← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

واسع-على مرّ الزمن-لمن يسعون في مناكبها. ودائما كان بها-في العهود الإسلامية-ثلاث طبقات: عليا، ووسطى، ودنيا، وفي الطبقة العليا الوالى وصاحب الخراج، والقاضى، وقواد الجند، وكبار الإقطاعيين، وكبار التجار ومعهم الأشراف من البيتين العباسى والعلوى. وفي الطبقة الوسطى العلماء والجند وأوساط الزراع والصناع والتجار، وفي الطبقة الدنيا أهل الريف وعامة الصناع والتجار والرقيق من أواسط إفريقيا ومن أرمينية وشعوب البحر المتوسط. وترك الحكام للكنيسة وكبار الإقطاعيين من القبط ما لهم من الأرض وحقولها نظير الخراج، وأدّى المقتدرون من القبط الجزية، وهى في حقيقتها ضريبة دفاع، إذ لم يكونوا يشتركون في الحرب وحماية وطنهم. وكانت الزراعة تدرّ كثيرا من طيبات الرزق، وكانت الصناعة رائجة: صناعة الورق والنسيج واستخراج بعض المعادن كالنطرون. وتلقى مصر بكنوزها في حجر أحمد بن طولون فيبنى قصره العظيم، وجامعه الكبير وبيمارستانا ضخما، ويغرق ابنه خمارويه في ترف بالغ. وتنعم الدولة الإخشيدية بثراء مصر، ويتضخم في عهد الفاطميين، ويكثرون من القصور والبذخ والترف وأدواته، ويتسعون في الاحتفال بالأعياد الإسلامية، وأعياد القبط والفرس. وأصبحت مصر في عهد صلاح الدين وخلفائه الأيوبيين ثكنة حربية تعدّ لضرب حملة الصليب الضربات القاضية، ومع ذلك اتسعت مصر في العمران وبناء المدارس الكثيرة والخانقاهات. ويخلفهم المماليك، وتعيش مصر طوال زمنهم في رغد من العيش، وتزدهر بها الحياة والعمران ازدهارا واسعا وكانت قد أصبحت ملاذا لعلماء العالم العربى النازحين من وجه النورمان والإسبان غربا ومن وجه المغول شرقا. وتدور بها الدوائر فيحتلّها العثمانيون، ويزايلها غير قليل من الرخاء ومن منزلتها الكبرى في العالم العربى. وتحدثت عقب ذلك عن الدعوة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية المتطرفة ومبادئها وتمسّك المصريين بعقيدتهم السنية وكأنما كانت تلك الدعوة بمصر صيحات ذهبت أدراج الرياح وبالمثل تحدثت عن الزهد وكيف أن مصر عرفت الضربين من التصوف الفلسفي والتصوف السنى مع بيان أهم طرقه وأعلامه وخانقاهاته. ومعروف ما لمصر من دور عظيم في نشأة الحضارة الإنسانية ونشأة العلم بمعناه العالمى وظلت ترعاه طويلا. وكانت قد خمدت جذوته قبيل نزول الإسلام بها، وعاد إليها الاتقاد تدريجا بحيث لا نصل إلى أواسط القرن الثانى الهجرى حتى يصبح لعلمائها حظ واضح من المساهمة في الدراسات الدينية ونشرها في العالم العربى، فهى

стр. 3152

تنشر قراءة ورش، ومذهب مالك في بلاد المغرب والأندلس، وتنشر مذهب الشافعى في الشام وبغداد وخراسان. وسرعان ما تكتب تاريخ الفتوح لإفريقيا والأندلس لأول مرة، وتكتب رواية للسيرة النبوية الزكية، تصبح إماما لكتب السيرة الشريفة، ويضع أحد أبنائها وهو ذو النون أسس التصوف الإسلامى. وتزداد حركتها العلمية نشاطا في عهد الفاطميين ويؤسّسون بها جامعة سموها دار العلم، ألحقوا بها مكتبة ضخمة. وتأخذ الحركة العلمية بمصر في ازدهار واسع لعهد الأيوبيين وما أسسوا بها من عشرات المدارس، ويزداد عددها في عهد المماليك ازديادا مفرطا حتى ليقول ابن بطوطة حين زار مصر لأيامهم إن أحدا لا يستطيع أن يحيط بها لكثرتها. ولم تكن المدارس وحدها دور العلم فقد كانت تشاركها في ذلك المساجد والجوامع مثل الجامع الأزهر. ومع خمود تلك الحركة العلمية في عهد العثمانيين ظلت مصر حامية للتراث العربى، وموئلا لعلماء المغرب والمشرق، وظلت تضيئ في جامعة الأزهر مصابيح العلم والعرفان. وعرضت نهضة العلوم المختلفة بمصر عرضا تفصيليا تاريخيا على مر الأزمنة، وبدأت بعلوم الأوائل، وألممت بما كان لمصر فيها من نشاط قبل الفتح العربى سواء في الهندسة أو الرياضة أو الفلك أو الطب أو الكيمياء أو الفلسفة. وانتفعت مصر الإسلامية بما كان فيها من هذا التراث، وضمّت إليه ما نقل ببغداد من الفلسفة وعلوم الأوائل عن اليونانية وغير اليونانية. وقد تحدثت عن النشاط العلمى والفلسفي لمصر منذ أيام الفاطميين وأعلامه على مر الحقب، وتحدثت عن جغرافييها منذ ابن سليم مكتشف المجرى الأعلى للنيل في أواسط القرن الرابع الهجرى. وبالمثل تحدثت عن النشاط في علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد وأعلام مصر فيها جميعا على مر التاريخ ومع كل علم مصنفاته القيمة. وأيضا عرضت علوم القراءات والتفسير والحديث النبوى والمذاهب الفقهية وعلم الكلام والتاريخ وعلماءها جميعا على تعاقب الحقب، وما لهم من مصنفات بالغة القيمة، وذكرت في كل علم من العلوم الدينية واللغوية وعلوم الأوائل من نبغوا فيه أيام العثمانيين. وبذلك أصبح التاريخ العلمى لمصر وعلمائها الأفذاذ في كل علم وفن مرسوما رسما بيّنا دقيقا منذ القرن الثانى الهجرى حتى العصر الحديث. وقد أخذت مصر-بعد الفتح العربى-تتعرّب سريعا لاعتناق كثير من سكانها القبط الإسلام لما استقرّ في نفوسهم من أن من يسلم منهم يصبح له جميع حقوق

стр. 3153

العربى الفاتح، ويدلّ بوضوح على كثرة من أسلم منهم أن الجزية التى كانت تؤخذ من القبط في عهد عمر بن الخطاب هبطت إلى أقل من النصف في عهد معاوية. وعملت على السرعة في تعرب مصر هجرات كثير من القبائل إليها حين سمعوا بزروعها وثمارها وطيبات الرزق فيها، وامتزجوا بسكانها عن طريق المعيشة والمصاهرة، مما أعدّ لتعرب من لم يدخل من القبط في الدين الحنيف، حتى إذا كنا في القرن الثالث الهجرى تمّ تعرب القبط برهبانهم وبطاركتهم وإن ظلت القبطية حية في بعض الأديرة. وكان نشاط الشعر العربى بمصر محدودا زمن الأموبين لأن كثرة الجيش العربى الفاتح كانت من اليمنية، والشعر إنما يكثر على لسان القبائل المضرية والقيسية، وربما نظمت بها أشعار لم يسجّلها الرواة، حتى إذا كنا في زمن ولاتها العباسيين رأينا الشعر يأخذ في النشاط بها، ونزلها أبو نواس وأبو تمام، وازداد نشاطه فيها لعهد الدولتين الطولونية والإخشيدية ونزلها المتنبى وأحدث نزوله بها حركة أدبية خصبة. وتتحول مقاليد الحكم فيها إلى الدولة الفاطمية. ويترجم الثعالبى في كتابه «اليتيمة» لكثيرين من شعراء مصر، ويفرد لها العماد الأصبهانى مجلدين في كتابه «الخريدة» ترجم فيهما لمائة وأربعين شاعرا، ويطّرد هذا الازدهار للشعر في مصر طوال زمن الأيوبيين والمماليك، وتظل منه بقية أيام العثمانيين. ويكثر في مصر الشعر الدورى منذ ابن وكيع التنيسى في القرن الرابع الهجرى، وتكثر الرّباعيّات حتى إذا ازدهرت الموشحات في الأندلس درسها ابن سناء الملك شاعر صلاح الدين الأيوبى ووضع لها عروضها ورسومها كما وضع الخليل بن أحمد في القرن الثانى الهجرى عروض الشعر العربى ورسومه. ولابن سناء الملك فيها موشحات تشيع فيها حلاوة الجرس والسلاسة والعذوية، وبذلك كتب لها الذيوع الواسع بعده في مصر على ألسنة الشعراء مثل العزازى، وأكثر المتصوفة في زمن المماليك من النظم فيها وتلحينها في أذكارهم. ويستظهر الشعراء-منذ القاضى الفاضل-ألوان البديع ومحسناته، ويصبح التفنن فيها مقياس إبداعهم. وأخذت-بعد ذلك-أترجم لأعلام الشعر في مصر طوال عصر الدول والإمارات محللا لشخصياتهم الأدبية وموزعا لهم على أغراض الشعر وموضوعاته الأساسية، فللمديح أعلام مبدعون من مثل ابن سناء الملك واضع عروض الموشحات، وللرثاء والشكوى أعلامهما النابهون مثل على بن النضر بملكته الشعرية

стр. 3154

الخصبة، وللدعوة الإسماعيلية أعلام مختلفون مثل ابن هانئ الشاعر الفاطمى، وللغزل أعلام وجدانيون مرهفون مثل البهاء زهير، وللفخر والهجاء أعلام مبرّزون مثل تميم بن المعز وابن الذّروى المقذع في هجائه، وللطبيعة ومجالس اللهو أعلامهما مثل الشريف العقيلى وله في الطبيعة المصرية ديوان كبير بديع، وللزهد والتصوف والمدائح النبوية أعلام يتغنون بالحب الإلهى مثل ابن الفارض وبالحب النبوى مثل البوصيرى، وللفكاهة أعلام تموج أشعارهم بالتندير والدعابات والتوريات والهزل مثل ابن دانيال وله مسرحيات هزلية بديعة. وعرضت شعراء الشعر الشعبى العامى وطرائف مما نظم أعلامه من فنونه في الأزجال والتوريات والفكاهات المستملحة. وبلغ عدد من ترجمت لهم من شعراء مصر الأفذاذ في عصر الدول والإمارات اثنين وأربعين شاعرا، ومع كل شاعر تصوير شخصيته الأدبية وخصائصه الفنية وروائع شعره. وقد ذكرت مع كل غرض من أغراض الشعر شاعرا نابها من الشعراء أيام العثمانيين. ولم أترجم لعشرات من شعراء مصر تكتظ بهم كتب الطبقات والتراجم لأنه لم يكن لأحدهم دور بارز في تطور الشعر بمصر، وأنا لا أكتب دائرة معارف لشعرائها على مرّ الأزمنة، وإنما أكتب تاريخها الأدبى في الشعر، ومن كان لهم دور في التطور به أتاح لهم مجدا أدبيّا كثيرا أو قليلا. ومضيت أعرض النثر وكتّابه بمصر بادئا بالرسائل الديوانية منذ أنشأ أحمد بن طولون ديوان الإنشاء واتخذ له كتّابا مجيدين. ويعنى الفاطميون بهذا الديوان ويشتهر فيه غير كاتب بحسن بيانه، وخاصة في الحقبة الأخيرة من أيامهم. وتبلغ الرسائل الديوانية الذروة الأدبية على يد القاضى الفاضل وزير صلاح الدين، ويتألق نجمه وتصبح له مدرسة كبيرة، ويتكاثر تلاميذها في بقية أيام الدولة الأيوبية ودولة المماليك، وترجمت لأربعة من أعلام الكتابة الديوانية. وأخذت الرسائل الشخصية تزدهر بدورها منذ زمن الفاطميين، واتسع ازدهارها بعدهم، وترجمت لثلاثة من أعلامها النابهين. ويعنى بعض الكتّاب-منذ أيام الفاطميين-بكتابة المقامات، وقلّما تقوم على الشحاذة الأدبيّة مثل مقامات الحريرى، إنما تقوم على بعض مسائل علمية، أو على وصف الطبيعة، أو على قصص فكه، أو على وعظ، أو على مفاخرات بين الأزهار، أو بين السيف والقلم، وما إلى ذلك من موضوعات أدبية، وترجمت لأربعة من كتابها البارعين. وتكثر المواعظ والابتهالات والمناجيات الربانية على نحو ما صوّرت ذلك عند ثلاثة من أعلامها المهمين. وعرضت-بعد ذلك-أربعة من كتب النوادر

стр. 3155

هى: كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف، وهو حكايات قصيرة لطيفة تحض على عمل الخير، وكتاب أخبار سيبويه في نقد الحكام والناس ممزوجا بالتّباله، وكتاب الفاشوش في حكم قراقوش وكان صلاح الدين ينيبه عنه أحيانا في حكم القاهرة، وصوّره ابن مماتى في طائفة من الأحكام الطائشة تحكى غفلته وحمقه وبلهه، وكتاب هز القحوف ويكتظ بنوادر لاذعة على لسان أهل الريف المصرى تصوّر بؤسهم أيام العثمانيين. وتلا ذلك أربع سير شعبية: سيرة عنترة، والسيرة الهلالية، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذى يزن، وجميعها تصور البطولة العربية وفضائلها الرفيعة. وعرضت أخيرا كتاب ألف ليلة وليلة وتاريخ نقله إلى العربية وما أضيف إلى قصصه الهندية من قصص بغدادية وقصص مصرية مع بيان ما يتميز به كل نوع من أنواع هذه القصص. وقد صاغت مصر الكتاب بلغتها العامية وانتشر بها في العالم العربى منذ عصر المماليك. وبنفس العامية انتشر في البلاد العربية من قديم ما ألّفته مصر من كتب السير الشعبية المذكورة آنفا: سيرة عنترة وأخواتها. وكان لذلك أثره الكبير في تعرف تلك البلاد على العامية المصرية قبل العصر الحديث بمئات السنين. وهذه الدراسة المتشعبة لتاريخ الأدب العربى في مصر أثناء حقب طويلة تمتد من فجر تاريخها العربى إلى العصر الحديث جعلتنى أرجع إلى كل ما استطعت من المصادر والمراجع المتصلة بتاريخ مصر ودولها المتعاقبة، وبمجتمعها وطبقاته وشئونه المعيشية والعقيدية، وبالحركة العلمية فيها ونموها وازدهارها، مع العرض التاريخى لعلمائها الأفذاذ في علوم الأوائل والعلوم اللغوية والدينية والكتابة التاريخية. ورجعت أيضا إلى كل ما استطعت الاطلاع عليه من الشعر ودواوينه، وما اتصل به من الرباعيات والموشحات، كما رجعت إلى الكتابات النثرية المتنوعة من مثل الرسائل والمقامات والمواعظ والسير والقصص الشعبية، مع رسم الشخصيات الأدبية للشعراء والكتاب النابهيين وعرض خصائصهم الفنية عرضا نقديا تحليليا. ولا أزعم أنى صورت تاريخ الأدب العربى في مصر قبل العصر الحديث تصويرا كاملا، إنما حاولت، وأرجو ألاّ أكون قصرت. والله أسأل أن يلهمنى السداد في الفكر، والإخلاص في القول والعمل. وهو حسبى ونعم الوكيل. القاهرة في ٢٠ من مارس سنة ١٩٩٠ م. شوقى ضيف

