كما مر بنا، ولم يلبث أن قتله سنة ٤٠١ وولّى بعده مالك بن سعيد الفارقى، ولم يلبث أن سفك دمه (١). وإذن فقتل الحاكم لجماعة من أهل السنة ليس دليلا كافيا على اضطهاد الفاطميين لهم إذ كان لا يبقى ولا يذر من كبار دعاته وقضاته ورجال دولته الإسماعيليين.
ومما يذكر من اضطهاد الفاطميين لفقهاء أهل السنة أن الخليفة الظاهر (٤١١ - ٤٢٧ هـ) أمر بطرد (٢) الفقهاء المالكية من مصر أى الفسطاط سنة ٤١٦. وينقض هذا الخبر كتاب رواه عنه صاحب النجوم الزاهرة حمل فيه حملة شعواء على من يؤلّهون عليا وأباه الحاكم، وفيه يقول:
«قالوا فى آبائنا وأجدادنا منكرا من القول وزورا، ونسبونا بغلوهم الأشنع، وجهلهم المستفظع إلى ما لا يليق بنا ذكره، وإنا لنبرأ إلى الله تعالى من هؤلاء الجهلة الكفرة الضّلاّل» (٣). ومثله لا يضطهد المالكية ولا ينفيهم من البلاد. وكان لا يزال بمصر فى عهده عبد الوهاب بن على البغدادى المالكى أحد الأئمة المالكية المجتهدين فى المذهب، نزل مصر لضيق حاله ببغداد وتوفى بها سنة ٤٢٢ يقول السيوطى: «أكرم بمصر وتموّل وسعد جدّا، ومرض فكان يقول فى مرضه: لا إله إلا الله عندما عشنا متنا (٤)». فمصر فى عهد الخليفة الظاهر وقبله وبعده كانت لا تزال مركزا كبيرا للإشعاع العلمى والدراسات الدينية، ينزلها العلماء ليشاركوا فى نهضتها العلمية، وينزلها طلاب العلم ليتزودوا منها خير زاد. ونضرب مثلا بمكى بن أبى طالب القيسى القيروانى المتبحر فى القراءات المتوفى سنة ٤٣٧ والمولود سنة ٣٥٤ فقد جاءها يطلب العلم فيها سنة ٣٦٧ ثم عاد إليها سنة ٣٧٤ ورحع إلى بلده ثم عاد سنة ٣٧٧ لأخذ القراءات عن شيوخها ورجع إلى القيروان سنة ٣٨٠ ثم عاد سنة ٣٨٢ لاستكمال القراءات، ومضى بعد سنوات إلى جامع قرطبة بالأندلس يقرى فيه الناس (٥). ومثله أبو عمر والدانى الأندلسى نزل مصر سنة ٣٩٧ وحمل القراءات عن أساتذتها وهو فى الخامسة والعشرين من عمره (٦). فهذان عالمان سنّيان جليلان نزلا مصر لعهد العزيز والحاكم على الترتيب ووجدا فيها ما يكفل لهما الإقامة بها والعيش فيها.
وممن نزل مصر من كبار المحدثين النقاش الحافظ المتوفى سنة ٣٦٩ وأبو سعيد المالينى المتوفى سنة ٤١٢ وأبو نصر السجزى المتوفى سنة ٤٤٤ ونزلها فى العقد الثانى من القرن السادس أكبر حفاظ
стр. 3222
الحديث فى عصره. الإمام السّلفى. ونزلها من كبار فقهاء الشافعية أبو العباس الدّيبلى المتوفى سنة ٣٧٣ وأبو الحسن الحلبى المتوفى سنة ٣٩٦ وأبو الفضل البغدادى المتوفى سنة ٤٤١ وأبو القاسم العراقى المتوفى سنة ٤٧٧ وأبو الفتح المقدسى المتوفى سنة ٥١٨، ونزلها من فقهاء المالكية الأبهرى الصغير وعبد الله بن الوليد الأندلسى المتوفى سنة ٤٤٨ وعبد الجليل بن مخلوف الصقلى المتوفى سنة ٤٥٩ وأبو بكر الطرطوشى الأندلسى المتوفى سنة ٥٢٥ وأبو العباس الفاسى (١) المتوفى سنة ٥٦٠.
وإذا كان هؤلاء العلماء والطلاب الوافدون وجدوا فى مصر مستقرا لهم ومقاما فأولى أن يجد ذلك أبناؤها، وأيضا فإن وراءهم كثيرين من محدثى مصر وفقهائها الشافعيين والمالكيين والقراء يعدّون بالعشرات على طول السنوات فى عهد الدولة الفاطمية، مما يؤكد أن الفاطميين لم يعلنوا معارضة هذه الدراسات، بل لعلهم كانوا يشجعون كثيرين من أهلها ومن الوافدين عليهم، حتى ليقول نزيلها الإمام عبد الوهاب المالكى قولته السالفة: «عندما عشنا متنا». ولعلنا لسنا فى حاجة إلى كل هذه الأدلة لنبرهن على أن الفاطميين لم يقفوا حجر عثرة ضد نشاط أهل السنة ومذهبى الفقه الشائعين حينئذ فى مصر: المذهب الشافعى والمذهب المالكى فإن القلقشندى يشهد لهم بذلك شهادة بيّنة إذ يقول عنهم: «كانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح فى الجوامع والمساجد على خلاف معتقدهم. . ومذاهب مالك والشافعى وأحمد (بن حنبل) ظاهرة الشّعار فى مملكتهم بخلاف مذهب أبى حنيفة، ويراعون مذهب مالك ومن سألهم الحكم به أجابوه (٢)». وهو محق فى مذهب أبى حنيفة إذ لم يكن له نشاط بمصر فى عهد الفاطميين، أما مذهب ابن حنبل فغير محق فى إثبات نشاط له حينئذ إذ كان نشاطه مثل نشاط مذهب أبى حنيفة يكاد يكون معدوما.
على كل حال هذه شهادة صريحة للفاطميين بأنهم كانوا يترضّون أهل السنة، وحقا حين دخلوا مصر أسندوا وظيفة قاضى القضاة إلى النعمان فقيههم وتوارثها بعده بعض أبنائه وأحفاده، ثم ولوها بعض شيعتهم. ويبدو أنهم أخذوا فى عصر المستنصر (٤٢٧ - ٤٨٧ هـ) يتركون هذه السياسة، إذ عيّنوا على رأس القضاة فقيها شافعيا هو أبو عبد الله محمد (٣) بن سلامة القضاعى أحد أئمة زمنه المتوفى سنة ٤٥٤. ويبدو أن كثيرين من القضاة الفرعيين فى الإسكندرية وغيرها كانوا
стр. 3223
شافعين أو مالكيين. ويتولى الوزارة بدر الجمالى (٤٦٨ - ٤٨٧ هـ) ثم ابنه الأفضل (٤٨٧ - ٥١٥) ويصبحان وليى الأمر ويحجران على الخلفاء وكانا لا يعارضان أهل (١) السنة ولا يتعصبان ضدهم. وحين يتولى أحمد الأفضل حفيد بدر الوزارة يعين أربعة قضاة: شيعيا إسماعيليا وشيعيا إماميا ومالكيا وشافعيا (٢). ويظهر أن هذا أصبح تقليدا منذ صنع أحمد الأفضل هذا الصنيع سنة ٥٢٥.
وينزل فى الإسكندرية السّلفى أكبر حفاظ الحديث فى العصر ويأخذ فى إملائه، ويتوافد عليه الطلاب من مصر وغير مصر، ويتولى الإسكندرية العادل بن السلار فى عهد الحافظ (٥٢٤ - ٥٤٣ هـ) وكان شافعى المذهب مثل السلفى فاحتفل به وزاد فى إكرامه وبنى له مدرسة فوّض تدريسها إليه، يقول ابن خلكان: وهى معروفة باسمه إلى الآن أى فى زمنه (٣). وفى صبح الأعشى سجلّ بإسناد هذه المدرسة إلى الفقيه السلفى والقيام على نفقة من فيها من القراء والفقهاء والمرابطين والصلحاء وطلبة العلم من أهل الإسكندرية ومن الواردين إليها والطارثين عليها سواء كانت النفقة نقدا أو غلة، مع بيان أنه أعدّ لهم جميعا فيها المثوى والمسكن. وبذلك يكون ما ذكره المقريزى وغيره من أن المدارس لم تعرف فى مصر إلا فى عهد صلاح الدين غير صحيح (٤)، فقد كانت بها مدرسة السلفى المذكورة، وكانت مدرسة سنية شافعية. ونفس دار العلم يمكن أن نعدها مدرسة بالمعنى الكبير الذى كان لنظامية بغداد، إذ كانت مؤسسة علمية كبرى.
وكانت الدولة الفاطمية قد انتهت إلى انحلال وفساد شديد وأخذ الظلام يعم ديارها فى مصر والشام. وفى غفلة من الزمن يستولى حملة الصليب على بيت المقدس وساحل الشام على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى، ويستغيث الفاطميون بنور الدين صاحب حلب، ويرسل إليهم بجنود على رأسها أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، وتتطور الظروف سريعا، وينهى صلاح الدين حكم الفاطميين ويقبض على صولجان الحكم، ويكاد يقضى على الصليبيين فى الشام إلا قليلا ويستولى على بيت المقدس وتتكاثر فتوحاته، ويحقق للعرب والمصريين الزعيم المنتظر لتخليص البلاد من حملة الصليب. وعلى نحو ما قاد هذه الفتوح قاد نهضة علمية رائعة، إذ كان محبا للدراسات الإسلامية شغوفا بها وخاصة بالحديث النبوى مما جعله ينزل الإسكندرية ليتلقاه على
стр. 3224
السلفى أكبر حفاظه فى عصره. وكان يستمع إلى الفقهاء ويروى أنه تلقى على بعض الشيوخ موطأ مالك برواية فقيه الإسكندرية الطرطوشى المالكى (١)، بينما كان السلفى شافعيا، وكان صلاح الدين نفسه شافعى المذهب. ولعل فى ذلك ما يفسر اهتمامه بفقهاء المذهبين، بل لقد ضم إليهم أيضا فقهاء المذهب الحنفى، فإذا هو ينشى خمس مدارس بالقاهرة والفسطاط، أنشأ اثنتين منها فى أثناء وزارته للعاضد آخر الخلفاء الفاطميين سنة ٥٦٦: مدرسة لفقهاء الشافعية بجوار جامع عمرو سميت مدرسة ابن زين التجار باسم الشيخ الذى فوّض إليه تدريس الفقه الشافعى بها ثم عرفت باسم المدرسة الشريفية، ومدرسة لفقهاء المالكية بالقرب منها سميت المدرسة القمحية للقمح الذى كان يأتيها من ضيعة بالفيوم وقفها عليها صلاح الدين، حتى إذا استولى على مقاليد الحكم بمصر أنشأ ثلاث مدارس اثنتين للشافعية إحداهما بجوار مسجد الشافعى والثانية بجوار مشهد الحسين، أما الثالثة فجعلها للحنفية وسميت السيوفية (٢). والمهم أنه رتّب لكل هذه المدارس الأساتذة والمدرسين والمعيدين، فقد كان نظام الإعادة معروفا حينئذ، ورتّب لها أيضا الأئمة والمؤذنين والقومة والطلاب، وجعل لكل مدرسة أوقافها الخاصة للإنفاق المستمر عليها فى حياته وبعد وفاته، وألحق بكل مدرسة مساكن للمعلمين والطلبة. وكأن كل مدرسة كانت تشبه كلية من كليات الجامعات فى عصرنا، فمع كل مدرسة مساكنها وميزانيتها للإنفاق اليومى والشهرى عليها.
وبذلك تبدأ مصر دورة علمية كبيرة فى عهد الدولة الأيوبية لا فى عهد صلاح الدين وحده، بل أيضا فى عهد من خلفوه من الأيوبيين، إذ كانوا فى جملتهم علماء، وكذلك كان وزراؤهم وأمراؤهم منذ عهد صلاح الدين نفسه، ولكثيرين منهم مدارس أنشأوها فى الفسطاط والقاهرة عدّدها المقريزى-والطريف أنه اشترك معهم فى إنشائها بعض التجار-وقد بلغ بها خمسا وعشرين مدرسة (٣). ويبدو أن إحصائيته غير كاملة، فإنه لم يقف عند مشهد الحسين وقفة توضح أنه كان مدرسة كبقية المدارس. ونستطيع أن نميز بين هذه المدارس ثلاث مدارس للفقه الشافعى وراء المدارس التى أنشأها صلاح الدين، إحداها أنشأها ابن أخيه تقى الدين عمر بن شاهنشاه وسميت مدرسة منازل العز وهو اسم المنازل التى أقيمت فيها، وكان مما وقفه عليها
стр. 3225
جزيرة الروضة المعروفة الآن بالقاهرة والثانية المدرسة الشريفية بناها أحد أمراء الدولة الأيوبية سنة ٦١٢. والثالثة المدرسة الفائزية بناها الوزير الفائزى سنة ٦٣٦. وبالمثل نستطيع أن نميز للفقه المالكى بجانب المدرسة القمحية التى أنشأها له صلاح الدين المدرسة الصاحبية التى بناها له الصاحب ابن شكر وزير السلطان العادل. وأيضا نستطيع أن نميز للفقه الحنفى بجانب المدرسة السيوفية التى أنشأها صلاح الدين مدرستين إحداهما سميت الأزكشية بناها أحد الأمراء، والثانية سميت العاشورية أنشأتها إحدى كريمات الأمراء. وهناك مدارس بنيت لأصحاب الفقه الشافعى والمالكى مثل مدرسة القاضى الفاضل، وأخرى بنيت للفقه الشافعى والحنفى مثل المدرسة القطبية التى أنشأتها السيدة مؤنسة ابنة السلطان العادل. ويبنى السلطان نجم الدين أيوب بأخرة من زمن هذه الدولة سنة ٦٤١ مدرسة كبرى للمذاهب الأربعة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل، وهى أول مرة أو أول مدرسة تعنى فيها مصر بدراسة الفقه الحنبلى. وينشى السلطان الكامل سنة ٦٢٢ أول مدرسة تعنى بالحديث النبوى تسمىّ دار الحديث الكاملية نسبة إليه.
ويلاحظ ابن خلكان ومن بعده ابن تغرى بردى أن جميع المدارس التى أنشأها صلاح الدين لم تسمّ منها مدرسة باسمه، مع ما رتّب لها من الأوقاف العظيمة، ومع ما كان له من الفتوحات الكبيرة (١).
