← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

واتخذها دار مقام له وتصدّر فيها للإفادة حتى توفى سنة ٥١٥ وأكرمه المصريون غاية الإكرام واتخذه الأفضل بن بدر الجمالى وزير الخليفة الآمر الفاطمى معلما لولده، ومن طريقه اشتهرت فى الآفاق رواية معجم الصحاح للجوهرى، كان قد أخذها عن أستاذه ابن البرّ فى صقلية، وله عدة تصانيف لغوية، منها كتاب الأسماء فى اللغة، وكتاب الأفعال عنى بنشره مجمع اللغة العربية فى القاهرة. ويتكاثر اللغويون بمصر من علمائها والعلماء النازلين بها بعد ابن القطاع، وأشهرهم غير مدافع ابن برّى (١) عبد الله المصرى المولد والمنشأ المولود سنة ٤٩٩ وفيه يقول ابن خلكان: «الإمام المشهور فى علم النحو واللغة والرواية والدراية كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره». ويذكر ابن خلكان أنه رأى له «حواشى على درة الغواص فى أوهام الخواص» للحريرى، وأن له كتابا لطيفا فى أغاليط الفقهاء. وقد كتب ردّا على أبى محمد بن الخشاب، ردّ فيه على كتابه الذى عدّد فيه غلط الحريرى فى المقامات، وطبع هذا الرد ملحقا بمقامات الحريرى مع نقد ابن الخشاب بالمطبعة الحسينية بالقاهرة. ومن أهم مصنفاته حواش على معجم الصحاح للجوهرى سماها «التنبيه والإفصاح عما وقع فى كتاب الصحاح» يقول ابن خلكان: «وهى حواش فائقة أتى فيها بالغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهى دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه» وهى من الكتب الخمسة التى ذكر ابن منظور فى مقدمة لسان العرب أنه اعتمد عليها فى تأليف معجمه اللسان. وتوجد منه مخطوطات تعين على نشره حتى مادة وقش، وقد نشر هذا القسم منه فى جزءين بمجمع اللغة العربية بالقاهرة ويمكن استخراج بقيته من لسان العرب. ولابن برى أيضا حواش على كتاب المعرب من الكلام الأعجمى للجواليقى، ومن آرائه الطريفة أنه ينبغى المحافظة على نطق الكلمات الأعجمية حين تعريبها وإدخالها فى العربية بجميع حروفها وحركاتها الخاصة. وقد عاش حقبة طويلة فى زمن الدولة الأيوبية إذ توفى سنة ٥٨٢. ومن أهم تلاميذه اللغويين سليمان (٢) بن بنين الدقيقى المتوفى سنة ٦١٤ وله مصنفات لغوية مختلفة، منها كتاب الوضاح فى شرح أبيات الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب إغراب العمل فى شرح أبيات كتاب الجمل للزجاجى، وأهم من هذين الكتابين كتابه: «اتفاق المبانى وافتراق المعانى فى اللغة»

стр. 3257

ومنه مخطوطتان بدار الكتب المصرية. وله كتب عدة فى العروض، منها كتاب الروض الأريض فى أوزان القريض، والكتاب الوافى فى علم القوافى. وظل هذا النشاط اللغوى ينمو بمصر ويتسع نموه طوال القرن السابع الهجرى وزمن الأيوبيين والمماليك إلى أن توّج بكتاب لسان العرب لابن (١) منظور المتوفى سنة ٧١١ وهو مطبوع فى عشرين مجلدا، وهو أكبر معجم لغوى عربى ظهر فى الأزمنة الماضية، وقد أتم مؤلفه تصنيفه سنة ٦٨٩ للهجرة، وذكر فى مقدمته أنه جمع فيه بين معجم التهذيب للأزهرى ومعجم الصحاح للجوهرى والمعجم المعروف باسم المحكم لابن سيده وحواشى الصحاح لابن برى والنهاية فى غريب الحديث النبوى لابن الأثير، وهو معجم تنوء به الجماعة أولو القوة، ولابن منظور بجانبه مصنفات كثيرة من أهمها مختصر الأغانى. ويظل لمصر نشاط لغوى غزير بعد ابن منظور، وتظل لها مشاركة فى وضع المعاجم لا المعاجم اللغوية فقد كفاها ابن منظور المئونة فى ذلك فحسبها معجمه، بل فى وضع المعاجم المتخصصة مثل المصباح المنير فى غريب الشرح الفقهى الكبير للرافعى صنفه أحمد (٢) بن محمد الفيومى المتوفى سنة ٧٧٠ وهو ليس فى ألفاظ الإمام الرافعى الشافعى فحسب، بل هو يتضمنها ويتضمن بصفة مختصرة ألفاظ العربية فى عرض حسن، وألحق به خاتمة كثيرة الفوائد اللغوية. وما يزال النشاط اللغوى الخالص فى مصر يزداد حتى يبلغ ذروة رفيعة عند جلال الدين عبد الرحمن (٣) السيوطى المتوفى سنة ٩١١ للهجرة وهو أغزر العلماء المصريين زمن المماليك بعامة تأليفا وتصنيفا فى جميع الميادين الإسلامية واللغوية، ومن خير مصنفاته اللغوية بل من خير المصنفات اللغوية فى جميع الحقب بمصر وغير مصر كتابه «المزهر فى علوم اللغة وأنواعها» وهو مطبوع مرارا بالقاهرة، وفيه يعرض كل ما اتصل باللغة من علوم وضعت لمعرفة الصحيح وغير الصحيح والمعرب والمولد والاشتقاق والمشترك والأضداد والمترادف والقلب والنحت والإتباع والإبدال وغير ذلك من علوم اللغة ومسائلها الدقيقة. وأهم من ذلك كله أنه حاول محاولة خصبة

стр. 3258

أن يطبق علم مصطلح الحديث وما وضع فيه لروايته من أصول على اللغة وروايتها، ويفيض فى ذلك إفاضة واسعة، ففى ألفاظ اللغة-كالحديث النبوى-متواتر وآحاد ومرسل ومنقطع وضعيف ومنكر ومتروك ومطرد وشاذ. ويتحدث عمن تقبل روايته ومن تردّ، وعن معرفة طرق أخذ اللغة وتحملها وعن المنتحل المصنوع فى اللغة وأشهر من نحل الشعر وأفسده. والكتاب فريد فى بابه ومباحثه. ونمضى بعد السيوطى فى زمن العثمانيين، ويظل لعلماء اللغة فى مصر نشاطهم، ومن خير من يمثلهم شهاب (١) الدين الحفاجى المتوفى سنة ١٠٦٩ ومن مؤلفاته الرائعة كتابه «شفاء الغليل بما فى كلام العرب من الدخيل» وقد صدره بمقدمة تحدث فيها عن التعريب وشروطه، وله شرح على درة الغواص فى أوهام الخواص للحريرى. وتظل مصر مع ما أصابها زمن الاحتلال العثمانى حاملة مشاعل الثقافة العربية فى اللغة وغير اللغة، وينزلها كثيرون من علماء الديار العربية، وممن نزلها-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-السيد مرتضى الزبيدى اليمنى المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ/١٧٩٠ م إذ اتخذها دار مقام له سنة ١١٦٧ حتى لبى نداء ربه، وأكرمه المصريون وعلماؤها، وعكف منذ نزوله على شرح القاموس المحيط للفيروزابادى. ومازال عاكفا على عمله حتى أتمه سنة ١١٨١ وهو مطبوع فى عشر مجلدات، وقد سماه باسم «تاج العروس». وهو يتلو لسان العرب فى كبر حجمه، وفى الجبرتى تقاريظ كثيرة للمصريين فيه. وكأنه أتيح لمصر أن تضع أكبر معجمين للعربية: اللسان فى زمن المماليك وتاج العروس فى زمن العثمانيين، كما أتيح لها أن تضع أكبر دائرة معارف فى المباحث اللغوية ونقصد كتاب المزهر للسيوطى. ومرّ بنا فى صدر هذا الحديث أنه كانت بمصر طبقة من المؤدبين أخذت تتكاثر فى القرنين الثانى والثالث، وكانت تعلم الناشئة اللغة والنحو، ومنذ أواسط القرن الثالث يصبح لمصر نحاتها من أبنائها ونزلائها فى مقدمتهم ولاد التميمى الذى مرّ ذكره فى اللغويين، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا، وكان يعاصره أحمد (٢) بن جعفر الدينورى نزيل الفسطاط المتوفى سنة ٢٨٩ وقد درس على المازنى بالبصرة كتاب سيبويه ولما استوطن مصر واستقرّ بها صنف لطلابه كتابا فى النحو سماه المهذب، وعنه حمله المصريون. ويلقانا فى زمنه محمد (٣) بن ولاد آنف الذكر المتوفى سنة ٢٩٨

стр. 3259

وقد أخذ كل ما عند أبيه وعند أبى جعفر الدينورى، ورحل إلى بغداد وقرأ على المبرد كتاب سيبويه وعاد إلى الفسطاط يدرس النحو، وصنف لطلابه كتابا سماه المنمق. ونزل الفسطاط فى سنة ٢٨٧ الأخفش (١) الصغير على بن سليمان، وظل بها حتى سنة ٣٠٠ للهجرة، يعلم الطلاب النحو واللغة، وله شرح على كتاب سيبويه، لعله أملاه بمصر. ونمضى فى القرن الرابع الهجرى فيلقانا أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المار ذكره، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا وإليه صارت نسخة أبيه من كتاب سيبويه التى قرأها على المبرد، وله كتاب «الانتصار لسيبويه من المبرد» وفيه يرد على المبرد ما نقد به سيبويه فى كتابه الذى سماه «مسائل الغلط». وله آراء (٢) نحوية طريفة. وكان يعاصره كما مر بنا أبو جعفر النحاس اللغوى والنحوى الكبير، وكان يمزج فى كتبه النحوية بين آراء البصريين والكوفيين وأحيانا ينفذ إلى آراء اجتهادية جديدة مما يجعله بحق طليعة (٣) المدرسة البغدادية فى مصر كما يتضح من كتابه الصغير «التفاحة فى النحو» وكتابه الكبير الرائع النفيس: «إعراب القرآن». ويبدو أن اسمه واسم معاصره ابن ولاد طار إلى المغرب والأندلس فرحل إليهما كثيرون من الطلاب يأخذون عنهما، ومربنا أن منذر بن سعيد قاضى الجماعة بالأندلس حمل عن ابن ولاد كتاب العين للخليل بن أحمد، فمصر هى التى أذاعته فى الأندلس والمغرب. وحمل محمد بن يحيى الرّباحى عن أبى جعفر النحاس كتاب سيبويه رواية ودراية ودرّسه (٤) لطلابه بقرطبة، وشاعت رواية هذه النسخة بحيث أصبحت أم الدراسات النحوية فى الأندلس وما رافقها هناك من نهضة فى النحو ومباحثه. وأول نحوى كبير يلقانا فى زمن الفاطميين الحوفى (٥) على بن إبراهيم المتوفى سنة ٤٣٠ تصدّر لإقراء النحو وصنف فيه كتابا كبيرا استوفى فيه-كما قال من ترجموا له-العلل والأصول. وله مصنفات أصغر منه فى النحو اشتغل بها المصريون، وله فى إعراب القرآن كتاب فى عشرة مجلدات، ويبدو مما نقله عنه ابن هشام من آراء نحوية أنه كان بغدادى (٦) النزعة يختار بعض آراء البصريين والكوفيين ويحاول النفوذ إلى بعض آراء جديدة. وكان يعاصره الذاكر (٧) النحوى

стр. 3260

المصرى تلميذ ابن جنى المتوفى سنة ٤٤٠ وكان يتصدّر لإقراء العربية، وأغلب الظن أنه حمل إلى المصريين كتب أستاذه ابن جنى فأخذوا يدرسونها مبكرين. وأنجبت مصر حينئذ نحويا كبيرا هو ابن بابشاذ (١) طاهر بن أحمد المتوفى سنة ٤٦٩ وكان قد رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها ونحاتها وعاد فتصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص فى الفسطاط. وكان يسند إليه الإشراف على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمى إلى الأطراف، وله فى النحو كتب سارت-كما يقول القفطى-مسير الشمس، منها المقدمة فى النحو وشرحها، وهو منشور بالكويت نشرة جيدة. ومن مصنفات ابن بابشاذ شرح كتاب الجمل للزجاجى أحد أئمة النحو البغدادى، وله كتاب سماه المحتسب فى النحو وشرح على كتاب الأصول لابن السراج، وكانت له تعليقة كبيرة فى النحو فى خمسة عشر مجلدا. وكان ينزع منزع البغداديين (٢) فى الانتخاب من آراء الكوفيين والبصريين ومحاولة الإدلاء بآراء جديدة. وخلفه على التصدّر لإقراء النحو تلميذه محمد (٣) بن بركات المتوفى سنة ٥٢٠ وكانت له فى النحو تصانيف مختلفة كما كان إليه التصفح فى ديوان الإنشاء الفاطمى. وأكبر نحاة مصر فى أواخر زمن الفاطميين وأوائل زمن الأيوبيين ابن برّى الذى أسلفنا الحديث عنه بين اللغويين، وكان يتصدر لإقراء النحو واللغة بجامع عمرو، وطارت شهرته فى الآفاق، فقصده الطلاب من كل بلد وفى مقدمتهم عيسى الجزولى نحوىّ المغرب والأندلس، وقد دوّن عنه فى أثناء شرحه لكتاب الجمل للزجاجى مقدمته المعروفة بالجزولية، وكان يقول إنها من نتائج خواطر ابن برى وتلاميذه، واهتم بها النحاة وشرحوها مرارا، وهو بغدادى (٤) النزعة فى النحو مثل أستاذه ابن برى وغيره من نحاة المصريين لزمنه. وخلف ابن برى فى إقراء النحو تلميذه سليمان بن بنين، ومرّ بنا بين اللغويين، وله فى النحو شرح على سيبويه سماه «لباب الألباب فى شرح الكتاب». ونزل مصر يحيى (٥) بن معطى المغربى الدمشقى المتوفى سنة ٦٢٨ واستقر بها وتصدر بجامع عمرو لإقراء الطلاب النحو، وله مصنفات مختلفة فى النحو منها ألفية كألفية ابن مالك وكتاب العقود والقوانين فى النحو، وكتاب الفصول، وحواش على أصول ابن السراج، وشرح

