← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

الإمام المستور مثل الإسماعيلية، وهم لا يأخذون بفكرة العصمة فى الإمام ولا بفكرة العلم الباطن ولا بفكرة أن الإمامة مقصورة على فرع الحسين وحده من العلويين دون فرع الحسن. وبذلك كانت الزيدية فرقة شيعية معتدلة. ومرّ بنا فى قسم العراق حديث مفصّل عن فرقة الإمامية الاثنى عشرية وأنها تجعل الإمامة مقصورة على أبناء الحسين، وترى أنها تتابعت بعد على فى الحسن ثم الحسين وذريته بادئة بابنه على زين العابدين، فابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق، وتفترق بعد هذا الإمام السادس فرقة الإمامية عن فرقة الإسماعيلية كما مرّ بنا فى العراق، إذ ترى أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى الكاظم، وتوالت بعده فى أبنائه وأحفاده: على الرضا، فمحمد الجواد، فعلى الهادى، فالحسن العسكرى، فمحمد المهدى الذى اختفى، وهو الإمام الثانى عشر ولذلك يسمون الاثنى عشرية، ويؤمن الإمامية حتى اليوم بأنه سيعود ويملأ الأرض عدلا وعلما، وهو بذلك الإمام المنتظر صاحب الزمان. وعنصر أساسى ثان فى عقيدة الإمامية عرضنا له فى قسم العراق وهو ما يعتقدونه من أن الإمام معصوم، وهى عصمة ترفعه درجات عن الطبيعة البشرية فى اعتقادهم إذ تجعله نقيا من الذنوب بريئا من العيوب، لا يعتريه خطأ. وعنصر أساسى ثالث هو علمه لا العلم الظاهر فحسب، كما يؤمن الزيدية، بل العلم الباطنى الإلهى الذى يتوارثه الأئمة عن النبى والذى ينتقل فيهم من إمام إلى إمام، بحيث يصبحون هم وحدهم العالمين بالمعانى الحقيقية للقرآن الكريم، وهو ما فسح عند الإمامية والإسماعيلية أيضا للتأويل الواسع فى آيات الذكر الحكيم. والإسماعيلية تختتم سلسلة أئمتها الظاهرين بالإمام السابع إسماعيل بن جعفر الصادق، وكان قد توفى قبل أبيه فعدلت عنه الإمامية الاثنا عشرية إلى أخيه موسى الكاظم، أما الإسماعيلية فتمسكت به لأنه الابن الأكبر لجعفر الصادق وعندهم أن النص على الإمام لا يتغير، بل يرثه عنه ابنه الأكبر، حتى لو توفى فى حياة أبيه كما توفى إسماعيل، وتبعه خلفاؤه فى سلسلة متصلة، وهم مستترون مختفون، حتى آتت الدعوة السرية ثمرتها، فظهر الإمام فى شخص عبيد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية فى شمالى إفريقيا. وتسمى هذه الفرقة باسم السبعية تمييزا لها من الإمامية الاثنى عشرية، لأنها تجعل أئمتها يتوالون فى حلقات أو أدوار سبعية، والسابع أعلاهم درجة إذ هو الإمام الناطق المبعوث برسالة تفوق كل رسالة سبقتها، حتى رسالة الرسول ﷺ ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم. وعندهم أن الإمام هو التجلّى الأعظم للعقل الكلى، وفى ذلك ما يؤكد نفوذ

стр. 2627

الفلسفة الأفلاطونية إليهم وما يتصل بها من نظريتها المعروفة فى الفيض، وهى النظرية التى بنى عليها إخوان الصفا البصريون فلسفتهم الدينية فى موسوعتهم المشهورة. ومن تتمة نظريتهم أن العقل الكلى الذى يتجلى فى أئمتهم تجلى منذ آدم فى الأنبياء، وهو الذى يسيّر الكون ويدبره، وهو ما جعل الحاكم الخليفة الفاطمى الإسماعيلى يعتقد أن التجسد الإلهى تمثّل فيه وأنه خليق بعبادته. ومات مقتولا، فادّعى بعض الإسماعيلية حين ذاك أنه يعيش متخفيا، وأنه سيرجع. وكأن نظرية الرجعة عند الإمامية الاثنى عشرية وجدت طريقها إلى الفرقة الإسماعيلية فى شخص الحاكم. وكان القرامطة إحدى شعب الإسماعيلية ظنوا من قبل أن محمد بن الإمام السابع إسماعيل سيرجع بعد موته، وأنه الإمام الغائب المنتظر. وواضح أن الإسماعيلية غلت فى تشيعها غلوّا بعيدا إذ رفعت الأئمة إلى مراتب الآلهة، حتى لنجد كثيرين من علماء الإسلام ومفكريه يسمونهم دهرية زنادقة، وقد حمل عليهم الغزالى حملات عنيفة فى كتابه «فضائح الباطنية» الذى سجل عليهم فيه ضلالهم وخروجهم عن جادّة الإسلام، ولابد أن نشير إلى أن تابعى هذه الفرقة كانوا يصعدون فى سبع مراتب: مرتبة للعامة، ثم تعلوها مراتب حتى المرتبة السابعة، وصاحبها خليق عندهم بأن يكون من الدعاة. ومن حق الإسماعيلى والإمامى جميعا أن يخفيا عقيدتهما فى البلد الذى يسود فيه خصومهما وهو المذهب المعروف عندهما باسم التقية، وقد طبع دعوتهما فى حقب وأماكن كثيرة بطابع السرية. وهذه الفرق الشيعية المختلفة كانت على صلة وطيدة منذ أول الأمر بالاعتزال والمعتزلة، فقد كان زيد بن على مؤسس فرقة الزيدية تلميذا لواصل بن عطاء مؤسس مذهب الاعتزال. وتعانق منذ العصر العباسى الأول مذهب الإمامية مع الاعتزال فى أثناء الجدال الذى كان دائرا بين أعلامهما حتى لنجد النظّام المعتزلى المشهور يؤمن بنظرية الإمامية الخاصة بعصمة الإمام، وكان يعاصره ثمامة بن أشرس الذى لعب دورا كبيرا لعهد المأمون فى حمله على أن يكتب إلى الآفاق بتفضيل على بن أبى طالب على أبى بكر وعمر وجميع الصحابة. ومن يرجع إلى مصنفات الشيعة فى عقيدتهم يجدهم يفردون فصولا طوالا للحديث عن التوحيد والعدالة، على غرار ما يصنع المعتزلة. وفى رأينا أن هذه الصلة الوثيقة بين الاعتزال والشيعة هى التى جعلت أهل السنة فى العصر ينفرون منه، ويعتنقون المذهب الأشعرى. وكانت إيران فى هذا العصر تعدّ أكبر مركز للتشيع، وقد مرّت بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى حركة زيدية قوية غلبت على طبرستان وبلاد الديلم، وعلى الرغم من إجهاز

стр. 2628

الدولة السامانية عليها كما مر بنا فى أوائل هذا الفصل ظلت لها هناك بقية، وظل هناك أئمة يقودونها مثل الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهارونى المتوفى سنة ٤١١ للهجرة. وكان تقلّد البويهيين الإماميين لإماراتهم المختلفة فى إيران إيذانا بأن يأخذ المذهب الإمامى طريقة إلى الانتشار، واشتهرت مدينة «قم» باعتناقة وقد ظل منتشرا بها واعتنقه كثيرون فى الحقب التالية، وقيّض له كثير من العلماء يعملون على نشره مثل ابن بابويه القمى المتوفى سنة ٣٨١ وقد كان أبوه شيخ الشيعة فى مدينة «قم» وخلفه فى مشيخته، وألّف كتبا كثيرة فى المذهب، محتجاله، داعيا إليه، ومن كتبه المطبوعة فى طهران كتب العلل والأحكام وكتاب عقائد الشيعة الإمامية. وقد نشطت الفرقة الإسماعيلية فى إيران منذ أوائل هذا العصر، ويقال إنهم استطاعوا أن يدخلوا فى عقيدتهم نصر بن أحمد السامانى أمير خراسان (٣٠١ - ٣٣٢ هـ.) مما جعل حرسه يضطره إلى التنازل عن السلطان لابنه نوح، ويقال أيضا إن أبا على بن سيمجور أحد رجالات الدولة فى خراسان لأواخر أيامها كان إسماعيليا، مما جعل السلطان محمودا الغزنوى يفتك به. ويبدو أن الإسماعيليين جدّوا حينئذ فى نشر دعوتهم بإيران، حتى لنجد محمودا الغزنوى حين يستولى على الرىّ من البويهيين سنة ٤٢٠ يكتب إلى الخليفة العباسى ببغداد خطابا طويلا، يقول فيه (١): «قد أزال الله عن هذه البقعة أيدى الظلمة، وطهّرها من دعوة الباطنية الكفرة، والمبتدعة الفجرة. وقد تناهت إلى الحضرة المقدسة حقيقة الحال فيما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده من غزو أهل الكفر والضلال وقمع من نبغ ببلاد خراسان من الفئة الباطنية الفجار. . وطلعت الرايات بسواد الرّىّ. . وخرج الديالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم، فرجعنا إلى الفقهاء فى تعرّف أحوالهم، فاتفقوا على أنهم خارجون عن الطاعة وداخلون فى أهل الفساد، فيجب عليهم القتل والقطع والنفى على مراتب جناياتهم. واعتقادهم فى مذاهبهم لا يعدو ثلاثة أوجة تسودّ بها الوجوه يوم القيامة: التشيع والرفض والباطن. وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر القوم لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يعرفون شرائط الإسلام، ولا يميزون بين الحلال والحرام، بل يجاهرون بالقذف وشتم الصحابة، ويعتقدون ذلك ديانة. . . ويعيدون جميع الملل مخاريق الحكماء، ويعتقدون مذهب الإباحة فى الأموال والفروج والدماء». والخطاب طويل، وهو يصور مدى ما داخل العقيدة الإسماعيلية فى إيران من فساد،

стр. 2629

حتى كان أصحابها لا يؤدّون شعائر الإسلام، بل كانوا ينكرونه هو وجميع الديانات السماوية جملة. وليس ذلك فحسب، فقد اختلطت بعقيدتهم العقيدة المزدكية الفارسية القديمة التى أحلّ صاحبها «مزدك» النساء وأباح الأموال وجعلها شركة للناس، ودعا إلى العكوف على اللذات والشهوات (١). ونمضى بعد عهد محمود الغزنوى، فنجد الدعوة الإسماعيلية تنشط فى إيران طوال القرنين الخامس والسادس للهجرة، إذ تعهدها هناك دعاة مختلفون، كان يؤيدهم تأييدا قويا الخليفة الفاطمى المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) وقد ظل الرئيس الأعلى للإسماعيليين طوال ستين عاما، واستطاع أن يبسط سلطانه على واسط وبغداد حاضرة الخلافة العباسية فى منتصف القرن الخامس. وقد حاربت الدولة السلجوقية العقيدة الإسماعيلية دون هوادة، ولكن دعاتها ظلوا منبثّين فى أنحاء إيران، مثل ناصر خسرو الأديب الرحالة، الذى لقبه أتباعه بلقب «حجة خراسان» وقد زار القاهرة سنة ٤٣٧ وأقام بها سبع سنوات، وعاد إلى وطنه خراسان، وأخذ يدعو للفاطميين الإسماعيليين بمصر، غير أن خصومه اضطروه إلى الفرار إلى مرتفعات «سمنجان». وكان أخطر منه فى الدعوة للإسماعيليين الفاطميين أحمد بن عبد الملك بن العطاش الذى نهض بالدعوة فى أذربيجان وأصفهان، وقد استولى بجانب المدينة الأخيرة على حصن منيع يسمى «شاه دز» جعله وكرا لأتباعه ودعوته. وكان أشد منه خطرا الحسن بن الصبّاح، وكان عالما بالهندسة والحساب والنجوم والسحر، وتلقن الدعوة عن بعض دعاتها الفاطميين والإيرانيين الذين صحبهم فى مدينة الرىّ، ويقال إنه لقى بها فى رمضان سنة ٤٦٤ ابن العطاش وإنه نصحه بالمسير إلى القاهرة حاضرة الخلفاء الفاطميين ليتلقن الدعوة من أربابها وشيوخها المقدّمين. ووصل القاهرة سنة ٤٧١ وأسبغ المستنصر عليه جوائزه. ويقال إنه سأله من الخليفة بعده؟ فأجابه ابنى نزار الأكبر، ورجع إلى إيران سنة ٤٧٣ يدعو إلى نزار، وولّى المصريون بعد المستنصر ابنه المستعلى، مما كان سببا فى انقسام الإسماعيلية إلى شعبتين: شعبة غريبة تدعو إلى المستعلى وتشمل مصر والشام وشعبة شرقية تشمل إيران وتدعو إلى نزار. واتسعت دعوة الحسن بن الصبّاح، حتى ضمت بين جناحيها كرمان وطبرستان والدّامغان وقزوين، واستطاع الاستيلاء على حصن فى غاية المناعة، هو قلعة «ألموت» سنة ٤٨٣ ومعنى اسمها بلسان الديلم تعليم العقاب، كأنها، لعلوها الشاهق، وكر له. وجعله استيلاؤه على هذه القلعة يضع لأتباعه خطة محكمة أن يستولوا على مثيلها فى إيران،

стр. 2630

فاستولوا على «خالنجان» بالقرب من أصفهان بالإضافة إلى ما كانوا استولوا عليه بجوارها من «شاه دز» واستولوا على «طبس» و «قاين» و «تون» و «روزن» و «خور» و (خوسف» فى قهستان وعلى «شمكوه» بجوار أبهر، وعلى «أستوناوند» فى مازندران، وعلى «أردهن» و «كردكوه» وقلعة الناظر فى خوزستان، وعلى «قلعة الطنبور» بجوار أرّجان، وعلى قلعة «خلاّدخان» فى فارس. وكان تملك الحسن بن الصبّاح وأتباعه لهذه القلاع الحصينة سببا فى أن يشعروا بأن لهم سلطانا سياسيا، حتى إذا توفى المستنصر ظلوا يدينون لنزار منفصلين عن الدعوة الفاطمية بمصر، وكان يطلق عليهم اسم الإسماعيليين الباطينيين والحشاشين. وفى الاسم الأخير ما قد يدل على أن كبارهم-على الأقل-كانوا يعرفون المخدر المعروف باسم الحشيش. ومضوا يدعون سرّا لعقيدتهم، وتحولوا إلى جماعات إرهابية تقتل كل من يقف فى سبيل دعوتها، وكان من أهم من قتلوه نظام الملك الوزير السلجوقى المصلح حين تصدى لهم وحاربهم وحاصر قلعتهم «ألموت» على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ونرى ابن الأثير يذكرهم ويذكر ما كانوا يسفكونه من دماء ويثيرونه من رعب على مر السنين، من مثل قتلهم لفخر الملك بن نظام الملك ولعبد الرحمن السميرامى الوزير السلجوقى وللفقيه عبد الواحد الرويانى فى طبرستان والقاضى سعد الهروى فى همذان. وكان السلاجقة يردون على هذه الاغتيالات بقتل بعض زعمائهم وأتباعهم، على نحو ما هو معروف عن قتل ابن عطاش وبعض أتباعه بأصبهان سنة ٤٩٩ وللسلطان سنجر مقتلة عظيمة فيهم سنة ٥٢١ ردا على قتلهم لوزيره معين الملك. وكان الحسن بن الصباح حيا فى أيام هذا السلطان، غير أنه لم يكن يبارح قلعة «ألموت» وبها توفى سنة ٥١٨ للهجرة. وخلفه فى رياسة الطائفة كيابزرك حميد ثم ابنه محمد، وتبعهما دور ظهور الأئمة من أحفاد نزار، إذ ظلت فى أيديهم مقاليد السلطان والدعوة، وظل نشاط هؤلاء الحشاشين أو الإسماعيليين الشرقيين، حتى استطاع المغول فى منتصف القرن السابع الهجرى دكّ حصونهم وقتل آخر أئمتهم ركن الدين خورشاه (٦٥٣ - ٦٥٥ هـ.) وبقتله وتحطيم حصون أتباعه ينتهى عهد الإسماعيلية بإيران، ولا تبقى منهم إلا بقية لا وزن لها، ويعود هذا الفرع الإسماعيلى الشرقى إلى الظهور فى الهند، ويتخذ أصحابه «آغا خان» رئيسا روحيا لهم، وعادة يكون من أحفاد ركن الدين خور شاه الذى كان آخر أمراء قلعة «ألموت». ومنذ قضاء المغول على إسماعيلية إيران تتحول تدريجا إلى قبضة الفرقة الإمامية الاثنى عشرية، ومع ذلك فقد ظل كثيرون يتبعون المذهب السنى، وينعكس ذلك على العلماء