وهذه المدارس جميعا كانت تعنى بالدراسات الإسلامية من الحديث والتفسير والقراءات، وبالدراسات اللغوية من النحو وغير النحو وكذلك الدراسات البلاغية، لأن الفقيه فى أى مذهب لا يتم تكونه إلا مع إتقانه هذه الدراسات. وأهمل صلاح الدين وخلفاؤه الجامع الأزهر لأنه كان مركز الدعوة الإسماعيلية، غير أن الجوامع الأخرى والمساجد الكبرى ظل بها بعض النشاط العلمى، وكان صلاح الدين ينفق عليها وعلى علمائها وطلابها كما كان ينفق على مدارسه السالفة، وفى ذلك يقول ابن جبير الذى زار القاهرة والفسطاط لعهده سنة ٥٧٨: «ما من جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان (صلاح الدين) يعمّ جميع من يأوى إليها ويلزم السّكنى فيها، تهون عليه فى ذلك نفقات بيوت الأموال (٢)».
وكانت الإسكندرية فى عهد الفاطميين مثل الفسطاط مركزا لدراسات أهل السنة، وقد بنى فيها ابن السلار-كما أسلفنا-مدرسة فوض الإشراف عليها للحافظ السّلفى الشافعى، ويبدو أن
стр. 3226
صلاح الدين أنشأ فى الإسكندرية مدارس جديدة كما يفهم من كلام ابن جبير إذ يقول: «ومن مناقب هذا البلد (الإسكندرية) ومفاخرة العائدة فى الحقيقة إلى سلطانه (صلاح الدين) المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية، فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوى إليه ومدرّسا يعلمه الفن الذى يريد تعلمه وإجراء يقوم به فى جميع أحواله (١). وأخذت المدارس تعمّ مدن مصر الكبرى يبنيها ولاة صلاح الدين عليها ومن جاءوا بعده، وأيضا أمراء بيته، من ذلك أن تقى الدين عمر بن شاهنشاه ابن أخيه بنى فى الفيوم مدرستين إحداهما للشافعية والثانية للمالكية (٢)، وتأسست بأسوان مدرسة مبكرة (٣)، وأنشأ ابن هبة الله حاكم قوص سنة ٦٠٧ المدرسة النجيبية (٤) بها. ويبدو أنه لم تكد تخلو بلدة كبيرة فى مصر لعهد الأيوبيين من مدرسة. وكانت بها جميعا الجوامع والمساجد، واشتهرت الإسكندرية منذ العصر الفاطمى بجامع العطارين الذى بناه بدر الجمالى، وظل به نشاط علمى وافر زمن الأيوبيين، وبالمثل كانت الجوامع الكبرى فى دمياط والمحلة وطنطا والمنيا وأسيوط وقوص وإسنا، إذ نقرأ فى كتب التراجم من حين لآخر عن علماء كانوا يعنون فى هذه البلدان بدراسات الفقه والحديث والقراءات.
وتنشأ-بجانب المدارس السالفة-مدارس كثيرة فى عهد المماليك، ويعدّدها المقريزى ويذكر تاريخ إنشائها والأوقاف التى رصدت لها، وتبلغ عنده نحو خمس وأربعين مدرسة، بناها سلاطين المماليك وأمراؤهم وأحيانا بعض نسائهم وأمهاتهم، وقد عدّ للشافعية منها أربعة:
المدرسة (٥) الطيبرسية والحسامية والسابقية والمجدية الخليلية، وللحنفية ثلاثا: الغزنوية والجمالية والمهمندارية. ومدارس مختلفة بنيت لمذهبين مثل المدرسة الأقبغاوية والجاى ومدرسة أم السلطان وكذلك المدرسة الظاهرية وجميعها للشافعية والحنفية ومثل المدرسة الحجازية والمسلمية وهما للشافعية والمالكية، ومثل المنكوتمرية للمالكية والحنفية. وبنيت للمذاهب الأربعة مدارس مختلفة مثل المدرسة المنصورية للمنصور قلاوون والناصرية لابنه محمد الناصر.
ويقول ابن بطوطة الذى زار القاهرة والفسطاط سنة ٧٢٦ لعهد محمد الناصر بن قلاوون:
стр. 3227
«أما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها». وظلت المدارس تتكاثر بعد زيارته لمدة نحو قرنين من الزمان طوال عصر المماليك. ولن نستطيع الوقوف عند جميع هذه المدارس لمعرفة نشاطها العلمى ونكتفى منها بثلاث هى المدرسة الظاهرية للظاهر بيبرس والمنصورية للمنصور قلاوون والناصرية لابنه الناصر. أما الظاهرية (١) فتم إنشاؤها لأوائل عهد المماليك سنة ٦٦٢ وقد جعلها الظاهر لتدريس الفقه الشافعى والحنفى وتدريس القراءات والحديث النبوى، وأجرى الرواتب على أساتذتها وطلابها وألحق بها مساكن لهم كما ألحق بها مكتبة تشتمل على أمهات الكتب فى سائر العلوم وبنى بجانبها مكتبا لتحفيظ أيتام المسلمين كتاب الله وأجرى لمن به من الأطفال الجرايات والكسوة، وأوقف عليها الرّبع أو الحى المعروف اليوم باسم تحت الربع، وكان ربعا كبيرا مملوءا بالدور والحوانيت. أما المدرسة المنصورية (٢) فأنشأها السلطان المنصور قلاوون لأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة سنة ٦٨٤ وجعل لكل مذهب مدرّسا وثلاثة من المعيدين ومقرئا للذكر الحكيم وخمسين طالبا، وأجرى عليهم جميعا وعلى قومتها وفراشيها الرواتب، وبنى بجوارها مكتبا لتحفيظ ستين من أيتام المسلمين القرآن الكريم، وأسند لفقيهين القيام على ذلك مع إجراء الجرايات على الأيتام والكسوة فى الشتاء والصيف. وبنى تجاه المدرسة قبة عظيمة جعل فيها خمسين مقرئا ودرسا للحديث ودرسا للتفسير ومع المدرسين الطلاب وكذلك مع المقرئين. وجعل فيها مكتبة كبيرة تشتمل على شتى أنواع العلوم والآداب، وجعل لها أمينا ومساعدين له وفراشين وبوابين. وحاكى الناصر أباه قلاوون فبنى مدرسة للمذاهب (٣) الأربعة سنة ٧٠٣ وجعل بها مكتبة جليلة ورصد لها أوقافا كثيرة. وبالمثل كان كل من يبنى مدرسة يقف عليها ما يحفظ لعلمائها وطلابها نفقاتهم وكثيرا ما كانوا يلحقون بها مساكن لهم.
ولم تكن المدارس وحدها ساحات العلم لعهد المماليك، فقد كان يشركها الجوامع والمساجد.
وفى مقدمتها الجامع الأزهر، وكانت قد تعطلت فيه الدراسة طوال عهد الأيوبيين كما تعطلت فيه أحيانا صلاة الجمعة إلى أن أعادهما عز الدين الحلى نائب الظاهر بيبرس سنة ٦٦٥ فصلى فيه الجمعة ورتب فيه مدرسا للفقه الشافعى ومحدّثا لإملاء الحديث النبوى وسبعة لقراءة الذكر الحكيم ورصد لذلك أوقافا وافرة (٤). وسرعان ما أخذ الأزهر دوره التاريخى العظيم، فغدا أكبر جامعة
стр. 3228
للدراسات الإسلامية واللغوية. ويشيد المقريزى المتوفى سنة ٨٤٥ بالدراسات فى هذا الجامع أو الجامعة قائلا: «لا يزال جامع الأزهر عامرا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم: الفقه (على المذاهب الأربعة) والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجد فى غيره (١)». واهتم به السلاطين والأمراء وأرباب الأموال، فرصدت له أوقاف كثيرة على مر السنين. وزخر جامع ابن طولون بنشاط علمى جم منذ عهد السلطان المنصور لاجين (٢) سنة ٦٩٤ فقد رتب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة ودرسا للتفسير ودرسا للحديث النبوى، وألحق به مكتبا لتحفيظ القرآن الكريم. وبالمثل عنى بيبرس الجاشنكير بعمارة جامع الحاكم سنة ٧٠٣ ورتب (٣) فيه دروسا لإقراء الفقه على المذاهب الأربعة والحديث النبوى والقراءات، وألحق به خزانة كتب نفيسة.
وهذا النشاط العلمى فى مساجد القاهرة والفسطاط ومدارسهما كان يلتقى به نشاط مماثل فى الإسكندرية ومدن مصر الكبرى. وهو نشاط كان يشرك علماء مصر فيه كثير من علماء البلاد العربية الأخرى التى أخذت تفسح لهم فى مدارسها، بل أخذت تضمهم إلى صدرها، إذ شعرت بقوة أنها حاملة لواء العلم والفكر العربيين وأنه ينبغى أن تعمل بقوة لتحميهما إزاء غارات أعداء الإسلام على صقلية والأندلس وغارات حملة الصليب على الشام وأخيرا غارات التتار على إيران والعراق وديار الشام، بحيث أصبحت مصر منذ عهد صلاح الدين ملاذ الحضارة العربية وموثل علومها وفكرها وآدابها، وكأنما انتدبت نفسها لهذه المهمة الخطيرة، فهى تعنى عناية واسعة بإنشاء المدارس، وهى تستقبل علماء الأقطار العربية المذكورة وتسند إليهم كثيرا من المناصب العلمية، وأحيانا المناصب الوزارية، فقد كان على سبيل المثال لصلاح الدين وزيران: القاضى الفاضل والعماد الأصبهانى، والأول شامى والثانى عراق الثقافة أصبهانى المولد. وأيضا فقد نزلها كثيرون من علماء المغرب بسبب اختلال الحكم وضعف الحكومات. ومن يرجع إلى كتاب مثل حسن المحاضرة للسيوطى وما يذكر فيه-على الترتيب الزمنى-من أسماء الأئمة المجتهدين وحفاظ الحديث النبوى وفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة وأئمة القراء وعلماء النحو واللغة والتاريخ والصوفية والوعاظ وأصحاب علوم الأوائل من الطب وغيره يخيّل إليه أنه لم تبق بلدة فى العالم
стр. 3229
الإسلامى العربى إلا بعثت إلى القاهرة والإسكندرية بشيوخها وبطلاب العلم فى هذه الحقب التى امتدت من الدولة الأيوبية سنة ٥٦٧ إلى نهاية عصر المماليك سنة ٩٢٢، بل ظلت من ذلك بقية فى أيام العثمانيين.
ونهضت مصر بدور مهم فى حماية العلوم، فقد رأت من واجبها أن تعنى بتدوين كل ما خلّفه السلف خوفا من ضياعه، وخاصة أمهات التراث العربى وأصوله، وانتهجت لذلك نهجا سديدا فى توثيق روايتها وأخذها عمن حرّروا صياغتها وضبطوها أدق ضبط، فهى لا تؤخذ من الصحف المكتوبة مباشرة بل تؤخذ سماعا عن الشيوخ الثقات ويرويها جيل عن جيل بمنتهى الدقة ولا يرويها إلا من شهد له شيخ بأنه جدير بروايتها، على نحو ما هو معروف فى نظام الإجازات.
ووضعت مصر لطلاب كل علم متونا، ووضعت عليها شروحا، وشرحت الشروح أحيانا، ونحن لا نقرؤها الآن حتى يروعنا أن علماءها كانوا فى هذه الشروح لا يتركون لعالم سالف منذ القرن الثانى للهجرة حتى زمنهم رأيا إلا دوّنوه، وبذلك تستحيل بعض الشروح وحواشيها إلى ما يشبه دوائر معارف فى العلم الذى تتناوله، إذ تعرض فيها آراء العلماء على اختلاف الأزمنة واختلاف البلدان العربية. وامتازت الحركة العلمية لعهد المماليك بكتابة دوائر معارف كبرى تجمع مواد فنون كثيرة، من ذلك كتاب نهاية الأرب للنويرى المتوفى سنة ٧٣٣ وهو يتناول علوم الفلك والجغرافية والتاريخ الطبيعى والحيوانات والزواحف والطيور والصيد والنباتات والثمار والأزهار والإنسان وعاداته وطرق الحكم ووظائف الدولة وشئون السياسة وتاريخ الدولة العربية من أقدم الأزمنة حتى زمن النويرى. ويشبه هذه الدائرة كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى المتوفى سنة ٧٤٩ وهو فى جغرافية العالم العربى والعلوم الطبيعية والحيوانية والنباتية وتاريخ الدولة العربية وأعلامها فى الشعر والنثر على مر السنين. ومن كتب دوائر المعارف الأدبية كتاب «المستطرف فى كل فن مستظرف» لمحمد بن أحمد الأبشيهى (١) المتوفى سنة ٨٩٨ والكتاب موزع على ٤٨ بابا فى القرآن وفضله والعقل والعلم والأدب والحكم والأمثال والبيان والبلاغة وسياسة الملك والعدل والشرف والجود والبخل والشجاعة والعمل والكسب والحيوانات والحشرات والبحار والأنهار والجبال وعجائب المخلوقات وغير ذلك.
ولعل فى ذلك ما يصور خطأ الأحكام الجائرة التى صبّت على مصر وخاصة أيام المماليك.
إذ نعت المؤرخون للأدب العربى هذه الحقب المتطاولة بأنها كانت زمن انحطاط وركود فى جميع
стр. 3230
جوانب الحياة العقلية، وهو ما تنقضه الحقائق السابقة نقضا، وسيتضح هذا النقض بصورة أدق حين نعرض فى الفصول التالية لوجوه النشاط العلمى، فسنرى أن مصر لم تشهد حقبا علمية مزدهرة بمقدار ما شهدت فى زمن المماليك، وكان كثير منهم مثقفين مثل الأيوبيين، وعملوا على إذكاء النهضة العلمية بما أنشأوا من المدارس وما ألحقوا بها وبالمساجد من المكتبات وما رصدوا لها من أوقاف كثيرة تكفل للعلماء والطلاب حياة علمية خصبة.