стр. 3156

الفصل الأوّل السياسة والمجتمع ١ - فتح العرب لمصر والحقب الأولى (١) (ا) فتح العرب لمصر معروف أن مصر نهضت بأقدم دور فى تاريخ الحضارة الإنسانية، فعنها تلقت الأمم القديمة هندسة البناء كما تشهد بذلك أهراماتها الشامخة. كما تلقت عنها فكرة الكتابة ونقش الحروف، وبذلك كان لها فضل كبير في بث المعرفة، وأعدّها النّيل لتكون أستاذة الأمم فى العناية بالزراعة وتنظيم الترع والجسور. وهى أول من حاول تأليف أمم الشرق الأوسط فى وحدة امتدت من الفرات إلى النيل ومن آسيا الصغرى إلى بلاد البنت والنّوبة. ودار بها الزمن دورات، فدخلها الرّعاة الهكسوس والأشوريون، وسرعان مازايلوها، وغزاها الفرس فى عهد قمبيز عام ٥٢٥ ق. م ونزلها الإسكندر المقدونى عام ٣٣٣ ق. م وأسس بها مدينة الإسكندرية، وأقام بها قائده بطليموس هو وأبناؤه دولة البطالمة الإغريقية متخذين الإسكندرية عاصمة لهم. وفى عام ٣١ للميلاد استولى عليها الرومان، وثارت عليهم مصر مرارا، ودخلها الفرس وقاومتهم مصر والرومان، ففارقوها سريعا، وتسوء أحوالها سوءا شديدا، فإن هرقل إمبراطور بيزنطة كان يضطهد من لا يعتنقون مذهبه الملكانى المسيحى، وكان المصريون يعاقبة، يقولون بأن الله والمسيح

стр. 3157

اتحدا فى طبيعة واحدة بينما كان الملكانية يرون أن للمسيح طبيعتين طبيعة لا هوتية روحية وطبيعة ناسوتية جسدية، وعارض المصريون المذهب الملكانى البيزنطى معارضة شديدة، ويعين هرقل قيرس (المقوقس) بطريقا للإسكندرية جامعا إلى سلطته الدينية السلطة الزمنية، ويأخذ فى حمل المصريين على مذهبه الملكانى فيقاومونه مقاومة حادة، ويعنف بهم وبرهبانهم ويثقل عليهم فى الضرائب. وبذلك يضيف إلى الغلّ الدينى غلاّ اقتصاديا. وتقاوم مصر بكل ما استطاعت، إذ كانت تعدّ الدين مظهر استقلالها وحريتها وشخصيتها ولذلك اشتد سخطها على بيزنطة، وبينما هى فى هذا السخط الحاد إذا العرب بقيادة عمرو بن العاص يقبلون من الشرق عام ١٩ هـ/٦٤٠ م ويستمرون فى زحفهم حتى حصن بابليون (بالقرب من ممفيس القديمة) ويطول حصارهم له، فيغزو عمرو إقليم الفيوم ويشدد الحصار على حصن بابليون، ويضطر قيرس (المقوقس) إلى التسليم. ويتجه عمرو إلى الشمال الغربى ويستولى على الإسكندرية. ولم يكن يقاومه فى حصن بابليون والإسكندرية جميعا سوى الروم. وكأن المصريين وجدوا فيه وفى العرب مخلصا لهم، إذ سرعان ما عرفوا أن الإسلام يكفل لهم حريتهم الدينية ولا يمس كنائسهم ومعابدهم، ولذلك لم يقاوموا هؤلاء الفاتحين إذ وجدوهم يردون لهم استقلالهم الدينى. ودائما الدين فى مصر يوضع فوق السياسة والحكم وفوق كل شئ. وما كان ليعقل أن يحمل المصريون السلاح ويدافعوا عن الروم الذين يعتدون على مذهبهم الدينى وحريتهم الدينيية، حتى لقد فرّ البطريق القبطى بنيامين وظل مختبئا حتى دخل العرب مصر وكفلوا للقبط معتقداتهم الدينية، ورفعوا عن كواهلهم ما أبهظها من ضرائب الروم الفادحة. فكان طبيعيا أن يتعاون قبط مصر مع العرب وأن ينفضوا أيديهم من الروم، ولذلك حين عاد أسطولهم إلى الإسكندرية واستولوا عليها لم يلقوا تأييدا منهم، وهزمهم العرب بقيادة عمرو بن العاص هزيمة ساحقة عام ٦٤٦ م/٢٥ هـ ومن بقى منهم ولىّ فى البحر المتوسط إلى غير مآب. وبدأت من حينئذ مصر دورتها العربية الجديدة.

стр. 3158

(ب) زمن الولاة (١) أصبحت مصر ولاية تتبع الخلافة، وكان أول ولاتها عمرو بن العاص الفاتح لها، ولا يزال باقيا من آثاره فى القاهرة مسجده الذى يحمل اسمه والذى بناه فى الفسطاط: موضع معسكره فى حصاره لحصن بابليون وتسمى منطقته الآن باسم مصر القديمة. وحين تم له طرد الروم من الإسكندرية بنى بها مسجد الرحمة. وكان ذلك إبذانا باستيلاء الإسلام عليها كما استولى على مصر من جميع أطرافها. ويلى مصر فى عهد عثمان عبد الله بن سعد بن أبى سرح، وكان عمرو بن العاص قد تغلغل فى إفريقيا الشمالية فتبعه يتغلغل فيها، وفى سنة ٣٤ حاول الروم غزو الإسكندرية، فغزاهم فى البحر ودمر سفنهم، وتسمى الغزوة «ذات الصوارى» لكثرة ما اجتمع فيها من السفن. ثم كانت الفتنة أيام عثمان رضوان الله عليه، واختلف عليها ولاة لعلى رضى الله عنه، ووليها عمرو بن العاص لمعاوية حتى توفى سنة ٤٣ وفى أيامه أرسل عقبة بن نافع فتغلغل فى إفريقية، وكانت له فيها أيام ولاية عمرو بن العاص الأولى جولات بعيدة، وستصبح له فيما بعد حين يولّيه معاوية قيادة الفتوح فى المغرب جولات أكثر عمقا، يختط فيها مدينة القيروان بالقرب من تونس الحالية. وتولّى مصر بعد عمرو بن العاص ابنه عبد الله أشهرا، ثم عزله معاوية وولى عليها عقبة بن عامر الجهنى، وأخذ الولاة فى أيام بنى أمية يتعاقبون عليها حتى بلغوا فى نحو تسعين عاما ثمانية وعشرين واليا، إذ اتّبع الأمويون فى ولاية مصر سنة تغيير الولاة، وهى سنة سيئة، إذ كان الوالى يقدم وهو يعلم أنه معزول عما قليل، فكانت لا تهمه شئون مصر بمقدار ما تهمه شئون نفسه والعمل على اكتناز الثروة الضخمة قبل أن يتسلم كتاب العزل. وربما كان خير وال أموى تولى مصر حينئذ عبد العزيز بن مروان، وقد امتدت ولايته من سنة ٦٥ حتى سنة ٨٦ واشتهر بما بنى فى حلوان من قصور وغرس من جنات وزروع وكان جوادا ممدّحا، وإليه شدّ الشعراء الرحال من الحجاز ونجد والعراق، ويقال إنه كان له ألف جفنة (قدر) تنصب كل يوم حول داره لإطعام

стр. 3159

الناس، وكان له بجانبها مائة جفنة يطاف بها على القبائل. ولا ريب فى أن هذا الجود الفياض إنما كان على حساب الشعب، وما يؤدى من ضرائب باهظة. وكان للولاة الأمويين فى فرض الضرائب الاستثنائية أفانين كثيرة، وكانت الرعية تضجّ منها فى كل أقاليم الدولة. ويظل هذا الظلم يزداد عسفا إلى أن يتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة ٩٩ فيأمر برفع الظلم عن رعيته وإلغاء كل لون من ألوان الضرائب الاستثنائية. وقد وجد الولاة يلزمون كل من أسلم من القبط وغيرهم من الموالى بالجزية، كأنهم لا يزالون على دينهم القديم ولم يدخلوا فى الإسلام، معطلين بذلك أحكام الدين الحنيف، فوقف كلّ هذا الظلم وما يجرّ إليه من فساد ومن تعطيل أوامر الدين، من ذلك ما كتب به إلى حيّان بن شريح صاحب ديوان الجند والخراج فى مصر: «ضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة فإن الله ﵎ يقول: ﴿(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ ويقول ﴿(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ)﴾. ويبدو أن حيان بن شريح تلكأ فى تنفيذ أمر عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه غاضبا: «قد أمرت رسولى بضريك على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عمن أسلم، قبّح الله رأيك، فإن الله إنما بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا» (١). واضطر حيان بن شريح أن يصدع لأمر عمر، غير أن مدة خلافته كانت قصيرة، إذ سرعان ما توفى لأول سنة فى المائة الثانية، فعاد ولاة بنى أمية إلى سيرتهم الأولى فى مصر وغير مصر، ومضوا يعصرون القبط، سواء منهم من أسلم ومن ظل على دينه. وبذلك نفهم انتقاض القبط على الوالى سنة ١٠٧ وكذلك بأخرة من أيام الأمويين، فإن الولاة لم يكونوا يرعون فيهم ما فرضه الإسلام من العدل وحرّمه من الظلم والعسف. وظلت الفسطاط حاضرة الوالى الأموى منذ اختط عمرو بن العاص للناس منازلهم فيها، ولا تزال آثارها باقية إلى اليوم. ويقول المؤرخون إن الدور فيها كانت تتألف أحيانا من ست طبقات أو سبع. ولما قدم مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين إلى مصر منهزما وتبعه الجيش العباسى إلى الصحراء أمام مدينة الفسطاط أذن القواد للعسكر بالبناء حيث نزلوا، فقامت ضاحية أو مدينة العسكر بجوار الفسطاط، وكان ينزلها ولاة بنى العباس، وتلقانا بعض انتقاضات للقبط حتى سنة ١٥٠ ثم لا نعود نسمع عنها، إنما تلقانا انتقاضات

стр. 3160

للعرب. وفى رأينا أن فى ذلك إشارة واضحة إلى ماتم فعلا من امتزاج بين الأقباط والعرب، فإن كثيرين من القبط دخلوا فى الإسلام وكثيرين من العرب سكنوا القرى وزرعوا الأرض وامتزجوا بالقبط وأصبحوا يؤلفون أمة واحدة. وأول انتقاض يلقانا-للعرب-انتقاض دحية حفيد عبد العزيز بن مروان بالصعيد لسنة ١٦٥ وكان قد تولى موسى بن مصعب الموصلى فشدد فى استخراج أموال الخراج وضاعف ما يطلب من كل فدان وجعل خراجا على الأسواق والدواب وارتشى فى الأحكام فتارت عليه قيس واليمانية، وانتهى أمره بقتله. وقضى سريعا على ثورة دحية سنة ١٦٩. ونظل نسمع عن انتقاضات فى الحوف الشرقى، ويستغل الفرصة الجروى فى تنّيس وبنو السّرىّ الذين استولوا حينا على مقاليد الأمور، مما اضطر المأمون أن يسند إليهم الولاية على مصر من حين إلى حين. وتحدث فى هذه الأثناء ثورة الفقهاء فى قرطبة على الحكم الربضى الأمير الأموى ويأمرهم بمغادرة البلاد، فينزلون الإسكندرية ويستولون عليها. ويرسل المأمون قائده عبد الله بن طاهر، فيعيد الأمن إلى مصر لسنة ٢١٠ ويخرج منها الأندلسيين إلى جزيرة كريت ويستولون عليها. ويعود ابن طاهر فى سنة ٢١٢ وينتقض أهل الحوف مرارا، ويثور القبط، ويضطر المأمون إلى القدوم بعسكره إلى مصر سنة ٢١٧ فيقضى على ما بها من فتن. ويأمر واليه على مصر فى سنة ٢١٨ أن يأخذ الناس بمحنة خلق القران المشهورة. ويتولى بعد المأمون أخوه المعتصم فى نفس السنة المذكورة ويأمر بإسقاط العرب من الدواوين بمصر وغير مصر، ومنذ هذا التاريخ يندمجون نهائيا فى أهل مصر من القبط ومن أسلم منهم. ويغزو الروم دمياط سنة ٢٣٨ وسرعان ما يرحلون عنها إلى غير رجعة. وربما كان أهم ما خلفه زمن الولاة أيام الدولة العباسية كثرة العناصر الفارسية التى دخلت مصر، فقد كان الجيش الذى تعقب مروان بن محمد، وبنى له «العسكر»، أكثره إن لم يكن كله من الفرس، وظلت الجنود التى ترسل مع بعض الولاة أو للقضاء على بعض الانتقاضات والفتن فارسية فى جملتها، وكان كثير ممن يسند إليهم الولاية بمصر فرسا، وبالمثل من كان يسند إليهم القضاء. وكل ذلك معناه أن العناصر الفارسية تكاثرت بمصر فى زمن العباسيين، وكان لهم أسلاف قدماء جاءوا مع اليمنيين فى فتح مصر، إذ كانت اليمن فى الجاهلية تابعة حينا للفرس فكان بها عناصر فارسية، وقد دخلت فى الإسلام وشاركت اليمنيين فى رحلاتهم للفتوح. وبذلك كله نستطيع أن نفسر وجود نفر غير قليل يرجعون إلى أصول فارسية بين علماء مصر وفقهائها مثل الليث ابن سعد الفقيه المشهور وكذلك بين كتابها فى الدواوين.

стр. 3161

(ج) الطولونيون (١) هم أول أسرة حكمت مصر حكما مستقلا، وحقّا كانت تتبع الخلافة العباسية، غير أن تبعيتها لها كانت اسمية، وزعيم هذه الأسرة ومؤسس دولتها أحمد بن طولون، وهو تركى الأصل، كان أبوه طولون من موالى المأمون والمقربين منه، ورزق بابنه أحمد سنة ٢٢٠ فعنى بتربيته، وبدأ بحفظ القرآن الكريم حتى أتقنه، وأكب على حلقات العلماء وخاصة فقهاء الأحناف يتزود منها. وما زال أبوه يخدم الخلفاء حتى توفى فى عهد المتوكل، ففوّض لأحمد ما كان لأبيه من الأعمال، وولى بعض الثغور، وكان شديد الإزراء على الترك فى معاملتهم السيئة للخلفاء، ونال الحظوة عند الخليفة المستعين، وحاول الأتراك أن يدفعوه إلى المشاركة معهم فى مقتله فأبى ذلك. ولم تلبث مصر أن أقطعت لزوج أمه بايكباك، فأنابه عنه فى حكمها سنة ٢٥٤ وسرعان ما أخذ يعمل على الاستقلال بها. وبدأ ذلك بأن جمع فى يده شئونها المالية بجانب شئونها الإدارية، واتخذ جيشا ضخما بلغ عداده مائة ألف، وفى أثناء ذلك ضمّت إلى حكمه الإسكندرية وبرقة، ولا نصل إلى سنة ٢٦٤ حتى تضم إليه الشام. وبلغ خراج مصر فى زمنه أربعة ملايين وثلاثمائة ألف دينار، مما جعله يتسع فى إقامة المبانى والمؤسسات. وكان قد سكن العسكر فى أول أمره شأن الولاة من قبله، ثم أخذ فى بناء مدينته القطائع، بادئا بقصره الكبير ثم بقطائع لجنده من الترك والنوبة والروم ولحواشيه من القواد وكبار الموظفين. وعنى ببناء مسجده الكبير، وبنيت مساجد كثيرة وطواحين وحمامات وأفران وحوانيت. وجعل أمام قصره ميدانا كبيرا يلعب فيه بالكرة، ولما عظم أمره كان يطعم الفقراء والمساكين كل يوم، ويقال إن صدقاته كانت تبلغ فى السنة أكثر من مليونى دينار، وبنى مارستانا ضخما، واتخذ لنفسه ديوانا كبيرا على شاكلة دواوين الخلافة. وحدثت خصومة بينه وبين الموفق ولى عهد الخليفة المعتمد وقائده، مما أدى إلى اشتباك جيوشهما. وعنى فى دولته بأن ينقل إليها الأنظمة الفارسية التى كانت متبعة فى بغداد وسامراء. وأخذ البيعة من بعده لابنه خمارويه. ولم يلبث ابن طولون أن توفى سنة ٢٧٠.