стр. 2631

والفقهاء والصوفية لا بين من كانوا يتخذون العربية لسانهم فحسب، بل أيضا بين من كانوا يتخذون الفارسية لسانا لهم، مثل الشيخ سعدى الصوفى المشهور المتوفى سنة ٦٩١ وله شعر عربى قليل. ولا نصل إلى عصر إسماعيل الصفوى مؤسس الدولة الصفوية (٩٠٧ - ٩٣٠ هـ) حتى يصبح المذهب الإمامى الاثنى عشرى عاما فى إيران إذ أعلنه مذهبا رسميا للدولة. وبذلك غلب على مذهب أهل السنة هناك حتى اليوم. ويحتفل الشيعة وفى مقدمتهم الإمامية من قديم-كما مرّ فى العراق-بعيدين: عيد الغدير، يريدون غدير خمّ، وموعده الثامن عشر من ذى الحجة، وهو الغدير الذى يروون أن الرسول ﷺ أوصى عنده لعلى بالخلافة من بعده قائلا له. أنت منى بمنزلة هرون من موسى، وهو عندهم عيد سرور يظهرون فيه الفرح والزينة، وكان أول احتفال لهم به فى عهد البويهيين، وظل ذلك ثابتا عندهم على مر السنين. أما العيد الثانى فكان مأتما كبيرا، يقيمونه يوم عاشوراء (العاشر من شهر المحرم) من كل عام حدادا على قتل الحسين وآله فيه بكربلاء، تائبين إلى الله ومستغفرين من آثام هذه الكارثة المروعة. وهذا العيد الحزين أقدم من عيد الغدير بكثير، حتى ليرجعه البيرونى إلى زمن بنى أمية، قائلا إن الناس كانوا يظهرون فيه السرور والفرح، بينما كانت العامة (يقصد الشيعة) تكره فيه تجديد الأوانى والثياب (١). وقد استحال منذ عهد البويهيين إلى يوم حداد كبير، يتراءى فيه الشيعة بأجسام ضاوية وشفاه ظامئة وعيون ساهمة باكية، ومن حولهم الشعراء يرثون الحسين رثاء حارّا مصوّرين بؤس العلويين وما احتملوا من آلام التقتيل والاضطهاد فى أيام الأمويين والعباسيين وما عانوا من صنوف البؤس والعذاب والشقاء، وكيف كانت حياتهم كلها محنا وبلاء. وصبغ ذلك الحزن العميق فى تلك الذكرى الرهيبة شعر الشيعة بسواد لا آخر له، فكله شكوى ممضة وعبرات وزفرات وأنّات. وكان من آثار إجلال الإمامية الاثنى عشرية لأئمتهم أن أصبح حجهم إلى قبورهم فى العراق سنّة متبعة، وأصبح للأماكن والأضرحة التى دفنوا فيها قدسية خاصة عندهم، مما جعل البويهيين يهتمون بها، ولعل فى هذا الاهتمام منهم ما يدل على أنهم كانوا إمامية دلالة قاطعة، وكان أول من اهتم بذلك عضد الدولة فإنه شيد ضريحا كبيرا لقبر على بن أبى طالب بالنجف، ونقل إليه جثمانه بعد وفاته فدفن به، كما دفن به أيضا ابناه شرف الدولة وبهاء الدولة (٢). واهتم عضد الدولة أيضا بضريح الحسين، وبنى حوله حضرة

стр. 2632

جليلة (١). ولا يزال عيد عاشوراء حتى اليوم مأتما كبيرا يقام فى كل عام، يقيمه إمامية إيران والعراق. ٥ - الزهد والتصوف (٢) ظلت نزعة الزهد التى تحدثنا عنها فى كتابى العصر العباسى الأول والثانى متغلغلة فى نفوس كثيرين من أهل إيران وفقهائهم ومحدّثيهم، وكانت المساجد بيوتا مفتوحة للعبادة والنسك، وكان الوعاظ لا يزالون يعظون فيها داعين الناس إلى الزهد فى متاع الحياة الفانية وطلب ما عند الله من ثواب الآخرة. وأقبل كثيرون على حياة التقشف والنسك، واقرأ فى كتاب للمحدّثين مثل تذكرة الحفاظ للذهبى أو فى كتاب للفقهاء مثل طبقات الشافعية للسّبكى فستجد صورا قوية للزهد، وسترى من ظل صائما طول حياته، ومن بلغ من نسكه أن لا يرفع رأسه إلى السماء داعيا، ومن يدقق فى أحكام الشريعة مبالغا تحرجا وخوفا من الله مثل أبى محمد عبد الله بن يوسف الجوينى المتوفى سنة ٤٣٨ فقد حكى السّبكى فى ترجمته أنه بلغ من ورعه وتحرجه أنه لم يكن يستند فى داره إلى الجدار المشترك بينه وبين جيرانه ولا يدقّ فيه وتدا وأن جارية أرضعت ابنه إمام الحرمين الفقيه المشهور لبنا وهو فى المهد، فقلبه، ليرده، حتى لم يدع فى باطنه شيئا، قائلا: هذه الجارية ليست لنا وليس من حقنا أن نتصرف فى شئ من لبنها. ولا ريب فى أن كثرة الوعاظ هى التى أعدت-من بعض الوجوه-لسريان هذه الروح المتحرجة الورعة، ويتوقف السبكى مرارا فى طبقاته ليصور لنا وعظ الوعاظ فى نيسابور وغيرها ومدى تأثيره فى نفوس السامعين كقوله عن أحدهم: «صار مجلسه روضة الحقائق والدقائق، وكلماته محرقة الأكباد والقلوب، ومواجيده مقطّرة الدماء من الجفون مكان الدموع، ومفطّرة الصدور

стр. 2633

بالتخويف والتفزيع» (١). وأخذت موجة التصوف فى العصر تزداد حدة وقوة، وكان من مظاهر ذلك كثرة الرّبط المنظمة منذ القرن الرابع الهجرى، وأصل معنى الرباط مكان مرابطة الخيل للجهاد والحرب، وكأن زوايا المتصوفة كانت تبنى لهم فى هذا التاريخ على حافة قواعد الحرب الأمامية لجهاد أعداء الإسلام. واتسع مدلول الكلمة فيما بعد فأخذت تطلق على زوايا المتصوفة عامة، وكأنما أصبحت مكانا لتجمع المجاهدين أينما وجدت. ويقول المقدسى فى أواخر القرن الرابع الهجرى إنه كان فى إسبيجاب فيما وراء النهر على حافة الحرب مع الترك ألف وسبعمائة رباط، بينما كان فى بيكند ألف رباط (٢)، وهى ثغر جليل بين بخارى ونهر جيحون. وإذا كان هذا العدد الضخم من الرباطات فى ثغرين من ثغور الحرب فيما وراء النهر فما بالنا بما كان ببقية الثغور. ويذكر الحجويرى الأفغانى أنه لقى ثلثمائة من مشايخ الصوفية بخراسان ولكل منهم طريقته (٣). ويشير المقدسى إلى كثرة الخانقاهات بإيران وماوراء النهر، وهى بيوت للعبادة كان يتخذها المتصوفة للنسك والإقامة، وهيأت هذه البيوت بسرعة لفكرة الشيخ ومريده، إذ كان يلزم شيوخ التصوف تلاميذ يأخذون عنهم طريقتهم وينشرونها، وكانوا يمنحون مريديهم خرقا حين يتم قبولهم رمزا إلى اعتزالهم متاع الحياة، بل كل الحياة وزخارفها، وكان ذلك يتم عن طريق مجاهدات كثيرة يقوم بها المريد قبل قبوله، وفى مقدمتها التجرد الكامل عن ضرورات الحياة ورفض مباهجها ونبذ متعها وتحمل آلام الفقر والجوع وكل ما يتعلق بالجسد، حتى الزواج فكان كثير منهم لا يتزوجون، بل قل إن كثرتهم الغالبة كانت لا تتزوج، ويحثّ أبو الليث السمرقندى المتوفى سنة ٣٧٣ كل من يستطيع الاستغناء عن الزواج أن يظل أعزب (٤) حتى يتجرد لعبادة الله ويتفرغ تفرغا كاملا. وحتى المرض ينبغى أن لا يهتم به الصوفى فيعرض نفسه على الأطباء للتداوى، فالطبيب هو الله، وهو جانب من عقيدتهم فى التوكل على الله حق التوكل، حتى ليهمل الصوفى كل تصرف شخصى، ويترك نفسه لعناية الله وقضائه، فلا يفكر فى رزقه ولا فى قوته ولا فى غده ثقة فى الله. ودائما يرددون ذكر الله، واتسع ذلك عندهم حتى كانوا يعقدون له اجتماعات تقف بها طائفة منهم فى صفين متقابلين، وهى تذكر الله، متحركة بجسدها دون أقدامها يمينا

стр. 2634

ويسارا، ومنشد ينشد فى أعلى الصفين، وفى أثناء ذلك يهيم نفر منهم وينتشى، حتى ليحس كأنه غاب عن عالم حسه، وهو ما يسمونه بالسكر وكأنما يروى ريّا مسكرا بجمال الذات الإلهية، إذ تمتلئ بنور الله نفسه ويسلبها حواسها الجسدية، فتشعر كأنما تتجرد، عن كل إرادة، لمحبوبها الربانى، وهو ما يسمونه بالمحبة الإلهية، وكأنما الذكر رحيقها المسكر الذى يذيب الصوفىّ فى الجمال الربانى ويجعله يفنى فيه فى وجد لا يماثله وجد. ومنذ الحلاج الذى تحدثنا عنه فى العصر العباسى الثانى أخذ بعض المتصوفة يؤمنون مثله بفكرة الاتحاد بالله، معتقدين أنه يتجلّى فيهم كما يتجلّى فى خلقه، وكأنهم يشاهدونه فى أنفسهم، أو كأنما يحلّ فيهم، مما هيأ لظهور فكرة الحلول عند بعض الغلاة من المتصوفة، وكانت هذه الأفكار سببا فى أن يحدث شئ من الانفصام بين أهل السنة والمتصوفة ووسّع الهوة بين الطرفين أمثال أبى سعيد بن أبى الخير (٣٥٧ - ٤٤١ هـ). أكبر الصوفيين الإيرانيين المتفلسفين فى عصره، وكان يعلى عمل الصوفى بقلبه على أداء فرائض الإسلام وأحكامه، وفى ذلك يقول ابن حزم: «إن من الصوفية من يقول إن من عرف الله سقطت عنه الشرائع. . وبلغنا أن بنيسابور اليوم فى عصرنا هذا رجلا يكنى أبا سعيد بن أبى الخير من الصوفية مرة يلبس الصوف، ومرة يلبس الحرير المحرم على الرجال، ومرة يصلى فى اليوم ألف ركعة، ومرة لا يصلى فريضة ولا نافلة، وهذا كفر محض، ونعوذ بالله من الضلال» (١). وليس هذا كل ما أحدث الهوة بين المتصوفة وأهل السنة، فقد أوغل بعضهم فى آراء ضالة، حتى ليعتنق بعض آراء المزدكية فى العكوف على الخمر واستحلال المحرّم، وغلا بعضهم فى تقدير شيوخ الصوفية حتى قدّمهم على الرسل والأنبياء، يقول ابن حزم: وطائفة من الصوفية زعمت أن فى أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا: من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلّت له المحرمات كلها. . وقالوا إننا نرى الله ونكلمه، وكل ما قذف فى نفوسنا فهو حق» (٢). ولم تقف المسألة عند أفراد، فقد أخذت بعض طوائف الصوفية فى إيران يضعف عندها الوازع الدينى ويشيع عنها اهمال فرائض الإسلام، وسرعان ما تحولوا إلى طوائف من المتسولين، نذكر منهم جماعة الكرامية بخراسان وماوراء النهر، وكانوا، أو قل تحولوا، دراويش يطوفون فى البلدان لابسين أردية من الصوف، ومدلّين فوطا على رءوسهم تحيط

стр. 2635

بها قلانس طويلة، ويقول المقدسى إنهم لا يخلون من أربع خصال: التقى والعصبية والذل والكدية أى التسول (١). ومثلهم الملامتية، وكان مبدؤهم الأساسى الملامة، فالصوفى الكامل فى رأيهم من يرتكب أشياء يلومه عليها الناس، ومن أجل ذلك كانوا يقومون بأعمال ينكرها الشرع، وقد ينتهكون فيها حرمته، حتى يتم لهم مبدؤهم، وأعدوا مثل الكرامية لظهور فكرة الدراويش الرحّل الذين يعيشون على التسول، ويتخذونه ذريعة للبطالة، وكأنما أصبح الصوفى هو المتسول، ولا بأس من أن يسقط عنه الفروض الدينية أحيانا. ولم يكن التسول يغضب أهل السنة بمقدار ما كان يغضبهم إنكار فرائض الإسلام وسننه، مما جعلهم يحملون على المتصوفة حملات شعواء، متهمين لهم بالزندقة والكفر، وزاد هذه الحملات اشتعالا ما وجدوه يتردد على ألسنة المتصوفة وفى كتبهم من كلام عن السكر والفناء واتحاد الصوفى بالذات الإلهية، ومن الحق أنه كان هناك كثيرون من الصوفية لا يلوكون كلمات الاتحاد بالله، ويرون أن الصوفى لا يبلغ مرتبة الكمال إلا إذا أدى الفرائض والسنن، مخلصا صادقا. غير أن هؤلاء لم يكونوا موضع الخصومة مع أهل السنة إنما كان موضعها دراويش الملامتية والكرامية وأمثال أبى سعيد بن أبى الخير، ممن أسقطوا فرائض الإسلام وشعائره. وأخذ هذا الصدع بين الصوفية وأهل السنة يتفاقم، وكان لابد أن يرأب، حتى لا تنشق الأمة على نفسها انشقاقا قد يؤول إلى عواقب وخيمة، فقيّض الله لها صوفيين عظاما، تداركوا هذه الطامة الكبرى كان أولهم أبو نصر السرّاج (٢) عبد الله بن على الطوسى الزاهد صاحب كتاب اللّمع المتوفى سنة ٣٧٨ وفيه قال أبو عبد الرحمن السّلمىّ تلميذه فى كتابه «طبقات الصوفية»: «كان المنظور إليه فى ناحيته فى الفتوة ولسان القوم مع الاستظهار بعلوم الشريعة». فتصوفه لم يكن تصوفا فلسفيا يتغلغل فى الحلول وما إليه، بل كان تصوفا سنيا يرتبط بأداء الفرائض الدينية. وكان رحالة تجوّل فى العالم الإسلامى من نيسابور إلى القاهرة، ووفد على بغداد فأفردت له غرفة خاصة فى جامع الشونيزية وأعطى رياسة الدراويش. ولا نغلو إذا ذهبنا إلى أنه يعدّ مؤسس مدرسة التصوف السنى فى عصره، وهو تصوف يستمد من الكتاب والسنة، وليس فيه حلول ولا شطحات.

