«الصديق لفظ على الألسنة موجود، ومعناه فى الحقيقة مفقود، فهو كالكبريت الأحمر، يذكر ولا يبصر، أو كالعنقاء والغول، لفظ يوجد بلا مدلول. وهذه شيم غالب أبناء الزمان، من الأخلاء والإخوان، فمثلهم. . كلمع السراب، المستحيل فيه الشراب، أو كالخيال الذى يبدو فى المنام، وهو فى الحقيقة أضغاث أحلام».
ويسوق المحبى فى نفحة الريحانة رسائل مختلفة لأبيه وجدّه، منها رسالة هزلية لأبيه كتب بها على لسان فرس إلى مفت بالقسطنطينية. وانعقدت صداقة وثيقة بين المحبى وبين عبد الغنى النابلسى الصوفى، وله يقول متوددا مثنيا مشيدا بنسكه وتصوفه وسلوكه الروحى (١):
«مولاى الذى سار فى بروج الفضل مسير الشمس، وقامت فضائله فى جسم العالم مقام الحواسّ الخمس، لا زال فى السكون والحركة، مرافق اليمن والبركة، يفرح به كل قطر ينازله، كأنه البدر والدنيا منازله، ومن شايعه مسعود يومه وغده، وله من العيش أهناه وأرغده. . أنا شعبة من دوحتك (٢)، وغصن من سرحتك (٣)، بل نبت سقته أياديك، وزهر تفتح بما أفاضته غواديك» (٤).
ويطبع نثر الرسائل الشخصية حينئذ بنفس الطوابع التى رأيناها فى أيام المماليك، فهو يعتمد دائما على السجع، ويوشى بالبديع ومحسناته.
٣ - المقامات
كان لبديع الزمان الهمذانى فضل السبق الى استحداث فن المقامات فى العربية، وقد بناه على أقاصيص تصور حياة أديب متسول لا يزال يحتال على سامعيه بعباراته المسجوعة الرشيقة كى يسبغوا عليه شيئا من عطائهم يعينه على سدّ حاجاته فى الحياة. وجعل له راوية يتابعه ويقص حكاياته وأخباره من بلدة إلى أخرى. وتبعه الحريرى فأوفى بهذا الفن على الغاية، سواء من حيث جمال القصّ فيه أو من حيث جمال الحوار بين الراوى والأديب المتسول أو بين الأديب وبين من يعرض عليهم أفانين بلاغته. وطبيعى أن لا تعرف الشام-مثل بقية البلدان العربية-المقامات قبل بديع
стр. 3117
الزمان، بل أيضا قبل الحريرى المتوفى سنة ٥١٦ للهجرة، ويبدو أنها ظلت طويلا لا تعرفها أو على الأقل لا تحاول محاكاة الحريرى وبديع الزمان فيها، وكأنما اشتغالها بالحروب الصليبية ثم المغولية حتى منتصف القرن السابع الهجرى ألهاها عن هذا الفن، حتى إذا أخذت الأحوال السياسية تستقر فيها لأيام المماليك وجدناها تعنى به، وتلقانا نماذج متنوعة من هذه العناية منذ النصف الثانى من القرن السابع، وهى نماذج تختلف عن صورة المقامات عند بديع الزمان والحريرى، إذ لا تعتمد مثلها على أديب متسول وقصّ احتيالاته الأدبية قصّا حواريا، إنما تعتمد على الوصف أو المناظرة بين بعض الأشخاص أو بين بعض الأزهار أو بعض الثمار، وقد تعنى بالوعظ أو بعرض بعض المسائل فى العلوم المختلفة، من ذلك مقامة فى المفاخرة بين التوت والمشمش لتاج الدين بن عبيد الصرخدى المدرس بالمدرسة النورية بدمشق المتوفى بعد سنة ٦٧٠ ومن ذلك أيضا مقامة فى مصر والنيل والروضة لمحمد بن عبد الرحمن بن قرناص الحموى المتوفى حوالى سنة ٦٧٢. وتلقانا مقامة للشاب الظريف محمد بن عفيف الدين التلمسانى الذى ترجمنا له بين شعراء الغزل سماها مقامة أو مقامات العشاق، وفيها يصور شغفه باللهو والتنزه فى الرياض ولقاءه فيها ذات مرة لعاشقين وكيف حاورهما حوارا طريفا، وهو يفتتحها على هذا النمط (١):
«لم أزل مذ بلغت سن التمييز، أتولّع بنظم الأراجيز، ومذ شبّ عمرى عن الطّوق، مغرى بالغرام والتّوق، وأهيم بالشّمول (٢) والشمائل، وأشرب فى زجاجة صفراء كالأصائل، وأقدم على رشف ثغور البيض. . وأتنزه فى كل ناد وواد. . فخرجت بعض الأيام إلى الغياض (٣)، وولجت (٤) بين حياض ورياض».
ويذكر صاحب فوات الوفيات للشهاب محمود الذى مرت ترجمته بين الشعراء مقامة تسمى مقامة (٥) العشاق، ولعله حاكى بها مقامة الشاب الظريف. ولعمر بن الوردى المتوفى سنة ٧٤٩ أكثر من مقامة. وسنخصه بترجمة قصيرة، وللصفدى معاصره الذى مرت ترجمته مقامة سماها «رشف الرّحيق فى وصف الحريق» وصف فيها حريق دمشق الذى أتى على كثير من أحيائها وأسواقها وعمائرها لسنة ٧٤٠ ومن قوله فى تلك المقامة الملتاعة (٦):
стр. 3118
«سألت عن الخبر، ممن غبر، فقال إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وأنظر إلى شبح الجو كيف انتشرت فيه عقائق (١) اللهب اللامع، فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم، ورأيت النار وقد نشرت فى حداد الظلام معصفرات (٢) ذوائبها، وصعدت إلى السماء عذبات ذوائبها. . وعلت فى الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف فى الميدان يراها وهى (ترمى بشرر كالقصر)، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية، وكم نفس كانت فى النازعات وهى تتلو (هل أتاك حديث الغاشية) ولم تزل النار تأكل ما يليها وتفنى ما يسفلها ويعتليها».
وواضح فى سجعاته طلبه للجناس. فهو يجانس بين الخبر وغبر، والجامع واللامع، واللحم والشحم، ويمضى فى مثل هذه الجناسات الناقصة، واشتهر لزمنه بالتصنع الشديد للجناس.
وجعلته عنايته بالجناس يستخدم كلمة ذوائبها مرة من الذوبان جمعا لذائب ومرة بمعنى مقدم الشعر فى الرأس جمع ذؤابة وجعله هذا المعنى يتصنع لذكر العذبات وهى أطراف العمائم التى تطرح عليها، وتكلف أشد التكلف حين ذكر ملائكة النصر مع هذا الحريق الذى إبتليت به دمشق وأهلها بلاء عظيما. وإنما أغراه به محاولته اقتباس الآية القرآنية (ترمى بشرر كالقصر) وهى فى وصف جهنم وما يتصاعد من شررها ووقودها كالقصر فى ارتفاع بنائه وعلوه الشاهق. وقد مضى يتصنع لذكر طائفة من أسماء السو، فذكر (الزمر) أى الجماعات و (الدخان) و (الجاثية) من الجثو وهو الجلوس على الركب من شدة الهول، كما ذكر (النازعات) والآية الأولى فى سورة (الغاشية) والغاشية القيامة.
وواضح أن المقامة أشبه برسالة اتخذت موضوعا لها وصف حريق دمشق، وأكثر المقامات حينئذ كانت على هذه الشاكلة ينقصها القصّ والحوار، وكأنها تختص بموضوع أدبى تعالجه.
وغلب عليها ذلك أيضا فى أيام العثمانيين ونلتقى فى نفحة الريحانة للمحبى بمقامة سميت بالمقامة الربيعية لعبد الرحمن بن محمد الدمشقى من بنى النقيب، وفيها تتوالى تشبيهات الزهور والطيور على هذا النحو (٣).
«نرجس نعته الفتور، وورد كأنما انتزع من أوجه الحور.
стр. 3119
وشقيق كأنه أقداح العقيق (١)، قد رسب بقرارتها مسك فتيق
وآذريون (٢) كأنه مداهن عسجد، على سواعد زبرجد
وسوسن كبياض السوالف، أو جياد (٣) الوصائف
وقرنفل كأنما توقّد بالجمر، وانعقد من الخمر»
ويظل طويلا فى وصف الأزهار، ويخرج منها إلى وصف الأطيار، بمثل هذه الأسجاع المليئة بالتشبيهات والاستعارات.
وروى المحبى لعبد الغنى النابلسى الصوفى الذى مرت ترجمته مقامة وصف فيها نزهة مع صديق عثرا فيها على قصر عالى البنيان فدخلاه، يقول (٤):
«فصعدنا إلى قصر مشيد (٥)، مزخرف الجوانب بألوان الأطلية وأنواع الشّيد (٦)، فيه الغرف الرفيعة ذات التزيين، والمقاصير المصنوعة لقاصرات (٧) الطّرف عين. قد طلّت شبابيكه على تلك الأرجاء الموفقة، والجداول المتدفقة، وأرضه مفروشة بأفخر الوشى والديباج، وقد أطلقت فيه مباخر الطيب فزاد فى الابتهاج. . فحلست أنا وصاحبى على تلك الأرائك الممنوعة (٨)، والفرش المرفوعة، نتناشد الأشعار، ونتشبّث بأذيال الأفكار».
ويلقاه هو وصاحبه رفيق، فيسأله أين كنت؟ ومن أين توجهت؟ وما يلبث أن يقول له:
«ما ذلك القصر الموصوف سوى جبّتى هذه وثوبى هذا الصوف، والشبابيك جيوبه وأطواقه، ولا عجب أن نفحت فيه مباخر الطيب فإنها قراطيسه وأوراقه». وكأن كل ما فى المقامة رموز صوفية جلاها عبد الغنى النابلسى فى تصاوير الرياض والقصر وتهاويله. وحرى بنا أن نقف قليلا عند ابن الوردىّ أهم كتّاب المقامة الشاميين.
стр. 3120
ابن (١) الوردىّ
هو زين الدين عمر بن المظفر المعروف ب ابن الوردى ، ولد فى المعرة بلدة أبى العلاء سنة ٦٨٩ وبها نشأ ودرس على شيوخها، ويقول ابن حجر فى الدرر: بل نشأ بحلب وهى حاضرة إقليم المعرة، وخاصة على قاضيها وفقيهها ومفتيها الشافعى شرف الدين البارزى. وتنقل فى بلاد الشام يأخذ عن شيوخها، وعرف فضله فى الفقه والفتوى، فولاه ابن الزّملكانى قاضى قضاة الشام قضاء حلب، وكان شاعرا. وله فى ابن الزملكانى مدائح كثيرة، اعترافا منه بصنيعه، ورأى ابن الزملكانى فيما بعد عزله عن حلب وتوليته قضاء منبج، فامتعض ابن الوردى لنفسه أن يعزل عن حلب ويولّى قضاء بلدة صغيرة من بلدان إقليمها، وعبثا حاول أن يسترضيه وأن يرده إلى حلب، فاعتزل القضاء وعاش للتأليف ونظم الشعر وصوغ النثر حتى توفى سنة ٧٤٩. وله مؤلفات علمية مختلفة شعرا ونثرا، فقد نظم كتاب الحاوى فى الفقه الشافعى فى منظومة بلغت أكثر من خمسة آلاف بيت، وله مصنفات لغوية ونحوية، منها شرح على ألفية ابن مالك وآخر على ألفية ابن معطى. وهو معدود فى شعراء القرن الثامن النابهين، ويقول ابن شاكر: «أجاد فى المنثور والمنظوم، فنظمه جيد إلى الغاية وفضله بلغ النهاية». وديوانه كبير وهو مطبوع فى الآستانة من قديم، وله بعض رباعيات وبعض موشحات، أنشد منهما السبكى فى ترجمته، وله خمس مقامات، ورسائل كثيرة منشورة مع ديوانه، وفى رأينا أن نثره أروع من شعره، ولذلك اخترنا أن نتحدث عن أبدع ما له من كتابات أدبية، ونقصد مقاماته.
وأولى المقامات فى الديوان المقامة الصوفية، ومنها يجرى ابن الوردى حوارا بين مواطن له من المعرة سافر إلى بيت المقدس وبين عشرة من الصوفية فى مقدمتهم شيخ كبير، وكانوا يتبادلون فيما بينهم أحاديث وكلمات صوفية رمزية، وأشركوا معهم فى الحديث هذا الوافد المعرى، وأخذ يسألهم عن أحوالهم ورموزهم وإشاراتهم وتقصير ثيابهم وعاداتهم والشيخ يجيب. وأحيانا ينتقد صوفية زمنه وأنهم لا يتبعون المنهج السديد لأسلافهم حتى ليقول: «إن المتصوفة اليوم أصحاب
стр. 3121
أكل وشرب ونوم، يروون الأقوال ولا يتبعون الأفعال، وافقوا أسلافهم ملبسا، وخالفوهم أنفسا». والمقامة طريفة فى عرضها لأحوال الصوفية فى تلك الأيام، وحرى بنا أن نذكر فاتحتها لنقف على أسلوب ابن الوردى فى مقاماته، يقول (١):
«حكى إنسان، من معرّة النعمان، قال: سافرت إلى القدس الشريف، سفر منكر بعد التعريف، فاجتزت فى الطريق بواد وقانا لفحة الرّمضاء (٢)، وقال: حكمت على الوادى الذى تروع حصاه حالية العذارى فقلنا دائم الحكم والإمضاء، وإذا عين كعين الخنساء تجرى على صخر، ويقول ماؤها أنا سيد مياه هذا الوادى ولا فخر، فروّيت كبد صاد (٣) من تلك العين، ولكن نغّص منظرها الحسن بذكر ظمأ الحسين».