стр. 3162

وتبلغ دولة الطولونيين فى عهد خمارويه كل ما كان يؤمّل لها من ازدهار. وتحدث فى أوائل حكمه مناوشات بين جيشه وعسكر الموفق، وسرعان ما ينعقد بينهما صلح وثيق. ويقال إن رواتب الجيش المصرى بلغت فى أيامه تسعمائة ألف دينار، مما يدل على ضخم الجيش ومدى عنايته به. وفرغ بعد صلحه مع الموفق للعناية بشئون دولته، وزاد فى قصر أبيه وحوّل الميدان الذى كان أمامه بجوار مسجد أبيه إلى بستان رائع حمل إليه كل صنف من الشجر وأنواع الورود والرياحين والزعفران، غير ما اتخذ فيه من الفساقى والنافورات، وسنعرض لذلك فى غير هذا الموضع، ووسع إصطبلاته لكثرة دوابه وحيواناته الأليفة والوحشية. ويقول المؤرخون: كان من عجائب الدنيا فى زمنه عرض الخيل بمصر. وبلغ من مجده وعظم شأنه أن طلب الخليفة المعتضد منه فى سنة ٢٧٩ أن يزوّجه ابنته قطر الندى، وينوه المؤرخون بجهازها وما كان فيه من تحف وهدايا نفيسة، ويقولون إن خمارويه بنى لها على رأس كل منزلة بين القطائع وبغداد قصرا فرش أروع فرش. ومع كل ما انتهى إليه من ملك مصر والشام ومع ما اشتهر به من الشجاعة والبأس قدّر له أن يقتل بأيدى غلمانه فى دمشق سنة ٢٨٢. وأقام قواده بعده ابنين صغيرين له بادئين بأكبرهما «أبى الجيش» ولا يدور العام حتى يخلعوه، ويولوا أخاه هرون وكان ضعيفا، فلم يستطع لا هو ولا جيشه الصمود أمام القرامطة وشغب جيوشهم فى الشام، مما جعل الدمشقيين يلتمسون من الخليفة المكتفى أن يغيثهم بجنده ويلبّى استغاثتهم. ويغتال هرون سنة ٢٩٢ ويتولى بعده عمه شيبان الحكم اثنى عشر يوما إذ سرعان ما يقدم إلى مصر جيش الخلافة بقيادة محمد بن سليمان، فيزيل حكم الطولونيين، ويبكيهم الشعراء طويلا. وتعود مصر ثانية ولاية عباسية، ويتعاقب عليها ولاة مختلفون من بغداد، وتكثر فى عهدهم غارات الفاطميين من عاصمتهم المهدية بجوار القيروان على حدود مصر السفلى والعليا، ويدحرون مرارا، ويحجزهم إلى حين الإخشيد وأبناؤه. (د) الإخشيديون (١) الإخشيد هو محمد بن طغج بن جفّ الفرغانى التركى خدم أبوه وجده الخلفاء العباسيين، كما خدمهم بدوره، ويقال إنه ولد سنة ٢٦٨ ومازال يعمل فى خدمة الخلفاء وقوادهم حتى ولّوه

стр. 3163

الثغور، ويلمع اسمه حين تولى مدينة الرملة بفلسطين سنة ٣١٦ ولم يلبث أن تولى دمشق سنة ٣١٨ وجاءته الكتب فى سنة ٣٢١ بولاية مصر غير أنه لم يدخلها، وظل على دمشق حتى ولاه الخليفة الراضى مصر سنة ٣٢٣ وضم إليه البلاد الشامية والجزرية والحرمين. وفى سنة ٣٢٧ خلع عليه الراضى لقب إلاخشيد، وهو لقب ملوك فرغانة موطن أجداده، وغلب اللقب على اسمه. وولى ابن رائق أمر دمشق، فجمع جنده لحرب الإخشيد، وتنشب الحرب، وينعقد بينهما الصلح على أن يترك ابن رائق مدينة الرملة للإخشيد وتظل معه بقية الشام، وسرعان ما يتوفى وتعود ديار الشام جميعها إلى الاخشيد. وتقع وحشة بينه وبين سيف الدولة الحمدانى صاحب حلب ويصطلحان على أن تكون لسيف الدولة حلب وأنطاكية وحمص، أما باقى بلاد الشام فتكون للإخشيد. ويأخذ البيعة من بعده لابنه أنوجور ويتوفى لآخر سنة ٣٣٤. وكان حازما يقظا فى حروبه وتدبير شئون دولته مكرما لجنوده. ويقال إن جيشه كان يبلغ أربعمائة ألف، وكان له ثمانية آلاف مملوك وكان يحرسه منهم فى كل ليلة ألفان. وكان أنوجور ابنه فى الرابعة عشرة من عمره حين ولى مصر وكانت ولايته اسمية، أما الولاية الحقيقية فكانت لكافور كبير حاشية أبيه الذى اختاره وصيا عليه، وكان عبدا أسود خصيّا، واختلف-فيما يبدو-إلى حلقات العلماء، واشتراه الإخشيد وأعجب به فأعتقه ومازال يرقى به فى المناصب حتى أصبح من قواده. ولما توفى سيده نهض بشئون ابنه أنوجور على خير وجه، وساس مملكته خير سياسة، وكان الحاكم الحقيقى صاحب الأمر والنهى فى إقليمى الدولة الكبيرين: مصر والشام. وكان يدنى الشعراء ويكثر من عطائهم، وزار مصر حينئذ المتنبى، وله فيه مدائح وأهاج مشهورة. ومازال كافور يدبر أمور الدولة لأنوجور حتى توفى سنة ٣٤٩ وأخذ البيعة من بعده لأخيه على وقام على دولته خير قيام حتى توفى سنة ٣٥٥ فاستقل بالأمر من هذا التاريخ واتخذ جعفر بن الفضل ابن الفرات وزيرا له. وكان يدعى له على المنابر فى مصر والشام ومكة والحجاز. وكانت تقرأ عنده ليلا السّير وأخبار الدولتين الأموية والعباسية، وكان سيوسا ماهرا، من ذلك أنه كان يذعن بالطاعة للعباسيين وفى الوقت نفسه يهادى المعز الفاطمى صاحب المهدية والمغرب ويظهر ميله إليه خداعا. وكان على علم بالعربية، وكان كريما معطاء. وكانت أيامه أيام هناءة ورخاء، ولم يلبث أن توفى سنة ٣٥٧ فعقد أولياء الدولة الولاية لأحمد بن على بن الإخشيد، وكان صبيا فى الحادية عشرة من عمره، واضطربت الأحوال فى الشام اضطرابا شديدا لغارات القرامطة هناك، وعيثهم

стр. 3164

فى الأرض فسادا، ولم تلبث جيوش المعز الفاطمى أن زحفت من الغرب بقيادة جوهر الصقلى سنة ٣٥٨ واستولت على البلاد وانقرضت الدولة الإخشيدية. ٢ - الفاطميون-الأيوبيون (ا) الفاطميون (١) تنتسب هذه الأسرة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق وقد تكونت حوله فرقة الإسماعيلية بينما تكونت حول أخيه موسى الكاظم الفرقة الاثنا عشرية، وكانت الفرقتان تعيشان على التقية والدعوة سرّا لأئمتهما العلويين من سلالة موسى وإسماعيل. وأتيح للإسماعيلية داع خطير هو عبد الله بن ميمون القداح، وهو فارسى من الأهواز، وكان ملما بالفلسفة والملل والأديان، فنظّم الدعوة الإسماعيلية ووضع مبادئها الشيعية الغالية. وبارح موطنه إلى البصرة ثم إلى سلمية بالقرب من اللاذقية فى الشام، ومن هناك اتخذ دعاة للنحلة الإسماعيلية فى العراق وغير العراق، مما هيأ لظهور القرامطة فى البحرين وجنوبى العراق، كما هيأ لظهور داع إسماعيلى من جنوبى الجزيرة يسمى أبا عبد الله، وتصادف أن التقى فى أثناء الحج بنفر من قبيلة كتامة المغربية، فارتضوا دعوته الإسماعيلية وأمّروه عليهم وسار معهم إلى موطنهم، فجمع حوله منهم جيشا قضى به على الأغالبة حكام تونس سنة ٢٩٦ ويمضى إليه من سلمية عبيد الله الفاطمى ويسلمه مقاليد الأمر، وتدين له البلاد، فيتلقب بالمهدى ويعلن نفسه خليفة شرعيا، ويبنى عاصمة جديدة له بجوار القيروان يسميها المهدية نسبة إليه. وكان القداح قد جعل أئمة الدعوة الإسماعيلية قسمين: أئمة حقيقيين مستورين أو مستقرّين، وأئمة بجانبهم مستودعين هم رءوس الدعاة المسمون بالحجج، وبذلك كان هو نفسه إماما

стр. 3165

مستودعا، ومن هنا جاء الشك فى نسب عبيد الله وأبنائه الفاطميين إلى السيدة فاطمة الزهراء، فقيل إنه فاطمى حقيقة وأنه ابن أئمة مستورين هم على الترتيب التقى والوفى والرضى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وإنما استتروا خوفا على أنفسهم من العباسيين، وأسماء الأولين على الترتيب الحسين وأحمد وعبيد الله، وقيل بل هو غير فاطمى من أبناء القداح الإمام المستودع أو أحفاده. ومما شكّك فى هذا النسب المحضر الذى كتبه الخليفة القادر العباسى سنة ٤٠٢ بشهادة القضاة والأشراف العلويين بالطعن فى نسب الفاطميين. وقد رفض ابن خلدون فى تاريخه هذا الطعن وما يطوى فيه من شك فى نسب عبيد الله وأسرته الفاطمية وجزم بصحة نسبه إلى على رضوان الله عليه والسيدة فاطمة الزهراء. ويتسع سلطان عبيد الله فى المغرب، ويضم إلى سلطانه ليبيا والجزائر، وتشنّ عساكره غارات على مصر، ويتوفّى سنة ٣٢٢ فيخلفه ابنه القائم وتستولى جنوده على المغرب، ويثور عليه الخوارج فى جبل أوراس ثورة عنيفة، ويتوفى سنة ٣٣٤ ويخلفه ابنه المنصور فيقضى نهائيا على ثورة الخوارج، ويتوفى سنة ٣٤١ فيعتلى ابنه المعز عرش الخلافة الفاطمية، وتدين له المغرب بالولاء ماعدا سجلماسة وفاس ويفتتحهما قائده جوهر الصقلى ويمهد له البلدان المغربية حتى المحيط الأطلسى ما عدا مدينة سبتة، فإنها ظلت لبنى أمية أصحاب الأندلس. وكانت عين المعز على مصر، فلما وصله الخبر بموت كافور وشعر كأنما انهار السد الذى كان يحول بينه وبين الاستيلاء عليها أمر قائده جوهرا بالاستعداد لفتحها، وجهّزه بأكثر من مائة ألف فارس وبكل ما يلزمه من المال والسلاح. ولم يكد يشرف على الإسكندرية حتى لقيته جماعة من المصريين برسالة من الوزير جعفر بن الفرات بطلب الصلح والأمان. وتقدم جوهر حتى وصل بعسكره إلى الجيزة ودحل الفسطاط والبر الشرقى بجيشه دون مقاومة تذكر من الإخشيدية والكافورية. ونزل بالقرب من الجامع الأزهر، وأخذ توّا يختط مدينة القاهرة. وكتب جوهر إلى المعز يبشره بالفتح، وقطع الخطبة لبنى العباس ولبس السواد شعارهم، وأمر أن يلبس الخطباء البياض وأن يقال فى الخطبة: «اللهم صلّ على محمد المصطفى وعلى علىّ المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا وصلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله». وأخذ جوهر فى بناء الجامع الأزهر واستغرق ذلك ثلاث سنين. واختط قصر الخلافة، وحفر أساسه فى أول ليلة نزل فيها بالقاهرة، واختطّت

стр. 3166

كل قبيلة-خطة عرفت بها وبنيت حاراتها من يومئذ، من مثل حارة الروم والحسينية والخرشتف. ولم يلبث أن ضم الشام إلى مصر سنة ٣٥٩ وخطب للمعز فيهما وفى الحرمين. وفى نفس السنة- ٣٥٩ أمر المؤذنون أن يؤذنوا بحىّ على خير العمل. وظل جوهر مستقلا بتدبير مصر والشام أربع سنين وعشرين يوما إلى أن وصل المعز سنة ٣٦٢ وكان عاقلا حازما أديبا، وتروى له بعض أشعار، وهو يعدّ المؤسس الحقيقى للدولة الفاطمية، ولم تبق بلد من الشام إلى فاس والمحيط الأطلسى إلا أقيمت فيه دعوته وخطب له فى جمعته وجماعته إلا «سبتة» فإنها كانت مع الأمويين أصحاب قرطبة كما ذكرنا. ولما استقرت له الأمور بمصر استخلف على إفريقية يوسف بلكّين بن زيرى الصّنهاجى. واستمر جوهر فى علو منزلته إلى سنة ٣٦٤ إذ رأى المعز أن يعزله عن دواوين مصر وجباية أموالها، ورد إليه العزيز مكانته حتى وفاته سنة ٣٨١. وتوفّى المعز سنة ٣٦٥ بعد أن وطّد الملك العظيم لأبنائه وأحفاده يتوارثونه نحو مائتى عام، وخلفه ابنه العزيز نزار، وكان كريما شجاعا، يعفو عند المقدرة محبا للصيد وخاصة صيد السباع، وكان ينظم الشعر لكن لا يبلغ فيه مبلغ أخيه تميم. واتسعت مملكته بالقياس إلى مملكة أبيه ففتحت له بقية بلاد الشام: حمص وحماة وشيزر وحلب، وخطب له بالموصل وباليمن. وعهد إلى غير وزير بتدبير مملكته، منهم يعقوب بن كلّس وكان يهوديا وأسلم. وبنى قصر البحر، ولم يكن له مثيل شرقا ولا غربا، وقصر الذهب. وقال ابن الجوزى إنه ولّى عيسى بن نسطوروس النصرانى ومنشا اليهودى فكتبت إليه سيدة مصرية بالذى أعزّ اليهود بمنشا والنصارى بابن نسطوروس وأذلّ المسلمين بك إلا نظرت فى أمرى، فقبض عليهما وأخذ من ابن نسطوروس ثلاثمائة ألف دينار. ويروى أنه كان يقول: «أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار وأن يكون ذلك كله من عندى». ومازال العزيز رفيقا برعيته حتى توفى سنة ٣٨٦ وخلفه ابنه الحاكم، وكان فى الحادية عشرة من عمره ولم يكن سوىّ العقل ولا النفس، فاضطرب سلوكه واضطرب حكمه بين جبن وشجاعة وبخل وسخاء، وتارة يجلس فى الشمع ليلا ونهارا، وتارة يجلس فى الظلام الدامس، وحينا يحبّ العلماء والصلحاء، وحينا يفتك بهم فى غير رحمة، وقتل كثيرين من قادة دولته وأصحاب مناصبها الرفيعة. وتارة يأمر بأن يكتب على المساجد والجوامع سبّ أبى بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وتارة ينهى عن ذلك. وتارة يمنع من صلاة التراويح