стр. 2636

ويوضح مذهبه الصوفى كتابه اللمع الذى أشرنا إليه، وفيه يفيض فى الحديث عن حقيقة التصوف ومذهب الصوفية ومقاماتهم وأحوالهم. وتلقن عنه المذهب فى نيسابور تلميذه أبو عبد الرحمن السلمى، ولقّنه بدوره عبد الكريم (١) القشيرى النّيسابورى، وتتلمذ عبد الكريم أيضا على أبى على الدقّاق، وكان متصوفا سنيا، فوصل تلميذه بهذا التصوف، بل ملأ قلبه به حماسة كما ملأه نفورا من التصوف الفلسفى وما دخل عليه من أفكار بوذية هندية كفكرة التسول والمسكنة، وكذلك ما دخل عليه من أفكار الاتحاد بالذات العلية والحلول. وما توافى سنة ٤٣٧ للهجرة حتى يؤلف رسالته المشهورة التى طوّفت الآفاق غربا وشرقا وقد وجهها إلى جماعات الصوفية فى البلدان الإسلامية، ليصحح لهم أفكارهم عن التصوف بما رسمه فيها من مبادئ التصوف السنى الحقيقى وما سجله من سير أعلام التصوف وأقوالهم، مما يصل التصوف وصلا وثيقا بالشريعة، وهو يستهلها بقوله: «اندرست الطريقة بالحقيقة، ومضى الشيوخ الذين كان بهم الاهتداء، وقلّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسننهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوى رباطه، وارتحلت عن القلوب حرمة الشريعة، فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام، ودانوا بترك الاحترام، وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات، واستهانوا بالصوم والصلاة، وركضوا فى ميدان الغفلات، وركنوا إلى اتباع الشهوات، وقلة المبالاة بتعاطى المحظورات. ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال، وادّعوا أنهم تحرّروا من رقّ الأغلال، وتحققوا بحقائق الوصال، وأنهم قائمون بالحق تجرى عليهم أحكامه، وهم محو، وليس لله عليهم فيما يؤثرونه عتب ولا لوم، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية، واختطفوا عنهم بالكلية، وزالت عنهم أحكام البشرية». وبهذه الرسالة العظيمة التى شرقت وغربت وطارت كل مطار رفع القشيرى الحواجز التى كانت قد استحكمت بين أهل السنة والمتصوفة بل لقد أثبت أنها أقواس وهمية، فالتصوف ليس خصما للشريعة، بل هى قوامه وصراطه الموصّل إليه وأساسه وعماده. ولم يلبث متصوف كبير أن أحكم هذه الصلة إحكاما وثيقا، وهو أيضا نيسابورى، أصله طوسى حقا ولكنه تلقن التصوف السنى فى نيسابور حيث مدرسته الكبرى: مدرسة أبى نصر السراج والقشيرى، ونقصد أبا حامد (٢) الغزالى المتوفّى سنة ٥٠٥ وقد لزم فقهاء

стр. 2637

نيسابور وأخذ عنهم كل ما عندهم، وسرعان ما أصبح شيخا يشار إليه بالبنان، وأكبّ الطلاب على دروسه. وأخذت شهرته تطبّق الآفاق. وقدم على نظام الملك وزير ملكشاه السلجوقى، فعيّنه أستاذا للفقه الشافعى فى مدرسته النظامية ببغداد سنة ٤٨٤ ولم يلبث أن اعترته أزمة نفسية سنة ٤٨٨ فبارح بغداد إلى أداء فريضة الحج، وولّى وجهه نحو الصوامع النائية فى مساجد بيت المقدس ودمشق معتزلا للناس مستغرقا فى تأمل الفرق الإسلامية، واستقر فى نفسه أنه ينبغى تخليص الأمة من الدقائق التى يخوض فيها المتكلمون ومن خلافات الفقهاء وما يتجادلون فيه من فروع دون طائل، وأخذ يحمل على الفقهاء والمتكلمين جميعا حملات عنيفة، مبينا أن ما هم فيه من جدال ليس من الدين فى شئ، وأن من شأنه أن يزعزع العقيدة العامة ويحدث بلبلة فى العقول. وبالمثل حمل على الفلسفة وأعلن عليها حربا شعواء فى كتابه «تهافت الفلاسفة» وخاصة على فلسفة ابن سينا المشائية، ووجّه حملاته بقوة إلى الإسماعيلية فى كتابه «فضائح الباطنية». وهدته تأملاته فى عزلته إلى أنه لابد من الوصل بين التصوف والسنة كى ينمو الشعور الدينى ويصبح تجربة نفسية قلبية بحيث يتعانق عمل القلب وعمل الجوارح فى أداء الشعائر والفروض والنوافل حتى ينهض بها المسلم مصحوبة بالإخلاص وبصدق الشعور الباطنى، وحتى تكون محبة الله الدافع الأساسى لكل ما يصدر عنه من قول وفعل. وألّف على هذا الهدى كتابه «إحياء علوم الدين» محللا فيه الحياة الدينية والأخلاقية للمسلم على مبادئ تستمد من التصوف وروحه، ونقصد التصوف السنى الذى أقام هو والقشيرىّ والسرّاج بنيانه، والذى يرفض أفكار الصوفية الغالية مثل الاتحاد بالله والحلول. وقد جعل القلب أساس السعى إلى الله حتى يقرب منه المسلم وينال محبته ومبتغاه، وحقا لابد أن تؤدّى الفرائض والسنن، ولكن لابد معها من عمق الإخلاص وعمق الشعور الدينى وصدقه، إذ هو جوهر الحياة الدينية. وبذلك وصل الغزالى وصلا وثيقا بين أهل السنة والمتصوفة دون لجاج فى اتحاد المتصوف بالذات الإلهية ودون تعثر فى شباك الحلول، ومع الإيمان بأن أحكام الشريعة أساس الحياة الدينية الصادقة المفعمة بالإخلاص. ومن أهم ما نفذ إليه الغزالى فى

стр. 2638

أثناء كتاباته فكرة الحقيقة المحمدية، وهى تبدو واضحة-كما يقول نيكلسون (١) -فى كتابه «مشكاة الأنوار» وكأن الرسول صورة للأمر الإلهى أو الكلمة الإلهية. وكان لهذه الفكرة تأثير بعيد فى متصوفة الأجيال التالية، ونقصد فكرة الإنسان الكامل الذى يتمثل فى الرسول ﷺ . وقد تكاملت للغزالى هذه النزعة الصوفية فى أثناء عزلته وخلوته بصوامع مساجد الشام مدة عشر سنوات، عاد بعدها إلى بغداد، ولكنه لم يعقد بها مجالس للفقه أو علم الكلام، وإنما عقد بها مجالس للوعظ حدّث فيها بكتابه «الإحياء». وراجع إلى موطنه خراسان وألم بالمدرسة النظامية فى نيسابور مدة يسيرة وتركها إلى طوس مسقط رأسه. وهناك أقام بجانب داره مدرسة للفقهاء «وخانقاه» للمتصوفة، واشتغل بالنسك والعبادة حتى لبّى نداء ربه بعد أن زاوج بين التصوف والشريعة مزاوجة بقيت على مر العصور التالية، وبعد أن هاجم الفلسفة هجوما عنيفا جعلها تسقط أمام التصوف وصولجانه. وقد ازدهر التصوف السنى فى إيران وغير إيران من العالم الإسلامى، بفضل أعلامه الثلاثة السابقين وخاصة الغزالى، ولس معنى ذلك أن التصوف الفلسفى انتهى، فقد ظلت منه أسراب ولكنها أسراب فردية على نحو ما يلقانا عند يحيى السّهروردىّ (٢) الإيرانى المولود بسهرورد سنة ٥٤٥ للهجرة فى الإقليم الإيرانى المعروف باسم إقليم الجبال وقد أكبّ على كتب التصوف والفلسفة. واستوت له فلسفة صوفية إشراقية وسنعود إلى الحديث عنه فى الفصل الرابع. ومن أصحاب التصوف الفلسفى بعد السهروردى صدر الدين الشيرازى المتوفى سنة ١٠٥٠ للهجرة وهو أهم من كتب بعده فى التصوف الإشراقى على نحو ما يتضح فى كتابه «الأسفار الأربعة». ومنذ الغزالى بل قبله منذ السراج والقشيرى ينشط نشاطا واسعا التصوف السنى فى إيران؛ وقد أخذت تظهر فيه مع مر الزمن طرق يتبعها كثيرون، من أهمها طريقة النقشبندية، وكان تيمور لنك يرعى أهلها، كما مر بنا فى القسم الخاص بالعراق، وعاصرتها طريقة البكطاشية، وقد غمست فى التشيع وفى شئ من التصوف الفلسفى. وبدون شك أنتجت إيران فى هذا العصر وخاصة منذ القرن السابع طائفة كبيرة من شعراء التصوف فى الفارسية فى مقدمتهم جلال الدين الرومى (٦٠٤ - ٦٧٢ هـ.) والشيخ سعدى الشيرازى المتوفى سنة ٦٩١ وله بعض قصائد عربية، وخلفه الصوفى الكبير حافظ الشيرازى المتوفى سنة ٧٩١ وفى الحق أن التصوف ظل مزدهرا فى إيران قرونا متطاولة.

стр. 2639

الفصل الثّانى الثقافة ١ - الحركة العلمية نشطت الحركة العلمية فى العصرين: العباسى الأول والعباسى الثانى نشاطا عظيما، فمن تعليم للناشئة فى الكتاتيب إلى تعليم للشباب فى المساجد، ومضت على هذا النحو فى أوائل عصر الدول والإمارات فى إيران وغير إيران، وكانت الناشئة تتعلم الخط والكتابة والقراءة وشيئا من الحساب وبعض آيات القرآن الكريم وسوره وبعض الأشعار. أما المساجد فتحولت بجانب ما كان يقام فيها من صلوات إلى جامعات كبرى، يتعلم فيها الشباب جميع فروع العلم. وكان الأستاذ عادة يستند إلى أسطوانة فى المسجد، ويتحلّق الطلاب حوله، وهو يملى عليهم محاضراته. وكانوا يتكاثرون فى بعض الحلقات، فلا تسمع الصفوف الأخيرة كلام الأستاذ، فينهض مستمل بترديده، حتى تسمعه تلك الصفوف. وكانت أكثر الحلقات طلابا حلقات الفقهاء والمحدّثين. ولم تكن هناك رسوم أو أجور تؤخذ من هؤلاء الطلاب فقد كانت الدولة تتكفل بأجور العلماء، وكان منهم من يأبى أن يأخذ أجرا على دروسه، اكتفاء بما يكسبه من تجارة له أو عمل. ولا نبالغ إذا قلنا إن القرنين الرابع والخامس للهجرة بإيران يعدّان أزهى قرون هذا العصر من حيث النهضة العلمية وبلوغها الأوج المنتظر، ولعل مرجع ذلك إلى التنافس الذى نشأ بين أصحاب الإمارات حينئذ، فقد مضى كل منهم يجهد جهدا بالغا فى أن يضم حوله علماء العصر ليزدان بهم بلاطه وتزدان بهم دولته وكى يبعثوا فى شباب الدولة الطموح إلى تحقيق ما لم يحققه العلماء قبلهم. ولعل عضد الدولة خير من يمثل ذلك بين البويهيين، فقد كان يقدر العلم والعلماء ويجرى الرواتب والأرزاق على الفقهاء والأدباء والقرّاء، فرغب الناس فى العلم، وكان هو نفسه يتشاغل بالعلم، ووجد فى تذكرة له: إذا فرغنا من حل أقليدس كله تصدقت بعشرين ألف درهم، وإذا فرغنا من كتاب أبى

стр. 2640

على الفارسى النحوى تصدقت بخمسين ألف درهم (١). ويقول ابن الأثير: «كان يجلس مع العلماء يعارضهم فى المسائل، فقصده العلماء من كل بلد، وصنفوا له الكتب، منها الإيضاح فى النحو والحجة فى القراءات لأبى على الفارسى، والكناش الملكى فى الطب لعلى ابن العباس المجوسى، وكتاب التاجى فى التاريخ لأبى إسحق الصابئ إلى غير ذلك». وكان خلفاؤه من البويهيين يعنون بالعلم وأهله. وكذلك كان السامانيون، حتى قالوا إن خراسان جنّة العلماء، وكانت بها نيسابور أكبر مركز للعلم بإيران فى العصر، وسيتردد اسمها كثيرا فيما يلى من كلام. وبالمثل كانت الدولة الزّيارية تعنى فى طبرستان بالعلم والعلماء. ولم تكن تقلّ عنها عناية الدولة الخوارزمية بأمرائها الثلاثة فى مدينة خيوه المعروف كل منهم باسم «مأمون خوارزم» ويكفى أن نعرف أنه كان يعيش فى رعاية ثالثهم الذى استولى محمود الغزنوى على إمارته سنة ٤٠٨ للهجرة صفوة من رجال الفلسفة والعلم فى مقدمتهم البيرونى وابن سينا وأبو سهل المسيحى والطبيب ابن الخمّار والرياضى أبو نصر بن العرّاق، وكان محمود الغزنوى قد طلبهم من مأمون خوارزم قبل استيلائه على إمارته، فاستدعاهم وعرض عليهم رغبته، ولبّاها ابن العرّاق وابن الخمار والبيرونى، ورفضها أبو سهل وابن سينا، وولىّ الأخير وجهه نحو قابوس بن وشمكير الزّيارى صاحب طبرستان (٢). وفى هذا ما يدل على مبلغ اهتمام محمود الغزنوى (٣) بجمع الفلاسفة والعلماء فى عاصمته «غزنة» التى جعلها مركزا من أهم مراكز العلوم والآداب فى الشرق الإسلامى وعمت النهضة فى دولته مدنا أخرى مثل هراة. وكثر حينئذ إهداء المؤلفين كتبهم للأمراء، وكانوا أحيانا لا يخصّون بها أميرا واحدا، بل ينتجعون بها أمراء الدول والإمارات المختلفة، على نحو ما كان يصنع الثعالبى، فقد أهدى كتابيه: «المبهج» و «التمثل والمحاضرة» إلى قابوس بن وشمكير أمير طبرستان وجرجان وكتبه: «النهاية فى الكناية» و «نثر النظم» و «اللطائف والظرائف» لمأمون بن مأمون أمير خوارزم، وكتابه «لطائف المعارف» للصاحب بن عباد وزير البويهيين، وكتابيه «سحر البلاغة» و «فقه اللغة» للأمير أبى الفضل الميكالى راعى العلم والأدب فى نيسابور. وكان مما عمل على ازدهار النهضة العلمية فى العصر منذ أوائله تأسيس المدارس فيه، وكانت نيسابور أول مدينة إيرانية سبقت إليها، إذ تأسست بها فى منتصف القرن الرابع الهجرى مدرسة أبى حفص الفقيه، وكان يدرس بها للطلاب ابن شاهويه المتوفى سنة ٣٦١

