الملك الساسانى قباذ الذى حكم من سنة ٤٤٨ إلى سنة ٥٣١ للميلاد، وسواء أكان هذا النسب صحيحا أو غير صحيح، فإنها ترجع إلى أصل إيرانى، وكان مؤسسها مرداويج بن زيار الديلمى (٣١٦ - ٣٢٣ هـ) أحد قواد الجبل الذين ظهروا فى شمالى إيران لذلك العهد، وقد انتظم فى سلك القواد الذين عملوا تحت لواء أسفار بن شيرويه الديلمى المتغلب على قزوين وديارها، ولم يلبث أن وثب على أسفار وقتله، وملك البلاد، مؤسسا لأسرته إمارة فى طبرستان وجرجان جنوبى بحر قزوين أو كما يسمى بحر الخزر، ومدّ أطراف إمارته
стр. 2606
جنوبا وغربا، حتى الرىّ وأصفهان وهمذان وأرمينية وأذربيجان وخوزستان، واتخذ أصفهان حاضرة لإمارته، وكان فيه عتو شديد، وكان شعوبيا شديد الكراهية للعروبة، فزعم-فيما زعم-أنه سيستعيد مجد دولة العجم ويبطل دولة العرب فلا تقوم لها قائمة، ووعد شيعته بالمسير إلى بغداد والقبض على الخليفة وتوليتهم ديار الإسلام ومدنه.
وسأل عن تيجان الفرس فمثّلت له هيئتها، فاختار هيئة تاج كسرى أنوشروان، وأمر بأن يصنع له على مثاله تاج من الذهب محلّى بالجواهر، وصنع له عرش من الذهب مرصع بالحجارة الكريمة. وكان يبطن المجوسية، ولعله من أجل ذلك كان يحتفل بأعيادها احتفالات عظيمة، واشتهر احتفال له بعيد ليلة الوقود المسمى بعيد السّذق، وفيها كانوا يوقدون نارا كثيرة، وقد أمر فى تلك الليلة بأن تجمع الأحطاب من أنحاء إمارته إلى حاضرته أصفهان، ونصبها على التلال والجبال حولها وأشعلها وأشعل معها شموعا عظيمة اتّخذت لها تماثيل وأساطين ضخمة. وتمادى فى بغيه وعتوه تماديا شديدا، حتى أوغر صدور بعض غلمانه، ففتكوا به فى الحمام سنة ٣٢٣ للهجرة، ونهبوا خزائنه وأمواله.
ويقال إن الديلم حزنوا عليه حزنا شديدا، جعلهم يمشون حفاة أربعة فراسخ وراء تابوته.
ومرّ بنا فى حديثنا عن الدولة البويهية أن قائده على بن بويه استولى عقب وفاته على أصبهان والرى وأن بلدانا كثيرة أخذت تسقط فى يده ويد أخويه إلا ما كان من طبرستان وجرجان، فإنهما ظلتا فى يد خلفاء مرداويج الزياريين، وقد خلفه أخوه وشمكير (٣٢٣ - ٣٥٦ هـ.) ويقال إنه ركب فرسا وشبّ وهو غافل عنه، فسقط ميتا. وخلفه ابنه قابوس (٣٥٦ - ٤٠٣ هـ.) وكان كاتبا وشاعرا، ومازال البويهيون يغيرون عليه حتى فرّ من إمارته عام ٣٧١ إلى السامانيين، وعاش عندهم مكرّما حتى عام ٣٨٨ وفيه استرد ملكه. ويقال إنه عتا وبغى، واشتد بغيه وعتوه، فأجمعت حاشيته على خلعه، واضطرت ابنه منوجهر (٤٠٣ - ٤٢٦ هـ.) أن ينزل على إرادتها، وحبس قابوس فى إحدى القلاع حتى مات من شدة البرد. وظل منوجهر يرسل بالأموال إلى محمود الغزنوى استرضاء له، وطلبه سنة ٤٢٠ فأوغل فى البلاد متحصنا منه بجبال وعرة، وتركه محمود ولم يلبث أن توفى فخلفه ابنه أنو شروان (٤٢٦ - ٤٣٠ هـ.) ومن يده استولى مسعود بن محمود الغزنوى على الإمارة، كأن لم تكن شيئا مذكورا.
стр. 2607
الدولة الغزنوية (١)
كانت الدولة السامانية تستعين فى جيوشها بكثير من الترك وبذلك هيأت لهم-كما هيأ العباسيون من قبل-أن يصبح كثير من الوظائف المدنية بأيديهم، وأن يصلوا إلى رتب القيادة فى الجيش، وأن يقوّضوها نهائيا بحيث تصبح أثرا بعد عين. وكان من أثار ذلك قيام الدولة الغزنوية، فإن عبد الملك بن نوح السامانى (٣٤٣ - ٣٥٠ هـ.) كان قد عيّن مملوكه التركى: ألبتكين قائدا عاما، حتى إذا توفى عبد الملك مضى إلى غزنة بأفغانستان، وأعلن نفسه أميرا عليها، وعاجلته المنية، فخلفه ابنه إسحق، غير أنه لم يلبث أن توفى فقام عليها مملوك أبيه سبكتكين (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ.) وهو المؤسس الأول للدولة الغزنوية، وقد بدأ أعماله بالاستيلاء على مدينة بست فى أفغانستان بمنطقة سجستان القديمة، وغنم فيما غنم منها الكاتب الفذّ أبا الفتح البستى، وكان يكتب لأميرها المغلوب، فأصبح كاتبا للدولة الجديدة. وأخذ سبكتكين يغزو الهند. وسقط كثير من قلاعها فى يده. وجرّد حملتين كبيرتين لحرب ملك البنجاب المسمى جيبال، وأرغمه على الطاعة والصلح على أموال طائلة، وأن يتخلّى له عن إقليم كابل فى شرقى أفغانستان، وكان يشرف على الطرق المؤدية إلى السهل الهندى الخصيب. واستغاث به نوح بن منصور فى سنة ٣٨٤ ضد الثائرين عليه، فنكّل بهم، مما جعله يلقّبه بناصر الدولة، ويولى ابنه محمودا على خراسان ويلقبه بسيف الدولة.
وتوفى سبكتكين، فخلفه ابنه إسماعيل بعهد منه، وكان ضعيفا، فطلب إليه أخوه محمود أن يتنازل له عن الحكم لتلك الدولة المترامية الأطراف، وكان محمود لا يزال واليا للسامانيين على خراسان، وأبى إسماعيل ذلك إباء شديدا، فسار محمود على رأس جيش إلى غزنه وهزم أخاه واضطره إلى إعلان تنازله. ومحمود الغزنوى (٣٨٧ - ٤٢١ هـ.) أكبر أمراء هذه الدولة وأبعدهم صيتا لمدّه أطنابها شرقا وغربا وشمالا، ولنهضته بالعلوم والآداب فى عصره نهضة واسعة. وكان مثل أبيه وأسرته والأتراك جميعا سنّيّا، ولعل ذلك ما جعله يضطهد الشيعة، وخاصة الغلاة منهم، واضطهد أيضا المعتزلة لأنه كان
стр. 2608
على مذهب أهل السنة (١). وكان الأمير منصور بن نوح الثانى السامانى قد انتهز فرصة مبارحته لخراسان لحرب أخيه، فولىّ عليها أحد أتباعه، وتطورت الأمور، كما مرّ بنا فى حديثنا عن السامانيين، بسقوطهم واستيلاء محمود على ديارهم، واعترف محمود اعترافا كاملا بالسلطة الروحية للخليفة العباسى، مما جعله يخلع عليه لقب: «يمين الدولة وأمين الملة». ويذهب براون إلى أنه لقب نفسه بلقب «ظل الله فى أرضه» وكان يتلقب بلقب السلطان وهو أول من تلقب بهذا اللقب فى الإسلام. واتسع سلطانه حتى شمل إمارة خوارزم الصغيرة والكرج (جورجيا) وما وراء النهر وايران الوسطى والشرقية غير مبق للبويهيين سوى كرمان وفارس.
ويشتهر محمود بكثرة حروبه وفتوحه فى الهند وتمكينه للدين الحنيف فى ديارها. وهو يعدّ فاتحها الحقيقى، أما فتح محمد بن القاسم الثقفى لها فى عهد الوليد بن عبد الملك فيعدّ غزوا أكثر منه فتحا حقيقيا، ومما فتحه فى الهند الملتان وكشمير والبنجاب.
وكان يبتغى بفتوحه هناك نشر الإسلام وإعلاء كلمة الله لا طلب المغانم، كما يزعم بعض المستشرقين. واستغل أموال هذه الفتوح الطائلة فى عمارة غزنة ومدن سلطنته وبناء المساجد الفخمة وفى إحداث نهضة كبيرة علمية وأدبية، وفيه يقول الفردوسى مصورا استئثاره بقلوب شعبه وعظمة شأنه وملكه: «عند ما يفطم الصبى ويتوقف جريان لبن أمه على شفتيه يكون أول ما ينطق به ويجرى على الشفتين لفظ محمود. إنه كالفيل بجسده ومثل جبريل بروحه، أما كفه فمزن هاطل، وأما قلبه فنهر النيل بخيراته. إنه السلطان والملك الكبير الشان، الذى جعل الشاة تنهل مع الذئب من حوض واحد فى أمان».