стр. 3167

وتارة يبيحها، وكان ينهى عن بعض المأكولات مثل الملوخيا والترمس والجرجير والسمك لا قشر له والزبيب. وحرّم الخمر وشدّد فى تحريمها، ورأى لذلك منع بيع العنب وقطع كرومها، وأراق فى النيل خمسة آلاف جرّة عسل خشية أن تصير نبيذا. وفى سنة ٤٠٤ منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع لذلك الأساكفة من صنع الأحذية والخفاف لهن وظل ذلك حتى نهاية حكمه. وحرّم-فيما حرّم-الغناء ولعب الشطرنج والنزهة على ضفاف النيل، إلى غير ذلك مما يصور خبله وشذوذه وفساد عقله. وكان دعاة عقيدته الإسماعيلية لا يزالون يشيعون-مستضيئين بنظرية الفيض الأفلاطونية-أن للإمام الفاطمى نسبتين نسبة إلى عالم القدس ونسبة إلى عالم الطبيعة، مما أدى بالحاكم إلى أن يظن أنه تجسد للذات الإلهية وأغراه بذلك دعاته، وفى مقدمتهم داع درزى من جبال لبنان، ويقال بل هو أعجمى دعا فى تلك الجبال بربوبيته وتبعه الناس هناك. وانسابت من هذه العقيدة عقيدة التجسد للذات الإلهية شعبة إلى النّصيرية فى سوريا، إذ يؤمنون بربوبية على بن أبى طالب. ولما لم يعد فى قوس الصبر منزع حيكت مؤامرة لقتله وتخليص البلاد من شره وخبله، فقتل فى شوال من سنة ٤١١ ويقال إن أخته ست الملك هى التى دبّرت قتله. وولى الخلافة الفاطمية بعد الحاكم ابنه الظاهر، وله ست عشرة سنة، وقامت عمته ست الملك بتدبير دولته أحسن قيام وبذلت الأموال الكثيرة فى الجند وساست الناس سياسة حسنة، واستقام الأمر للظاهر، وعدل فى الرعية، وأعلن البراءة من عقيدة النّصيرية والدّرزيّة جميعا. وحوالى سنة ٤٢٠ خرج عليه صالح بن مرداس الكلابى واستولى على حلب، كما خرج حسان بن المفرج البدوى والى مدينة الرّملة وتغلب على أكثر الشام، وجمع هو وصالح بن مرداس الجموع لحرب الظاهر ولقيتهما جيوشه عند غزة، فانهزم حسان وقتل صالح، وعادت الشام إلى الطاعة. وبنى الظاهر قصر اللؤلؤة وكان جوادا سمحا حليما محبّبا للرعية. وتوفى الظاهر سنة ٤٢٧ وخلفه ابنه المستنصر وهو فى السابعة من عمره، وظل فى الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر، واستوزر كثيرين كان من بينهم صدقة بن يوسف الفلاحى استوزره سنة ٤٣٦، وكان يدبّر له الدولة أبو سعد التسترى اليهودى، وقتلا فى سنة ٤٣٩. ويؤسس محمد بن على الصليحى دولته الصليحية فى اليمن ويعلن ولاءه للمستنصر، ويدعو له على المنابر هناك، ونتقدم حتى سنة ٤٤٣ وإذا المعز بن باديس يعلن العصيان فى المغرب، ويقطع الخطبة للمستنصر ويخطب لبنى العباس، وبذلك تخرج المغرب من طاعة الفاطميين. وما توافى سنة ٤٥٠ حتى يعظم شأن

стр. 3168

أرسلان البساسيرى فى بغداد فيقطع خطبة الخليفة العباسى فى عاصمته ويخطب للمستنصر ويدعو له على المنابر نحو عام إلى أن قضى عليه وعلى فتنته أو دعوته السلطان طغرلبك السلجوقى. ويحدث فى أيام المستنصر غلاء عظيم تظل مصر تعانيه سبع سنوات كسنى يوسف المهلكة، بدأت فى سنة ٤٥٧ وظلت حتى سنة ٤٦٤ وفيها اشتد القحط بالبلاد واستولى عليها الخراب والوباء وكان الناس إذا مشوا تساقطوا فى الطرقات من الجوع، ويقال إن الرغيف بيع بخمسين دينارا وإن البيضة بيعت بدينار وتوجهت أم المستنصر وبناتها فى سنة ٤٦٢ إلى بغداد من فرط الجوع. وزاد طين هذا الغلاء بلّة نشوب حرب فى الجيش بين الترك والسودان، وكادت لا تبقى فى قصر الخليفة تحفة نفيسة إلا بيعت بأرخص الأثمان. وبدا من الصعب إنقاذ مصر من كل هذا البلاد لولا أن استنجد المستنصر فى سنة ٤٦٨ ببدر الجمالى، وكان قد تولى الشام والسواحل للمستنصر، فاستدعاه وفوّض الأمور إليه، فاستقامت بحسن تدبيره وهدأت الفتن وأصبح الحكم والأمر كله له وليس للمستنصر إلا الاسم ومات قبله بأشهر، فعهد إلى ابنه الأفضل بالقيام مكانه، ويتلقب شاهنشاه أو ملك الملوك ولا يلبث المستنصر أن يتوفى سنة ٤٨٧. ويقال إنه قد عهد من بعده إلى ابنه الأكبر نزار، غير أن الأفضل الجمالى كان يكرهه، فلما اجتمع الأمراء والخواص بعد وفاة المستنصر حبّبهم فى أن يخلفه ابنه أحمد، فبايعوه بالخلافة وجعلوا أو جعل الأفضل لقبه المستعلى. وأحدث ذلك انقساما بين إسماعيلية مصر وإسماعيلية إيران فبينما كان الأولون يعترفون بإمامة المستعلى كان الأخيرون لا يعترفون بإمامته إنما يعترفون بإمامة نزار ويرون أن سلالته هم الأئمة الحقيقيون، وحاول نزار أن يسترد الخلافة فثار بالإسكندرية وقضى الأفضل على ثورته. ولا يزال هذا الخلاف قائما بين الإسماعيلية فى الهند إلى اليوم، فالبهرة مستعلية وشيعة أغاخان نزارية. ولم يكن للمستعلى مع الأفضل حكم، كما كان حال أبيه المستنصر مع بدر الجمالى، وظل ذلك حال الخلفاء مع الوزراء إلى نهاية دولتهم الفاطمية، فقد أصبح الخلفاء الفاطميون وراء الحجاب ولا أمر لهم ولا نهى إلا أن يخرجوا فى مواكب أول العام الهجرى ولصلاة الجمعة فى رمضان وصلاة العيدين. ولعل الحكم الوراثى لم يتضح شره ولا عواقبه الوخيمة كما اتضح فى عهد الفاطميين بمصر، فقد كان الخليفة الثالث وهو الحاكم-مجنونا أو مخبولا، وتولى المستنصر وهو فى السابعة من عمره كما مرّ بنا، وكأنما جئ بالخلافة أرجوحة للصبى، وتوفى المستعلى سريعا سنة ٤٩٥ فأقام الأفضل ابنه الآمر مقامه وهو فى الخامسة من عمره، والبلاد فى أشد الحاجة إلى حاكم حازم، فالسلاجقة

стр. 3169

يستولون على كثير من مدن الشام وما تلبث طامّة الصليبيين أن تجثم على ديار الشام والموصل، وتتعاقب الكوارث والخطوب منذ سنة ٤٩٠ إذ تقدم جموعهم من آسيا الصغرى، ويتسلل بلدوين إلى الرّها بالموصل ويستولى عليها ويكون بها أولى إماراتهم واستولت جموع أخرى على أنطاكية وكوّنوا بها إمارتهم الصليبية الثانية. ويأخذون المعرّة فى سنة ٤٩٢ ويستولى جودفرى فى نفس السنة على بيت المقدس وتكون بها إمارتهم الصليبية الثالثة ويستولى ريموند على طرابلس سنة ٥٠٢ وتكون بها إمارتهم الصليبية الرابعة، ويستولون على مدن لبنان وكثير من مدن فلسطين مثل الرملة وعكا، ولا يبقى لمصر فى الشام سوى عسقلان. وكل ذلك يحدث والأفضل سادر فى غفلته والجيش المصرى غائب عن حماه إلا بعض تجريدات برية وبحرية لا تغنى شيئا. ويقتل الأفضل سنة ٥١٥ ويقتل الخليفة الآمر سنة ٥٢٤ ويتولى عرش الخلافة الحافظ، ويستوزر أحمد بن الأفضل الجمالى وكان هو وأبوه وجده سنيين، فيأمر خطباء المساجد أن لا يدعوا فى خطبهم للحافظ كما يأمر المؤذنين أن يسقطوا من أذانهم «حىّ على خير العمل» أحد شعارات الفاطميين، وكأنه أراد أن يزيل الخلافة الفاطمية من مصر، غير أن أنصارها من حواشيها وشيعتها أسرعوا فقتلوه. ويتولى الخلافة بعد الحافظ ابنه الظافر سنة ٥٤٤ ولا يلبث أن يتوفّى فيخلفه ابنه الفائز وهو فى الخامسة من عمره سنة ٥٤٩ ويتوفى سنة ٥٥٥ فيخلفه العاضد آخر خلفائهم وهو فى الحادية عشرة من عمره. وكأن الخلافة أصبحت أرجوحة حقيقية للصبية والغلمان، ونظل نرى مع كل خليفة وزراء، وغالبا يسقطون مقتولين. ولم يكن لكل منهم من شاغل سوى أن يجمع أكثر ما يمكن من الأموال لنفسه، مثقلا فى أثناء ذلك على المصريين بالضرائب الفادحة، بينما يعيش هو ومن وراءه من الخلفاء للهو والقصف. وتفسد فى أثناء ذلك التدهور والانحلال أداة الحكم فى مصر فسادا شديدا. ومع ذلك لا تزال ترسل إلى الشام بعض تجريدات ذرّا للرماد فى العيون، وحتى عسقلان يحتلها الصليبيون ويطمحون إلى احتلال وادى النيل. وبأخرة من أيام هذه الدولة يقتتل ضرغام وشاور على الوزارة ويفزع شاور إلى البطل المغوار نور الدين صاحب حلب مستنجدا به ويهجم حينئذ أملريك الصليبى صاحب بيت المقدس على مصر ويتقدم حتى بلبيس، ويقطع المصريون عليه الجسور والسدود فيضطر إلى العودة. ويقدم سنة ٥٥٩ شاور ومعه عساكر نور الدين بقيادة شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، ويمكّنان لشاور فى الوزارة، وسرعان ما يقلب ظهر المجن لشيركوه وجنوده،

стр. 3170

ويدفعه شيطانه إلى الاستعانة ضده بأملريك والصليبيين، ويحاصرون شيركوه فى بلبيس يضطرون إلى رفع الحصار عائدين إلى بيت المقدس. ويخرج شيركوه من مصر، فيعظم بغى شاور وطغيانه، فيستنجد العاضد بنور الدين سنة ٥٦٢، ويرسل ثانية شيركوه وصلاح الدين، فيستنجد شاور بأملريك، ويلبّيه، وتدور عليه الدوائر، ويخرج على وجهه هو وجنوده من القاهرة، ويخرج أيضا شيركوه وصلاح الدين إلى الشام. ولا يلبث الصليبيون أن يعودوا لامتلاك مصر ويقدم أسطول صليبى إلى تنّيس ويعظم الخطب. ويستصرخ العاضد وشاور نور الدين، فيرسل إليهما عسكرا بقيادة شيركوه وصلاح الدين سنة ٥٦٤ ويستنقذان مصر من الصليبيين وشاور جميعا. ويتولى شيركوه الوزارة للعاضد شهورا، ويتوفى فيخلفه صلاح الدين، ويكتب إليه نور الدين مرارا يأمره بتحويل الخلافة فى مصر من الفاطميين إلى العباسيين. وتصادف أن مرض العاضد مرض الوفاة، وفى أثناء ذلك صدع صلاح الدين بمشيئة نور الدين، فأقام الخطبة لبنى العباس فى أول المحرم سنة ٥٦٧ ولم تمض إلا أيام حتى توفى العاضد فى يوم عاشوراء. وبذلك انتهى أمر الفاطميين وحكمهم للديار المصرية. (ب) الأيوبيون (١) (صلاح الدين) اتفق المؤرخون على أن الأيوبيين أسرة كردية أصلها من بلدة دوين فى آخر إقليم أذربيجان وبها ولد شاذى جد صلاح الدين وأبوه أيوب وعمه شيركوه، وقد هاجروا منها إلى بغداد، ولم يلبث أيوب أن أصبح حافظا لقلعة تكريت، والتحق شيركوه بعماد الدين زنكى، وتحول أيوب إلى العمل مع حاكم دمشق، بينما ظل شيركوه عند زنكى ولما توفى عمل مع ابنه نور الدين وحدث أن حاصر عسكر نور الدين دمشق بقيادة شيركوه بينما كان أخوه أيوب على رأس حاميتها، واتفق الأخوان على تسليمها لنور الدين، فعين أيوب حاكما عليها، وأقطع شيركوه حمصا، وقربه منه. فلما استنجد شاور والعاضد بنور الدين أرسل إليهما عسكرا بقيادة شيركوه

стр. 3171

وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب، وتطورت الظروف كما مرّبنا، فقضى صلاح الدين نهائيا على الدولة الفاطمية، وردّ مصر إلى الخلافة العباسية، واستولى على قصر الفاطميين وما كان به من أموال وكنوز. وجدّ فى إصلاح أحوال مصر، فحطّ عن كواهل المصريين أثقال الضرائب الباهظة التى كان يتنافس وزراء الفاطميين فى فرضها، وبذل الأموال، وملك قلوب الرجال، وطمحت نفسه إلى أن يصبح واليا للخلافة العباسية بمصر، إذ نراه يلمّح فى الرسالة التى كتب بها إلى وزير بغداد، ينبئه فيها بإزالة الدعوة الفاطمية وإقامة الدعوة العباسية، إلى ما يدور بخلده قائلا عن نفسه: «إنه مفتقر إلى أن. . يقلّد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطّرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة». ويأخذ فى إعداد جيش قوى للقاء الصليبيين وينحّى منه العناصر الزنجية والأرمنية التى كانت تعمل فى جيش الفاطميين. ويطمح إلى الاستيلاء على فلسطين باب مصر الشرقى، ويحاصر الشوبك فى سنة ٥٦٧ ويرفع الحصار عنها حين علم أن نور الدين يجهّز الجيوش لحرب الصليبيين وكأنه خشى لقاءه، ومع ذلك كان يعدّ نفسه تابعا له، وكان الخطباء فى مصر يدعون فى آخر خطبهم لنور الدين. وعاد صلاح الدين فى السنة التالية إلى حصار الشوبك والكرك، ثم رفع الحصار، وإن كان قد استولى على أيلة (العقبة). وفى سنة ٥٦٩ يستأذن نور الدين فى إنفاذ أخيه توران شاه على رأس جيش إلى اليمن للقضاء على خارجى هناك استفحل شأنه وكذلك على بقية الدعاة للفاطميين، ويذهب إليها ويستولى عليها. وفى هذه السنة قبض على جماعة من شيعة الفاطميين كانوا يدبرون مؤامرة لقتله وكان من بينهم داعى دعاة الفاطميين وعمارة اليمنى الشاعر، وقتل داعى الدعاة وصلب عمارة. وفى هذه السنة توفى نور الدين، وخلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل، وكان فى الحادية عشرة من عمره، وبدا فى وضوح أنه لا يصلح للنهوض بأعباء الحكم وجهاد الصليبيين. واعترف صلاح الدين بسلطانه، وأمر بالدعاء له فى خطبة الجمعة وسكّ النقود باسمه. ولم يبادر بالتجهيز إلى الشام لانشغاله بأسطول لنورمانديى صقلية هاجم الإسكندرية وحاقت بالأسطول الهزيمة، وأيضا لانشغاله بثورة فى جنوبى بلاد الصعيد أشعلها موال للفاطميين يسمى الكنز ودارت عليه الدوائر. ومرّ بنا آنفا أنه أرسل أخاه توران شاه للاستيلاء على اليمن ومفاتيح البحر الأحمر، ونراه يسيّر عسكرا بعد عسكر إلى بلاد المغرب الأفريقى ودانت له بالطاعة برقة وقسطيلية وقفصة وتوزر مما يدل على أنه فكر مبكرا فى وحدة البلاد العربية التى أرادها نور الدين. وها هو مبكرا قد أصبح