وقد تصنع ابن الوردى فى أول مقامته لمصطلح التعريف والتنكير فى النحو، ولم يلبث أن اقتبس فى وصف الوادى ألفاظ بيتين مشهورين من الشعر فى وصف واد للمنازى معاصر أبى العلاء إذ يقول
وقانا لفحة الرّمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم
واشتهرت الخنساء بكثرة بكائها على أخيها صخر فاستغلّ ابن الوردى ذلك فى التورية عن هذه العين الحقيقية التى تجرى مياهها على الصخر، ويقول إن منظرها الحسن ذكره بحادثة الحسين ومقتله فى كربلاء وطلبه الماء من أعدائه ومنعه عنه وروحه تصعد إلى بارئها. ولم نمض فى قراءة المقامة لنراه وهو يقتبس آى الذكر الحكيم ويتمثل بالأشعار والحكم والأمثال، مما جعل الكتابة حينئذ تنوء بكلف كثيرة.
وسمى ابن الوردى مقامته الثانية المقامة الأنطاكية، واتخذ فيها أيضا شخصا من المعرة يزورها ويصف محاسنها ومحاسن الطبيعة من حوله، ويحمد الله على أن ردها من حملة الصليب إلى العرب، ويأسى لما فيها من تباغض بين العرب والروم.
والمقامة الثالثة سماها المقامة المنبجية، ومنبج إحدى القرى الكبيرة فى حلب، وفيها يحكى أيضا شخص من المعرة أنه دخلها فرثى لما أصاب مساجدها وأبنيتها من دثور. وكان حملة الصليب قد استولوا عليها قديما وعاثوا فيها. ويلم ابن الوردى بمدرستها النورية، فإذا مدرسها
стр. 3122
القاضى حدث السن، فظن أنه ليس بشئ، فلما سأله عن حاجته قال: «نحن عشرة ذوو نسب وأولو علم وأدب، وقد أنشد كل منا بيتى شعر، سامهما (١) فضل سعر، وأقام وزنهما، وقال إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابى إليك لتنصف بيننا وقد دللت عليك» فقال له: قل ما أردت أن تقول، فأخذ يعرض عليه أبياتا فى الغزل وغير الغزل، والقاضى يعلق تعليقات نقدية بديعة.
وحينئذ رجع المعرى إلى نفسه يلومها لسوء ظنها بالمدرس، وأطال شكره.
وسمى المقامة الرابعة المشهدية وفيها يلقى شخص معرّىّ أميرا يحدثه عن الاحتفالات والمواسم حول بعض الأضرحة وما يجرى فيها من اللهو واختلاط النساء بالرجال كأعياد النصارى والمجوس، وينهاه الأمير عن الاشتراك فى هذه البدع المحرمة، وينوه بقاضى القضاة ابن الزّملكانى الذى أمر بإبطالها وشدد فى النكير عليها، ويدعو له قائلا:
«لا زال نداه (٢) مثل حرف النداء، كفيلا بضم الأقربين والبعداء، من وصل به نال عرفا (٣)، واكتسب تابعه على اللفظ والمحل عطفا، حتى يكون علمه علما منصوبا، وعواطفه للمعارف خبرا مبتدأ به منسوبا، ولا برح مرفوعا بفعل الحسنى، وسيوف بحوثه ماضية فهى على الفتح تبنى».
وواضح مدى ما تكلفه ابن الوردى من حشد مصطلحات النحو فى عبارات الثناء على ابن الزملكانى وسجعاته، فلا زال ابن الزملكانى مثل حرف النداء فى النحو ينادى به القريب والبعيد، والتابع مفرد التوابع، وهى العطف والنعت والتوكيد والبدل، ولذلك ذكر مع التابع العطف، وجلب من النحو كلمة «منصويا» واراد بها ان العلم مرفوع، وذكر المعارف والخبر والمبتدأ والنسب والرفع والمضى والبناء على الفتح. كل ذلك حشده فى هذه السجعات القليلة، ولم يكن يصنع ذلك دائما ولكن من حين إلى حين تلقانا فى نثره هذه الرقع التى تدل على التكلف الشديد.
ومقامته الخامسة فى وصف حريق دمشق الذى وصفه معاصره الصفدى. ومرت بنا قطعة من وصفه، وسمى ابن الوردى هذه المقامة باسم «صفو الرحيق فى وصف الحريق» ورواها عن شخص يسمى غيث بن سحاب عن ندى بن بحر، والصلة بينها وبين رسالة الصفدى فى الموضوع نفسه قوية، ويبدو أن الصفدى اقتبس كثيرا منه حتى عنوان مقامته وهو «رشف الرحيق فى
стр. 3123
وصف الحريق». وله رسالة بديعة فى وصف وباء الطاعون الذى فتك بآسيا وامتد من الصين والهند إلى الشام ومصر لسنة ٧٤٩ ويسميها ابن حجر مقامة، وتسميتها-كما جاء فى الديوان- باسم رسالة أولى لغياب الرواية والحوار فيها، ومثلها رسالته التى كتب فيها مفاخرة بين السيف والقلم، وهى رسالة طريفة.
٤ - المواعظ والابتهالات
فرض الإسلام الوعظ فى خطب المساجد كل يوم جمعة وفى العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، ومعنى ذلك أن جميع البلدان الإسلامية طوال الأزمنة المختلفة كانت تموج بخطب الوعظ وإن لم تعن كتب الأدب بتسجيلها، لأنها كانت أكثر من أن يحيط بها حصر أو استقصاء، غير أنها بقيت منها شظايا، وأول ما يلقانا من ذلك فى الشام خطب الخلفاء منذ معاوية، ولعمر بن عبد العزيز من ذلك الحظ الأوفر. وكان القصّاص منذ معاوية يعظون الناس، وقد أمر معاوية أن يكون ذلك مرتين: مرة بعد صلاة الصبح ومرة بعد صلاة المغرب وعيّن للقصاص مرتبات (١) خاصة. ويشتهر فى زمن عمر بن عبد العزيز غير واعظ مثل رجاء بن حيوة المتوفى سنة ١١٢ ومثل غيلان الدمشقى وكانت له رسائل مليئة بالوعظ. وظلت الشام تمتلئ بالوعاظ طوال القرن الثانى وفى مقدمتهم الأوزاعى صاحب المذهب المشهور. وبالمثل ظل الوعظ حيّا مزدهرا فى القرنين الثالث والرابع، ويلقانا فى حلب لزمن سيف الدولة واعظ كبير هو عبد الرحيم بن محمد المعروف باسم ابن نباتة، وسنقف قليلا عند خطبه، ولا نلبث أن نلتقى بأبى العلاء، والعظات وتمجيد الله والزهد فى متاع الدنيا يكثر فى أشعاره وكتبه، وما نفتح الصفحة الأولى من اللزوميات حتى نجده يقول: «إن من هذه الأوراق ما هو تمجيد لله الذى شرف عن التمجيد. . وبعضها تذكير للناسين، وتنبيه للرقدة الغافلين، وتحذير من الدنيا». وله بجانب اللزوميات ديوان ثان فى العظة والزهد والاستغفار سماه: «استغفر واستغفرى» سقط من يد الزمن، وكان يشتمل كما يقول مترجموه على نحو عشرة آلاف بيت. وكان له فى النثر دعاء
стр. 3124
يعرف بدعاء ساعة ودعاء يعرف بدعاء الأيام السبعة، وكتاب يعرف بالسجعات العشر فى الوعظ، وكتاب يعرف بسيف الخطب، وفيه خطب الجمع والعيدين والخسوف والكسوف والاستسقاء وعقد الزواج، وقد بنى سجعها على الحروف السهلة مثل الهمزة والباء والتاء والدال واللام والميم والنون، لأن الكلام المقول فى الجماعات ينبغى أن يكون لينا سهلا. وله كتاب تاج الحرة، وهو فى عظات النساء خاصة. وكل هذه الكتب سقطت قديما من يد الزمن، وبقى من عظاته قسم كبير من كتابه الفصول والغايات، وسنخصه بحديث عما قليل.
ويحتدم الوعظ منذ نزول الصليبيين الشام لبث الحمية الدينية فى نفوس الناس، حتى يجاهدوا فى سبيل الله، ويضربوا حملة الصليب الضربات القاضية. واشتهر كثيرون حينئذ بروعة وعظهم، منهم بنو العديم فى حلب لعهد نور الدين، ومنهم ابن نجا خطيب دمشق المولود بها سنة ٥٠٨ والمتوفى بالقاهرة سنة ٥٩٩، ومنهم محيى الدين محمد بن الزكى قاضى دمشق وخطيبها، وهو الذى خطب أول جمعة صلّيت بالقدس بعد فتحه، وسنلم بخطبته.
ومن الوعاظ المشهورين حينئذ المهذب الدمشقى الذى لقيه العماد الأصبهانى-كما يقول بخريدته-بدمشق سنة ٥٧١ وسنلم برسالة أدبية له ذكرها العماد ويعدّ سبط ابن الجوزى يوسف بن قزوغلى أكبر واعظ شهدته دمشق طوال النصف الأول من القرن السابع الهجرى حتى وفاته سنة ٦٥٤ وقد نزلها سنة ٦٠٠ واتخذها مسكنا ودار إقامة. وكان قد نشأ فى حجر جده ابن الجوزى واستمع إلى مواعظه الرائعة التى نوهنا بها فى حديثنا عن العراق، وطارت شهرته فى الوعظ كما طارت شهرة جده، وكان يحضر مجلسه القضاة والأشراف والأعيان «ونالته السعادة والوجاهة عند الملوك، لا سيما الملك المعظم عيسى صاحب دمشق فإنه كان عنده بالمنزلة العظمى، وكان له لسان حلو فى الوعظ والتذكار ولكلامه موقع فى القلوب (١)» ويصف أبو شامة مجلس وعظه فى كتابه «ذيل الروضتين» فيقول: «كانت مجالس وعظه من محاسن الدنيا ولذاتها. وكان يزدحم فى مجلسه ما لا يحصى من الخلق رجالا ونساء، والنساء بمعزل عن الرجال فى جامع دمشق، وجامع الجبل، حضرت مجالسه صغرى وكبرى فى الموضعين مرارا، وكان لا يفارق أحد مجلسه إذا انفضّ إلا وشوقه مستمر إلى عودته فى الأسبوع الآخر. وكان يجلس [للوعظ] كل سبت وتبسط السجادات والحصر والبسط فى كل المواضع القريبة من المنبر ما بينه وبين القبة فى يوم الجمعة،
стр. 3125
ويبيت الناس ليلة كل سبت حلقا، يقرءون القرآن بالشموع، كل ذلك فرحا بمجلسه ومسابقة إلى الأماكن» (١).
ومن كبار الوعاظ فى أوائل أيام المماليك ابن غانم المقدسى، وله حوار طريف مع إبليس سماه «القول النفيس فى تفليس إبليس» وهى رسالة صغيرة، أراد بها أن يعلم شياطين الإنس من أتباعه ضلالهم ومدى ما يتخبطون فيه من الغى. وأطرف من هذه الرسالة رسالة له سماها «كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار» وسنتحدث عنها بين الرسائل الأدبية. ومن خطباء دمشق ناصر الدين ابن البارزى المتوفى سنة ٨٢٣ ولى خطابة الجامع الأموى فترة، ويقول ابن حجة:
«لما فوضت إليه خطابة الجامع الأموى لم يبق أحد من أعيان دمشق إلا حضر فى تلك الجمعة لأجل سماع خطبته، وكانت براعتها (فاتحتها): الحمد لله الذى أيد محمدا بهجرته، ونقله من أحبّ البقاع إليه لما اختاره من تأييده ورفعته (٢)». ولا ريب أن الخطابة الدينية اطرد لها ازدهارها أيام العثمانيين، وأن كانت كتب التراجم لم تصور ذلك تصويرا واضحا. ونقف عند طائفة من خطب المواعظ ورسائلها وكتبها البديعة.
[(ا)] خطب ابن (٣) نباتة الفارقى
ابن نباته الفارقى هو الخطيب عبد الرحيم بن محمد، وفيه يقول ابن خلكان: «صاحب الخطب المشهورة. وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها وفيها دلالة على غزارة علمه وجودة قريحته، وكان خطيب حلب أيام سيف الدولة الحمدانى وكان كثير الغزوات، ولهذا أكثر ابن نباتة من خطب الجهاد ليحض الناس عليه، ويحثهم على نصرة سيف الدولة. ولد سنة ٣٣٥ وتوفى سنة ٣٧٤. وخلفه فى الخطابة ابنه أبو طاهر محمد المتوفى سنة ٣٩٠ ثم حفيده أبو الفرج طاهر المتوفى عام ٤٢٠. وطبعت خطبهم جميعا مرارا، وطبعت خطب عبد الرحيم مفردة وقد جعلها على عدد جمع السنة ابتداء من شهر المحرم إلى نهاية شهر ذى الحجة، ومن قوله فى الخطبة الثالثة لشهر صفر، بعد حمد الله والصلاة على رسوله الكريم:
«أيها الناس! تنزهوا عن حب الدنيا فإن متاعها قليل، وتزودوا بتقواكم فإن السفر طويل، ولا تطمعوا فى هذه الدنيا فإن البقاء فيها مستحيل، كيف لا والمنادى ينادى كل يوم يا عباد الله
стр. 3126
الرحيل الرحيل، هو الموت الذى ما فيه فوت ولا تعجيل، ولا يقبل الله فيه الفداء ولا يرضاه من بديل، كم ألحق عليلا بصحيح وصحيحا بعليل، وكم أخذ قريبا من قريب وخليلا من خليل، فكيف تطمعون فى الدنيا بالإقامة فيها وقابض الأرواح عزرائيل، فإلى متى هذه الغفلة والقساوة ولم يبق من العمر إلا القليل، ثم ترجعون إلى ربكم المتعالى فى كماله عن الشبيه والمثيل».
ولغة ابن نباتة فى خطابته عذبة سائغة، وقد بناها على السجع شأنه فى ذلك شأن الخطباء والكتاب فى العصر، فقد عم السجع حتى فى الكتابات التاريخية كما مر بنا عند العماد الأصبهانى، وسجعه يلذ الآذان حين تصغى إليه، لسهولته وخفته وبراعته فى صوغه حتى لتتوالى الخطبة مسجوعة على روى واحد، ويقول فى الخطبة الثانية من خطب شهر رمضان:
«عباد الله إن شهركم هذا شهر البركات والسرور، شهر ضاعف الله أجره وهو بالخيرات مغمور، والتجارة فيه لن تبور. . عباد الله! أوصيكم بالإكثار من كل عمل مبرور، وأنهاكم أن تحبطوا صيامكم بالغيبة والنميمة وقول الزور. . يا مفطرا بالحرام لأى شئ يكون الإفطار والسحور، يا غافلا عن طاعة الله ما هذه الغفلة والفتور، يا هائما فى تيه الهوى أما تخشى ظلمات القبور. . يا مائلا إلى زهرة الدنيا، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، يا عادلا عن طريق الهدى متى تهتدى ليوم النّشور».
