وهو حقا-كان شمسا منيرة فى العلوم ولم يعبه طلوع شمسه من المغرب، فقد أضاءت ما بينه وبين المشرق، ولا تزال تضئ ما بينهما إلى اليوم، وسنفرد له حديثا فى الفصل الأخير.
وتتكاثر على ألسنة أمراء الطوائف أشعار الفخر، يفتخرون بما حققوه من مجد وبكرمهم الفياض وبأسهم وشجاعتهم وحمايتهم لإماراتهم وحسن سياستهم وتدبيرهم، ومن قول المعتضد عباد صاحب إشبيلية (١):
أقوم على الأيّام خير مقام ... وأوقد فى الأعداء شرّ ضرام
وأنفق فى كسب المحامد مهجتى ... ولو كان فى الذّكر الجميل حمامى
وأبلغ من دنياى نفسى سؤلها ... وأضرب فى كل العلا بسهامى
فهو يعيش لإحكام السياسة وسحق الأعداء وكسب المحامد والذكر الجميل بالغا من دنياه كل ما يتمنى محققا لنفسه كل ما يريد من المعالى والأمانى. وسنخص من بين هؤلاء الأمراء عبد الملك بن هذيل بكلمة. ونشعر كأن الفخر يغيض معينه بعدهم فى نفوس الأندلسيين غير أنه بقيت من ذلك بقية من مثل قول (٢) على بن أضحى الهمدانى الغرناطى المتوفى سنة ٥٤٠ للهجرة:
نحن الأهلّة فى ظلام الحندس ... حيث احتللنا فهو صدر المجلس
إن يذهب الدّهر الخئون بعزّنا ... ظلما فلم يذهب بعزّ الأنفس
والبيتان يصوران قوة نفس عزيزة صلدة تنزلق عنها توّا محن الزمن دون أن تنال منها أى نيل. ولابن خفاجة قصيدة يفتخر فيها بنفسه وبرفاق له فى مسقط رأسه بجزيرة شقر يعيشون للبأس والنجدة والنضال وخوض الدماء بخيلهم المحجّلة إلى أعدائهم منزلين بهم صواعق الموت التى لا تبقى ولا تذر، وفيها يقول (٣):
مضاء كما سلّ الحسام من الغمد ... وبأس كما طار الشّرار من الزّند
تساقوا وما غير النجيع سلافة ... تدار ولا غير الأسنة من ورد
وإنى على أن لست صدر قناتهم ... لخدن العلا ترب النّدى لدة المجد
أخوض الظّبا تخضرّ فى النّقع بيضها ... فألقى المنايا الحمر فى الحلل الرّمد
стр. 3852
والقصيدة تتوهج بحماسة ملتهبة، وتتكاثر فيها الصور. -على عادة ابن خفاجة فى شعره-فرفاقه لا يقلّون عن السيف مضاء ولا عن شرار النار بأساودمارا، وإنهم ليتساقون المنايا حتى لكأن سلافتهم وخمرهم فيها نجيع الدماء التى يسفكونها من الأعداء ولا ورد لهم سوى الأسنة الفاتكة بهم، ويقول-تواضعا-إنه ليس صدرهم، بل هو فرد منهم، ويقول إنه خدن وصديق للعلا ورفيق للندى والكرم ووليد للمجد، وإنه ليخوض معهم الحرب وقد أصاب النقع أو الغبار الظّبا بغير قليل من الخضرة كما أصاب الحلل والثياب بغير قليل من الكدرة، وهو يندفع-مثلهم-إلى الأعداء، مقتحما إليهم المنايا الحمر التى تسحقهم سحقا.
وبهذه الروح العاتية التى لا تقهر، يقول الطبيب الشاطبى أبو عامر محمد بن ينّق (١) المتوفى فى آخر سنة ٥٤٧:
دعنى أصاد زمانى فى تقلّبه ... فهل سمعت بظلّ غير منتقل
وكلما راح جهما رحت مبتسما ... كالبدر يزداد إشراقا مع الطّفل
ولا يرو عنك إطراقى لحادثة ... فالليث مكمنه فى الغيل للغيل
وما تأطّر عطف الرّمح من خور ... فيه ولا احمر صفح السيف من خجل
لا غرو أن عطّلت من حليها هممى ... وهل يعيّر جيد الظبّى بالعطل
وهو يقول دعنى أصادى الزمان وأعارضه فى تقلباته بى وأحداثه معى، وهل سمعت بظل ثابت فى مكانه، ومهما تجهّم لى ونظر إلىّ مكفهرّ الوجه فسأظل مبتسما كالبدر يزداد إشراقا مع الطفل أو الظلام الداجى، وإذا رأيتنى مطرقا إزاء حادثة ملمة فإنه إطراق الليث فى غيله للوثوب على فريسته، ومهما يصبنى من أحداث فلن تثنى إرادتى، وحتى إن ظنّ أنها تنثنى فهو تثنى حد الرمح شديد المضاء، وسأظل قاطعا نافذا كالسيف تسيل على صفحته الحمراء حمرة الظفر، لا حمرة الخجل. وإن هممى لأعظم من أن تتحلى بالرماح والسيوف، فهى أحد من أى سيف وأمضى من أى رمح، وإنها مجردة من تلك الحلى تجرد جيد الظبى رائع الجمال. وهو زهو ما بعده زهو وعجب لا يماثله عجب بمروءته وشخصيته ورجولته.
ونلتقى بسهل بن مالك الأزدى الغرناطى البارع فى العلوم القديمة والحديثة، وكانت
стр. 3853
قد نالته محنة فى عهد ابن هود صاحب مرسية (٦٢٥ - ٦٣٥) وغرّب عن غرناطة إلى أن مات ابن هود فعاد إليها وهو يردد (١):
وإنّى من عزمى وحزمى وهمتّى ... وما رزقته النفس من كرم الطّبع
لفى منصب تعلو السماء سماته ... فتثبت نورا فى كواكبها السّبع
تدرّعت بالصبر الجميل وأجلبت ... صروف الليالى كى تمزّق لى درعى (٢)
فما ملأت قلبى ولا قبضت يدى ... ولا نحتت أصلى ولا هصرت فرعى (٣)
فإن عرضت لى لا يفوه بها فمى ... وإن زحفت لى لا يضيق لها ذرعى (٤)
ونفس سهل-حقّا-كانت نفسا كبيرة لم تنكسر لما نزل به من محنة، بل ظل رابط الجأش قوىّ النفس أمام صروف الدهر وهمومه إلى وفاته سنة ٦٣٩. ولابن (٥) جزىّ الماز ذكره المتوفى سنة ٧٨٥:
وكم من غادة كالشمس تبدو ... فيسلى حسنها قلب الحزين
غضضت الطّرف عن نظرى إليها ... محافظة على عرضى ودينى
وهو يفتخر بعفافه، وليوسف الثالث سلطان غرناطة فخر كثير وسنخصه بكلمة، ولم نعرض لفخر الأندلسيين بأشعارهم، وهو عندهم-كما عند المشارقة-كثير، وحسبنا الآن أن نقف عند ثلاثة من شعرائهم فسحوا للفخر فى أشعارهم، وهم سعيد بن جودى وعبد الملك بن هذيل ويوسف الثالث.