стр. 3172

يضم سلطانه جزءا من الشمال الإفريقى المغربى والحجاز واليمن. وجاءته الأخبار بأن نواب الملك الصالح إسماعيل يستقلون بالحكم ويتنازعون تنازعا مريرا مستعينين بالصليبيين، فاستقر فى نفسه أنه لا بد أن يفرض سلطانه على ديار الشام والموصل قبل أن يسدد للصليبيين ضرباته. وخرج من مصر فى سنة ٥٧٠ بجيش كثيف، وقصد دمشق واستولى عليها، كما استولى على كثير من المدن الشامية. وتقاومه جنود الملك الصالح إسماعيل وابن عمه سيف الدين غازى صاحب الموصل ويكتب له النصر، ويعقد صلحا مع الملك الصالح يبقى له فيها حلب وحدها، بينما تدخل الديار الشامية جميعها فى سلطانه. ويعود إلى مصر سنة ٥٧٢ ويأمر قراقوش ببناء سور ضخم حول القاهرة والفسطاط حماية لهما، ويبطل المكوس التى كانت تؤخذ من الحجاج بجدّة ويعوّض صاحب مكة عنها آلاف الأرادب قمحا تفرّق فى أهل الحرمين، ويأخذ فى إنشاء المدارس والرباطات بالقاهرة منذ هذا التاريخ. ويعود إلى الشام فى سنة ٥٧٣ ويواقع الصليبيين فى غير معركة وترجح كفته رجحانا واضحا، ويمضى إلى الشمال وديار الموصل ويستولى على كثير منها: ويعود إلى مصر ويضبط الأمور فيها ويأمر ببناء قلعة الجبل. ويأتيه الخبر بموت الملك الصالح إسماعيل، فيخرج فى أول سنة ٥٧٨ ويتم له الاستيلاء على حلب وبعض بلدان الجزيرة والموصل. وتسوّل لرايجنالد نفسه أن يهاجم مكة والمدينة من حصنه الكرك واستولى على أيلة وشحن سفنا بالرجال وآلات الحرب، وعاثوا فى البحر الأحمر وموانيه الحجازية والمصرية، وتعقّبه العادل نائب أخيه صلاح الدين فى مصر بأسطول مصرى فتك بسفنه ورجاله. ونصل إلى سنة ٥٨٣ فيعدّ صلاح الدين جيشا ضخما لمنازلة الصليبيين الجنوبيين وينفخ فى نفير الحرب فيأتيه المجاهدون من كل حدب، ويتجه نحو طبرية، وتلتقى إحدى سراياه فى شرقى حيفا بجماعة من الداويّة والإسبتارية الطائفتين اللتين نذرتا أنفسهما لحرب المسلمين، وتسحقهما السرية ويقتل قائد الطائفة الثانية. ويتجمع الصليبيون من كل مكان بقيادة جاى لوزيجنان صاحب بيت المقدس، وتنشب بينهم وبين صلاح الدين موقعة حطّين المشهورة فى غربى طبرية، ويمحق جيشهم محقا، ويولى هاربا ريموند صاحب طرابلس ورينالد صاحب صيداء، ويأخذ المسلمون الصليب الأعظم صليب الصلبوت، ويقع فى الأسر قادتهم وزعماؤهم جاى لوزيجنان صاحب بيت المقدس وهيو صاحب جبيل شمالى بيروت وهمفرى صاحب تبنين إلى الجنوب الشرقى من صور وجيرار مقدم الداوية ورايجنالد صاحب الكرك، وبلغ من كثرة القتلى والأسرى أن قال

стр. 3173

أبو شامة فى كتابه الروضتين: «من شاهد القتلى قال ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال ما هناك قتيل». واستعرض صلاح الدين كبار الأسرى، ولم يكن همه إلا رايجنالد صاحب الكرك لما مر من محاولته غزو مكة والمدينة، ولما مثل بين يديه قال له: ها أنا أنتصر منك لمحمد ﷺ ، وعرض عليه الإسلام، فلم يسلم، فسلّ خنجره وضربه ضربة قاتلة ورميت جثته على باب الخيمة. وطمأن بقية زعمائهم، غير أنه أمر بقتل من أسروا من الداويّة والإسبتاريّة لحبسهم أنفسهم على قتال المسلمين. وغصّت حينئذ أسواق دمشق بأسرى الصليبيين المسترقين، وبلغ من كثرتهم أن كان يباع الأسير منهم بثلاثة دنانير. وعلى أثر هذه الموقعة العظيمة فتحت القلاع والمدن فى فلسطين وجنوبى لبنان أبوابها لصلاح الدين الأيوبى، فاستولى على عكا وحيفا ونابلس وبيت جبريل (بئر سبع) وغزة والرملة وبيروت وصيداء. ولم يبق فى الجنوب سوى الكرك والشوبك، وبقيت صور التى لجأت إليها فلول الصليبيين. وعزم صلاح الدين على فتح بيت المقدس، فحاصرها وضايقها بالزحف والقتال والمنجنيقات، حتى أسلمها من كان بها من الصليبيين راغمين خاسئين فى السابع والعشرين من رجب سنة ٥٨٣ ونكّس الصليب الضخم الذى كانوا قد أقاموه على قبة الصخرة، وأزيلت كل آثار الصليبيين من المسجد الأقصى وأقيمت به صلاة الجمعة بين التهليل والتكبير والضجيج بالدعاء، وأمر صلاح الدين أن يزيّن المسجد بالفسيفساء والرخام، ونقل إليه منبرا فخما من حلب لا يزال به إلى اليوم. وظن أنه لم يعد فى حاجة إلى جيوش ضخمة بعد انزواء الصليبيين فى صور وطرابلس وأنطاكية، فتخفف من جيوشه وعاد كثير من عساكره إلى بلادهم، وظلت البلاد المتبقية من فلسطين تدخل فى حوزته، مثل صفد والكرك والشّوبك وحصن كوكب. واستولت عساكره على بعض الحصون فى لبنان وشمالى أنطاكية، كما استولت على اللاذقية. وأشعل سقوط القدس الحرب الصليبية من جديد، إذ أخذ البابا يصرخ فى الملوك، وحمل الصليب لحرب المسلمين فى فلسطين سنة ٥٨٧ فردريك الأول إمبراطور ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد «قلب الأسد» ملك إنجلترا، ومنيت حملة فردريك فى أثناء اجتيازها آسيا الصغرى بخسائر لا تكاد تحصى فى الأرواح، ولم يبق منها إلا فلول، أما حملتا فيليب وريتشارد فقدمتا من البحر، وحاصرتا عكا وسقطت فى أيدى الصليبيين بعد دفاع مستميت من حاميتها، وعاد فيليب إلى فرنسا، وظل ريتشارد حتى سنة ٥٨٨ يقود الجيوش الصليبية وينازل صلاح الدين. واستولى على

стр. 3174

بعض البلاد الساحلية، واضطرّ إلى الصلح مع صلاح الدين على أن تظل للصليبيين المدن الساحلية من صور إلى يافا، وسمح صلاح الدين للنصارى أن يزوروا القدس حجّاجا عزّلا من السلاح. وسار صلاح الدين إلى دمشق ولم يلبث أن لبّى بها نداء ربه فى صفر سنة ٥٨٩ فبكاه الناس وذرفوا عليه الدموع الغزار. وسنقف فى غير هذا الموضع عند عنايته بالعمارة والبيمارستانات والمدارس، وقد أشاع الرخاء فى مصر بما أسقط عن كواهل الناس من المكوس والضرائب الباهظة. وكان محبا للعدل، وكانت سماحته فى معاملة الصليبيين مضرب الأمثال بينهم، ولا يزال مؤلفو الغرب ينوّهون بها إلى اليوم، وكان رفيقا برعيته عطوفا على أهل العبادة والصلاح. وكان قد قسم فى سنة ٥٨٢ البلاد بين أبنائه وأهله، فأعطى ابنه العزيز عثمان مصر وجعل أخاه العادل أتابكا له (مدّبرا لدولته) وأعطى ابنه الأفضل دمشق وأعطى ابنه الظاهر حلب، وأعطى ابن أخيه تقى الدين عمر بلدانا فى شمالى الشام وميافارقين بديار بكر، وعاد صلاح الدين قبل وفاته فجعل للعادل الموصل وديار بكر والكرك والشوبك. وتوفى فخلقه على مصر العزيز عثمان سنة ٥٨٩ وكان بارّا بالرعية عادلا منصفا، بينما كان أخوه الأفضل فى دمشق يسير فى الناس هو ووزيره ضياء الدين بن الأثير سيرة سيئة، فرأى أن يأخذها منه، وجهز لذلك جيشا ساربه إلى دمشق، غير أن أخاه الأفضل استنجد بعمه العادل فأصلح بين الأخوين، وانصرف العزيز عثمان إلى مصر، وظل الأفضل ووزيره سادرين فى غيّهما، مما جعل العادل يكتب إلى العزيز بوجوب أخذ دمشق، والتقيا بها سنة ٥٩٢ وأرغما الأفضل على تركها إلى صرخد سنة ٥٩٤ واستخلف العزيز عثمان على دمشق المعظم عيسى ابن عمه العادل. وعاد إلى مصر يحكمها حكما رشيدا حتى توفى سنة ٥٩٥. وخلفه ابنه المنصور وكان صبيّا فى العاشرة من عمره، فاستقدم الجند الأفضل ليدبر له الحكم، وما إن وضع قدمه فى مصر حتى كاتب أخاه الظاهر فى حلب، مزينا له الهجوم معه على دمشق وأخذها من ابن عمهما المعظم عيسى، والتقى جيشاهما هناك، ولكن العادل عرف كيف يوقع بينهما، وعاد الأفضل بجنوده إلى مصر، فتبعه عمه العادل، وعرض عليه أن يترك القاهرة ويأخذ ميافارقين وديار بكر، ولم يجد بدّا من القبول، وسرعان ما أخذ العادل فتوى من الفقهاء بأنه لا تجوز ولاية الصغير على الكبير، وعند ذلك قطع فى سنة ٥٩٦ الدعاء فى خطبة الجمعة للمنصور، وأمر بالدعاء له ولابنه الكامل من بعده. وأصبح العادل منذ هذا التاريخ حتى سنة ٦١٥ سلطانا لمصر، مع ما كان بيده من فلسطين ودمشق والجزيرة وديار بكر والموصل. ولما استقامت له الأمور فى كل تلك الدولة قسمها بين

стр. 3175

أولاده، فأعطى ابنه الكامل محمدا الديار المصرية، وأعطى ابنه موسى البلاد الشرقية وراء الشام وشركه فيها إلى وفاته أخوه الأوحد. وأعطى ابنه المعظم عيسى دمشق. وسيّر السلطان الكامل من مصر ابنه المسعود إلى اليمن سنة ٦١٢ فملكها. وبذلك دخلت فى حوزة العادل الحجاز واليمن وكل البلاد التى أظلها لواء صلاح الدين، وكان محنّكا محسنا لتدبير الحكم وسياسة الملك، وكان فارسا مجاهدا أبلى بلاء حسنا مع أخيه صلاح الدين فى الحروب الصليبية، وكان تقيا وقد طهّر ولاياته من الخمور وكل ما يجر إلى الفسق والإثم. وسار سيرة أخيه فى رفع المكوس والمظالم، وله صنف فخر الدين الرازى كتابه «تأسيس التقديس» وسيّره إليه من خراسان. وتضاءلت فى أيامه الحروب الصليبية، وفى سنة ٦٠٩ يغزو الصليبيون دمياط ويرّدون على أعقابهم. ويعيدون الكرّة فى سنة ٦١٥ ويتفق أن يتوفى العادل ويخلفه الكامل فى مصر نهائيا ويشغل من بعض الوجوه بتدبير الحكم، ويظل الصليبيون بدمياط نحو ثلاث سنوات يعيثون فسادا، وتسوّل لهم شياطينهم أن يتقدموا فى البلاد مع فرع دمياط نحو المنصورة، وكان النيل فى قمة فيضانه، فسلّط المصريّون مياهه عليهم، وأيقنوا الهلاك فراسلوا السلطان الكامل طالبين منه الأمان حتى يرحلوا عن دمياط مدحورين، وتسلم منهم دمياط فى رجب سنة ٦١٨ وكان يوما مشهودا، تغنّى به الشعراء طويلا. ودانت للكامل دمشق سنة ٦٢٦ وكذلك البلاد الشامية والشرقية وكان ابنه المسعود قد استولى على الحجاز واليمن. ويروى بعض من حضروا الحج بمكة سنة ٦٢٠ أن الخطيب هناك دعا للملك الكامل، فقال: «صاحب مكة وعبيدها واليمن وزبيدها ومصر وصعيدها والجزيرة ووليدها». ومازال نجمه متألقا حتى توفى سنة ٦٣٥. وكان الكامل قد جعل ابنه الأكبر نجم الدين أيوب على الشرق وإقليم ديار بكر، وجعل ابنه الأصغر العادل على مصر والديار الشامية، وكان فى الثامنة عشرة من عمره، فلم ير الأمراء بدّا من توليته حسب رغبة أبيه، وعظم ذلك على نجم الدين أيوب، فزحف بجيشه إلى دمشق واستولى عليها، ثم سار متجها إلى الديار المصرية، وحفلت رحلته بأحداث كثيرة، حتى إذا وصل إلى مصر قبض على أخيه العادل وأعلن نفسه سلطانا على مصر سنة ٦٣٧. وكان قد أكثر من شراء المماليك. وبنى لهم قلعة الروضة فى سنة ٦٣٨ وأنشأ فيها دورا وقصورا كثيرة وعمل لها ستين برجا وبنى بها مسجدا واتخذها دار ملكه وسكنها بأهله وأسكن معه فيها مماليكه البحرية. وكان أبناء عمومته وإخوته قد خرجوا عليه فى الشام واستولى عمه الصالح إسماعيل على دمشق واستعان بالصليبيين وسلم إليهم القدس وطبريّة وعسقلان. فزحف السلطان نجم الدين أيوب بجيش كثيف