وبهذه اللغة الصافبة الحلوة كان ابن نباتة يعظ الناس فى أيام الجمع، فيبلغ الأعماق من قلوبهم وأفئدتهم ونحس بصلة قوية بين خطبه وخطب على بن أبى طالب فى نهج البلاغة، وبدون ريب كان يتأثر فى خطابته ببيانه الرائع.
(ب) الفصول (١) والغايات
هذا كتاب جميعه وعظ لأبى العلاء المعرى قصد به إلى تمجيد الله العلىّ الأعلى، بدأ تأليفه قبل ذهابه إلى بغداد وأتمه بعد رجوعه، وقد أثار ضجة حوله منذ ظهوره، إذ زعم بعض خصومه منذ زمنه إلى أنه وضعه معارضة (٢) للقرآن الكريم، ونجد تلميذه ابن سنان الخفاجى الذى مرت ترجمته ينفى عنه بشدة هذه التهمة (٣)، ولعل من أسبابها أنه سمى الكتاب:
стр. 3127
«الفصول والغايات فى محاذاة السور والآيات» وهو لا يريد محاذاة القرآن فى أسلوبه وإنما يريد محاذاته فى تمجيد الله وتحميده والثناء عليه، وهو نفسه يقول فى كتابه: «علم ربنا ما علم، أنى ألفت الكلم، آمل رضاه المسلّم، وأتقى سخطه المؤلم، فهب لى ما أبلغ به رضاك من الكلم والمعانى الغراب». والكتاب جميعه وعظ وزهد وخوف من الله وتقوى وورع وعبادة ونسك، مع الشعور الدائم بالتقصير إزاء ربه وعبادته المثلى حتى ليقول (١):
«لو نقلت مياه اللّجج على منكبى فى قداف (٢)، وأفرغته على مناكب الجبال، وجررت كثبان الأرض وصرائمها (٣) فى جرّ أو مشآة (٤)، فألقيتها فى الخضر (٥) الدائمات، حفدا (٦) لله كنت أحد العجزة المقصّرين، ولو أذن لى وأيّدت فاتبنيت مراهص (٧) من الثّرى الأسفل إلى الثّريّا، ومن الوتد، المتّخذ من عود إلى وتد السّعود (٨)، لم أؤد ما يوجبه جلال الله، فكيف وأنا أقصر الصلاة، وأدانى بين الركعات».
وهو يقول: مهما تنسك ومهما أدى من العبادات والأعمال فإنه لن يبرحه شعوره بعجزه وقصوره إزاء جلال الله وهيبته العظمى، حتى لو نقل مياه اللجج الزاخرة على منكبه فى جرار تلو جرار مفرغا لها على مناكب الجبال، وحتى لو جر كثبان الأرض كثيبا وراء كثيب فى زنابيل وألقاها فى لجج البحار تقربا إلى ربه، وحتى لو ابتنى من الثرى طبقات بعضها فوق بعض وبلغ بها عنان السماء إلى الثريا أو لو اتخذ من أوتاد العيدان أوتادا يتراكم بعضها فوق بعض، حتى يصل إلى وتد السعود، لظل شاعرا بوهنه وقصوره أمام ما توجبه تجلة الله وعظمته. وإنه ليصيح مبتهلا إلى ربه فى جزع لا يدانيه جزع: «إن كان الدمع يطفئ غضبك فهب لى عينين كأنهما غمامتا شتىّ (٩) تبلان (١٠) الصباح والمساء (١١)» إنه سيظل ما عاش باكيا ذارفا الدموع سائلا من ربه رضاه ورضوانه. ولهذه الصيحة أخوات كثيرة فى الكتاب، فأبو العلاء فيه دائما يناجى ربه ضارعا بل وجلا خائفا.
стр. 3128
والكتاب منقسم إلى ثمانية وعشرين فصلا بعدد حروف المعجم، وكل فصل لحرف ينقسم إلى فقر، وكل فقرة تنتهى بالحرف الذى اختاره للفصل ويسمى غاية، ويلتزم أبو العلاء قبل غاياته الألف دائما. وليس هذا كل ما صعّبه على نفسه فى الكتاب، فقد التزم فى كثير من الفقر أن تشترك سجعاتها فى حرفين أو أكثر على طريقة ما نعرف فى لزومياته. والتزم بجانب ذلك أن يجلب إلى سجعات الكتاب كثيرا من الألفاظ الغريبة، وإنها لتغلب على سجعاته غلبة شديدة، حتى ليمكن أن نقول إنها إحدى خصائصه أو أحد التزاماته. وعلى عادته فى أشعاره كثيرا ما يضيف بعض ألوان البديع وخاصة الجناس. وكما رأينا فى اللزوميات يكثر فى الفصول والغايات من ذكر المصطلحات العلمية يجلبها من جميع العلوم، وكأنما يراها وشيا خليقا أن يضاف إلى فصوله وغاياته وفقره فيه، من ذلك قوله مستظهرا لبعض مصطلحات علم الصرف (١).
«لا تجعلنى ربّ معتلاّ كواو يقوم، ولا مبدلا كواو موقن من الياء، ولا أحب أن أكون زائدا مع الاستغناء، كواو جدول وعجوز، فأما واو عمرو فأعوذ بك ربّ الأشياء، إنما هى صورة لا جرس لها ولا غناء، مشبهها لا يحسب من النّسمات».
وعلماء الصرف يقولون إن واو يقوم أصلها يقوم فاستثقلت الضمة على الواو فنقلت إلى ما قبلها واعتلت، وأن كلمة «موقن» أصلها ميقن، فقلبت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وأن الواو فى جدول وعجوز زائدة لأنهما مشتقتان من الجدل والعجز. ومعروف أن واو عمرو تكتب ولا تنطق تمييزا للكلمة من كلمة عمر. وكل ذلك يحشده أبو العلاء فى بعض وعظه بل إنه ليحشد كثيرا من دقائق المصطلحات العلمية لم نر حاجة إلى ذكرها. وحسبنا ما قدمناه لنأخذ صورة عن كتاب الفصول والغايات، وفى كتابنا «الفن ومذاهبه فى النثر العربى» كلمة عنه أكثر بسطا وتفصيلا وتحليلا.
стр. 3129
(ج) خطبة القدس بعد فتحه لمحيى الدين بن الزكى
أما الخطيب فهو محيى (١) الدين محمد بن الزكى على من سلالة عثمان بن عفان رضى الله عنه، كانوا قضاة فى دمشق، وكانت ولادته سنة ٥٥٠، وكانت له عند صلاح الدين منزلة عالية، فلما صارت له حلب ولاه قضاءها، حتى إذا فتحت القدس، وكان محيى الدين حاضرا فتحها تطاولت الأعناق إلى الخطابة بها فى أول يوم جمعة، وأعدّ من كانوا فى حضرته خطبا بليغة يخطبون بها فى هذا اليوم واختار صلاح محيى الدين، فألقى خطبة ضافية ابتدأها بفاتحة الكتاب ثم تلاها بالتحميدات فى أول سور الأنعام والإسراء والكهف والنمل وسبأ وفاطر، ثم شرع فى الخطبة. وقال (٢) فيها.
«الحمد لله معزّ الإسلام بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرّف الأمور بأمره، ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكفار بمكره، الذى قدّر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاء على عباده من ظلّه، وأظهر دينه على الدين كله. . أحمده على إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهيره بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره. .
أيها الناس أبشروا برضوان الله الذى هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالّة (٣)، من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها فى أيدى المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذى أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة (٤) الشّرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيها رسمه. . ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصّكم بهذه الفضيلة التى لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم فى شرفها مبار. وهذا هو الفتح الذى فتحت له أبواب السماء، وتبلّجت (٥) بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرّبه عينا الانبياء المرسلون. .
فاحفظوا-رحمكم الله-هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التى من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم، واحذروا من اتباع الهوى ومواقعة الرّدى،
стр. 3130
ورجوع القهقرى. . الله أكبر، فتح الله ونصر، غلب الله وقهر، وأذل الله من كفر».
والخطبة طويلة، وقد اكتفينا منها بهذه الشظايا الرائعة التى تصور فرحة السلمين بهذا الفتح المبين والنصر العظيم، وكأنما عادت المعجزة النبوية وأيام بدر وفتوح الشام ومصر والقادسية وهجمات خالد والصحابة الأولين، وما النصر إلا من عند الله.
(د) كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار
مؤلف هذا الكتاب الطريف ابن (١) غانم عبد السلام بن أحمد المقدسى الواعظ المشهور لزمنه المتوفى سنة ٦٧٨، والكتاب فى ٣٠ صفحة، ذكر فى مقدمته ما يفصح عن موضوعه قائلا:
«قد وضعت كتابى هذا مترجما عما استفدته من الحيوان برمزه، والجماد بغمزه، وما خاطبتنى به الأزاهير بلسان حالها، والشحارير عن مقار ارتحالها. وسميته كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار، وجعلته موعظة لأهل الاعتبار، وتذكرة لذوى الأبصار والاستبصار». ويقول إنه خرج يوما ليتأمل فى الطبيعة وأسرارها، وانتهى إلى روضة رقّ نسيمها وغنّى عندليبها، وكان وحيدا وأخذ كل ما حوله يخاطبه بلسان الحال دالا على القدرة الإلهية وحكمة الله فى خلقه وعظيم صنعته، وسجل من ذلك عظات بليغة على ألسنة الأزهار ثم ألسنة الطير ثم ألسنة الحيوان. وبدأ بالنسيم رسول كل محب إلى حبيبه، وحامل شكوى كل عليل إلى طبيبه، ثم تركه إلى الأشجار وأحد عشر نوعا من الأزهار استهلها بالورد قائلا على لسانه «أنا الضيف، فاغتنموا وقتى فالوقت سيف، أعطيت نفس العاشق وكسيت ملاحة المعشوق، وأنا الزائر وأنا المزور، ومن طمع فى بقائى فإن ذلك زور، ثم من علامة الدهر المكدور، والعيش المحرور، أنى حيثما نبتّ رأيت الأشواك تزاحمنى وتجاورنى، فأنا بين الأدغال مطروح، وبنبال شوكى مجروح. وهذا دمى على عندمى يلوح، وهذا حالى وأنا ألطف الأوراد، وأشرف الورّاد، فمن صبر على نكد الدنيا بلغ المراد».
وختم ابن غانم الكلمة بالعظة التى يريدها، وجعل الورد ضيفا على الطبيعة، لأن مدة بقائه فيها قصيرة، واستغل ما ينبت حوله من شوك ليدل على أن الدنيا مهما أذاقت الناس فيها من حلاوة العيش لا بد أن تجمع إليهم شيئا من مرارته فليست الدنيا وردأ خالصا ولا حياة لإنسان فيها دائما
стр. 3131
مشرقة زاهية بل لا بد من ظلمة تغشاها، بل هى مزيج من خير وشر وأمل ويأس وسرور وحزن، وحرىّ بالإنسان فيها أن يصبر ويصابر حتى يبلغ مأموله. ويقول على لسان شجر البان الذى طالما ذكر المحبون فى لينه وتمايل أغصانه محبوباتهم.
«انظر إلى الورد وقد ورد، وإلى البرد وقد شرد، وإلى الزهر وقد اتّقد، وإلى الحبّ وقد انعقد، وإلى الغصن اليابس قد اكتسى بعدما انجرد، وإلى اختلاف المطاعم ومشربها قد اتحد، واعلم أن خالقها أحد، وصانعها صمد، وموجدها بالقدرة قد انفرد، لا يشاركه فى ملكه أحد، ولا يفتقر هو إلى أحد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.﴾
وهى عظه بليغة على لسان البان، فالربيع أقبل، وأقبل الورد معه، وشرد الشتاء والبرد:
وأضاء الزهر بألوانه واتقد، وحب الثمار قد انعقد، واكتست الغصون بعد العرى وسقوط الأوراق عنها، ودبت فيها نضرة الحياة، وما أعظم قدرة الله فالنباتات والأشجار تسقى بماء واحد وتختلف ثمارها وطعومها بين حلو وحامض، وكل ذلك شاهد على قدرة الله التى لا يشركه فيها أحد، إنه واحد صمد ليس كمثله شئ وهو على كل شئ قدير.
وينتقل ابن غانم من الحكاية على لسان الأزهار إلى الحكاية على لسان الأطيار، ويستهل كلامها بكلام الهزار وهو طائر حسن الصوت متعدد الألحان وعلى لسانه يقول:
«أنا العاشق الولهان، أنا الهائم اللهفان، إذا رأيت فصل الربيع قد حان، تجدنى فى الرياض فرحان، وفى الغياض (١) أردد الألحان. . وأرقص على الأغصان كأن الزهر والنهر لى عيدان (٢)، وانت تحسبنى فى ذلك عاتبا، لا والله العظيم ولست فى يمينى حانثا، أنا أنوح حزنا لا طربا، وأبوح ترحا لا فرحا، لا أجد روضة إلا نحت على اضمحلالها، ولا خضرة إلا تبلبلت على زوالها، لأنى ما رأيت قط صفوة إلا تكدرت، ولا عيشة حلوة إلا تمررت، فقرأت فى تمثال العرفان، كلّ من عليها فان».