стр. 3261

على الجمل. وكان يعاصره ابن الرماح على (١) بن عبد الصمد المتوفى سنة ٦٣٣ تصدّر لإقراء النحو وله فيه مجموع يتردد ذكره فى كتاب الأشباه والنظائر للسيوطى. ونلتقى بعلى (٢) بن محمد السخاوى المتوفى سنة ٦٤٣ وله شرحان على كتاب المفصل للزمخشرى، واسمه يتكرر فى كتاب الأشباه والنظائر. وأهم النحاة المصريين حينئذ بلا منازع ابن الحاجب (٣) عثمان بن عمر المتوفى سنة ٦٤٦ كان أبوه حاجبا لبعض الأمراء فغلبت عليه النسبة إلى وظيفته. وله كتب كثيرة فى الفقه المالكى والأصول والعروض، وله فى النحو كتاب الأمالى، وكتاباه الكافية فى النحو والشافية فى الصرف طارت شهرتهما فى العالم الإسلامى، وتعلق العلماء بدرسهما للطلاب فى كل مكان، وكثرت عليهما الحواشى والشروح كثرة مفرطة، ومن أهم شروحهما شرح الرضى الإسترابادى. وينزع ابن الحاجب فى كتاباته النحوية منزع المدرسة البغدادية (٤)، فهو ينتخب من آراء المدرستين البصرية والكوفية ويضيف إليهما آراء اجتهادية تدل على حسن بصره وبالغ دقته وحدة ذكائه. وتزدهر الدراسات النحوية فى زمن المماليك، ونلتقى فى أوائله بأمين الدين المحلى (٥) محمد بن على المتوفى سنة ٦٧٣ تصدر لإقراء النحو وانتفع به الناس، وله تصانيف مختلفة فى النحو والعروض. وكان يعاصره بهاء الدين (٦) بن النحاس الحلبى الأصل المتوفى سنة ٦٩٨، نزل مصر وأخذ عن شيوخها ولم يلبث أن تصدر لإقراء العربية، وعليه تتلمذ أبو حيان الأندلسى المتوفى سنة ٧٤٥ حين نزوله مصر سنة ٦٧٩ وله مصنفات مختلفة، من أهمها شرح على المقرب لابن عصفور. وأبو حيان (٧) هو أهم تلاميذه، فقد لزمه وأخذ عنه كتبه، وتصدر لتدريس النحو فى جامع الحاكم بالقاهرة وله شروح كثيرة على أمهات الكتب النحوية مثل الكتاب لسيبويه والمقرب والممتع لابن عصفور والتسهيل لابن مالك وأيضا له شرح على ألفيته، وبجانب ذلك له مصنفات نحوية مستقلة أهمها ارتشاف الضّرب أى عسل النحو، ويغلب عليه متابعة البصريين (٨) ويتصدى

стр. 3262

كثيرا فى مؤلفاته لابن مالك وآرائه، وقد تخرج به جيل من النحاة المصريين لزمنه. ومن أهم تلاميذه ابن أم قاسم (١) الحسن بن قاسم المتوفى سنة ٧٤٩ وأم قاسم جدته لأبيه نسب إليها. وله شروح على مفصل الزمخشرى وتسهيل ابن مالك وألفيته. وخرجت مصر حينئذ أكبر نحاتها ابن هشام (٢) جمال الدين عبد الله بن يوسف المتوفى سنة ٧٦١ وقد طارت شهرته فى العربية وقصده الطلاب من كل فج، وبلغ من إعجاب معاصريه به أن قالوا إنه أنحى من سيبويه، وله مصنفات نحوية كثيرة من أهمها «مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب» وهو فى جزءين: جزء خاص بالحروف والأدوات وجزء خاص بالجمل، بثّ فيه كثيرا من القواعد الكلية والملاحظات الدقيقة. وله كتاب «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» وكتاب «شذور الذهب» وكتاب «قطر النّدى» وكل هذه الكتب مطبوعة مرارا وتكرارا. وهو ينهج فى النحو منهج المدرسة البغدادية. وكان يعاصره ابن (٣) عقيل عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى سنة ٧٦٩ ومن أهم مصنفاته شرحه على الألفية. وهو مشهور. ونلتقى فى القرن التاسع الهجرى بالدمامينى (٤) الإسكندرى المتوفى بالهند سنة ٨٣٧ تصدّر لإقراء النحو بالإسكندرية ثم بالجامع الأزهر، وله حاشية على المغنى لابن هشام. وفيها يتحامل عليه تحاملا شديدا مما جعل الشّمنّى الإسكندرى المتوفى سنة ٨٧٢ يتعقبه فى حاشية له على المغنى، والحاشيتان مطبوعتان معا. ونلتقى بعدهما (٥) بالكافيجىّ محمد بن سليمان الرومى المتوفى سنة ٨٧٩ وله مختصرات نحوية مختلفة. ومن أهم النحاة حينئذ الشيخ خالد (٦) الأزهرى المتوفى سنة ٩٠٥ تصدر لإقراء الطلاب فى الأزهر فنسب إليه، وله مصنفات نحوية مختلفة منها «المقدمة الأزهرية فى علم العربية» وشرح عليها، وهما مطبوعان، وله شروح على مصنفات نحوية متعددة أهمها شرحه: «التصريح على التوضيح» لابن هشام. وكان يعاصره السيوطى وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا، وله فى كليات النحو كتاب «الأشباه والنظائر» فى أربعة مجلدات. وفيه طبق

стр. 3263

على قواعد النحو الكلية منهج الفقهاء فى كتاباتهم عن الأشباه والنظائر فى الفقه، وهو كتاب نفيس، وقد طبع بحيدر آباد. وله كتاب الاقتراح وهو مختصر لطيف فى أصول النحو ألفه على هدى كتاب الخصائص لابن جنى كما يقول فى مقدمته. وله فى النحو والتصريف كتاب همع الهوامع فى مجلدين ضخمين ضمّ فيه خلافات النحاة وآراءهم. وهو دائرة معارف نحوية وصرفية بديعة. ويلقانا فى أوائل زمن العثمانيين الأشمونى (١) على بن محمد المتوفى سنة ٩٢٩ للهجرة ومن أهم مصنفاته النحوية شرحه على ألفية ابن مالك. وهو يعرض فيه بدقة آراء النحاة المختلفين، وهو مثل شرح ابن عقيل على الألفية من أشهر كتب النحو المتداولة. ويستمر نشاط علماء النحو طوال أيام العثمانيين، ومن أشهرهم فى القرن الحادى عشر الشنوانى المتوفى سنة ١٠١٩ والدنوشرى المتوفى سنة ١٠٢٥، وينزل القاهرة عبد القادر (٢) البغدادى المتوفى سنة ١٠٩٣ ومن مؤلفاته: «خزانة الأدب» وهى شرح لشواهد شرح الكافية فى أربعة مجلدات، وعادة يذكر مع الشواهد شعراءها ويترجم لهم، وبذلك أحال خزانته إلى دائرة معارف لشعراء العربية فى الجاهلية وصدر الإسلام، ونمصى إلى القرن الثانى عشر فيلقانا الخفى المتوفى سنة ١١٨١ ومحمد الأمير المتوفى سنة ١١٨٨ وله حاشية على المغنى. وهى مطبوعة. ولا نلبث أن نلتقى بالشيخ حسن الكفراوى (٣) المتوفى سنة ١٢٠٢ صاحب شرح الأجرومية المشهور. ونلتقى بالصبان (٤) محمد بن على المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ/١٧٩١ م صاحب حاشيته المشهورة على شرح الأشمونى، وهى أشبه بدائرة معارف نحوية، وترمز بقوة إلى استمرار النشاط النحوى بمصر حتى نهاية أيام العثمانيين. وإذا تركنا علمى النحو واللغة إلى علوم البلاغة والنقد. رأينا مصر تتأخر فى إفراد العلوم البلاغية بمصنفات خاصة بها، وأول كتاب بحده يعنى بمباحث البلاغة كتاب لابن وكيع التنيسى. المتوفى سنة ٣٩٣ سماه المنصف (٥) فى بيان سرقات المتنبى، وهو بذلك أدخل فى مباحث النقد.

стр. 3264

غير أنه جعل بين يديه مبحثين: مبحثا فى السرقات الشعرية عامة، ومبحثا فى فنون البديع، وهو فيه يذكر أولا مصطلحاته التى دونها ابن المعتز فى كتاب البديع ثم يذكر ما أضافه قدامة فى نقد الشعر، ويستمد من كتاب ثالث لا يسمى صاحبه، وربما كان كتاب حلية المحاضرة للحاتمى. والكتب الثلاثة فعلا أهم كتب ألفت فى البديع قبله. وكأن مصر إن كانت قد تأخرت فى وضع المباحث البلاغية فإنها لم تقصر فى الاطلاع على ما وضعت العراق منها حتى زمن ابن وكيع، وظلت تعنى بعده بالاطلاع على مباحث العراقيين وغير العراقيين حتى نهاية زمن الفاطميين، تدل على ذلك كتابات على بن منجب الصيرفى المتوفى سنة ٥٤٢ وإذ نراه فى كتابه: قانون ديوان الرسائل يتحدث عن البلاغة حديثا سريعا وعرض فى بعض رسائله لفنى الجناس والتورية من فنون البديع. ولعل أول كتاب بلاغى ألّف فى مصر بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة كتاب غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات لعلى (١) بن ظافر الأزدى المصرى المتوفى سنة ٦٢٣. وسبقته فى نفس الموضوع كتب أخرى من أهمها كتاب التشبيهات لابن أبى عون وقد عرضنا له فى الجزء السابق من هذه السلسلة، وقد توفى سنة ٣٢٣. ويذكر ابن ظافر فى مقدمة كتابه أنه قدمه للملك الأفضل على بن صلاح الدين سنة ٥٨٧ فى حياة أبيه، وهو منشور بالقاهرة. وجعله ابن ظافر فى ستة أبواب: أولها فى تشبيه الأجرام العلوية والثانى فى تشبيه المياه والأنهار والثالث فى تشبيه الأنوار والأثمار والنبات والرابع فى التشبيه الواقع فى الخمريات والخامس فى التشبيه الواقع فى الغزل والسادس فى تشبيهات مختلفة. والكتاب يجمع طرف التشبيه فى هذه الموضوعات المتنوعة، وخاصة تلك التى دارت على ألسنة المحدثين من شعراء مصر والشام والعراق والمغرب والأندلس، واستعان فى ذلك بكتب الأدب العامة مثل اليتيمة للثعالبى والخريدة للعماد الأصبهانى. ونعجب إذ نرى شعراء العالم العربى معروضين فى الكتاب مع فرائدهم فى التشبيه، غير أن العجب يزول إذا عرفنا ما أكّدناه مرارا من أن العالم العربى كانت تسوده وحدة جعلت آثاره الأدبية والعلمية وكأنها آثار كل بلد من بلدانه، مما جعل دواوين الشعراء تتداول فى أوسع نطاق، بحيث لم يكن يظهر شاعر فى بلدة وينال شيئا من الشهرة حتى تتناقل ديوانه وأشعاره البلدان العربية المختلفة. ويلقانا

стр. 3265

بعد ابن ظافر عبد الرحيم (١) بن شيث المتوفى سنة ٦٢٥ ونراه فى كتابه «معالم الكتابة ومغانم الإصابة» يعقد فصلا للبلاغة يعرض فيه للإيجاز والمساواة واختيار الألفاظ والسجع وبعض فنون البديع. ويتلوه العز بن عبد السلام الإمام الشافعى المشهور نزيل القاهرة سنة ٦٤٠ وقد ظل فيها علما كبيرا فى الفقه الشافعى وغيره، وله كتاب منشور سماه الإشارة إلى الايجاز فى بعض أنواع المجاز، وهو بذلك كتاب فى علم البيان، وقد قصره على إحصاء دقيق لأمثلة المجاز فى الذكر الحكيم، عنى فيه بالأمثلة أكثر مما عنى بالقواعد وتفاريعها الكثيرة المعروفة فى علم البيان. وأهم من العز بن عبد السلام فى ميدان التأليف بمصر فى البلاغة وفنون البديع معاصران له هما أحمد بن يوسف التيفاشى المغربى الجزائرى نزيل مصر المتوفى سنة ٦٥١ وابن أبى الإصبع المصرى المتوفى سنة ٦٥٤. أما التيفاشى فذكرنا عنه فى غير هذا الموضع أنه نزل مصر فى باكورة شبابه وأنها تعهدته حتى أصبح عالما لا يشقّ غباره فى التاريخ الطبيعى والجيولوجيا وكان أديبا وعنى بالتأليف فى البديع وألف فيه كتابا أحصى فيه سبعين محسنا من المحسنات البديعية، وسقط الكتاب من أيدى الزمن. أما ابن أبى الإصبع فيعد أكبر بلاغى ظفرت به مصر فى القرن السابع الهجرى، وله كتابان: تحرير التحبير فى صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، وكتاب بديع القرآن. والكتابان جميعا فى دراسة البديع وألوانه فى الشعر والنثر وآى القرآن الكريم، وواضح من عنوان ثانيهما أنه خاص ببديع الذكر الحكيم، والكتابان منشوران بالقاهرة. ويذكر ابن أبى الإصبع فى تقديمه للكتابين مصادره ومنها نتبيّن أنه لم يكد يترك كتابا ألف فى البلاغة وفنون البديع وإعجاز القرآن الكريم إلا رجع إليه، من ذلك نظم القرآن للجاحظ وبديع ابن المعتز ونقد الشعر لقدامة وحلية المحاضرة للحاتمى والمنصف لابن وكيع المصرى والصناعتين لأبى هلال العسكرى والنكت فى إعجاز القرآن للرمانى وإعجاز القرآن للباقلانى والمجاز للشريف الرضى والموازنة للآمدى والوساطة لعلى بن عبد العزيز الجرجانى والعمدة لابن رشيق وسرّ الفصاحة لابن سنان الخفاجى ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانى والكشاف للزمخشرى ونهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز للفخر الرازى والمثل السائر لابن الأثير وبديع شرف الدين التيفاشى إلى غير ذلك من مصنفات كثيرة. وإنما ذكرنا الأمهات لندل على أن كتب البلاغة والبديع كانت تدرس فى مصر، وكان المصريون يعكفون على قراءتها فهما وفقها ودراسة واستنباطا. ويعرض ابن أبى الإصبع فى كتابه