سعيد (٦) بن جودى السعدىّ
هو سعيد بن سليمان بن جودى بن أسباط بن إدريس السعدى من هوازن من جند
стр. 3854
دمشق الداخلين إلى الأندلس فى عهد الولاة، ولى جده الأقرب جودى بن أسباط- كما يقول ابن حيان-الشرطة للأمير الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) وصحب سعيد-كما ذكرنا منذ قليل-سوار بن حمدون المحاربى أمير عرب إلبيرة المنازعين للمولدين والمسالمة والنصارى من أهل تلك الكورة أيام نشوب الفتنة العصبية بها لأول عهد الأمير عبد الله. وتحيز سوار بأصحابه إلى حصن غرناطة فملكه ودانت له العرب فى تلك الأنحاء واتخذ سعيد بن جودى-وكان شاعرا-أهم مساعد له فى حركته لشجاعته وبأسه وفروسيته، ومر بنا كيف استطاع سوار أن يأخذ ثأر زعيم العرب قبله فى تلك المنازعة مع المولدين وأصحابهم: يحيى بن صقالة، إذ قتل منهم فيما يقال سبعة آلاف، ونرى ابن جودى يرميهم حينئذ بشواظ من شعره منشدا:
قد طلبنا بثأرنا فقتلنا ... منكم كلّ مارق وعنيد
قد قتلناكم بيحيى وما إن ... كان حكم الإله بالمردود
فاصطلوا حرّها وحرّ سيوف ... تتلظّى عليكم كالوقود
لم تزالوا تبغونها عوجا حتّ ... ى وردتم للموت شرّ ورود
ويقول إنهم قتلوا يحيى بن صقالة غدرا، ويشيد بشجاعته وجوده وحلمه وتقواه ويدعو الله أن يجزيه جزاء الشهداء الأبرار. ويحشد المولدون ومن يؤيدهم من المسالمة والنصارى جموعهم ويهاجمون غرناطة، فتدور عليهم الدوائر وتحصد سيوف العرب منهم اثنى عشر ألفا، ويرميهم بقصيدة ملتهبة، يقول فيها:
لقيتم لنا ملمومة مستحرّة ... تجيد ضراب الهام تحت العوامل (١)
وظلّت سيوف الهند تحصد جمعكم ... حصاد زروع أينعت للمناجل (٢)
ولم يبق منكم غير عان مصفّد ... يقاد أسيرا موثقا فى السلاسل (٣)
وآخر منكم هارب قد تضايقت ... به الأرض يعدو من جوى وبلابل (٤)
ولم يلبث سوار قائد هاتين المعركتين أن قتل بحيلة دبرها المولدون سنة ٢٧٧ فأمّر العرب مكانه فى زعامتهم سعيد بن جودى صاحبه، وظل يذود عنهم ذياد الأبطال سبع
стр. 3855
سنوات طوال، مثيرا فيهم الحماسة والحمية لمنازلة خصومهم. ويبدو أن شعرا حماسيا كثيرا لسعيد نظمه فى تلك الحروب سقط من يد الزمن، من ذلك قصيدة دالية لم يبق منها إلا هذا البيت:
وما كان إلا ساعة ثم غودروا ... كمثل حصيد فوق ظهر صعيد (١)
وله مرثية فى بطل وربما رثى بها سوار بن حمدون أو بعض أصحابه من الفرسان ممن لقوا حنفهم فى تلك الحروب، وله أيضا بعض أشعار غزلية، ويقول ابن الأبار إنه يشوبها بشجاعته على شاكلة أبى دلف قائد المأمون فى غزلياته. وله فى جارية تسمى جيجان سمعها بقرطبة تغنى للأمير عبد الله فى إمارة أبيه محمد، فهام بها دهرا دون أن يراها وفيها يقول:
سمعى أبى أن يكون الروح فى بدنى ... فاعتاض قلبى منه لوعة الحزن
أعطيت جيجان روحى عن تذكرها ... هذا ولم أرها يوما ولم تزنى
فقل لجيجان يا سؤلى ويا أملى ... استوص خيرا بروح زال عن بدن (٢)
كأننى واسمها والدمع منسكب ... من مقلتى راهب صلّى إلى وثن
ومن عجب أن قتل هذا الفارس البطل غيلة بأيدى بعض أصحابه فى شهر ذى القعدة من سنة ٢٨٤.
عبد الملك (٣) بن هذيل
هو أبو مروان عبد الملك بن هذيل ، كان أبوه هذيل بن خلف بن رزين من أكابر جند البربر، وفى أول الفتنة بقرطبة سمت نفسه إلى اقتطاع كورة السهلة بين طليطلة وسرقسطة، وتم له ذلك بالاتفاق مع أمراء البلدتين بحسن سياسته وتدبيره. ومرّ بنا أنه أول من أفرط من ثمن القينات من أمراء الطوائف وأنه اشترى قينة بثلاثة آلاف دينار كانت أديبة تحسن الغناء مع معرفة بالطب والتشريح وعلم الطبيعة واللعب بالسيوف والخناجر المرهفة، وابتاع لها هذيل قينات مغنيات مشهورات بالتجويد فكانت ستارته أرفع ستائر أمراء الطوائف. والستارة عندهم تعنى المسرح الذى كانت تغنى وترقص عليه
стр. 3856
القينات مع العود وغيره من آلات الطرب. وفى هذه البيئة نشأ عبد الملك نشأة فيها كثير من اللهو والعناية بالشعر، فكان طبيعيا أن تتفتح فيها ملكته. وتوفى أبوه سنة ٤٣٦ فخلفه على السهلة، ويقول الفتح بن خاقان إنه كان غيثا فى النّدى، وليثا فى العدا» بينما يقول ابن الأبار إنه «كان-مع شرفه وأدبه-متعسفا على الشعراء، متعسرا بمطلوبهم من ميسور العطاء» ويقول ابن بسام: «كان له طبع يدعوه فيجيبه، ويرمى ثغرة الصواب عن قوسه فيصيبه». وظل على إمارة السهلة حتى تغلب على ما بيده ابن تاشفين وتوفى سنة ٤٩٦ وكانت له نجدة وفيه شجاعة، وكان يختلط بجنده ويتحبب إليهم حتى إنه كان لا يمتاز منهم فى مركب ولا ملبس. وله وقائع مع النصارى مشهورة، وربما كانت مطالب هذه الوقائع من أموال للسلاح وإعداد هى التى اضطرته إلى عدم الاتساع فى النوال على الشعراء لا عن شحّ وبخل، ولكن عن حاجة للأموال واضطرار، وقد تدل على ذلك دعوته للجود فى بعض شعره قائلا:
اهدم بناء البخل وارفض له ... من هدم البخل بنى مجده
لا عاش إلا جائعا نائعا ... من عاش فى أمواله وحده
وهو يدعو على البخيل الشحيح الذى يقيض يده عن العطاء للناس ولا يشركهم فى أمواله أن يعيش جائعا نائعا أو ظامئا وبعبارة أخرى فقيرا بائسا. وكان موقفه كريما من ابن طاهر حين سلبه ابن عمار مرسية-كما مرّ بنا-فقد كتب إليه يسأله أن ينزل عنده وأن يقاسمه خاصّ ضياعه وأملاكه، وإن شقّ عليه ذلك لبعد السهلة وبرد هوائها فإنه يهبه بلدة من بلدانها الجنوبية، هى شنتمرية ويقف طاعتها عليه وتصريف أمورها بيديه، ومن قوله مفاخرا:
شأوت آل رزين غير محتفل ... وهم-على ما علمتم-أفضل الأمم
قوم إذا سئلوا أغنوا وإن حربوا ... أفنوا وإن سوبقوا جازوا مدى الكرم (١)
جادوا فما يتعاطى جود أنملهم ... مدّ البحار ولا هطّالة الدّيم
وما ارتقيت إلى العليا بلا سبب ... هيهات هل أحد يسعى بلا قدم
فمن يرم جاهدا إدراك منزلتى ... فليحكنى فى النّدى والسّيف والقلم
ومبالغة منه مسرفة أن يقول عن أسرته من آل رزين إنها أفضل الأمم، وهو يصفهم-
стр. 3857
ويصف نفسه معهم-بالكرم الفياض، ويقول إنه لم يرتق مصعدا إلى ذروة العلياء إلا بجوده وبأسه وقلمه وما يدونه من جيد المنظوم والمنثور. ويقول:
أنا ملك تجمّعت فىّ خمس ... كلّها للأنام محى مميت
هى ذهن وحكمة ومضاء ... وكلام فى وقته وسكوت
وهو يفتخر بذكائه وحكمته وشجاعته، وأنه يصمت حين ينبغى الصمت ولا يتكلم إلا حين يطلب الكلام وحينئذ يكون الكلام نافذا ماضيّا كالسهام المصمية. وروى له ابن بسام مقطوعة ذم فيها ذما شديدا من يتناولون الناس بالسخرية والإزراء عليهم وثلبهم بينما هم فى الدرك الأسفل من الدناءة والغباء، كما روى له مقطوعة ثانية يعجب فيها من رهبته أمام عيون صاحبته وما تسلّه من ألحاظها بينما لا يخشى السيوف فى القتال ولا يرهبها، يقول:
إذا سلّت الألحاظ سيفا خشيته ... وفى الحرب لا أخشى ولا أتوقّع
ولعل فى كل ما قدمت ما يشهد لعبد الملك بن هذيل بأنه كان على حظ غير قليل من الفضل والنبل والشيم الكريمة.