وعهد محمود من بعده لابنه محمد. وكان ابنه الأكبر مسعود غائبا بأصفهان، فأحفظه هذا العهد بعد وفاة أبيه، واشتبك مع أخيه فى حروب كتب له فيها النصر، وأصبح هو صاحب الدولة (٤٢١ - ٤٣٢ هـ.) وفتح-كما مر بنا-جرجان وطبرستان، وقضى على الدولة الزيارية. وكانت أمواج السلاجقة بدأت فى مدّها، ولم يستطع وقفها، فقد هزم أمامها فى عام ٤٣١ مما جعل رجال الدولة يعزلونه ويولون أخاه محمدا مكانه ثانية، وسرعان ما قتلوه وولوا مسعودا مكانه، وقتلوه بدوره، وولوا مكانه ابنه مودودا. ولم تمض سوى ثلاث سنوات حتى هزمه فى إثرها السلاجقة بخراسان هزيمة ساحقة فتركها لهم ولقائدهم «طغرلبك». وأخذ نجم هذه الدولة فى الأفول، فانسحب سلاطينها من إيران مكتفين بغزنة وبما وراءها من ديار الهند، ومن أهمهم إبراهيم المتوفى سنة ٤٩٣ وكان حازما
стр. 2609
عادلا بعيد الهمة، وخلفه ابنه مسعود الثالث (٤٩٣ - ٥٠٨ هـ.) وتولى بعده ثلاثة من أولاده متعاقبين هم شيرزاد المتوفى سنة ٥٠٩ وأرسلان المتوفى سنة ٥١٢ وبهرامشاه (٥١٢ - ٥٤٧ هـ.) واضطره السلطان السلجوقى سنجر سنة ٥٣٠ إلى الدخول فى طاعته، ودفع إتاوة له صاغرا. وفى سنة ٥٤٢ رأى بهرامشاه بسوء تدبيره أن يقتل صهره الأمير الغورى قطب الدين محمد، وكان ذلك نذير شؤم باندلاع الحروب بين الغوريين والدولة الغزنوية، ومازالوا يعصفون بهم حتى اضطروهم فى سنة ٥٥٧ إلى الانسحاب نهائيا إلى عاصمتهم فى الهند «لاهور» وتعقبوهم هناك حتى قضوا عليهم بتلك الديار سنة ٥٨٢ للهجرة.
٢ - دول متعاقبة
انتهى حوالى منتصف القرن الخامس للهجرة عصر الدول المتقابلة فى إيران التى كانت تتوزعها فيما بينها والتى كثيرا ما تحاربت وعاشت فى خصام، وقد أخذت تحل محلها دول متعاقبة، كانت كل منها تجمع شمل إيران وتنشر على بلدانها لواء واحدا، وكان لكل دولة من هذه الدول عصرها التاريخى، وجدير بنا أن نلم بها فى إيجاز.
دولة السلاجقة (١)
السلاجقة طائفة من قبائل الترك المعروفين باسم الأوغوز، ويسميهم مؤرخو العرب الغزّ تخفيفا، ونرى اسمهم يتردد بين هؤلاء المؤرخين منذ أواخر القرن الرابع الهجرى، وهم ينسبون إلى رئيسهم سلجوق وقد نزل بهم قريبا من بحر الخزر (بحر قزوين) فى الهضاب المتصلة بنهرى سيحون وجيحون متخذا مدينة «جند» حاضرة له. وأخذت بعض جموعه تنزل فيما وراء النهر وتمتد إلى القرب من بخارى فى خراسان. وكانوا يعتنقون المذهب السنى، وكانوا بدوا فاعتمدوا على الوزراء فى حكمهم، وأخذ شأنهم يعظم، مما جعل محمودا الغزنوى يتنبه لهم، خوفا من استيلائهم على بعض دياره فى خراسان. وكان سلجوق قد توفى وخلفه ابنه إسراءيل، فكاتبه محمود وزين له أن يقدم عليه، وما كاد يلقاه حتى قبض عليه وزجّ به فى غياهب السجون، وظل سجينا بإحدى قلاع الهند حتى
стр. 2610
توفى سنة ٤٢٢. وكان محمود قد توفى قبله، وصمم السلاجقة بقيادة طغرلبك على الانتقام، فاشتبكوا مع مسعود الغزنوى فى سلسلة حروب انتهت باستيلائهم على خراسان فى سنة ٤٢٩ وحاول مسعود أن يسترجعها، ولكنه هزم هزائم متوالية فى السنتين التاليتين، وأعلن طغرلبك نفسه ملكا على البلاد، كما مرّ فى قسم العراق. ومضى يستولى على ما كان بيد الغزنويين من إيران الوسطى والجنوبية، واستولى على طبرستان وجرجان وبلاد الجبل.
واعترف الخليفة «القائم بأمر الله» بتلك الدولة السنية الناشئة وأمر بأن يذكر اسم طغرلبك فى الخطبة وأن يضرب اسمه على النقود. وقضى طغرلبك على البويهيين نهائيا-كما مر بنا فى قسم العراق-ودخل بغداد فى سنة ٤٤٧ فى موكب رسمى، وأجلسه الخليفة معه على العرش-كما مر بنا-وخلع عليه الخلع السنية وكان يقوم بالترجمة بينهما وزير طغرلبك محمد بن منصور الكندرىّ. واتخذ طغرلبك مدينة الرىّ حاضرة له، وولى على البلدان إخوته وأبناءهم، ودانت له العراق كما دانت له إيران، وكان وزيره الكندرى هو الذى يصرّف الأمور فى دولته الواسعة وكان أدبيا شاعرا، وكان يظهر التسنن غير أنه كان فى حقيقته معتزليا.
وتوفى طغرلبك سنة ٤٥٥ وخلفه-كما مر بنا فى قسم العراق-ابن أخيه «ألب أرسلان» وكان له أخ يسمى سليمان، حاول الوزير الكندرى أن ينصبه على العرش من دونه، فلما استولى ألب أرسلان على صولجان السلطنة قبض على الكندرى، وأرسل به إلى مرو، واستبقاه بها سنة ثم أمر بقتله. وكان ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥ هـ.) بطلا مغوار قضى على كل من ثاروا عليه، سواء فى هراة أو فيما وراء النهر أو فى فارس وكرمان.
وخضد شوكة الفاطميين مستوليا منهم على حلب ودمشق ومكة والمدينة. وأعد الروم له جيشا كثيفا قوامه مائتا ألف رجل يتقدمهم الإمبراطور البيزنطى «ديوجينس رومانوس» فأسرع إليهم فى خمسة عشر ألفا من صفوة جنوده، والتقى بهم بالقرب من مدينة خلاط فى أرمينية، وعصفت جنوده-كما مرّ بنا فى قسم العراق-بهذا الجيش الضخم منزلة به هزيمة ساحقة، استسلم على إثرها الإمبراطور خاسئا ذليلا، ونزل على الشروط التى طلبها ألب أرسلان ومنها أداء مليون دينار فدية لنفسه وعقد معاهدة لمدة خمسين عاما يتعهد فيها الإمبراطور أن تكون جيوشه على استعداد دائم لمعونة ألب أرسلان وأن يحرّر جميع أسرى المسلمين. وبينما كان يحارب الترك عند نهر جيحون منزلا بهم هزائم متوالية وافاه القدر. وكان يدّبر له هذه السلطنة المترامية الأطراف وزيره نظام الملك، وكان من أعظم رجال الإدارة والسياسة، وكان عدوا للرافضة والإسماعيلية سنى العقيدة، واشتهر-كما مرّ
стр. 2611
بنا فى قسم العراق-بتأسيسه للمدرسة النظامية ببغداد التى أحدثت بها نهضة علمية واسعة، وأسس على غرارها مدارس اشتهرت باسمها فى أصفهان ومرو ونيسابور وبلخ وهراة وطبرستان، وعمل على تشجيع الشعراء والأدباء وألغى كثيرا من الضرائب التى كانت ترهق الشعب، وكان أشعريا شافعيا، فازدهر المذهبان الشافعى والأشعرى لعهده.
وخلف ألب أرسلان-كما مرّ فى قسم العراق-ابنه ملكشاه (٤٦٥ - ٤٨٥ هـ) وكان فى الثامنة عشرة من عمره فأدار له دولته الوزير نظام الملك إدارة حسنة، وكان ملكشاه يعجب بأصفهان ويقيم فيها أكثر أيامه، وخرج عليه بعض أقربائه، ولكنه انتصر عليهم جميعا. وأمر فى سنة ٤٦٧ ببناء المرصد العظيم الذى وضع فيه عمر الخيام وجماعة من العلماء التقويم الجلالى ويرجع تاريخه إلى عيد النّيروز فى سنة ٤٧٢. وكانت جيوشه ماتنى غادية رائحة، واستولت على كثير من مدن ما وراء النهر وفى مقدمتها سمرقند، وبلغ من خوف إمبراطور بيزنطة منه أن أرسل إليه وهو فى مدينة «كاشغر» النائية الجزية المفروضة على بلاده. ومما يدل على ما وصلت إليه إمبراطوريته الواسعة من علو الشأن أن أصحاب السفن الصغيرة الذين عبروا به وبجيشه إلى الضفة المقابلة لهم من نهر جيجون أخذوا أجرتهم صكوكا تدفع لهم فى أنطاكية بديار الشام حتى يروا مدى اتساع السلطنة. ويقال إنه ركب جواده على شاطئ اللاذقية، وخاض به البحر شاكرا ربّه على ما أنعم به عليه من هذا الملك الواسع الذى امتدّ من بلاد التتار والصّين إلى ديار الشام على البحر المتوسط، وعنى بحفر الآبار فى طريق الحجاج وتخفيف الضرائب عنهم. ودسّ خصوم نظام الملك له عنده، فأعفاه من الوزارة، ولم تلبث أن امتدت إليه يد أحد الإسماعيليين أعدائه فى الظلام، فطعنته طعنة نجلاء كانت سببا فى وفاته سنة ٤٨٥ ولم يلبث ملكشاه أن توفى بعده بشهر واحد. وبذلك ينتهى-كما مرّ بنا فى قسم العراق-عهد السلاحقة العظام.