стр. 3266

تحرير التحبير الألوان البديعية التى اختص بها ابن المعتز، ثم يعرض الألوان العشرة التى انفرد بها قدامة وقد بلغت جميعا ثلاثين لونا، ويسمى هذه الألوان الأصول، حتى إذا انتهى من عرضها أتبعها بالفروع التى ذكرها المؤلفون حتى زمنه وقد بلغت ستين محسنا، ويتلوها بثلاثة محسنات نقلها عن بديع الإجدابى، وبذلك تبلغ الألوان البديعية ثلاثة وتسعين لونا، ويتلوها بثلاثين لونا من عمله واكتشافه، سلّم له البلاغيون منها نحو عشرين محسنا، وقالوا إن الباقى إما مسبوق إليه أو مدخول عليه (١). وصنف بعد هذا الكتاب كتابه الثانى «بديع القرآن» ذكر فيه أولا-كما قلنا آنفا-أصول المحسنات البديعية عند ابن المعتز وقدامة، ثم مضى فى ذكر المحسنات الفرعية حتى بلغ بها مائة محسن وتسعة. ويلاحظ أنه أدخل فى تلك المحسنات الصور البيانية وطائفة من أبواب علم المعانى كالتكرار والتفصيل والإيضاح والبسط أو الإطناب والإيجاز وبذلك وسع مدلول المحسنات البديعية وظل ذلك عند أصحاب البديع من بعده. وتشغل مصر طويلا بكتابى ابن أبى الإصبع، حتى إذا كنا فى منتصف القرن الثامن الهجرى وجدناها تسهم فى العناية بمباحث المشارقة فى البلاغة وعلومها الثلاثة: المعانى والبيان والبديع، وكان الخطيب القزوينى قد لخص القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكى، وهو القسم الخاص بعلوم البلاغة، وأحسن فى هذا التلخيص إلى حد بعيد. مما جعل الشراح يعنون بتفسيره والتعليق عليه، ويعنى بذلك شارح مصرى هو أحمد (٢) بن على بن عبد الكافى السبكى المتوفى سنة ٧٧٣ ويسمى شرحه «عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح» ونراه فى فواتحه يشيد بالمصريين وما طبعوا عليه من الذوق السليم الذى أغناهم عن التعمق فى مباحث السكاكى البلاغية وشراحه الإيرانيين لاهتمامهم جميعا بالعلوم العقلية والفلسفية، ويصور عمله فى شرحه قائلا: «اعلم أنى مزجت قواعد هذا العلم (علم البلاغة) بقواعد الأصول والعربية. . وضمنته شيئا من القواعد المنطقية والمعاقد الكلامية والحكمة الرياضية أو الطبيعية». وكأنما أعدته فى شرحه طريقة المشرقيين أو المشارقة، فعاد يصل فى شرحه بين البلاغة وعلوم المنطق والكلام والفلسفة الطبيعية والرياضية، مما أصاب البلاغة ومباحثها بالجفاف فى مصر كغيرها من بلدان المشرق. وكانت قد أخذت تظهر بديعيات مختلفة وهى مدائح نبوية تشتمل المدحة منها على محسنات البديع، بحيث

стр. 3267

يضم كل بيت محسنا من تلك المحسنات. وصنعت لتلك البديعيات شروح تفسرها وتعرض أمثلتها. ولم تسارع مصر إلى المشاركة فى هذه البديعيات التى أخذت تظهر منذ القرن السابع الهجرى، حتى إذا كنا بأخرة من زمن المماليك وجدنا السيوطى ينظم بديعية يسميها «نظم البديع فى مدح خير شفيع» وله عليها شرح. وتليها بديعية لعائشة الباعونية المتوفاة سنة ٩٣٠. وتعتنى مصر زمن العثمانيين بتلخيص الخطيب القزوينى وشروحه وخاصة شرح السبكى والسعد التفتازانى. وإذا كانت المباحث البلاغية تأخرت فى مصر لهذا العصر فإن المباحث النقدية شاركتها فى هذا التأخر، ويلقانا فى أوائل العصر-كما مرّ بنا آنفا-كتاب المنصف لابن وكيع فى بيان سرقات المتنبى ومشكل شعره، وقد ذكرنا أنه احتوى على مقدمة فى فنون البديع، وذهب بلاشير إلى أنه ألفه انتصارا لابن حنزابة وزير كافور إذ ترفع المتنبى عن مدحه فأغرى ابن وكيع بنقده (١). وهو يذكر فى تقديمه لكتابه أن جماعة بالغوا فى مديح المتنبى حتى فضلوه على جميع الشعراء بنتائج فكره وبدائع معانيه، فأراد أن يكشف عن مدى تقليده ومحاكاته لمن تقدموه، ويقدم لكلامه بمبحث عن السرقات يصنفها فيه عشرين صنفا. وتحدث حديثا مجملا-عرضنا له-عن فنون البديع، ثم أخذ يفيض فى سرقات المتنبى متعقبا لها فى قصائده مع ترتيبها ترتيبا تاريخيا. وهو بحث قيم بالقياس إلى غيره من بحوث معاصريه ومن جاء بعدهم ممن عنوا ببيان سرقات المتنبى، إذ يدل على كثرة محفوظه وفطتته ودقته فى الفهم. وقديما قلنا إن نقادنا القدماء كان ينبغى ألاّ يتوسعوا فى بحث سرقات الشعر هذا التوسع كما كان ينبغى أن ينحّوا عنه كلمة السرقة ويسموه التحوير الفنى، ويحاولوا أن يتبينوا مدى قدرة الشاعر على هذا التحوير. ونعجب أن يحاول ابن وكيع بيان الإسفاف عند المتنبى وضعفه اللغوى لبيت وقع عليه عفوا هنا أو هناك، والشاعر لا يقاس ببعض عثرات له ندّت عنه، وإنما يقاس بروائع أبياته وفرائدها البديعة. وهذا وأشباهه عند ابن وكيع جعل ابن جنى يؤلف كتابا فى النقض على ابن وكيع فى شعر المتنبى وتخطئته (٢) كما جعل ابن رشيق يقول عنه: «ما أبعد الإنصاف منه» (٣). وربما جرّ ابن وكيع إلى ذلك كله أنه كان شاعرا من ذوق غير ذوق المتنبى فأسرف فى التحامل عليه. ولم يؤدّ كتاب المنصف غايته من الهبوط فى مصر بمنزلة المتنبى فقد مضى كثيرون يبالغون فى تشيعهم له، مما جعل العميدى (٤) محمد بن أحمد كاتب

стр. 3268

الإنشاء فى دواوين الفاطميين المتوفى سنة ٤٣٣ يكتب بحثا ثانيا فى سرقاته باسم «الإبانة عن سرقات المتنبى» وهو يطيل فى عرض هذه السرقات-كما تتراءى له-مع كثير من الغمز واللمز والتجريح للشاعر الكبير، ويعرض-كما عرض ابن وكيع-لبعض عيوبه اللغوية. وما تزال مصر معنية بالبحث فى السرقات ويقف عندها مرارا ابن منجب الصيرفى فى رسائله، وما تزال معنية بالمتنبى، بل إنها لتمد عنايتها إلى جميع شعراء العالم العربى. ونرى أضواء من ذلك كثيرة فى كتاب فصوص الفصول (١) لابن سناء الملك شاعر صلاح الدين، إذ نراه يجمع فيه بعض الرسائل المتبادلة بينه وبين القاضى الفاضل، وفيها يعرضان كثيرا لشعراء العالم العربى. ومن طريف ما ذكره ابن سناء الملك فيها أنه سأل القاضى الفاضل لماذا يدور شعر المتنبى على كل لسان، فقال لأنه يشتمل على ما يدور بخواطر الناس من أفكار، يقصد حكمه البديعة. وسأله القاضى الفاضل أن ينتخب مختارات من شعر ابن الرومى فاعتذر عن ذلك بأنه «ليس من أهل اختياره، ولا من الغواصين الذين يستخرجون الدر من بحاره، لأن بحاره زخّارة، وأسوده زآرة، ومعدن تبره مردوم بالحجارة، وعلى كل عقيلة ألف نقاب بل ألف ستارة، يطمع ويوئس، ويوحش ويؤنس، وينير ويظلم، ويصبح ويعتم، شذرة وبدرة، ودرة وآجرّه، وقبلة بجانبها لسعة»، وابن سناء الملك بذلك عبر فى وضوح عن مدى التفاوت بين أشعار ابن الرومى، وهو نقد دقيق، وسأله القاضى الفاضل مرة أخرى صنع منتخب لشعر ابن رشيق، فصنعه، وذكر له فى إحدى رسائله ذلك كما ذكر له أن شعره مسروق من شعر ابن المعتز والمتنبى، يقول: «ولو لم يخلق الله ابن المعتز والمتنبى لما كان ابن رشيق يعرف الشعر فضلا عن أن ينظمه أو يعلمه، وهو ينهب أشعار هذين الرجلين نهبا قبيحا ولا سيما ابن المعتز». وينوّه ابن سناء الملك مرارا فى الرسائل بابن المعتز والبحترى. وقد حملت فيما حملت نظرات نقدية للقاضى الفاضل أحيانا فى بعض أبيات لابن سناء الملك، وأورد القلقشندى فى صبحه نموذجا (٢) من هذه الرسائل المتبادلة بين الأديبيين الكبيرين، إذ أورد رسالة نقد فيها القاضى الفاضل بيت ابن سناء الملك: صلينى وهذا الحسن باق فربما ... يعزّل بيت الحسن منه ويكنس لذكره فيه كلمة «يكنس» المبتذلة، وردّ عليه ابن سناء الملك بأنه إنما تابع فى ذلك ابن المعتز فى قوله:

стр. 3269

وقوامى مثل القناة من الخطّ ... وخدّى من لحيتى مكنوس وكأنه يريد أن يقول للفاضل إن الكلمة استعملها ابن المعتز من قبله وأصبحت بذلك كلمة شعرية ولا بأس على شاعر من استعمالها. وابن سناء الملك أكبر رمز مصرى فى العصر لاتصال شعراء مصر ونقادها بالأدب الأندلسى، فقد درس موشحات الأندلسيين، ولم يكونوا قد وضعوا عروضها فوضعه لها، وكأنه يحلّ من عروض الموشحات الأندلسية محل الخليل بن أحمد من عروض الشعر العربى، وسنتحدث بشئ من التفصيل عن ذلك فى الفصل التالى. وقد شغل ابن سناء الملك النقاد فى زمنه وبعد زمنه. لا بما وضعه من عروض الموشحات فحسب، بل أيضا بشعره، فقد كان أنبه شاعر أنجبته مصر حتى أيامه، فشغل النقاد طويلا بأشعاره، وفيه وضع ابن جبارة (١) على بن إسماعيل مواطنه المتوفى سنة ٦٣٢ كتابه «نظم الدر فى نقد الشعر» وهو فى نقد أشعار ابن سناء الملك، والكتاب مفقود، غير أن الصفدى فى كتابه «الغيث المسجّم» الذى وضعه فى شرح لامية العجم نقل عنه أطرافا من نقده لبعض أبيات ابن سناء الملك، ونراه فيها متحاملا عليه تحاملا شديدا أو كما قال الصفدى فى نكت الهميان «متعنتا تعنتا زائدا». من ذلك قول ابن سناء الملك: بشوك القنا يحمون شهد رضابها ... ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل يصف فى البيت منعة صاحبته وأن أحدا لا يستطيع أن يقترب من حماها لبأس قومها وخشية من رماحهم أن تسفك دمه. وتوقّف ابن جبارة بإزاء البيت (٢) وقال إنه أراد أن يمدح قوم صاحبته فهجاهم بالمثل المضمن آخر بيته الذى جعله كفن مّيته لأنه جعل طعن رماحهم كإبر النحل، يقول ابن جبارة: وإبرة النحل لا أثر لها ولا ألم يحصل منها. ويرد عليه الصفدى قائلا: أما كونه يدعى أنه لا ألم فى إبر النحل ولا ضرر فى الزنابير فهذا مما لم يسمع، وهو تحامل أليس فى إبر النحل والزنابير سمّ يمنع القرب منه والدنو إليه، وغالب الناس يهاب ذلك ولا يقدم عليه، وربما لسع الزنبور بعض الناس فتورّم منه ومات. ورد عليه أيضا ما قاله من أنه شبّه طعن رماح القوم بإبر النحل فهو لم يعقد فى البيت تشبيها، وإنما جاء بمثل ليدل على أن حلاوة ريق صاحبته