стр. 3176

إلى الشام فى سنة ٦٤٢ واستولى على بيت المقدس من الصليبيين وأفناهم قتلا وأسرا، واسترد دمشق، وعادت له مملكة جده العادل بكاملها حتى حلب والموصل والجزيرة. وبينما كان فى دمشق سنة ٦٤٧ مرض فى أولها، وبينما هو مريض علم بغزو الصليبيين لدمياط بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا الملقب بالقديس، وأنهم أحاطوا بدمياط من جميع جوانبها وسقطت فى أيديهم وأنهم خرجوا منها فى اتجاه مدينة المنصورة، فصمم على لقائهم والمرض يثقل عليه وحمل إلى مصر فى محفّة، وزحف بجيشه مسرعا إلى تلك المدينة ولم يمهله المرض بها، فمات ميتة الشهداء مجاهدا فى سبيل الله. وأخفت زوجته شجرة الدر وفاته حتى يحضر ابنه الملك المعظم توران شاه من الجزيرة شرقى الشام، وأخذت له البيعة بالسلطنة وهو غائب، وقدم إلى المنصورة وأدار بمجرد قدومه فى أول المحرم لسنة ٦٤٨ معركة حاسمة مع الصليبيين مزّقهم فيها شر ممزق، وكانوا بوسط الطريق بين دمياط والمنصورة، فقتل منهم بضعة آلاف وأسر أكثر من عشرين ألفا بينهم لويس التاسع، وحملته إلى المنصورة مركب فى النيل تضرب فيها الصنوج والطبول بينما الأسرى يجرّون بالحبال على ضفتى النهر والمصريون يهللون ويكبرون من حولهم. ويسجن لويس فى المنصورة بدار ابن لقمان كاتب الإنشاء. ومن عجب أن يكافأ توران شاه على هذه الموقعة الباسلة التى قضى فيها قضاء مبرما على أكبر حملة صليبية وجّهت إلى مصر باغتيال مماليك أبيه له، وكان لويس لا يزال فى الاعتقال فافتدى نفسه وفلول حملته بأموال وفيرة، وعاد إلى بلاده خاسئا ذليلا. واجتمع رأى المماليك على تولية شجرة الدر الملك بعد توران شاه، وكانت جارية تركية اشتراها السلطان نجم الدين أيوب وأعتقها وتزوجها، وكانت راجحة العقل حسنة السيرة جيدة التدبير، فاتفق المماليك على أن تلى شئون السلطنة، وتم أمرها، غير أن الأيوبيين فى الشام سرعان ما خرجوا عليها، فانتقضت الوحدة التى انعقدت بين الشام ومصر منذ انقرض الحكم الفاطمى ولم يمض على سلطنتها نحو ثمانين يوما، وأحسّت بحرج الموقف، فرأت التزوج من عز الدين أيبك أتابك العسكر وأن تتحول مقاليد السلطنة إليه. وحاول-خداعا للأيوبيين فى الشام-أن يشرك معه فى الحكم صبيّا أيوبيّا هو الملك الأشرف موسى، وكان فى السادسة من عمره، ولكنه عاد فتخلص منه. وعلى هذا النحو تحول ملك الديار المصرية فى سنة ٦٤٨ من الأيوبيين إلى المماليك وقائدهم أيبك، ولا ريب فى أن عهد الأيوبيين كان من أعظم العهود بمصر، فقد نهضوا بها نهضة عظيمة واستطاعوا بجنودها أن يقهروا الصليبيين ويزيحوهم عن صدر الشام، ويردوهم عن ثراها وحماها إلى البحر المتوسط وما وراءه.

стр. 3177

٣ - المماليك-العثمانيون (ا) المماليك (١) أخذ خلفاء صلاح الدين يستكثرون من شراء المماليك الترك وجلبهم من أواسط آسيا وتكوين فرق عسكرية منهم فى جيوشهم، وأكثر منهم خاصة السلطان نجم الدين أيوب، وكأن الأيوبيين لم يتعظوا بما كان من هؤلاء الترك فى العصر العباسى الثانى واستيلائهم على مقاليد الحكم فى بعض الولايات الكبرى كما حدث فى مصر نفسها لعهد أحمد بن طولون والإخشيد التركيين. وما إن توفى السلطان نجم الدين أيوب وخلفه ابنه توران شاه حتى استولى المماليك على صولجان السلطان باسم شجرة الدر التركية، وسرعان ما أسلمت الحكم والسلطان-كما مرّ بنا آنفا-إلى عز الدين أيبك قائدهم. وظل المماليك من هذا التاريخ وهو سنة ٦٤٨ يحكمون مصر إلى الفتح العثمانى سنة ٩٢٢ فى مجموعتين كبيرتين تسمى أولاهما المماليك البحرية نسبة إلى نهر النيل الذى كان يحيط بجزيرة الروضة مسكنهم الذى أنزلهم فيه السلطان نجم الدين أيوب. وكانوا يستكثرون من شراء المماليك وينزلونهم فى أبراج القلعة حيث يربّون تربية عسكرية جيدة، ويسمون نسبة إلى مسكنهم المماليك البرجية، وهم المجموعة الثانية التى خلفت المماليك البحرية فى حكم مصر منذ سنة ٧٨٤. تولى عز الدين أيبك شئون مصر سنة ٦٤٨ ورأى كما أسلفنا أن يشرك معه فى الحكم الملك الأشرف موسى محاولة لكسب رضا الأيوبيين فى الشام ولكنهم ظلوا مغاضبين له، وأخذوا فى حربه، حينئذ رأى أن يتخلص من الأشرف موسى، وحدثت حروب ومناوشات بينه وبين الأيوبيين، وارتضوا أخيرا أن تكون له مصر وفلسطين حتى نهر الأردن، غير أن شجرة الدر زوجته

стр. 3178

شكّت فى إخلاصه لها، فدبرت مؤامرة ضده سنة ٦٥٥ فمات مقتولا ولم تلبث أن لقيت نفس المصير، وتولى زمام الحكم السلطان المنصور على بن أيبك حتى سنة ٦٥٧ وكان قطز أتابكا له فقبض عليه واستولى على مقاليد الحكم. وكان التتار قد استولوا فى العام السابق على بغداد ونكلوا بها تنكيلا فظيعا ومضت زحوفهم بل سيولهم تتقدم إلى الشام وأخذت تهبط إلى الجنوب فعهد قطز إلى مملوك عظيم من مماليك السلطان نجم الدين أيوب هو بيبرس فى قيادة طليعة الجيش حتى إذا انتهى إلى عين جالوت بين بيسان ونابلس سنة ٦٥٨ أصدر أمره إلى بيبرس أن يتابع سيره تجاه التتار وأخفى بقية الجيش بين الأحراش والأشجار المحيطة بعين جالوت. والتحم بيبرس بالتتار وأظهر بسالة نادرة فى حربهم، وتبعه الجيش يستبسل بقيادة قطز، منزلا بالتتار ضربات قاصمة حتى اضطروا إلى الفرار مولّين وجوههم إلى الشمال لا يلوون، تاركين وراءهم ما لا يكاد يحصى من الغنائم والأسرى. وتعدّ هذه المعركة من المعارك الفاصلة فى التاريخ، إذ صدّت التتار نهائيا عن مصر والشام، وقد ثبّتت أقدام المماليك لا فى حكم مصر وحدها، بل لقد انضوت الشام جميعها تحت لوائهم، ويقتسم شرفها بحقّ قطز وبيبرس. ولبيبرس فيها الشرف الأكبر، إذ كان على طليعة الجيش، واستطاع أن يقتحم بطليعته صفوف التتار، ويزلزل أقدامهم ويحدث الفوضى فى عساكرهم. حتى إذا تم هذا النصر المبين ظن أن قطز سيكافئه عليه مكافأة كبيرة ولم يلبث أن طلب منه نيابة حلب، ولكن قطز لقصر نظره بخل عليه بها، فكان طبيعيا أن يدبر مؤامرة ضده فى أثناء قفوله إلى مصر، وواتته الفرصة فقتله، وانتخبه أمراء المماليك وقوادهم سلطانا على الديار المصرية والشامية، وتلقب باسم الملك الظاهر. وكان بيبرس سلطانا حازما عالى الهمة شديد البأس بعيد النظر يحسن تدبير الملك وسياسته، فرأى أن انتصار عين جالوت وحده لا يكفى فى تثبيت سلطانه، وانتهز ظهور أمير عباسى بدمشق فرّ من التتار فاستدعاه إلى القاهرة، حتى إذا تأكد نسبه إلى بنى العباس بايعه هو والناس بالخلافة فى حفاوة بالغة، ولم يلبث هذا الخليفة العباسى أن قلّده سلطنة مصر والبلاد الشامية وغيرها مما يظلّه سلطانه. وبذلك ثبّت عرشه ووطّد سلطانه ضد أى محاولة قد يحاولها أحد الأيوبيين لاستعادة ملك آبائه. وظلت الخلافة العباسية قائمة بمصر طوال حكم المماليك إلى أن أخذ السلطان سليم الأول العثمانى آخر خلفائها معه إلى القسطنطينية، وأخذ سلاطين آل عثمان يتقلدون الخلافة على المسلمين إلى أن أزالها مصطفى كمال أتاتورك كما هو معروف. وأتاح وجود هذه الخلافة العباسية الاسمية بالقاهرة للظاهر بيبرس ومن خلفه من المماليك أن يعدّو أنفسهم حماة الخلافة والإسلام، وأفادوا

стр. 3179

من ذلك سيطرتهم على الحجاز والحرمين، ووضع بيبرس تقليدا أن يسافر محمل إلى مكة سنويا يحمل الكسوة الشريفة، وهو تقليد لا يزال قائما إلى اليوم. وعنى بوضع نظام دقيق للإدارة فى مصر والشام كما عنى بالبريد، فكان الخبر يصل من دمشق إلى القاهرة فى ثلاثة أيام. وظل طوال حكمه يعدّ جيوشه ويزحف بها لحرب الصليبيين والتتار وغزو أرمينية والسلاجقة بآسيا الصغرى وغزو النوبة فى الجنوب. أما الصليبيون فاستولى على كثير من قلاعهم وحصونهم ومدنهم مثل قيسارية وأرسوف وصفد وتبنين والرملة ويافا وحصن الأكراد والقرين القريبة من عكا وصافيتا وصفا والشقيف. ولم يلبث أن استولى على أنطاكية سنة ٦٦٧ فانهارت المملكة الشمالية التى كان قد أقامها الصليبيون، ومعروف أن زنكى استولى من قديم على مملكتهم القديمة الرّها واستولى بعده صلاح الدين على مملكتهم فى بيت المقدس. ومازال الظاهر بيبرس ذاهبا آيبا من الفرات لحرب التتار وسحقهم، وغزا السلاجقة فى آسية الصغرى، وفتح أرمينية الصغرى مرتين واستقصى فتح حصون الإسماعيلية بالقرب من اللاذقية، وفتح دنقلة كرسى بلاد النوبة، ودانت له بالطاعة. ومن أهم أعماله أنه أقام فى سنة ٦٦٣ لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة: المذهب الحنفى والمالكى والشافعى والحنبلى قاضيا، وظل العمل بذلك جاريا فى عصر المماليك، وفى أيامه سنة ٦٧٥ طافوا بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، وكان يوما مشهودا، وهو أول من فعل ذلك بالديار المصرية. وشيد مسجدا كبيرا بالقاهرة لا تزال أطلاله قائمة إلى اليوم. وهو يعدّ من أبطال مصر والعرب العظام أمثال صلاح الدين، ويعد عصره من العصور الإسلامية الذهبية، وظلت بطولته فى حروب التتار والصليبيين عالقة بالأذهان أزمنة طويلة، وألفت حولها قصة مشهورة، ومازالت الأجيال تزيد فيها إيمانا بفروسيته الخارقة. وقد توفى سنة ٦٧٦ بدمشق ودفن بها، وتولى بعده ابنه الملك السعيد، ولم يكد يدور به فى الحكم عامان حتى ثار عليه أمراء المماليك وخلعوه وولوا أخاه بدر الدين سلامش وكانت سنه لا تتجاوز السابعة، وجعلوا قلاوون أتابكا له. وسرعان ما استغل قلاوون الفرصة، فاستخلص الملك لنفسه، وتلقب باسم السلطان المنصور، وهو من أعظم سلاطين المماليك حزما وعزما وتدبيرا وبأسا، وقد اتبع سياسة الظاهر بيبرس فى الإيقاع بالتتار والصليبيين أما التتار فنازلهم مرارا وأنزل بهم خسائر فادحة حتى رضخوا وطلبوا منه الصلح مدحورين، وأما الصليبيون فقد صمم على إزالة مملكتهم الرابعة والأخيرة فى طرابلس، ونازلها سنة ٦٨٨ وفتحها قهرا بالسيف، وملك ما جاورها من القلاع والبلدان مثل

стр. 3180

جبيل وبيروت. وكان قد حدث شغب فى بلاد النوبة، فذهب إليها بعض قواده ورمّ ما بها من شغب. وتوفى سنة ٦٨٩ وظل الملك فى أبنائه وأحفاده نحو مائة عام، وخلفه ابنه الأشرف خليل، وكان شجاعا وبطلا مغوارا، فصمم على طرد الصليبيين من الشام، فجمع عساكره وتوجه إلى عكا فوصلها فى يوم واحد ويسّر الله له فتحها فى يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى سنة ٦٩٠ وكان الصليبيون استولوا عليها بأخرة من أيام صلاح الدين فى يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٥٨٧ وقتلوا المسلمين بها، فثأر لهم السلطان خليل وقتل من كان بها من الصليبيين حين فتحها. وانحلت عزائم الفرنج بعد عكا وأخذ السلطان خليل صور وصيداء وحيفا واستسلمت قلاع الصليبيين الأخرى، وتطهرت البلاد من رجسهم وإثمهم، فلم تبق لهم فى الشام بلد ولا قلعة ولا قرية ولا جزيرة. والعجب أن يكافى المماليك السلطان خليلا على هذا العمل الباسل العظيم جزاء السلطان المعظم توران شاه بعد واقعة المنصورة، فيتآمروا على قتله، وتنجح مؤامرتهم سنة ٦٩٣ ويخلفه أخوه الناصر محمد، وهو لا يجاوز التاسعة من عمره، ويعيّن كتبغا نائبا له، وما يكاد يدور العام حتى يستولى على السلطنة، ويغتصبها منه بعد عامين لاجين، وتعود بعد عامين آخرين إلى الناصر محمد بن قلاوون سنة ٦٩٨. وتنشب حروب بينه وبين تتار العراق، وترجح كفتهم ويستولون على دمشق وغيرها من مدن الشام ويعيثون فيها فسادا. ولا يلبث الناصر محمد أن يجمع لهم جيشا كثيفا سنة ٧٠١ وينازلهم فى مرج الصّفر بالقرب من دمشق ويسحق جموعهم سحقا، وتولّى فلولهم الأدبار نحو العراق وبغداد لا تلوى على شئ. ويأخذ كبار المماليك فى التنافس حول السلطة ويخشى الناصر محمد أن يفتكوا به فيذهب إلى الحج ويعتزلهم فى الكرك جنوبى الأردن، ويرسل إليهم بكتاب يعلن فيه تنازله عن الحكم، ويتفق المماليك على تولية ركن الدين بيبرس سنة ٧٠٨ ولا يدور العام حتى يعود الناصر محمد إلى سلطنته ويتولى الحكم فى مصر والشام للمرة الثالثة سنة ٧٠٩. وكان المصريون يحبونه حبّا شديدا، وكان عهده عهد رخاء عظيم ويتضح فى كثرة المنشآت التى أسسها من مدارس ومساجد وخانقاهات. وبلغت الدولة فى عهده أوج مجدها، فقد قضى أبوه وأخوه، كما قدمنا، على الصليبيين نهائيا، ولم تبق منهم باقية، وانتصر هو على التتار فى ولايته الثانية على مصر انتصارا حاسما، وعقدوا معه صلحا سنة ٧١٩ ولم يعودوا يفكرون فى الغارة على الشام. ويظل الناصر فى الحكم حتى سنة ٧٤١ ويخلفه أبناؤه وأحفاده حتى سنة ٧٨٤ وتعود مصر