ويكتب لهذه الحركة العلمية العظيمة أن تتوقف ويصيبها غير قليل من الخمود إذ احتلت جحافل العثمانيين مصر، وجرّدها السلطان العثمانى الفاتح سليم من كثير من علمائها وقضاتها وحشدهم فى السفن إلى عاصمته إستانبول. وجرد بعض المدارس من أعمدتها ورخامها الملون وكتبها النفيسة، وما توافى سنة ٩٢٨ حتى تلغى وظائف قضاة المذاهب الأربعة التى كانت قائمة بالقاهرة منذ عهد الظاهر بيبرس ويحل محلهم قاضى العسكر. وكل ذلك عمل على انتكاس الحركة العلمية بمصر، ومع ذلك ظلت جذوات منها تتقد فى الجامع الأزهر وفى بعض المدارس، إذ نسمع فى ترجمة هذا العالم أو ذاك أنه كان يدرس فى المدرسة السيوفية الحنفية التى أنشأها صلاح الدين أو فى المدرسة الصالحية التى أنشأها السلطان الصالح نجم الدين أيوب أو فى المدرسة الأقبغاوية التى أنشئت فى عهد الناصر محمد بن قلاوون، ويذكر الجبرتى مدارس لم يذكرها المقريزى فى خططه مثل المدرسة الغورية التى أنشأها السلطان الغورى، ومثل المدرسة السنانية (١)، ويردد ذكر القطبانية والجنبلاطية والأشرفية (٢)، وأكبر الظن أنها كانت مدارس ناشطة هى الأخرى.
ومع ما أصاب مصر وحركتها العلمية من الفتح العثمانى الذى جثم على صدر البلاد وكان عاملا مهما فى خمود الدراسات العلمية بها، فإن مصر ظلت ملاذا للعلماء من جميع الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط، وظلت القاهرة موئلهم جميعا يفدون عليها للتعلم فى الجامع الأزهر والاختلاف أحيانا إلى بعض المدارس، حتى إذا نضج أحدهم علميا أصبح شيخا يتحلق حوله التلاميذ فى الجامع الأزهر أو فى أحد جوامع القاهرة ومدارسها، وقد يرجع إلى بلده يعلم فيها ما تلقن على شيوخه فى الأزهر، وكان قد أصبح منذ عصر المماليك أكبر جامعة إسلامية. ونذكر من مشهوريهم ابن طولون الدمشقى المؤرخ وعبد القادر البغدادى صاحب الموسوعة الأدبية المعروفة
стр. 3231
باسم خزانة الأدب والمقرى التلمسانى أكبر مؤرخى الأندلس، وبهاء الدين العاملى صاحب الكشكول. وعرّبت مصر بعض الولاة العثمانيين وأحالته مؤلفا أديبا مثل راغب باشا واليها سنة ١١٦٠ وموسوعة «سفينة الراغب» مشهورة. وقد ألف بالقاهرة الزبيدى اليمنى تاج العروس:
شرحه على القاموس المحيط للفيروزابادى. وبذلك ظلت مصر فى العهد العثمانى المظلم حامية للتراث العربى المتبقى بها وراعية لعلماء العالم العربى، بفضل مصابيح العلم التى كانت تضئ بها خاصة فى الجامع الأزهر. وما زالت شهرته تدوى فى العالم الإسلامى إلى اليوم، وجعل العثمانيون له رئيسا من كبار علمائه كانوا يسمونه شيخ الأزهر، ويعدّد الجبرتى شيوخه منذ سنة ١١٠٠ للهجرة إلى أن ينتهى إلى الشيخ عبد الله الشرقاوى معاصر الحملة الفرنسية.
٢ - علوم الأوائل-علم الجغرافيا
(ا) علوم الأوائل
مر بنا فى أول هذا الفصل أن مصر أسهمت فى نشأة العلم بمعناه العالمى سواء العلم الهندسى أو الرياضى أو الطبى، وتشهد لها الأهرامات بما كان فيها من علم هندسى، وتشهد لعلمها الرياضى (١) برديات رياضية فرعونية مختلفة، وبالمثل تشهد للعلم الطبى برديات فرعونية تدل على أن الطب والتشريح بمعناهما العلمى العالمى نشآ فى ديارها ورقيا رقيا بعيدا (٢).
وكان من الممكن أن تستمر مصر فى حركتها العلمية لولا ما دهمها من الغزو الأجنبى، واستطاعت أن تمصر البطالمة وأن تستعيد-كما أسلفنا-حركتها العلمية وإن اتخذت اليونانية لسانا لها، فنهضت بالإسكندرية عاصمتها حينئذ دراسات الهندسة والرياضة والفلك والطب، أما الهندسة فشاد صرحها إقليدس فى القرن الثالث قبل الميلاد، مكونا بالإسكندرية مدرسة هندسية كان لها شأن عظيم، وقد ظلت تدرس كتبه فى العربية وفى أوربا حتى القرن الماضى (٣)، وأما الطب فشهدت الإسكندرية فيه نهضة كبيرة على يد هيروفيلوس وأضرابه، وقد اشتهر بتشريحه
стр. 3232
العين ووصفه للشبكية وأعصاب النظر وتشريح المخ وتحديد وظيفة الشرايين وغير ذلك من مباحث طبية (١). وغزا مصر الرومان، كما أسلفنا، وظلت حركتها العلمية والفلسفية فى النمو، كما ظلت الإسكندرية زعيمة العالم الهيلينى فى العلوم. ومن أكبر علمائها حينئذ بطليموس المولود بالصعيد، غير أنه بارح مسقط رأسه مبكرا إلى الإسكندرية، حيث ظل يرصد الأجرام السماوية حتى منتصف القرن الثانى الميلادى، ولم يلبث أن سجل معلوماته الفلكية والرياضية والجغرافية فى كتابه «النظام الرياضى للنجوم» وقد سماه العرب «المجسطى» أى الأعظم بنفس اللقب الذى وضعه له اليونان. وله كتب أخرى منها موجز جغرافى، وكان لبحوث المجسطى وغيره تأثير عظيم فى علم الهيئة والفلك والرياضيات عند العرب (٢). ويلقانا هيرون، وهو أرشميدس صغير كما يقال، وله رسائل فى الرياضة والطبيعة والميكانيكا ترجمت إلى العربية، وتاريخه غير معروف فمن العلماء المعاصرين من يرجع به إلى القرن الثانى قبل الميلاد، ومنهم من يجعله فى القرن الثالث بعد الميلاد (٣). ونفذت مصر فى هذا القرن عند أفلوطين المتوفى سنة ٢٧٠ للميلاد إلى مذهب فلسفى كان تجديدا لفلسفة أفلاطون، ولذلك يسمى الأفلاطونية الجديدة. وظل نشاط مصر فى الطب عظيما، وقد نزلها جالينوس (١٣١ - ٢٠١ م) ولم يكتف بمقامه فيها بالإسكندرية، فقد جاس خلال ديارها حتى وصل جنوبيها والنوبة وبواديها (٤)، ومما لا ريب فيه أنه انتفع أكبر انتفاع بنهضة علم الطب والتشريح فى مصر، وترك فى الإسكندرية بعده مدرسة عنيت بدراسة كتبه وتلخيصها، وقد عقد ابن أبى أصيبعة لأعلامها فصلا مستقلا (٥). وظلت الإسكندرية كما كانت طوال عهد البطالمة نحو ستة قرون يهرع إليها جميع طلاب الطب من ولايات الإمبراطورية الرومانية، وكان حسب الطبيب للدلالة على براعته أن يقال إنه تعلم الطب فى الإسكندرية (٦).
وممن تعلم الطب بها فى القرن السادس سر جيوس من «رأس عين» بالموصل وإيتيوس من آمد بالموصل أيضا، ومن أطبائها فى أوائل القرن السابع أهرن القس السريانى الذى أمر
стр. 3233
عمر بن عبد العزيز بنقل كتابه من السريانية إلى العربية. وظل بالإسكندرية نشاط فلسفى بعد أفلوطين يمثله فى القرن السادس للميلاد يحيى النحوى شارح أرسطو والفيلسوف المسيحى يوحنا الأبامى (١). ومما لا شك فيه أن القبطية شركت اليونانية لزمن الرومان فى الدراسات العلمية والفلسفية، وانفردت بمباحث فقهية فى الدراسات الدينية. ومرّ بنا أن السريانية-وكانت منتشرة قبل الفتح العربى بأديرة مصر-دخلتها مع بعض القساوسة والرهبان فى القرنين السادس والسابع للميلاد.
ويظلّ مصر وكل ما كان بها من تراث علمى وفلسفى لواء الإسلام، ومعروف أن الإسلام لم يحارب فى أى بلد فتحه ما به من علم وفلسفة، ومرّ بنا كذب الأسطورة القائلة بأن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية، فقد أحرقها الرومان قبل نزوله مصر بنحو ستة قرون، وإنما أطلنا فى بيان هذا التراث لندل على أنه ظل طويلا، أما ما يقال من أن عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) نقل نشاط علماء الإسكندرية إلى أنطاكية وحران (٢) فلعله من باب المبالغة، وكل ما يمكن أن نتصوره أنه ربما انتقل بعض أطبائها وعلمائها من الإسكندرية إلى أنطاكية ليقتربوا من بيزنطة كما يقول ما يرهوف. أما ما ذكره ابن أبى أصيبعة من انتقال التراث اليونانى ومعلميه إلى أنطاكية وحران فيعتوره الشك لسبب بسيط وهو أن المفروض أن ينقل عمر بن عبد العزيز أصحاب التراث اليونانى من الإسكندرية إلى عاصمته دمشق لا إلى أنطاكية ولعل ابن أبى أصيبعة بالغ فى هذا الرأى. ويشهد لما نقوله ما يذكره ابن النديم من أن خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة ٩٢ هـ اهتم بعلم الكيمياء، أو كما يسميه الصنعة فأحضر إلى دمشق جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون بمصر وتفصحوا بالعربية وأمرهم بنقل الكتب فى الصنعة (الكيمياء) من اللسان اليونانى والقبطى إلى اللسان العربى (٣). فكان الطبيعى أن يصنع عمر بن عبد العزيز صنيعه فينقل علماء الإسكندرية إلى عاصمته لا إلى أنطاكية وخاصة أنه اهتم فعلا بنقل كتاب أهرون القس الإسكندرى فى الطب وكلف بذلك ما سرجويه البصرى كما هو معروف، ولو أنه نقل حقا علماء الإسكندرية إلى أنطاكية كما يقول ابن أبى أصيبعة لكلف أحدهم بنقله. وربما كان أكثر من هذا التصور منطقا أن يقال إن كثيرين من علماء
стр. 3234
الإسكندرية اليونانيين بارحوها مع اقتحام عمرو بن العاص لها، ويغلب أن يكونوا قد حملوا معهم كتبا كثيرة من التراث اليونانى خاصة. ومع ذلك فقد بقى منه ومن علمائه ما أتاح لحركة الإسكندرية العلمية أن تظل مستمرة، وإن فقدت كثيرا من نشاطها. يدل على ذلك العلماء الإسكندريون المستعربون المذكورون آنفا والذين استدعاهم خالد بن يزيد بن معاوية لترجمة كتب الصنعة، كما يدل على ذلك ابن أبجر طبيب عمر بن عبد العزيز الذى كان يتولى التدريس بالإسكندرية واستدعاه ولزمه فى خلافته، ويبدو أنه تعرف عليه حين كان أبوه واليا على مصر (٦٥ - ٨٦ هـ) ويقال إنه أسلم على يده (١).
ومن المؤكد أن أديرة مصر ظلت منذ العهد الرومانى تحتفظ بكثير من التراث اليونانى وخاصة فى الطب والكيمياء، كما ظلت الإسكندرية تحتفظ بشهرتها بالطب أجيالا. . يدل على ذلك أن نجد هرون الرشيد (١٧٠ - ١٩٣ هـ) يستدعى منها طبيبا مشهورا لعلاج إحدى جواريه هو بليطيان (٢) بطريرك الإسكندرية. وبالمثل ظلت مصر تحتفظ بشهرتها فى علم الكيمياء، ويذكر ألدومييلى كتابين فى الكيمياء ألفهما بمصر فى أوائل القرن الثالث الهجرى عالم أو علماء- كما يقول-من القبط (٣)، وممن اشتهر بمعرفة الكيمياء من المصريين ذو النون المتوفّى سنة ٢٤٥ واضع أسس التصوف كما مر بنا فى الفصل الماضى.
وتبدأ مصر فى زمن الخليفة المتوكل (١٣٢ - ١٤٧ هـ) باتخاذ المارستانات (٤)، ومعروف أنها كانت مستشفيات من جهة ومدارس لتعليم الطب من جهة ثانية. وسرعان ما يتولى مصر أحمد بن طولون، وينشى مارستانا جديدا أنفق عليه ستين ألف دينار، وكان به قسم للمجانين وحمامان: حمام للرجال وحمام للنساء، وكان يركب لزيارته فى كل يوم جمعة وتفقّد أطبائه وخزائن الدواء فيه (٥). ويذكر ابن أبى أصيبعة من الأطباء لزمنه إبراهيم بن عيسى والحسن بن زيرك وسعيد بن توفيل النصرانى وطبيب العيون خلف (٦) الطولونى، وله كتاب النهاية والكفاية فى تركيب العينين وخلقتهما وعلاجهما وأدويتهما ظل يؤلفه فى نحو أربعين عاما من سنة
стр. 3235
٢٦٤ إلى سنة ٣٠٢. وتظل مصر تعنى بالطب بعد الطولونيين، وترعاه الدولة الإخشيدية ويلمع اسم الطبيب سعيد بن البطريق بطريرك الإسكندرية المتوفى سنة ٣٢٨ وله فيه مؤلفات (١) مختلفة.
ومن الأطباء لعهد الإخشيد نسطاس (٢) بن جريج، وينشى كافور الإخشيدى مارستانا يرعاه غير طبيب، ومن الأطباء لعهده عيسى بن البطريق أخو سعيد، والبالسى وكان طبيبا متميزا فى معرفة الأدوية المفردة، وله فيها كتاب ألفه لكافور (٣).
وفى ذلك كله ما يدل على أن دراسة الطب ظلت ناشطة فى مصر، وبالمثل ظلت الكيمياء كما أسلفنا، وأيضا ظلت الرياضيات، ولعل خير من يصور ذلك أبو كامل شجاع بن أسلم الحاسب المصرى، عالم زمنه الرياضى، والمظنون أنه كان يعيش فى أواخر القرن الثالث الهجرى وأوائل الرابع، واشتهر بأنه نقّح علم الجبر الذى اكتشفه الخوارزمى. ويذكر ألدومييلى أن له رسالة فى المضلع ذوى الزوايا الخمس ترجمت إلى الإيطالية والألمانية وكتاب الطرائف فى الحساب وقد ترجم بدوره إلى الألمانية، ويذكر أيضا أن لكاربينسكى كتابا عن علم الجبر باسم الجبر عند أبى كامل (٤). ويقول القفطى إنه صاحب مدرسة وإن له تلاميذ تخرجوا فى علمه، لعل منهم على بن أحمد العمرانى الموصلى العالم بالحساب والهندسة الذى توفى سنة ٣٤٤ إذ يقول القفطى عنه إنه شرح كتاب الجبر والمقابلة لأبى كامل شجاع بن أسلم الحاسب المصرى، وله عدة كتب فى التنجيم. على كل حال تدل تصانيف أبى كامل شجاع أنه كان عالما حاذقا فى الرياضيات والهندسة. وكأن مصر ظلت طوال القرون الثلاثة الأولى للهجرة تهتم بهذا الجانب من تراثها العلمى حتى أنتجت فيه أبا كامل شجاعا.