стр. 3270

لا تنال إلا بعد مشقة. وأنكر ابن جبارة فى البيت أيضا كلمة «بشوك القنا» وقال الصفدى ردا عليه إنها استعارة حسنة، وأنشد بيتين للأرجانى وابن خفاجة شبها فيهما القنا بالشوك. وتوقف ابن جبارة بإزاء (١) بيت نظم ابن سناء الملك قصيدته فى مديح القاضى الفاضل، إذ يقول: يقرى الضيوف شعاع تبر أحمر ... فشعاع ذاك التّبر نيران القرى وحاول فى أول نقده أن يثبت سرقة ابن سناء الملك للبيت من بيت لابن عمار وآخر للمتنبى. وقال الصفدى: إن هذا تعنت زائد إذ ليس للبيت علاقة بما قاله الشاعران. ويسترسل ابن جبارة فى نقده للبيت فيقول: قوله: «يقرى الضيوف شعاع تبر أحمر». التبر لا يكون إلا كذاك (أى أحمر) وإنما قصد المبالغة وشبه ذلك بشعاع النار التى توقد على اليفاع ليهتدى بها الحيران. وتهتدى إلى مواضعها الضيفان، وقد جعله يدفع إلى الضيوف صلة الإنعام ويمنعهم من الطعام. يقول الصفدى: وهذا تعنت لأن التبر منه ما يكون أصفر أو أخضر ومنه ما يكون أحمر وهو المضروب وإنما سماه ابن سناء الملك تبرا مجازا، ولولا ان هذا لازم لما قيل فى بعض المواطن الذهب الأحمر كما يقال الثلج الأبيض. وعلى هذا النحو لا يزال الصفدى يرد على ابن جبارة بعض تعنته وتحامله على ابن سناء الملك. ويفهم من كلام الصفدى أن ابن جبارة كان يستعرض بعض قصائد الشاعر، وما يزال يعلق على طائفة من أبياتها بتحامل شديد. ولا شك فى أن النقد الأدبى المصرى فى هذا العصر خسر كثيرا بسقوط هذا الكتاب النقدى من يد الزمن. ومن المؤكد أننا لا نستطيع الحكم عليه بدقة من خلال ما نقله عنه الصفدى. وهو فعلا لم يتوسع فى نقله. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن أهم كتاب ظهر بعد كتاب ابن جبارة هو كتاب خبز الشعير لابن نباتة المتوفى سنة ٧٦٨ وهو أهم شعراء مصر فى زمن المماليك، وكانت قد حدثت جفوة بينه وبين تلميذه الصفدى بسبب بحث كتبه عن سرقاته من الشعراء السابقين فألف هذا الكتاب موضحا فيه سرقات الصفدى لأشعاره ومعارضته لبعض قصائده. وفى مقدمته (٢) يقول: إنه ليس للصفدى من جيد الأشعار لمعة إلا ومن لفظه مشكاتها. ومضى يذكر الأصل (٣) من أبياته أو الأصول، ثم الفرع أو الفروع من أبيات الصفدى. وفى صبح الأعشى دراسة (٤) نقدية

стр. 3271

طريفة للمعانى والألفاظ وقبحها وما بداخلها من الغرابة والابتذال والإيجاز والإطناب، وقد امتدت عنده إلى نحو مائة وأربعين صحيفة. ونلتقى فى أيام العثمانيين بشهاب الدين الخفاجى وكتابه «ريحانة الألبا» الذى ترجم فيه لشعراء زمنه فى الشام والمغرب والحجاز واليمن ومصر، وقد بثّ فيه ملاحظات نقدية كثيرة. ٤ - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام أخذ المصريون يعنون بقراءات الذكر الحكيم منذ أخذ الصحابة الذين تزلوها يعلمونه لهم. وأسهم معهم فى هذا الصنيع التابعون من مثل عبد (١) الرحمن بن هرمز تلميذ أبى الأسود الدؤلى نزيل الإسكندرية المتوفى سنة ١١٧ للهجرة. ورحل كثير من المصريين إلى المدينة فى القرن الثانى لحمل قراءة إمامها نافع الذى طبقت شهرته فى القراءات العالم الإسلامى حتى وفاته سنة ١٦٩. وأشهر تلاميذه بمصر من حملة قراءته ورش (٢) عثمان بن سعيد المتوفى سنة ١٩٧ وكان ماهرا فى العربية، وإليه انتهت رياسة الإقراء بالديار المصرية، وحمل عنه قراءته أهل المغرب كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ولا يزالون يقرءون بها إلى اليوم. ومن أهم تلاميذه المصريين عبد (٣) الصمد بن عبد الرحمن بن القاسم أبو الأزهر المتوفى سنة ٢٣١ ويقول السيوطى: وعنه انتشرت قراءة ورش فى الأندلس فقد حملها إليه تلاميذه. ويبدو أن مصر مضت طوال القرن الثالث الهجرى تعنى بالقراءات وحملها عن كبار القراء، كما تعنى بما يؤلّف فيها من مصنفات، يدل على ذلك أقوى الدلالة أنه بمجرد أن صنف أبو بكر بن مجاهد المتوفى سنة ٣٢٤ كتابه السبعة فى القراءات الذى جمع فيه قراءات نافع إمام أهل المدينة وابن كثير إمام أهل مكة وأبى عمرو بن العلاء إمام أهل البصرة وعاصم وحمزة والكسائى أئمة أهل الكوفة وابن عامر إمام أهل الشام نجد عالما مصريا معاصرا له من علماء القراءات هو أبو غانم المتوفى سنة ٣٣٣ يؤلف كتابا فى اختلاف السبعة (٤)

стр. 3272

المذكورين، وقد أحصى السيوطى ١٣٥ قارئا ممن تصدروا للقراءات بمصر حتى زمنه. ولا ريب فى أنه كان وراءهم كثيرون لم يبلغوا مبلغهم فى الشهرة، ولن نستطيع أن نقف عندهم جميعا إنما نكتفى منهم بمن تركوا فى القراءات مصنفات طارت شهرتها فى العالم الإسلامى. وأول من نقف عنده عبد (١) المنعم بن غلبون المتوفى سنة ٣٨٩ صاحب كتاب الإرشاد ثم ابنه طاهر (٢) المتوفى سنة ٣٩٩ صاحب كتاب التذكرة فى القراءات الثمان، وعليه تخرج أبو عمرو الدانى أكبر قراء الأندلس فى زمنه صاحب كتاب التيسير وغيره كما تخرج عليه وعلى أبيه مكى بن أبى طالب القيروانى نزيل قرطبة صاحب كتاب التبصرة وغيره. ونمضى فى القرن الخامس فنلتقى بعبد (٣) الجبار الطرسوسى المتوفى سنة ٤٢٠ صاحب كتاب المجتبى، كما نلتقى بالحسن (٤) بن محمد البغدادى المالكى نزيل مصر المتوفى سنة ٤٣٨ صاحب كتاب الروضة، ونلتقى بإسماعيل (٥) بن خلف المتوفى سنة ٤٥٥ وكتابه «العنوان». ونلتقى بعده بموسى بن الحسين المعروف باسم المعدل المصرى وكتابه الروضة فى اختلاف الأئمة القراء الخمسة عشر (٦)، ونلتقى فى القرن السادس بابن الفحام (٧) شيخ الإسكندرية المتوفى سنة ٥١٠ وكتابه التجريد، كما نلتقى بابن (٨) بليمة القيروانى نزيل الإسكندرية المتوفى سنة ٥١٤ وكتابه تلخيص العبارات. ويلقانا أيام الأيوبيين علم كبير من أعلام القراءات هو الإمام الشاطبى (٩) الضرير المتوفى بالإسكندرية سنة ٥٩٠ وقصيدته «حرز الأمانى» المعروفة باسم الشاطبية نسبة إليه، وقد عنى بشرحها كثيرون من أئمة القراء وفى مقدمتهم تلميذه العلم (١٠) السخاوى المتوفى-كما مر بنا-سنة

стр. 3273

٦٤٣ وله فى القراءات كتاب جمال القراء وكمال الإقراء. وكان يعاصره عبد الرحمن (١) بن إسماعيل الصفراوى الإسكندرى المتوفى سنة ٦٣٦ صاحب كتاب الإعلان. ويتوالى التأليف فى القراءات ونلتقى بابن الجندى المتوفى سنة ٧٦٠ وكتابه البستان، وبشرح للسيوطى على الشاطبية. ويختم الإمام شهاب (٢) الدين القسطلانى المتوفى سنة ٩٢٣ زمن المماليك بكتابه الرائع: «لطائف الإشارات لفنون القراءات» وفيه يجمع طرق القراءات الأربع عشرة، بإضافة قراءات أبى جعفر يزيد بن القعقاع المدنى ويعقوب بن إسحق البصرى وخلف بن هشام الكوفى المكملين للعشرة، وإضافة قراءات ابن محيصن المكى واليزيدى البصرى والحسن البصرى والأعمش الكوفى إلى ما ذكرناه آنفا من قراءات السبعة الذين صنف فيهم ابن مجاهد كتابه. ويظل التأليف فى القراءات لزمن العثمانيين ناشطا ومن أهم ما ألف فى زمنهم كتاب إتحاف البشر وهو يعنى بعرض ألقراءات الأربع عشرة ألفه البناء أحمد بن محمد الدمياطى المتوفى سنة ١١١٧. ومعروف أنه تكوّنت علوم كثيرة حول القرآن الكريم، ونجد مصر تشاطر فيها مشاطرة واضحة منذ القرن الثالث الهجرى، ولا يلبث أبو جعفر النحاس الذى مر ذكره أن يؤلف فى جوانب منها، فقد ألف كتابا فى الناسخ والمنسوخ وكتابا فى الوقف والابتداء وألف كتابا-كما مر بنا-فى إعراب القرآن وهو أحد الأصول المهمة فى هذا الموضوع. وظلت مصر تعنى بعلوم القرآن من بعده وتصنّف فيها مصنفات مختلفة تتصل بتجويده وبناسخه ومنسوخه ولغاته وغريبه وأسباب نزوله وما فيه من الوقف والابتداء والصور البلاغية إلى غير ذلك من علومه المتنوعة. ويطول الحديث لو أنا تتبعنا ما كتبته مصر بهذا العصر من تلك العلوم، ولكن نكتفى بالإشارة إلى كتابين هما البرهان فى علوم القرآن لبدر (٣) الدين الزركشى المتوفى سنة ٧٩٤ والإتقان فى علوم القرآن للسيوطى، وهما يعرضان مادة هذه العلوم وما ألّف فيها حتى نهاية القرن التاسع إذ توفى السيوطى كما مر بنا سنة ٩١١. ومن أهم هذه العلوم علم التفسير، وطبيعى أن تعنى به مصر منذ دخلت فى الإسلام حتى تفهم

стр. 3274

آى الذكر الحكيم، وكان حفّاظها يروون خلفا عن سلف ما قيل فى معانى آى الذكر الحكيم، واشتهر بها فى القرن الثانى طريق وثيق عن ابن عباس المشهور بتفسير القرآن الكريم، هو طريق على بن أبى طلحة الهاشمى وفيه يقول أحمد بن حنبل: «إن بمصر صحيفة فى التفسير رواها على بن أبى طلحة الهاشمى لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا». ويذكر السيوطى أن البخارى اعتمد على هذه الرواية كثيرا فى صحيحه فيما يعلقه عن ابن عباس (١). وكأنها بعض ما حمله البخارى عن مصر فى رحلته إليها لتدوين الحديث عن جلّة رواته فيها. وتظل مصر معنيّة بالقرآن وتفسيره وأحكامه، ويؤلف أبو جعفر الطحاوى الفقيه الحنفى المتوفى سنة ٣٢١ كتابا فى أحكام القرآن. ويعنى أبو جعفر النحاس بعلوم القرآن، ولا يلبث أحد تلاميذه، وهو أبو بكر الإدفوى (٢) محمد بن على المصرى المقرئ المتوفى سنة ٣٨٨ أن يؤلف فى التفسير كتابا ضخما يقول المترجمون له إنه كان فى مائة وعشرين مجلدا، وسماه كتاب الاستغناء فى علوم القرآن، وأهم تلاميذه الحوفى المار ذكره بين النحاة، وله كتاب البرهان فى تفسير القرآن فى ثلاثين مجلدا ويقول القفطى: صنّف كتابا كبيرا فى إعراب القرآن فى عشرة مجلدات. وهو وأستاذه أهم المفسرين فى زمن الفاطميين، وممن نلتقى به فى زمن الأيوبيين المرسى (٣) السلمى محمد بن عبد الله نزل مصر واستقر بها سنة ٦٢٤ وتوفى سنة ٦٥٥ وله تفسير كبير فى أكثر من عشرين جزءا سماه «رى الظمآن فى تفسير القران». وكان يعاصره العز بن عبد السلام الفقيه الشافعى المشهور وله تفسير، منه مخطوطة بدار الكتب المصرية، بناه على الوجوه البيانية والبلاغية فى آى الذكر الحكيم. ونمضى فى زمن المماليك ونلتقى بالقرطبى (٤) محمد بن أحمد نزيل مصر والمستقر بمدينة المنيا (منية الخصيب فى الصعيد) المتوفى سنة ٦٧١ وله التفسير المشهور المسمى «جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآى القرآن». ويلقانا بعده ابن (٥) المنير أحمد بن محمد الإسكندرى المتوفى سنة ٦٨٣ وله تفسير سماه «البحر الكبير فى نخب التفسير» وكتاب ثان تتبع فيه