يوسف الثالث (١)
حفيد الغنى بالله، حكم غرناطة من سنة ٨١٠ إلى سنة ٨٢٠ وترتيبه الثالث عشر بين أمرائها بنى الأحمر النصريين، وله ديوان كبير حقّقه الأستاذ عبد الله كنون سنة ١٩٥٨ ويذكر يوسف فى مقدمته التى سقطت من الديوان واحتفظ بها المقرى فى نفحه-كما جاء فى مقدمة محققه-شيوخه الذين ثقف عليهم العربية والشريعة الإسلامية. ونعرف من الديوان اسم زوجته «سلمى» وله فيها غزل كثير قبل اقترانه بها، وهى ابنة عمه وأم أولاده. وتوفيت فى أثناء حكمه فرثاها، ومن قبلها رثى أباه السلطان يوسف الثانى، وله مراث فى بعض إخوته وأبنائه. وفى الديوان إشارات كثيرة إلى منازعات ظلت طويلا بينه وبين أبى سعيد عثمان المرينى صاحب فاس (٨٠٧ - ٨٢٣ هـ) بسبب جبل طارق ومن
стр. 3858
يكون صاحب السيادة عليه، ويظفر أخيرا به وتصفو بينهما العلاقة، ويمتدحه ويمتدح قومه.
وكان نصارى الشمال-وخاصة القشتاليين-لا يزالون مع يوسف بين مهادنة ومنازلة وموادعة ومحاربة، وانتصر عليهم يوسف فى بعض الوقائع، مما جعله ينشد مثل قوله فى قصيدة حماسية من قصائده:
راق الزمان وجاءنا ميقاته ... بالضّحوة الغرّاء من أيامه (١)
نأتمّ فى حرب الصّليب وحزبه ... بشفيع كلّ موحّد وإمامه
مستأصلى بيع العداة مهتّمى ... ما صان فيها الكفر من أصنامه (٢)
والله ﷻ متكفّل ... بالنّصر والمعهود من إنعامه
ويوسف يعلن أنه انتصر فى ضحوة أوضحى أحد الأيام على حملة الصليب، وهو يقتدى فى جهاده لهم بجهاد الرسول ﷺ للكفار. مصمما على استئصال بيعهم أو كنائسهم وتهتيم أو تهشيم أصنامهم مستعينا بعون الله فى نصره عليهم وسحقهم سحقا ذريعا. وطبيعى أن يكتظ ديوان يوسف بحمم كثيرة من الحماسة والفخر المضطرم من مثل قوله:
لقد علمت نصر بأنى كفيلها ... إذا هاجت الهيجاء واحمرّت الأرض (٣)
أدافع عنهم بالصوارم والقنا ... وأحمى حماها أن ينال لها عرض
بنا ساعة الهيجاء يحمى وطيسها ... وتهتك أستار البغاة إذا انقضوّا
إلى عترة الأنصار تعزى أرومتى ... إلى معشر فى الذّكر حبّهم فرض
وهو يقول إن بنى نصر من أسرته يعلمون بلاءه فى الحرب وأنه حين يحمى وطيسها أو شرارها وتسيل الدماء على أديم الأرض ويتساقط عليها القتلى صرعى يذود عن حماهم ويدافع عنهم مستميتا بالسيوف وبالرماح، ولا غرو فإنه ينتمى إلى رهط الأنصار إذ أسرته من سلالة سعد بن عبادة، ومعروف أن عداده فى السابقين الأولين من الأنصار.
وينشد مفاخرا:
ألست سليل الصّيد من آل حمير ... وخير ملوك الأرض قوما ولا فخر (٤)
стр. 3859
لنا المنصب الأعلى على كل منصب ... لنا العزّة القعساء والغرر الغرّ (١)
لنا الهضبة الشّمّاء سامية الذّرى ... لنا الرّاية الحمراء يهفو بها النّصر (٢)
مكارم أعيت كلّ من رام حصرها ... وهيهات ما للشّهب فى أفقها حصر
وهو يفتخر بأنه سليل أصحاب الحول والطّول من حمير، إذ أصل الأنصار من اليمن، وأن لهم المنصب أو المقام الرفيع والعزة الوطيدة والأعمال العظيمة المشهورة والهضبة الضاربة فى السماء التى لا يمكن لأحد بلوغ ذراها السامقة والراية الحمراء رمز إمارتهم وانتصاراتها الماحقة، وهى مكارم يعزّ حصرها، وهل يمكن أن تحصر أو تحصى الشهب والنجوم فى السماء. ووراء ما اخترناه ليوسف الثالث من أشعار فى الفخر والحماسة أشعار ذات نسيج ضعيف، وهى طبيعية ممن ينشأ مثله فى الملك والترف والنعيم.