وقام بالسلطنة بعد ملكشاه ابنه بركياروق أكبر أولاده (٤٨٥ - ٤٩٨ هـ.) ولقّب بركن الدولة، وخالفه عمه تتش صاحب دمشق وأخوه محمد صاحب أذربيجان، وله معهما وقائع كتب له فيها النصر، وكان يتعقب الباطنية الإسماعيلية-كما أسلفنا فى قسم العراق-وقتل منهم فى بعض السنوات مئات، وخلفه أخوه محمد (٤٩٨ - ٥١١ هـ.) ومضى مثله يتعقب الإسماعيلية ويستولى على حصونهم، وتولى السلطنة بعده ابنه محمود (٥١١ - ٥٢٥ هـ.) وكان شديد الحمق، فحارب عمه سنجر أمير خراسان المغوار ودارت عليه الدوائر، غير أن عمه عفا عنه وولاه العراق. وامتد حكم سنجر أربعين سنة (٥١٣ - ٥٥١ هـ.) واستقل عنه فى سنة ٥٣٥ ملك خوارزم أتسز. وحاربه الترك فى سنة
стр. 2612
٥٣٦ واستولوا منه على مرو ونيسابور وسرخس، وحاربه الغزّ فى سنة ٥٤٨ وأسروه، وظل فى أيديهم إلى أن هرب سنة ٥٥١ ولم يلبث أن قضى نحبه. واشتهر فى هذه الدولة أربعة من سلاجقة كرمان هم تورانشاه المتوفى سنة ٤٩١ وابنه إيرانشاه المتوفى سنة ٤٩٥ وأرسلانشاه المتوفى سنة ٥٣٧ وابنه مغيث الدين محمد المتوفى سنة ٥٥١ وقد تجزأت الإمبراطورية السلجوقية فى سرعة شديدة، حتى فقد الأمراء سلطانهم، وحتى استبدّ بهم فى كل بلد نوابهم المسمون باسم الأتابكة.
الدولة الخوارزمية (١)
مؤسس هذه الدولة أحد مماليك السلطان ملكشاه، وهو أنوشتكين، حين جعله هذا السلطان واليا على خوارزم سنة ٤٧٠ فأسس بها دولة ملوك خوارزم أو خوارزمشاه، واستطاع خلفاؤه أن يتخلصوا من كل صلة تربطهم بالسلاجقة، ومن أهم ملوكهم أتسز (٥٢١ - ٥٥١ هـ.) وله وقائع مع سنجر السلجوقى، وتمكن أحيانا من الاستيلاء على مرو ونيسابور، ويقترن باسمه كاتبه المشهور رشيد الدين الوطواط. وقد تمكن من جاءوا بعده من القضاء على سلطان السلاجقة فى إيران وفرض سيطرتهم عليها، وخاصة الأجزاء الشمالية، وكان آخرهم جلال الدين منكبرتى الذى صمد صمودا باهرا للغزو التتارى من سنة ٦١٧ إلى سنة ٦٢٩ حين استسلم ولكن بعد نضال عظيم.
الدولة المغولية
المغول قبائل رحل كانت تنزل فى قلب آسيا على حدود الصين فى الإقليم المسمى منغوليا، وكانت تعيش على الرعى والصيد، واستطاع جنكزخان أن يجمع شمل هذه القبائل ويفتح بها بلاد الصين-كما مر فى القسم الخاص بالعراق-ثم يغير بها على مملكة خوارزم ويقوّض هذه المملكة، كما أغار بها على خراسان، وامتدت سيولها تجرف كل ما أمامها حتى الرّىّ وهمذان، منزلة فظائع وحشية، وبحقّ يقول ابن الأثير فى حوادث سنة ٦١٧ إن فتوح التتار فى بلاد الإسلام أعظم مصيبة حلّت بالعالم. وامتدت أيام جنكز خان فى إيران
стр. 2613
من سنة ٦١٦ إلى سنة ٦٢٥ وهى السنة التى قضى نحبه فيها بالصين بعد أن حكم المغول اثنين وعشرين عاما. واجتمع أمراء المغول بعد وفاته من البلاد الشاسعة التى افتتحوها فى الصين وما وراء النهر وخراسان وإيران وخوارزم، واتفقوا جميعا على أن يتولى بعده ابنه أوكدى (أوكتاى) (٦٢٥ - ٦٣٩ هـ). واتخذ عاصمة له قراقورم وأخضع لحكمه-كما مرّ بنا فى قسم العراق-أوربا الشرقية: روسيا وبولندا، ونكلت جيوشه بالناس فيهما تنكيلا شديدا على نحو ما نكلت جيوش أبيه بالإيرانيين والصينيين، ويقال إن آذان ضحاياه فى بولنده بلغت مائتين وسبعين ألفا. وحين توفى خلفه ابنه كيوك وظل يدير هذه الدولة المترامية الأطراف حتى وفاته سنة ٦٤٦ وخلفه ابن عمه منكو سنة ٦٤٩ فأرسل أخاه هولاكو إلى إيران فعمل على الاستقلال بها مع تبعيته لأخيه هو وأبنائه، وأخذ يوطد حكمه بها منذ سنة ٦٥٤ بادئا باستنزال الإسماعيلية الملقّبين بالحشاشين من معاقلهم فى «ألموت» وغيرها والقضاء عليهم قضاء نهائيا. ولم يلبث أن أرسل إنذارا إلى الخليفة «المستعصم بالله» أن يسلم نفسه إليه ويعطيه مفاتيح مدينة بغداد. وتقدم إليها فى سنة ٦٥٦ فاكتسحها كما مر بنا فى الحديث عن العراق، بعد حصار دام نحو شهر وقتل فيه هو وجنوده-كما يقول المؤرخون-نحو مليون من سكانها، وقتلوا الخليفة وأكثر أهله-كما مر بنا فى قسم العراق- وحرقوا قصوره، ونهبت البلدة وما كان بها من الكتب، وكان ذلك إيذانا بدمار الحركة العلمية فيها وأفول نجمها.
الدلة المغولية (١) الإيلخانية
اتخذ هولاكو لقب إيل خان (تابع الخان) وهو اللقب الذى ورثه عنه خلفاؤه من بيته على إيران والعراق مما جعل دولتهم فيهما-تسمى دولة الإيلخانيين، وأرسل فى سنة ٦٥٨ جيشا كثيفا للاستيلاء على سوريا ومصر-كما مر بنا فى قسم العراق-واستولى على أكثر البلاد السورية، غير أن جيش مصر الباسل بقيادة قطز والظاهر بيبرس تصدى للمغول فى عين جالوت بفلسطين وهزمهم هزيمة ساحقة، وتعقبهم فى سوريا حتى ردهم عنها إلى العراق وما وراءه. وتوفى هولاكو فى عام ٦٦٤ للهجرة، فخلفه ابنه أبغا (٦٦٦ - ٦٨٠ هـ.) وقد وجه إلى سوريا حملات باءت كلها بالإخفاق الذريع أمام الجيوش المصرية، إذ كانت دائما تنزل بها ضربات قاصمة. وأخذت من حينئذ تنفصم الصلات التى كانت تربط الإيلخانيين فى إيران بأباطرة المغول فى (قراقورم). وبموت أبغا ينتهى العهد الوثنى للمغول
стр. 2614
وحكامهم فإن خلفه بوكدار أخاه اعتنق الدين الحنيف، ولم يمض فى الحكم سوى عام واحد، إذ قتلته يد آثمة. وولى بعده أخوه أرغون (٦٨١ - ٦٩٢) وفى عهده حظى المسيحيون النسطوريون بعطف واسع، وخلفه أخوه كيختو لمدة سنتين، ثم بيدو وقتل سريعا.
وولى بعده-كما مرّ فى قسم العراق-غازان (٦٩٣ - ٧٠٣) الذى أتاح لدولة الإيلخانيين فى إيران والعراق عهدا ذهبيا عظيما، إذ اعتنق الإسلام وعمل على نشره بين المغول نشرا واسعا، وعنى بأن تصبح تبريز عاصمته من أجمل المدن الإسلامية، وقد بنى فيها رباطا وبيمارستانا ومدارس دينية ومرصدا كبيرا ومكتبة فخمة، وأقام لأصحاب العلوم والفنون ضاحية مؤلفة من ثلاثين ألف بيت لعلماء الدين والفقهاء والمحدثين والقراء والأساتذة والطلاب. وخلفه أخوه خدابندا سنة ٧٠٣ واهتم مثله بنهضة العلوم والفنون، واتخذ عاصمة له مدينة بناها بالقرب من قزوين سماها السلطانية، واحتفل فى بنائها والاهتمام بها احتفالا واسعا. وتوفى سنة ٧١٦ وتولى بعده ابنه بوسعيد حتى سنة ٧٣٦ للهجرة، وكان فى الثانية عشرة من عمره، فلم يستطع ضبط البلاد، وأخذ أبناء عمومته يتناحرون على الولايات والبلدان، وكونوا دويلات صغيرة، كان من أقواها الدولة المظفرية فى كرمان التى استطاعت أن تبسط نفوذها على فارس والجزء الجنوبى من إيران. وتظل البلاد فى فوضى نحو نصف قرن من الزمان، إلى أن يغزو تيمور لنك إيران والبلاد العربية.