стр. 3275

آراء الزمخشرى الاعتزالية التى بثّها فى تفسيره وحاول نقضها بما يتفق وآراء أهل السنة، سماه الانتصاف من الكشاف وهو مطبوع على هوامشه. ويتلوه ابن (١) النقيب محمد بن سليمان المتوفى سنة ٦٩٨ وله تفسير كبير الحجم سماه «التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير» وجعل له مقدمة كبيرة تحدث فيها عن الوجوه البلاغية فيه. وقد سقط الكتاب من يد الزمن، ربما لضخامة حجمه. وكان يعاصره عبد (٢) العزيز الديرينىّ المتصوف المتوفى سنة ٦٩٤ وله المصباح المنير فى علم التفنسير، وأيضا كان يعاصره العلم (٣) العراقى المصرى المتوفى سنة ٧٠٤ وسمى العراقى نسبة إلى جده لأمه، وكان هذا الجد مصريا غير أنه دخل العراق فلقب بهذا الاسم الذى انتقل إلى حفيده، وله كتاب فى الانتصار للزمخشرى من ابن المنير وله مختصر فى التفسير. وأكبر المفسرين فى القرن الثامن أبو حيان الأندلسى وتفسيره البحر المحيط مشهور، وكان قد اتخذ القاهرة دار مقام له غير أن عداده فى الأندلسيين. وأهم المفسرين بعده جلال الدين السيوطى وله تفسير كبير يسمى «الدر المنثور فى التفسير بالمأثور» مطبوع فى ستة مجلدات. وكان جلال الدين المحلى محمد بن أحمد المتوفى سنة ٨٦٤ فسّر نحو نصف القرآن من أول سورة الكهف إلى آخره فأكمل تفسيره جلال الدين السيوطى من أول سورة البقرة إلى آخر سورة الإسراء، وتفسيرهما مطبوع فى جزءين باسم تفسير الجلالين. ويدخل زمن العثمانيين، وأهم المفسرين فيه شمس الدين الخطيب (٤) الشربينى المتوفى سنة ٩٧٧ وله تفسير مطبوع يسمى السراج المنير. وتموج مصر بحفاظ الحديث النبوى منذ نزلها الصحابة وفى مقدمتهم أبوذر الذى سكنها مدة وعقبة بن عامر الجهنى وعبد الله بن عمرو بن العاص، وظل ينزلها كثير من حفاظ التابعين وفى مقدمتهم نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب والأعرج عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبى هريرة ويزيد بن أبى حبيب. وكثر حفاظ الحديث ورواته فى القرن الثانى الهجرى، ومن أهمهم أبو زرعة

стр. 3276

المتوفى سنة ١٥٨ وابن لهيعة المتوفى سنة ١٧٤ والليث بن سعد الفقيه المشهور، وعبد الله (١) بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم تلميذا مالك والإمام الشافعى وتلاميذه: البويطىّ وحرملة والمزنىّ والربيع. ومن كبار الحفاظ حينئذ أسد السنة المتوفى سنة ٢١٢ وأحمد بن صالح المتوفى سنة ٢٤٨ والحارث بن مسكين المتوفى سنة ٢٥٠ ويونس بن عبد الأعلى المتوفى سنة ٢٦٤ ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٦٨. ولاشتهار مصر بحفاظ الحديث نزلها فى طلبه من أصحاب الصحاح الستة البخارى ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائى وقد اتخذها دار مقام له حتى توفى سنة ٣٠٣ ومن مصنفاته: السنن الكبرى والصغرى وهى إحدى الصحاح الستة، وله مسند على ومسند مالك. ويلقانا الطحاوى الفقيه الحنفى وله فى الحديث كتاب السنن ومعانى الآثار ومشكل الآثار، وابن حنزابة وزير كافور المتوفى سنة ٣٩١ وكان له مجلس لإملاء الحديث فى وزارته، وسمع الدارقطنى حافظ العراق فى زمنه وصاحب كتاب السنن الكبرى وغيره المتوفى سنة ٣٨٥ أنه يؤلف مسند افجاء مصر ليعينه، تموّل، وكان فيها يروى الحديث ويمليه، ويأخذه عن حفّاظه المصريين ويأخذه المصريون عنه. ومن أهم تلاميذه بمصر عبد (٢) الغنى بن سعيد الحافظ المتقن المتوفى سنة ٤٠٩ وله فى الحديث المختلف والمؤتلف فى أسماء الرجال وكتاب مشتبه النسبة. وأشهر المحدثين بمصر فى القرن الخامس تلميذه الحبال (٣) الإمام الحافظ المتوفى سنة ٤٨٢ وله مصنفات مختلفة، وجمع عوالى سفيان بن عيينة. وينزل الإسكندرية سنة ٥٢١ السّلفى (٤) أكبر الحفاظ فى القرن السادس الهجرى، وقد قصده طلاب الحديث النبوى من كل فج، على نحو ما يصور ذلك معجمه، وهو مطبوع، وبنى له العادل بن السلار وزير الظافر الفاطمى مدرسة سنة ٥٤٦. كما مر بنا، وفوّض أمرها إليه، وسمع عليه الحديث صلاح الدين الأيوبى حين صارت مصر إليه وبعض أبنائه وأهل بيته، وظلت إليه

стр. 3277

الرحلة فى الحديث حتى توفى سنة ٥٧٦. ومن أهم تلاميذه أبو الحسن على (١) بن المفضل المالكى المقدسى ثم السكندرى المتوفى سنة ٦١١ تولى القضاء بالإسكندرية ودرّس بمدرسة ابن شكر فى القاهرة، وله كتاب الأربعين، وهو أربعون حديثا عن أربعين شيخا. ونزل مصر الحافظ ابن دحية الأندلسى واستوطنها وتولى بها دار الحديث (٢) الكاملية حتى توفى فى سنة ٦٣٣. وولى مشيخة هذه الدار بعده زكى الدين المنذرى الحافظ الكبير الإمام شيخ الإسلام عبد (٣) العظيم بن عبد القوى المصرى الشافعى المتوفى سنة ٦٥٦ يقول السيوطى إنه انقطع لمشيخة المدرسة الكاملية عشرين سنة، وكان عديم النظير فى معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه متبحرا فى معرفة أحكامه ومعانيه ومشكله قيّما بمعرفة غريبه، إماما حجة بارعا فى الفقه والعربية والقراءات. وله كتاب الترغيب والترهيب وهو أحاديث مرتبة حسب الموضوعات للترغيب فى الخير والحق والترهيب من الشر والباطل، طبع مرارا. وله فى الفقه شرح على كتاب التنبيه. وأهم تلاميذه الدمياطى (٤) شرف الدين عبد المؤمن بن خلف المتوفى سنة ٧٠٥ لازم الحافظ المنذرى واتخذه معيدا له، وقد ولى مشيخة الظاهرية ودرّس الحديث فى المدرسة المنصورية: مدرسة المنصور قلاوون، وتحتفظ دار الكتب المصرية بكثير من مصنفاته فى الحديث. ومن كبار المحدثين فى القرن الثامن عز الدين بن (٥) جماعة الشافعى المتوفى سنة ٧٦٧ ولى القضاء، واشتهر بإكثاره من سماع الحديث ودرس فى المدرسة الخشابية، صنّف تخريج أحاديث الإمام الرافعى الشافعى وغير ذلك. ويعنى بشرح البخارى غير حافظ فى هذا القرن ويكثر التأليف فى الحديث ومصطلحه على نحو ما يلقانا عند مغلطاى (٦) المتوفى سنة ٧٦٢ يقول السيوطى له أكثر

стр. 3278

من مائة تصنيف كشرح البخارى وشرح ابن ماجة، وولى مشيخة الظاهرية للمحدّثين. ويلقانا بعده الحافظ (١) العراقى المولود بالقاهرة والمتوفى بها سنة ٨٠٦ وله فى الحديث مصنفات مختلفة، منها منظومة فى ألف بيت اشتهرت مع شرحها فى الآفاق، ومنها تخريج أحاديث كتاب الإحياء للغزالى. وأهم تلاميذه ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ يقول السيوطى عنه: «انتهت إليه الرحلة والرياسة فى الحديث فى الدنيا بأسرها، فلم يكن فى عصره حافظ سواه، وألّف كتبا كثيرة «مثل فتح البارى فى شرح صحيح البخارى» وهو مطبوع، وله غير كتاب فى تراجم المحدثين. وأهم الحفاظ بعده السيوطى، وله شروح على الموطأ لمالك وصحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن أبى داود وابن ماجة إلى شروح أخرى كثيرة وإلى كتب فى الحديث ومصطلحه وتخريجاته تعد بالعشرات (٢)، من أهمها جمع الجوامع وهو دائرة معارف كبرى فى الحديث مع رواياته وأسانيده. ومر بنا فى القراء ذكر معاصره شهاب الدين القسطلانى وله إرشاد السارى إلى صحيح البخارى، وهو مطبوع. ونلتقى فى أيام العثمانيين بعبد الرءوف المناوى المتوفى سنة ١٠٣١ وله «كنوز الحقائق فى حديث خير الخلائق» وهو معجم يشتمل على عشرة آلاف حديث اختارها من أربعة وأربعين كتابا، وهو مطبوع مرارا. ويموج كتاب تاريخ الجبرتى بأسماء حفاظ الحديث وتلاميذهم وما كانوا يحملون من كتبه، ونكتفى بذكر أحد أعلامهم، وهو الحفنى محمد بن سالم المتوفى سنة ١١٨١ فقد ذكر الجبرتى أنه كان من جلة شيوخه الشيخ محمد البديرى الدمياطى، يقول: «أخذ عنه التفسير والحديث والمسندات والمسلسلات والإحياء للإمام الغزالى وصحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن أبى داود وسنن النسائى وسنن ابن ماجة وكتاب الموطأ لمالك ومسند الشافعى والمعجم الكبير للطبرانى والمعجم الأوسط والصغير له أيضا وصحيح ابن حبان والمستدرك للنيسابورى وحلية الأولياء للحافظ أبى نعيم وغير ذلك (٣)». ولعل فى هذا ما يدل بوضوح على نشاط مصر فى دراسة الحديث النبوى وروايته حتى نهاية هذا العصر، فقد ظلّ حفاظه النابهون يعدّون بالعشرات. وكان لمصر نشاط خصب فى الفقه، ومعروف أن أقدم المذاهب فى النشأة المذهب الحنفى، وتبعه المذهب المالكى فالمذهب الشافعى فالمذهب الحنبلى، وتأخرت مصر فى التعرف على مذهب

стр. 3279

أبى حنيفة، إلى أن نزلها بعض قضاة بغداد الأحناف عملا بقرار أبى يوسف تلميذ أبى حنيفة، وكان مقرّبا لهارون الرشيد: أن يكون القضاة فى الدولة العباسية أحنافا. وأهم هؤلاء القضاة الأحناف بكار (١) بن قتيبة الذى تولى قضاء مصر لعهد المتوكل سنة ٢٤٦ وظل بها حتى وفاته سنة ٢٧٠ وله تصانيف فقهية مختلفة. ولم تلبث مصر أن أنجبت إماما حنفيا كبيرا هو الطحاوى (٢) أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المتوفى سنة ٣٢١ وإليه انتهت رياسة الحنفية بمصر، وكتبه تعدّ مراجع أساسية فى المذهب الحنفى، ومن أهمها الجامع الكبير فى الشروط وكتاب اختلاف الفقهاء والمختصر فى الفقه وله شروح كثيرة ورسالة فى أصول الدين أو عقيدة أهل السنة والجماعة. وذكرنا آنفا أن له فى الحديث كتاب السنن ومعانى الآثار ومشكل الآثار. ومن أهم تلاميذه إسحق (٣) بن إبراهيم الشاشى السمرقندى المتوفى سنة ٣٢٥ وقد استوطن مصر، وتولى القضاء بها. ويذكر السيوطى من فقهاء المذهب زمن الفاطميين عبد المعطى (٤) بن مسافر الذى فقه المذهب بموطنه فى الإسكندرية على يد أبى بكر محمد بن إبراهيم الرازى، وكان ابن مسافر من حملة الحديث النبوى، ومنه سمع السلفى حين نزل الإسكندرية. ويأخذ المذهب فى النشاط يمصر منذ أنشأ فيها صلاح الدين المدرسة السيوفية لتدريسه. وقد عين بها عبد (٥) الله الجريرى وظل بها حتى توفى سنة ٥٨٤. وخلفه فيها-على ما يبدو- عبد (٦) الوهاب بن النحاس الحنفى المعروف بالبدر بن المجن، وقد ظل يدرس بالسيوفية حتى توفى سنة ٥٩٩. وممن درسوا المذهب الحنفى بها أبو الحسن (٧) الغزنوى المتوفى سنة ٦٣٢. ومن كبار فقهاء الأحناف فى العهد الأيوبى يحيى بن معطى المغربى المتوفى سنة ٦٢٨ وأبو (٨) القاسم القوصى المتوفى سنة ٦٤٣. وينشط المذهب الحنفى بمصر منذ زمن المماليك إذ جعل الظاهر بيبرس القضاء شركة بين أصحاب المذاهب الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، فكان لكل مذهب