(ب) شعراء الهجاء
الهجاء قديم فى الشعر العربى، ومرّ بنا-فى كتابنا عن العصر الجاهلى-أنه كان فى الأصل لعنات يصبها الأفراد على أعدائهم وأعداء قبائلهم آملين أن تنزلها بهم المقادير، وأخذ يتحول من لعنات خالصة إلى سباب وتهوين للمهجوّين على ألسنة شعراء الجاهلية، ومضوا يتقاذفونه ويسلّونه كما يسلون سيوفهم فى حروبهم، وبقيت منه بقايا غير قليلة فى الإسلام بين شعراء المدينة ومكة لعهد الرسول ﷺ ، ولم يلبث أن احتدم بالعراق فى العصر الأموى ونشأت عنه مناظرات هجاء حادة بين جرير والفرزدق سمّيت بالنقائض. وظل التهاجى مضطرما بين الشعراء فى العصر العباسى، وسقطت منه شعل كثيرة إلى الأقاليم، وبمجرد أن نشط الشعر فى الأندلس لعهد عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦ - ٢٣٨ هـ) نشط الهجاء وأخذ شعراؤه يتكاثرون، وفى مقدمتهم يحيى الغزال، وسنخصه بكلمة، ومن هؤلاء الهجائين المبكرين عبد الله (٣) بن الشّمر المتفنن فى العلوم منجم الأمير عبد الرحمن الأوسط، ويذكر ابن حيان (٤) عن قاض اسمه يخامر بن عثمان كانت فيه غفلة أن ابن الشمر استغلّ ذلك يوما-وهو فى مجلس القضاء-فألقى بين البطاقات التى كان ينادى بها الخصوم للتقدم إليه بطاقة مكتوبا عليها: يونس بن متى،
стр. 3860
المسيح بن مريم. وحين وقعت البطاقة فى يده أمر أن يدعى له بمن فيها، فهتف الهاتف:
يونس بن متى والمسيح بن مريم وكرّر الهاتف النداء خارج مجلس القاضى ولا مجيب إلى أن صاح ابن الشمر: إن نزولهما من علامات الساعة! وتناول بطاقة وكتب فيها مع بيتين آخرين:
يخامر ما تنفكّ تأتى بفضحة ... دعوت ابن متّى والمسيح بن مريما
قفاك قفا جحش ووجهك مظلم ... وعقلك ما يسوى من البعر درهما
فتألب الفقهاء على يخامر وأجمعوا على ذمه والقدح فيه، وثارت به العامة لفقده حسن المعاملة ولقلة درايته. ومن الهجائين المعاصرين لابن الشمر مؤمن (١) بن سعيد الملقب بدعبل الأندلس، وكان يهاجى ثمانية عشر شاعرا رموه عن قوس واحدة لتمزيقه أعراض الناس. وكان هاشم بن عبد العزيز وزير الأمير محمد بن عبد الرحمن يقرّبه ويجزل له النوال، وأسرته النصارى فى إحدى المواقع، فقال يخاطب أبا حفص ابن عمه وعدوّه شامتا به فى قصيدة طويلة:
تصبّح أبا حفص على أسر هاشم ... ثلاث زجاجات وخمس رواطم (٢)
وبح بالذى قد كنت تخفيه خفية ... فقد قطع الرحمن دولة هاشم
وافتدى الأمير محمد هاشما فلما عاد إلى وزارته وعلم بالقصيدة نصب لمؤمن حبائل السعاية عند أميره فحسبه، وطال حبسه حتى توفى سنة ٢٦٧. ومن كبار الهجائين فى عهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) القلفاط (٣) محمد بن يحيى المتوفى سنة ٣٠٢ وكان يسلّ لسانه على الناس جميعا حتى على الأمير عبد الله وفيه يقول:
ما يرتجى العاقل فى مدّة ... ألرّجل فيها موضع الراس
وكان صديقا لابن عبد ربه، وبدرت منه بادرة له، فتوجّس منه شرا، وتهاجيا وأقذع كل منهما فى هجاء صاحبه. وتخف حدة الهجاء لعهد عبد الرحمن الناصر،
стр. 3861
(٣٠٠ - ٣٥٠ هـ) حتى إذا أمر المستنصر ابنه (٣٥٠ - ٣٦٦ هـ) بإراقة الخمر وتشدد فى ذلك تعرضت له جماعة من الشعراء بذمه، من بينهم الرمادى: يوسف بن هرون، فأمر بسجنه حتى إذا توفى عادت إليه حريته، واشتهر له قوله فى طفل حلق أهله شعره خوفا عليه من الحسد (١):
حلقوا رأسه ليكسوه قبحا ... خيفة منهم عليه وشحّا
كان قبل الحلاق ليلا وصبحا ... فمحوا ليله وأبقوه صبحا
ونمضى إلى عصر أمراء الطوائف وفيه يشتد التنافس بين الشعراء، ويشتد معه الهجاء ولو أن ابن بسام عنى فى الذخيرة بعرضه لأورد منه عشرات بل مئات من الصحف، ولكنه عاهد نفسه أن لا يعرض منه إلا القليل الأقل. وأخذ حينئذ يتخصص بعض الشعراء بنظمه، فهم لا يكادون يطرقون بابا سواه وفى مقدمتهم السّميسر وسنفرد له ترجمة وكان على شاكلته أبو تمام غالب (٢) الملقب بالحجّام شاعر قلعة رباح غربى طليطلة وقد سقطت فى حجر ألفونس السادس سنة ٤٦٧ وغالبا لا يذكر ابن بسام من يهجوهم وخاصة إذا كانوا من رجال الأندلس أو علية القوم، ولعل ذلك ما يجعله يختار له الأبيات العامة التى تصيب كل مذموم كقول غالب مما أنشده صاحب الذخيرة:
صغار الناس أكثرهم فسادا ... وليس لهم لصالحة نهوض
ألم تر فى سباع الطير سرّا ... تسالمنا ويؤذينا البعوض
وقوله:
فيا للملك ليس يرى مكانى ... وقد كحلت لواحظه بنورى
كذا المسواك مطّرحا هوانا ... وقد أبقى جلاء فى الثغور
وأخذ يظهر من حينئذ شعراء يطوفون بمدن الأندلس، ويتغنون على كل باب يظنون منه خيرا، وقد يتعثر الخير، وقد يشعرون بشئ من الاستطالة مع الإقلال والجدب فيمن يقصدونهم، فيتركونهم إلى غيرهم ممن يحسنون بهم الظن، فيجدونهم أكثر إقلالا وإجدابا، ومن أشهر هؤلاء الشعراء الجوالين أبو عامر (٣) الأصيلى، وهو كثير الذم والهجاء للناس
стр. 3862
بمثل قوله مما اختار له ابن بسام:
أرى الأوغاد يعتمرون دورا ... ومالى فى بلاد الله دار
أجول فلا أرى إلا رعاعا ... كبارهم إذ اختبروا صغار