وحقا نهضت بغداد كما مر بنا فى كتابى العصر العباسى الأول والثانى بترجمة التراث اليونانى فى العلوم والفلسفة وأضافت إليه التراث الفارسى والهندى فنقلتهما إلى العربية، وكل ذلك تحوّل سريعا إلى تراث عربى عام للأمة فى بغداد والقاهرة وغيرهما من بلدان العالم العربى الكبيرة، وقد بلغ من تمثل بغداد للرياضيات أن ابتكر الخوارزمى علم الجبر، وبلغ من تمثل القاهرة لما كان بها من مصنفات تتصل بالرياضيات أن تجرد أبو كامل شجاع بن أسلم الرياضى المصرى لتنقيح جبر الخوارزمى. واهتمت البيئات العربية بتنقيحه، فإذا على بن أحمد العمرانى الموصلى يعنى بشرحه
стр. 3236
وتفسيره لهذا التنقيح فى كتاب مستقل نوّه به وبأصله القدماء.
وظل النشاط محتدما فى الرياضيات وعلوم الفلك والتنجيم طوال زمن الفاطميين، ومن المنجمين لعهد المعز وابنه العزيز محمد (١) بن عبد الله العتقى وأبى (٢) عبد الله بن القلانسى، ومن أعظم الفلكيين بمصر وعند العرب قاطبة أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفى المصرى، وقد بدأ بعمل زيج كبير أو بعبارة أخرى بعمل لوحات فلكية مفصلة لعهد العزيز وأخذ فى تنقيح زيجه لعهد الحاكم ابنه وقد أقام له مرصدا ضخما كان قسما من دار العلم ويقال إنه أتم زيجه سنة ٣٩٧ وإنه كان يشغل أربع مجلدات ضخام، ويقول ابن خلكان إنه لم ير فى الأزياج على كثرتها أطول (٣) منه، وقد سماه الزيج الحاكمى الكبير ولم يلبث أن توفى سنة ٣٩٩.
ونزل مصر لعهد الحاكم أكبر علماء الرياضة والطبيعة العراقيين لزمنه أبو على الحسن بن الهيثم البصرى (٤)، وفرح الحاكم يقدومه وخرج للقائه على باب القاهرة. ولما وقف على خبل الحاكم سكن قبّة على باب الجامع الأزهر، ويقال إنه كان يكتب المجسطى فى الفلك والهيئة لبطليموس ومصنفات إقليدس فى الهندسة ويبيعها جميعا بمائة وخمسين دينارا. ويبدو أن نبوغه الفلسفى والرياضى والفيزيقى إنما تحقق فى مصر التى اتخذها سكنا له ومقاما لأكثر من ثلاثين عاما، وبها ألف كتابه «المناظير» فى العدسات وانعكاسات الضوء، وقد ترجم قديما إلى اللاتينية، وله تأثير علمى عالمى بعيد. وعليه تتلمذ كثير من المصريين وأخذوا منه كل ما عنده فى الطبيعيات والرياضيات والفلك والطب والفلسفة. والمظنون أن دار العلم كانت تعنى فيما تعنى بدروس الرياضيات والطبيعيات والفلك والفلسفة، إذ كان الخلفاء الفاطميون يعنون بالعلماء فى كل هذه الجوانب. وظلت هذه العناية متصلة فى عهد الظاهر بن الحاكم وعهد ابنه المستنصر. ومما يدل على النشاط فى الدراسات الفلكية والهندسية والفلسفية ما يرويه ابن السّنبدى من أنه رأى (٥) فى خزانة القصر الفاطمى سنة ٤٣٥ لعهد المستنصر من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصة ستة
стр. 3237
آلاف وخمسمائة جزء وكرة نحاس من عمل بطليموس الجغرافى وكرة أخرى من فضة من عمل أبى الحسين الصوفى لعضد الدولة البويهى.
ويشتهر من تلاميذ ابن الهيثم رياضى متفلسف هو مبشر (١) بن فاتك، ويقول القفطى قرأ عليه فضلاء زمانه. ويتكاثر الفلكيون والمنجمون والرياضيون بأخرة من القرن الخامس الهجرى لعهد الوزير الأفضل بن بدر الجمالى (٤٨٧ - ٥١٥ هـ) يقول المقريزى: «وكان منجمو الحضرة سنة ٥٠٠ سهلون وابن الحلبى وابن الهيثمى وغيرهم يطلق لهم الجارى فى كل شهر والرسوم والكسوة لعمل التقويم فى كل سنة (٢)» ثم يذكر أنه فكر فى عمل مرصد ضخم فنشط فى إقامته، ويذكر المقريزى أنه كان يعمل به من المهندسين أبو جعفر بن حسداى والقاضى ابن أبى العيش والخطيب أبو الحسن على بن سليمان بن أيوب والشيخ أبو النجا بن سند الساعاتى الإسكندرانى المهندس وأبو محمد عبد الكريم الصقلى المهندس إلى غيرهم من الحسّاب الرياضيين والمنجمين ويعدّد من ذكرناهم أولا ويضيف إليهم ابن دياب والقلعى وأبا نصر تلميذ سهلون. وينزل مصر لعهد الأفضل أمية بن أبى الصلت المتفلسف والأديب الأندلسى، ويكتب عن مصر وأدبائها وعلمائها رسالة مشهورة باسم الرسالة المصرية، وممن يذكرهم من الفلكيين المصريين رزق الله النحاس المصرى وعلى بن النضر، وقد ترجم لهما القفطى (٣)، وذكر من المهندسين المصريين أبا على المهندس، وله أيضا ترجمة فى القفطى (٤).
وتموج القاهرة بالأطباء منذ عصر المعز أول الخلفاء الفاطميين بمصر، ومن أطبائه موسى (٥) بن العازار الجراح اليهودى، ومن أطبائه وأطباء ابنه العزيز أبو عبد الله التميمى المقدسى (٦) وأحمد (٧) بن محمد البلدى وأبو سهل كيسان (٨) بن عثمان وأعين (٩) بن أعين ومنصور (١٠) بن مقشّر. ويخلف العزيز ابنه الحاكم ويتكاثر الأطباء فى عهده من مثل إسحق (١١) بن إبراهيم بن نسطاس وما سويه (١٢) وكان طبيبا وصيدلانيا وطبيب العيون أبى القاسم
стр. 3238
عمار (١) بن على وله المنتخب فى علاج أمراض العين. ومن أهم الأطباء حينئذ ابن (٢) رضوان المتوفى سنة ٤٥٣ هـ، وجعله الحاكم رئيسا على جميع الأطباء، وظل فى هذه الوظيفة نحو خمسين عاما، ودوّت شهرته فى العالم العربى مما جعل علماءه يكاتبونه ويرحل بعضهم إليه لمناظرته فى مسائل الطب، وممن رحل إليه من بغداد طبيبها ابن بطلان كما مر بنا فى حديثنا عنه فى الجزء الخامس من هذه السلسلة، ويقول ابن أبى أصيبعه موازنا بينهما: «كان ابن بطلان أعذب لفظا وأكثر ظرفا وأميز فى الأدب وما يتعلق به، وكان ابن رضوان أطبّ وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها». وقد ترجم شرحه لكتاب جالينوس فى الطب إلى اللاتينية، ونشر مرارا شرحه للمقالات الأربع لبطليموس فى علم الهيئة والفلك.
وتنشط صناعة الطب فى مصر بفضل ابن رضوان وتلاميذه، وأيضا بفضل دار العلم، فقد كان الطب يدرس فيها، إذ يذكر المقريزى فى حديثه عنها أن الحاكم أحضر منها فى سنة ٤٠٣ جماعة من الأطباء وكذلك من أهل المنطق للمناظرة بين يديه (٣). وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن المنطق كان يدرس بها هو وما يتصل به من الفلسفة. ومن الأطباء الذين عاصروا ابن رضوان على (٤) بن سليمان، وكان فى أيام العزيز والحاكم والظاهر، وكان متقنا للطب والفلسفة والعلوم الرياضية، وله فى الفلسفة والطب كتب مختلفة. وممن خلفوا ابن رضوان تلميذه إفرائيم (٥) بن الحسن اليهودى، وقد حصل من المستنصر وأبنائه على أموال كثيرة، وكان شغوفا بالكتب الطبية والفلسفية وغيرها، وكانت لديه منها خزانة كبيرة، واشتهر بأنه كان عنده دائما نسّاخ يكتبون له ما يريد من الكتب، ويذكر ابن أبى أصيبعة أن تاجرا عراقيا من تجار الكتب اشترى منه عشرة آلاف مجلد، وهمّ بحملها إلى العراق، وبلغ ذلك الأفضل بن بدر الجمالى فى أيام وزارته، فبعث إليه بالمال الذى اتفق مع العراقى عليه حتى لا تخرج هذه الكتب من مصر، ويقولون إنه حوّلها إلى مكتبته الخاصة وكانت تشتمل على خمسمائة ألف مجلد. ومن تلاميذ إفرائيم سلامة (٦) بن رحمون الطبيب، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه نصب نفسه لتدريس كتب المنطق والفلسفة الطبيعية والهيئة. ونظل نسمع عن أطباء فى العهد الفاطمى لا فى القاهرة
стр. 3239
فحسب، بل أيضا فى المدن مثل الحسين (١) بن منصور طبيب إسنا بالصعيد المتوفى فى أوائل المائة السادسة. ومن أهم الأطباء بالقاهرة ابن (٢) العين زربى وله كتاب الكافى فى الطب بدأ فى تأليفه سنة ٥١٠ وانتهى منه سنة ٥٤٧ قبل وفاته بعام واحد، ويقول ابن أبى أصيبعة: «كان له تلاميذ عدة يشتغلون عليه» وترجم منهم لطبيب يسمى بلمظفر (٣) بن المعرّف. ولحقت طائفة من تلاميذه العصر الأيوبى.
ولعل فيما قدمنا ما يوضح نشاط الأطباء وأصحاب الرياضيات والطبيعيات والفلك بمصر طوال زمن الفاطميين، ولم نحاول أن نحيل فى بيان صلة المصريين حينئذ بالفلسفة على الدعوة الإسماعيلية، كما يصنع بعض الباحثين المعاصرين، لأن المصريين لم يعتنقوا هذه الدعوة، وكان دعاتها يلقّنون تلاميذهم الفلسفة فى مراحل الدعوة حتى إذا وصلوا بهم إلى المرحلة التاسعة أحالوهم-كما يقول المقريزى-على ما يقرّر فى كتب الفلاسفة من علم الطبيعيات وما بعد الطبيعة والعلم الإلهى وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية. ومن المؤكد أن المصريين لم يقبلوا على هذه الدعوة بدليل أن دعاتها كانوا دائما من المغرب أو من الشام أو من أيران. ويبدو أنه كان للمصريين نشاطهم المستقل فى دراستهم للفلسفة عن طريق دراساتهم للطب وللرياضيات والطبيعيات، ومن يرجع إلى تراجم من عرضنا لهم فى ابن أبى أصيبعة والقفطى سيجد لهم مصنفات فلسفية متنوعة كثيرة.
وإذا تقدمنا إلى العصر الأيوبى وجدنا مصر تحمل بقوة مسئوليتها فى طرد الصليبيين من ديار الشام، ومع ذلك تظل الحركة العلمية نامية بها بفضل ما أنشأ فيها صلاح الدين وخلفاؤه الأيوبيون من المدارس. وتظل العناية متصلة بعلوم الأوائل، يدل على ذلك أنه يلقانا بعض البارعين فى الدراسات الفلسفية مثل السيف الآمدى المتوفى سنة ٦٣١ وأفضل (٤) الدين الخونجى المتفلسف المتوفى سنة ٦٤٢ وكان يتقن العلوم الفلسفية والدراسات الإسلامية وله تصانيف فى المنطق والطبيعيات، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه قرأ عليه بعض الكليات من كتاب القانون فى الطب لابن سينا، وقد ولاه السلطان الصالح نجم الدين أيوب قضاء مصر سنة ٦٣٨ بعد عزل شيخ الإسلام وإمام الأئمة شرقا وغربا-كما يقول السيوطى-عز الدين بن عبد السلام. ولعل
стр. 3240
فى ذلك ما ينقض كل ما قيل عن الأيوبيين من أنهم وقفوا الدراسات فى علوم الأوائل ولم يشجعوا عليها، فقد قدم السلطان الصالح نجم الدين أيوب أحد علمائها المتعمقين فى مباحثها على جميع فقهاء زمنه الشافعية. ويبرع فى عهد الأيوبيين مهندس رياضى كبير هو قيصر (١) بن أبى القاسم المتوفى سنة ٦٤٩ وهو من أصفون بالصعيد، كان فقيها حنفيّا عالما بالقراءات وتعلق بالرياضيات والموسيقى وأنواع الحكمة، وهو الذى أقام لأمير حماة نواعير نهر العاصى البديعة التى لا تزال تنحدر المياه فيها من علو شاهق إلى اليوم، مؤلفة بذلك منظرا بالغ الروعة. وكان فلكيا مبدعا، فأنشأ كرة سماوية عظيمة لا تزال محفوظة إلى الآن فى المتحف الوطنى لمدينة نابولى بإيطاليا.
وكان الأيوبيون يهتمون بالطب والأطباء منذ صلاح الدين، وقد بدأ هذا الاهتمام باتخاذه مارستانا ضخما فى القاهرة وفيه يقول ابن جبير: «مما شاهدناه بالقاهرة من مفاخر السلطان صلاح الدين المارستان وهو قصر من القصور الرائعة حسنا واتساعا (٢)» ويذكر أنه عين له قيما وضع لديه خزائن العقاقير. ويقول إنه وضعت فى مقاصر ذلك القصر أسرّة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسوة، وبين يدى القيم خدمة يتكفّلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشيا ويقدمون لهم ما يلزمهم من الأغذية والأدوية، ويذكر أن بالمارستان قسما خاصا بالمرضى من النساء ومعهنّ من الخدم من يتكفل بحاجاتهن، وقسما خاصا بالمجانين على مقاصيره شبابيك الحديد. ويقول ابن جبير إن بالفسطاط مارستانا آخر على مثال ذلك الرسم بعينه. وطبيعى أن يحتاج المارستانان إلى كثير من الأطباء. ولا بد أن نلاحظ أن المارستان فى القاهرة وبغداد جميعا كان دائما مدرسد للطب.