стр. 3280

قاضيه، وأيضا فإنه جعل للحنفية نصيبا فى مدرسته الظاهرية وأول حنفى درّس المذهب بها لأيامه عبد الرحمن بن عمر بن العديم المتوفى سنة ٦٧٧. وممن درس المذهب بالسيوفية لؤلؤ (١) بن أحمد وأبو بكر (٢) بن محمد الإسنوى. ومن قضاتهم النعمان (٣) بن الحسن المتوفى سنة ٦٩٢ وعلى بن نصر المتوفى سنة ٦٩٥ وله كتاب زوائد الهداية على القدورى. ويختم القرن السابع بابن النقيب الذى مر ذكره بين المفسرين. ومن فقهاء القرن الثامن النابهين احمد (٤) بن إبراهيم السروجى المدرس بالسيوفية المتوفى سنة ٧١٠ وقد ولى القضاء، وله شرح فى كتاب الهداية للمرغينانى. وابن (٥) يلبان المتوفى سنة ٧٣١ وله شرح على الجامع الكبير لمحمد بن الحسن الشيبانى ورتب صحيح ابن حبان على الأبواب وكذلك معجم الطبرانى. وكان يعاصره ابن (٦) التركمانى المتوفى سنة ٧٣١ وكان يدرس المذهب بمدرسة المنصور قلاوون، وألقى بها شرحا له على الجامع الكبير أملاه دروسا على الطلاب. وأنجب فقيهين: أحمد (٧) المتوفى سنة ٧٤٤ ومن تصانيفه شرح الهداية وشرح الجامع الكبير. وعلى (٨) المتوفى سنة ٧٤٥ وله مختصر الهداية ومختصر علوم الحديث لابن الصلاح، وتولى قضاء الديار المصرية. وكان يعاصرهما فخر الدين الزيلعى (٩) المتوفى سنة ٧٤٣ وله شرح على كتاب كنز الدقائق فى الفروع للحافظ النسفى سماه تبيين الحقائق على كنز الدقائق طبع بمصر فى ستة أجزاء. ويلقانا السراج (١٠) الهندى قاضى القضاة بالديار المصرية المتوفى سنة ٧٧٣ وله شرح الهداية والشامل فى الفروع وشرح البديع، وكان يعاصره ابن (١١) أبى الوفا عبد القادر بن محمد المتوفى سنة ٧٧٥ وهو صاحب كتاب الجواهر المضيّة فى طبقات الحنفية

стр. 3281

المثبوت فى الهوامش. ونلتقى بأكمل (١) الدين البابرتى المتوفى سنة ٧٨٦ وله شروح كثيرة على أمهات كتب الفقه الحنفى منها شرح الهداية وشرح البزدوى. وما يزال السيوطى فى حسن المحاضرة يعدد فقهاء الحنفية وقضاتهم بالديار المصرية، حتى نصل، إلى (٢) ابن الهمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد المتوفى سنة ٨٦١ وله مصنفات مختلفة فى مذهبه أهمها فتح القدير، وهو شرح على كتاب الهداية للمرغينانى، طبع بمصر فى ثمانية أجزاء. ونلتقى بالقاسم (٣) بن قطلوبغا المتوفى سنة ٧٨٩ وهو صاحب كتاب تاج التراجم فى طبقات الحنفية المذكور فى الهوامش وله مصنفات فقهية مختلفة. ونمضى إلى زمن العثمانيين. وينشط منذ هذا التاريخ بمصر الفقه الحنفى وأصحابه، إذ كان القضاء فى الدولة العثمانية للأحناف وحدهم. ومن كبار فقهاء الأحناف فى أيامهم زين العابدين (٤) بن نجيم المصرى المتوفى سنة ٩٧٠ وله كتاب الأشباه والنظائر فى الفقه الحنفى، وهو مطبوع، وكتاب البحر الرائق على كنز الدقائق وهو مطبوع أيضا فى عدة أجزاء. ومنهم شمس الدين التمر تاشى الغزى المتوفى بالقاهرة سنة ١٠٠٤ وله فى الفقه الحنفى تنوير الأبصار وجامع البحار. ومنهم أبو الإخلاص الشرنبلاوى المتوفى سنة ١٠٦٩ وهو من علماء الأزهر، وله مصنفات مختلفة فى فقه الأحناف لا تزال مخطوطة ومحفوظة بدار الكتب المصرية. ومنهم السيد أحمد الحموى وله تصانيف عدة، منها شرح الكنز وحاشية الدرر والغرر، توفى سنة ١١٤٢. ويحصى الجبرتى فى تاريخه أسماء كثيرين منهم إلى نهاية الأيام العثمانية. وكان انتشار المذهب المالكى فى مصر مبكرا، وكان بعاصر مالكا فقيه مصرى كبير هو الليث (٥) بن سعد المتوفى سنة ١٧٥ وفيه يقول الشافعى: «الليث بن سعد أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» يريد أن أصحابه وتلاميذه المصريين لم يحملوا عنه مذهبه. ولو أنهم حملوه

стр. 3282

لأصبح مذهبا مستقلاّ بجانب المذاهب الأربعة، غير أنهم آثروا عليه مذهب مالك إمام المدينة (دار الهجرة). وكان من أهم تلاميذ مالك الذين حملوا مذهبه عنه عبد الله بن وهب، جامع أول كتاب بمصر فى الحديث كما مر بنا آنفا، وعبد (١) الرحمن بن القاسم المتوفى سنة ١٩١ وقد فرّع على أصول مذهبه فروعا كثيرة سجلها فى مؤلفه المشهور باسم المدونة، وعنه حملها سحنون القيروانى إلى تونس موطنه، ونشر المذهب المالكى هناك ولا يزال غالبا على بلاد المغرب إلى اليوم. وممن تتلمذ عليه وعلى عبد الله بن وهب يحيى بن يحيى الليثى ناشر مذهب مالك فى الأندلس، وكان قد حضر دروس مالك فى كتابه الموطأ وتفقّه بهذين المصريين (٢) ثم عاد إلى موطنه ينشر المذهب حتى غلب على أهل الأندلس كما غلب على أهل المغرب. ومن كبار تلاميذ مالك المصريين أيضا عبد (٣) الله بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢١٤ وإليه أفضت رياسة المالكية فى مصر بعد ابن القاسم وابن وهب، وخلفه على رياسته ابنه محمد (٤) المتوفى سنة ٢٦٨. وكان يعاصره الحارث (٥) بن مسكين، وقد حمله المأمون إلى بغداد فى أيام محنة خلق القرآن، وسجنه لأنه لم يجب إلى القول بخلقه، ورد إليه حريته المتوكل وولاه قضاء مصر سنة سبع وثلاثين ومائتين، وظل يتولى قضاءها ثمانى سنوات، وتوفى سنة ٢٥٠. ويعدّ السيوطى فى حسن المحاضرة من تلامذة ابن وهب وابن القاسم وعبد الله بن عبد الحكم خمسة عشر فقيها مالكيا اشتهروا بمصر. وممن نلتقى به فى أوائل القرن الرابع أحمد (٦) بن الحارث بن مسكين، جلس مجلس أبيه بعده بجامع عمرو يدرس للناس الفقه المالكى حتى توفى سنة ٣١١. وكثير من الفقهاء حينئذ ينسبون إلى الإسكندرية والصعيد، . إذ كان المذهب منتشرا بهما. ومن فقهاء الإسكندرية أبو الحسن (٧) المعافرى قاضيها

стр. 3283

المتوفى سنة ٣٣٩ وكان يعاصره أبو الذكر (١) الأسوانى قاضى مصر المتوفى سنة ٣٤٠. ونمضى إلى زمن الفاطميين، وقد عدّ السيوطى من الفقهاء المالكيين لعهدهم ستة عشر فقيها، منهم أبو (٢) بكر النعالى إمام المالكية بمصر فى وقته. وإليه كانت الرحلة والإمامة بمصر، وكانت حلقته فى الجامع تدور على سبعة عشر عمودا لكثرة من يحضرها. توفى سنة ٣٨٠. ومنهم أبو القاسم (٣) الجوهرى المتوفى سنة ٣٨١ مصنف مسند الموطأ لإمام المذهب مالك. ونزل بالقاهرة القاضى عبد (٤) الوهاب فقيه بغداد المالكى وكان شاعرا بارعا، ويقال إنه يوم فصل عن بلده شيّعه من أكابرها وأصحاب محابرها جملة وافرة وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية، واجتاز بمعرّة النعمان بلدة أبى العلاء فأضافه، وله فى الإشادة بفقهه وبشعره: إذا تفقّه أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضّلّيل إن شعرا والملك الضليل: امرؤ القيس. وتوجه إلى مصر فحمل لواء المالكية بها وانثالت فى يديه الرغائب. ولم يلبث أن ألم به مرض الموت سنة ٤٢٢ فكان يقول-كما مر بنا-لا إله إلا الله عندما عشنا متنا. ومن كبار فقهاء المالكية حينئذ أبو (٥) بكر الطرطوشى نزيل الإسكندرية المتوفى سنة ٥٢٥ واشتهر بكتابين له فى السياسة ألفهما أو ألف أحدهما لوزير الفاطميين المأمون البطائحى هما سراج الملوك وسراج الهدى. ومن تلاميذه سند (٦) بن عنان الأزدى المتوفى سنة ٥٤١ خلفه فى حلقته وانتفع به الناس وله شرح المدونة. وكان يعاصره أبو القاسم (٧) بن مخلوف الإسكندرى أحد الأئمة الكبار من المالكية، تفقه به أهل الثغر زمانا. ونمضى إلى زمن الدولة الأيوبية، ويلقانا صدر الإسلام أبو الطاهر (٨) إسماعيل بن مكى تلميذ الطرطوشى المتوفى سنة ٥٨١ وقد طارت شهرته فى المذهب، وقصده صلاح الدين الأيوبى وسمع

стр. 3284

منه الموطأ، وله مصنفات، قال فيه ابن فرحون: كان إمام عصره فى المذهب وعليه مدار الفتوى. ومرّ بنا أن صلاح الدين أنشأ مدرسة للمالكية هى المدرسة القمحية، وتبعه ابن شكر وزير أخيه العادل، فأنشأ لهم مدرسة ثانية هى المدرسة الصاحبية، وأنشأ لهم وللشافعية القاضى الفاضل مدرسة مشتركة هى المدرسة الفاضلية، وجعل الصالح أيوب مدرسته للمذاهب الأربعة. وأتاح ذلك كله للفقه المالكى بمصر نشاطا واسعا منذ زمن الأيوبيين، ومن كبار فقهائه حينئذ ابن شاس (١) عبد الله بن محمد شيخ المالكية وصاحب كتاب الجواهر النمينة فى المذهب، درس بالمدرسة القمحية، استشهد مجاهدا الفرنج بدمياط حين حاصروها سنة ٦١٦ - ٦١٨. ومن مدرسى هذه المدرسة الحسين (٢) بن عتيق ابن رشيق شيخ المالكية وصاحب الفتيا فى وقته، توفى سنة ٦٣٢. واشتهر بالإسكندرية من فقهاء المالكية ابن الصفراوى الذى مر ذكره بين القراء. ومن كبار فقهاء المذهب ابن الحاجب الذى مر ذكره بين النحاة، وله مختصر الفروع فى الفقه المالكى اعتمد فيه على جواهر الفقيه ابن شاس وأضاف إليه زيادات من كتب مختلفة، وله شروح لا تزال مخطوطة ومحفوظة بدور الكتب. وكان يعاصره رفيقه عبد الكريم (٣) بن عطاء الله الإسكندرانى، كان إماما فى الفقه والأصول والعربية، ومن تصانيفه شرح التهذيب ومختصر التهذيب ومختصر المفصل. ومن تصانيفه شرح التهذيب ومختصر التهذيب ومختصر المفصل. ونمضى فى زمن المماليك، ونلتقى بابى حفص عمر (٤) بن عبد الله السبكى المتوفى سنة ٦٦٩ وهو أول من ولى قضاء المالكية حين جعل الظاهر بيبرس من كل مذهب قاضيا. وولى قضاء المالكية بعده نفيس (٥) الدين محمد بن هبة الله بن شكر المتوفى سنة ٦٨٠. وكان يعاصره القرافى (٦) شهاب الدين أحمد بن إدريس المتوفى سنة ٦٨٢ ولى التدريس فى مدرسة الصالح نجم الدين أيوب المعروفة بالصالحية وقد صنف فى الفقه المالكى وفى الأصول الكتب المفيدة مثل الذخيرة فى مذهب مالك وكتاب الفروق فى الفقه المالكى وهو مطبوع. وكان يعاصره هو ونفيس الدين ابن

стр. 3285

المنير أحمد بن محمد قاضى الإسكندرية الذى مر ذكره بين المفسرين، وكان إماما فاضلا متبحرا، وله فى الفقه مختصر التهذيب. ويلقانا فى القرن الثامن تاج (١) الدين بن عطاء الله الإسكندرى المتصوف المشهور المتوفى سنة ٧٠٩ وله فى الفقه تهذيب المدونة غير كتب كثيرة فى التصوف. وكان يعاصره قاضى القضاة على (٢) بن مخلوف النويرى المتوفى سنة ٧١٣ ولى قضاء الديار المصرية ثلاثا وثلاثين سنة. ومن كبار فقهاء المالكية ابن (٣) الحاج محمد بن محمد العبدرى المتوفى سنة ٧٣٧ وله كتاب المدخل وهو كتاب نفيس فى أربعة أجزاء يصف فيه أحوال البلاد الخلقية والاجتماعية وما يتصل بذلك من العادات عند العامة وغيرها، مع نقد نزيه ومع بيان للعلاج الشرعى الملائم. وكان يعاصره الزواوى (٤) عيسى بن مسعود المتوفى سنة ٧٤٣ وإليه انتهت رياسة المالكية، وله مصنفات مختلفة، منها شرح صحيح مسلم وشرح مختصر ابن الحاجب فى الفقه وشرح المدونة، وتاريخ ومناقب مالك. وأكثر فقهاء المالكية فى القرن الثامن شهرة خليل (٥) بن إسحق المتوفى سنة ٧٦٧ وله كتاب المختصر فى الفقه المالكى، ويعنى بتدريسه المالكية منذ ظهوره وخاصة فى المغرب ويعرف هناك باسم مختصر سيدى خليل. وأهم تلاميذه (٦) بهرام بن عبد الله المتوفى سنة ٨٠٥ وله الشامل فى الفقه وشرح مختصر أستاذه خليل. ونزل مصر فى زمنه عبد الرحمن بن خلدون وعداده فى فقهاء المغرب. ونلتقى بالبساطى (٧) محمد بن أحمد شيخ الإسلام المتوفى سنة ٨٤٢ ولى القضاء، وكانت إليه الفتيا. ويظل لفقهاء المالكية نشاطهم فى بقية زمن المماليك وفى أيام العثمانيين. ومن أعلامهم فى القرن الحادى عشر أبو الإمداد برهان الدين اللقانى المتوفى سنة ١٠٤١ وله مصنفات فى علمى الكلام والفقه، وكان يعاصره نور الدين الأجهورى، وهو من شيوخ الأزهر المالكية