والهزار فى أول العظة فرح بمقدم الربيع، وسرعان ما يفكر فى انتهائه، فيندب وينوح، إذ لا يجد روضة إلا وتضمحل بعد ازدهارها. ويتسع تفكيره حتى يشمل الحياة، فإذا كل ما فيها من صفاء لا يلبث أن تغشاه كدرة قاتمة، وكل ما فيها من عيش حلو لا يلبث أن ينقلب عيشا مرا، بل إن كل ما فيها هالك فان. وسعد من كتبت له السعادة، وشقى من كتب له الشقاء. وينتقل إلى
стр. 3132
الحيوانات ويختم حديثه عنها بكلام على لسان النملة إذ تقول:
«إذا رماك الدهر بمرمى فقم له، وإذا رأيت من تهيأ للسير فسر قبله، ولا تكن فى تدبير عيشك أبله، تعّلم منى قوة الاستعداد وتحصيل الزاد للمعاد. . كلّفت جمع المئونة بتيسير المعونة، وأعطيت قوة الشم من الأماكن البعيدة فأدركت بالشم من بعد الفراسخ، ما لم يدركه ذو العلم الراسخ، ثم أعطيت بالتقدير، حسن التدبير، فأدبّر ما أدّخره من الحب لقوتى، فى بيوتى».
والكتاب بذلك كتاب تعليم ووعظ ودفع للإنسان يسير فى الطريق السديد، واعيا لحكمة الله فى خلقه، متعظا بما تورده عليه الحيوانات والأطيار والأزهار من مواعظ وحكم وأمثال وأضواء تنير له دنياه، وتعده إعدادا حسنا لأخراه. ولغة الكتاب سهلة بسيطة قريبة من لغة الحياة اليومية لأنه أريد به إلى الوعظ والإرشاد، وهو حقا مسجوع، ولكن ليس فيه ألفاظ آبدة غريبة، وتتخلله أبيات شعرية سائغة، تدل على حسن ذوق المؤلف ودقة اختياره. وبجانب الأبيات المختارة أبيات من نظمه تدل على أن ابن غانم كان يحسن الشعر والنثر جميعا.
٥ - أعمال أدبية: رسائل وغير رسائل:
خلّفت الشام فى هذا العصر أعمالا أدبية كثيرة، ويلقانا فى مفتتحه كشاجم، وله كتاب المصايد والمطارد عرض فيه الصيد وآلاته وما قيل فيه من الأشعار عرضا طريفا، وله بجانبه كتاب فى البيرزة أو بعبارة أخرى فى جوارح الصيد، وكتاب فى أدب النديم. ولأبى العلاء المعرى أعمال أدبية نثرية كثيرة، لعل أهمها رسالة الغفران، وسنلم بها عما قليل، وفى خريدة القصر قسم الشام رسالة أدبية بديعة هى رسالة النسر والبلبل، وسنفرد لها كلمة موجزة، وفى الخريدة أيضا رسالة (١) طريفة ليعمر بن عيسى المتوفى شابا سنة ثمان أو تسع وستين وخمسمائة، وموضوعها معاشرة الإخوان واغتنام الفرصة قبل أن تصبح غصّة فى دنيالا يدوم نعيمها ولا تندمل كلومها، وعنده أن الفرصة هى الإقبال على اللهو والقصف والصيد والقنص. ويفيض فى وصف الصيد وما ركبوا فيه من خيل وما حملوا فيه معهم من فهود وكلاب وبزاة وشواهين، ويطيل فى بيان صيد
стр. 3133
له مع بعض رفاقه إلى نحو عشرين صحيفة، وهى رسالة أدبية بارعة كتبها أديب حاذق فى فنه وسجعاته وجرسها الموسيقى وفى تصاويره وتلاوينه.
وربما كان أهم من عنى فى القرن السادس الهجرى بكتابة أعمال نثرية أدبية أسامة بن منقذ الذى مرت ترجمته بين الشعراء، وله كتاب العصا جمع فيه ما نظم من شعر، وهو منشور، وله كتاب لباب الآداب، وهو زاخر بالأشعار والحكم والنوادر والآداب الفردية والاجتماعية، جعله فى سبعة كتب: فى الوصايا والسياسة والكرم والشجاعة والآداب والبلاغة والحكمة، واشتمل منها كتاب الآداب على خمسة عشر فصلا: فى الأدب وكتمان السر والأمانة والتواضع وحسن الجوار وحفظ اللسان والقناعة والصبر والحياء وترك الرياء والإصلاح بين الناس والتعفف عن السؤال والتحذير من الظلم والإحسان والحض على فعل الخير. وعادة يورد فى كل كتاب ما يتصل به من القرآن والأحاديث النبوية والأشعار وما روى عن العرب والعجم من أقوال. ولأسامة كتاب ثالث هو المنازل والديار ألفه بعد حدوث زلزال شديد سنة ٦٥٢ أتى على حصن شيزر موطنه وأحاله أنكاثا وأنقاضا، ويقول فى مقدمته: «دعانى إلى جمع هذا الكتاب ما نال بلادى وأوطانى من الخراب، فإن الزمان جرّ عليها ذيله، وصرف إلى تعفيتها (١) حوله وحيله (٢)، فأصبحت (كأن لم تغن بالأمس) موحشة العرصات بعد الأنس، قد دثر عمرانها، وهلك سكانها، فعادت مغانيها (٣) رسوما، والمسرات بها حسرات وهموما» وهو كتاب ضخم فى نحو ٥٠٠ صفحة، اختار فيه أطرف ما له ولسابقيه من أشعار بديعة، وقد جعله فى ستة عشر فصلا: فى المنازل والديار والمغانى والأطلال والربع والدّمن (٤) والرسم والآثار والمساكن والأرض والأوطان والمدن والبلاد والديار والبيت وبكاء الأهل والإخوان. وأطرف أعماله الأدبية جميعا كتابه الاعتبار وهو سيرة شخصية وسنخصه بكلمة. ونمضى إلى زمن المماليك ويلقانا بدر الدين بن حبيب وكتابه نسيم الصبا، وهو أشبه بمقالات أدبية فى الطبيعة والطير والحيوان والأخلاق وسنلمّ به عما قليل.
ونلتقى فى زمن المماليك بابن حجة الحموى وكتابه «ثمرات الأوراق» وقد طبع مرارا وهو أشبه بكتب المحاضرات، فيه نثر ورسائل وشعر ونوادر وعظات وأخبار وقصص عن الأجواد والبخلاء والعلماء والحمقى والأطباء، مع بعض الأحداث فى زمن المؤلف وبعض الحكايات والفكاهات.
стр. 3134
وبأخرة من عصر المماليك نلتقى بابن عرب شاه وكتابه «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء» وسنفرد له كلمة.
ونتقدم إلى أيام العثمانيين، ونلتقى ببهاء الدين العاملى الذى ترجمنا له بين شعراء الشيعة، وله المخلاة، وهى كتاب شعر ونثر وحكم وأمثال ومواعظ وأخبار ونوادر، وأهم منها كتابه الكشكول، وهو فى مجلدين، وبه شذرات من مختلف العلوم الإسلامية والرياضية والطبية، ومن بحوث التاريخ والفلسفة والتصوف، ويفيض بمختارات بديعة من الشعر لمتصوفة ومتفلسفة ولشعراء الغزل والحماسة والحكمة، وحرى بنا أن نلم بما وعدنا بالحديث عنه من أعمال أدبية.
(ا) رسالة (١) الغفران
رسالة طويلة فى نحو مائتى صفحة من القطع الكبير أملاها أبو العلاء ردا على رسالة لعلى بن منصور الحلبى المعروف بابن القارح، وهى تنقسم قسمين: قسما يتحدث فيه عن نهوض ابن القارح من قبره يوم البعث ويتصور له نزهة فى الجنة يلقى بها طائفة من شعراء الجاهلية وصدر الإسلام ويسألهم: بم غفر لهم، ويتردد السؤال فيما بعد مما جعل الرسالة تسمى رسالة الغفران ويرد أبو العلاء بن القارح إلى يوم المحشر ليصور أهواله وأهوال الصراط مع الناس انتظارا لمصيره وقد ظل فى المحشر واقفا حتى تعب من شدة الحر والظمأ، وكان معه صك التوبة ففكر فى دخول الجنة عن طريق خداعه لسدنتها ونظم القصائد الطوال فى مدح رضوان ولم يفهم عنه شيئا، وتركه إلى سادن آخر، فنبهه إلى أن يتشفع بالرسول ﷺ وحاول الوصول إليه. ولقى حمزة بن عبد المطلب فتوسل به إلى الإمام على بن أبى طالب، ورأى أبا على الفارسى يحاوره نفر من شعراء البادية فى تأويله لبعض كلامهم، وطلب على بن أبى طالب منه شاهدا على توبته فاستشهد بقاض من حلب، وسقاه على من الحوض، وقال له: لا سبيل إلى دخول الجنة قبل الحساب، ورأى استخدام الحيلة فتعلق بركاب إبراهيم بن الرسول ﷺ : ويسأله رضوان هل معك من جواز؟ ويجذبه إبراهيم معه، فيدخلها ويلتقى ثانية بالشعراء ويحاورهم. ويقيم ابن القارح مأدبة يدعو إليها كل من فى الجنة من شعراء وعلماء وأدباء، ثم يركب بعض دواب الجنة ويسير فيصل إلى مدائن غريبة، ويطلع فيرى طائفة من الجن، ممن آمنوا بالرسول ﷺ ، ويسأل شيخهم عن
стр. 3135
أشعارهم التى جمع منها المرزبانى قطعة صالحة فيقول الشيخ: إنما ذلك هذيان لا معتمد عليه، ثم يرخى من عنان دابته حتى يصل إلى أقصى الجنة حيث يلتقى بالحطيئة والخنساء وهى تنظر إلى أخيها صخر فى الجحيم، وينظر مثل الخنساء، فيجد إبليس وبشارا وامرأ القيس وعنترة واثنى عشر شاعرا معهم من شعراء الجاهلية والأخطل التغلبى ويحاورهم جميعا. ويعود فيلتقى بآدم ﵇ وببعض الحيّات التى ظلمت فى الدنيا، وكوفئت فى الآخرة بدخول الفردوس ونزولها فى روضة الحيات. ويمر بجنة الرّجّاز، ويحاورهم فى أرجازهم حوارا طريفا. وتنتهى رحلة ابن القارح على الصراط وما شاهد من عذاب فى الجحيم ومن نعيم لا يماثله نعيم فى الجنة، ويفضى ابن القارح إلى المتاع بهذا النعيم.
وهذا هو القسم الأول فى الرسالة، وقد كان له تأثير عميق فى الآداب العالمية، إذ كتب دانتى الشاعر الإيطالى المتوفى سنة ١٣٢١ م على غراره الكوميديا الإلهية، وشغل بالبحث فى ذلك كثير من الباحثين الغربيين ولا يزالون مشغولين.
والقسم الثانى من الرسالة خاص بسؤال ابن القارح لأبى العلاء عن الزندقة والزنادقة، وقد استهلها أبو العلاء بالثناء على ابن القارح لوفائه فى زمن يعز فيه الوفاء: وتحدث عن حرفة الأدب وهمومها، ودفع عن المتنبى ما يقال من زندقته أو إلحاده إذ كان متألها كما تشهد بذلك أشعاره، وشك فى عقيدة دعبل. وذكر بعض الشعراء الزنادقة وفى مقدمتهم بشار وصالح بن عبد القدوس والوليد بن يزيد، وتعرض لكثير من النحل المارقة فى زمنه، وفى مقدمتها القرامطة وغلاة الشيعة كعبد الله بن سبأ وعبد الله بن ميمون القداح رأس العقيدة الاسماعيلية والقائلين بالتناسخ كالهنود وبالحلول من الصوفية كالحلاج، وأصلى ابن الراوندىّ الزنديق (١) هو وكتبه: التاج والدامغ والقضيب والفريد والمرجان التى طعن فيها على الدين الحنيف نارا حامية من الذم والتقريع، ومن قوله فى التاج وهو أهم كتب ابن الراوندى الكافرة: لا يصلح أن يكون نعلا، وأفّ وتفّ، وجورب وخفّ وهما واديان بجهنم. ويعود إلى حديث ابن القارح، ويعرض لتوبته وتمثيله جالسا للوعظ فى مسجد بحلب، ويلم بأول سماعه عنه وبشيوخه وببعض علماء حلب وبتلبيات العرب فى الجاهلية وببعض مسائل فرعية.
стр. 3136
والرسالة نفيسة إلى أبعد حد لا لأن أبا العلاء صوّر فيها المحشر والجحيم والنعيم فحسب، بل أيضا لأنه ساق فى حواره مع الشعراء نقدا لغويا وعروضيا ونحويا، مع تعرضه لقضية الانتحال على القدماء، ومع جودة استحسانه لما ساقه من أبيات الشعراء وما ذكر من قصائدهم. وقد عرض فى القسم الثانى للنحل الكثيرة فى زمنه وما فيها من خروج على الدين وإلحاد ومروق، وقد أنحى بذم عنيف على كل المارقين الملحدين، ومع ذلك يقال إنه حمّل الرسالة سخرية من الدين الحنيف، والرسالة من ذلك بريئة كل البراءة.
ولم نعرض لأسلوبه فيها، وهو نفس أسلوبه العام الذى ألفناه، أسلوب يقوم على استخدام الألفاظ المبعدة فى الغرابة، تعبيرا عن ثقافته وعلمه الواسع بالعربية، علما لعل أحدا من أدباء العرب على مر أزمنتهم وعصورهم لم يحظ به، وهو لا يكتفى بالإغراب فى ألفاظ سجعه، بل يضيف إليها كما قلنا فى غير هذا الموضع وشيا من المحسنات البديعية وخاصة الجناس. وقد ذكر فيها أبو العلاء شبل الدولة بن صالح بن مرداس أمير حلب (٤٢٠ - ٤٢٩ هـ) مما يؤكد أنه أملى رسالته لعهده فى العقد الثالث من القرن الرابع.
(ب) رسالة (١) النّسر والبلبل
هى رسالة بديعة للمهذب أبى طالب محمد بن حسان الدمشقى، ترجم له العماد الأصبهانى فى خريدته. وقال إنه زاره فى مدرسته العمادية التى كان يدرس بها لطلابه فى ربيع الأول سنة ٥٧١ وأنشد بعض أشعاره، ثم قال: ونقلت له من رسالة وسمها «بالنّسر والبلبل» فاختصرتها وأولها. . .» ثم ذكر-فيما يبدو فاتحتها، وهى تصور نسرا شاهد روضا فاتنا خلب لبه، ولم يلبث أن استمع إلى بلبل ملأه غبطة وفتنة، فسأله من أين لك هذا الصوت الساحر وأنا مع أنى ملك الطيور ليس لى شئ من سحره وجماله؟ وأجابه إن الصانع الحكيم لا يهب الأصوات حسب الأجسام.