الدولة المغولية التيمورية (١) وما تلاها من الدول
مؤسس هذه الدولة تيمورلنك المولود-كما مر فى قسم العراق-فى كش من أعمال ما وراء النهر بالقرب من سمرقند سنة ٧٣٦ للهجرة، وهو من سلالة جنكز خان، كان أبوه واليا لكش ونواحيها، واستطاع تيمور لنك بذكائه وشجاعته أن يستميل حكام ما وراء النهر، فيقربوه منهم ويستوزروه فى بعض الأحيان. ومازال يعمل على أن يجمع زمام السلطة فى يده-كما مر فى قسم العراق-حتى غدا الحاكم الوحيد لإقليم ماوراء النهر جميعه سنة ٧٧١ للهجرة، ومدّ سلطانه إلى خراسان فى سنة ٧٨٢ واستولى على مازندران وسجستان وجرجان فى سنة ٧٨٤ ولم يلبث فى سنة ٧٨٨ - كما مر فى قسم العراق-أن استولى على فارس وأذربيجان. وبدأ منذ سنة ٧٩٥ ما يعرف بحرب السنوات الخمس، فأغار على
стр. 2615
أقاليم الخزر وآسية الصغرى واستولى على الرّها وتكريت وآمد وحاصر بغداد-كما مر فى قسم العراق-سنة ٧٩٥، وسار فى سنة ٨٠١ إلى الهند وعبر نهر السند واستولى على دلهى. ثم اتجه شرقا فى سنة ٨٠٣ فاستولى على سيواس وملطية فى آسية الصغرى، ودخل ديار الشام، واستولى على حلب وحماة وحمص وبعلبك ودمشق. ولم يفكر فى متابعة حملاته إلى الجنوب حتى مصر، وكأن ذكرى هزيمة أسلافه التتار فى عين جالوت أمام المصريين كانت لا تزال ماثلة نصب عينيه، ويستولى على بغداد. ويتجه إلى آسية الصغرى فى سنة ٨٠٤ وتدور رحى حرب طاحنة بينه وبين العثمانيين بقيادة بايزيد ويهزمون هزيمة ساحقة.
ويعود تيمور لنك إلى عاصمته سمرقند سنة ٨٠٧ ويعدّ حملة كبيرة على الصين، وتسير الحملة فى وجهتها، غير أن أجله يوافيه، فيتوفّى عن واحد وسبعين عاما بعد أن حكم هذه الإمبراطورية الضخمة ستا وثلاثين سنة. وقد ملأ سمرقند بالعمائر الفخمة، وضريحه فيها آية من آيات العمارة الرائعة. وكانت فتوحاته أقل بقاء وأقصر عمرا من فتوحات جنكيز خان وخلفائه، فبمجرد أن مات رجعت سوريا وآسية الصغرى إلى حكامها الأصليين.
وتوزع ابناه: شاه رخ وميران شاه إمبراطوريته-كما مر فى قسم العراق-فكان شطرها الشرقى الشامل لإيران من نصيب شاه رخ، بينما كانت العراق وأذربيجان والقوقاز من نصيب ميران شاه. وتوفى سنة ٨١٠ فضم نصيبه شاه رخ إلى سلطانه، وكان يتخذ هراة بأفغانستان عاصمة له إلى أن توفى سنة ٨٥١ للهجرة. وخلفه ابنه ألغ بك (٨٥١ - ٨٥٣ هـ.) وكان راعيا كبيرا للفن والأدب الفارسيين. وولى بعده بو سعيد (٨٥٤ - ٨٧٤ هـ.) وكان سلطانه وطيدا فى دياره إلى حدود الهند. وأعقبه حسين بايقرا (٨٧٤ - ٩٠٢ هـ) وفى عهده أصبحت سمرقند مركزا مهما من مراكز الثقافة الإسلامية.
ولم تلبث هذه النهضة أن توقفت فإن قبيلة أوزبك التركمانية بقيادة زعيمها شيبانى قضت على التيموريين فى الشرق، وفرّ آخر حكامهم سنة ٩٠٦ إلى الهند وأسس هناك دولة المغول العظام.
وكانت قبيلة قرايوسف التركمانية قد استولت على غربى إيران، واتخذت تبريز عاصمة لها. ولم يلبث قرايوسف أن استولى على العراق سنة ٨١٣ وظل التركمان يحكمونه هو وغربى إيران كما مر بنا فى قسم العراق حتى ظهر إسماعيل الصفوى (٩٠٧ - ٩٣٠ هـ) واستولى على إيران جميعها وأسس بها دولة جديدة هى الدولة الصفوية. وفى قسم العراق حديث عنه وعن دولته أكثر تفصيلا، وكانت تمتد شرقا إلى هراة وغربا حتى شملت العراق جميعه.
وجعل دولته دولة إيرانية قومية، متخذا العقيدة الإمامية الشيعية عقيدتها الرسمية، مما دفعه هو وخلفاؤه إلى الاشتباك فى حروب متوالية مع الترك العثمانيين السنيين. وظل حكم الدولة
стр. 2616
الصفوية فى إيران نحو مائة وأربعين عاما، وخلفهم عليها الأفغانيون، وجاء فى إثرهم الأفشاريون ثم الزنديون، وخلفهم القاجاريون فى أواخر القرن الثانى عشر وظلوا نحو مائة وثلاثين عاما وفى كل هذه الحقب وخاصة منذ حكم الصفويين خمد النشاط الأدبى العربى فى إيران خمودا تاما.
٣ - المجتمع
كان يتكون المجتمع الإيرانى فى هذا العصر من ثلاث طبقات: طبقة عليا، تتضمن الأمراء الحكّام والوزراء والقادة والولاة على البلدان وكبار رجال الدولة والإقطاعيين، وطبقة وسطى تتضمن موظفى الدواوين وأوساط التجار والصناع ورجال الحسبة والقضاء، وطبقة دنيا تتضمن العامة من أصحاب الحرف ومن الزراع والخدم والرقيق، ويدخل أهل الذمة فى الطبقتين الأخيرتين بحسب أعمالهم.
وكانت الطبقة الأولى منعمة مترفة ترفا واسعا، وكان فى أعلى درجاتها الأمراء الحكام الذين دانت لهم رقاب العباد، وصبّت الأموال التى تعدّ بالملايين فى خزائنهم، وكانت مصادرها متعددة، إذ كانوا يجمعون الضرائب من الناس، ضرائب الأرض، وكان لها نظام خاص هو نظام الزكاة الإسلامى، وكان لها فى كل مدينة ديوان هو ديوان الخراج، وهو بمثابة خزانة مالية للدولة أو الإمارة، وكانت أعطيات الجند ونفقات البلدة تؤخذ منه، ويحمل ما يتبقّى إلى ديوان الخراج أو بيت المال فى حاضرة الدولة، وهناك ينفقه الأمير على الجيش وحاجات الإمارة. وما بقى منه يصبح رهن حياته المترفة فى القصر دون رقيب. وبجانب ضرائب الأرض كانت هناك ضرائب كثيرة على الصادرات وعلى بعض الواردات من الرقيق ومن عروض التجارة. ولابد أن نلاحظ كثرة الحروب فى العصر وأن إمارات بحالها كانت تكتسح أحيانا وتدخل فى سلطان هذا الحاكم البويهى مثلا أو الحاكم الغزنوى أو السامانى أو السلجوقى، وحينئذ تكتظ خزائن هذا المحارب المنتصر بالأموال الطائلة. وظل ذلك طوال العصر بل تفاقم فى عهد التتار ومن تلاهم. وكان يتبع الإمارة عادة كثير من الضّياع وكانت ثمارها جميعها تعود إلى الأمير وخزائنه. وكثرت فى تلك العصور مصادرة أموال الوزراء حين يعزلون أو يموتون، وكذلك الكتاب والعمال، فكانت أموالهم وإقطاعاتهم وضياعهم تصبح ملكا للدولة.
ولعل فى ذلك ما يوضح كيف أن الأموال فى خزائن الأمراء أو على الأقل فى خزائن
стр. 2617
بعضهم كانت تكال كيلا، وأيضا ما يوضح النصوص التى نقرؤها فى كتب التاريخ عن تركات بعض هؤلاء الأمراء وما أنفقوه أحيانا فى أعراسهم أو أعراس أبنائهم وفى بناء قصورهم، فمن ذلك ما يروى عن فخر الدولة البويهى صاحب همذان والجبل والدّينور وجرجان من أنه خلّف حين مات مليونى دينار وثمانمائة وخمسة وسبعين ألفا ومائتين وأربعة وثمانين، كما خلف من الجواهر واليواقيت واللآلئ ما قيمته ثلاثة ملايين دينار، ومن الفضة ما وزنه ثلاثة ملايين، ومن الثياب ثلاثة آلاف حمل (١). أما أخوه مؤيد الدولة فيروى أنه أنفق فى عرس زواجه من ابنة عمه معز الدولة السيدة زبيدة سبعمائة ألف دينار (٢). أموال كانت تسيل إلى خزائنه من إمارته الإيرانية فى الرّىّ وأصفهان لا يعرف لها قيمة، ولذلك يبذّرها ويتلفها حسب هواه. وعظم شأن أخيهما عضد الدولة، فخضعت لسلطانه البلاد الممتدة من بحر قزوين إلى جنوبى إيران وحتى العراق وعمان مما جعله يتلقب بشاهنشاه (ملك الملوك) لأول مرة فى الإسلام، وكان دخله-فيما يروى-ثلثمائة وخمسة وعشرين مليونا من الدراهم، وقيل بل كان اثنين وثلاثين مليونا من الدنانير ومائة ألف درهم (٣). وكان عضد الدولة بدوره ينفق الملايين على بذخه، وخير ما يصور ذلك قصره الذى بناه بشيراز، فقد رآه المقدسى بعد موته بفترة قليلة، وبهت حين رآه، وفى ذلك يقول: «بنى عضد الدولة بشيراز دارا لم أر فى شرق ولا غرب مثلها، ما دخلها عامى إلا افتتن بها، ولا عارف إلا استدل بها على نعمة الجنة وطيبها. شقّ فيها الأنهار ونصب عليها القباب، وأحاطها بالبساتين والأشجار، وحفر فيها الحياض، وجمع فيها المرافق والعدد. وسمعت رئيس الفراشين يقول: فيها ثلثمائة وستون حجرة، كان مجلسه كل يوم فى واحدة إلى الحول. . وطفت فيها ورأيت الأنهار تطّرد فى البيوت والأروقة. وأظنه بناها على ما سمع من أخبار الجنة، وبان بونا بعيدا وضلّ ضلالا مبينا» (٤).