стр. 3181

أو يعود الحكم فى مصر ثانية إلى ما حدث فى الدولة الفاطمية من عواقب وخيمة لأن يصبح الحكم وراثيا. ويكفى أن نعرف أن ثمانية من أبناء الناصر تولوا الحكم إحدى وعشرين سنة مما يعنى عدم الاستقرار، وكان منهم من يعيش للهو وسماع المغنيات مثل السلطان الصالح إسماعيل والسلطان شعبان، ومثل السلطان زين الدين، وكان فى الحادية عشرة من عمره، وفى نفس السن تولى أخوه السلطان حسن وفى عهده انتشر وباء الطاعون بالقاهرة. وتخلفه فترة يحكم فيها أحفاد الناصر لمدة عشرين عاما، وكثير منهم كان صبيّا، كما ذكرنا، فكان طبيعيّا أن يفسد الحكم فى عهدهم فسادا شديدا. وفى سنة ٧٦٦ سوّلت لحاكم قبرص بطرس لوزيجنان شياطينه أن يغير على الإسكندرية، فأغار عليها لمدة ثلاثة أيام، ثم ولّى بمن معه هاربا حين علم باقتراب الجيش المملوكى. وطبيعى وقد فسد حكم آل قلاوون فسادا لا صلاح له بعده، أن يحاول المماليك التخلص من هذا الحكم، وكانت مجموعة المماليك البرجية قد أخذت تظهر على مسرح الحوادث، وأخذوا يسيطرون على أداة الحكم منذ وفاة الناصر محمد بن قلاوون، وأخذ نجم برقوق من بينهم يعلو فى سماء مصر، ومازال يدبر للأمر هو وأعوانه حتى أطاحوا بأحفاد قلاوون وتسلم مقاليد الحكم سنة ٧٨٤ وظل فى أيدى المماليك البرجية إلى نهاية الدولة المملوكية، وكان أديبا يهتم بمجالس الأدب والعلم، وخلفته طائفة من المماليك البرجية مثل شيخ وبرسباى وجقمق وقايتباى والغورى. وظل برقوق على رأس الدولة حتى توفى سنة ٨٠١ إلا ما كان من سنة واحدة أبعد فيها عن الحكم وهى سنة ٧٩١ وسرعان ما عاد إليه. وتكثر فى زمن هذه الدولة البرجية المنافسات بين الأمراء، كما يكثر فرض الضرائب على الشعب. ويهبّ بأخرة من حكم برقوق إعصار تتارى جديد، يقوده تيمورلنك، وينزل الإعصار بالعراق والموصل ويستصرخ الحكام هناك برقوق، ويشغل تيمورلنك بغزو الهند حينا، فيعلن أحمد بن أويس حاكم بغداد تبعيته لبرقوق رجاء أن يحميه من الطاغية المغولى، ويكتب له برقوق تقليدا أو مرسوما بنيابته عنه فى بغداد ويزوده بالمال والعتاد والرجال، ويعود تيمور سريعا ويستولى على بغداد. وفى هذه الأثناء يتوفى برقوق بينما يتجه تيمور بجيشه إلى الشمال يريد الاستيلاء على الشام، ويستولى على حماة وحمص وبعلبك، وكان مماليك برقوق قد ولوا عليهم ابنه فرجا، فخرج على رأس جيش للقائه ولكنه هزم بالقرب من دمشق سنة ٨٠٢ ودخل تيمور دمشق وظل جنوده فيها مدة ينهبون ويسلبون ويأتون من الفظائع ما صوره ابن عربشاه فى كتابه عجائب المقدور فى نوائب تيمور، مما اضطر السلطان فرجا إلى قبول الصلح

стр. 3182

معه، وبارح تيمور الشام سريعا إلى آسيا الصغرى وأنزل بالسلطان بايزيد العثمانى ضربة قاصمة، وعاد إلى بلاده. وسرعان ما توفى وتمزقت دولته بين ورثته، وكفى الله المماليك وديار مصر والشام شره وخطره. ويحتدم التنافس بين أمراء المماليك البرجية ويستخلص الحكم لنفسه المؤيد شيخ سنة ٨١٥ وله عمائر كثيرة أشهرها جامعه المؤيدىّ، ويقال إنه لم يبن فى الإسلام أكثر زخرفة منه بعد الجامع الأموى بدمشق، وتوفى سنة ٨٢٤. وبويع ابنه المظفر أحمد وله سنة واحدة وثمانية أشهر، فكان طبيعيا أن يستولى على الحكم بعض الأمراء، ويتولى سلطانان، ويخلفهما السلطان برسباى سنة ٨٢٥ ومرّ بنا غزو حاكم قبرص بطرس لوزيجنان للإسكندرية سنة ٧٦٦ وكان القبارصة كثيرا ما يتعرضون فى البحر المتوسط للسفن المصرية والشامية، فصمم برسباى على أخذ قبرص وأرسل لها ثلاث حملات، استطاعت ثالثتها أن تستولى عليها من جميع أنحائها، وعادت الحملة بغنائم وأسرى كثيرين وبحاكم قبرص مقيدا فى الأغلال، وقبّل الأرض بين يدى برسباى، وتعهّد أن تظل جزيرته موالية لمصر وأن يكون نائبا فيها للسلطان، وعاد إلى جزيرته عقب ذلك سنة ٨٣٠ بعد أن دفع دية كبيرة وبعد أن التزم بأن يؤدى لمصر سنويا عشرين ألف دينار جزية. وخلف برسباى ابنه العزيز سنة ٨٤١ لمدة عام، ولم يلبث الأمير جقمق أن عزله، وتولى الحكم سنة ٨٤١ وحاول أن يكتسب مجدا حربيّا كمجد برسباى، فوجه ثلاث حملات إلى جزيرة رودس، ولكنها لم توفق جميعا إلى الاستيلاء عليها، ويتوفى سنة ٨٥٧. وتكثر المنافسات والمنازعات بين أمراء المماليك البرجية. ويستخلص الحكم لنفسه قايتباى سنة ٨٧٢ وكان سديد الرأى شجاعا ساهرا على دولته المترامية الأطراف، متنقلا فيها من القاهرة إلى مدن الفرات إلى مكة والمدينة، ويبدو أنه كان يعنف فى جمع الأموال والضرائب، وكان يهتم ببناء المدارس والمساجد وترميم المنشآت. وظل حاكما للدولة تسعة وعشرين عاما إذ توفى سنة ٩٠١. وخلفه أربعة سلاطين حكموا مددا قصيرة، واختار أمراء المماليك بعدهم قانصوه الغورى سنة ٩٠٦، وهو من خيرة سلاطين المماليك البرجية، وكان شاعرا واشتهر بمجالسه الأدبية. وكان طاعنا فى السن، بينما كان يتراءى فى الأفق شبح عدوين كبيرين يهددان مصر والمماليك بالخطر الجسيم، أولهما خطر البرتغال واكتشاف فاسكودى جاما طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند منذ سنة ٩٠٣ مما آذن بتحول زمام تجارة توابل الهند من أيدى المصريين إلى أيدى البرتغاليين، وضياع ما كانت تأخذه مصر من ضرائب ورسوم على هذه التجارة فى طريقها إلى أوربا وثغور البحر المتوسط. وأخذ البرتغاليون يناوشون

стр. 3183

العرب فى جنوبى الجزيرة العربية، أو قل إن العرب هم الذين بدءوا بهذه المناوشات، ووقف الغورى معهم وانتصروا فى موقعة بحرية عليهم. غير أن البرتغاليين مضوا يعيدون الكرة، وهاجموا مدينة عدن ونزلوا فى بعض الجزر الواقعة بالقرب من باب المندب وأصبحوا يهددون مدينة عدن واليمن جميعها، فأرسل إليهم سريعا قانصوه الغورى نجدة طردت البرتغاليين من هذه الأنحاء، واستدارت تحتل اليمن حتى تظل مصر حارسة لها. وتهدّد مصر خطر أكثر جسامة، فإن العثمانيين كانوا قد استولوا على القسطنطينية وأخذ نجمهم فى الصعود، وسمعوا بما أنزله إسماعيل الصفوى بأهل السنة فى بغداد من سفك لدمائهم وقسوة متناهية فأعلنه سليم الأول بالحرب وانتصر عليه فى سنة ٩١٤ واستولى منه على الجزيرة والموصل وديار بكر وأعاد سليم الكرة فهزم إسماعيل الصفوى سنة ٩٢٠. وعرف أن قانصوه الغورى كان قد عقد معه حلفا، فصمم على منازلته ولم يكن ذلك غائبا عن قانصوه فجند جيشا كثيفا ومضى به إلى شمالى سوريا لرد العدوان، إن حدث، فى حينه، وأرسل إلى سليم يطلب إليه عقد معاهدة صلح بينهما فرد رسله ردا سيئا، ولم تلبث أن نشبت بينهما معركة مرج دابق شمالى حلب سنة ٩٢٢ ودارت الدوائر على قانصوه وجيشه، وقتل وهو يلوذ بالفرار، ولم تكن تنقص جيش المماليك الشجاعة، إنما كان ينقصه سلاح مهم استخدمه العثمانيون فى المعركة هو سلاح المدفعية، فكان طبيعيّا أن تكون لهم الغلبة، وفتحت مدن الشام أبوابها لسليم، ودخل دمشق. ويبدو أنه كان يريد أن يدع للمماليك مصر ويكتفى بممتلكاتهم فى آسيا، فكاتب خليفة قانصوه فى مصر طومان باى يعرض عليه أن يترك مصر له وللمماليك على أن يعترفوا له بالسيادة، فيخطب له، وتضرب السكة باسمه. ولكن طومان باى أبى ذلك وأخذ يستعد لحربه، وأحسّ بتخاذل المماليك من حوله، بينما كان سليم يتقدم نحو مصر ودخل حدودها واتجه إلى القاهرة، والتقى بجيش طومان باى بالقرب من العباسية على أبواب القاهرة وأنزلت مدفعيته به هزيمة ساحقة، وفرّ طومان باى. ودخل سليم القاهرة فى اليوم التالى وكان أول يوم جمعة فى شهر المحرم لسنة ٩٢٣ فدعى له فى الخطبة، وسلّم قصر طومان باى بعد قتال عنيف أما هو ففرّ إلى الصعيد ثم إلى الدلتا واشتبك مع العثمانيين فى بعض مناوشات خاسرة، ولم يلبث أن سلّم غدرا إليهم، فأمر السلطان بشنقه على باب زويلة. وبذلك انتهى حكم المماليك لمصر وتقوضت دولتهم.

стр. 3184

(ب) العثمانيون (١) مكث السلطان سليم فى مصر بعد فتحه لها نحو ثمانية أشهر، ذاق فيها المصريون ألوانا كثيرة من الظلم والمحن ومصادرة الأموال وأيضا مصادرة العلماء ورجال المهن والفنون والصناعات ونقلهم فى السفن إلى القسطنطينية، وقد نقل كثير من التحف والآثار الرائعة من المساجد ومن قصور المماليك حتى الرخام كانوا ينزعونه. وكأنما وضع سليم خطة أن يحرم مصر من كل ما كان بها من تراث فنى غير ما حمله من كتب لا تزال تزخر بها مكتبات القسطنطينية إلى اليوم. وهكذا جرّدت مصر من علمائها وفنّانيها وتراثها الفكرى والفنى، وعاشت حقبا سوداء امتدت إلى نحو مائتين وتسعين عاما، وحتى الخلافة الإسلامية التى كانت تتيح لها زعامة أو شيئا من الزعامة فى العالم الإسلامى سلبها منها سليم، إذ دفع المتوكل على الله آخر خلفاء بنى العباس فى مصر إلى أن يتنازل له عن الخلافة، ويقال إنه تقلدها فى مصر، ويقال بل بعد ذهابه معه إلى القسطنطينية. وجعل سليم على مصر نائبا له أو واليا، كان يلقب بالباشا، ويتخذ القلعة مقرّا له طوال حكم العثمانيين لمصر، ولم ينفرد بالحكم، فقد أشرك معه سليم-وظل ذلك ساريا بعده-قادة الجند العثمانيين الذين تركهم بعده فى مصر، وأيضا أشرك معه حكام مديريات القطر أو أقاليمه، وقد اختارهم سليم جميعا من المماليك، وكأنه رأى أن يشركهم فى الحكم، للإشراف على شئون الأقاليم. ولم يلبث أن توفى سليم، وخلفه أخوه سليمان سنة ٩٢٦ وفى أيامه استقر نظام حكم العثمانيين السياسى لمصر بحيث كان بها وال له الإشراف العام على شئونها المختلفة، ومعه ديوانان: ديوان كبير مؤلف من السردار ورئيس الفرق العسكرية والدفتردار (مدير الخزانة) والروزنامجى (حافظ السجلات) وأمير الحج وقاضى القضاة أو رئيسهم ونقيب الأشراف ورؤساء المذاهب الأربعة وبعض رؤساء المماليك أو كبيرهم. وبجانب هذا الديوان ديوان صغير كان يتألف من الكتخدا (نائب الوالى) والدفتردار والروزنامجى ومندوب عن كل فرقة من الفرق العسكرية.

стр. 3185

وكان الديوان الصغير ينعقد كل يوم ويبلغ قراراته إلى الوالى، وبالمثل كانت قرارات الديوان الكبير تبلّغ إلى الوالى ويعمل على تنفيذها جميعا. وظل المماليك-منذ سليم-يمثلون فى البلاد سلطة ثالثة بجانب سلطتى الجند والوالى، إذ جعلوا حكاما للأقاليم، وكان كل منهم يسمى سنجقا: اسما تركيا، كان فى الأصل يعنى البيرق، إذ كان السنجق عادة يتسلم بيرقا فسمّى باسمه وسميت مديريته باسم السنجقية، وأعطوا أيضا لقب بك، فكان هناك الوالى الباشا والسناجقة المماليك البكوات، وكانوا يشرفون على مديرياتهم من الناحيتين الإدارية والمالية، وكان لهم نواب يسمون الكشّاف جمع كاشف. وكان يتبع الكشاف الملتزمون وهم من التزموا بدفع ضرائب معينة عن قرية أو قرى، وكانت للملتزمين سلطة واسعة على الفلاحين فهم يعتصرونهم اعتصارا دون شفقة أو رحمة، والفلاحون يتصبّبون عرقا لكى ينعم الملتزم والكاشف والسنجق، وما يزالون يثقلون عليهم بالضرائب والإتاوات ويرهقونهم من أمرهم عسرا، حتى أصبحوا يعانون ما لا يطاق من البؤس والفاقة. وبذلك كسدت الزراعة، كما كسدت التجارة منذ استولى العثمانيون على مصر وكشف البرتغاليون طريق رأس الرجاء الصالح وتحولت تجارة أوربا والهند إليه. وزاد الأمور سوءا أن العثمانيين اتبعوا سياسة مستمرة أن لا يظل الوالى فى مصر إلا مدة قليلة قد تكون عاما وقد تكون أقل من عام، فلم يشعر الولاة بشئ من الاستقرار، وكأنهم كانوا يجيئون ليدخروا لأنفسهم شيئا من مال، وكانوا يذهبون دون أن يفكروا فى أى إصلاح، ويكفى أن نعرف أنه حكم مصر حتى مجئ نابليون مائة وخمسون واليا عثمانيا. وكانت الدولة العثمانية قد أخذت تضعف منذ القرن الثانى عشر الهجرى أو السابع عشر الميلادى ضعفا شديدا فأخذ سلطان السناجق المماليك يقوى، وخاصة أنه كانت بيدهم أزمّة الشئون الإدارية والمالية فى البلاد، وأيضا فإن العثمانيين كانوا يتخذون منهم فى القاهرة زعيما لهم يسمونه شيخ البلد، فأخذت مشيخته أو سلطته تقوى، حتى غدا مناظرا أو مماثلا للوالى العثمانى. وبلغ من سلطان شيخ البلد ومماليكه أن كانوا أحيانا يعزلون الولاة، وربما جاءهم وال لا يرضونه، فكانوا يمتنعون عن تهنئته، ولا يحضرون قراءة المرسوم بتوليته، حينذ لا يجد بدّا من حمل حقائبه والعودة إلى القسطنطينية فكان طبيعيّا أن يفكر بعض شيوخ البلد من زعماء المماليك فى الاستقلال بمصر، وتولى على بك الكبير مشيخة البلد، وصمم على الاستقلال، ولم يلبث أن خلع الوالى التركى سنة ١١٨٣ هـ/١٧٦٩ م وأعلن استقلال مصر عن الدولة العثمانية وضرب السكة