والرسالة تبدأ بوصف النسر على هذا النمط:
طار طائر عن بعض الشجر، وقد هبّ نسيم السحر، وانفلق عمود الفلق (٢) وانخرق قميص الغسق (٣) مشهور بالقسر (٤)، موسوم بالنّسر، والليل قد شابت ذؤابته (٥)، وابيضّت قمته. .
стр. 3137
كأنما أجنحته ركّبت من العواصف، واستلبت من البروق الخواطف. . كأنه سهم رشق (١) عن قوس القضاء، أو نجم أشرق فى أفق السماء. . يقبض أجنحته ويبسط، ويصعد إلى السماء ويهبط يجرح بأسنة قوادمه (٢) أعطاف القبول (٣) وأطراف الصّبا، ويقدّ الشمال بخوالف (٤) كأنها غروب (٥) الظّبا، ويفتق بخوافيه (٦) جيوب الجنوب (٧)، ويخرق بصدره صدر الرياح فى الهبوب. . حتى أشرف. . على روض أريض (٨). وظلّ عريض، وأنهار متدفّقة، وأشجار مونقة، وطلّ منثور، وورد ومنثور (٩)، ومكان بهج، وزهر أرج. . فمن ورد فضىّ الأوراق، ذهبى الأحداق، كافورى الصّبغة، مسكى الصّيغة، مائىّ الجسم، هوائى الرسم، حاكت (١٠) الصّبا إهابه، وخاطت الشمال أثوابه، وفتّحت الجنوب أكمامه، وحسرت (١١) الدّبور عن وجه جماله لثامه، فظهر فى أفق الشجر، كأنه شهب السّحر، أو خدود الحور فى القصور، ظهرت فى غلائل من الكافور، ومن غصون تجتمع وتفترق، وتترنّح وتعتنق، والنسائم تحلّ عقد أزرار الزّهر. . . والشمس تسفر وتنتقب، وحاجب الغزالة (١٢) يبدو ويحتجب. . فوقف [النسر] فى الهواء حين رآها وقال: هذه غاية النفس ومناها. . أين المذهب، وقد حصل المطلب، وأين الرواح وقد أسفر الصباح. . وبينا هو صافّ الأجنحة عليها ينظر من الأفق بعين التعجب إليها، إد سمع صوتا من بلبل سحرىّ على وكر شجرىّ، يناغى النسائم بنغمة مزماره، ورنّة أوتاره. . وألحان أعذب من نقرات المزاهر، ينثر درّا من عقود ألحانه ولؤلؤا من صدف افتنانه بين أفنانه (١٣)، ويرجّع قراءة مكتوب غرامه، ويتلو آيات حزنه من مصحف آلامه. . كأنها ما قيل عن مزامير آل داود وتسابيحهم فى الركوع والسجود. . أو أصوات رهبان الصوامع، أو تلاوة من تتجافى (١٤) جنوبهم عن المضاجع. . ثم هوى إلى القرار، لينظر من النافخ فى المزمار، فرأى البلبل يرجّع سجع ألحانه فى ربع أحزانه».
стр. 3138
وإذا كان العماد قد اختصر الرسالة، واكتفى بمطالعها أو فواتحها، فإننا زدناها اختصارا، وأكبر الظن، أنه قد اتضح جمال الأسلوب فى هذه الرسالة البديعة، فسجعها يطير عن الأفواه بخفته لرشاقة ألفاظه وبدع تصاويره. ويفتن النسر صوت البلبل وجمال تلاحينه، فيتجه إليه مسلما عليه، ويظهر العجب لأنه صغير حقير فى منظره، وله هذا اللحن المطرب، والصوت المعجب، ويصارحه بما فى نفسه، وأنه مع ضخامة جسمه ليست له حلاوة نغماته، فيقول له: «أما علمت أن الأرواح لطائف وهى أشرف من الأجسام، والأجسام كثائف والمعتبر فيها جودة الأفهام، وإنسان العين صغير ويدرك الأكوان والألوان، والإنسان عظيم والمعتبر منه الأصغران: القلب واللسان، ما يكون الدر بقدر الصدف، وشتان ما بينهما فى القيمة والشرف، ولا الآدمىّ كالفيل، وبينهما بون فى التفصيل. . وأما النغمة التى قرع سمعك سوط لذّتها. . فإننى رصّعت شذرها (١) فى عقد ألحانى على نغم بعض الأغانى».
ويذكر البلبل للنسر أنه كوّن ألحانه من احتفال يعقد فى الروضة كل ليلة لملك يأتيها مع ندمائه، إذا ولّى النهار وصبغ الليل ثوب الكون بظلمته وتشعل له الشموع وتصطفّ القيان وصفوف الحور والولدان وترجّع الأنغام والألحان، وينقضى ليلهم فى لهو وسماع وطرب، ومنهم أخذ ألحانه وأنغامه. وعليه إذا أراد أن يكون له صوت حسن أن يحذو حذوه فى الاستماع إلى رنات الغناء فى هذا الحفل العجيب. ويدعو النسر إلى المبيت فى الروض غير أنه ينام، ويضيع منه مراده، ويعاتبه البلبل عتابا مرا قائلا: إن من استلذ المقام، عدم المرام، ووجّه إليه الملام.
وأكثر البلبل على النسر العتاب، فودّعه وطار، وقد عدم الأوطار. ويطيل المهذب فى العظة من هذه القصة وأن بلوغ المراد إنما يكون مع الاجتهاد، وبصدق الطلب يدرك الأرب. ويقول العماد إن المهذب أتم الرسالة بفصل وعظى ليس من شرط كتابه ذكره، وواضح أن وعظها دار حول الجد فى طلب المنى دون مهلة أو ما يشبه المهلة فضلا عن الغفلة وما يشبه الغفلة.
(ج) كتاب الاعتبار (٢)
مذكرات طريفة لأسامة بن منقذ أحد أبطالنا فى الحروب الصليبية، وقد مرت ترجمته بين الشعراء، والمذكرات أشبه بترجمة شخصية لأسامة، إذ صور فيها ذكرياته عن تربيته الأولى فى
стр. 3139
شيزر حصن آبائه وما وقع له فيها من أحداث، وقد عاش طويلا نحو مائة عام من سنة ٤٨٨ إلى سنة ٥٨٤ وتنقل-كما مر فى ترجمته-بين دمشق والقاهرة والموصل. . ووصف ما شاهده واشترك فيه من المعارك الحربية بين المسلمين وحملة الصليب، وشارك-كما مر بنا-فى أحداث مصر قبيل نهاية الدولة الفاطمية، وروى ما كان فيها من مؤامرات وخصومات بين الوزراء. ووصف وصفا حيا حربه تحت لواء نور الدين وأبيه للصليبيين، كما وصف وصفا حيا معيشة حملة الصليب بديار الشام إذ كانت تتصل بينهم وبين المسلمين-حين تضع الحرب أوزارها-علاقات من حسن الجوار، مما جعله ينزل بينهم فى بعض الأوقات. وقد وصفهم بأنهم «بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير» ويصورهم متأخرين حضاريا عن المسلمين. ويذكر فى صراحة أن المودة انعقدت بينه وبين بعض فرسانهم، ويقول إنه لا توجد عندهم غيرة على نسائهم، ويصورهم متخلفين فى الطب تخلفا شديدا، ويقص هذه النادرة:
«من عجيب طبّهم أن صاحب المنيطرة (فى أعالى الشام) كتب إلى عمى أمير شيزر يطلب منه إنفاذ طبيب يداوى مرضى من أصحابه، فأرسل إليهم طبيبا نصرانيا يقال له ثابت فما غاب عشرة أيام حتى عاد، فقلنا له: ما أسرع ما داويت المرضى! قال: أحضروا عندى فارسا قد طلعت فى رجله دمّلة وامرأة قد لحقها نشاف فعملت للفارس لبيخة ففتحت الدملة وصلحت. وحميت المرأة ورطبت مزاجها. فجاءهم طبيب إفرنجى فقال لهم: هذا ما يعرف شئ (فكيف) يداويهما؟ . وقال للفارس: أيما أحب إليك؟ تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين؟ قال: أعيش برجل واحدة، فقال: أحضروا إلى فارسا قويا وفأسا قاطعا، فحضر الناس والفأس وأنا حاضر فحط ساقه على قرمة (قطعة) خشب، وقال للفارس: اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة، اقطعها، فضربه وأنا أراه ضربة واحدة فما انقطعت وضربه ضربة ثانية، فسال مخ الساق، ومات من ساعته. وأبصر المرأة، فقال: هذه المرأة فى رأسها شيطان قد عشقها، احلقوا شعرها، فحلقوه. وعادت تأكل من مأكلهم: الثوم والخردل، فزاد بها النشاف، فقال، الشيطان قد دخل فى رأسها، فأخذ الموسى، وشقّ رأسها صليبا، وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس فحكّه بالملح، فقلت لهم: أبقى لكم إلىّ حاجة؟ قالوا: لا فجئت وقد تعلمت من طبهم ما لم أعرفه».
وثابت الطبيب إنما قال الجملة الأخيرة سخرية من طبهم. ويتحدث أسامة طويلا عن
стр. 3140
عاداتهم وما أخذوه من العادات الإسلامية الشرقية فى المطعم والملبس، مما يؤكد أنهم إذا كانوا قد غزوا ديارنا فقد غزتهم بمدنيتها وحضارتها.
وليس فى هذه الترجمة الشخصية لأسامة أى ترتيب زمنى ولا أى نسق تأليفى، بل الأخبار أو قل الذكريات يأخذ بعضها برقاب بعض، ذكرى من الكهولة وذكرى من الشباب وذكرى من الشيخوخة، أو قل إنها ذكريات مبعثرة، غير أنها كتبت بأسلوب قصصى ممتع لا تصنع فيه ولا تكلف، فلا سجع يداخله ولا محسن من محسنات البديع، بل يترك أسامة نفسه على سجيتها يصف ما شاهد وصفا نابضا بالحياة فى لغة سهلة، حتى لتقترب أحيانا من العامية. وتشهد بذلك القطعة المارة آنفا، ففيها بعض الخطأ فى الإعراب وفى نسق الأسلوب، غير أن ذلك لا يتصل فى الذكريات اتصالا من شأنه أن يخرجها من المجال الأدبى الفصيح، وجعل هذا المنحى أسامة يستخدم أحيانا كلمات إفرنجية وأخرى فارسية أو تركية، وكأنما يريد أداء الواقع بكل ما يتصل به من لغة الناس لزمنه. وفى الحق أن هذه الذكريات نفيسة إلى أبعد حد لما تحمل من أحداث حربية وسياسية وأحوال اجتماعية وخاصة لحملة الصليب، سجّلها مشاهد لها رآها تحت بصره.
(د) نسيم (١) الصّبا
مؤلف هذا الكتاب الذى يعد طرفة أدبية نفيسة بدر الدين الحسن بن عمر الدمشقى المعروف باسم ابن حبيب أحد أجداده، ولد لأبيه بدمشق سنة ٧١٠ ولم يلبث الأب أن عيّن محتسبا بحلب، فنشأ بها بدر الدين، ورحل فى طلب العلم والأدب إلى دمشق وأخذ عن ابن نباتة ثم إلى القاهرة والفسطاط سنة ٧٣٦ وأقام فى الاسكندرية مدة، ثم تركها إلى القدس والخليل ومكة.
وعاد إلى حلب فطرابلس سنة ٧٥٨ وناب عن الحكم بدمشق فى عهد الأمير سيف الدين منجك، وولى كتابة الإنشاء فترة وعاد إلى حلب وبها توفى سنة ٧٧٩. وله تاريخ فى سلاطين المماليك سماه درة الأسلاك فى دولة الأتراك وهو مسجوع، وله تذكرة النبيه فى أيام المنصور (قلاوون) وبنيه، وله فى السيرة النبوية كتابان: النجم الثاقب فى أشرف المناقب، والمقتفى فى ذكر فضائل المصطفى.
стр. 3141
وأهم أعمال ابن حبيب الأدبية «نسيم الصّبا» وهو ثلاثون فصلا أو مقالة بتعبيرنا الحديث، اتخذ موضوعها الطبيعة أحيانا، إذ له فيها ثمانية فصول فى وصف السماء، والشمس والقمر، والمطر، والليل والنهار وفصول العام والبحر والنهر، والأشجار والثمار والروض والأزهار، وأحيانا اتخذ موضوعها الحيوان والطير، إذ له فيه أربعة فصول فى الخيل والإبل والوحش، والطيور، ورمى البندق أو الصيد. وأحيانا أخرى اتخذ موضوعها الأخلاق الاجتماعية كالكرم والشجاعة والعدل والإحسان. وقد يتخذ موضوعها الإنسان كوصف غلام أو وصف جارية، أو بعض علاقاته الإخوانية كالاستعطاف والشكر والثناء والتهنئة والرثاء، أو بعض شئونه المدنية كالكتابة، أو بعض شئونه الحربية كالسلاح والمعارك الحاطمة للاعداء، أو بعض علاقاته بالمرأة وما قد يحدث بينهما من الفراق أو يضنيه من العشق، وقد أدار الفصل الخاص به على مدحه وذمه، يذكر فيه محاسنه ومساويه. وبعض الفصول-كما يتضح من موضوعها-مفاخرات أو مناظرات، على نحو ما يلقانا عن فصول السنة فى الفصل الخامس. ونشعر دائما بالقدرة على التعبير المسجوع والتصوير الرائع كقوله فى الفصل السادس يصف البحر وسفينة شق بها عبابه:
«هزّتنى رياح الأمل البسيط، إلى امتطاء ثبج (١) البحر المحيط، فأتيت سفينة يطيب للسّفر مثواها، وركبت فيها ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾. يا لها سفينة، على الأموال أمينة، ذات دسر (٢) وألواح، تجرى مع الرياح، وتطير بغير جناح، وتعتاض عن الحادى (٣) بالملاّح، تخوض وتلعب، وترد (٤) ولا تشرب، لها قلاع كالقلاع (٥)، وشراع يحجب الشّعاع، وسكينة وسكّان (٦) ومكانة وإمكان، وجؤجؤ وفقار (٧)، وأضلاع محكمة بالقار (٨). . بعيدة ما بين السّحر والنّحر (٩)، من أحسن الجوارى (١٠) المنشآت فى البحر، معقود بنواصيها (١١) الخير كالخيل، لا تملّ من سير النهار ولا من سرى الليل:
стр. 3142
ما رأى الناس من قصور على الما ... ء سواها تسير سير القداح (١)
كأنها وعل (٢) ينحطّ من شاهق، أو عرباض (٣) سابق يحثّه سائق، أو عقرب شائله (٤)، أو عقاب صائله (٥). . حاكمها (٦) عادل فى حكه، عارف بنقض أمرها وبرمه (٧)، يهتدى بالنجوم، ويبتدئ باسم الحى القيّوم. . وبينما نحن من البحر فى قاموسه (٨)، كتب الجوّ حروف الغيم فى طروسه، وثارت ريح عاصف، يتبعها رعد قاصف، فمالت بنا الفلك (٩) واضطربت، ودنت شفتها من رشف الماء واقتربت، واستمرت تعلو على الأوتاد (١٠)، وتهيم فى كل واد.