كما كان مستشفى، بالضبط شأن القصر العينى بالقاهرة حديثا كما أسلفنا. وأول من يلقانا منهم الشيخ السديد (٣) أبو المنصور عبد الله الذى خدم الخلفاء الفاطميين ثم صلاح الدين وطالت حياته حتى سنة ٥٩٢ وكان رئيسا على سائر المتطببين بمصر حتى وفاته، وعاصرته طائفة من الأطباء اليهود مثل ابن (٤) جميع وكان له مجلس لمن يشتغلون عليه بصناعة الطب، ومثل الموفق بن شوعة المتوفى سنة ٥٧٩ وأبى البيان بن المدور المتوفى سنة ٥٨٠ وأبى الناقد الكحّال طبيب العيون المتوفى سنة ٥٨٤ وموسى بن ميمون المتوفى سنة ٦٠١. وتكاثر الأطباء المصريون فى عهد صلاح الدين وبعده
стр. 3241
مثل أبى (١) البركات بن القضاعى المتوفى سنة ٥٩٨ وجمال (٢) الدين ابن أبى الحوافر القيسى وقد ولاه السلطان عثمان بن صلاح الدين رياسة الأطباء بعد الشيخ السديد وظل فى هذه الوظيفة حتى عهد الكامل. وكان ابنه فتح (٣) الدين أحمد ماهرا فى الرمد وطب العيون، ويقول ألدومييلى إنه ألف كتابا يحتوى على ١٥ فصلا فى علم الرمد. وتكلم فى أحد الفصول عن عملية الكتاراكت.
وعاش إلى عصر السلطان الصالح نجم الدين أيوب، وولى أحيانا رياسة الأطباء. ومن رؤساء الأطباء لعهد الكامل نفيس (٤) الدين بن الزبير المتوفى سنة ٦٣٦ ويقول ابن أبى أصيبعة إن أولاده مقيمون فى القاهرة ومشهورون بصناعة الكحل ومتميزون فى علمها وعملها.
ويستمر ابن أبى أصيبعة فى ذكر الأطباء المصريين لعهد الأيوبيين. ويختم تراجمهم بترجمة لابن (٥) البيطار المالقى الأندلسى المولد المتوفى سنة ٦٤٦ وقد بارح موطنه فى العشرين من عمره وجاب بلاد المغرب دارسا لما فيها من نباتات، وألقى عصاه بمصر فجعله السلطان الكامل رئيسا على جميع العشّابين، وهو بحق إمام النباتيين لزمنه، وقد سافر إلى بلاد الروم والإغريق والشام دارسا لأنواع النبات، وقرأ ما كتبه ديسقوريدس وغيره من النباتيين. وهو بحق يعد أعظم الصيدلانيين قاطبة قبل العصر الحديث، وله كتابان: كتاب الجامع فى الأدوية المفردة وبه أكثر من ١٤٠٠ دواء منها ثلاثمائة لم يتناولها صيدلى قبله، وله فى نفس الموضوع كتاب ثان هو المغنى فى الأدوية المفردة، وقد قدم الكتابين للسلطان الصالح نجم الدين أيوب. وإذا كانت مصر أتاحت لابن البيطار المالقى الأندلسى بجوّها العلمى الخصب أن يؤلف فيها كتابيه السالفين فى الأدوية فإنها أتاحت لأحمد بن يوسف التيفاشى المغربى المتوفى سنة ٦٥١ أن ينزل بها فى أواخر القرن السادس الهجرى، وهو لا يزال يافعا صغير السن ويتكوّن فيها علميا، ويعود إلى بلده، ولا يلبث أن يعود إلى مصر ويتولى بها القضاء، وقد بدأ مبكرا بدراسة التاريخ الطبيعى واختار علم المعادن مع عنايته بالصيدلة والطب، ويؤلف كتابه «أزهار الأفكار فى جواهر الأحجار» وفيه يتناول خمسة وعشرين حجرا فى خمسة وعشرين فصلا (٦)، ويسوق فى كل حجر كالماس والياقوت
стр. 3242
مثلا ما ذكره جالينوس أو غيره من فلاسفة الإغريق، ويتحدث عن معدنه وتكونه وخواصه ومنافعه، مما قد يدخل فى المعارف الطبية، ويتصل بهذه المعارف كتابه «المنقذ من التهلكة فى دفع مضار السمائم المهلكة». ويلقانا فى عهد السلطان الكامل المنصور (١) بن بعرة الذهبى الكاملى وكتابه «كشف الأسرار العملية لضرب النقود المصرية» وفيه يتحدث عن إعداد المعادن وتصفيتها وطرق استعمالها فى سك النقود، ويتناول دار سكّ النقود وواجبات من بها من الموظفين.
وتظل لمصر قيادتها العلمية فى زمن المماليك، ويظل ينزلها العلماء من الشرق والغرب، وتظل تعنى بالفلسفة (٢)، ويذكر السيوطى حشدا (٣) من متفلسفتها وعلماء المعقولات بها مثل شمس الدين محمد بن حمود الأصبهانى المتوفى سنة ٦٨٨ وتلميذه تاج الدين البارنبارى المتوفى سنة ٧١١ وشمس الدين أبى الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصبهانى المتوفى سنة ٧٤٩ وعلاء الدين على بن أحمد المدرس بمدرسة برقوق المتوفى سنة ٧٩٠ وابن جماعة عز الدين محمد بن شرف المتوفى سنة ٨١٩ والكافيجى محيى الدين محمد بن سليمان المتوفى سنة ٨٧٩.
وظل كثير من المصريين يشتغلون بالطبيعيات والرياضيات، وممن اهتم بالتاريخ الطبيعى بيلك القبجقى الذى صنف حوالى سنة ٦٨٠ كتابه «كنز التجار فى معرفة الأحجار» ويقول ألدومييلى:
«لهذا الكتاب أهمية خاصة إذ نجد فيه توضيحا لاستعمال البوصلة عند الملاحين وطرق استعمالها (٤)». ويظن أن معرفة المصريين والعرب بها ترجع إلى تاريخ أقدم من ذلك، ربما إلى القرن السادس الهجرى المقابل للثانى عشر الميلادى، بل ربما إلى النصف الأول من القرن الحادى عشر الميلادى المقابل للقرن الخامس الهجرى. والمهم أن مصر هى التى سجلت اكتشافها عند عالمها بيلك. وأكبر الظن أنها هى التى أعدّت لصنعها، وصنعتها بفضل اشتغالها بالملاحة فى البحرين المتوسط والأحمر من قديم. وكان ملاحوها فى عصر المماليك يغدون ويروحون فى البحرين للتجارة والغزو أحيانا على نحو ما هو معروف عن تجارتهم مع موانى إيطاليا وغزوهم لقبرص وطردهم للبرتغاليين من شواطى اليمن بأخرة من أيام المماليك. على كل حال يرمز اكتشاف
стр. 3243
مصر للبوصلة إلى نشاط المعارف العلمية فيها طبيعية ورياضية، ويلقانا بها محمد (١) بن موسى الدميرى المتوفى سنة ٨٠٨ وموسوعته فى علم الحيوان التى سماها «حياة الحيوان الكبرى» معجم للحيوان مرتب أبجديا حسب أسمائه وأنواعه، ومع كل حيوان خصائصه العلمية والطبية وطرف من الحديث النبوى والأمثال والأشعار وتراجم لبعض العلماء والفلاسفة والأدباء والشعراء، وهو مطبوع فى مجلدين ومترجم إلى الإنجليزية.
وارتقى حينئذ فنّ المعمار وما يتبعه من الهندسة رقيا بعيدا، لكثرة الأبنية التى شادها سلاطين المماليك منذ الظاهر بيبرس، وفى مبانيه يقول ابن تغرى بردى: «بنى فى أيامه بالديار المصرية ما لم يبن فى أيام الخلفاء المصريين (الفاطميين) ولا ملوك بنى أيوب من الأبنية والرّباع والخانات والقواسير والدور والمساجد والحمامات (٢)». وتوالى السلاطين بعده وخاصة قلاوون يكثرون من الأبنية الرائعة، وكل ذلك كان يقوم عليه مهندسون مصريون بارعون مما لا نزال نرى آثاره فى مساجدهم الباقية. وينوّه السخاوى بمهندس مصرى بارع لعهد السلطان برقوق (٧٨٤ - ٨٠١ هـ) هو شمس الدين الطولونى، ويقول: «كان المعوّل عليه وعلى أبيه فى العمائر السلطانية» (٣). وظل العلماء المصريون يعنون بالرياضيات والفلك، ويشهر منهم رياضى كبير هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن الهائم (٤) الفرضى من علماء القرن التاسع الهجرى، وله كتب كثيرة فى الحساب والجبر ذكر مخطوطاتها بروكلمان، منها فى الحساب مرشد الطالب إلى أسى المطالب، كان واسع الانتشار. وفى دار الكتب المصرية بعض شروح له وبعض محطوطات مختلفة من كتب ابن الهائم الرياضية.
وظل لمصر نشاطها زمن المماليك فى دراسة الطب والتأليف فيه، وكان مارستان القاهرة الذى أنشأه صلاح الدين يعدّ أكبر معهد لتدريس الطب، وقد تخرّج فيه كثيرون مثل ابن أبى أصيبعة (٥) المتوفى سنة ٦٦٨ صاحب كتاب طبقات الأطباء، وهو كتاب نفيس إذ يشتمل
стр. 3244
على ترجمة نحو أربعمائة طبيب عربى، ويمكن أن نضم إليه الأطباء الذين كانوا ملتفيّن بالظاهر بيبرس مثل شهاب (١) الدين بن فتح الدين القيسى ورشيد (٢) الدين أبى حليقة النصرانى.
وما يلبث أن يلى السلطنة بعد بيبرس المنصور قلاوون (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ) فينشى بيمارستانا ضخما يقول فيه ابن تغرى بردى: «وهذا البيمارستان وأوقافه وما شرطه قلاوون فيه لم يسبقه إلى ذلك أحد قديما ولا حديثا شرقا ولا غربا (٣)» وقد جعله أقساما كبيرة: قسما للمرضى بالحميات، وقسما للرمد ومرضاه، وقسما للجرحى، وقسما لمن به إسهال، وجعل فيه قسما للنساء، وأمكنة للأدوية وتركيبها، وأمكنة لإعداد الطعام وأخرى للمحاصيل، وجعل فيه فراشين لخدمة الرجال وفراشات لخدمة النساء ونصب فيه الأسرّة للمرضى وأمدّها بكل ما تحتاج إليه من فرش. وأهم من ذلك كله أنه جعل فيه قاعة لرئيس أطبائه، كى يلقى فيها دروسه على طلاب الطب (٤). وبذلك كان المارستان مستشفى وكلية طب معا، وقد شاهده ابن بطوطة بعد وفاة قلاوون بنحو أربعين عاما سنة ٧٢٧ للهجرة فقال: «أما المارستان عند قبر قلاوون فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعدّ فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر». ويذكر أن مجباه (نفقاته) كان ألف دينار كل يوم (٥)».
وتلقانا فى عهد قلاوون بجانب كلية الطب التى كانت ملحقة بمارستانه كما ذكرنا مدرسة للطب سميت المدرسة (٦) المهذّبية نسبة إلى منشئها الطبيب مهذب الدين محمد بن أبى حليقة المار ذكره فى عهد بيبرس، وكان قد خدمه مع أبيه وأسلم فى أيامه وسمى محمدا، ويقول ابن أبى أصبيعة: مولده سنة ٦٢٠ وإنه قرأ على أبيه الصناعة الطبية وصور أقسامها الكلية والجزئية وحصل معانيها العلمية والعملية (٧)». . وبلغ من ازدهار دراسة الطب حينئذ أنه كان يدرس فى المساجد الجامعة، إذ نجد السلطان لاجين (٦٩٦ - ٦٩٧ هـ) يعمر جامع ابن طولون، ويرتب فيه دروسا-كما مر بنا-للفقه على المذاهب الأربعة ودرسا للحديث النبوى، وبجانب ذلك يرتّب فيه درسا للطب (٨)، وممن درّسوا فيه بعد زمنه فى القرن الثامن الطبيب شمس (٩) الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المصرى المتوفى سنة ٧٧٦.
стр. 3245
ويكفى لبيان ازدهار دراسة الطب حينئذ أن تنتج مصر شيخ الأطباء لزمنه علاء الدين على بن أبى الحزم المعروف باسم ابن النفيس (١) العلامة فى فنه الذى لم يكن فى زمنه من يضاهيه فى الطب والعلاج والعلم، كما يقول ابن تغرى بردى، ويكفيه فخرا ما ذكره ألدومييلى وغيره من الغربيين من أنه اكتشف لأول مرة الدورة الدموية الثانية، مسجلا بذلك كشفا طبيا خطيرا لم يستطع الأطباء منذ جالينوس إلى زمنه اكتشافه. ومن كتبه «الشامل فى الطب» و «المهذب فى الكحل» وشرح القانون فى الطب لابن سينا. وقد توفى سنة ٦٨٧ بعد أن أوقف داره وأملاكه وجميع ما يتعلق به على مارستان قلاوون الذى كان يعمل به رئيسا لأطبائه. وولى رياسة الأطباء بعده مهذب الدين بن أبى حليقة المار ذكره، ويسرد السيوطى فى حسن (٢) المحاضرة أسماء طائفة من الأطباء فى القرن الثامن الهجرى. ومن الأطباء الذين لم يذكرهم محمد (٣) بن الأكفانى المتوفى سنة ٧٤٨ ويبدو أن تخصصه الأكبر كان فى طب العيون، ومن مصنفاته فى الرمد «كشف الغين فى أحوال العين» وله كتاب فى الطب المنزلى سماه «غنية اللبيب» وكتاب فى الفصد سماه «نهاية القصد» وكتاب فى الأحجار النفيسة سماه «نخب الذخائر» ومن كتبه: «إرشاد القاصد إلى أقصى المقاصد» وهو مختصر جامع لفنون شتى تبلغ ستين فنا نشره شبرنجر فى المكتبة الهندية. واشتهر بعده فى طب العيون صدقة (٤) بن إبراهيم الشاذلى، ويغلب أن يكون تلميذه إذ هو من أطباء النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى المقابل للقرن الرابع عشر الميلادى. ومما يدل على شهرة مصر لأيام المماليك فى الطب والأطباء ما يذكره ابن إياس فى كتابه بدائع الزهور من أن السلطان بايزيد العثمانى أرسل فى سنة ٧٩٥ رسولا إلى السلطان برقوق يسأله أن يبعث إليه بطبيب مختص بأمراض المفاصل فأرسل إليه رئيس الأطباء ابن صغير ومعه أدوية كثيرة لعلاجه (٥). ويظل هذا النشاط الطبى فى مصر حتى نهاية زمن المماليك إذ نلتقى فى زمن قانصوه الغورى (٩٠٦ - ٩٢١ هـ) بالطبيب محمد القوصى، وإليه قدّم كتابه «كمال الفرحة فى دفع السموم وحفظ الصحة» ومنه مخطوطة بدار الكتب المصرية.