стр. 2641

للهجرة (١)، وفى أواخر القرن الرابع بنيت بها مدرسة للمحدّث الكبير ابن فورك (٢) المتوفى سنة ٤٠٦ ومدرسة ثانية سميت دار السنة (٣). وكثر بها بناء المدارس فى النصف الأول من القرن الخامس، إذ بنيت بها مدرسة (٤) لأبى عثمان الصابونى شيخ الإسلام المتوفى سنة ٤٤٩ ثم أربع مدارس (٥): هى المدرسة البيهقية، ومدرسة الإستراباذى المتوفى سنة ٤٤٠ بناها لأصحاب الشافعى، والمدرسة السّعدية بناها الأمير نصر بن سبكتكين، والرابعة مدرسة بنيت لأبى إسحق الإسفراينى. ولما أصبحت إيران تابعة للدولة السلجوقية واتخذوا الرىّ حاضرة لهم أخذوا يعنون بالحركة العلمية، ولم يلبث أن وزر لهم فى عهد سلطانهم ألب أرسلان وزيرهم المشهور نظام الملك المولود بطوس سنة ٤٠٨ وقد التحق بخدمتهم منذ انتصارهم على الغزنويين فى سنة ٤٣١ حتى إذا اعتلى ألب أرسلان العرش جعله كبير وزرائه، وكان سياسيا بارعا وله فى السياسة كتاب باللغة الفارسية سمّاه «سياست نامه». وكان شافعى المذهب أشعريا عدوا للإسماعيلية الباطنية، فرأى أن يؤسس مجموعة من المدارس، عرفت كل واحدة منها باسم النظامية، لمحاربة النحلة الإسماعيلية نحلة الحشاشين، ولنشر المذهب الشافعى والنحلة الأشعرية. فبنى ببلخ مدرسة وكذلك بنيسابور وهراة ومرو وأصفهان وآمل فى طبرستان وبالموصل وبغداد. وجميعها تأسست حوالى سنة ٤٥٧ للهجرة، وكان يدرس فيها بجانب الفقه وعلم الكلام على مذهب الأشعرى علوم التفسير والحديث واللغة والفرائض والأدب والرياضيات وكان يختار لكل منها أستاذا كبيرا. وجعل لأساتذتها مساكن ورواتب منتظمة، ورصد لطلابها نفقات مقدّرة، ووقف عليها جميعا أوقافا كثيرة. وألحق بكل مدرسة مكتبة كبيرة تغصّ بالكتب فى كل علم وفن، ما عدا كتب الباطنية الحشاشين. والاهتمام بالمكتبات عند العصور السابقة سبق أن عرضنا له وبيّنا اهتمام الدولة والأفراد به، لأنها أداة الثقافة ومنهلها العذب، وظل الاهتمام بها فى هذا العصر، بل تزايد مع ازدهار الحركة العلمية، فكانت هناك مكتبات الورّاقين التى تعرض فيها الكتب للبيع، وكانت تتكاثر فى المدن الكبيرة حتى تصبح سوقا مستقلا. وكانت هناك مكتبات عامة للدولة كمكتبات نظام الملك التى ألحقها بمدارسه المسماة بالنظامية. وكانت فى كل جامع كبير مكتبة تضم ما يقفه العلماء على طلاب العلم فى الجوامع. وكان هناك رعاة للعلم يبنون

стр. 2642

المكتبات لطلابه، مثل ابن حبّان البستى صاحب كتاب الجرح والتعديل المتوفى سنة ٣٥٤ فقد بنى بنيسابور خزانة كتب ومساكن لطلاب العلم الغرباء وأجرى لهم الرواتب. ويروى أن أبا على بن سوار الكاتب فى دواوين عضد الدولة المتوفى سنة ٣٧٢ أنشأ دار كتب فى مدينة رامهرمز على شاطئ خليج العرب وجعل فيها نفقة لمن قصدها (١). وكان طبيعيا منذ أوائل هذا العصر أن يشغف البويهيون بالكتب وجمعها واتخاذ مكتبات خاصة لأنفسهم، وكان لديهم من ذلك ثلاث مكتبات كبيرة، أولاها مكتبة عضد الدولة، وقد رآها المقدسى ووصفها بقوله: «حجرة على حدة، عليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد، ولم يبق كتاب صنّف إلى وقت عضد الدولة من أنواع العلوم إلا وحصّله فيها، وهى أزج (بناء) طويل فى صفّة كبيرة، فيه خزائن من كل وجه، وقد ألصق إلى جميع حيطان الأزج والخزائن بيوت طولها قامة فى عرض ثلاثة أذرع من الخشب المزوّق، عليها أبواب تنحدر من فوق، والدفاتر منضّدة على الرفوف، لكل نوع بيوت وفهرستات فيها أسامى الكتب، ولا يدخلها إلا كل وجيه (٢)». والمكتبة الثانية مكتبة وزيره ابن العميد، وكانت أكبر من السابقة، ويقال إنها لو حملت ما استطاع أن يحملها إلا مائة بعير (٣)، واتخذ خازنالها ابن مسكويه الفيلسوف المعروف لعصره ويقال بل اتخذه عضد الدولة، ويبدو أنه اتخذه خازنا-كما مرّ فى ترجمته-بعد وفاة ابن العميد وابنه أبى الفتح. والمكتبة الثالثة مكتبة الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة بالرّىّ، ويقال إنها كانت أضعاف مكتبة ابن العميد، إذ كان بها من كتب العلم ما يحمل على أربعمائة بعير أو أكثر. ويقال: كان فهرست خزانة الكتب بمدينة الرّىّ عشرة مجلدات (٤). ولعل فى ذلك ما يصور مدى اهتمام أصحاب الإمارات الفارسية ووزرائهم بالثقافة العربية ومصنفاتها الكثيرة ولم يقف ذلك عند البويهيين والسامانيين والزّياريين والخوارزميين، بل امتد أيضا كما قدمنا إلى عصر الدولة السلجوقية ووزيرها نظام الملك الذى كانت مجالسه تزدان بالعلماء، وكان يحضر سماطه القشيرى وإمام الحرمين وأبو إسحق الشّيرازى، وكثر تصنيف الكتب باسمه من مثل كتاب التبصير فى الدين وتمييز الفرقة الناجية من فرق الهالكين لأبى المظفر طاهر بن محمد الإسفراينى المتوفى سنة ٤٧١. وقدّم له إمام الحرمين أبو المعالى عبد الملك الجوينى كثيرا من كتبه، وله بنى المدرسة النظامية بنيسابور وظل يدرّس فيها عشرين عاما إلى أن توفى سنة ٤٧٨ وكان يحضر دروسه أربعمائة طالب

стр. 2643

وأستاذ (١). وكان الطلاب دائما كثيرين فى حلقات العلماء، فيروى أنه كان يحضر دروس أبى الطيب الصعلوكى مفتى نيسابور أكثر من خمسمائة طالب (٢). وفى هذا ما يدل على إقبال الشباب فى نيسابور على دروس الفقه والدين إقبالا منقطع النظير، ولم يكن ذلك فى نيسابور وحدها، فقد كان عاما فى مدن إيران وماوراء النهر من أرض الشاش وفرغانة، إذ كان حضور حلقات العلماء مباحا للجميع، فكان الناس من كل الأوساط يقبلون عليها، لا أوساط المثقفين فحسب، بل أيضا أوساط العامة، يدل على ذلك من بعض الوجوه ما رواه السبكى فى طبقاته من أن فقهاء الشاش «كتبوا إلى ابن سريج إمام الشافعية ببغداد يعلمونه أن الناس فى ناحيتهم: أرض الشاش وفرغانة مختلفون فى فقهاء الأمصار ممن لهم الكتب المصنفة والفتيا، ويسألونه أن يكتب لهم رسالة يذكر فيها أصول الشافعى ومالك وسفيان الثورى وأبى حنيفة وصاحبيه (محمد وأبى يوسف) وداود بن على الأصفهانى (صاحب مذهب الظاهرية) ويسألونه أن يكون ذلك بكلام واضح يفهمه العامىّ، فكتب القاضى لهم الرسالة» (٣). فالثقافة الفقهية لم تكن وقفا على الفقهاء وتلاميذهم، بل كانت العامة تشارك فيها وفى دقائقها وتفريعاتها الكثيرة لا التى اختلف فيها أصحاب المذاهب الفقهية الكبرى: الشافعى ومالك وأبو حنيفة فحسب، بل أيضا تلك التى اختلف فيها معهم سفيان الثورى وداود بن على الأصفهانى. ونفس ما حدث بين أصحاب مذهب كبير كالمذهب الحنفى من خلاف مثل ما حدث بين أبى يوسف ومحمد بن الحسن الشيبانى وقفت عليه العامة فيما وراء النهر. وظاهرة ثانية تدل على شيوع الثقافة الدينية فى إيران وأنها كانت عامة بين الناس، ولا تخص الرجال بل تعم النساء، وهى تتصل بالحديث النبوى وروايته، إذ نجد طائفة من النساء الإيرانيات يؤخذ عنهن الحديث كما يؤخذ عن علمائه الأثبات، ويذكرن فى تراجم بعض المحدثين وينصّ على أنهم حملوا الحديث عنهن، منهن كريمة المروزية، وعليها قرأ بمكة الخطيب البغدادى المحدّث المشهور صحيح البخارى، وسمع منها أيضا بمكة سعد الأسدآباذى (٤)، فهى لم تحدث فى موطنها فحسب، بل حدثت أيضا فى مجمع العلماء بالحرم المكى، وبأى كتاب؟ بأعظم كتب الحديث إسنادا: صحيح البخارى. ومن هؤلاء المحدثات المشهورات عائشة (٥) بنت عبد الله البوشنجية، وهى من محدّثات القرن

стр. 2644

الخامس الهجرى، ومثلها فاطمة بنت أبى على الدقاق شيخ القشيرى فى التصوف، وعنها أخذ الحديث بنيسابور كثيرون (١). ومن محدّثات القرن الخامس أيضا كريمة (٢) بنت محمد، وشهدة (٣) بنت أحمد. وهن جميعا أدلة على ازدهار الحركة العلمية بإيران. ومن تتمة هذه الأدلة أن نجد العلماء منذ أوائل هذا العصر يحاولون فهرسة كتب المكتبة العربية، موزعين الكتب على علومها المختلفة، على نحو ما هو معروف عن فهرست ابن النديم، وربما كان أهم من ذلك أن نجد معاصره الخوارزمى أبا عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف يؤلف كتابا موسوعيا هو «مفاتيح العلوم» ويهديه إلى أبى الحسن العتبى وزير الأمير نوح السامانى الثانى (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ.) وكان يعيش فى رعايته بنيسابور. والكتاب يشتمل على المصطلحات الفنية للعلوم وتفسيرها وتوضيح دلالاتها، وهو مقالتان: المقالة الأولى فى علوم الشريعة وما يتصل بها، والمقالة الثانية فى الفلسفة وعلوم الأوائل. ٢ - علوم الأوائل: تفلسف ومشاركة تحدثنا فى كتابى العصر العباسى: الأول والثانى عن ترجمة علوم الهند والفرس واليونان، وكيف أنها شملت ما لدى الفرس والهند من مصنفات فى الفلك والرياضيات وما لدى اليونان من مؤلفات فى الرياضيات والطبيعيات. وسرعان ما شارك العرب فى كل ما ترجموه، سواء فى النظريات الفلكية أو فى العلوم الطبيعية، وقد سارعوا فى نقل كتاب المجسطى لبطليموس الإسكندرى وهو فى الفلك والجغرافية ونقل كتاب الأصول لأقليدس فى الهندسة وكتب أرسطو فى علمى الحيوان والطبيعة وفى المنطق وكتب جالينوس وبقراط فى الطب، وترجموا أيضا لأفلاطون وغير أفلاطون كتبا مختلفة. وقد ذكرنا فى كتابى العصر العباسى أسماء المترجمين والنقلة من اللغات المختلفة وأشهر ما نقلوه وترجموه، وعرضنا ذلك كله عرضا مستفيضا. وأوضحنا مساهمة العرب مساهمة حية خصبة فى جميع الميادين العلمية، بحيث ظهر من بينهم أفذاذ فى الرياضيات دوّت شهرتهم فيما بعد فى عالم الغرب مثل محمد بن موسى الخوارزمى الذى يفتتح سلسلة الرياضيين العظام بين العرب، ومثل جابر بن حيان الكيميائى المشهور، ومثل محمد بن زكريا الرازى ذائع الصيت فى عالم