ونشبت لعهد أمراء الطوائف أكبر (١) معركة للهجاء ضد يهود غرناطة، ذلك أن كورة إلبيرة كانت قد وقعت من نصيب زاوى بن بن زيرى الصنهاجى زمن الفتنة، فاتخذ غرناطة قاعدة له حتى سنة ٤٢٠ إذ رحل عنها إلى بلاده بإفريقية وتركها لابن أخيه حبوس بن ماكسن، واتخذ وزيره أبو القاسم بن العريف كاتبا له يهوديا يسمى إسماعيل (صمويل) ويلقّب بابن النّغريلّه، وكان داهية خبيثا درس بقرطبة الديانة اليهودية وكل ما اتصل ببحوثها التلمودية مع ما درس من الثقافة والآداب العربية. وتوفى حبوس سنة ٤٢٩ وخلفه باديس حتى سنة ٤٦٧ وفى عهده أصبح ابن النغريلة رئيس وزرائه أو وزيره الأول بحسن تدبيره لشئون المال، وبالغ باديس فى الثقة به، بينما هو كان يعد نفسه حاميا لليهود فى الأندلس، فجاءوه من كل بلد، وأخذ يعهد إليهم بكثير من وظائف الحكم والضرائب، كما أخذ يرعى مصالحهم الاقتصادية والتجارية. ودفع باديس إلى أن يعيش بين كاس وطاس لا يدرى شيئا من شئون الحكم، وبلغ من عدائه للإسلام أن كان لا يجد حرجا من استهزائه به، وأقسم أن ينظم القرآن فى أشعار، وتوفى سنة ٤٥٦ وكان قد أعدّ ابنه يوسف ليخلفه فى وزارته لباديس، وسرعان ما أخذ الناس يعلنون ضيقهم به وبسيطرة اليهود على شئون الدولة من ضرائب وغير ضرائب، وأخذ غير شاعر يستثير العامة للثورة على اليهود وزعيمهم يوسف وفى مقدمتهم السّميسر وأبو الحسن يوسف بن الجد القائل فى سخط وغضب (٢):
تحكّمت اليهود على الفروج ... وتاهت بالبغال وبالسّروج
وقامت دولة الأنذال فينا ... وصار الحكم فينا للعلوج (٣)
فقل للأعور الدّجّال هذا ... زمانك إن عزمت على الخروج
стр. 3863
وأصبح المسلمون فى غرناطة، يموجون بالحنق والغيظ من يوسف واليهود الذين اعتصروا طيبات الأرض وعرق الكادحين باسم الضرائب، وقد اختلت الموازين فبعد أن كان المسلمون هم الذين يجبون الضرائب من اليهود وأهل الذمة أصبح اليهود هم الذين يجبونها، وبينما كان الناس ينتظرون شعلة لتثير بركان الثورة الكامن، إذا أبو إسحق الإلبيرى الذى سنترجم له بين الزهاد يمدهم بقصيدة حماسية ملتهبة، بل بالشعلة الشعرية المضطرمة شواظا ونارا حامية، وإنه ليهتف فى مطلعها برجال صنهاجة الحاكمين (١):
ألا قل لصنهاجة أجمعين ... بدور النّدىّ وأسد العرين (٢)
لقد زلّ سيّدكم زلّة ... تقرّ بها أعين الشامتين
تخيّر كاتبه كافرا ... ولو شاء كان من المسلمين
فعزّ اليهود به وانتخوا ... وتاهوا وكانوا من الأرذلين (٣)
ونالوا مناهم وجازوا المدى ... فحان الهلاك وما يشعرون
ويتساءل ألم يكن من الواجب على باديس أن يبقيهم-كما أبقاهم حكام المسلمين قبله-باعة جوّالين يحملون أخراجهم على ظهورهم فى صغار وذل وهوان باحثين فى المزابل عن خرق من الثياب ملوّثة يتخذونها أكفانا لموتاهم. ويتجه إلى باديس مادحا مثنيا حتى يتنبه ليوسف وأعوانه وما يدبرون من الكيد له بينه وبين شعبه، وما كنزوا وبنوا من القصور الباذخة. وما يزال يستثير باديس حتى إذا ظن أنه بلغ به الغاية من الثورة على اليهود وحاميهم يوسف أفتاه-كفقيه-بسفك دمه ودماء أعوانه من اليهود، يقول:
فبادر إلى ذبحه قربة ... وضحّ به فهو كبش ثمين
ولا تحسبن قتلهم غدرة ... بل الغدر فى تركهم يعبثون
وقد نكثوا عهدنا عندهم ... فكيف تلام على الناكثين
وأخذ سكان غرناطة يتناسخون القصيدة وينشدونها فى الطرقات، وغلت نفوسهم وصمموا على الانتقام، وحانت الفرصة إذ كان يوسف قد اتفق مع المعتصم بن صمادح أن يرسل إليه جنودا إلى غرناطة أملا فى أن تخلص له بعد خلوصها من باديس. وفى مساء يوم السبت لعشر خلون من صفر سنة ٤٥٩ تسوّر كثيرون من الرعية قصره حين تبينت
стр. 3864
لهم جليّة نواياه مصممين على قتله، فاختبأ منهم فى بيت فحم، فقبضوا عليه وقتلوه وصلبوه على باب المدينة، ونهبوا متاجر اليهود ومنازلهم وقتلوا منهم نحو أربعة آلاف.
ومن كبار الهجائين فى عصر المرابطين عبد الله (١) بن سارة الشنترينى المتوفى سنة ٥١٧ ويقول ابن بسام عنه: «رأيت له عدة مقطوعات فى الهجاء تربى على حصى الدّهناء، وهو فيه صائب السهم نافذ الحكم» ويقول إنه أضرب عن ذكرها إلا لمعا قليلة لمنهجه الذى اتخذه فى الذخيرة، وهو أن ينحىّ عنها الهجاء وخاصة المفحش منه، وكان ابن سارة مقترّا عليه فى الرزق، فتنقل طويلا فى بلدان الأندلس، ثم استوطن إشبيلية واحترف فيها الوراقة، وفيها يقول ذامّا هاجيا:
أما الوراقة فهى أنكد حرفة ... أغصانها وثمارها الحرمان
شبّهت صاحبها بإبرة خائط ... تكسو العراة وجسمها عريان
ويكثر فى زمن المرابطين هجاء الفقهاء لما حازوا لأنفسهم فيه من مال وسلطان، وابن سارة أحد من تعرض لهم هاجيا، ومثله ابن خفاجة وابن البنّى وفيهم يقول مخاطبا لهم:
أهل الرّياء لبستم ناموسكم ... كالذئب أدلج فى الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب الدوابّ بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم فى العالم
وهو يتهمهم بالمراءاة وأكل الأموال بالباطل ويزعم أنهم ملكوا الدنيا بمذهب مالك وأئمته المصريين الذين تتلمذ عليهم فقهاء الأندلس واتخذوا كتبهم مصدرا لفتاويهم وأحكامهم، وهم ابن القاسم المتوفى سنة ١٩١ وأشهب بن عبد العزيز المتوفى سنة ٢٠٤ وأصبغ بن الفرج المتوفى سنة ٢٢٥. وممن عنف بالفقهاء فى الهجاء الأبيض (٢) محمد بن أحمد المتوفى حول سنة ٥٢٥ وولع بهجاء الزبير المرابطى حاكم قرطبة بمثل قوله:
عكف الزّبير على الضلالة جاهدا ... ووزيره المشهور كلب النّار
ما زال يأخذ سجدة فى سجدة ... بين الكئوس ونغمة الأوتار
стр. 3865
فإذا اعتراه السّهو سبّح خلفه ... صوت القيان ورنّة المزمار
وكانت فى الأبيض جرأة شديدة، وأفحش فى بعض هجائه للزبير فاستدعاه وقال له:
ما دعاك إلى هذا الهجاء؟ حتى إذا أخذ يقرّعه ويوجعه باللوم قال له هازئا به: إننى لم أر أحق بالهجو منك ولو علمت ما أنت عليه من المخازى لهجوت نفسك إنصافا ولم تكلها إلى أحد. وقامت قيامة الزبير حين سمع منه ذلك وأمر بقتله، وهو حمق منه ما بعده حمق.