وتضرم فى الكبود نار ناجر (١١)، إلى أن (بلغت القلوب الحناجر (١٢)). . ثم نظر إلينا من لا تخفى عليه السرائر، وأمر الجارية (١٣) بحمل عبيده إلى بعض الجزائر».
ونزلوا الجزيرة وتنزهوا فى رياضها ورأوا فيها نهرا أرضه ذهب وحصباؤه درر. ويمضى ابن حبيب فى الوصف بهذه اللغة النقية الصافية وذلك السجع القصير الذى يمتع الآذان والأذهان بجرسه وما بين الألفاظ من ملاءمات تجعل السجع يلذ الألسنة حين تنطق به، ويسر القلوب حين تستمع إليه. وبحق يقول ناصر الدين بن البارزى فى الكتاب مقرظا له: «لقد أشبه الدر فى انتظامه، والثغر فى ابتسامه، وقطر الندى فى انسجامه، وزهر الروض فى البكر إذا غنت على غصونه مطربات حمامه. . فهو فى اللطافة كالماء فى إروائه، وكالهواء المعتدل فى ملاءمة الأرواح بجوهر صفائه، وكالسلك إذا انتقى جوهره وأجيد فى انتقائه». وقد ختمه ابن حبيب بفصلين بديعين فى الحكم والمواعظ، ودائما يوشّى أسجاعه بمحسنات البديع من الجناس وغيره.
стр. 3143
(هـ) فاكهة (١) الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
مؤلف هذا الكتاب ابن عربشاه أحمد بن محمد الدمشقى الحنفى، ولد بدمشق سنة ٧٩١ ونشأ بها وطلب العلم فيا، حتى كانت طامّة تيمور ومحاصرته لدمشق ونهب جنوده التتار لها وإشعالهم النيران فيها، مما جعل أسرة ابن عرب شاه ترحل إلى الأناضول، ومنها رحلت إلى إيران وأو غلت إلى سمرقند عاصمة تيمور، واستوطنها ابن عربشاه مدة. وحبّبت الرحلة ولقاء الشيوخ إليه، فطاف بكثير من البلدان وأخذ عن علمائها وأدبائها، واستقر فى الأناضول أو آسيا الصغرى عند السلطان العثمانى محمد الأول (٨٠٥ - ٨٢٤ هـ) وولاه ديوان الإنشاء فكان يكتب عنه إلى أمراء الأطراف باللغات الثلاث التى كان يحسنها: العربية والفارسية والتركية، وترجم له عن الفارسية كتاب جوامع الحكايات لمحمد عوفى الذى أتم تأليفه سنة ٦٣٣ للهجرة، ويقال إن عدد حكاياته كان يزيد على ألفى حكاية. وعاد بعد وفاة هذا السلطان العثمانى إلى الشام وأقام بحلب، وخلص حينئذ للدرس والتصنيف. وهاجر إلى القاهرة فى عهد السلطان الظاهر جقمق (٨٤٢ - ٨٥٧ هـ) ومر بنا فى الفصل الثانى أنه كتب له سيرة، وتحتفظ دار الكتب المصرية منها بمخطوطة. ومر أيضا أنه كتب سيرة لتيمور سماها عجائب المقدور فى نوائب تيمور، وهى مسجوعة، وطبعت مرارا. وكان يحسن النظم والنثر ويجيد الكتابة-كما أسلفنا-فى العربية والفارسية والتركية، وصنف فى الفارسية كتابا على غرار كتاب محمد عوفى سماه «مرزبان نامه» طبع قديما، وعنه نقل كتابه «فاكهة الخلفاء» نثرا مسجوعا. وتوفى بالقاهرة عام ٨٥٤ للهجرة.
وكتابه «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء» يشتمل على حكايات كثيرة، وهى موزعة على عشرة أبواب مروية عن الشيخ أبى المحاسن حسان يرويها عن الحكيم «حبيب»، وهو الابن الصغير لملك، ترك خمسة إخوة تملك أحدهم وأطاعه إخوته، ثم دب الحسد فى نفوسهم، فرأى أخوهم الصغير «حبيب» اعتزالهم، فاستأذن أخاه الملك فى العزلة وذكر له أنه يعتزم تأليف كتاب يشتمل على فنون من الحكمة، فاستصوب رأيه غير أن وزيرا له شككه فى مقصد أخيه وأن ذلك منه مكر وخديعة، وأشار عليه أن يجمع بينه وبين حبيب ليظهر زوره ومينه أو كذبه. فجمع الملك
стр. 3144
أعيان الدولة وعلماءها وفضلاءها وأخذ حبيب يسوق حكمه ووعظه فى أسلوب قصصى مسجوع بديع، وكان من ذلك هذا الكتاب بأبوابه العشرة الطريفة. والباب الأول فى ذكر ملك العرب، ومعه أربع قصص: قصة الضحاك الملك الفارسى الأسطورى القديم، وقصة قابوس بن وشمكير أحد أمراء الأسرة الزيارية التى حكمت طبرستان وجرجان فى القرن الرابع الهجرى وقتل أعوانه له، وقصة بهرام جور الملك الساسانى الذى كان مشهورا بالفروسية وكثرة الصيد مع الفتاة التى رآها وسرعان ما صادته-كما يقول ابن عرب شاه-بلحظها المكسور فأمسى قلبه وهو فى يدها مأسور وما كان من اقترانه بها، وقصة ابن آوى مع الحمار وكان قد حاول أن يقدمه مأدبة لذئب فقدم الحمار مأدبة للكلاب. والباب الثانى فى وصايا ملك العجم وفيه قصص طريفة منها قصة تحكى ما جرى لابن سلطان بابل مع عمه الظالم الخاتل. والباب الثالث فى قصة خاقان الأتراك مع ختنه أو صهره الزاهد شيخ النساك. والباب الرابع قصص عن الإنسان وعالم الجن والعفاريت.
وقصص هذه الأبواب جميعا تدور حول السيرة الحميدة للحكام وما ينبغى أن يأخذوا به الرعية من العدل مع بيان الأخلاق الذميمة ومع استعمال الحكمة وحسن التدبير حتى ينال الإنسان ما يأمل، ويأمن ما يحذر.
والأبواب الخمسة التالية قصص عن الحيوان والطير على طريقة كليلة ودمنة، وقد أشار إلى ذلك المؤلف فى مقدمة كتابه قائلا إن الحكمة إذا قيلت على ألسنة الوحوش وما هو غير مألوف الطباع من البهائم والسباع وأصناف الأطيار وسائر الهوام مالت إليها الأسماع ورغبت فى مطالعتها الطباع، لأن المألوف منها اقتراف الشرور والافتراس ونقص المعرفة والفطنة فإذا أسندت إليها مكارم الأخلاق من الوفاء وغير الوفاء أصغت الآذان إلى استماع أخبارها، وتلقتها الصدور بالانشراح، ونفوس الناس بالارتياح. وتتخلل هذه الأبواب جميعا قصص بديعة، وكثير منها فارسى الأصل كما يدل عنوانها مثل قصة كسرى القديم مع وزيره بزرجمهر الحكيم وسقوط خاتمه الثمين منه فى الماء والتقام بطة له وحزنه عليه ورجوعه إليه. وذكر فى الباب العاشر قصة كسرى أنوشروان مع الشيخ الهرم الذى رآه يغرس فى بعض البساتين مع انحناء قامته وبياض هامته ومع شدة عنائه وتعبه فى زرع غرسه ونصبه. وختم الكتاب ابن عرب شاه بقصة جنكز خان الذى طمّ العالم بالفساد، وأهلك العباد والبلاد.
والكتاب زاخر بدقائق الحكمة والفطنة التى تهذب النفوس والتى تعود على الناس بالتهذيب فى معاملتهم والعدل فى حكمهم والكسب فى معاشهم والعمل الصالح لمعادهم. ويلحّ الكتاب على
стр. 3145
أن المال الذى فى خزائن الحاكم إنما هو مال الرعية فينبغى أن ينفق فى مصالحها وحوائجها، وهو فى يد الحاكم أمانة، وصرفه فى غير وجهه خيانة. ويرسم الكتاب دائما لقارئه الأخلاق الحميدة والشمائل الكريمة مع نفسه ومع أبناء جنسه مع رفق ولين للمساكين، ومع صلابة فى الدين. وفى كل قصة وكل جانب منها تلقانا النصائح والحكم المعينة على الرشاد فى الحياة، مع الاستضاءة من حين إلى حين بالآيات القرآنية. والكتاب مسجوع، غير أن لغته واضحة وقلما يكون فيها لفظ غريب. وقصصه رائعة، وحرى أن تعرض على الناشئة مع إخلائها مما جاء فى بعضها من ألفاظ مفحشة أو نابية. ولا نشك فى أن ابن عرب شاه جلب فيها من الأقاصيص خير ما قرأه فى الفارسية والعربية من قصص الملوك والحكام وعلية الناس وصعاليكهم. ولا بد أنه أضاف إلى ذلك بعض القصص من خياله، وقد رأى أن يحاكى كليلة ودمنة بقصص كثيرة، كما أسلفنا. والقصص جميعا تكتظ بالحكم على شاكلة ما قرأه فى كتاب سلوان المطاع فى عدوان الأتباع الذى ألممنا به فى حديثنا عن الجزيرة العربية، وقد ذكر ذلك صراحة فى مقدمته للكتاب، وحكمه كحكم هذا الكتاب تتردد بين الشعر والنثر.
وفى الحق أنه كتاب بالغ الروعة بما يعلّم من شئون السياسة والحكم وبما يهدى إليه من البصر بالحياة وما فيها من فضائل تكتسب، ورذائل تجتنب، وما أروع الحكمه التى أجراها على لسان بعض الملوك فى قوله لأبنائه ناصحا: «يا بنىّ اكتسبوا العلم والفضل وادّخروا الحلم والعدل، فإن احتجتم إلى ذلك كان مالا، وإن استغنيتم عنه كان جمالا».
стр. 3146
خاتمة
تحدّثنا فى هذا الجزء عن الشام وتاريخها الأدبى فى عصر الدول والإمارات وبدأنا حديثنا عنها بالكلام عن فتح العرب لها مع إلمامة موجزة بتاريخها القديم وبيان حياتها السياسية زمن الدولة الأموية وأيام الولاة العباسيين، وفى عهد الدولتين الطولونية والإخشيدية وأيام الحمدانيين ومن تداولها أو تداول أجزاء منها زمن الدولة الفاطمية، وقد ظلت معها فلسطين، وظلت دمشق أيضا معها حفبة من الزمن. واستولى بنو مرداس على حلب واستولى السلاجقة منهم عليها كما استولوا على دمشق. ونزل الصليبيون الشام وأسسوا بها ممالكهم واستخلص منهم عماد الدين زنكى الرّها وخلفه ابنه نور الدين على حلب وأنزل بالصليبيين ضربات قاصمة وضم إليه دمشق. ولم تلبث الشام جميعها أن انضوت بعده تحت لواء صلاح الدين، وحطم حملة الصليب فى حطين وغير حطين واستنقذ منهم بيت المقدس وأكثر بلدان الشام. وظل يدفعهم إلى البحر المتوسط وما وراءه خلفاؤه الأيوبيون، ثم المماليك وسحقهم للمغول فى عين جالوت مشهور. وكانت مصر والشام فى أيام المماليك دولة واحدة إلى أن نزلتها جحافل العثمانيين وأصبحت ولاية عثمانية. وقد عرضنا المجتمع فى الشام وحياته الاقتصادية والاجتماعية وما كان ينعم به من الرخاء إلى أن حكمه العثمانيون حكما ظالما غاشما فانتكست فيه الزراعة والصناعة والتجارة. ومن قديم أخذت تتكاثر فى الشام فرق الشيعة من نصيرية ودروز وإمامية وإسماعيلية نزارية وهى المسماة بالفداوية وبالحشاشين. وقد مضت الشام تعنى بالزهد والتصوف وكثرت فيها-مثل مصر-الزوايا والخانقاهات والطرق الصوفية والدراويش.