стр. 3246
ومعروف أن عناية العرب بالبيطرة ومداواة الخيل قديمة، وكان طبيعيا والطب ينشط فى مصر النشاط السالف فى أيام المماليك أن يعنى بعض أطبائها بالطب البيطرى، ومن خير ما ألّف فيه كتاب لطبيب بيطرى كان المشرف على خيل السلطان الناصر محمد بن قلاوون، هو أبو بكر (١) بن المنذر بن بدر المتوفى سنة ٧٤١ واسم الكتاب «كامل الصناعتين: الزردقة والبيطرة» والزردقة دراسة الخيل والبيطرة: علم أمراض الخيل وأدويتها وقد ترجم الكتاب إلى الفرنسية الدكتور بيرّون، وترجمه إلى الألمانية حديثا فرونر. ولأيدمر (٢) الجلدكى المتوفى سنة ٧٤٣ (وقيل بل سنة ٧٦٣) كتب فى المعادن منها، المصباح فى علم المفتاح وهو مطبوع فى بومباى، وكتاب نتائج الفكر فى أحوال الحجر وهو مطبوع فى القاهرة.
وتكاد تتوقف هذه الحركة العلمية الدائبة فى زمن العثمانيين، ولكن تظل منها بقايا غير قليلة فى الجامع الأزهر وفى بعض المدارس. وتظل مصر ترعى العلوم الإسلامية واللغوية وبعض ما تبقى فيها من علوم الأوائل، ومن يرجع إلى كتاب الكواكب السائرة فى علماء المائة العاشرة لنجم الدين الغزى المتوفى سنة ١٠١٦ وكتاب خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر للمحبى المتوفى سنة ١١١١ سيجد فيهما كثيرين يعنون بالرياضيات والفلك مثل عبد القادر المنوفى الفلكى بالمدرسة الغورية المتوفى سنة ٩٨٠ ومصطفى بن شمس الدين الدمياطى المتوفى سنة ١٠٣٨ وعبد الله المقدسى الأزهرى المتوفى سنة ١٠٧٠. ويسوق الجبرتى فى تاريخه تفاصيل كثيرة عن الرياضيين والفلكيين فى القرن الثانى عشر الهجرى ويذكر فى طليعتهم رضوان (٣) الفلكى المتوفى سنة ١١٢٢ صاحب الزيج الرضوانى، ويقول الجبرتى إنه حرره على أصول الرصد السمرقندى وزيجه المشهور الذى صنعه أوليغ بك سنة ٨٤٠ هـ/١٤٣٧ م. وينوّه الجبرتى بأن أباه كان يملك نسخة من هذا الزيج النفيس، وكذلك كان يملك نسخة منه حسن (٤) أفندى قطة، فكان بالقاهرة منه نسختان غير النسخة التى كان يملكها-فيما نظن-رضوان الفلكى. ويشيد الجبرتى بأبيه فى الرياضيات والفلك، وبتلميذ من تلاميذ رضوان هو جمال الدين يوسف (٥) الكلارجى المتوفى سنة ١١٥٣ ويقول إنه اخترع ما لم يسبق به، ويذكر أنه ألف كتابا فى الظلال ورسم المنحرفات والبسائط والمزاول والأسطحة، وأن له فى منازل القمر كتابا أسماه «كنز الدرر فى أحوال منازل القمر».
стр. 3247
وينوه طويلا بحسين (١) المحلى المتوفى سنة ١١٧٠ هـ ومعارفه فى الجبر والمقابلة والحساب ومصنفاته، كما ينوه بتلميذه محمد (٢) بن موسى الجناجى المتوفى سنة ١٢٠٠ هـ/١٧٨٦ م ومؤلفاته فى الرياضيات. ويذكر الجبرتى فى القرن المذكور أسماء رياضيين آخرين مما يدل على أن مصر ظلت تعنى بالرياضيات والهيئة والفلك طوال أيام العثمانيين. ويبدو أن الجبرتى وغيره ممن ترجموا لعلماء القرنين السابقين لتاريخه العاشر والحادى عشر لم يعنوا بالترجمة للأطباء. إلا ما قد يذكرونه عفوا مثل شهاب الدين بن سلامة (٣) القليوبى المتوفى سنة ١٠٥٩ هـ وله عدة كتب طبية كانت رائجة فى زمنه، وأهم من هذه الكتب وكان أكثر منها رواجا كتاب التذكرة الطبية للأنطاكى (٤) داود بن عمر المتوفى سنة ١٠٠٨. ومن يقرأ الجبرتى وتراجمه فى القرن الثانى عشر الهجرى يراه يذكر طبيبا يسمى قاسم (٥) بن محمد المتوفى سنة ١١٩٣ وكأن عناية مصر بالطب ظلت إلى أواخر العهد العثمانى، وليس ذلك فحسب، فإن الجبرتى يذكر أنه عهد إليه تدريس الطب بالمارستان المنصورى، ومعنى ذلك أن مارستان المنصور قلاوون الذى مر بنا ذكره وإشادة ابن بطوطة وغيره به ظل قائما طوال أيام العثمانيين، وظل قائما معه تدريس الطب لطلابه فيه، بالضبط كما كان الشأن أيام المنصور قلاوون ومن تلاه من المماليك.
(ب) علم الجغرافيا
ولم نتحدث حتى الآن عن علم الجغرافيا ونشاط مصر فيه والمصريين، ولعل أول ما يلقانا من ذلك ما نقرؤه فى القسم الثالث من كتاب فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧ للهجرة وفيه يتحدث عن خطط الفسطاط والجيزة والإسكندرية. ولمعاصره محمد بن يوسف الكندى المتوفى سنة ٢٥٠ كتاب بعنوان الخطط (٦) سقط من يد الزمن. ونزل مصر واستقرّ بها فى سنة ٣٣٤ المسعودى على بن الحسين المتوفى سنة ٣٤٥ ويشتهر بكتاباته التاريخية وحشده فيها كثيرا من المعارف الجغرافية عن الأرض وجبالها وأغوارها وبحارها وأنهارها وسكانها وأحوالهم
стр. 3248
الاجتماعية. وفى مصر أو بعبارة أدق فى الفسطاط نقّح كتابه «مروج الذهب» سنة ٣٣٦ وهو فى التاريخ العام للأمم والدول وبه معلومات جغرافية كثيرة. وفى الفسطاط ألف كتابه «التنبيه والإشراف» وهو ملئ بالمعارف الجغرافية الفلكية والطبيعية والوصفية، وبه معلومات قيمة عن مصر وما بها من محصولات وتجارات وصناعات. وتدخل مصر فى العهد الفاطمى وسرعان ما ترسل الدولة الفاطمية بابن سليم (١) الأسوانى فى سنة ٣٦٥ إلى النوبة فى مهمة دبلوماسية ويتغلغل فى السودان ويؤلف كتابه «أخبار النوبة والمقرّة وعلوة والبجّة والنيل» يصف فيه تلك البلاد وسكانها، وينقل عنه المقريزى وابن إياس مرارا، وهو أول كتاب يصور المجرى الأعلى للنيل. ويكتب عن السودان بعده بفترة قليلة رحالة مصرى هو الحسن المهلبى فى كتابه «المسالك والممالك» الذى أهداه إلى العزيز الفاطمى سنة ٣٧٥ ولذلك قد يسمى بالعزيزى وهو-كما يقول آدم ميتز-يصف بلاد السودان وصفا دقيقا. وهو أكبر مصدر اعتمد عليه ياقوت فى كلامه عن السودان (٢).
وتعود مصر فى القرن التالى إلى الكتابة عن الخطط أو تخطيط المدن ويؤلف القضاعى (٣) كتابه خطط مصر. ويخلفه فى القرن السادس الهجرى جغرافى مصرى كبير هو أبو الفتح نصر (٤) بن عبد الرحمن الإسكندرانى المتوفى سنة ٥٦١ ويشيد ياقوت فى مقدمته لمعجم البلدان بكتاب جغرافىّ له سماه «ما ائتلف واختلف من أسماء البقاع» وله كتاب ثان أهم منه ألفه توضيحا له سماه «كتاب الأمكنة والمياه والجبال والآثار المذكورة فى الأخبار والأشعار» ومنه نسخة محفوظة فى مكتبة المتحف البريطانى تضم ٢٩٣٨ اسما ولاحظ وستنفلد ناشر معجم البلدان أن ياقوت ضمن معجمه مادة هذا الكتاب (٥). وينزل مصر فى أواخر القرن السادس الهجرى عبد (٦) اللطيف البغدادى ويعنى بتأليف كتيّب عنها يسميه: «الإفادة والاعتبار فى الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر». والكتيب موزع على مقالتين تحدث مؤلفه فى أولاهما عن طبيعة مصر وسكانها ونباتها وحيوانها وآثارها وعمرانها، وفى الثانية تحدث عن النيل وعما أصاب مصر فى مقامه بها من قحط ووباء مرّوعين.
стр. 3249
ولا يلقانا بمصر جغرافيون مهمون فى القرن السابع الهجرى ويتكاثرون فى القرن الثامن، وفيه نلتقى بابن (١) المتوج محمد بن عبد الوهاب الزبيرى المتوفى سنة ٧٣٠ وكتاب له عن خطط مصر إلى أعوام بصع وعشرين وسبعمائة. وكان فى زمنه النويرى (٢) شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ٧٣٣ صاحب الموسوعة الكبرى: «نهاية الأرب» التى مرّ ذكرها فى الحركة العلمية والتى أهداها إلى السلطان محمد الناصر بن قلاوون، وهى مقسمة إلى خمسة فنون، والفن الأول عن السماء والأرض، وهو مكتظ بالمعلومات الجغرافية عن الأرض وتكوينها الطبيعى وبلدانها وسكانها. وكان يعاصره ابن فضل (٣) الله العمرى المتوفى سنة ٧٤٩ رئيس ديوان الإنشاء للسلطان الناصر وله أيضا موسوعة كبرى مر ذكرها فى الحركة العلمية سماها «مسالك الأبصار» وفيها عرض جغرافى عام للبلدان والأمم الإسلامية والأجنبية فى الغرب والشرق. وتهتم الدولة فى هذا القرن الثامن بعمل روكات أو بعبارة أخرى بعمل سجلات لمسح الأراضى المصرية، ومن أهمها الروك (٤) الناصرى سنة ٧١٥ فى عهد السلطان الناصر بن قلاوون. ويظل النشاط الجغرافى بمصر فى القرن التاسع الهجرى، ونلتقى فى أوائله بابن دقماق (٥) والى دمياط وبعض بلدان الشام المتوفى سنة ٨٠٩ وهو يعنى بخطط مصر فى كتابه» الانتصار لواسطة عقد الأمصار» وتحتفظ دار الكتب المصرية منه بالجزءين الرابع والخامس وفيهما يصور خطط القاهرة والإسكندرية. ويعنى معاصره القلقشندى (٦) شهاب الدين أبو العباس أحمد بن على الكاتب بديوان الإنشاء المتوفى عام ٨٢١ بوصف جغرافى متفرق لمصر والبلاد العربية وبلاد التتار والهند والسودان والحبشة وبعض البلدان الأوربية الغربية والشرقية.
ولا نلبث أن نلتقى بالمقريزى (٧) تقى الدين بن علاء الدين المتوفى سنة ٨٤٥ وكتابه «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» المشهور باسم الخطط موسوعة كبرى لمصر وجغرافيتها وخططها
стр. 3250
وتاريخها وحضارتها وآثارها ومساجدها وكنائسها وأديرتها ومنشآتها وأعيادها وأحوالها الاجتماعية.
ويعنى خليل (١) بن شاهين الظاهرى المتوفّى سنة ٨٧٢ فى كتابه «زبدة الممالك فى كشف الطرق والمسالك» برسم الجغرافية الإدارية لأراضى دولة المماليك فى مصر والشام. ويختم القرن التاسع الهجرى بابن الجيعان (٢) المتوفى سنة ٩٠٢ وله «التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية» ووصف لرحلة السلطان قايتباى فى سنة ٨٨٣ إلى بلاد الشام سماه «القول المستطرف فى سفر مولانا الأشرف». وينتهى الجغرافيون فى العهد المملوكى بابن (٣) إياس محمد بن أحمد المتوفى سنة ٩٣٠ وله كتاب «نشق الأزهار فى عجائب الأقطار» ولا يزال غير مطبوع، وفيه يتحدث عن الجغرافية.
الفلكية والطبيعية لمصر والعالم، ومن أهم ما يشتمل عليه ثبت بمقاييس النيل وفيضانه على مر السنين.
ويكاد يتوقف هذا النشاط الجغرافى بمصر فى عهد العثمانيين، إذ تحولت ولاية تابعة لهم، ولم يعد أبناؤها يشعرون بمكانتهم التى كانت لهم زمن المماليك، إذ كان يدين جزء كبير لهم من البلاد العربية بالطاعة وفى مقدمته الشام والحجاز. ومع ذلك لا ينعدم هذا النشاط، بل تظل منه بقايا إذ نجد ابن (٤) زنبل المتوفى سنة ٩٦٠ يصنف فى الجغرافيا كتابا أسماه «تحفة الملوك والرغائب لما فى البر والبحر من العجائب» ولا يزال مخطوطا لم ينشر. ونلتقى فى القرن الحادى عشر بالسنهورى (٥) محمد بن أحمد وله كتاب فى منازل البريد بين القاهرة ومكة. وكان بعاصره شهاب الدين القليوبى المار ذكره بين أطباء الحقبة العثمانية وله كتاب جغرافى فى مناسك الحج ومنازله ورسالة فى معرفة أسماء البلاد: أطوالها وانحرافاتها، وتبدو الرسالة كأنها زيج صغير، وهى بذلك تدخل فى الجغرافية الفلكية، كما يدخل النشاط فى الفلك والهيئة الذى عرضنا له مع الرياضيات عند الفلكى والرياضى الكبير رضوان وأمثاله من الفلكيين. وبذلك ظلت الجغرافية الفلكية ناشطة وخاصة فيما يتصل بالزيجات، ونشطت معها كتب الرحلات، ومن أهمها رحلة لمصطفى (٦) أسعد اللقيمى الدمياطى المتوفى سنة ١١٧٣ جعل عنوانها: «موانح الأنس برحلتى لوادى القدس» وقد استغرقت الرحلة
стр. 3251
ستة أشهر فى سنة ١١٤٩ بدأها من موطنه دمياط إلى القدس، وعنى باختصار كتاب الأنس الجليل فى زيارة بيت المقدس والخليل لأبى اليمن مجير الدين الحنبلى، وسمى مختصره «لطائف أنس الخليل فى تحايف القدس والخليل». وواضح أن الجغرافيين المصريين أخذوا يعنون فى العصر العثمانى بجغرافية الأراضى المقدسة فى فلسطين والحجاز.