стр. 2645

الطب الذى اكتشف فى وضوح فرق ما بين مرضى الجدرىّ والحصبة ووضع أسسا واضحة للطب النفسى. وكان طبيعيا بعد أن تعمق العرب علوم الأوائل وفلسفاتهم أن يصبح لهم بدورهم فلاسفة نابهون. ويلمع اسم الكندى فيلسوف العرب الأول لعصر المأمون، ويلمع بأخرة من العصر العباسى الثانى اسم فيلسوف كبير هو الفارابى الذى مزج فى فلسفته بين روحانية الإسلام وأفكار فلاسفة اليونان مزجا رائعا، مصطفيا لأمته نظريات فلسفية جديدة. وبانتهاء العصر العباسى الثانى ينتهى عصر المترجمين العظام، وندخل فى عصر جديد هو عصر الفلسفة الإسلامية الخالصة والمشاركة العلمية الخصبة، أما الفلسفة فنبغ فيها اثنان من الفلاسفة الإيرانيين البارعين هما ابن سينا المتوفى سنة ٤٢٨ والبيرونى المتوفى سنة ٤٤٠ للهجرة. وابن (١) سينا أكبر فلاسفة الإسلام، ويلقب بالشيخ الرئيس، وقد احتفظ ابن أبى أصيبعة بترجمة شخصية له كتبها بقلمه، وهو يصور فيها حياته حتى بلغ سن الثانية والثلاثين، وفيها يذكر أن أباه من أهل بلخ وأنه انتقل منها إلى بخارى فى أيام الأمير السامانى نوح بن منصور وتولّى التصرف للسامانيين بقرية خرميثن، وفيها ولد له ابنه سنة ٣٧٠ وانتقل الأب مع أسرته إلى بخارى وعنى بتربيته فأحضر له معلما للقرآن ومعلما للأدب، وما بلغ العاشرة حتى كان قد حفظ القرآن، وأقبل على دراسة الفقه. ويذكر أن أباه كان إسماعيليا ولم يلبث أن أقبل على دراسة المنطق والهندسة والفلك على شخص متفلسف يسمى الناتلى، وكان يقرأ معه إيساغوجى وكتاب أقليدس والمجسطى، ويراه لا يفهمها حق الفهم فكان يشرحها لأستاذه. وأكبّ على علوم الأوائل والطب، وسرعان ما اشتهر وهو لا يزال غلاما فى السابعة عشرة من عمره. واستغلقت عليه الإلهيات حتى قرأ بالصدفة فيها كتابا للفارابى، حلّ له مستغلقاتها. وحدث أن مرض الأمير نوح بن منصور فاستدعوه لمعالجته بعد أن عجز الأطباء عن مداواته، ويكون شفاؤه على يديه، فيوظفه عنده ويغدق عليه

стр. 2646

من أمواله. ويستأذنه ابن سينا فى دخول مكتبة القصر ويأذن له فيجد فيها ما لا يحصى من الكنوز فى علوم الأوائل. ولم تلبث الدولة السامانية أن انهارت فترك بخارى إلى خوارزم، ونزل بعاصمتها «خيوة» عند أميرها مأمون مع من كانوا يلوذون برعايته مثل البيرونى. وسمع محمود الغزنوى بهذه الصفوة من العلماء والمتفلسفة والأطباء فى بلاط أمير خوارزم، فأرسل إليه فى طلبهم، كما مر بنا، وأبى ابن سينا أن يذهب إليه، وأخذ يتنقل فى بلدان إيران حتى وصل إلى جرجان وأميرها قابوس بن وشمكير، فأكرمه وأنزله منزلة عليا، حتى إذا قتل سنة ٤٠٣ ولى وجهه نحو أصفهان وأميرها البويهى علاء الدين بن كاكويه. وظل هناك إلى أن أدركته الوفاة بهمذان سنة ٤٢٨ هـ/١٠٣٦ م وقبره معروف بها إلى اليوم. وعند ابن سينا تمتزج الفلسفة اليونانية بالحكمة الشرقية والروح الإسلامية، ويلقّب بالمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابى، وأكثر مؤلفاته بالعربية، وله مؤلفات بالفارسية، وأيضا له قصائد فلسفية بجانب نثره الفلسفى، وله قصص فلسفية كقصة سلامان وأبسال وقصة حىّ بن يقظان ورسالة الطير. ومصنفاته تعدّ بالمئات، وأشهرها كتاب القانون فى الطب وكتاب الشفاء فى الإلهيات وعلوم الطبيعة والرياضيات. وكان الكتاب الأول عماد الغربيين فى دراساتهم الطبية بجامعاتهم حتى القرون القريبة، وقد ترجموه إلى اللاتينية، ويقال إنه طبع بها ست عشرة مرة فى القرن الخامس عشر الميلادى وعشرين مرة فى القرن السادس عشر. وكتاب الشفاء دائرة معارف كبرى تتناول كل فروع الفلسفة. وابن سينا يتأثر بأرسططاليس، وحاول جاهدا أن يوفق بين آرائه وآراء أفلاطون والأفلاطونية الحديثة والإسلام. ونحا فى كثير من أفكاره نحو الفارابى، وهو يتفق معه فى تفاريع المنطق وفى الإلهيات وما ذهب إليه من أن المادة لا تصدر عن الله، لأنه منزّه عن كل مادة وكل جسم، والله واحد من كل وجه، فلا يصدر عنه كثير لا بالعدد ولا بالانقسام إلى مادة وصورة، وإلا اختلفت الجهات فى ذاته. وهو-لذلك-لا يصدر عنه إلا واحد هو العقل الأول. وعن هذا العقل يصدر عقل يدبّر الفلك (الملائكة) ومنه تصدر نفس كما تصدر مادة هى جرم الفلك، وأخيرا العقل الفعّال الذى تصدر عنه مادة الكائنات فى الأرض وصورها الجنسية كما تصدر النفوس الإنسانية. وطبيعى أن لا يرتضى أهل السنة والمعتزلة منه هذه الآراء. وإذا نحّيناها عن فلسفة ابن سينا وجدناه بعدها يحاول التوفيق بين فلسفته وبين القائلين بسلطان القضاء، فيقول إن كل ما فى الوجود خيرا كان أم شرا بقضاء الله وقدره على نحو ما توضح ذلك رسالته فى القدر. وكان يرى أن من الموجودات ما هو خير محض كالأمور العقلية والسماوية، ومنها ما يغلب عليه الخير كالوجود

стр. 2647

الأرضى والشر فيه من طبيعته لأنه عالم كون وفساد. وكان يذهب إلى أن العقل أعلى قوى النفس، وعنده أن النفوس تنقسم إلى مراتب أعلاها النفوس الكاملة التى تتمسّك بالمثل العليا وبالخير المحض الخالص وكان يعدّ الموت بطلانا للجسم، أما النفس فتبقى خالدة وعلى اتصال بالعقل الكلى، وسعادتها وشقوتها حينئذ ترجعان إلى اتحادها به قوة وضعفا. وفى ذلك يكون الثواب والعقاب. ويخطو ابن سينا بفلسفته خطوة، فيمزجها بالتصوف الذى تفيض على المتصوف فيه اللذات الروحية فلا يرى فى الكون سوى مبدعه وجماله على نحو ما تصور ذلك قصتاه «حى ابن يقظان» و «سلامان وأبسال» وسنلمّ بهما فى الفصل الأخير. وفى الأولى يعود حى بن يقظان الفيلسوف إلى مورد المعرفة الصوفية الإلهية، بينما يتخلص أبسال فى الثانية من أغلال اللذات الحسية موغلا فى اللذات العقلية وما يطوى فيها من لذات الصوفية الروحية. ويوضح ذلك فى كتابه الإشارات، فيقول عن الصوفى ويسميه العارف إنه المتصرف بفكره إلى قدس الله مستديما لإشراق نور الحق على نفسه، وهو يعبد الله لأنه مستحق للعبادة لا رهبة من عقابه ولا رغبة فى ثوابه. والبيرونى (١) هو محمد بن أحمد المولود سنة ٣٦٢ بضاحية من ضواحى خيوه عاصمة خوارزم تسمى بيرون، ولا نعرف شيئا واضحا عن نشأته، ويبدو أنه تلقن معارفه الأولى بخيوه، ولم يلبث أن اتجه إلى الرياضيات والفلك فحذقهما حذقا رائعا، وشغف فى أثناء ذلك بمعرفة أحوال البلدان والأمم، ولم يكد يتدرج فى العقد الثالث من عمره حتى بارح موطنه إلى طبرستان حيث عاش فى رعاية أميرها قابوس، وإليه قدّم أول كتبه: «الآثار الباقية عن القرون الخالية» الذى فرغ من تأليفه حوالى سنة ٣٩٠ وقد صوّر فيه المناهج التاريخية والتقاويم الحسابية لكثير من الأمم المتحضرة وهو أول كتبه العظيمة، وقد طبعه سخاو فى ليبزج سنة ١٨٧٨ وقدم له بمقدمة نفيسة عن البيرونى وأعماله ومكانته. وكان قابوس متقلبا، فخشى البيرونى على نفسه منه، وتركه إلى موطنه وأميره فيه «مأمون خوارزم». وسمع به وبعلمه محمود الغزنوى، فطلبه من أميره، وأبدى البيرونى-فما

стр. 2648

يروى-رغبته فى الذهاب إليه، ويقال: بل ظل مع مأمون خوارزم حتى استولى محمود الغزنوى على دياره فصحبه فيمن أخذهم معه من علماء خوارزم لسنة ٤٠٨ للهجرة. وكان البيرونى شيعيا ومحمود سنيا يضطهد الشيعة، فتحول البيرونى إلى مذهبه، وربما تحول إلى هذا المذهب قبل صحبته لمحمود. وكان محمود ماينى يغزو الهند على نحو ما مر بنا فى الفصل السابق، فكان يسير معه، ويظهر أنه أقام بها سنوات متصلة مكنته من دراستها دراسة علمية خصبة، تعلم فى أثنائها اللغة السنسكريتية وقرأ ما كتبه فيها علماؤها، ودرس فى عمق فلسفاتها ورياضياتها وعقائدها وتقاليدها وجملة معارفها فى التنجيم والتاريخ والفلك، وكل ذلك أودعه كتابه الرائع: «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة» وقد أتمه سنة ٤٢٣ بعد وفاة محمود الغزنوى بعامين. وفى الكتاب قطع بنصها لمؤلفين هنود، وفيه وصف جغرافى مفصل للهند وآرائهم الدينية والفلسفية ومعارفهم وتاريخهم وتقاليدهم وعاداتهم وأعيادهم وأنظارهم فى الفلك والتنجيم. ويقارن مقارنات خصبة بين علومهم وعلوم العرب واليونان والفرس. ويعترف بتفوق المعرفة اليونانية لما تمتاز به من كمال المنهج ومن الدقة والعمق. ويقارن بين أديان الهند وأديان الكتب السماوية مقارنات دالة على تأمل دقيق فى الديانات وفلسفاتها، ويوسع تأمله ليشمل المانوية وغيرها من ديانات الفرس. وفى كل ذلك ينثر آراءه الأصيلة التى تدل على عقل متفلسف دقيق منتهى الدقة. ونراه يبين فى قوة وجوه التوافق بين الفلسفة الفيثاغورية الأفلاطونية والحكمة الهندية. ومن مصنفات البيرونى كتابه القانون المسعودى فى الهيئة والتنجيم ألفه سنة ٤٢١ للسلطان مسعود بن محمود الغزنوى عقب وفاة أبيه وهو دائرة معارف فى الفلك والهندسة والتنجيم، وقد وصفه ياقوت بأنه يعفّى أثر كل كتاب، صنّف فى تنجيم أو حساب، ويقول البيهقى إنه غرة فى وجوه تصانيفه. وفى مقدمته يشيد بالسلطان مسعود الذى قدم إليه الكتاب وقد نشر فى حيدر آباد سنة ١٩٥٣. وللبيرونى كتب أخرى، منها كتاب فى المعادن سماه الجماهر فى معرفة الجواهر، أهداه إلى السلطان مودود الغزنوى، ومنها كتب فى الطب وكتاب فى الصيدلة نشره ماكس مايرهوف فى برلين وكتب أخرى فى الطبيعيات. وفى الحق أنه شخصية فريدة فى تاريخ إيران العربية. ويلحق بهذين الفيلسوفين العظيمين الشهر (١) ستانى أبو الفتح محمد بن أبى القاسم

стр. 2649

المتوفى سنة ٥٤٨ وهو من شهرستان فى شمالى خوارزم، واشتهر بكتابه الفريد «الملل والنحل» الذى ألفه فى سنة ٥٢١ وهو فى علم مقارنة الملل والأديان. وكان تسامح المسلمين مع أهل الكتاب من قديم سببا فى نشأة هذا العلم نشأة مبكرة لدى العرب، فمنذ القرن الثالث الهجرى وهم يؤلفون فيه إلى أن ظهر البيرونى وألف كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة» الذى تحدثنا عنه آنفا، وقلنا إنه يبحث فيه مباحث دقيقة فى الديانات، وجاء بعده ابن حزم الأندلسى المتوفى سنة ٤٥٦ وألف كتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل» وخلفه الشهرستانى، فألف كتابه سالف الذكر عارضا فيه جميع الفرق الإسلامية وديانات أهل الكتاب وديانات غيرهم من أهل الشرك فى اعتدال وإنصاف وبصر نافذ، وهو لا يبارى فى دقته وذكائه وتمييزه بين المعتقدات والملل سواء تحدث عن عالمه الإسلامى أو عن عالم الفرس القديم ودياناته أو عن عالم الهند أو عالم اليونان. وظلت طوال العصر دراسات علوم الأوائل ناشطة وفى مقدمتها الرياضيات والفلك، وقد تقدم العرب بهما فى مطالع هذا العصر خطوات على نحو ما يصوّر ذلك ألدومييلى فى كتابه العلم (١) عند العرب، ومن نابهيهم فى القرن الرابع الهجرى ممن تحدّث عنهم أبو الفتح محمود بن محمد الأصفهانى الذى نقح كتاب المخروطيات لأبولونيوس، وأبو جعفر الخازن الخراسانى، وله كتاب فى الفلك وصف فيه عددا من آلات الرصد الفلكية، وأبو الحسين الصوفى مؤلف كتاب الكواكب الثابتة، وهو محلّى بالرسوم، ويقول ألدومييلى إنه صحّح فيه كثيرا من أخطاء بطليموس، وانتفع بتصحيحاته علماء الفلك المحدثون. واطرد هذا النشاط العلمى فى القرن الخامس إذ نجد أبا الحسن على بن أحمد النسوى يؤلف بالفارسية كتابا فى اللوغارتمات ويترجمه إلى العربية بعنوان المقنع فى الحساب الهندى. ويشمل نظام الملك فى الدولة السلجوقية برعايته الكثير من العلماء الرياضيين، وفى مقدمتهم (٢) عمر الخيام صاحب الرباعيات المشهورة، وله كتاب فذ فى علم الجبر رتب فيه-كما يقول ألدومييلى-الصور المختلفة للمعادلات ذات الدرجة الثانية والثالثة ترتيبا منظما، وقد عهد إليه نظام الملك بإصلاح التقويم، وبنى له مرصدا سنة ٤٧١ ويظن أنه إما كان فى مرو وإما فى أصفهان وإما فى نيسابور، وعيّن له ثمانية من علماء الفلك يساعدونه فأصلح التقويم