وكان معاصره اليكّى يهجو المرابطين مثله، غير انه لم يبلغ مبلغه فى الإقذاع وهو من كبار الهجائين، وسنخصه بكلمة. وكانت بين المتفلسفين أبى العلاء بن زهر وابن باجة- بسبب المشاركة فى مهنة الطب كما يقول المقرى-ما يكون بين النار والماء، والأرض والسماء، فقال فيه ابن (١) باجة:
يا ملك الموت وابن زهر ... جاوزتما الحدّ والنهايه
ترفّقا بالورى قليلا ... فى واحد منكما الكفايه
وهى فى رأينا دعابة وممازحة، لا هجاء ذميم كما ظن المقرى، مما جعله يعقّب لأبى العلاء بن زهر ببيتين يصف فيهما شخصا بالزندقة وأنه لا بد أن يصلب والجذع والرمح حاضران، إلا أن يكون ذلك بقصد الدعابة. ومن الهجائين المخضرمين الذين عاشوا فى عصر المرابطين، ولحقوا عصر الموحدين الأعمى (٢) المخزومى أبو بكر محمد، وأنشد له ابن سعيد فى المغرب هجاء كثيرا، من ذلك قوله فى إحدى مقطوعاته يهجو قوما لقوه لقاء قبيحا:
وأنتم سننتم كلّ محدث سبّة ... ولم تتركوا فيها لحاقا لآخر
فقد جمعوا-غير مسبوقين-كل مسبّة وكل مذمّة وكل قبيحة، وقطعوا الطريق فيها على كل لاحق، حتى استحقوا لعنة تزرى سوءا وعارا بلعنات كل من فى المقابر كما يقول. ولم يسلم أحد من هجائه حتى تلميذته الشاعرة نزهون (٣) -وكانت من بيت فضل وعلم-هجاها قائلا:
ألا قل لنزهونة مالها ... تجرّ من التّيه أذيالها
стр. 3866
فردّت عليه بهجاء موجع أخرسه. وكما هجا تلميذته التى كانت حرية بكل ثناء على الأقل لخصب ملكتها الشعرية هجا ابنا له بقوله:
الحقّ أبلج لست أنت وحقّ من ... أحيا بك الأجلاف ممّن يفلح (١)
لا تهتدى بفضيلة لا ترعوى ... بملامة لا أنت ممن يصلح
يزداد عقلك ما كبرت تناقصا ... وتلجّ فى صمم إذا ما تنصح (٢)
وبدلا من أن يتعاطف مع ابنه فلذة كبده ويصوغ له النصح برفق يجرح مشاعره بهذه السهام المصمية. ويقول ابن سعيد عنه فى مطلع ترجمته نقلا عن الحجارى: «بشار الأندلس انطباعا ولسنا وأذاة، وهو الذى أحيا سيرة الحطيئة بالأندلس فمقت، وكان لا يسلم من هجوه أحد». ويروى ابن سعيد أن جده عبد الملك كان يبرّه ويكرمه وأنه قصده مرة فأنزله فى دار تلطفا، وقال لغلام له: اسأل فى الموضع الذى نزل فيه المخزومى متى يرحل وكان يريد أن يرسل إليه حين يهم بالرحيل زادا وينظر له فى دابة تحمله، وأساء الغلام الطريقة إذ ضرب على المخزومى فخرج إليه، فقال له: يقول لك صاحبك متى ترحل؟ فقال له انتظر حتى أكتب لك الجواب وكتب له أبياتا منها:
لا ترجونّ بنى سعيد للنّدى ... فالظلّ أفيد منهم للسائل
قوم مصيبتهم بطلعة وافد ... وسرورهم أبدا بخيبة راحل
ومن كبار الهجائين فى عصر الموحدين على بن حزمون وسنفرد له ترجمة، وكان يعاصره محمد (٣) بن الصفار الأعمى القرطبى المتوفى سنة ٦٣٩ وكان قد أخذ نفسه بالوقوع فى الأعراض، وكان لا يزال يتناول أعراض الأمراء ووجوه القوم، ويروى ابن سعيد أنه لما قال أبو زيد الفازازى كاتب أبى العلاء المأمون الموحدى (٦٢٤ - ٦٢٩ هـ) ابن يعقوب المنصور قصيدته التى أولها: «الحزم والعزم منسوبان للعرب» يشير بذلك إلى أنصاره من عرب جشم ناقضه ابن الصفار بقصيدة فى مديح يحيى بن الناصر الموحدى أخى المأمون مخاصمه على إمارة الموحدين، أشار فيها إلى عمه المأمون هاجيا له بقوله:
وإن ينازعك فى المنصور ذو نسب ... فنجل نوح ثوى فى قسمة العطب
وإن يقل أنا عمّ فالجواب له ...؟ ؟ ؟ امّ النبىّ بلا شكّ أبو لهب
стр. 3867
وشاعت القصيدة وبلغت المأمون فحرّض على قتله، وفرّ ابن الصفار إلى أبى زكريا بن عبد الواحد أمير تونس وأجرى عليه راتبا شهريا إلى أن بارح دنياه. ويظل شرر الهجاء يتطاير فى إمارة بنى الأحمر، ويكثر الشعراء حينئذ من ذم الزمان والناس، على نحو ما يلقانا عند البسطى محمد بن عبد الكريم القيسى بأخرة من زمن تلك الإمارة، وقد صبّ كثيرا من هجائه على القضاة والمشرفين على الأحباس، ومن هجائه لقاضى بلدته (١):
تبّا لقاضى بسطة ابن مفضّل ... تبّا له فيه يروح ويغتدى
إذ غيّر الأحكام عما أصّلت ... تغيير جبّار عنيد معتدى
وحرى بنا أن نتوقف قليلا بإزاء أربعة من كبار الهجائين فى الأندلس على مر عصورها هم يحيى الغزال والسّميسر واليكّى وعلى بن حزمون.
يحيى (٢) الغزال
هو يحيى بن الحكم البكرى الجيّانى المعروف باسم الغزال، ولد حوالى سنة ١٥٦ للهجرة وتوفى حوالى سنة ٢٥٠ وإذا صحّ ذلك يكون قد عاش أكثر من تسعين سنة، ويؤكد ذلك ما ذكره فى أرجوزته التاريخية من قوله:
أدركت بالمصر ملوكا أربعه ... وخامسا هذا الذى نحن معه
فهو قد أدرك زمن عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة ١٧٢ وابنه هشام وحفيده الحكم الربضى وابنه عبد الرحمن وحفيده محمد، وكان جميل الصورة لذلك لقّب بالغزال وهو ممن رحلوا إلى المشرق وأفادوا منه أدبا وعلما. ويبدو أنه كان يتولى أحيانا بعض أعمال للدولة وخاصة فى زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ تولى له قبض الأعشار من المحاصيل وخزنها، ويقال إن سعرها ارتفع فى بعض الأعوام فباع كل ما لديه من مخزون، وغضب الأمير حين علم بصنيعه لأنها كانت معدة للجند، وأمره أن يرد ثمنها ويشترى
стр. 3868
للدولة منها حاجتها وكان السعر قد هبط، فرأى أن يكتفى برد ما يماثلها من الطعام دون رد المال جميعه، فأمر عبد الرحمن بسجنه. وكان شاعرا فذا فاستعطفه ببعض منظومه أو بعبارة أدق بقصيدة من قصائده فعفا عنه. وكان الأمير عبد الرحمن يعجب به، ولذلك نراه يكلفه بسفارتين سفارة لتيوفيل ملك بيزنطة، ولنجاحه فيها كلفه بعد القضاء على غارة النورمان الدانماركيين بغربى الأندلس سنة ٢٢٩ بسفارة ثانية إلى ملكهم، ونجح فيها كما نجح فى السفارة الأولى وعاد بذخائر ملوكية.