стр. 3286

وله مصنفات مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية. ونلتقى بكثيرين من فقهاء المالكية فى تاريخ الجبرتى ومن أهمهم الزرقانى (١) أبو عبد الله محمد بن عبد الباقى المتوفى سنة ١١٢٢ خاتمة المحدثين. وشرحه على موطأ مالك مشهور، وأيضا من أهمهم على (٢) بن أحمد بن مكرم العدوى الصعيدى إمام المحققين وعمدة المدققين المتوفى سنة ١١٨٩ يقول الجبرتى عنه: «قبل ظهوره لم تكن المالكية تعرف الحواشى على شروح كتبهم الفقهية، فهو أول من خدم تلك الكتب بها» ويعدّد حواشيه ومن أهمها حاشية له على شرح الزرقانى على موطأ مالك. وعلى شاكلة ازدهار مذهب مالك الفقهى بمصر كذلك كان مذهب الشافعى (٣) مزدهرا، بل ربما كان أكثر ازدهارا، إذ نزل الإمام الشافعى المتوفى سنة ٢٠٤ مصر، واكتمل له فيها مذهبه الفقهى. وحمله عنه تلاميذه من أبنائها ونشروه فى العالم الإسلامى، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، بحيث غدا أكثر المذاهب الفقهية الأربعة أتباعا. ويتميز مذهبه بإحكامه التوفيق بين المذهب الحنفى مذهب أهل الرأى، والمذهب المالكى مذهب أهل الحديث، وهو الذى أسس علم أصول الفقه بمبحثه الرائع الذى سماه الرسالة وفيها يبحث أدلة الأحكام الدينية وما يتصل بها من طرق الاستنباط والاجتهاد. وله فى الفقه مصنفه المشهور: الأم، وهو مطبوع فى القاهرة مثل الرسالة، وعنى به فقهاء الشافعية طوال هذا العصر فاختصروه وشرحوه مرارا، ومثلهما كتاب السنن المأثورة والمسند. وطبع له على هامش الأم كتاب اختلاف الحديث. وأهم تلاميذه بمصر البويطى والمزنى، أما البويطى فهو يوسف (٤) بن يحيى القرشى الإمام الجليل المتوفى سنة ٢٣١ يقول السيوطى عنه: أحد أئمة الإسلام وأركانه، كان خليفة الشافعى فى حلقته بعده، وله فى الفقه المختصر المشهور الذى اختصره من كلام الشافعى، وحمل إلى بغداد فى محنة القول بخلق القرآن، فأصرّ على رأيه هناك وظل سجينا حتى توفى. والمزنى (٥) هو إسماعيل بن يحيى المتوفّى سنة ٢٦٤ وقد

стр. 3287

أخذ عنه خلائق من علماء خراسان والعراق والشام، ومضوا فنشروا المذهب فى بلدانهم، وله فى الفقه الشافعى: الجامع الكبير والجامع الصغير والمختصر والمنثور والمسائل المعتبرة وكتاب الوثائق وكتاب العقارب، سمى بذلك لصعوبته وفى كتاب طبقات الشافعية للسبكى غرائب منه. ومن كبار فقهاء الشافعية بمصر فى القرن الثالث أبو زرعة (١) محمد بن عثمان المتوفى سنة ٣٠٢ ولى قضاء مصر سنة ٢٨٤ ثمانى سنين، ثم ولى قضاء دمشق، فأدخل فيها مذهب الشافعى وحكم به القضاة هناك، ولم يزل القضاء بعده للشافعية بمصر والشام إلى أن ضم الظاهر بيبرس سنة ٦٦٣ القضاة الثلاثة من مذاهب أبى حنيفة ومالك وابن حنبل إلى الشافعية. وكان يعاصره النسائى وقد مر ذكره بين أهل الحديث ومنصور (٢) بن إسماعيل الفقيه المتوفى سنة ٣٠٦ وله مصنفات عدة فى المذهب من أهمها كتاب الهداية والواجب والمستعمل والمسافر. ويلقانا فى القرن الرابع أبو إسحق (٣) المروزى إبراهيم بن أحمد المتوفى سنة ٣٤٠ نزيل الفسطاط وكانت قد انتهت إليه رياسة المذهب فى بغداد وانتشر عنه فى البلاد، وشرح مختصر المزنى، وانتقل إلى الفسطاط وجلس فى مجلس الشافعى واجتمع الناس عليه وضربوا إليه أكباد الإبل. وكان يعاصره أبو بكر (٤) بن الحداد محمد بن أحمد المتوفى سنة ٣٤٤ قاضى الفسطاط، وله كتاب الباهر فى الفقه يقال إنه كان فى مائة جزء، وله أيضا كتاب جامع الفقه وكتاب الفروع المولدات الذى شرحه كثيرون. ونمضى إلى زمن الفاطميين، وقد أحصى السيوطى عشرة من الفقهاء فى المائة سنة الأولى من أيامهم، أهمهم القضاعى (٥) أبو عبد الله محمد بن سلامة المتوفى سنة ٤٥٤ مصنف كتاب الشهاب، ولى قضاء الديار المصرية وأرسل به الخليفة المستنصر إلى الروم رسولا. وأحصى السيوطى فى المائة الثانية من أيام الفاطميين تسعة من فقهاء الشافعية أهمهم الخلعى (٦) على بن الحسين المتوفى سنة ٤٩٢ وله فى الفقه كتاب المغنى بين البسط والاختصار.

стр. 3288

وربما كان أهم منه مجلى (١) بن جميع قاضى القضاة المتوفى سنة ٥٥٠ كان من أئمة الفقهاء وكبارهم وله فى الفقه مصنفات أهمها كتابه الذخائر. وكان يعاصره الفقيه الشافعى ابن رفاعة المتوفى سنة ٥٦١. وبمجرد أن يظل مصر لواء صلاح الدين الأيوبى يؤسس مدرسة للشافعية وثانية للمالكية وثالثة للحنفية كما أسلفنا. وفوّض القضاء بمصر للشافعية، فاتسع نشاطهم، وقد أسند صلاح الدين مدرستهم للخبوشانى (٢) محمد بن الموفق المتوفى سنة ٥٨٧ وله فى الفقه كتاب تحقيق المحيط. ومن كبار فقهاء الشافعية فى عهد الأيوبيين إبراهيم بن منصور العراقى المصرى المتوفى سنة ٥٩٦ رحل إلى العراق وأقام به مدة ثم عاد إلى موطنه فعرف باسم العراقى، وله شرح على كتاب المهذب لأبى إسحق الشيرازى أول مدرس للمدرسة النظامية ببغداد وكان شرحا كبيرا فى عشرة مجلدات. وكان يعاصره عبد (٣) الملك بن عيسى بن درباس المتوفى سنة ٦٠٥ قاضى قضاة الشافعية فى عهد صلاح الدين، وأناب عنه أخاه عثمان (٤) فى قضاء القاهرة وله شرح على المهذب سماه الاستقصاء، وشرح ثان على كتاب اللمع لأبى إسحق الشيرازى، توفى سنة ٦٢٢. ويلقانا محمد (٥) بن عين الدولة المتوفى سنة ٦٣٩ قاضى القضاة بالقاهرة والوجه البحرى، واشتهر لزمنه بأنه رد شهادة السلطان الكامل، وقال له: أنت تحكم ولا تشهد. وأهم الفقهاء بعده فى زمن الأيوبيين العز (٦) بن عبد السلام وقد مرّ لنا فى الفصل السابق حديث عنه مع المماليك، ولى خطابة جامع عمرو بن العاص بالفسطاط والقضاء بها وبالوجه القبلى. ولما بنى السلطان الصالح نجم الدين أيوب مدرسته الصالحية فوّض تدريس الشافعية بها إليه، وطالت أيامه إلى زمن المماليك إذ توفى سنة ٦٦٠ وله فى الفقه كتاب القواعد الكبرى ومصنفات مختلفة ومر بنا أن له تفسيرا وكتابا فى مجاز القرآن. وقد أحصى السيوطى من فقهاء الشافعية زمن المماليك أكثر من مائة فقيه، لأكثرهم مصنفات

стр. 3289

وشروح على أمهات كتب الفقه الشافعى، ومن أهمهم ابن (١) دقيق العيد المتوفّى سنة ٧٠٢ وهو تلميذ العز بن عبد السلام وله مصنفات كثيرة فى الفقه والحديث ومصطلحه. وكان يعاصره ابن الرفعة أحمد (٢) بن محمد المتوفى سنة ٧١٠ وهو ثالث الشيخين: الرافعى القزوينى والنووى الدمشقى فى الاعتماد عليه فى ترجيح الآراء الفقهية فى مذهب الشافعى، درّس بالمدرسة المعزية وتولى الحسبة، وصنف تصنيفين عظيمين هما الكفاية فى عشرين مجلدا والمطلب فى ستين مجلدا. ومن كبار الفقهاء الشافعية القمولى (٣) أحمد بن محمد المتوفى سنة ٧٢٧ صاحب البحر المحيط فى شرح الوسيط للغزالى وكتاب جوامع البحر جمع فيه فأوعى. وكان يعاصره بدر (٤) الدين بن جماعة قاضى القضاة بالديار المصرية المتوفى سنة ٧٣٣ وله تصنيفات فى فنون كثيرة. ونلتقى بالزنكلونى (٥) أبى بكر بن إسماعيل المتوفى سنة ٧٤٠ وله شرح على التنبيه لأبى إسحق الشيرازى عم النفع به وشرح ثان على المنهاج للنووى. وكان يعاصره سليمان (٦) بن جعفر الإسنوى المتوفى سنة ٧٥٦ صنف طبقات الشافعية وهو مطبوع. ونلتقى بتقى (٧) الدين السبكى على بن عبد الكافى المتوفى فى نفس السنة المذكورة تلميذ ابن الرفعة وله مصنفات كثيرة فى الفقه وشروح كتبه الكبرى. ومن تلاميذه ابنه بهاء الدين السبكى الذى مرّ ذكره بين البلاغيين، وله فى الفقه شرح على كتاب الحاوى للشيخ نجم الدين القزوينى المتوفى سنة ٦٦٥. وكان يعاصره عبد (٨) الرحيم بن الحسن الإسنوى المتوفى سنة ٧٧٧ صاحب التصانيف السائرة، منها المهمات والجواهر وشرح المنهاج والفروع وإليه انتهت رياسة الشافعية فى زمانه.

стр. 3290

ويلقانا ابن (١) الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ وهو أكثر أهل زمنه تصنيفا، ومن تصانيفه شرح التنبيه وشرح الحاوى وشرح المنهاج وشرح كتاب العمدة وما به من أحاديث موزعة على أبواب الفقه. وتوفى بعده بعام شيخ الإسلام البلقينى (٢) عمر بن رسلان وله فى الفقه والحديث والتفسير تصانيف مختلفة، وحمل عنه فقهه وعلمه ابنه علم الدين صالح المتوفى سنة ٨٦٨ وهو شيخ السيوطى. وكان يعاصره فقيهان هما المحلى والمناوى وبهما ختم السيوطى حديثه عن فقهاء الشافعية. ويعد السيوطى نفسه خاتمهم الحقيقى إذ توفى سنة ٩١١ كما مر بنا فى الحديث عن اللغويين وله فى الفقه مصنفات كثيرة منها مختصر الروضة للنووى وحاشية عليها ومختصر لكتاب التنبيه وشرح عليه وكتاب الأشباه والنظائر، واللوامع والبوارق فى الجوامع والفوارق، غير رسائل كثيرة أحصاها فى ترجمته لنفسه بحسن المحاضرة. ونلتقى بالشيخ زكريا (٣) الأنصارى المتوفى سنة ٩٢٦ وله فى الفقه مختصر مشهور هو المنهج وله شروح مختلفة. ونمضى إلى زمن العثمانيين ويظل التصنيف فى الفقه الشافعى ناشطا. ومن كبار الفقهاء فى القرن العاشر ابن حجر (٤) الهيثمى المتوفى سنة ٩٧٣ وله الفتاوى الهيثمية طبعت يمصر فى أربعة مجلدات. وكان يعاصره شمس الدين الشربينى الخطيب الذى مرّ ذكره بين المفسرين، وله فى الفقه شرح منهاج النووى، وهو مطبوع، وله شرح على متن أبى شجاع، ولسليمان البجيرمى حاشية عليه. ويكتظ كتاب تاريخ الجبرتى بأسماء فقهاء الشافعية وأشهر أئمتهم حينئذ الرملى (٥) المتوفى سنة ٩٥٧ وفتاويه تكتظ بها كتب الفقه الشافعى بعده. وظلت مصر لا تعرف المذهب الحنبلى طويلا، ويعلل السيوطى ذلك بأن المذهب لم يبرز خارج العراق إلا فى القرن الرابع، وكان الفاطميون بمصر وكانوا لا يهتمون بغير عقيدتهم الشيعية الغالية، ويقال إنهم اضطهدوا فى أول أمرهم المذاهب الثلاثة التى كانت قائمة بمصر، وهى مذاهب الشافعية والملكية والحنفية، فتأخر ظهور المذهب الحنبلى، وأول إمام لهم نزل مصر الحافظ عبد الغنى (٦) الجمّاعيلى المقدسى المتوفى سنة ٦٠٠ صاحب كتاب عمدة الأحكام فى معالم