وكان بالشام قبل الإسلام تراث يونانى علمى وفلسفى، وقد نفذت بمجرد دخولها فى الإسلام إلى حركة علمية خصبة، وتكثر فى بلدانها المدارس منذ أيام السلاجقة كثرة مفرطة، وكان طبيعيا أن تشارك فى حركة الترجمة للتراث اليونانى وفى العناية بعلوم الأوائل من رياضيات وطبيعيات وطب وجغرافيا بالإضافة إلى ما عنيت به من علوم اللغة والنحو والبلاغة النقد. ومنذ القرن الرابع الهجرى يتألق اسم كثيرين من نحاتها أمثال الزجاجى وابن خالويه وابن يعيش ونزيلها ابن مالك الأندلسى، ولعل لغويا عربيا لم يبلغ من الشهرة ما بلغه أبو العلاء المعرى، ونلتقى بحلقة نقدية بحلب زمن سيف الدولة، وتوالى فيها النقاد من أبى العلاء إلى يوسف البديعى أيام العثمانيين،
стр. 3147
وتنشط بها الدراسات البلاغية منذ ابن سنان الخفاجى إلى عبد الغنى النابلسى فى بديعيتيه المشهورتين. وتعنى الشام بالقراءات ويشتهر بها فى القرن الثانى الهجرى أحد القراء السبعة، ويتصل فيها هذا النشاط من أيامه إلى أيام ابن الجزرى فى القرن التاسع الهجرى. وينشط بها التفسير وتؤلف فيه كتب نفيسة، كما تنشط دراسة الحديث النبوى ويتكاثر حفاظه النابهون، وبالمثل تنشط دراسة المذاهب الفقهية الكبرى، ويشتهر فيها غير إمام مثل النووى الشافعى وابن تيمية الحنبلى، وتكون الغلبة بين الكلاميين للمذهب الأشعرى. وتنشط الكتابة التاريخية بجميع صورها من سيرة مفردة إلى تاريخ الدول أو دولة معينة وتاريخ المدن وخاصة دمشق وحلب والتراجم أو كتب الرجال والطبقات فى مختلف العلوم والمذاهب والأدب والأدباء.
وكانت الشام قد أخذت فى التعرب قبل الإسلام لا على الحدود بينها وبين الجزيرة العربية حيث كان يقيم النبط والغساسنة بعدهم فحسب، بل أيضا فى داخل البلاد الشامية، وفيها وعلى الحدود كان العرب يحيون حياة الروم البيزنطيين، وكانوا يدينون بدينهم المسيحى. وكان ذلك سببا قويا فى أن يتم تعرب الشام سريعا بعد الفتح الإسلامى، وأن تصبح العربية لسان سكانها جميعا مسلمين ومسيحيين. ولم يكن للشام نشاط يذكر قبل الإسلام فى الشعر، حتى إذا هاجرت إليها القبائل القيسية النجدية المشتهرة بالشعر أخذ يكثر على ألسنة أهلها، وطوال عصر بنى أمية كان يفد عليها شعراء الحجاز ونجد والعراق وشارك غير خليفة فى نظم الشعر مثل يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويظل للشام نشاطها فى الشعر طوال عصر الولاة والدولتين الطولونية والإخشيدية إذ يلقانا للشام غير شاعر نابه مثل أبى تمام والبحترى. وينشط الشعر فى القرن الرابع وخاصة فى حلب وبلاط سيف الدولة، على نحو ما يصور ذلك الثعالبى فى اليتيمة.
ويظل نشاط الشعر مطردا ويخص العماد الأصبهانى شعراء الشام فى القرن السادس بثلاثة أجزاء من كتابه الخريدة. وتزخر كتب التاريخ والتراجم بشعراء الشام فى القرن السابع الهجرى وما بعده.
ويكثر الشعر الدورى والرباعيات كما تكثر الموشحات ويشتهر بالنظم فيها أيدمر المحيوى والمحّار الحلبى، وبالمثل البديعيات والتعقيدات، ويروج سوق المديح رواجا كبيرا على نحو ما نجد عند ابن الخياط وابن القيسرانى وابن الساعاتى والشهاب محمود ومنجك. وتدبّج صفحات زاهية لشعراء الحكمة والفلسفة من مثل أبى العلاء المعرى ومنصور بن مسلم وابن الجزرى. ويكثر شعراء التشيع من مثل كشاجم وابن حيّوس وبهاء الدين العاملى.
ونلتقى بطوائف كثيرة من الشعراء، وأول طائفة تلقانا منهم شعراء الغزل وما يثير فى النفوس من
стр. 3148
العواطف والخواطر والمشاعر على نحو ما نقرأ عند عبد المحسن الصورى وابن منير والشاب الظريف وحسن البورينى. وكان شعراء كثيرون يحاولون أن يملثوا الدنيا ضجيجا بمفاخرهم وبسالتهم فى سحق الأعداء وبفضائلهم أو بهجائهم وما يرسمون لبعض الشخصيات من صور ذميمة، على نحو ما نقرأ عند أبى فراس الحمدانى وأسامة بن منقذ وابن النحاس من جهة وعند عرقلة وابن عنين من جهة ثانية. ونلتقى بكثيرين من شعراء المراثى والشكوى مثل ابن سنان الخفاجى والغزى وفتيان الشاغورى ومصطفى البابى. وكثيرون من الشعراء كانوا يتغنون بجمال الطبيعة ويشغفون بمجالس اللهو فى المتنزهات والأديرة على نحو ما نقرأ عند الوأواء الدمشقى وابن قسيم الحموىّ ومجير الدين بن تميم وابن النقيب. وشعراء كثيرون كانوا يتغنون بمشاعر الشعب الدينية وما يتصل بها من الزهد والتصوف والمدائح النبوية مثل عبد العزيز الأنصارى ومحمد بن سوّار وعفيف الدين التلمسانى وعبد الغنى النابلسى. وبجانب ذلك كان هناك شعراء شعبيون قصروا شعرهم على الأزجال ولغتها اليومية مثل أبى العلاء بن مقاتل.
وتعنى الشام بالرسائل الديوانية وخاصة فى عهد الدولتين: الأيوبية والمملوكية على نحو ما نجد عند العماد الأصبهانى الناثر الشاعر والصفدىّ وابن حجة الحموى وكانا أيضا ناثرين شاعرين، وتكثر الرسائل الشخصية، واشتهر أبو العلاء بكثرة ما أملى من رسائله. وتلقانا بعده رسائل شخصية كثيرة كان يكتبها الأدباء للشكر وللتهنئة أو للعتاب أو للاستعطاف أو للعزاء وكثيرا ما كانوا يتراسلون، من ذلك مراسلات الطغرائى والغزّى، ودائما تلقانا هذه الرسائل الشخصية حتى نهاية العصر وربما قصدوا بها إلى المهارة الأدبية أو إلى الهزل. وتكثر المقامات. ولا تعتمد على أديب متسول كما كانت عند الحريرى، إذ تعنى بالوصف أو بالوعظ أو المفاخرة بين بعض الأزهار، وكأنما أصبحت تخوص فى موضوعات متنوعة على نحو ما نجد عند ابن الوردى. وتكثر المواعظ وفى مقدمتها خطب ابن نباته وكتاب الفصول والغايات لأبى العلاء وخطبة القدس بعد فتحه لمحيى الدين بن الزكى وكشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار لابن غانم المقدسى. وتتكاثر فى العصر الأعمال الأدبية من رسائل وغير رسائل مثل رسالة الغفران ورسالة النسر والبلبل وكتاب الاعتبار وكتاب نسيم الصّبا وفاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء.
стр. 3149
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
هذا الجزء من تاريخ الأدب العربي خاص بمصر في عصر الدول والإمارات الممتد من سنة ٣٣٤ للهجرة إلى العصر الحديث، وكان المؤرخون للأدب العربى-كما ذكرنا في مقدمة الجزء الخامس من هذه السلسلة-يدخلون منه أكثر من ثلاثة قرون في العصر العباسى الثانى تنتهى سنة ٦٥٦ حين أغارت قطعان المغول على بغداد، وقوّضت ما كان بها من مدينة وحضارة، وهو خطأ محض لأن سلطان الخلافة العباسية كان قد تداعت أركانه منذ دخول البويهيين بغداد سنة ٣٣٤ إذ لم يعد لها سلطان حقيقى إلا على بغداد وأعمالها، بل إن سلطانها في بغداد كان سلطانا منقوصا، إذ كان السلطان الحقيقى فيها بيد البويهيين ومن خلفوهم من السلاجقة. وصحب ذلك توزع العالم العربى إلى دول وإمارات حتى العصر الحديث. وأيضا كان هؤلاء المؤرخون للأدب العربى يسمّون القرون الثلاثة التالية لغزو المغول بغداد باسم العصر المغولى، بينما كان سلطان المغول لا يتجاوز العراق وإيران، ومن الخطأ الواضح أن نقول إن ديار مصر كانت تعيش في العصر المغولى، بينما لم يكن لسلطان المغول في تلك الديار أى ظل، والصحيح أن عصر الدول والإمارات كان يظلها، وامتدّ جناحاه زمنيا حتى شمل ما سماه المؤرخون باسم العصر العثمانى.
وينبغى أن نعرف أن الطول الزمنى لعصر الدول والإمارات لا يعنى أن تاريخ الأدب العربى ظل في كل دولة من دوله أو إمارة من إماراته متسما بسمات أدبية واحدة في أزمنته المتغايرة عبر قرونه المتطاولة، مهما مرّ بالدولة أو الإمارة من أحداث ومهما ألمّ بهما من خطوب فإن ذلك يخالف طبائع الشعوب المتطورة دائما من زمن إلى زمن. وهو ما جعلنى أقسّم تاريخ الأدب في كل بلد تقسيما زمنيا يحيط بأطواره الأدبية المتعاقبة وصورة مجتمعه وحياته العلمية. ودعانى ذلك إلى أن أرجع في كل قطر إلى الحقب السالفة لعصر الدول والإمارات منذ الفتح العربى لها لا سياسيّا فحسب، بل أيضا اجتماعيا وأدبيا وعلميا، حتى تتضح شخصية القطر بكل ما يتميز به في حياته السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية منذ فجر تاريخه العربى إلى العصر الحديث.
стр. 3150
وقد يظنّ أن طول هذا العصر دفع إلى شئ من التقاطع الأدبى أو العلمى بين دوله وإماراته، وهو ظن مخطئ، فقد كان بين شعوبها جميعا تواصل لا ينقطع أشبه بتواصل ذوى الأرحام: تواصل في العادات والتقاليد والمعيشة والدين والأدب والعلم، واستشعر ذلك أسلافنا إلى أقصى حد، فكانوا إذا ألفوا كتابا عن الشعراء مثلا ساقوا فيه شعراء العالم العربى جميعا كما في اليتيمة للثعالبى والخريدة للعماد الأصبهانى، وبالمثل إذا ألفوا كتابا عن القرّاء أو المفسرين أو المحدثين أو عن صنف من الفقهاء كالشافعية أو عن النحاة. ودأبوا منذ القرن الثامن الهجرى يجمعون في القرن علماء العالم العربى وأدباءه جميعا في كتب مرتّبين فيها ترتيبها أبجديا بحيث نستطيع أن نؤرخ في كل قرن للحركتين الأدبية والعلمية في أى قطر عربى، ومعنى ذلك أنه ظلت تربط بين الأقطار العربية طوال عصر الدول والإمارات والأزمنة قبله وحدة أدبية وجدانية، وعلمية عقلية.
وقد بدأت في هذا الجزء بعرض تاريخ مصر السياسي، وأقدم الأزمنة التى خطّها التاريخ بها زمن الخلفاء الراشدين وماتلاه سريعا من زمن الأمويين، وفيهما أخذ الدين الحنيف ينتشر في مصر ويعتنقه كثيرون من سكانها القبط. ويحكمها ولاة من قبل العباسيين ويدخلها مع جنودهم كثير من العناصر الفارسية. وتستشعر مصر استقلالها السياسى منذ أواسط القرن الثالث الهجرى في عهد الطولونيين، وبالمثل في عهد الإخشيديين. وتستولى عليها الدولة الفاطمية وتنشئ فيها خلافة شيعية مستقلة عن خلافة العباسيين ببغداد، وتبوء جميع محاولاتها بنشر عقيدتها الإسماعيلية الشيعية بين المصريين بإخفاق ذريع. ويمتد حكمها أكثر من مائتى عام، وتأخذ في الضعف بعد نحو قرن وينزل حملة الصليب الشام في أواخر القرن الخامس الهجرى ويستولون على بيت المقدس. ويغطّ خلفاؤها في نوم عميق إلى أن قيّض الله لمصر صلاح الدين الأيوبي، فأسّس بها الدولة الأيوبية، وأخذ يسحق ضلوع حملة الصليب في حطّين وغير حطّين، وتبعه خلفاؤه الأيوبيون ينزلون بهم ضربات قاصمة. ويخلفهم المماليك، وينازلون المغول في عين جالوت ويمزقون جموعهم، وتفرّ فلولهم على وجوهها إلى الشمال، ويطهّرون الشام من تلك الفلول ومن بقايا حملة الصليب ورجسهم. ويدور الزمن دورات، وينزل العثمانيون مصر، وتتحول من دولة ذات سلطان عظيم إلى ولاية عثمانية.
ويحيل النّيل مصر من قديم إلى جنات وزروع وغروس شتى، وأهّلها ذلك لرخاء
стр. 3151
واسع-على مرّ الزمن-لمن يسعون في مناكبها. ودائما كان بها-في العهود الإسلامية-ثلاث طبقات: عليا، ووسطى، ودنيا، وفي الطبقة العليا الوالى وصاحب الخراج، والقاضى، وقواد الجند، وكبار الإقطاعيين، وكبار التجار ومعهم الأشراف من البيتين العباسى والعلوى. وفي الطبقة الوسطى العلماء والجند وأوساط الزراع والصناع والتجار، وفي الطبقة الدنيا أهل الريف وعامة الصناع والتجار والرقيق من أواسط إفريقيا ومن أرمينية وشعوب البحر المتوسط. وترك الحكام للكنيسة وكبار الإقطاعيين من القبط ما لهم من الأرض وحقولها نظير الخراج، وأدّى المقتدرون من القبط الجزية، وهى في حقيقتها ضريبة دفاع، إذ لم يكونوا يشتركون في الحرب وحماية وطنهم. وكانت الزراعة تدرّ كثيرا من طيبات الرزق، وكانت الصناعة رائجة: صناعة الورق والنسيج واستخراج بعض المعادن كالنطرون. وتلقى مصر بكنوزها في حجر أحمد بن طولون فيبنى قصره العظيم، وجامعه الكبير وبيمارستانا ضخما، ويغرق ابنه خمارويه في ترف بالغ. وتنعم الدولة الإخشيدية بثراء مصر، ويتضخم في عهد الفاطميين، ويكثرون من القصور والبذخ والترف وأدواته، ويتسعون في الاحتفال بالأعياد الإسلامية، وأعياد القبط والفرس. وأصبحت مصر في عهد صلاح الدين وخلفائه الأيوبيين ثكنة حربية تعدّ لضرب حملة الصليب الضربات القاضية، ومع ذلك اتسعت مصر في العمران وبناء المدارس الكثيرة والخانقاهات. ويخلفهم المماليك، وتعيش مصر طوال زمنهم في رغد من العيش، وتزدهر بها الحياة والعمران ازدهارا واسعا وكانت قد أصبحت ملاذا لعلماء العالم العربى النازحين من وجه النورمان والإسبان غربا ومن وجه المغول شرقا. وتدور بها الدوائر فيحتلّها العثمانيون، ويزايلها غير قليل من الرخاء ومن منزلتها الكبرى في العالم العربى.