وهذا القصر صورة من صور الترف المفرط، فالأمير لا يريد أن يجلس ببيته فى حجرة مهيّأة لجلوسه كل يوم، بل يريد أن تتغير، بحيث لا يعود إليها إلا فى عام تال، وكأن الحجر فى القصر أصبحت كأزيائه، فهو يبدّلها كل يوم، وطبعا لا يهمه الشعب الكادح وراء هذا القصر ولا تهمه مصالحه، وإن كان عضد الدولة قد اشتهر بضبطه الأمن والنظام فى ربوع إمارته الواسعة، كما اشتهر بعنايته بالثقافة والعلم والعلماء، ولكن لا شك أنه كان
стр. 2618
يغرق نفسه فى الترف والنعيم.
وعلى شاكلة هؤلاء الأمراء البويهيين كان الأمراء السامانيون والزياريون، فقد كان الأمير دائما يعدّ الإمارة ضيعة له، ولعل أميرا لم يحز من الأموال ما حازه محمود الغزنوى من غنائمه فى الهند، فقد ظل ينازل الهنود مدة أربع وعشرين سنة، وهو يمدّ حدود إمارته حتى شملت كشمير والشمال الغربى من الهند، وفى أثناء ذلك غنم غنائم لا تحصى. ويكفى أن نذكر من غنائمه ما أخذه من معبد سومنات الذى كان يحج إليه الهنود الوثنيون، وسومنات اسم الصنم الكبير فيه وكان مرصعا بالجواهر والحجارة الكريمة، وكان إلى جواره ست وخمسون سارية صفائحها من الذهب المرصع بالجواهر النفيسة، وكان يحيط بهيكله ألوف من التماثيل الذهبية والفضية. ويحصى العتبى فى كتابه اليمينى هذه الذخائر وما يماثلها مما يخرج عن طوق الخيال (١). وقد أتاحت لمحمود أن يشيد جامعه العظيم بغزنة وأن يحدث نهضة علمية وأدبية فى إمارته النائية، كما أتاحت له ولأبنائه وأحفاده ثروة هائلة توارثتها الأجيال، غير ما كان يجبى لهم سنويا من تلك الديار.
وبالمثل كان السلاجقة يمتلكون فى خزائنهم الأموال الطائلة، وقد اتسعت مملكتهم اتساعا كبيرا، حتى لقد كانت تمتد فى عهد ألب أرسلان من أقصى حدود ما وراء النهر إلى أقصى حدود الشام، وكانت له حروب وفتوحات كثيرة غنم منها مغانم شتى، من أهمها حروبه مع البيزنطيين فى آسيا الصغرى وقد وقع بإحدى المعارك فى أسره إمبراطورهم «ديوجينس رومانوس» وافتدى نفسه بمليون دينار-كما مر بنا-ودفع له الجزية صاغرا.
ويذكر ابن الأثير أنه زوّج ابنته من الخليفة المتقى وهو لا يزال ولى عهد وأنه نثر على الناس ليلة زفافها جواهر كريمة كانوا يلتقطونها فى دهشة وعجب كبير (٢). ويقال إن خراج خلفه ملكشاه بلغ عشرين مليون دينار (٣). ويروى أنه حين غلب سنجر السلجوقى صاحب خراسان على غزنة عام ٥٠٨ وقعت فى أيديه وأيدى أصحابه أموال لا تعد ولا تحصى وكان فى جملة ما استولى عليه خمسة تيجان قيمة الواحد منها تزيد على مليونين من الدنانير، واستولى أيضا على ألف وثلثمائة قطعة مصاغ مرصّعة وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة (٤). وكان السلطان محمود السلجوقى مبذرا متلفا، وأتلف فيما أتلفه ما ورثه من
стр. 2619
أموال كانت محفوظة بخزائن الدولة، وكانت ثمانية عشر مليونا من الدنانير (١). واحترقت له دار فى سنة ٥١٥ واحترق فيها لزوجته «ما لا حد له من الجواهر والحلى والفرش والثياب، وأقيم الغسالون يخلّصون الذهب ما أمكن تخليصه، وهلك الجوهر جميعه إلا الياقوت الأحمر (٢)».
وهذه أخبار متناثرة فى كتب التاريخ تدل بوضوح على معيشة الأمراء الذين كانوا يحكمون إيران وكيف أنهم كانوا يغرقون إلى آذانهم فى الترف والنعيم، غير حاسبين للشعب حسابا. ومثلهم كان الوزراء وقد تعلقوا فى هذا العصر بالألقاب وتعددها منذ أوائله حتى لنجد أبا بكر الخوارزمى المتوفى سنة ٣٨٣ يشكو من ذلك شكوى مرة (٣). وكان الوزير يتولى الإشراف على مالية الإمارة ووجوه جمعها وإنفاقها، وكان يقود الجيوش بنفسه، على نحو ما كان وزيرا بنى بويه: ابن العميد والصاحب بن عباد ووزير السلاجقة نظام الملك، واتخذ عضد الدولة البويهى وزيرين أحدهما كان نصرانيا هو نصر بن هرون وكان له النظر فى شئون فارس. وكان الوزير يتقاضى مرتبا ضخما، جعله يحيط نفسه بمظاهر الفخامة التامة، متخذا لنفسه حرسا كبيرا كان يعدّ بالعشرات وأحيانا بالآلاف (٤)، فكان إذا سار برز للناس فى موكب باهر من الحراس. وكان أمراؤهم لا يكتفون بما يعطونهم من مرتبات جزيلة فقد كانوا يضيفون إليها كثيرا من الضياع والإقطاعات، بحيث يعظم دخل الوزير ويعيش فى ترف بالغ. وهيأهم ذلك ليبنوا القصور الباذخة، على نحو ما يحدثنا الثعالبى فى كتابه اليتيمة عن قصر بناه ابن العميد (٥)، وقصر آخر بناه الصاحب بن عباد فى أصبهان تبارى شعراؤه فى وصفه بالقصائد الطوال (٦)، وكانت داره لا تخلو فى كل ليلة من ليالى رمضان من ألف نفس تفطر فيها، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته فى هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يطلق منها فى جميع شهور السنة (٧). وكان الوزراء يتأنقون فى ملابسهم، ولم يقف تأنقهم عند أنفسهم، فقد كانوا يطلبونه فى خدمهم وحواشيهم وكل ما يتصل بهم من ملابس ومطاعم، ومن طريف ما يروى من ذلك ما ذكره الثعالبى عن الصاحب بن عباد من أنه كان يعجبه الخزّ (الحرير) ويأمر بالاستكثار منه فى داره، وألمّ به
стр. 2620
أبو القاسم الزعفرانى الشاعر يوما، فرأى جميع من حوله من الخدم والحاشية يلبسون الخزوز الفاخرة الملونة، فأنشده على البديهة (١).
كسوت المقيمين والزائرين ... كسى لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون فى ... ضروب من الخزّ إلا أنا
وكان الصاحب يكثر من إهداء الخلع إلى زواره، كما يشير أبو القاسم فما إن سمع بقوله، حتى أمر له من الخزّ بجبّة وقميص ودرّاعة وسراويل وعمامة ومنديل ومطرف (ثوب) ورداء وجورب. وكان الولاة مثل الوزراء يحيطون أنفسهم بهذا الجو المترف، فكانوا يبنون القصور ذات الأواوين الضخمة، ويروى أن أبا جعفر والى سجستان تأنق فى قصر بناه لنفسه كان مكتوبا فى صدر إيوانه (٢):
من سرّه أن يرى الفردوس عاجلة ... فلينظر اليوم فى بنيان إيوانى
أو سرّه أن يرى رضوان عن كثب ... بملء عينيه فلينظر إلى البانى
وبالمثل كان كبار الموظفين فى الدواوين وغير الدواوين يعيشون معيشة مترفة كلها زينة وأناقة، سواء أكانوا متصلين بأعمال الخراج وأموال الدولة أو غير متصلين. ويبدو أن الكتاب كانوا من أكثر هؤلاء الموظفين عناية بأناقتهم، ويلاحظ ذلك على كتّاب السامانيين العبدونىّ الشاعر فينشد (٣):
أكتّاب ديوان الرسائل ما لكم ... تجمّلتم بل متّم بالتجمّل
وكان كبار القضاة يدخلون فى هذه الطبقة لما يتقاضون من رواتب عالية ومثلهم أصحاب المظالم. وكان للقواد مكانة كبيرة، وكأنما كانوا يشركون الأمراء فى إماراتهم فأوسعوا عليهم فى الرواتب والأرزاق. ونستطيع أن نقول بصفة عامة إن كل المتصرفين فى أعمال الدولة كانوا يعيشون معيشة بذخ على حساب الشعب الكادح، فلهم القصور ولديهم الأموال والخلع التى يهبونها للشعراء والناس، وكان كثير منهم يشعر باستعلاء على أبناء الأمة ناسيا أنه يعيش من عرق جبينهم، ويشكو شاعر من هذا الاستعلاء البغيض قائلا (٤):
أكلّ من كان له نعمة ... أوسع من نعمة إخوانه
أم كلّ من كان له جوسق ... مشرّف شيد بأركانه (٥)
стр. 2621
أم كلّ من كان له كسوة ... يبذلها فى بعض أحيانه
يرى بها مستكبرا تائها ... على أدانيه وخلاّنه
ويلحق بهذه الطبقة بل يأتى فى مقدمتها الإقطاعيون أصحاب الإقطاعات الواسعة التى كان يغدقها الأمراء على الحواشى من الوزراء والقواد والقضاة والولاة وغيرهم من أفراد الأمة. وكان النظام الإقطاعى معروفا فى إيران قبل الإسلام، ومما ساعد عليه اختلاف أصقاعها وبقاعها بين قلاع صخرية وصحار وسهول، وأخذ هذا النظام يعود منذ عصر الرشيد، حتى إذا كنا فى هذا العصر تفاقم أمره، حتى ليقول المقدسى فى القرن الرابع إن أكثر الضياع بفارس مقتطعة (١)، وظل ذلك بعد عصر بنى بويه، بل لقد اتسع فى عصر السلاجقة وأيام نظام الملك وزيرهم، فإنه لما اتسعت مملكة السلاجقة رأى أن يسلّم القرى إلى مجموعة من الإقطاعيين: قرية أو أكثر أو أقل، كل على قدر إقطاعه (٢). وعرف بجانب الإقطاع فى هذا العصر نظام الضمان، وأعدّ بدوره لظهور طبقة أخرى من الرأسماليين، إذ كان يضمن خراج الضياع وأحيانا القرى، بل أحيانا الولايات، شخص يفرض على نفسه ما لا يؤديه عنها، ويأخذ لنفسه أضعافه، وكثيرا ما كان هؤلاء الضامنون أصحاب الخراج أنفسهم، إذ تحولوا بدورهم إلى إقطاعيين وأصحاب ضياع واسعة. وكل ذلك معناه أنه كانت هناك طبقة كبيرة تملك الإقطاعات والضياع الكثيرة معتصرة دماء الشعب، وكان حسب الشخص ضيعة واحدة ليكون ثريا، وصور ذلك المعافى بن هزيم شاعر أبيورد قائلا (٣).