стр. 3291

الحلال والحرام عن خير الأنام، وله شروح كثيرة. ولمؤلف العمدة كتاب الكمال فى معرفة أسماء الرجال، وصنع له تهذيبا المزى جمال الدين يوسف بن الزكى وأكمل التهذيب مغلطاى الذى مرّ ذكره. وأخذ المذهب الحنبلى يشيع فى مصر منذ أنشأ السلطان الصالح نجم الدين أيوب مدرسته الصالحية سنة ٦٤١ إذ جعل للمذهب الحنبلى ودراسته فيها إيوانا بجانب أواوين المذاهب الثلاثة السابقة، ودعم ذلك الظاهر بيبرس بضم قضاة للحنابلة والمالكية والحنفية بجانب قاضى الشافعية. وتوالى اهتمام المماليك، فى تأسيس مدارسهم، بالفقه الحنبلى وفقهائه بجانب فقهاء المذاهب الثلاثة الأخرى على نحو ما مر بنا فى صدر هذا الفصل. ويترجم السيوطى فى حسن المحاضرة لعشرين من فقهاء المذهب وقضاته فى مصر مثل نجم (١) الدين أحمد بن حمدان الحرانى المتوفى سنة ٦٩٥ مؤلف الرعاية الكبيرة وعمر (٢) بن عبد الله المقدسى قاضى الديار المصرية المتوفى سنة ٦٩٦ وموفق (٣) الدين عبد الله بن عبد الملك المقدسى قاضى الديار المصرية لنحو ثلاثين سنة توفى سنة ٧٦٩، وناصر (٤) الدين نصر الله بن أحمد الكنانى المتوفى سنة ٧٩٥ ناب عن موفق الدين فى قضاء الحنابلة ثم استقل به ستّا وعشرين سنة، وعماد (٥) الدين الحنبلى أبو بكر بن أبى المجد المتوفى سنة ٨٥٤ صنّف تجريد الأوامر والنواهى من كتب الصحاح الستة، واختصر تهذيب الكمال للمزّى. ويختم السيوطى فقهاء الحنابلة زمن المماليك بأستاذه أحمد (٦) بن إبراهيم الكنانى العسقلانى الأصل المصرى المولد، وفيه يقول: ولى قضاء الحنابلة بالديار المصرية، ودرّس للحنابلة بغالب مدارس القاهرة، وله تعاليق وتصانيف ومسودات كثيرة فى الفقه وأصوله والحديث والعربية، ومنها مختصر كتاب المحرر للرافعى توفى سنة ٨٧٦. ويظل الفقه الحنبلى ناشطا بمصر زمن العثمانيين، وفى كتاب تاريخ الجبرتى أسماء كثيرين من فقهاء الحنابلة ومن أكبر ائمتهم مرعى (٧) بن يوسف المتوفى سنة ١٠٣٣ وله مؤلفات كثيرة فى المذهب، منها غاية المنتهى. ويبدو أن المذهب الظاهرى ظل معروفا بمصر وظل علماء يعنون به ويتدارسونه، ونلتقى فى كتب التراجم من حين إلى آخر

стр. 3292

بأسماء من كانوا يعتقنون هذا المذهب مثل بدر الدين محمد بن إبراهيم المعروف بالبشتكى المتوفى سنة ٨٣١. ومعروف أنه حين حكم الفاطميون مصر كانوا يولون على القضاء فقهاء من عقيدتهم، ومرّ بنا فى الفصل الأول بيان لمبادئ عقيدتهم الأساسية وإشارة إلى بعض آرائهم الفقهية التى خالفوا فيها الجماعة، وأول قضاتهم بمصر النعمان (١) بن منصور التميمى الملقب بأبى حنيفة الشيعة، كان فى أول أمره مالكيا، ثم تحول إلى مذهب الإمامية الشيعى، ثم انتقل إلى عقيدة الإسماعيلية فى خدمة المعز لدين الله بإفريقية، وقدم معه إلى مصر فأسند إليه القضاء، ولم يلبث أن توفى سنة ٣٦٣. وله مصنفات فقهية شيعية مختلفة أهمها كتابه «دعائم الإسلام فى الحلال والحرام والقضايا والأحكام عن أهل بيت رسول الله» وهو المصدر الأساسى فى الفقه وعلم الكلام عند الشيعة الإسماعيلية. ونشر له المرحوم الدكتور محمد كامل حسين كتاب الهمة فى آداب اتباع الأئمة، وذكر فى مقدمته له كثيرا من الكتب الفقهية الإسماعيلية. وظل القضاء الفاطمى بعده فى بيته إلى نهاية القرن الرابع الهجرى. وينزل مصر سنة ٤٠٧ كبير دعاة الفاطميين وفقهائهم فى الشرق حميد (٢) الدين الكرمانى ولا يلبث أن يتوفى سنة ٤٠٨ ومن أهم مصنفاته كتاب «راحة العقل» الذى حققه ونشره المرحومان: الدكتور محمد مصطفى حلمى والدكتور محمد كامل حسين، وهو يزخر بمسائل فلسفية وعقيدية متشابكة. وينزل مصر بعده المؤيد (٣) فى الدين هبة الله الشيرازى أكبر دعاة الفاطميين وفقهائهم فى القرن الخامس، وقد ظل بها نحو ٣٠ عاما حتى توفى سنة ٤٧٠ وأهم مصنفاته المجالس المؤيدية، وهى ثمانمائة مجلس فى العقيدة الفاطمية وتشتمل على كثير من المسائل العقيدية والفقهية، ونشر الدكتور محمد عبد القادر عبد الناصر فى القاهرة ملخصا لهذه المجالس من صنعة حاتم بن إبراهيم. ونعيد هنا ما قلناه فى الفصل الأول من أن هذه العقيدة وكل ما اتصل بها من فقه وغير فقه، ظلت غريبة فى مصر، وظل المصريون مبتعدين عنها حتى انتهت تلك الدولة الشيعية المتطرفة.

стр. 3293

ومرّ بنا أن الشافعى هو الذى أسس علم أصول الفقه ورفع أركانه وشاد بنيانه، فكان طبيعيا أن تظل مصر بعده عاكفة على هذا العلم وأن يلقانا كثيرون من فقهاء الشافعية منكبّين عليه، وسرى ذلك منهم إلى فقهاء الحنفية، بل أيضا إلى فقهاء المالكية والحنابلة. ولن نستطيع أن نلم بما كتب فى هذا الميدان لكثرته، ولذلك سنكتفى بذكر بعض كتبه المهمة، من ذلك كتاب الإحكام فى أصول الأحكام لسيف (١) الدين الآمدى نزيل مصر سنة ٥٩٢ المتوفى سنة ٦٣١ وهو من أجمع وأروع ما وضع فى هذا العلم. ولابن الحاجب الذى مر ذكره بين النحاة مختصر له شرح مرارا وتكرارا، ولشمس (٢) الدين الأصفهانى بعده المتوفى سة ٦٨٨ شرح كبير لكتاب المحصول فى علم الأصول لفخر الدين الرازى. ولبهاء الدين السبكى المذكور فى فقهاء الشافعية كتاب بديع فى الأصول سماه جمع الجوامع. ولم ينشأ فى مصر مذهب مستقل فى علم الكلام، فقد كانت تعتمد دائما على ما يأتيها من الخارج، غير أنه يلاحظ أنه منذ عهد صلاح الدين غلب مذهب الأشعرى الذى يقف بين المعتزلة وأهل السنة، يقول المقريزى فى الحديث عن مذاهب أهل مصر: «وأما العقائد فإن السلطان صلاح الدين حمل الكافة على عقيدة الشيخ أبى الحسن على بن إسماعيل الأشعرى. . وشرط ذلك فى أوقافه التى بديار مصر كالمدرسة الناصرية بجوار قبر الإمام الشافعى من القرافة والمدرسة التى عرفت بالشريفية بجوار جامع عمرو بن العاص والمدرسة المعروفة بالقمحية وخانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، فاستمر الحال على عقيدة الأشعرى بديار مصر وبلاد الشام وأرض الحجاز واليمن وبلاد المغرب أيضا لإدخال ابن تومرت رأى الأشعرى إليها» (٣). ولعل أكبر كتاب أشعرى ألف فى مصر كتاب أبكار الأفكار لسيف الدين الآمدى المذكور آنفا وفيه مباحث كبرى عن العلم والنظر وأقسام المعلوم والنبوات والمعاد. ويظل التأليف فى علم الكلام على مذهب الأشعرى ناشطا حتى نهاية زمن العثمانيين.

стр. 3294

٥ - التاريخ نشطت مصر فى كتابة التاريخ منذ مطالع القرن الثالث للهجرة، وقد كتبت فى جميع ألوانه: فى التاريخ العام أو تاريخ الدول العربية، وفى التاريخ الخاص تاريخ دولها وحكامها المختلفين. وفى تاريخ المدن وخاصة القاهرة والإسكندرية، وتاريخ الرجال وتاريخ العلماء من كل صنف وتاريخ الشعراء والأدباء. وبجانب ذلك عنيت بكتابة السيرة. ولها فى كل ذلك نشاط واسع، ولعل من الخير أن نتعقبه على مر القرون. وأول ما يلقانا من ذلك فى القرن الثالث للهجرة، السيرة النبوية لعبد (١) الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨ وقد طبّقت شهرتها العالم الإسلامى، ولمصر فضل إهدائها إلى هذا العالم وتداولها فيه إلى اليوم، وإنها لتعد أوثق مصدر يرجع إليه مؤرخو السيرة المحمدية. ويلقانا بعدها كتاب فتوح مصر والمغرب لعبد (٢) الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى سنة ٢٥٧. ويكتب محمد بن عبد الله بن الحكم المتوفى سنة ٢٦٨ سيرة لعمر بن عبد العزيز، وهى مطبوعة بالقاهرة. ويلقانا من المؤرخين المصريين فى القرن الرابع الهجرى مؤرخ قبطى هو سعيد (٣) بن البطريق الذى تقلد منصب بطريرك الإسكندرية سنة ٣٢١ وظل يشغله حتى توفى سنة ٣٢٨ وله تاريخ سماه نظم الجوهر، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه ثلاث مقالات أو ثلاثة أبواب: باب عن النصارى وصومهم وإفطارهم وتاريخهم وأعيادهم، وباب أو مقالة عن تواريخ الخلفاء والملوك المتقدمين، ومقالة أو باب عن تاريخ البطاركة وأحوالهم وما جرى فى ولاياتهم. وكتاب سعيد

стр. 3295

إشارة قوية إلى تعرب القبط حينئذ واستيعابهم العربية. وذيّل على هذا الكتاب يحيى بن سعيد الأنطاكى بتكملة أرخ فيها من سنة ٣٢٦ حتى سنة ٤٢٥ وكان قد نزل أنطاكية سنة ٤٠٣ ووجد بها من الوثائق عن الدولة البيزنطية وبطاركة أنطاكية والقسطنطينية فى تلك الحقبة ما ضمه إلى أخبار بطاركة الإسكندرية وأخبار الدولتين العباسية والفاطمية. وكان يعاصر سعيد بن البطريق أحمد (١) بن يوسف بن الداية المتوفى سنة ٣٤٠ وله كتاب سيرة أحمد بن طولون، وضمن ابن سعيد فى كتابه المغرب-القسم الخاص بالفسطاط-أكثر هذه السيرة، وعليه اعتمد البلوى فيما كتبه عن ابن طولون وآله. ولابن الداية أيضا كتاب فى أخبار الأطباء مفقود، وكتاب فى السياسة نشر فى بيروت، وسنعرض فى حديثنا عن النثر لكتابه «المكافأة». وكان يعاصره عبد الرحمن (٢) بن أحمد بن يونس الصدفى المتوفى سنة ٣٤٧ وقد وضع فى التراجم كتابين: كتابا عن علماء مصر وكتابا عن الغرباء الواردين على مصر، وهما مفقودان مثل كتاب ثالث له ذكره صاحب كشف الظنون، وهو فى تاريخ الصعيد. ونلتقى بمحمد (٣) بن يوسف الكندى المتوفى سنة ٣٥٠ وله كتابان: ولاة مصر أو أمراؤها حتى سنة ٣٣٥ وكذلك قضاتها، نشرهما جيست، وهما كتابان نفيسان. ونلتقى فى أوائل زمن الفاطميين بابن (٤) زولاق الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة ٣٨٧ وله كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد، احتفظ بأكثره ابن سعيد فى كتاب المغرب: قسم الفسطاط، وكانت له أيضا-وفقدت-سيرة جوهر وسيرة المعز وسيرة العزيز وتاريخ السنين، وتكملة لكتاب الولاة وكتاب القضاة للكندى وطبع له كتاب أخبار سيبويه المصرى. ويلقانا بعده الطحان أبو القاسم يحيى (٥) بن على الحضرمى المتوفى سنة ٤١٦ وله ذيل على تاريخ ابن يونس الصدفى، كما يلقانا الروذ بارى أحمد (٦) بن الحسين معاصره وله كتاب فى تاريخ خلفاء مصر حتى زمن الحاكم سماه «بلشكر الأدباء» وينقل ابن سعيد عنه فى قسم القاهرة من كتابه المغرب مرارا،
следующие страницы →