٣ - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد
أخذت مصر تعنى بدراسات اللغة والنحو مع عناية مدرستى البصرة والكوفة بهما، مما دفع فيها إلى نشوء طبقة من المؤدبين، وأخذت هذه الطبقة تتكاثر منذ القرن الثانى للهجرة، فكانت تلقن الشباب فى الفسطاط والإسكندرية مبادئ العربية، وانضم إليهم فى هذا التلقين بعض العلماء الذين هاجروا إلى الديار المصرية مثل عبد (١) الرحمن بن هرمز الأعرج تلميذ أبى الأسود الدؤلى.
تزيل الإسكندرية المتوفى بها سنة ١١٧ للهجرة. وطبيعى أن يظل نشاط هؤلاء المؤدبين مطردا طوال القرن الثانى للهجرة، لسبب واضح هو عناية المصريين بقراءات القرآن الكريم وضبط ألفاظه لغويا ونحويا، ولمدارستهم لتفسير القرآن الكريم وللفقه، وسنرى فيما بعد نشاطهم الجم فى هذه الميادين. ولم تعن كتب التراجم بأسماء هؤلاء المؤدبين وإحصائهم، ولكن لا شك فى أنهم كانوا كثيرين. وقد ترجم السيوطى فى كتابه البغية لواحد منهم هو سرج الغول الذى لحق زمن الإمام الشافعى حين نزل الفسطاط سنة ١٩٩ وكان عالما باللغة ولم يكن أحد بالفسطاط يظهر شعره إلا بعد عرضه عليه ورضاه عنه، ويقال إنه كان يذاكر الشافعى فى اللغة والشعر، وإنه كان يعجب بمعارفه، وروى أنه كان يقول عنه حين يقوم من مجلسه: نحتاج إلى أن نستأنف طلب العلم، وحسبه تلك الشهادة الرفيعة من الإمام الشافعى. وممن كان يجتمع به الشافعى فى الفسطاط من اللغويين عبد الملك بن هشام صاحب السيرة النبوية المشهورة، ويقول السيوطى عنه إنه كان إماما فى اللغة والنحو والعربية ويذكر أنه كان يتناشد هو والشافعى كثيرا من أشعار العرب (٢).
стр. 3252
ويزور محمد بن يحيى اليزيدى مصر فى العقد الثانى من القرن الثالث فى صحبة المعتصم سنة ٢١٤ ويتخذها دار مقام له حتى وفاته (١) ويحدث بها ضربا من الثراء فى حياتها اللغوية إذ كان لغويا كبيرا مثل أبيه وأخيه إبراهيم، وله كتاب المقصور والممدود، وأغلب الظن أنه روى للمصريين كتاب أبيه: «النوادر فى اللغة» وأيضا كتاب أخيه إبراهيم فى اللغة الذى سماه «ما اتفق لفظه وافترق معناه» جمع فيه كل الألفاظ المشتركة فى الاسم-كما يقول ابن خلكان-المفترقة أو المختلفة فى المعنى، وهو من الكتب اللغوية الجيدة. ويزور مصر ابن جرير الطبرى فى العقد السادس من القرن الثالث، وكان يحفظ ديوان الطرماح فطلب إليه المصريون أن يأخذوه عنه، فرواه لهم مفسّرا غريبه (٢).
ونلتقى فى الفسطاط لأواسط القرن الثالث بعالم مصرى لغوى ونحوى كبير هو ولاد (٣) التميمى المتوفى سنة ٢٦٣ لعهد الدولة الطولونية، وكان قد رحل إلى العراق وسمع بها العلماء وأخذ ما عندهم، ويقال إنه لم يكن بمصر شئ كبير من كتب اللغة والنحو قبله، ويذكر حفيده أحمد أنه توارث هو وأبوه عنه ديوان رؤبة، مما يدل على عنايته برواية دواوين الشعر القديم، وخاصة الدواوين التى تكتظ بالغريب مثل ديوان رؤبة. ونلتقى بعده بلغوى مصرى معجمى أو من أصحاب المعاجم هو أبو الحسن على (٤) بن الحسن الهنائى الأزدى المعروف باسم كراع النمل لقصره ودمامته، وهو وإن كان دميما قصيرا فقد كان عالما لغويا لا يشقّ غباره، ألف أربعة معاجم، ويقول القفطى فى ترجمته بإنباه الرواة إنه يملكها جميعا، وهى المنضّد فى اللغة، وهو معجم كبير رتبه على الحروف الهجائية، ومعجم مختصر له سماه المجرّد، جرده من الشواهد، ومعجم ثالث لأمثلة الغريب على أوزان الأفعال سماه الأوزان. والمعاجم الثلاثة مفقودة، أما المعجم الرابع فسماه المنجّد، قصره على ما اتفق لفظه واختلف معناه أو بعبارة أخرى على المشترك اللفظى، وهو معجم نفيس، وقد نشر فى القاهرة. والألفاظ المشتركة فيه مرتبة حسب الحروف الهجائية لا حسب مخارج الحروف كما فى معجم العين للخليل. ولم تردّ فى ترتيبها إلى أصولها الثلاثية والرباعية كما هو معروف فى المعاجم العربية، بل ترتب حسب صورها اللفظية. وكأنه أراد بذلك اليسر والسهولة، وتابعه أصحاب المعاجم-باستثناء الأزهرى فى معجمه تهذيب اللغة-فى
стр. 3253
ترتيب الألفاظ حسب الحروف الهجائية مثل الجوهرى فى الصحاح والزمخشرى فى أساس البلاغة، غير أن الجوهرى رأى أن يكون الترتيب الهجائى للألفاظ بحسب أواخرها ورأى الزمخشرى أن يكون الترتيب بحسب أوائلها مثل كراع النمل.
وتلتحم مباحث اللغة بمباحث النحو أو بعبارة أدق تظل ملتحمة فى القرن الرابع على نحو ما يتضح عند أبى العباس أحمد (١) بن محمد بن ولاد المتوفى سنة ٣٣٢ وأبى جعفر أحمد (٢) بن محمد النحاس المتوفى سنة ٣٣٨. أما ابن ولاد فقد خرّجه أبوه محمد نحويا ولغويا ماهرا، ولم يكتف بما أخذه عن أبيه وبعض العراقيين النازلين بمصر فرحل إلى بغداد ودرس على كبار اللغويين والنحاة بها، وتسامع به وبزميله أبى جعفر النحاس أهل المغرب والأندلس فرحلوا إليهما يأخذون عنهما ويدرسون. وكان ابن ولاد يضيف إلى دراسته لكتاب سيبويه عرضه دواوين الشعراء القدماء وكان يقول لطلابه: ديوان رؤبة رواية لى عن أبى عن جدى. ونشر مجمع اللغة العربية بدمشق ديوان ذى الرمة، وسنرى عما قليل أن ابن ولاد كان الطريق إلى إحدى روايتيه، وبذلك كان يدرس لطلابه فى الفسطاط أصعب ديوانين عربيين لغويا، واشتهر فى زمنه بروايته لمعجم العين المنسوب إلى الخليل، وعنه حمله منذر بن سعيد قاضى الجماعة بالأندلس المشهور. ومن مصنفاته اللغوية كتاب المقصور والممدود، وهو معجم لهما مرتب على الحروف الهجائية مثل كتاب المنجّد لكراع النمل، وكأنه تابعه فى ترتيب معجمه تيسيرا للانتفاع به. أما أبو جعفر النحاس فكان واسع العلم فى اللغة والنحو والدراسات القرآنية، وقد رحل إلى العراق مثل ابن ولاد وحمل عن علمائها علما كثيرا، وكان يعنى فى دروسه بشرح الشعر القديم، إذ فسّر عشرة دواوين منه كان يمليها على طلابه. ومن أهم مصنفاته اللغوية «شرح القصائد التسع المشهورات وتشتمل على المعلقات السبع، وهى منشورة ببغداد، ونشر له كتاب «شرح أبيات سيبويه» وهى أبيات كتابه المشهور.
وعلى هذا النحو أخذت مصر تنشط فى الدراسات اللغوية، ونشعر بهذا النشاط واضحا حين نزلها المتنبى، فقد انعقدت له حلقة كبيرة لسماع شعره، وسرعان ما تكوّنت له بطانة من علماء مصر اللغويين وأدبائها تروى شعره. مثل عبيد الله بن محمد بن أبى الجوع وفيه يقول الثعالبى:
«أحد رواة المتنبى الأدباء وأصحابه العلماء وممن تمهر فى لغات العرب (٣)» ومثل صالح بن
стр. 3254
رشدين، وفيه يقول الثعالبى أيضا: «أحد أئمة الكتاب المهرة فى سائر الآداب، صحب المتنبى وروى شعره (١)». وكانت تدور المناقشات أحيانا بين المتنبى وبعض اللغويين، ولعل ذلك ما جعله يعقد حلقة علمية لقراءة كتاب المقصور والممدود لابن ولاد سنة ٣٤٧ وقد مضى يعلّق عليه موضحا ما فيه من الغلط، وكتب ذلك عنه أبو الحسين على (٢) بن أحمد المهلبى اللغوى المتوفى سنة ٣٨٥ وأضاف إلى ذلك زيادات ونسب الجميع إليه، على نحو ما يصور ذلك على بن حمزة البصرى فى كتابه «الرد على ما فى المقصور والممدود لابن ولاد».
ويقول ياقوت فى ترجمة المهلبى إنه كان إماما فى النحو واللغة ورواية الأخبار وتفسير الأشعار كما يقول إنه تلميذ إبراهيم النّجيرمى كاتب كافور المتوفى سنة ٣٥٥ وكان راوية كبيرا للدواوين والأشعار، وحملها عنه أبو الحسن المهلبى المذكور آنفا، وتلميذ ثان له يسمى جنادة (٣) اللغوى، وسنرى عما قليل أنه كان الطريق إلى إحدى روايات ديوان ذى الرمة، ولعل فى ذلك ما يدل على أنه شارك بقوة فى رواية الدواوين القديمة، وبالمثل تلميذة أبو الحسين المهلبى، وفى المهلبى يقول القفطى: أحد علماء الأدب واللغة والشعر، روى عنه المصريون وأكثروا. . والرواية عنه إلى زماننا هذا (أى فى القرن السابع الهجرى) ووصل للمصريين رواية كتب كثيرة من كتب الأدب.
وحوالى منتصف القرن الخامس الهجرى نزل بمصر التبريزى (٤) تلميذ أبى العلاء وأقام بها مدة ولعله روى فيها أشعار المعرى كما روى كثيرا من معارفه اللغوية وشروحه على الدواوين والأشعار، مثل شرحه على المعلقات والمفضليات وديوان الحماسة وديوان أبى تمام، وقد مرّ بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة نشاطه اللغوى الجمّ. ومن نزلاء القاهرة المغاربة اللغويين القزاز القيروانى المتوفى سنة ٤١٢ خدم المعز الفاطمى وابنه العزيز وصنف لهما كتبا، وعاد بعد خلافتهما إلى بلده، ومن تصانيفه كتاب الجامع فى اللغة رتبه على حروف المعجم وهو-كما يقول ياقوت-كان يقارب معجم التهذيب للأزهرى، وله كتاب الضاد والظاء وكتاب معان فى شعر المتنبى وكتاب فى المآخذ عليه.
стр. 3255
وأكبر لغوى بالقاهرة فى أواخر القرن الرابع الهجرى وأوائل القرن الخامس يوسف (١) النجيرمى المتوفى سنة ٤٢٣ وهو تلميذ أبى الحسين المهلبى وقد حمل عنه كل ما كان يرويه من كتب الأدب واللغة ودواوين الشعر، وروى عنه المصريون عامة ما كان يرويه محتفين به لما كان يمتاز به من الدقة فى الضبط اللغوى غاية الضبط إلى أقصى حد ممكن، وفى ذلك يقول ابن خلكان: «أكثر ما تروى الكتب القديمة فى اللغة والأشعار العربية وأيام العرب فى الديار المصرية من طريقه».
وكان ما يزال يراجع الروايات المختلفة للكتاب أو للديوان ويقابل بينها حتى يخرجه فى أوثق صورة ممكنة. ومن خير ما يصور هذا العمل المعقد الشاق ديوان ذى الرمة الذى نشره الدكتور عبد القدوس أبو صالح فى مجمع اللغة العربية بدمشق نشرة علمية محققة اعتمد فيها على صنعته فيه، إذ أخرجه فى صورة محكمة على أساس روايتين علميتين، ولكل رواية طريقان. اما الرواية الأولى فعن ثعلب عالم الكوفة المشهور وطريقها الأول أبو الحسين على بن أحمد المهلبى أستاذه عن ابن ولاد، وطريقها الثانى جعفر (٢) بن شاذان اللغوى البصرى نزيل القاهرة عن أبى عمر الزاهد غلام ثعلب. والرواية الثانية عن إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة ٢٣٦ عن أسود بن ضبعان عن ذى الرمة، وطريقها الأول أبو الحسين على بن أحمد المهلبى عن إبراهيم النجيرمى، وطريقها الثانى أبو عمران بن رباح أستاذ أبى يعقوب النجيرمى عن إبراهيم النجيرمى. ولعل فى ذلك ما يوضح مدى عناية أبى يعقوب يوسف النجيرمى بإخراج الدواوين للمصريين وإحكام صنعتها إحكاما لا يكاد يفوقه إحكام، وكان يعمم هذا الإحكام فى كل ما رواه من الدواوين وكتب اللغة.
ويحمل أصحاب يوسف النجيرمى عنه كتب اللغة ودواوين الشعراء. ويخلفهم عليها تلاميذهم فى القرن الخامس ومن تعهدوهم من علماء القرن السادس، ويطرد هذا النشاط اللغوى بمصر.