كفتنى ضيعتى مدح العباد ... وظعنا فى البلاد بغير زاد
غدت سكنى وخادمتى وظئرى ... وفيها أسرتى وبها تلادى
صديق المرء ضيعته وكم من ... صديق فى الصداقة مستزاد
يخونك فى المودّة من تؤاخى ... ومالك لا يخونك فى الوداد
وكان الأبناء يتوارثون عن آبائهم هذه الضياع والإقطاعات، مما أعدّ لنشوء طبقة أرستقراطية واسعة، كانت تنفق عن سعة، وكان كثير منها جوادا ممدّحا، ويلقانا ذلك
стр. 2622
بوضوح فى كتب تراجم الشعراء مثل اليتيمة ودمية القصر والخريدة، إذ نجد عشرات الأسماء المجهولة تمدح أمداحا كثيرة، وحقا قال بشار:
يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وكان ذلك سببا فى أن نلتقى بكثيرين من رعاة الشعر والشعراء فى كل بلدة.
وكانت الطبقة الوسطى تتألف من عناصر كثيرة، فى مقدمتها القضاة والفقهاء وعلماء العربية وكان لكثيرين منهم رواتب يقدّرها الأمراء أو وزراؤهم. ويدخل فى هذه الطبقة عمال الحسبة والبريد ودواوين الجيش والشهود الذين كان القضاة يقيمونهم للشهادة، فقد أصبح مثلهم مثل العمال الثابتين، وكانوا دائما موضعا للشكوى وفيهم يقول أبو عبد الله الخوزى (١):
ويل لمن عدّله القاضى ... والله عنه ليس بالراضى
تمضى القضايا بشهاداته ... وهو إلى النار غدا ماضى
وينتظم فى هذه الطبقة الصناع وأوساط التجار أما كبارهم فكانوا ذوى رءوس أموال ضخمة، وعدادهم لذلك فى الطبقة السابقة. ومن العناصر المهمة فى هذه الطبقة الشعراء الذين كان يغدق عليهم أفراد الطبقة الرفيعة الأموال والعطايا، ومثلهم المغنون والمغنيات، ودائما نلقاهم فى كل بلاط وفى كل قصر، فقد كان الشعب من كبيره إلى صغيره مولعا بالغناء.
وتأتى بعد ذلك الطبقة العامة من الرعية، وهى التى كانت تعمل فى الصناعات والتجارات الصغيرة وفى خدمة أرباب القصور، وكانت أشبه بالعبيد وخاصة من كان منها يعمل فى فلاحة الأرض إذ لا يكاد يجد ما يسدّبه رمقه، وليست هناك مهنة إلا عملت فيها هذه الطبقة حتى أحقر المهن. وكانت حياتها كلها عرقا وعنتا ومشقة لكى تملأ الطبقة العليا فى الإمارات بطونها وتكتظ قصورها بأدوات الترف واللهو والطرب.
وكان وراء تلك الطبقات أهل الذمة من المجوس والنصارى واليهود، وكان المجوس فى أوائل هذا العصر كثيرين فى إيران وخاصة فى قلاعها البعيدة، ويروى أنه وقعت فى شيراز لسنة ٣٦٩ للهجرة فتنة بينهم وبين المسلمين (٢)، ولم تكن الحكومات تتدخل فى شعائرهم ولا فى شعائر النصارى واليهود، وكان لهم محاكمهم الخاصة التى تفصل بينهم فى خصوماتهم، وكانوا يدفعون، نظير ما يتمتعون به من تسامح واسع، الجزية، وكانت أشبه بضريبة للدفاع الوطنى إذ لم يكن يدفعها إلا القادر على حمل السلاح، ولم تكن تؤديها
стр. 2623
النساء ولا الرهبان ولا ذوو العاهات ولا من لم يبلغ الحلم ولا العجوز ولا الفقير البائس.
وكانت لا تتجاوز الدينار لعامتهم ودينارين لمتوسطى الثراء وثلاثة دنانير لأصحاب الثراء الطائل، وكانت تبلغ قيمة الدينار نحو اثنى عشر درهما. وكانت أبواب العمل لهم مفتوحة، وكان أكثر الأطباء وكثير من الكتبة نصارى، وكان على بن بويه ركن الدولة يستخدم كاتبا نصرانيا (١)، بل لقد اتخذ عضد الدولة كما قدمنا وزيرا نصرانيا، وكان اليهود يعملون فى أحقر المهن، فكان منهم الصباغون والأساكفة والخرّازون.
وكانت تتفنن الطبقتان العليا والوسطى فى الملبس والمطعم، فكانوا يلبسون الدّراريع وهى ثياب مشقوقة من الصدر كما كانوا يلبسون الأقبية والسّراويل والحلل المطرزة. وكانوا يلبسون الخزّ صيفا والفراء والصوف شتاء كما كانوا يلبسون الجوارب القطنية والصوفية والحريرية. وكانت النساء حرائر وجوارى أكثر تفننا فى أناقتهن، فكن يلبسن الإستبرق والسّندس والوشى، وكن يتحلين بالجواهر النفيسة من كل صنف، وكن يتعطرن بأنواع الطيب والمسك والغالية.
ومضوا يتفنون فى المطاعم، فكانوا يصنعون منها ألوانا كثيرة وخاصة فى بيوت الأمراء والوزراء، مما جعل كثيرين يعنون بالتأليف فى كتب الأطعمة، مثل ابن مسكويه، الذى أحكم كتابه فيها غاية الإحكام وأتى منه بكل غريب حسن (٢)، ومثل ابن خلاد القاضى الذى أهدى إلى ابن العميد كتابا فى الأطعمة، فأجابه بقصيدة طويلة عدّد فيها كثيرا من أنواعها التى ذكرها فى كتابه (٣). وعرفوا حينئذ توالى ألوان الطعام على المائدة بين وضع ورفع. وكانت تقدم أحيانا قبل الطعام وأحيانا بعده الفاكهة والحلوى من كل صنف.
وكانوا يمكثون بعد الطعام للسمر والشراب وسماع الغناء، وكانوا يستطيبون ذكر الفكاهات والنوادر والحكايات الدالة على اللباقة فى أثناء سمرهم ومنادمتهم على الشراب.
ومن قديم تقترن الخمر بالغناء فى إيران، حتى ليروى صاحب الشهنامه فى تربية قورش الملك الإيرانى القديم صورة مجلس شراب وغناء كان قورش يشترك فيه بنفسه ساقيا، وكأنما كانت الخمر والغناء إحدى شعائر الفرس منذ أقدم العصور (٤)، وطبيعى أن يظل ذلك ديدنهم حتى هذا العصر، بحيث يشترك فى المتاع بهما الأمراء من مثل فخر الدولة (٥)
стр. 2624
والوزراء من مثل أبى الفتح بن العميد (١) والقضاة من مثل القاضى أبى أحمد منصور الهروى (٢). وكانوا ينثرون الورود فى قاعات الشراب (٣). وكان يحيّى بعضهم بعضا بالورود والرياحين والفواكه فى أثناء الشرب، يقول عبدان الأصبهانى (٤):
سقيت وفى كفّ الحبيبة وردة ... وأترجّة تغرى النفوس بصونها
مداما فلما قابلتنى بوجهها ... شربت فحيّتنى بلونى ولونها
وبلغ من تفشى الغناء والرقص فى فارس أن نجد عضد الدولة يفرض ضريبة فيها على المغنيات والراقصات (٥). وأكبر الظن أن إيران جميعها كان يشيع فيها ذلك بصور مختلفة، وكانت أكبر فرصة تتاح للناس كى يقصفوا ويمجنوا ما شاء لهم المجون والقصف هى الاحتفالات بالأعياد (٦) المسيحية من مثل عيد الميلاد وعيد الزيتونة وعيد الشّعانين، وفى العيد الأخير يقول أحمد بن المؤمل مشيرا إلى ما كان فيه من لهو وموسيقى وغناء (٧):
سقيا لدهر مضى إذ نحن فى شغل ... بالعزف والقصف عن شغل السّلاطين
إذ يومنا يوم عيد طول مدّتنا ... وليلنا كلّه ليل الشّعانين
وكانوا يطلقون لأنفسهم العنان فى الأعياد المجوسية من مثل عيد السّذق، وهو عيد لاشتعال النيران، وكان يقع فى شهر يناير من كل عام، ويصوّر البيهقى فى تاريخه الاحتفال به فى سنة ٤٢٦، فيقول: «اقترب عيد السّذق، فأخذوا يجمعون له الطّرفاء وعيدان الحطب، حتى تراكمت وأصبحت كالقلعة، وأقاموا عرائس من الخشب صارت كالجبل ارتفاعا، وأتوا بكثير من المعدّات والطيور وما يلزم هذا العيد من الحاجيات، وحلّ العيد وجلس السلطان فى مخيّم له، وجاء الندماء والمطربون وأشعلوا النيران، وكانت ترى على بعد عشرة فراسخ، وأطلقوا الطيور المبللة بالنفط وكذلك الوحوش، فكانت تجرى وقد علقت بها النيران» (٨). وكان أهم من هذا العيد عيد النّيروز فى أول الربيع، وكان موسما كبيرا للمجون والشراب. ومثله عيد المهرجان فى السادس والعشرين من أكتوبر كل عام.