стр. 3186

باسمه، وفتحت جيوشه معظم جزيرة العرب ونادى به شريف مكة: سلطان مصر وخاقان البحرين. وأرسل قائدا من قواده وهو محمد بك أبو الذهب لفتح سوريا، وفتحت له دمشق وغيرها من مدن الشام أبوابها. غير أن الباب العالى العثمانى لم يلبث أن استغواه بما وعده به من الولاية على مصر فانقلب على سلطانه على بك الكبير، ونشبت بينهما الحرب وسقط فى ميدانها على بك سنة ١١٨٧ هـ/١٧٧٣ م. وبذلك أضاع محمد بك أبو الذهب على مصر فرصة ذهبية: أن يردّ لها استقلالها وحريتها، وظل شيخا للبلد، يولّى عليها من العثمانيين من يختاره إلى أن توفى بعد سنتين فى عام ١١٨٩ هـ. وخلفه على مشيخة البلد إبراهيم بك ومراد بك شريكين فيها، وخرجت المشيخة من أيديهما فترة إلى إسماعيل بك، وتوفى فعادت إليهما ولإبراهيم الرياسة، وأصبح شيخا للبلد إلى أن جاءت الحملة الفرنسية سنة ١٢١٣ هـ/١٧٩٨ م. وتنزل الحملة مصر وتظل تجاهدها جهادا عنيفا مريرا ثلاث سنوات، ولم ينفع نابليون قائدها ما أنشأه من مجالس شورى ألفها من بعض شيوخ الأزهر ومن كبار التجار والأعيان، وجعل لها النظر فى الضرائب وشئون الحكم. لم يغرّ هذا الخداع المصريين فقد عرفوا أنها مجالس صورية لتنفيذ مطامعه الاستعمارية، ومازالوا يقاومون الحملة مقاومة باسلة، حتى اضطروها إلى مبارحة البلاد سريعا. وأولى أن تدرس هذه الحملة وآثارها بمصر مع عصرها الحديث، إذ أذكت فى المصريين الشعور القومى. فلما خرجت إلى البحر المتوسط وما وراءه وعاد المصريون إلى الحكم العثمانى رأوا أن من واجبهم التخلص من نيره الظالم البغيض وأن يختاروا حاكمهم واختاروا محمد على سنة ١٢١٩ هـ/١٨٠٥ م وبدءوا بقوة نهضتهم الحديثة.

стр. 3187

٤ - المجتمع (١) مصر-كما وصفها الذكر الحكيم-جنات وعيون وزروع ومقام كريم. وفى جنات هذه الزروع وجنباتها عاش سكانها من القبط ومن نزل بها من العرب، ومع الزمن يزداد اختلاط العرب بسكانها وخاصة منذ أسقطهم الخليفة العباسى المعتصم من دواوين الجيش فى نهاية الربع الأول من القرن الثالث الهجرى، فقد مضوا يخالطون سكانها لا فى مدنهم فحسب، بل أيضا فى قراهم وزروعهم مؤلفين جميعا شعبها المصرى. وكانت تتوزعه-كغيره من الشعوب العربية- ثلاث طبقات عليا ووسطى ودنيا. وتشمل الطبقة الأولى الوالى وصاحب الخراج والقاضى وكبار أصحاب المناصب وقواد الجند ومعهم الأشراف من بيتى العباسيين والعلويين وكبار التجار والإقطاعيين من المماليك. والطبقة الوسطى تشمل العلماء والجند وأوساط الزراع أصحاب الملكيات الصغيرة والقائمين على الصناعات. أما الطبقة الدنيا فتشمل الفلاحين والصناع وصغار التجار. وبجوار هذه الطبقات كان هناك رقيق يجلب من أواسط إفريقيا ومن بيزنطة وأرمينية وثغور البحر المتوسط، وكان كثير منه يحرّر ويصل إلى أرفع المناصب على نحو ما هو معروف عن فاتك الرومى وكافور الحبشىّ القائدين فى زمن الإخشيد. وكان هناك أهل الذمة من الأقباط. ويمد النيل مصر من قديم برخاء لا مقطوع ولا ممنوع، ومعروف أن أرضها قبيل الفتح العربى كانت موزعة بين الدولة والكنيسة وكبار الإقطاعيين، وقد ترك العرب الفاتحون للكنيسة وللإقطاعيين ما لهم من الأراضى على أن يؤدوا عنها الخراج أو كما نقول الآن الضرائب، وبالمثل كان يؤدّيها أصحاب الملكيات الصغيرة من الأرض وكل فالح لها أو زارع. وترك للقبط الإشراف

стр. 3188

المالى على شئون الخراج أو ضرائب الأرض، وظل لهم ذلك وحدهم طوال الأزمنة الإسلامية حتى الثلاثينيات من القرن الحاضر. وكان أهل الذمة من القبط وغيرهم يؤدون الجزية، وهى تتراوح بين دينار ودينارين سنويا، يؤديها القادر بمقدار قدرته، ولم يكن يؤديها راهب ولا شيخ ولا امرأة ولا صبى، وهى فى واقعها ضريبة دفاع لأنهم لم يكونوا يشتركون فى الحرب. وكانت تؤخذ بجانب ذلك مكوس على الصناعات، ومن أهمها صناعة القراطيس من ورق البردى، وكانت هذه الصناعة رائجة جدّا حتى أواخر القرن الثانى الهجرى حين نقلت فى عهد الرشيد من الصين صناعة الورق وأنشى لها مصنع ببغداد. وأهم من هذه الصناعة صناعة النسيج والثياب، وقد ظلت مزدهرة طوال الحقب، وكان النساء والغلمان فى الوجه البحرى يشتركون فيها، واشتهرت بها المدن الشمالية: دمياط وشطا وتنيس ودبيق والإسكندرية، وكان من نسيج الأخيرة ما يباع بما يعادل وزنه من الدراهم، وكان ثمن الثوب الدبيقى مائة دينار وقد يبلغ مائتين، واشتهرت تنيس بثوب كانت تصنعه للخليفة منسوجا بالذهب وليس فيه من الغزل سوى أوقيتين، وكان يقدر بألف دينار. وكانت السجاجيد والأبسطة والستور تصنع بالفيوم والصعيد، وكانت تصنع الحصر فى أمكنة كثيرة، كما كانت تصنع بعض أنواع الجلود. وعلى كل هذه الصناعات كانت تؤخذ المكوس كما كانت تؤخذ على استخراج بعض المعادن وخاصة الشبّ والنطرون، وأيضا على بناء السفن. وكانت التجارة رائجة، وكان يتجر فيها كثير من الفرس والروم واليهود. ومما يدل بوضوح على رخاء مصر فى عصر الولاة ومدى ما كان يتمتع به القبط من حسن المعاملة خبر رواه المقريزى وقع فى أثناء زيارة المأمون لمصر سنة ٢١٧ إذ مر بقرية يقال لها «طاء النمل» وكانت إقطاعية لقبطية عجوز تسمى مارية، فتعرضت له تسأله أن ينزل فى ضيافتها مع حاشيته ومن يرافقه من جنده، وعجب لكثرة ما قدمت من أطعمة، فلما أصبح جاءته ومعها عشر وصائف، مع كل وصيفة طبق، فظن أنها ستقدم له بعض هدايا الريف المصرى، فلما وضعت الوصائف الأطباق بين يديه إذا فى كل طبق كيس من ذهب، فشكرها وأمرها برده، فأبت إباء شديدا، وتأمّل الذهب أو الدنانير فإذا بها من ضرب عام واحد، مما يدل على أنه ربحها من عام، فقال: هذا والله أعجب. وتوسلت إليه أن يقبلها، فتمنع وقال لها: ردّى مالك بارك الله لك فيه، فأخذت قطعة من الأرض وقالت: يا أمير المؤمنين هذا الذهب من هذه الطينة التى تناولتها من الأرض ثم من عدلك يا أمير المؤمنين، وعندى من هذا الذهب شئ كثير. فأخذه المأمون لبيت المال وأقطعها عدة ضياع وأعطاها من قريتها مائتى فدان بغير خراج. ومارية إنما هى

стр. 3189

إقطاعية واحدة وكان وراءها إقطاعيون كثيرون من القبط والعرب، فإن الدولة كانت قد دأبت على أن تمنح بعض الموظفين الكبار بمصر وبعض الشخصيات العربية إقطاعيات مختلفة فى القرى المصرية. ومما يدل على الرخاء حينئذ ارتفاع رواتب الولاة وأصحاب الخراج وكبار الموظفين وحتى القاضى موضع الزهد والتقشف إذ يذكر الكندى فى كتابه «الولاة والقضاة» أن عبد الله بن طاهر والى مصر للمأمون فى سنة ٢١١ رسم لقاضى الفسطاط سبعة دنانير كل يوم. وحقّا كان يحدث أحيانا قحط أو أوبئة أو تذمّرات من كثرة الضرائب الاستثنائية التى يفرضها بعض عمال الخراج، حتى ليأخذ ذلك فى الحين الطويل بعد الحين شكل ثورة، ولكن هذا كله سرعان ما يزول، كأنه سحابة صيف سرعان ما تنقشع، ويعود إلى مصر الأمن والرخاء، فبينما مصر-كما يقول عمرو بن العاص فى رسالته المشهورة إلى عمر بن الخطاب-لؤلوة بيضاء إذا هى عنبرة سوداء. فإذا هى زمردة خضراء، فإذا هى ديباجة رقشاء. وكانت أسواق الفسطاط تعكس صور الرخاء فى مصر، فهى تموج بالأطعمة والحلوى والفواكه وبالطيب والمسك والعنبر وماء الورد ومختلف الأفاويه. ويبدو أن المساكن بها والغرف والحوانيت كانت تؤجّر، ويؤجّر معها الأثاث. وعرفت مصر حينئذ ضروب الملاهى من الصيد وأدواته ومن سباق الحمام وسباق الخيل، ويروى الكندى أن الوالى عليها يزيد بن عبد الله منع من حلبات السباق سنة ٢٤٢ وسرعان ما عادت سنة ٢٤٩. وكان الناس يحارشون أحيانا بين الكباش والكلاب. ويبدو أنه كانت هناك بعض دور للخمر، ولا بد أنها كانت قليلة، ويذكر ابن سعيد -إن صحّ ما يذكره-أن محمد بن أبى الليث الخوارزمى قاضى المعتصم بمصر كان يشرب النبيذ وله عليه ندماء. وكان الناس يهتمون بالغناء وما يصحبه من آلات الموسيقى والطرب، ويذكر ابن سعيد أيضا أنه لم يكن بمصر مغنية إلا ركب إليها القاضى لعهد الرشيد المسمى بالعمرى كى يسمع غناءها، وربما قوّم لها ما انكسر من غنائها وما دخل عليه من تحريف فى لحنه. وكان الناس يخرجون للنزهة فى جزيرة الروضة أمام الفسطاط وعلى شاطى النيل. وكانوا يحتفلون احتفالات كبيرة بفتح الخليج (وفاء النيل) وبالأعياد الإسلامية وأيضا بالأعياد القبطية وبعيد النيروز الفارسى لأول الربيع. ويتولى مصر-كما مر بنا-أحمد بن طولون مكوّنا بها الدولة الطولونية، وتلقى مصر فى حجره وحجر ابنه خمارويه بكنوزها، وكان حازما بعيد النظر رءوفا بالرعية، فألقى عن كواهلها كثيرا من الضرائب التى كان قد فرضها عليها ابن المدبر عامل الخراج، وكان قد زاد عليها الضرائب،

стр. 3190

وفرض ضريبة على النطرون وعلى المراعى وعلى المصايد فأسقط ابن طولون ذلك كله. واستقلّ بمصر، وفتحت له كنوزها، وأغدقت عليه من طيباتها، فكوّن جيشه الضخم، وأخذ فى بناء قصره خارج الفسطاط وقطائع لعساكره من الترك والسودان والروم وغيرهم وأيضا لقواده، وعمرت مدينته القطائع وتفرقت فيها الحارات والشوارع والأزقة والحوانيت والسّكك وبنيت المساجد والطواحين والحمامات والأفران. وبنى جامعه الكبير وأنفق عليه مائة وعشرين ألفا من الدنانير، وبنى بيمارستانا وأنفق عليه ستين ألف دينار، وجعل أمام قصره ميدانا كبيرا للعب كرة الصولجان، أنفق عليه خمسين ألف دينار. وكان ينفق على مطبخه فى كل يوم ألف دينار، وكان يعمل سماط عظيم، وينادى: من أحب أن يحضر سماط الأمير فليحضر، وكان الناس يأكلون ويحملون ما يشاءون. وكان ما يدخل إلى خزائنه فى كل سنة بعد نفقاته مليون دينار، وخلّف فى خزائنه من الذهب حين موته عشرة ملايين من الدنانير. واستقر السلطان بعده لابنه خمارويه وعظم دخل الدولة، وأخذ خمارويه يغرق إلى أذنيه فى النعيم، فزاد فى عمارة قصر أبيه، وجعل الميدان الذى أمامه بستانا وزرع فيه أنواع الرياحين والورود وأصناف الشجر وكسا النخل نحاسا تخرج من عيونه المياه وتنحدر إلى فساقىّ يفيض الماء منها إلى مجار تسقى سائر البستان، وسرّح فيه طيورا حسنة الصوت وطواويس مختلفة، وجعل لنفسه مجلسا سماه دار الذهب طلا حيطانه بالذهب واللازود وجعل فيه تماثيل أو صورا بارزة لحظاياه ومغنياته وعلى رءوسهن الأكاليل من الذهب والجواهر المرصعة. وجعلت فى هذا البستان بين يدى القصر فسقية من الزئبق طولها خمسون ذراعا وكذلك عرضها، كان يرى لها فى الليالى المقمرة منظر عجيب حين يتألف نور القمر بنور الزئبق. واتخذ خمارويه بيوتا للسباع وغيرها من الوحوش سوى الإصطبلات الواسعة للخيل. وكانت حلبات السباق فى أيامه تقوم مقام الأعياد، ويقال إن عرض الخيل حينئذ كان من عجائب دار الإسلام. ومما يدل على ما وصلت إليه الدولة من ثراء جهاز ابنته قطر النّدى حين زوّجها الخليفة العباسى المعتضد، وكان من جملته دكة تتألف من أربع قطع من الذهب عليها قبة من الذهب مشبكة بها أقراط فى كل قرط حبة من جواهر لا يعرف لها قيمة، وكان فى الجهاز مائة هاون من الذهب، وبنى خمارويه-كما مرّ بنا-قصر فى كل منزل تنزل به ابنته من مصر إلى بغداد. ومما يدل على ثراء مصر لعهد الطولونيين ثراء واسعا أن أبا بكر محمد بن الماذرائى عامل الخراج ووزير خمارويه تملك من الضياع ما بلغ دخله أربعمائة ألف دينار فى كل سنة سوى ما كان يؤدّيه من
следующие страницы →