ويزورها غير عالم لغوى من البلاد العربية ويستقرون بها، وفى مقدمتهم على (٣) بن جعفر السعدى الصقلى المعروف باسم ابن القطاع، نشأ بصقلية وقرأ الأدب واللغة على علمائها وخاصة ابن البرّ اللغوى، ورحل عن صقلية لما أشرف النورمان على تملكها فى حدود سنة ٥٠٠ ونزل القاهرة
стр. 3256
واتخذها دار مقام له وتصدّر فيها للإفادة حتى توفى سنة ٥١٥ وأكرمه المصريون غاية الإكرام واتخذه الأفضل بن بدر الجمالى وزير الخليفة الآمر الفاطمى معلما لولده، ومن طريقه اشتهرت فى الآفاق رواية معجم الصحاح للجوهرى، كان قد أخذها عن أستاذه ابن البرّ فى صقلية، وله عدة تصانيف لغوية، منها كتاب الأسماء فى اللغة، وكتاب الأفعال عنى بنشره مجمع اللغة العربية فى القاهرة.
ويتكاثر اللغويون بمصر من علمائها والعلماء النازلين بها بعد ابن القطاع، وأشهرهم غير مدافع ابن برّى (١) عبد الله المصرى المولد والمنشأ المولود سنة ٤٩٩ وفيه يقول ابن خلكان: «الإمام المشهور فى علم النحو واللغة والرواية والدراية كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره».
ويذكر ابن خلكان أنه رأى له «حواشى على درة الغواص فى أوهام الخواص» للحريرى، وأن له كتابا لطيفا فى أغاليط الفقهاء. وقد كتب ردّا على أبى محمد بن الخشاب، ردّ فيه على كتابه الذى عدّد فيه غلط الحريرى فى المقامات، وطبع هذا الرد ملحقا بمقامات الحريرى مع نقد ابن الخشاب بالمطبعة الحسينية بالقاهرة. ومن أهم مصنفاته حواش على معجم الصحاح للجوهرى سماها «التنبيه والإفصاح عما وقع فى كتاب الصحاح» يقول ابن خلكان: «وهى حواش فائقة أتى فيها بالغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهى دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه» وهى من الكتب الخمسة التى ذكر ابن منظور فى مقدمة لسان العرب أنه اعتمد عليها فى تأليف معجمه اللسان. وتوجد منه مخطوطات تعين على نشره حتى مادة وقش، وقد نشر هذا القسم منه فى جزءين بمجمع اللغة العربية بالقاهرة ويمكن استخراج بقيته من لسان العرب. ولابن برى أيضا حواش على كتاب المعرب من الكلام الأعجمى للجواليقى، ومن آرائه الطريفة أنه ينبغى المحافظة على نطق الكلمات الأعجمية حين تعريبها وإدخالها فى العربية بجميع حروفها وحركاتها الخاصة. وقد عاش حقبة طويلة فى زمن الدولة الأيوبية إذ توفى سنة ٥٨٢. ومن أهم تلاميذه اللغويين سليمان (٢) بن بنين الدقيقى المتوفى سنة ٦١٤ وله مصنفات لغوية مختلفة، منها كتاب الوضاح فى شرح أبيات الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب إغراب العمل فى شرح أبيات كتاب الجمل للزجاجى، وأهم من هذين الكتابين كتابه: «اتفاق المبانى وافتراق المعانى فى اللغة»
стр. 3257
ومنه مخطوطتان بدار الكتب المصرية. وله كتب عدة فى العروض، منها كتاب الروض الأريض فى أوزان القريض، والكتاب الوافى فى علم القوافى.
وظل هذا النشاط اللغوى ينمو بمصر ويتسع نموه طوال القرن السابع الهجرى وزمن الأيوبيين والمماليك إلى أن توّج بكتاب لسان العرب لابن (١) منظور المتوفى سنة ٧١١ وهو مطبوع فى عشرين مجلدا، وهو أكبر معجم لغوى عربى ظهر فى الأزمنة الماضية، وقد أتم مؤلفه تصنيفه سنة ٦٨٩ للهجرة، وذكر فى مقدمته أنه جمع فيه بين معجم التهذيب للأزهرى ومعجم الصحاح للجوهرى والمعجم المعروف باسم المحكم لابن سيده وحواشى الصحاح لابن برى والنهاية فى غريب الحديث النبوى لابن الأثير، وهو معجم تنوء به الجماعة أولو القوة، ولابن منظور بجانبه مصنفات كثيرة من أهمها مختصر الأغانى.
ويظل لمصر نشاط لغوى غزير بعد ابن منظور، وتظل لها مشاركة فى وضع المعاجم لا المعاجم اللغوية فقد كفاها ابن منظور المئونة فى ذلك فحسبها معجمه، بل فى وضع المعاجم المتخصصة مثل المصباح المنير فى غريب الشرح الفقهى الكبير للرافعى صنفه أحمد (٢) بن محمد الفيومى المتوفى سنة ٧٧٠ وهو ليس فى ألفاظ الإمام الرافعى الشافعى فحسب، بل هو يتضمنها ويتضمن بصفة مختصرة ألفاظ العربية فى عرض حسن، وألحق به خاتمة كثيرة الفوائد اللغوية.
وما يزال النشاط اللغوى الخالص فى مصر يزداد حتى يبلغ ذروة رفيعة عند جلال الدين عبد الرحمن (٣) السيوطى المتوفى سنة ٩١١ للهجرة وهو أغزر العلماء المصريين زمن المماليك بعامة تأليفا وتصنيفا فى جميع الميادين الإسلامية واللغوية، ومن خير مصنفاته اللغوية بل من خير المصنفات اللغوية فى جميع الحقب بمصر وغير مصر كتابه «المزهر فى علوم اللغة وأنواعها» وهو مطبوع مرارا بالقاهرة، وفيه يعرض كل ما اتصل باللغة من علوم وضعت لمعرفة الصحيح وغير الصحيح والمعرب والمولد والاشتقاق والمشترك والأضداد والمترادف والقلب والنحت والإتباع والإبدال وغير ذلك من علوم اللغة ومسائلها الدقيقة. وأهم من ذلك كله أنه حاول محاولة خصبة
стр. 3258
أن يطبق علم مصطلح الحديث وما وضع فيه لروايته من أصول على اللغة وروايتها، ويفيض فى ذلك إفاضة واسعة، ففى ألفاظ اللغة-كالحديث النبوى-متواتر وآحاد ومرسل ومنقطع وضعيف ومنكر ومتروك ومطرد وشاذ. ويتحدث عمن تقبل روايته ومن تردّ، وعن معرفة طرق أخذ اللغة وتحملها وعن المنتحل المصنوع فى اللغة وأشهر من نحل الشعر وأفسده. والكتاب فريد فى بابه ومباحثه. ونمضى بعد السيوطى فى زمن العثمانيين، ويظل لعلماء اللغة فى مصر نشاطهم، ومن خير من يمثلهم شهاب (١) الدين الحفاجى المتوفى سنة ١٠٦٩ ومن مؤلفاته الرائعة كتابه «شفاء الغليل بما فى كلام العرب من الدخيل» وقد صدره بمقدمة تحدث فيها عن التعريب وشروطه، وله شرح على درة الغواص فى أوهام الخواص للحريرى. وتظل مصر مع ما أصابها زمن الاحتلال العثمانى حاملة مشاعل الثقافة العربية فى اللغة وغير اللغة، وينزلها كثيرون من علماء الديار العربية، وممن نزلها-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-السيد مرتضى الزبيدى اليمنى المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩٠ م إذ اتخذها دار مقام له سنة ١١٦٧ حتى لبى نداء ربه، وأكرمه المصريون وعلماؤها، وعكف منذ نزوله على شرح القاموس المحيط للفيروزابادى. ومازال عاكفا على عمله حتى أتمه سنة ١١٨١ وهو مطبوع فى عشر مجلدات، وقد سماه باسم «تاج العروس». وهو يتلو لسان العرب فى كبر حجمه، وفى الجبرتى تقاريظ كثيرة للمصريين فيه. وكأنه أتيح لمصر أن تضع أكبر معجمين للعربية: اللسان فى زمن المماليك وتاج العروس فى زمن العثمانيين، كما أتيح لها أن تضع أكبر دائرة معارف فى المباحث اللغوية ونقصد كتاب المزهر للسيوطى.
ومرّ بنا فى صدر هذا الحديث أنه كانت بمصر طبقة من المؤدبين أخذت تتكاثر فى القرنين الثانى والثالث، وكانت تعلم الناشئة اللغة والنحو، ومنذ أواسط القرن الثالث يصبح لمصر نحاتها من أبنائها ونزلائها فى مقدمتهم ولاد التميمى الذى مرّ ذكره فى اللغويين، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا، وكان يعاصره أحمد (٢) بن جعفر الدينورى نزيل الفسطاط المتوفى سنة ٢٨٩ وقد درس على المازنى بالبصرة كتاب سيبويه ولما استوطن مصر واستقرّ بها صنف لطلابه كتابا فى النحو سماه المهذب، وعنه حمله المصريون. ويلقانا فى زمنه محمد (٣) بن ولاد آنف الذكر المتوفى سنة ٢٩٨
стр. 3259
وقد أخذ كل ما عند أبيه وعند أبى جعفر الدينورى، ورحل إلى بغداد وقرأ على المبرد كتاب سيبويه وعاد إلى الفسطاط يدرس النحو، وصنف لطلابه كتابا سماه المنمق. ونزل الفسطاط فى سنة ٢٨٧ الأخفش (١) الصغير على بن سليمان، وظل بها حتى سنة ٣٠٠ للهجرة، يعلم الطلاب النحو واللغة، وله شرح على كتاب سيبويه، لعله أملاه بمصر. ونمضى فى القرن الرابع الهجرى فيلقانا أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المار ذكره، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا وإليه صارت نسخة أبيه من كتاب سيبويه التى قرأها على المبرد، وله كتاب «الانتصار لسيبويه من المبرد» وفيه يرد على المبرد ما نقد به سيبويه فى كتابه الذى سماه «مسائل الغلط». وله آراء (٢) نحوية طريفة.
وكان يعاصره كما مر بنا أبو جعفر النحاس اللغوى والنحوى الكبير، وكان يمزج فى كتبه النحوية بين آراء البصريين والكوفيين وأحيانا ينفذ إلى آراء اجتهادية جديدة مما يجعله بحق طليعة (٣) المدرسة البغدادية فى مصر كما يتضح من كتابه الصغير «التفاحة فى النحو» وكتابه الكبير الرائع النفيس:
«إعراب القرآن». ويبدو أن اسمه واسم معاصره ابن ولاد طار إلى المغرب والأندلس فرحل إليهما كثيرون من الطلاب يأخذون عنهما، ومربنا أن منذر بن سعيد قاضى الجماعة بالأندلس حمل عن ابن ولاد كتاب العين للخليل بن أحمد، فمصر هى التى أذاعته فى الأندلس والمغرب. وحمل محمد بن يحيى الرّباحى عن أبى جعفر النحاس كتاب سيبويه رواية ودراية ودرّسه (٤) لطلابه بقرطبة، وشاعت رواية هذه النسخة بحيث أصبحت أم الدراسات النحوية فى الأندلس وما رافقها هناك من نهضة فى النحو ومباحثه.
وأول نحوى كبير يلقانا فى زمن الفاطميين الحوفى (٥) على بن إبراهيم المتوفى سنة ٤٣٠ تصدّر لإقراء النحو وصنف فيه كتابا كبيرا استوفى فيه-كما قال من ترجموا له-العلل والأصول. وله مصنفات أصغر منه فى النحو اشتغل بها المصريون، وله فى إعراب القرآن كتاب فى عشرة مجلدات، ويبدو مما نقله عنه ابن هشام من آراء نحوية أنه كان بغدادى (٦) النزعة يختار بعض آراء البصريين والكوفيين ويحاول النفوذ إلى بعض آراء جديدة. وكان يعاصره الذاكر (٧) النحوى
стр. 3260
المصرى تلميذ ابن جنى المتوفى سنة ٤٤٠ وكان يتصدّر لإقراء العربية، وأغلب الظن أنه حمل إلى المصريين كتب أستاذه ابن جنى فأخذوا يدرسونها مبكرين. وأنجبت مصر حينئذ نحويا كبيرا هو ابن بابشاذ (١) طاهر بن أحمد المتوفى سنة ٤٦٩ وكان قد رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها ونحاتها وعاد فتصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص فى الفسطاط. وكان يسند إليه الإشراف على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمى إلى الأطراف، وله فى النحو كتب سارت-كما يقول القفطى-مسير الشمس، منها المقدمة فى النحو وشرحها، وهو منشور بالكويت نشرة جيدة.
ومن مصنفات ابن بابشاذ شرح كتاب الجمل للزجاجى أحد أئمة النحو البغدادى، وله كتاب سماه المحتسب فى النحو وشرح على كتاب الأصول لابن السراج، وكانت له تعليقة كبيرة فى النحو فى خمسة عشر مجلدا. وكان ينزع منزع البغداديين (٢) فى الانتخاب من آراء الكوفيين والبصريين ومحاولة الإدلاء بآراء جديدة. وخلفه على التصدّر لإقراء النحو تلميذه محمد (٣) بن بركات المتوفى سنة ٥٢٠ وكانت له فى النحو تصانيف مختلفة كما كان إليه التصفح فى ديوان الإنشاء الفاطمى.
وأكبر نحاة مصر فى أواخر زمن الفاطميين وأوائل زمن الأيوبيين ابن برّى الذى أسلفنا الحديث عنه بين اللغويين، وكان يتصدر لإقراء النحو واللغة بجامع عمرو، وطارت شهرته فى الآفاق، فقصده الطلاب من كل بلد وفى مقدمتهم عيسى الجزولى نحوىّ المغرب والأندلس، وقد دوّن عنه فى أثناء شرحه لكتاب الجمل للزجاجى مقدمته المعروفة بالجزولية، وكان يقول إنها من نتائج خواطر ابن برى وتلاميذه، واهتم بها النحاة وشرحوها مرارا، وهو بغدادى (٤) النزعة فى النحو مثل أستاذه ابن برى وغيره من نحاة المصريين لزمنه. وخلف ابن برى فى إقراء النحو تلميذه سليمان بن بنين، ومرّ بنا بين اللغويين، وله فى النحو شرح على سيبويه سماه «لباب الألباب فى شرح الكتاب». ونزل مصر يحيى (٥) بن معطى المغربى الدمشقى المتوفى سنة ٦٢٨ واستقر بها وتصدر بجامع عمرو لإقراء الطلاب النحو، وله مصنفات مختلفة فى النحو منها ألفية كألفية ابن مالك وكتاب العقود والقوانين فى النحو، وكتاب الفصول، وحواش على أصول ابن السراج، وشرح