ويقول البيهقى: «كان السلطان يجلس له صباحا للمعايدة. . ويجتمع أعيان الدولة
стр. 2625
والأمراء ومجلس الندماء، ويبادرون إلى اللهو، وتدور أقداح الشراب، وتعزف آلات الطرب، ويأخذ المغنون فى الغناء» (١).
وكانوا يخرجون مواكب وفرادى للصيد والطرد، وكان فخر الدولة البويهى مولعا بالصيد (٢). ومثله ملكشاه السلجوقى، ويقال إن صيده بلغ فى بعض الأيام سبعين غزالا (٣). وكان من أحب هواياتهم إليهم اللعب بالنّرد والشّطرنج، وكانوا يشغفون بلعب الصولجان والكرة وبسماع الغناء. ومما يدل على انتشار كل هذه الملاهى فى خراسان وإيران عامة أن نجد كيكاوس فى القرن الخامس الهجرى يفرد فى كتابه: «قابوسنامه (٤)» فصولا مختلفة لكل هذه الألعاب والملاهى، وظل ذلك ديدنهم طوال العصور التالية.
٤ - التشيع (٥)
يقوم التشيع-كما مر بنا فى قسم العراق-على أساس نظرية يؤمن أصحابها بالوراثة الشرعية لولاية الحكم على المسلمين أو بعبارة أخرى للخلافة، فهى ليست مفوّضة للأمة، بل هى خاصة بمن اختارهم الله من آل البيت، من الأئمة، ويسمى كل منهم إماما تفرقة بينه وبين اسم الخليفة للدلالة على مكانته الدينية. وتتفق الشيعة على أن الرسول ﷺ أوصى لعلى بن أبى طالب بالخلافة بالقرب من غدير خمّ بين مكة والمدينة، وهم فرق كثيرة، أهمها ثلاثة: الزيدية والإمامية الاثنا عشرية والإسماعيلية.
والزيدية-كما مر بنا فى قسم العراق-أقربهم إلى أهل السنة، وهم ينتسبون إلى إمامهم زيد بن على زين العابدين بن الحسين، وكانوا يقرّون ولاية الخلفاء من غير العلويين أخذا بمبدئهم القائل بأنه تجوز ولاية المفضول على المسلمين مع وجود العلوى الأفضل، وبذلك لم يطعنوا فى الصحابيين الجليلين: أبى بكر وعمر ولا فى ولايتهما أمور الأمة. وكانوا لا يأخذون بنظرية الإمام المختفى مثل الإمامية الاثنى عشرية، ولا بنظرية
стр. 2626
الإمام المستور مثل الإسماعيلية، وهم لا يأخذون بفكرة العصمة فى الإمام ولا بفكرة العلم الباطن ولا بفكرة أن الإمامة مقصورة على فرع الحسين وحده من العلويين دون فرع الحسن. وبذلك كانت الزيدية فرقة شيعية معتدلة.
ومرّ بنا فى قسم العراق حديث مفصّل عن فرقة الإمامية الاثنى عشرية وأنها تجعل الإمامة مقصورة على أبناء الحسين، وترى أنها تتابعت بعد على فى الحسن ثم الحسين وذريته بادئة بابنه على زين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق، وتفترق بعد هذا الإمام السادس فرقة الإمامية عن فرقة الإسماعيلية كما مرّ بنا فى العراق، إذ ترى أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، وتوالت بعده فى أبنائه وأحفاده: على الرضا، فمحمد الجواد، فعلى الهادى، فالحسن العسكرى، فمحمد المهدى الذى اختفى، وهو الإمام الثانى عشر ولذلك يسمون الاثنى عشرية، ويؤمن الإمامية حتى اليوم بأنه سيعود ويملأ الأرض عدلا وعلما، وهو بذلك الإمام المنتظر صاحب الزمان.
وعنصر أساسى ثان فى عقيدة الإمامية عرضنا له فى قسم العراق وهو ما يعتقدونه من أن الإمام معصوم، وهى عصمة ترفعه درجات عن الطبيعة البشرية فى اعتقادهم إذ تجعله نقيا من الذنوب بريئا من العيوب، لا يعتريه خطأ. وعنصر أساسى ثالث هو علمه لا العلم الظاهر فحسب، كما يؤمن الزيدية، بل العلم الباطنى الإلهى الذى يتوارثه الأئمة عن النبى والذى ينتقل فيهم من إمام إلى إمام، بحيث يصبحون هم وحدهم العالمين بالمعانى الحقيقية للقرآن الكريم، وهو ما فسح عند الإمامية والإسماعيلية أيضا للتأويل الواسع فى آيات الذكر الحكيم.
والإسماعيلية تختتم سلسلة أئمتها الظاهرين بالإمام السابع إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد توفى قبل أبيه فعدلت عنه الإمامية الاثنا عشرية إلى أخيه موسى الكاظم، أما الإسماعيلية فتمسكت به لأنه الابن الأكبر لجعفر الصادق وعندهم أن النص على الإمام لا يتغير، بل يرثه عنه ابنه الأكبر، حتى لو توفى فى حياة أبيه كما توفى إسماعيل، وتبعه خلفاؤه فى سلسلة متصلة، وهم مستترون مختفون، حتى آتت الدعوة السرية ثمرتها، فظهر الإمام فى شخص عبيد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية فى شمالى إفريقيا.
وتسمى هذه الفرقة باسم السبعية تمييزا لها من الإمامية الاثنى عشرية، لأنها تجعل أئمتها يتوالون فى حلقات أو أدوار سبعية، والسابع أعلاهم درجة إذ هو الإمام الناطق المبعوث برسالة تفوق كل رسالة سبقتها، حتى رسالة الرسول ﷺ ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم. وعندهم أن الإمام هو التجلّى الأعظم للعقل الكلى، وفى ذلك ما يؤكد نفوذ
стр. 2627
الفلسفة الأفلاطونية إليهم وما يتصل بها من نظريتها المعروفة فى الفيض، وهى النظرية التى بنى عليها إخوان الصفا البصريون فلسفتهم الدينية فى موسوعتهم المشهورة. ومن تتمة نظريتهم أن العقل الكلى الذى يتجلى فى أئمتهم تجلى منذ آدم فى الأنبياء، وهو الذى يسيّر الكون ويدبره، وهو ما جعل الحاكم الخليفة الفاطمى الإسماعيلى يعتقد أن التجسد الإلهى تمثّل فيه وأنه خليق بعبادته. ومات مقتولا، فادّعى بعض الإسماعيلية حين ذاك أنه يعيش متخفيا، وأنه سيرجع. وكأن نظرية الرجعة عند الإمامية الاثنى عشرية وجدت طريقها إلى الفرقة الإسماعيلية فى شخص الحاكم. وكان القرامطة إحدى شعب الإسماعيلية ظنوا من قبل أن محمد بن الإمام السابع إسماعيل سيرجع بعد موته، وأنه الإمام الغائب المنتظر. وواضح أن الإسماعيلية غلت فى تشيعها غلوّا بعيدا إذ رفعت الأئمة إلى مراتب الآلهة، حتى لنجد كثيرين من علماء الإسلام ومفكريه يسمونهم دهرية زنادقة، وقد حمل عليهم الغزالى حملات عنيفة فى كتابه «فضائح الباطنية» الذى سجل عليهم فيه ضلالهم وخروجهم عن جادّة الإسلام، ولابد أن نشير إلى أن تابعى هذه الفرقة كانوا يصعدون فى سبع مراتب: مرتبة للعامة، ثم تعلوها مراتب حتى المرتبة السابعة، وصاحبها خليق عندهم بأن يكون من الدعاة. ومن حق الإسماعيلى والإمامى جميعا أن يخفيا عقيدتهما فى البلد الذى يسود فيه خصومهما وهو المذهب المعروف عندهما باسم التقية، وقد طبع دعوتهما فى حقب وأماكن كثيرة بطابع السرية.
وهذه الفرق الشيعية المختلفة كانت على صلة وطيدة منذ أول الأمر بالاعتزال والمعتزلة، فقد كان زيد بن على مؤسس فرقة الزيدية تلميذا لواصل بن عطاء مؤسس مذهب الاعتزال. وتعانق منذ العصر العباسى الأول مذهب الإمامية مع الاعتزال فى أثناء الجدال الذى كان دائرا بين أعلامهما حتى لنجد النظّام المعتزلى المشهور يؤمن بنظرية الإمامية الخاصة بعصمة الإمام، وكان يعاصره ثمامة بن أشرس الذى لعب دورا كبيرا لعهد المأمون فى حمله على أن يكتب إلى الآفاق بتفضيل على بن أبى طالب على أبى بكر وعمر وجميع الصحابة. ومن يرجع إلى مصنفات الشيعة فى عقيدتهم يجدهم يفردون فصولا طوالا للحديث عن التوحيد والعدالة، على غرار ما يصنع المعتزلة. وفى رأينا أن هذه الصلة الوثيقة بين الاعتزال والشيعة هى التى جعلت أهل السنة فى العصر ينفرون منه، ويعتنقون المذهب الأشعرى.