стр. 2650

وألف فيه كتابه «التاريخ الجلالى» نسبة إلى السلطان جلال الدين ملكشاه السلجوقى. ومن أشهر الرياضيين بعده نصير (١) الدين الطوسى المولود بطوس سنة ٥٩٧ وقد تلقّفه الإسماعيليون لما رأوا من ذكائه، فأرسلوه إلى عاصمتهم «ألموت» وهناك وجد مكتبة نفيسة أكبّ على ما فيها من كتب الفلسفة والرياضيات، حتى إذا استولى هولاكو على تلك القلعة انتقل نصير الدين إلى خدمته، وكرّمه لما سمع من معرفته بالفلك والتنجيم، وصحبه فى هجومه على بغداد، وانتهز الفرصة فاستولى على كثير من كتبها النفيسة، وكوّن منها مكتبة ضمّت أكثر من أربعمائة ألف مجلد، كما يقول ابن شاكر فى كتابه فوات الوفيات. وساعده هولاكو فى بناء مرصد مدينة المراغة المشهور سنة ٦٥٧ وعيّن معه فيه جماعة من صفوة العلماء الرياضيين، وظل نصير الدين قائما على هذا المرصد حتى وفاته سنة ٦٧٣ وقد ألف زيجا أو قل تقويما أصلح به تقويم الخيام، وألف كتبا كثيرة فى التنجيم والفلسفة والرياضيات والطبيعيات. ومن أشهر تلاميذه قطب (٢) الدين محمود بن مسعود الشيرازى المتوفى سنة ٧١٠ وكان رياضيا فلكيا، ومن كتبه: «نهاية الإدراك فى دراية الأفلاك». ومنهم نجم (٣) الدين على بن عمر الكاتبى المشهور باسم دبيران المتوفى سنة ٦٧٥ وكان موظفا فى مرصد المراغة بأذربيجان واشتهر بكتاب فى المنطق سماه «الرسالة الشمسية فى القواعد المنطقية» وهى مشروحة مرارا. وظل مرصد المراغة مجهزا بأكمل الآلات حتى القرن الثامن الهجرى، وكانت العربية لا تزال فى إيران اللغة الأولى للعلوم، وإن أخذت تزاحمها الفارسية حتى ظفرت بها فى الحقب للتأخرة. وعلى نحو ما نهضت العلوم الرياضية والفلكية نهضت العلوم الطبيعية والطبية، وكانت البيمارستانات تعدّ مدارس كبرى لتعليم الطب والنهوض به، ومن أهم الأطباء فى القرن الرابع الهجرى على (٤) بن العباس المجوسى صاحب الكناش الملكى فى الطب، وقد أهداه إلى عضد الدولة البويهى، وكان يعاصره أبو (٥) سهل المسيحى الذى ألف ما يشبه دائرة

стр. 2651

معارف طبية فى مائة مقالة. ولزين (١) الدين الجرجانى الطبيب المتوفى سنة ٥٣١ موسوعة طبية كتبها بالفارسية سماها «ذخيرة خوارزم شاه» وقد أهداها إلى الشاه الخوارزمى قطب الدين محمد. ويظل الاهتمام بالطب على توالى الحقب، وكذلك ظل الاهتمام بالصيدلة وعلم العقاقير، ويشتهر فى هذا العلم موفق (٢) بن على الهروى فى القرن الرابع الهجرى، كما يشتهر فى الكيمياء الطغرائى الشاعر المشهور وزير السلطان السلجوقى مسعود، وله كتب كثيرة فى الكيمياء (٣)، منها الجوهر النضير فى صناعة الإكسير. وللقزوينى (٤) زكريا بن محمد المتوفى سنة ٦٨٢ للهجرة كتاب طريف فى التاريخ الطبيعى سمّاه «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات». ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الثانى أن كتاب بطليموس الجغرافى وجّه العرب منذ الخوارزمى الرياضى محمد بن موسى إلى التأليف فى علم الجغرافيا أو تقويم البلدان، ونشط فيه التأليف نشاطا واسعا واتبع الجغرافيون العرب حينئذ منهجا طريفا فى وصف البلدان أن يعنوا بالحديث عن عادات الشعوب، ويقصّوا بعض ما سمعوه من الأعاجيب، مما جعل كتبهم الجغرافية تعتمد على المشاهدة وحكاية ما سمعه الجغرافى بأذنه ورآه تحت بصره، وبذلك أصبحت تشبه كتب الرحلات. ويلقانا فى القرن الرابع رحالة مشهور هو أبو دلف الخزرجى مسعر بن مهلهل شاعر الكدية الذى سنترجم له بين الشعراء الشعبيين، وعداده فى شعراء أصفهان، وأصله كما يبدو من لقبه من أهل المدينة، وله رحلة إلى بلاد آسيا الوسطى والشرقية قام بها سنة ٣٣٣ للهجرة وقد نشرت منها وزارة التربية والتعليم المصرية قطعة، حققها المستشرق مينورسكى، وعنى الدكتور محمد منير مرسى بإعادة نشر هذه القطعة كما سيأتى فى الحديث عنه بين الشعراء وفيها يصف أبو دلف بعض مدن الشمال الغربى لإيران. وجاء بعده فى القرن الخامس الهجرى رحالة إسماعيلى، هو ناصر خسرو، وقد كتب رحلته بالفارسية فى كتابه المسمى «سفرنامه» واستغرقت منه الرحلة سبع سنوات (٤٣٧ - ٤٤٤ هـ.) طاف فيها ببلدان موطنه إيران والعراق والجزيرة العربية والشام ومصر، وهى تخرج عن حديثنا لأنها ليست باللسان العربى. وللإيرانيين بجانب هذه الرحلات البرية رحلات بحرية إذ كان ملاحوهم يتعمقون فى المحيطين الهندى والهادى،

стр. 2652

ووصفوا رحلاتهم فيهما وفى المحيطين وجزرهما وشواطئهما فى آسيا وإفريقيا وكل ما رأوه من شعوب وحيوانات برية وبحرية وطيور. ومن أهم ما كتبوا من هذه الرحلات كتاب «عجائب (١) الهند برّه وبحره وجزره وشطآنه» لبزرك بن شهريار الناخداه أى الربان. ويدل اسمه على أنه إيرانى، وتدل حكاياته على أنه كان يعيش فى القرن الرابع الهجرى، وهو يقص فى كتابه قصصا بديعا ما سمعه من حكايات عن الملاحين الذين اقتحموا المحيطين الهندى والهادى ووصفوا ما أبصروه من أسماك وطيور وحيوانات وما ألم بسفنهم من عواصف هوجاء، وما شاهدوه من الشعوب وصناعاتها وعاداتها ودياناتها. وهو كتاب جغرافى وأدبى وقصصى نفيس. وربما كان القزوينى زكريا بن محمد المذكور آنفا أكبر جغرافى أنتجته الحقب التالية فى العصر، واسم كتابه الجغرافى: «آثار البلاد وأخبار العباد» وهو فيه يصف الأقاليم السبعة للأرض، ويذكر ما فيها من البلدان والجزر والأنهار، ويهتم بأحوال السكان ويجمع غرائب عن شعوب هذه الأقاليم فى آسيا وإفريقيا وأوربا وخاصة شعوب الهند والصين، ويقص حكايات عن شعراء الفرس والزهاد فى البلدان الإسلامية، ويعرض عجائب البنيان والآثار ويحكى كثيرا من الأساطير والخرافات مما يجعل كتابه فى بعض جوانبه شبيها بكتب الأدب الخيالية المسلية. ولعل فى كل ما سبق ما يصور ازدهار علوم الأوائل فى إيران حتى القرن الثامن الهجرى، وقد يدل على ذلك من بعض الوجوه إحساس العلماء بكثرة المصطلحات العلمية وأنهم فى حاجة إلى كتاب يجمعها ويعرف بها تعريفا دقيقا، وهو ما جعل السيد الشريف الجرجانى المتوفى سنة ٨١٦ يتجرد لوضع كتاب يفى بهذه الحاجة، على نحو ما يلقانا عنده فى كتابه التعريفات الذى أوضح فيه الاصطلاحات العلمية مرتّبا لها على حروف المعجم ترتيبا دقيقا. ٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد نشط البحث فى اللغة نشاطا واسعا لهذا العصر، إذ كثر العلماء الإيرانيون الذين تصدّوا للمباحث اللغوية، وكان أكبر ما نهضوا به وضع المعاجم، واهتمامهم به قديم، ولذلك

стр. 2653

لا يكون عجبا أن أول نسخة تنشر من معجم العين للخيل بن أحمد، وهو أول معجم وضع فى العربية، إنما تنشر-كما ذكر صاحب الفهرست-من خراسان. ومعروف أن المعجم الثانى فى العربية الذى ألف على منهج معجم العين هو الجمهرة لابن دريد المتوفى سنة ٣٢١ هـ وهو أيضا نشر لأول مرة فى إيران، إذ استدعى عبد الله بن محمد بن ميكال والى الأهواز وفارس ابن دريد من البصرة لتأديب ابنه أبى العباس إسماعيل، وهناك وضع الجمهرة، وكان ترتيب الكلمات فى هذا المعجم-كترتيبها فى معجم العين-على مخارج الحروف ومواقعها من الجهاز الصوتى أى من الحلق واللسان والفم والشفتين. وأول معجم عام وضع فى عصر الدول والإمارات الذى نحن بصدده معجم تهذيب اللغة الذى وضعه أبو منصور محمد (١) بن أحمد الأزهرى الهروى المتوفى سنة ٣٧٠ هـ وسنجد كثيرين غيره من هراة بأفغانستان الحالية يشتركون فى خدمة اللغة وغير اللغة، وكانت هراة تعد جزءا من إيران. ورتّب الأزهرى معجمه على ترتيب معجم العين أى حسب مخارج الحروف، وعرض فى مقدمته لرواة اللغة وترجم لهم موضحا مدى الثقة والتهمة فى أعمالهم. وكان يعاصر الأزهرىّ عالم فاراب إسحق بن إبراهيم الفارابى المتوفى سنة ٣٥٠ للهجرة وقد وضع فى اللغة معجمه ديوان الأدب الذى نشره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، واتبع فيه طريقة جديدة هى ترتيبه حسب الحروف الهجائية باعتبار أواخر الألفاظ وفقا للأبنية المختلفة، ووضع الصاحب بن عباد المتوفى سنة ٣٨٥ هـ معجما كبيرا سماه المحيط لم تبق منه إلا بعض أجزاء لا تزال مخطوطة. وخلفهما أبو الحسين أحمد (٢) بن فارس القزوينى معلم العربية بهمذان المتوفى سنة ٣٩٥ هـ وله معجمان: المجمل ومقاييس اللغة، أما المجمل فمعجم عام رتبه حسب الأبجدية المعروفة لنا اليوم، غير أنه قسم المواد فى كل حرف إلى ثنائى ويشمل المضاعف والمطابق، ثم ثلاثى، ثم ما جاء على أكثر من ثلاثة حروف أصلية، والتزم أن يفتح حديثه فى كل حرف به مع مايليه. ومعجمه مقاييس اللغة على غرار المجمل، عنى فيه بأن يجعل لألفاظ كل مادة لغوية أصلا تردّ إليه أو أصلين. وهو فيه أكثر منه فى المجمل

стр. 2654

عناية بالشواهد والأمثال والعبارات المجازية، بينما هو فى المجمل أكثر منه فى المقاييس عناية بذكر الأعلام. ولأبى نصر إسماعيل بن حماد الجوهرى (١) معاصره المتوفى سنة ٣٩٥ معجمه المشهور: تاج اللغة وصحاح العربية ويشتهر باسم الصحاح، وأصل موطن الجوهرى فاراب شرقى خراسان، رحل فى طلب اللغة إلى بلاد ربيعة ومضر، ورجع إلى خراسان فنزل فى الدامغان ثم ألقى عصاه فى نيسابور، وظل بها يدرس ويصنّف إلى وفاته، ومعجمه مرتب على الحروف الهجائية ولكن لا بحسب أوائل الكلمات وإنما بحسب أواخرها بنفس المنهج الذى اتبعه خاله الفارابى فى معجمه ديوان الأدب، وأوتى المعجم من الشهرة والذيوع ما جعل مؤلفات كثيرة تعنى به عند العلماء فى موطنه وفى غيره. ووضع محمد بن أبى بكر بن عبد القادر الرازى من أهل القرن الثامن الهجرى مختصرا له سماه «مختار الصحاح» ورتبه حديثا محمود خاطر بحسب أوائل الكلمات لا بحسب أواخرها، وهو مطبوع فى عصرنا مرارا وتكرارا. وللزمخشرى (٢) محمود بن عمر المتوفى سنة ٥٣٨ معجم عام سماه «أساس البلاغة» وهو مرتب بحسب أوائل الكلمات ويورد من الأمثلة والشواهد ما يوضح استخدامها، ويعنى ببيان ما جاء فى كل كلمة ومادتها من مجازات مختلفة. ونمضى إلى القرن الثامن فنلتقى بالفيروز ابادى مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازى المتوفى سنة ٨١٧ وسبق أن تحدثنا عنه فى الفصل الثانى من القسم الأول الخاص بالجزيرة العربية. وبجانب هذه المعاجم اللغوية صنع علماء إيران اللغويون فى الحقب الماضية معاجم خاصة للقرآن الكريم والحديث الشريف. منها معجم أبى عبيد الهروى المتوفى سنة ٤٠١ وهو تلميذ الأزهرى، ولم يعن مثل أستاذه بمعجم عام إنما عنى بمعجم خاص لغريب القرآن والحديث سماه كتاب الغريبين، وقد يذكر عند بعض أصحاب التراجم باسم كتاب الغريبين فى لغة كلام الله وأحاديث رسوله أو باسم غريب القرآن والسنة وتفسيرهما، ووضع الزّوزنى (٣) الحسين بن على بن أحمد المتوفى سنة ٤٨٦ بعده معجما بالعربية والفارسية سماه

стр. 2655

ترجمان القرآن. وجاء بعده الراغب (١) الأصبهانى الحسين بن محمد المتوفى سنة ٥٠٢ ووضع كتابه أو معجمه مفردات ألفاظ القرآن أو مفردات غريب القرآن، وهو معجم لا نظير له فى بيان دلالات ألفاظ القرآن، ولا يستغنى عنه ناظر فى آيات الذكر الحكيم ولا مفسر للقرآن الكريم. ووضع الزمخشرى المذكور آنفا معجما لألفاظ الحديث النبوى سماه الفائق فى غريب الحديث. وبجانب هذا النشاط اللغوى نشط علماء اللغة فى إيران فى دراسة الأمثال وعمل معاجم لها تتضمن شرحها، ويمكن أن ندخلها فى المعاجم الخاصة، ولعل أول من يصادفنا فى هذا الباب حمزة (٢) الأصفهانى المتوفى سنة ٣٥٠ وكان يتهم بشعوبيته لافتخاره بنسبه إلى الفرس، ولأنه فيما يقال وضع كتابا لعضد الدولة البويهى فى الموازنة بين العرب والفرس، وينفى عنه بروكلمان هذه التهمة، ويقول إنه لم يعاد العرب بل أنصفهم وأعلى ذكرهم! . وله فى الأمثال معجم بما صيغ منها على وزن أفعل التفضيل مثل قولهم «أحلم من الأحنف» وسماه الدرة الفاخرة، وصنع الصاحب المذكور آنفا أمثال المتنبى، استخرج من شعره الأبيات التى تجرى مجرى المثل. وكان يعاصره أبو هلال (٣) العسكرى المتوفى سنة ٣٩٥ وقد ولد بعسكر مكرم فى إقليم خوزستان وإليها ينسب، وتعلم بها، واحترف التجارة، ولم تشغله عن التنصيف والتأليف، وله فى الأمثال معجم سماه جمهرة الأمثال رتبه على حروف المعجم، ذكر فيه منها نحو ألفى مثل. وشرحها شرحا وافيا مبينا مضاربها ومواردها، وأعقب كل باب بما ذكر حمزة الأصفهانى فيه من الأمثال المصاغة على وزن أفعل. وجاء بعده الميدانى (٤) أحمد ابن محمد المتوفى سنة ٥١٨ فألف أهم معجم بين كتب الأمثال سماه مجمع الأمثال. حاول فيه أن يستقصى الأمثال العربية، وهو استقصاء لم يسبق إليه، مع شرحها شرحا مستفيضا. وخلفه الزمخشرى الذى ذكرناه آنفا فألف معجمه «المستقصى فى الأمثال»، وهو مرتب على الحروف الهجائية مثل معجم الميدانى. ولكنه لا يبلغ مبلغه من السعة