ويبدو من مدائح الغزال للأمراء الأمويين ولشغله لبعض الوظائف ولسفارته المتكررة للأمير عبد الرحمن الأوسط أنه عاش فى غير قليل من لين العيش وأنه كان فى أكثر حياته-إن لم يكن فيها جميعا-على حظ غير قليل من اليسر والرخاء وسعة ذات اليد، ولذلك نعجب أن نجد نفسه مطوية على غير قليل من المرارة مما دفعه إلى أن يكثر من الهجاء، فهو يهجو المرأة ويرميها بعدم الوفاء، ويهجو زرياب فى أول قدومه على قرطبة، ويهجو الناس جميعا حاكمين ومحكومين، يقول:
ما أرى هاهنا من الناس إلا ... ثعلبا يطلب الدّجاج وذيبا
أو شبيها بالقطّ ألقى بعيني ... هـ إلى فأرة يريد الوثوبا
فالناس بين ثعلب ماكر وذئب مفترس وقطّ ينتظر فرصة من فأرة، وجميعهم متحفز للوثوب والتقاط صيد ثمين ما وسعهم الصيد. ومن أهم من سلط عليه سهام هجائه قاضى الجماعة بقرطبة يخامر بن عثمان الجذامى الجيانى مواطنه، ولاّه عبد الرحمن قضاء الجماعة سنة ٢٢٠ فأكثر من هجوه وذمه ووصفه بالجهل والبله مع السخرية المرة منه ومن أحكامه، كقوله فى شعر استهله باعتذاره لشخص كلفه عملا لا يحسن أداءه على نحو ما كلّف القاضى يخامر بالقضاء وهو لا يحسنه:
فقلت له كلّفتنى غير صنعتى ... كما قلّدوا فضل القضاء يخامرا
وقلت لو استعفيت منه فقال لى ... سأفضح ما قد كان منك مغايرا
فقلت له: رأس الفضوح إقامة ... علينا كذا من غير علم مكابرا
وخبطك فى دين الإله على عمى ... خباطة سكران تكلّم سادرا (١)
فلن يحمل الصّخر الذّباب ولن ترى ال ... سّلاحف يزجين السّفين مواخرا (٢)
стр. 3869
وهو هجاء مقذع ليخامر إذ يصفه بأنه يخبط فى قضائه وأحكامه على الناس خبط أعمى لا يبصر، بل خبط سكران فقد عقله ورشده، ويمثله فى حمله للقضاء ومهمته الثقيلة التى لا يؤتاها إلا أولو العزم بذباب يطلب إليه أن يحمل صخرا ضخما وبسلاحف يطلب إليها أن تدفع سفنا تشق مياه البحار شقا. وما يزال يهوّن منه ويزرى به حتى عزله الأمير عبد الرحمن عن القضاء. وكان نصر الصقلى الخصىّ تمكن من الأمير عبد الرحمن غاية التمكن وكان ذلك يؤذى الغزال وكثيرين غيره من الحاشية وكان نصر يسكن بالقرب من مقابر قرطبة، فقال يتوعده عذاب الله وجحيمه على ما قدّمت يداه:
أيا لا هيا فى القصر قرب المقابر ... يرى كلّ يوم واردا غير صادر
تراهم فتلهو بالشّراب وبعض ما ... تلذّ به من نقر تلك المزاهر (١)
سترحل عن هذا وإنك قادم ... -وما أنت فى شكّ-على غير غافر
وكان الأمير عبد الرحمن ولّى ابنه عبد الله من حظيته طروب ولاية العهد، وأخذ فى سنة ٢٣٦ يفكر فى صرفها عنه إلى أخيه محمد لاستهتاره وانهماكه فى اللذات، فأغرت طروب نصرا أن يسقيه شربة سم حتى يعجله الموت عن تنفيذ فكرته، وصدع نصر لمشيئتها، ونبّه الأمير عبد الرحمن إلى ذلك، فشكا وعكة فى معدته، فأحضر له دواء، فأمره بشربه، ولم يستطع أن يعصى له أمرا، فشربه، ومات، فقال الغزال ملقّبا له بأبى الفتح ومتشفيا فيه من قصيدة طويلة:
أغنى أبا الفتح عما كان يأمله ... حفيرة حفرت بين المقابير
فصار فيها كأشقى العالمين وإن ... لفّوه بالنّفح فى مسك وكافور
وأمر عبد الرحمن بإنزال زرياب مغنيه فى قصر نصر بعد موته، فنظم الغزال قصيدة يذكر فيها تقلب الدنيا بأهلها وأن نصرا قد ترك قصره إلى مسكن ليس عليه حجاب سوى التراب، ولم يأخذ معه من كل ما جمعه سوى كفنه أو كما يقول سوى ثلاثة أثواب.
ولعل فيما أسلفنا ما يدل بوضوح على أن الغزال كان صاعقة من صواعق الهجاء المقذع الموجع فى زمنه.
стр. 3870
السّميسر (١)
هو خلف بن فرج الإلبيرى، من أعلام الشعراء فى زمن أمراء الطوائف، اشتهر بالشعر وخاصة إذا هجا وقدح، وكأنما تخصص بالقدح والهجو فى أهل زمنه، حتى ليكتب فى هجائهم كتابا فى مجلدات سماه «شفاء الأمراض فى أخذ الأعراض». وكانت كورته إلبيرة وعاصمتها غرناطة بيد الأمير عبد الله بن بلقين الصنهاجى منذ سنة ٤٦٧ وكان السميسر ينظر حوله، فيجد أمراء الطوائف غارقين فى ملاهيهم بين الكاس والطاس متنابذين متخاصمين، بينما أفواه ألفونس وملوك النصارى فاغرة تريد أن تلتقم بلدانهم، وإنهم ليرهبونهم حتى ليدفعون لهم الإتاوات، مما جعله يهتف بهم قائلا:
ناد الملوك وقل لهم ... ماذا الذى أحدثتم
أسلمتم الإسلام فى ... أسر العدا وقعدتم
وجب القيام عليكم ... إذ بالنّصارى قمتم
لا تنكروا شقّ العصا ... فعصا النبىّ شققتم
فهو يدعو أهل الأندلس إلى الثورة-أو إلى القيام كما يقول-على أمرائهم الذين أحدثوا أحداثا منكرة مسلمين أموال البلاد إلى العدو، واضعين أيديهم فى يده، بل إنهم ليستعدون به بعضهم على بعض متخذين منه العون والنصير فى حكم إماراتهم، شاقين بذلك عصا الإسلام ورسوله. ويهتف بأمير غرناطة وقبيلته صنهاجة أن يتداركوا الأمر، ولكن لا حياة لمن ينادى، فعبد الله بن بلقين غارق فى تشييد قلعة يتحصّن بها عند نزول كارثة فيقول فيه ساخرا:
يبنى على نفسه سفاها ... كأنه دودة الحرير
فهو-فى رأيه-كدودة القزّ لا تزال تنسج حولها معقلا لها وهو ليس معقلا بل عقالا تلفّه حولها وتموت فيه، ويكرر هتافه بالأمير وقبيلته، ولا سميع ولا مجيب، فيهجو صنهاجة والبرابر جميعا بمثل قوله:
стр. 3871
رأيت آدم فى نومى فقلت له ... أبا البريّة إنّ الناس قد حكموا
أنّ البرابر نسل منك قال إذن ... حوّاء طالقة إن كان ما زعموا
ولما كثر منه مثل هذا الهجاء الموجع المؤلم توعده الأمير عبد الله بسفك دمه، ففر إلى المعتصم بن صمادح أمير المريّة مستجيرا به، فأجاره، وأقام عنده حتى استولى المرابطون على إمارته سنة ٤٨٤. وكان السميسر سيئ الظن بالناس سوءا شديدا، حتى لينشد:
رأيت بنى آدم ليس فى ... جموعهم منه إلا الصّور
ولما رأيت جميع الأنام ... كذلك صرت كطير حذر
فمهما بدا منهم واحد ... أقول أعوذ بربّ البشر
فقد أصبح من الناس جميعا مثل طير حذر لا يزال يتلفت يمينا ويسارا خشية أن يقع فى شبكة من شباكهم رصدوها له، وإنه ليستعيذ منهم ومن شرهم بربه لاجئا إليه ضارعا.