وتحدثت عقب ذلك عن الدعوة الفاطمية الإسماعيلية الشيعية المتطرفة ومبادئها وتمسّك المصريين بعقيدتهم السنية وكأنما كانت تلك الدعوة بمصر صيحات ذهبت أدراج الرياح وبالمثل تحدثت عن الزهد وكيف أن مصر عرفت الضربين من التصوف الفلسفي والتصوف السنى مع بيان أهم طرقه وأعلامه وخانقاهاته.
ومعروف ما لمصر من دور عظيم في نشأة الحضارة الإنسانية ونشأة العلم بمعناه العالمى وظلت ترعاه طويلا. وكانت قد خمدت جذوته قبيل نزول الإسلام بها، وعاد إليها الاتقاد تدريجا بحيث لا نصل إلى أواسط القرن الثانى الهجرى حتى يصبح لعلمائها حظ واضح من المساهمة في الدراسات الدينية ونشرها في العالم العربى، فهى
стр. 3152
تنشر قراءة ورش، ومذهب مالك في بلاد المغرب والأندلس، وتنشر مذهب الشافعى في الشام وبغداد وخراسان. وسرعان ما تكتب تاريخ الفتوح لإفريقيا والأندلس لأول مرة، وتكتب رواية للسيرة النبوية الزكية، تصبح إماما لكتب السيرة الشريفة، ويضع أحد أبنائها وهو ذو النون أسس التصوف الإسلامى. وتزداد حركتها العلمية نشاطا في عهد الفاطميين ويؤسّسون بها جامعة سموها دار العلم، ألحقوا بها مكتبة ضخمة. وتأخذ الحركة العلمية بمصر في ازدهار واسع لعهد الأيوبيين وما أسسوا بها من عشرات المدارس، ويزداد عددها في عهد المماليك ازديادا مفرطا حتى ليقول ابن بطوطة حين زار مصر لأيامهم إن أحدا لا يستطيع أن يحيط بها لكثرتها. ولم تكن المدارس وحدها دور العلم فقد كانت تشاركها في ذلك المساجد والجوامع مثل الجامع الأزهر. ومع خمود تلك الحركة العلمية في عهد العثمانيين ظلت مصر حامية للتراث العربى، وموئلا لعلماء المغرب والمشرق، وظلت تضيئ في جامعة الأزهر مصابيح العلم والعرفان.
وعرضت نهضة العلوم المختلفة بمصر عرضا تفصيليا تاريخيا على مر الأزمنة، وبدأت بعلوم الأوائل، وألممت بما كان لمصر فيها من نشاط قبل الفتح العربى سواء في الهندسة أو الرياضة أو الفلك أو الطب أو الكيمياء أو الفلسفة. وانتفعت مصر الإسلامية بما كان فيها من هذا التراث، وضمّت إليه ما نقل ببغداد من الفلسفة وعلوم الأوائل عن اليونانية وغير اليونانية. وقد تحدثت عن النشاط العلمى والفلسفي لمصر منذ أيام الفاطميين وأعلامه على مر الحقب، وتحدثت عن جغرافييها منذ ابن سليم مكتشف المجرى الأعلى للنيل في أواسط القرن الرابع الهجرى.
وبالمثل تحدثت عن النشاط في علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد وأعلام مصر فيها جميعا على مر التاريخ ومع كل علم مصنفاته القيمة. وأيضا عرضت علوم القراءات والتفسير والحديث النبوى والمذاهب الفقهية وعلم الكلام والتاريخ وعلماءها جميعا على تعاقب الحقب، وما لهم من مصنفات بالغة القيمة، وذكرت في كل علم من العلوم الدينية واللغوية وعلوم الأوائل من نبغوا فيه أيام العثمانيين. وبذلك أصبح التاريخ العلمى لمصر وعلمائها الأفذاذ في كل علم وفن مرسوما رسما بيّنا دقيقا منذ القرن الثانى الهجرى حتى العصر الحديث.
وقد أخذت مصر-بعد الفتح العربى-تتعرّب سريعا لاعتناق كثير من سكانها القبط الإسلام لما استقرّ في نفوسهم من أن من يسلم منهم يصبح له جميع حقوق
стр. 3153
العربى الفاتح، ويدلّ بوضوح على كثرة من أسلم منهم أن الجزية التى كانت تؤخذ من القبط في عهد عمر بن الخطاب هبطت إلى أقل من النصف في عهد معاوية. وعملت على السرعة في تعرب مصر هجرات كثير من القبائل إليها حين سمعوا بزروعها وثمارها وطيبات الرزق فيها، وامتزجوا بسكانها عن طريق المعيشة والمصاهرة، مما أعدّ لتعرب من لم يدخل من القبط في الدين الحنيف، حتى إذا كنا في القرن الثالث الهجرى تمّ تعرب القبط برهبانهم وبطاركتهم وإن ظلت القبطية حية في بعض الأديرة.
وكان نشاط الشعر العربى بمصر محدودا زمن الأموبين لأن كثرة الجيش العربى الفاتح كانت من اليمنية، والشعر إنما يكثر على لسان القبائل المضرية والقيسية، وربما نظمت بها أشعار لم يسجّلها الرواة، حتى إذا كنا في زمن ولاتها العباسيين رأينا الشعر يأخذ في النشاط بها، ونزلها أبو نواس وأبو تمام، وازداد نشاطه فيها لعهد الدولتين الطولونية والإخشيدية ونزلها المتنبى وأحدث نزوله بها حركة أدبية خصبة.
وتتحول مقاليد الحكم فيها إلى الدولة الفاطمية. ويترجم الثعالبى في كتابه «اليتيمة» لكثيرين من شعراء مصر، ويفرد لها العماد الأصبهانى مجلدين في كتابه «الخريدة» ترجم فيهما لمائة وأربعين شاعرا، ويطّرد هذا الازدهار للشعر في مصر طوال زمن الأيوبيين والمماليك، وتظل منه بقية أيام العثمانيين.
ويكثر في مصر الشعر الدورى منذ ابن وكيع التنيسى في القرن الرابع الهجرى، وتكثر الرّباعيّات حتى إذا ازدهرت الموشحات في الأندلس درسها ابن سناء الملك شاعر صلاح الدين الأيوبى ووضع لها عروضها ورسومها كما وضع الخليل بن أحمد في القرن الثانى الهجرى عروض الشعر العربى ورسومه. ولابن سناء الملك فيها موشحات تشيع فيها حلاوة الجرس والسلاسة والعذوية، وبذلك كتب لها الذيوع الواسع بعده في مصر على ألسنة الشعراء مثل العزازى، وأكثر المتصوفة في زمن المماليك من النظم فيها وتلحينها في أذكارهم. ويستظهر الشعراء-منذ القاضى الفاضل-ألوان البديع ومحسناته، ويصبح التفنن فيها مقياس إبداعهم.
وأخذت-بعد ذلك-أترجم لأعلام الشعر في مصر طوال عصر الدول والإمارات محللا لشخصياتهم الأدبية وموزعا لهم على أغراض الشعر وموضوعاته الأساسية، فللمديح أعلام مبدعون من مثل ابن سناء الملك واضع عروض الموشحات، وللرثاء والشكوى أعلامهما النابهون مثل على بن النضر بملكته الشعرية
стр. 3154
الخصبة، وللدعوة الإسماعيلية أعلام مختلفون مثل ابن هانئ الشاعر الفاطمى، وللغزل أعلام وجدانيون مرهفون مثل البهاء زهير، وللفخر والهجاء أعلام مبرّزون مثل تميم بن المعز وابن الذّروى المقذع في هجائه، وللطبيعة ومجالس اللهو أعلامهما مثل الشريف العقيلى وله في الطبيعة المصرية ديوان كبير بديع، وللزهد والتصوف والمدائح النبوية أعلام يتغنون بالحب الإلهى مثل ابن الفارض وبالحب النبوى مثل البوصيرى، وللفكاهة أعلام تموج أشعارهم بالتندير والدعابات والتوريات والهزل مثل ابن دانيال وله مسرحيات هزلية بديعة. وعرضت شعراء الشعر الشعبى العامى وطرائف مما نظم أعلامه من فنونه في الأزجال والتوريات والفكاهات المستملحة. وبلغ عدد من ترجمت لهم من شعراء مصر الأفذاذ في عصر الدول والإمارات اثنين وأربعين شاعرا، ومع كل شاعر تصوير شخصيته الأدبية وخصائصه الفنية وروائع شعره. وقد ذكرت مع كل غرض من أغراض الشعر شاعرا نابها من الشعراء أيام العثمانيين. ولم أترجم لعشرات من شعراء مصر تكتظ بهم كتب الطبقات والتراجم لأنه لم يكن لأحدهم دور بارز في تطور الشعر بمصر، وأنا لا أكتب دائرة معارف لشعرائها على مرّ الأزمنة، وإنما أكتب تاريخها الأدبى في الشعر، ومن كان لهم دور في التطور به أتاح لهم مجدا أدبيّا كثيرا أو قليلا.
ومضيت أعرض النثر وكتّابه بمصر بادئا بالرسائل الديوانية منذ أنشأ أحمد بن طولون ديوان الإنشاء واتخذ له كتّابا مجيدين. ويعنى الفاطميون بهذا الديوان ويشتهر فيه غير كاتب بحسن بيانه، وخاصة في الحقبة الأخيرة من أيامهم. وتبلغ الرسائل الديوانية الذروة الأدبية على يد القاضى الفاضل وزير صلاح الدين، ويتألق نجمه وتصبح له مدرسة كبيرة، ويتكاثر تلاميذها في بقية أيام الدولة الأيوبية ودولة المماليك، وترجمت لأربعة من أعلام الكتابة الديوانية. وأخذت الرسائل الشخصية تزدهر بدورها منذ زمن الفاطميين، واتسع ازدهارها بعدهم، وترجمت لثلاثة من أعلامها النابهين. ويعنى بعض الكتّاب-منذ أيام الفاطميين-بكتابة المقامات، وقلّما تقوم على الشحاذة الأدبيّة مثل مقامات الحريرى، إنما تقوم على بعض مسائل علمية، أو على وصف الطبيعة، أو على قصص فكه، أو على وعظ، أو على مفاخرات بين الأزهار، أو بين السيف والقلم، وما إلى ذلك من موضوعات أدبية، وترجمت لأربعة من كتابها البارعين. وتكثر المواعظ والابتهالات والمناجيات الربانية على نحو ما صوّرت ذلك عند ثلاثة من أعلامها المهمين. وعرضت-بعد ذلك-أربعة من كتب النوادر
стр. 3155
هى: كتاب المكافأة لأحمد بن يوسف، وهو حكايات قصيرة لطيفة تحض على عمل الخير، وكتاب أخبار سيبويه في نقد الحكام والناس ممزوجا بالتّباله، وكتاب الفاشوش في حكم قراقوش وكان صلاح الدين ينيبه عنه أحيانا في حكم القاهرة، وصوّره ابن مماتى في طائفة من الأحكام الطائشة تحكى غفلته وحمقه وبلهه، وكتاب هز القحوف ويكتظ بنوادر لاذعة على لسان أهل الريف المصرى تصوّر بؤسهم أيام العثمانيين.
وتلا ذلك أربع سير شعبية: سيرة عنترة، والسيرة الهلالية، وسيرة الظاهر بيبرس، وسيرة سيف بن ذى يزن، وجميعها تصور البطولة العربية وفضائلها الرفيعة.
وعرضت أخيرا كتاب ألف ليلة وليلة وتاريخ نقله إلى العربية وما أضيف إلى قصصه الهندية من قصص بغدادية وقصص مصرية مع بيان ما يتميز به كل نوع من أنواع هذه القصص. وقد صاغت مصر الكتاب بلغتها العامية وانتشر بها في العالم العربى منذ عصر المماليك. وبنفس العامية انتشر في البلاد العربية من قديم ما ألّفته مصر من كتب السير الشعبية المذكورة آنفا: سيرة عنترة وأخواتها. وكان لذلك أثره الكبير في تعرف تلك البلاد على العامية المصرية قبل العصر الحديث بمئات السنين.
وهذه الدراسة المتشعبة لتاريخ الأدب العربى في مصر أثناء حقب طويلة تمتد من فجر تاريخها العربى إلى العصر الحديث جعلتنى أرجع إلى كل ما استطعت من المصادر والمراجع المتصلة بتاريخ مصر ودولها المتعاقبة، وبمجتمعها وطبقاته وشئونه المعيشية والعقيدية، وبالحركة العلمية فيها ونموها وازدهارها، مع العرض التاريخى لعلمائها الأفذاذ في علوم الأوائل والعلوم اللغوية والدينية والكتابة التاريخية. ورجعت أيضا إلى كل ما استطعت الاطلاع عليه من الشعر ودواوينه، وما اتصل به من الرباعيات والموشحات، كما رجعت إلى الكتابات النثرية المتنوعة من مثل الرسائل والمقامات والمواعظ والسير والقصص الشعبية، مع رسم الشخصيات الأدبية للشعراء والكتاب النابهيين وعرض خصائصهم الفنية عرضا نقديا تحليليا. ولا أزعم أنى صورت تاريخ الأدب العربى في مصر قبل العصر الحديث تصويرا كاملا، إنما حاولت، وأرجو ألاّ أكون قصرت. والله أسأل أن يلهمنى السداد في الفكر، والإخلاص في القول والعمل. وهو حسبى ونعم الوكيل.
القاهرة في ٢٠ من مارس سنة ١٩٩٠ م.
شوقى ضيف