стр. 2656

والدقة. ويدخل فى هذا النشاط المعجمى بعض اللغويين وضع معاجم لألفاظ الفقهاء مثل المغرب فى ترتيب المعرب لناصر (١) المطرّزى الخوارزمى المتوفى سنة ٦١٠ خليفة الزمخشرى فى وطنه خوارزم. ومعجمه يتناول الألفاظ الغريبة التى يستخدمها الفقهاء. وحاول اللغويون فى إيران أن يضعوا كتبا تجذب القارئ بمنهجها مثل ديوان الأدب المارّ ذكره وهو يتناول أبوابا صرفية، وأهم منه كتاب الصاحبى فى فقه اللغة ألفه أحمد بن فارس المذكور آنفا باسم الصاحب بن عباد، وهو أول كتاب منهجى فى موضوع أصل اللغة العربية وخصائصها. واهتم اللغويون بما يعرض للكلمات من أخطاء، وتجرّد لذلك أبو أحمد (٢) العسكرى خال أبى هلال، فصنف كتاب التصحيف والتحريف وتوالت بعض الكتب فى هذا الموضوع. ولم يقتصر نشاط اللغويون فى إيران على كل ما قدمنا. فقد بذلوا جهودا خصبة فى شروح الشعر ومن أهمها شرح الواحدى لديوان المتنبى وشرح الزوزنى المار ذكره على المعلقات السبع وقد طبع مرارا ويتداوله الطلاب فى الجامعات العربية. واشتهر التبريزى أبو زكريا يحيى بن على المتوفى سنة ٥٠٢ بكثرة ما صنف من شروح، تناول فى بعضها الشعر القديم وفى بعضها الشعر المولد، وقد تحدثنا عن نشاطه فى هذا الاتجاه بين اللغويين فى العراق، وشرح الزمخشرى بعده لامية العرب للشنفرى، وشرح المطرزى خليفته مقامات الحريرى. ونهض اللغويون بمحاولة أخرى هى جمع الأشعار والكلم البليغة، وألفوا فى ذلك مصنفات مختلفة، منها ديوان المعانى لأبى هلال العسكرى، وكتاب نثر الدرر لأبى سعيد منصور بن الحسن الآبى (٣) من أدباء القرن الخامس وكتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصبهانى المذكور آنفا وألف بأخرة من العصر بهاء الدين العاملى المتوفى سنة ١٠٣٠ للهجرة كتابيه الكشكول والمخلاة، وهما كتابان نفيسان بما جمعا من طرائف النثر والشعر. ولم يكن اهتمام النحاة بالنحو أقل من اهتمام اللغويين باللغة، وكثير منهم لهم كتب

стр. 2657

نحوية متنوعة غير أننا سنكتفى بذكر الأمهات وأصحابها، وأول من نقف عنده ابن درستويه الفارسى المتوفى سنة ٣٤٧ وقد مرّ ذكره بين اللغويين فى العراق، وأهم منه إمام النحاة عامة فى القرن الرابع الهجرى أبو على الفارسى (١) المولود بالقرب من شيراز سنة ٢٨٨ وكان رحلة فى تدريسه، فأيام فى شيراز وأيام فى عسكر مكرم بخوزستان وأيام فى كرمان، وأيام أخرى فى بغداد أو فى حلب أو فى الكوفة أو فى دمشق، وله كتب يسميها المسائل كل منها منسوب إلى بلدة من هذه البلدان فهناك المسائل الشيرازية والعسكرية والحلبية، وهكذا. وبجانب ذلك له كتب مستقلة عنى القدماء بشرحها مثل الإيضاح والتكملة وقد صنفهما باسم عضد الدولة. وهو أستاذ ابن جنى، وفى كل مكان من كتبه ينقل عنه وخاصة فى الخصائص وما وضعه فيه من القواعد الكلية، حتى ليخيّل إلى الإنسان كأن أكثر الأصول والآراء التى سجلّها ابن جنى فى كتبه إنما استمدها من إملاءات أبى على الفارسى. وهو فى آرائه النحوية ينتصر مرة للخليل وسيبويه وغيرهما من البصريين، ومرة ثانية ينتصر للكوفيين، ومرة ثالثة يستنبط آراء مبتكرة لم يسبق إليها، نافذا بذلك إلى المذهب (٢) البغدادى الجديد فى النحو الذى كان يقوم على الانتخاب من آراء مدرستى الكوفة والبصرة مع الخلوص إلى آراء وأحكام نحوية جديدة. وكان يعاصره أحمد بن فارس الذى مر بنا ذكره، وله كتب نحوية كان يذهب فيها مذهب الكوفيين، واقترح للنحو مقدمة على شاكلة إيساغوجى فى المنطق، سماها مقدمة فى النحو. ومن نحاة إيران فى القرن الخامس عبد القاهر الجرجانى وسنفصل الحديث فيه بين البلاغيين، غير أننا نشير إلى أن له كتابا فى النحو سماه العوامل المائة، عنى به الشراح طويلا. ويأتى بعده الزمخشرى، وله كتب نحوية مختلفة، أشهرها المفصّل، وقد جعله فى أربعة أقسام: قسم للأسماء تحدث فيه عن المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والنسب والتصغير والمشتقات، وقسم للأفعال وأنواعها المختلفة وقسم للحروف وأصنافها الكثيرة، وقسم للمشترك أراد به الإمالة والزيادة والوقف والإبدال والإعلال والإدغام، وقد شرح هذا الكتاب مرارا، وأهم شروحه شرح ابن يعيش فى عشر مجلدات. وهو فى الكتاب

стр. 2658

بغدادى ينتصر تارة للبصريين وتارة للكوفيين وتارة لمن تلاهم من البغداديين وينفذ إلى بعض الآراء الجديدة، فهو ينتخب آراءه من المدارس السابقة عليه، وينفرد بآراء جديدة (١). وتلك هى أصول المذهب البغدادى فى النحو الذى استحدثه ابن كيسان والزجاجى وثبّته بعدهما أبو على الفارسى وتلميذه ابن جنى. ويؤلف المطّرزى كتابا فى النحو يسميه المصباح ويشرحه كثيرون. وإمام النحاة بعد ذلك فى إيران الرضى (٢) الإستراباذى نجم الدين محمد بن الحسن المتوفى حوالى سنة ٦٨٦ ومولده ومرباه فى إستراباذ من أعمال طبرستان، وقد عنى بعملين لابن الحاجب المصرى، هما الكافية فى النحو والشافية فى الصرف، فشرحهما شرحا واسعا ساق فيه آراء النحاة منذ سيبويه حتى عصره، وفى ذلك ما يدل من بعض الوجوه على عمق الثقافة النحوية فى إيران حتى أواخر القرن السابع الهجرى وهو فى شرحه للكتابين بغدادى المذهب، فهو ينتخب من المدارس النحوية السابقة آراءه مفصّلا القول فى اختلاف النحاة، ومن حين إلى آخر ينفرد بآراء مبتكرة. وازدهرت مباحث البلاغة بجانب مباحث النحو واللغة، بل لعل هذه المباحث لم تنشط فيها بيئة كما نشطت إيران، وأول من نقف عنده فيها أبو أحمد العسكرى الذى عرضنا له آنفا، فقد ألف فيها كتابا فى صناعة الشعر وهو يعرض فيه لصور البديع بالمعنى العام بحيث يشمل فنونه وفنون البيان، والرسالة مفقودة غير أن ابن أخته أبا هلال العسكرى احتفظ منها بكثير من بحوثها فى كتابه الصناعتين، وبالمثل نقل عنها كثيرا الباقلانى فى كتابه إعجاز (٣) القرآن. وكتاب الصناعتين لأبى هلال مطبوع مرارا، وهو يريد بالصناعتين صناعتى الكتابة والشعر، وقد جعل الكتاب فى عشرة (٤) أبواب: باب لموضوع البلاغة وحدودها، وباب ثان لتمييز جيد الكلام من رديئه، وباب ثالث لمعرفة صنعة الكلام، وباب رابع لحسن النظم، وباب خامس لشرح الإيجاز والإطناب، وباب سادس للسرقات الشعرية، وباب سابع للتشبيه، وباب ثامن للسجع والازدواج، وباب تاسع لفنون البديع وهو أطول الأبواب، وباب عاشر لحسن المبادئ والمقاطع وجودة القوافى ودقة الخروج من النسيب إلى المديح. وخلف أبا هلال القاضى عبد الجبار (٥) قاضى قضاة البويهيين بإيران المتوفى سنة ٤١٥

стр. 2659

وقد عرض فى موسوعته الكلامية «المغنى فى أبواب التوحيد والعدل» لإعجاز القرآن فى الجزء السادس عشر منها. وأدّاه الحديث فى الإعجاز إلى عرض كلام أبى هاشم الجبّائى فى أن المدار فى الإعجاز ليس على نظم القرآن وإنما على فصاحته. ويأخذ عبد الجبار فى توضيح معنى الفصاحة، فيقول-كما قال عبد القاهر الجرجانى من بعده-إن الفصاحة لا تظهر فى أفراد الكلام، فالكلمة فى نفسها لا تعدّ فصيحة، بل لابد من ملاحظة أبدالها ونظائرها وحركاتها فى الإعراب ومواقعها فى التقديم والتأخير. وبذلك يقترب بوضوح من عبد القاهر فى تفسيره للنظم فى كتابه دلائل الإعجاز، إذ يشير فى صراحة إلى الخصائص النحوية وما ترسم من فروق فى الكلام، أو بعبارة أدق يريد-كما أراد عبد القاهر- النظام النحوى للكلام. ويمنع عبد الجبار-كما منع عبد القاهر فيما بعد-أن يكون للفظة صفة أدبية فى الكلام من حيث هى لفظة مفردة، فالمدار على موقع الكلمة وكيفية إيرادها وطريقة أدائها. ويقول عبد الجبار إن حسن النغم وجمال اللفظ لا وزن له فى الفصاحة، مع أنهما يضيفان إلى الكلام رونقا وبهاء. وهذه النظرية (١) الجديدة للفصاحة تناولها عبد القاهر الجرجانى (٢) المتوفى سنة ٤٧١ كما قدمنا، فبسطها أعظم بسط وفسرّها أروع تفسير بحيث أصبحت منسوبة إليه عند القدماء والمحدثين إذ وضع على أساسها علم المعانى المعروف بين علوم البلاغة العربية، فالأصل من لدن عبد الجبار والعلم بشعبه وتفاريعه التى يصورها كتاب دلائل (٣) الإعجاز من لدن عبد القاهر. وكما وضع علم المعانى وضع علم البيان وضعا نهائيا فى كتابه (٤) أسرار البلاغة، وضعه بتشبيهاته وتفريعاتها الكثيرة وباستعاراته التصريحية والمكنية والتمثيلية وبمجازاته اللغوية والعقلية، مع روعة العرض وطرافته، ومع الاهتمام الطريف بالجوانب النفسية. ويخلفه الزمخشرى فيطبق فى تفسيره الكشاف مباحثه فى علمى المعانى والبيان تطبيقا حيا خصبا مضيفا إليها من حين إلى حين إضافات (٥) بارعة، سواء فى

стр. 2660

المعانى الإضافية التى يصورها علم المعانى عند عبد القاهر أو فى فنون البيان التى يصورها أيضا عبد القاهر. وعنى ببعض ألوان البديع مثل الطباق والمشاكلة واللف والنشر والالتفات وتأكيد المدح بما يشبه الذم ومراعاة النظير والتقسيم والاستطراد والتجريد. وتتحول البلاغة بعد الزمخشرى وعبد القاهر إلى قواعد جامدة جافة، وأهم من دفعها نحو هذا الاتجاه عاجلا الفخر (١) الرازى المتوفى سنة ٦٠٦ وقد أوغل فى دراسة الفلسفة والعلوم الدينية، وطاف بكثير من البلدان الإيرانية واستقر بمدينة هراة حتى وافاه أجله وهو يمتاز فى تآليفه الكثيرة بالقدرة على تشعيب الأفكار وتقسيمها وتفريعها، يمده فى ذلك عقل متفلسف، إذ كان قد درس الفلسفة دراسة عميقة، وله كتب مختلفة فى التفسير والفقه والطب والكيمياء وعلم الكلام. ويهمنا كتابه فى البلاغة الذى سماه: «كتاب نهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز» وهو يعلن فى مقدمته (٢) أنه سينظّم ما كتبه عبد القاهر فى مصنفيه: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وينوه بصنيعه قائلا. «ولما وفقنى الله لمطالعة هذين الكتابين التقطت منهما معاقد فوائدهما ومقاصد فرائدهما وراعيت الترتيب مع التهذيب، والتحرير فى التقرير، وضبطت أوابد الإجمالات فى كل باب بالتقسيمات اليقينية، وجمعت متفرقات الكلم فى الضوابط العقلية، مع الاجتناب من الإطناب الممل والاحتراز عن الاختصار المخل». وكأنه يعرّفنا بلسانه ما صارت إليه المباحث البلاغية الرائعة عند عبد القاهر من تقسيمات وتفريعات وضوابط وقواعد أحالتها هيكلا لا حياة فيه فقد ألقت فيها السموم الفلسفية المنطقية ما أحالها شاحبة باهتة. ولم تنفعه إضافات الزمخشرى فقد بثّ فيها نفس السموم. وبالمثل ما نقله عن مواطنه رشيد الدين الوطواط المتوفى سنة ٥٧٣ إذ نقل عن كتابه الذى وضعه بالفارسية وسماه «حدائق السحر فى دقائق الشعر». ما ذكره فيه من ألوان البديع، وأسعفه فى هذا النقل أن الوطواط ساق أمثلة النثر والشعر فى كتابه من الأدبين الفارسى والعربى. ولم تسلم هذه الألوان بدورها عند الرازى من الجفاف الشديد. ويخلفه السكاكى (٣) سراج الدين يوسف بن محمد بن على المولود فى خوارزم سنة