وكانت إيران فى هذا العصر تعدّ أكبر مركز للتشيع، وقد مرّت بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى حركة زيدية قوية غلبت على طبرستان وبلاد الديلم، وعلى الرغم من إجهاز
стр. 2628
الدولة السامانية عليها كما مر بنا فى أوائل هذا الفصل ظلت لها هناك بقية، وظل هناك أئمة يقودونها مثل الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهارونى المتوفى سنة ٤١١ للهجرة. وكان تقلّد البويهيين الإماميين لإماراتهم المختلفة فى إيران إيذانا بأن يأخذ المذهب الإمامى طريقة إلى الانتشار، واشتهرت مدينة «قم» باعتناقة وقد ظل منتشرا بها واعتنقه كثيرون فى الحقب التالية، وقيّض له كثير من العلماء يعملون على نشره مثل ابن بابويه القمى المتوفى سنة ٣٨١ وقد كان أبوه شيخ الشيعة فى مدينة «قم» وخلفه فى مشيخته، وألّف كتبا كثيرة فى المذهب، محتجاله، داعيا إليه، ومن كتبه المطبوعة فى طهران كتب العلل والأحكام وكتاب عقائد الشيعة الإمامية.
وقد نشطت الفرقة الإسماعيلية فى إيران منذ أوائل هذا العصر، ويقال إنهم استطاعوا أن يدخلوا فى عقيدتهم نصر بن أحمد السامانى أمير خراسان (٣٠١ - ٣٣٢ هـ.) مما جعل حرسه يضطره إلى التنازل عن السلطان لابنه نوح، ويقال أيضا إن أبا على بن سيمجور أحد رجالات الدولة فى خراسان لأواخر أيامها كان إسماعيليا، مما جعل السلطان محمودا الغزنوى يفتك به. ويبدو أن الإسماعيليين جدّوا حينئذ فى نشر دعوتهم بإيران، حتى لنجد محمودا الغزنوى حين يستولى على الرىّ من البويهيين سنة ٤٢٠ يكتب إلى الخليفة العباسى ببغداد خطابا طويلا، يقول فيه (١):
«قد أزال الله عن هذه البقعة أيدى الظلمة، وطهّرها من دعوة الباطنية الكفرة، والمبتدعة الفجرة. وقد تناهت إلى الحضرة المقدسة حقيقة الحال فيما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده من غزو أهل الكفر والضلال وقمع من نبغ ببلاد خراسان من الفئة الباطنية الفجار. . وطلعت الرايات بسواد الرّىّ. . وخرج الديالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم، فرجعنا إلى الفقهاء فى تعرّف أحوالهم، فاتفقوا على أنهم خارجون عن الطاعة وداخلون فى أهل الفساد، فيجب عليهم القتل والقطع والنفى على مراتب جناياتهم. واعتقادهم فى مذاهبهم لا يعدو ثلاثة أوجة تسودّ بها الوجوه يوم القيامة: التشيع والرفض والباطن. وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر القوم لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يعرفون شرائط الإسلام، ولا يميزون بين الحلال والحرام، بل يجاهرون بالقذف وشتم الصحابة، ويعتقدون ذلك ديانة. . . ويعيدون جميع الملل مخاريق الحكماء، ويعتقدون مذهب الإباحة فى الأموال والفروج والدماء».
والخطاب طويل، وهو يصور مدى ما داخل العقيدة الإسماعيلية فى إيران من فساد،
стр. 2629
حتى كان أصحابها لا يؤدّون شعائر الإسلام، بل كانوا ينكرونه هو وجميع الديانات السماوية جملة. وليس ذلك فحسب، فقد اختلطت بعقيدتهم العقيدة المزدكية الفارسية القديمة التى أحلّ صاحبها «مزدك» النساء وأباح الأموال وجعلها شركة للناس، ودعا إلى العكوف على اللذات والشهوات (١). ونمضى بعد عهد محمود الغزنوى، فنجد الدعوة الإسماعيلية تنشط فى إيران طوال القرنين الخامس والسادس للهجرة، إذ تعهدها هناك دعاة مختلفون، كان يؤيدهم تأييدا قويا الخليفة الفاطمى المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) وقد ظل الرئيس الأعلى للإسماعيليين طوال ستين عاما، واستطاع أن يبسط سلطانه على واسط وبغداد حاضرة الخلافة العباسية فى منتصف القرن الخامس. وقد حاربت الدولة السلجوقية العقيدة الإسماعيلية دون هوادة، ولكن دعاتها ظلوا منبثّين فى أنحاء إيران، مثل ناصر خسرو الأديب الرحالة، الذى لقبه أتباعه بلقب «حجة خراسان» وقد زار القاهرة سنة ٤٣٧ وأقام بها سبع سنوات، وعاد إلى وطنه خراسان، وأخذ يدعو للفاطميين الإسماعيليين بمصر، غير أن خصومه اضطروه إلى الفرار إلى مرتفعات «سمنجان». وكان أخطر منه فى الدعوة للإسماعيليين الفاطميين أحمد بن عبد الملك بن العطاش الذى نهض بالدعوة فى أذربيجان وأصفهان، وقد استولى بجانب المدينة الأخيرة على حصن منيع يسمى «شاه دز» جعله وكرا لأتباعه ودعوته. وكان أشد منه خطرا الحسن بن الصبّاح، وكان عالما بالهندسة والحساب والنجوم والسحر، وتلقن الدعوة عن بعض دعاتها الفاطميين والإيرانيين الذين صحبهم فى مدينة الرىّ، ويقال إنه لقى بها فى رمضان سنة ٤٦٤ ابن العطاش وإنه نصحه بالمسير إلى القاهرة حاضرة الخلفاء الفاطميين ليتلقن الدعوة من أربابها وشيوخها المقدّمين. ووصل القاهرة سنة ٤٧١ وأسبغ المستنصر عليه جوائزه. ويقال إنه سأله من الخليفة بعده؟ فأجابه ابنى نزار الأكبر، ورجع إلى إيران سنة ٤٧٣ يدعو إلى نزار، وولّى المصريون بعد المستنصر ابنه المستعلى، مما كان سببا فى انقسام الإسماعيلية إلى شعبتين: شعبة غريبة تدعو إلى المستعلى وتشمل مصر والشام وشعبة شرقية تشمل إيران وتدعو إلى نزار.
واتسعت دعوة الحسن بن الصبّاح، حتى ضمت بين جناحيها كرمان وطبرستان والدّامغان وقزوين، واستطاع الاستيلاء على حصن فى غاية المناعة، هو قلعة «ألموت» سنة ٤٨٣ ومعنى اسمها بلسان الديلم تعليم العقاب، كأنها، لعلوها الشاهق، وكر له.
وجعله استيلاؤه على هذه القلعة يضع لأتباعه خطة محكمة أن يستولوا على مثيلها فى إيران،
стр. 2630
فاستولوا على «خالنجان» بالقرب من أصفهان بالإضافة إلى ما كانوا استولوا عليه بجوارها من «شاه دز» واستولوا على «طبس» و «قاين» و «تون» و «روزن» و «خور» و (خوسف» فى قهستان وعلى «شمكوه» بجوار أبهر، وعلى «أستوناوند» فى مازندران، وعلى «أردهن» و «كردكوه» وقلعة الناظر فى خوزستان، وعلى «قلعة الطنبور» بجوار أرّجان، وعلى قلعة «خلاّدخان» فى فارس. وكان تملك الحسن بن الصبّاح وأتباعه لهذه القلاع الحصينة سببا فى أن يشعروا بأن لهم سلطانا سياسيا، حتى إذا توفى المستنصر ظلوا يدينون لنزار منفصلين عن الدعوة الفاطمية بمصر، وكان يطلق عليهم اسم الإسماعيليين الباطينيين والحشاشين. وفى الاسم الأخير ما قد يدل على أن كبارهم-على الأقل-كانوا يعرفون المخدر المعروف باسم الحشيش. ومضوا يدعون سرّا لعقيدتهم، وتحولوا إلى جماعات إرهابية تقتل كل من يقف فى سبيل دعوتها، وكان من أهم من قتلوه نظام الملك الوزير السلجوقى المصلح حين تصدى لهم وحاربهم وحاصر قلعتهم «ألموت» على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ونرى ابن الأثير يذكرهم ويذكر ما كانوا يسفكونه من دماء ويثيرونه من رعب على مر السنين، من مثل قتلهم لفخر الملك بن نظام الملك ولعبد الرحمن السميرامى الوزير السلجوقى وللفقيه عبد الواحد الرويانى فى طبرستان والقاضى سعد الهروى فى همذان.
وكان السلاجقة يردون على هذه الاغتيالات بقتل بعض زعمائهم وأتباعهم، على نحو ما هو معروف عن قتل ابن عطاش وبعض أتباعه بأصبهان سنة ٤٩٩ وللسلطان سنجر مقتلة عظيمة فيهم سنة ٥٢١ ردا على قتلهم لوزيره معين الملك. وكان الحسن بن الصباح حيا فى أيام هذا السلطان، غير أنه لم يكن يبارح قلعة «ألموت» وبها توفى سنة ٥١٨ للهجرة.
وخلفه فى رياسة الطائفة كيابزرك حميد ثم ابنه محمد، وتبعهما دور ظهور الأئمة من أحفاد نزار، إذ ظلت فى أيديهم مقاليد السلطان والدعوة، وظل نشاط هؤلاء الحشاشين أو الإسماعيليين الشرقيين، حتى استطاع المغول فى منتصف القرن السابع الهجرى دكّ حصونهم وقتل آخر أئمتهم ركن الدين خورشاه (٦٥٣ - ٦٥٥ هـ.) وبقتله وتحطيم حصون أتباعه ينتهى عهد الإسماعيلية بإيران، ولا تبقى منهم إلا بقية لا وزن لها، ويعود هذا الفرع الإسماعيلى الشرقى إلى الظهور فى الهند، ويتخذ أصحابه «آغا خان» رئيسا روحيا لهم، وعادة يكون من أحفاد ركن الدين خور شاه الذى كان آخر أمراء قلعة «ألموت».
ومنذ قضاء المغول على إسماعيلية إيران تتحول تدريجا إلى قبضة الفرقة الإمامية الاثنى عشرية، ومع ذلك فقد ظل كثيرون يتبعون المذهب السنى، وينعكس ذلك على العلماء