стр. 2661

٥٥٥ وقد مضى يعبّ فى موطنه من جداول الفلسفة والمنطق، وأكبّ على العلوم الإسلامية وعلوم العربية يهل منها، وذاعت شهرته، فقصده الطلاب، وظل يعلّم ويلقى محاضراته إلى أن توفى سنة ٦٢٧. ويشتهر السكاكى بتأليفه فى البلاغة كتابه «المفتاح» وقد جعله فى ثلاثة أقسام (١): قسم لعلم الصرف، وقسم ثان لعلم النحو، أما القسم الثالث فقصره على علمى المعانى والبيان، وألحق بهما ذيلا تناول فيه مبحثا عن الفصاحة والبلاغة ومبحثا ثانيا لألوان البديع اللفظية والمعنوية. وقدّم لعلوم البلاغة بمبحث واسع فى علم المنطق، وتلاه بمبحث فى علمى العروض والقوافى، وبذلك تضمّن المفتاح علوم الصرف والنحو والمنطق والمعانى والبيان والبديع والعروض والقوافى، وشهرة الكتاب إنما ترجع إلى ما كتب فيه عن علوم البلاغة ملخّصا، إذ الكتاب أشبه بمنن فى كل ما خاض فيه من مباحث، وهو متن استضاء فيه بالفخر الرازى قبله، مع تفوقه عليه فى الدقة وضبط الأقسام، غير أنه يخلو خلوّا تاما من تحليلات عبد القاهر والزمخشرى، ويصبح الكتاب متنا لعلوم البلاغة يحصى قوانيها وقواعدها، مع خلوه من كل ما يؤنس النفس، إذ وضعت تلك القواعد والقوانين فى قوالب منطقية شديدة الجفاف، وهى قوالب يداخلها غير قليل من الالتواء بسبب كثرة التقسيمات، مما جعل الكتاب أو قل المتن فى حاجة إلى الشرح والتوضيح، وتوالت الشروح، فشرحه قطب الدين محمود بن مسعود الشيرازى وقد تقدّم ذكره بين علماء الرياضيات والنجوم، وشرحه كثيرون من مواطنيه، من أشهرهم سعد (٢) الدين مسعود بن عمر التفتازانى المولود فى تفتازان شرقى إيران سنة ٧٢٢ وأبعده تيمور لنك إلى سمرقند، وبها توفى سنة ٧٩١ وله كتب كثيرة فى المنطق والنحو. وممن شرح «المفتاح» السيد الشريف (٣) الجرجانى المتوفى سنة ٨١٦ صاحب كتاب التعريفات الذى مر بنا ذكره، وله أيضا تأليفات كثيرة فى المنطق وقواعد البحث. وصنع الخطيب القزوينى خطيب جامع دمشق فى سنة ٧٣٩ تلخيصا لهذا المتن موجزا أشد الإيجاز. فتصدّى له سعد الدين مسعود التفتازانى بالشرح، وشرح شرحه تلميذه السيد الشريف الجرجانى بعمل حاشية عليه. ويتوقف عمل علماء البلاغة فى إيران عند صنع الشروح والمتون الموجزة التى يعودون إليها بالشرح وشرح الشرح أو وضع الحواشى عليه.

стр. 2662

وعلى نحو ما نشطت المباحث البلاغية فى إيران نشطت المباحث النقدية فى هذا العصر، وأول ما يلقانا منها رسالة الصاحب بن عباد فى الكشف عن مساوى المتنبى، وهو فيها ساخط عليه سخطا شديدا، وقد يردّ سخطه إلى عامل شخصى هو أن المتنبى أبى أن يمدحه، وأهم مساوى المتنبى فى رأيه الغموض فى أشعاره على طريقة الصوفيين فى عباراتهم الموهمة، وأنه استخدم الألفاظ الممعنة فى الغرابة، ورداءة المطالع كما يقول، والمبالغة المسرفة والاستعارة الذميمة، والنظم على القوافى الصعبة. ويلقانا فى خراسان لعصر نوح بن منصور السامانى (٣٦٦ - ٣٨٧ هـ.) راوية للمتنبى يسمى المتيم (١) وله فيه وفى شعره كتاب الانتصار المنبى عن فضل المتنبى وهو من الكتب المفقودة. وكان المتنبى قد شغل الناس فى إيران وغير إيران وأكثروا من التخاصم والجدل فى شعره، فألف على (٢) بن عبد العزيز الجرجانى المتوفى سنة ٣٩٢ كتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه، وكان من قضاة الدولة البويهية فى إيران، فرأى أن يعرض شعر المتنبى على موازين القضاء العادل، وهدته هذه الموازين منذ الصفحات الأولى إلى أنه ينبغى أن لا يحكم على الشاعر بما أساء فيه، فلكل شاعر إساءاته وسقطاته، وإنما يحكم عليه بإحسانه وما جوّد فيه، ولذلك سارع إلى الحديث عن أغلاط الشعراء القدماء والمحدثين فى معانيهم وألفاظهم، ليبين أن شاعرا ممتازا من السابقين لم يخل شعره من هذه الأغلاط، وعرض لبعض ألوان البديع وصوره، ويفيض فى بيان الحسن والقبيح عند الشعراء وخاصة عند أبى نواس وأبى تمام. ويلمّ بطائفة من أبيات المتنبى التى أخذت عليه لبعد فى الاستعارة أو غرابة فى اللفظ أو تعقيد فى الكلام. ويوضح كيف أن ذلك عند المتنبى قليل. ويشيد بمطالعه الجيدة وحسن تخلصه ومعانيه الدقيقة، ويتحدث عن سرقاته حديثا مستفيضا مبينا أن السرقات شركة بين الشعراء جميعا. ولعلى بن عبد العزيز فى ثنايا كتابه نظرات نقدية تحليلية رائعة، منها ما يتصل بالغلو والمبالغة فى الشعر، ومنها ما يتصل بأثر البيئة فى الشعر والشعراء، ومنها ما يتصل بدقائق التشبيهات والاستعارات (٢). ويأتى بعده الثعالبى (٣) المتوفى سنة ٤٢٩ ويعقد فى كتابه اليتيمة فصلا طويلا عن المتنبى فيما له وما عليه، استغرق من الكتاب نحو مائة صفحة، وقد استهله بقوله عنه: «نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر فى صناعة

стр. 2663

الشعر» ويبدأ بنبذ عن ابتداء أمر المتنبى، ويورد بعض أخباره، ثم يعرض طائفة من معانيه التى استظهرها علية الكتاب فى عصره برسائلهم من أمثال الصاحب بن عباد وأبى إسحاق الصابئ وأبى العباس الضّبّى والخوارزمى، كما يعرض طائفة من المعانى التى سرقها الشعراء منه من أمثال أبى الفرج الببّغاء والمهلبى الوزير والصاحب بن عباد والسّرىّ الرفّاء ويقول عنه إنه كثير الأخذ من المتنبى، ويذكر معه أيضا أبا بكر الخوارزمى وأبا الفتح البستى وأبا الحسن السلامى وأبا القاسم الزعفرانى. ويعرض لبعض سرقات المتنبى من غيره وما تكرر من معانيه، ثم يسترسل فى بيان مساوى شعره مستضيئا فى ذلك بما كتبه الصاحب بن عباد فى رسالته آنفة الذكر، ثم يفيض فى بيان محاسن شعره، مشيدا بنسيبه بالأعرابيات، ومخاطبة الممدوح بمثل مخاطبة المحبوب والصديق، واستعمال ألفاظ الغزل والنسيب فى أوصاف الحرب وما اشتهر به من الأمثال والحكم وطرائف المعانى. وكان يعاصر الثعالبى ناقد يسمى أبا القاسم (١) عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهانى عاش فى النصف الأخير من القرن الرابع والربع الأول من القرن الخامس، وقد ألف كتابا نشر أخيرا فى تونس سماه الواضح فى مشكلات شعر المتنبى، ذكر فى مقدمته نبذة عن المتنبى عرض فيها لنشأته فى الكوفة ولبعض أخباره عن معاصريه من البغداديين والشاميين والشيرازيين، ورماه فى هذه المقدمة بخبث الاعتقاد، وقال إنه وقع فى صغره إلى شخص يسمى أبا الفضل من الكوفة كان من المتفلسفة فهوّسه وأضلّه. ثم مصى يستدل بأبيات من شعره على أخذه بمذهب السوفسطائية وعقيدة التناسخ ورأى الفضائية والإسماعيلية، وعرض لوصف شعره وأن نعت الخيل والحرب من خصائصه، وأن له النادر البدع، وفى بعض ألفاظه تعقيد وتعويص. ثم أخذ يناقش ابن جنّى فى كثير من تفسير شعره مرتبا الأبيات التى ناقشها على الحروف الهجائية، وهو يدل فى نقاشه على قدرة فى فهم الشعر وتحليل معانيه. وقد بدأ تحليلاته بقول المتنبى: أأحبّه وأحبّ فيه ملامة ... إن الملامة فيه من أعدائه وذكر أن اين جى زعم أنه ناقض بذلك أبا الشّيص فى قوله: أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوم ويعلق على ذلك بقوله: معنى المتنبى بخلاف قول أبى الشيص، وإنما يريد المتنبى: إنى أحب حبيبى واللوّام ينهون عنه فكيف نأتلف، وأبو الشيص يريد بقوله: أحب اللوم لا لنهى عن هواك بل لتكرر ذكرك فى تضاعيف الكلام وأثناء الملام. ومضى الأصفهانى على هذا النحو يرد على ابن جنى بعض تفسيراته لشعر المتنبى حتى نهاية الكتاب. وعنى بالرد

стр. 2664

على تفسيرات ابن جى إيرانىّ ثان هو أبو على بن فورّجة (١) البروجردىّ المتوفى سنة ٤٣٧ وقد كتب فى ذلك كتابين: كتاب الفتح على فتح أبى الفتح لابن جنى يقصد كتابه الفتح الوهبى على مشكلات المتنبى وقد نشره الدكتور محسن غياض ببغداد نشرة علمية محققة. ولابن فورجه كتاب ثان فى الرد على ابن جنى سمّاه كتاب التجنى على ابن جنى، والأبيات فى كتاب الفتح مرتبة على الحروف الهجائية، وعماده الرد على ابن جنى، وفيه أيضا ردود على القاضى على بن عبد العزيز الجرجانى فى وساطته وأبى على الحاتمى فى رسالته الحاتمية والصاحب بن عباد فى كشفه عن مساوى المتنبى، وهو يغلط-كما لاحظ الدكتور غياض-فى ردوده على الصاحب إذ يراه متحاملا عليه متجنيا! وفيه يقول: «ما شهدت أحدا من الفضلاء وذوى العقول يذم المتنبى غير هذا الظالم». ويبدو من ملاحظات ابن فورجة فى الكتاب وسوقه لكلامه أنه من أنصار المتنبى وأنه درس شعره دراسة نقدية جيدة جعلته يطّلع على كثير من خصائصه، من ذلك ملاحظته على البيت: وإنى لمن قوم كأنّ نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللّحم والعظما فقد لاحظ أن المتنبى فى فخره قال كأن نفوسنا ولم يقل كأن نفوسهم بإعادة ضمير الغيبة على القوم، وهو ضرب من الالتفات، إذ يلتفتون من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلم كما فى البيت أو ضمير المخاطب. ثم قال إن ابن جنى سأله عن ذلك فقال إنه إذا أعاد الذكر على لفظ الخطاب كان أبلغ وأمدح من أن يرده على لفظ الغيبة، ويعقب على ذلك ابن فورجة بقوله: «وقد استقريت شعره كله فوجدته لا ينزل عن هذا المذهب فى كل ما مدح به، فإذا أورد ضميرا فى ذمّ ردّه إلى الكلام الأول تفاديا أن يخاطب به مواجها أو يرده إلى نفسه مخبرا (أى أنه يرد الضمير إلى الغيبة). ومع أنه يبدو دائما مدافعا عن المتنبى وخاصة أمام الصاحب كما قدمنا فإنه ينصّ على بعض سيئاته، فيقول فى قصيدته «ملتّ القطر أعطشها ربوعا» هذه القصيدة كلها من الشعر الّرذل الذى لا ينتفع به ولا بتفسيره. وحرى بنا أن نذكر تتمة لهذا النشاط النقدى الذى عقده النقاد الإيرانيون حول شعر المتنبى شرح على بن أحمد الواحدى الذى مرّ ذكره (٢) لديوان المتنبى، وقد ألّفت شروح كثيرة للديوان ولكن نخص هذا الشرح بالذكر هنا، لا لأنه أفاد من كل الشروح السابقة له، بل لأنه رتب أشعار الديوان ترتيبا تاريخيا على حياة المتنبى وأيامه، وهو ما لم يتح لديوان

стр. 2665

آخر من دواوين شعراء العرب قاطبة، بحيث أصبح الديوان معدّا لكى يستغله الباحثون فى كتابة ترجمة حياة المتنبى على نحو ما صنع بلا شيروطه حسين. وفى الشرح نظرات نقدية كثيرة، وخاصة فى الأبيات الغامضة التى يختلف فيها الشراح، فإن الواحدى يقارن بين أقوالهم وينفذ إلى الفكرة الصائبة دائما، مما يدل على قدرة نقدية حقيقية وذوق أدبى جيد. ٤ - علوم التفسير والحديث والفقه والكلام نشط العلماء لهذا العصر بإيران فى تفسير القرآن الكريم، واتضحت فيه اتجاهات ثلاثة: اتجاه التفسير بالرأى، واتجاه شيعى، واتجاه صوفى، وأهم ما نصادفه من الاتجاه الأول تفسير الزمخشرى، وهو يذيع فيه أفكار مذهبه الاعتزالى فالآيات الكريمة توجّه مع فكرة الحرية والاختيار فى أفعال العباد ومع فكرة تنزيه الذات العلية عن كل تشبيه ومع إكبار العقل ورفض كل اعتقاد فى السحر والكهانة (١). ويقف الفخر الرازى المار ذكره آنفا بعده فى الصف المقابل فيدفع فى تفسيره العظيم للقرآن «مفاتيح الغيب» آراء المعتزلة بطريقة فلسفية، إذ كان عقله متفلسفا إلى أبعد حد، وهى فلسفة تظهر فى تفسيره بصور كثيرة، حين يخوض فى المباحث العقلية، وحين نرى المسألة عنده تتشعب شعبا كثيرة. وكان عقله من الخصب بحيث تغدو الفكرة كأنها شجرة كبيرة، تتفرع منها فروع، وتتفرع من الفروع غصون إلى غير نهاية. وكان أشعرى العقيدة، فأشاع مذهب الأشاعرة فى تفسيره، وتعقب المعتزلة كما قلنا معليا عليهم وعلى أفكارهم مذهبه الأشعرى السّنّى. ومن تفاسير هذا الاتجاه بعد الرازى تفسير البيضاوى (٢) عبد الله بن عمر المتوفى بتبريز سنة ٦٩١ وقد سماه «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» وهو يعتمد فيه على الزمخشرى وتفسيره، كما يعتمد على الرازى وغيره من المفسرين، وهو لا ينحى فى تفسيره باللائمة-كما يصنع الزمخشرى-على أهل السنة، وجاء بعده فى هذا الاتجاه أبو البركات النسفى (٣) المذكور بين فقهاء الأحناف فى قسم العراق وقد سمى تفسيره «مدارك التنزيل وحقائق التأويل».
следующие страницы →