وعلى شاكلة ظنه السيئ بالناس ظنه بأهل صنعته من الشعراء إذ يقول فيهم:
أنا أحبّ الشعر لكننى ... أبغض أهل الشعر بالفطره
فلست تلقى رجلا شاعرا ... إلا وفيه خلّة تكره
والعجب والنّوك إلى الجهل فى ... أكثرهم إلا مع النّدره
وطبيعى أن يعجب كل شاعر بشعره، أما النوك أو الحمق وكذلك الجهل اللذان يسجلهما على أكثرهم فمبالغ فى وصمهم بهما. ويعلن مرارا أنه هجر اللذات، ويبدو أنه هجرها بأخرة من حياته، مما جعله يكثر من أشعار طريفة فى الزهد والقناعة والحياة والموت.
اليكّىّ (١)
هو أبو بكر يحيى بن سهل اليكى من قرية يكّة شمالى مرسية، قال فيه الحجارى: «هو ابن رومى عصرنا وحطيئة دهرنا، لا تجيد قريحته إلا فى الهجاء، ولا تنشط به فى غير ذلك من الأنحاء» عاش فى زمن المرابطين ولحق دولة الموحدين إلى أن توفى حوالى سنة ٥٦٠
стр. 3872
وكان المرابطون يضعون اللثام على وجوههم، ولذلك سموا الملثمين، ونراه يعلل لاتخاذهم اللثام بمثل قوله:
لمّا حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثّموا
فى مدحة بلغ بها غاية رضاهم، ثم عاد إليه طبعه وما فطر عليه من الهجاء المقذع، فهجاهم وقدح فى أخلاقهم ولثامهم راميا لهم بالدناءة ونقص العفاف قائلا:
فى كلّ من ربط الّلثام دناءة ... ولو أنه يعلو على كيوان (١)
لا تطلبّن مرابطا ذا عفّة ... واطلب شعاع النار فى الغدران
وفى نفس هذه المقطوعة ومقطوعة ثانية ما هو أكثر بذاءة، وكأنه نسى-كأندلسى- أن الملثمين هم الذين أنقذوا الأندلس من وقوعها فى براثن النصارى الشماليين، ولم تكن موقعتهم المظفرة بالزلاّقة التى سحقوهم فيها سحقا ببعيدة. وربما هجاهم بعد زوال دولتهم وقيام دولة الموحدين، غير أن ذلك لا يشفع-إن صح-له. وعلى شاكلته هجاؤه لأهل فاس بعد أن أكرموه بمثل قوله:
يا أهل فاس لقد ساءت ضمائركم ... فأصبحت فيكم الآراء متّفقه
وربما اجتمعت فى بعض سادتكم ... نقائص أصبحت فى الناس مفترقه
ويتمادى فى البذاءة بهذه المقطوعة ومقطوعات أخرى، وكأنما يحصى عيوب نفسه، وبالمثل ما أحصاه من خصال عشرة ذميمة للفقيه وزوجته، وما وصم به قاضى بلدته:
مرسية من جوره وأكله أموال اليتامى وأموال المساجد سرقة وغصبا، يقول:
يطالبه الأيتام فى جلّ مالهم ... ويطلبه فى حقّه كلّ مسجد (٢)
والهجاء حين ينزل إلى هذا الدّرك أو إلى هذا المنحدر لا يصبح من الفن والشعر فى شئ، إذ يصبح سبّا وقذفا مذموما. وربما كان أخفّ ما هجا به أهل فاس قوله:
قصدت جلّة فاس ... أسترزق الله فيهم (٣)
فما تيسّر منهم ... دفعته لبنيهم
стр. 3873
وإنما نقول إنه هجاء خفيف لأن فيه شيئا من الدعابة، إذ يقول إن ما يأخذه منهم من النوال بيمينه يدفعه لأبنائهم بيساره. ومن هجائه المقذع اللاذع قوله فى بعض مهجوّيه:
أعد الوضوء إذا نطقت به ... متذكّرا من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظّلّ منه ينجّس الشّمسا
وكأنه يصفه بدنس لا يماثله دنس وقذارة لا تشبهها قذارة، وهو غلو فى الإقذاع والإيلام. وفى أهاجيه فحش كثير. وتردد ابن سعيد فى المغرب فى نسبة موشح له وقال إنه لابن المرينى ويروى لليكى مما يدل على أنه شارك فى نظم الموشحات.
على (١) بن حزمون
هو أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن حزمون، من المريّة، يقول فيه ابن سعيد:
«صاعقة من صواعق الهجاء» ويقول ابن عبد الملك المراكشى: «كان شاعرا مفلقا ذاكرا للآداب والتواريخ أحد بواقع (٢) الدهر، بذئ اللسان مقذع الأهاجى». ومر بنا فى حديثنا عن شعراء المديح أنه كان أحد من مدحوا المنصور يعقوب الموحدى بعد قفوله من غزوة الأرك المظفرة سنة ٥٩١ وقد وقعت قصيدته من المنصور موقع استحسان، وأنشدنا منها قطعة هناك، ويذكر ابن عبد الملك المراكشى أنه وفد على المستنصر الموحدى (٦١٠ - ٦٢٠ هـ) بمراكش مادحا له ومتظلما من واليه المجريطى على مرسية لضربه بالسياط لما بلغه من هجائه له، وتبرأ للمستنصر مما نسب إليه من ذلك، فأمر بتمكينه من الوالى وتحكيمه فيه حتى ينتصف منه، غير أن ابن حزمون لم يكد يصل إلى الأندلس حتى توفى المستنصر فلم يتم له أمله من القصاص من الوالى واشتدّ أسفه.
ويبدو أنه عاش فترة غير قصيرة بعد وفاة المستنصر. وله مرثية رائعة لقائد الأعنة بمرسية سنعرض لها فى غير هذا الموضع، وجرّه هجاؤه إلى التعرض لأحد قواد الأندلس، واسمه محمد بن عيسى، بهجاء لاذع، زاعما أنه فرّ فى إحدى المواقع مع النصارى قائلا:
يودّ بأن لو كان فى بطن أمّه ... جنينا ولم يسمع حديثا عن الغزو
стр. 3874
ثقيل ولكن عقله مثل ريشة ... تطير بها الأرواح فى مهمه دوّ (١)
تميل بشدقيه إلى الأرض لحية ... تظنّ بها ماء يفرّغ من دلو
وقد حدّثوا عنه بكلّ نقيصة ... ولكنّ مثلى لا يروّى ولا يروى
وهو تجنّ على هذا القائد الذى كان مشهورا فى قومه بالشجاعة والنجدة، ويبدو أنه بدر منه ما أسخطه عليه، فمضى يصفه بالجبن، وهو برئ منه، وبثقل الروح وخفة العقل وضخم اللحية التى لا تزال تميل بشدقيه السائلين إلى الأرض. وهى مبالغة فى هجاء مقذع كان حريا به أن ينحيه عن مثل هذا الفارس الشجاع. وحين وفد على المستنصر رأى أن يلتقى بالوزير الموحدى أبى سعيد بن جامع، فقصد داره وكان لها بابان، فوقف بأحدهما ينتظر لقاءه، فقيل له إنه خرج من الباب الآخر، فأنشد:
نعوذ بالله من وجد ومن بين ... ومن وقوف على دار ببابين
ومن زيارة أرباب بلا عدد ... لا يملكون حياتى لا ولا حينى (٢)
إنى وجدتهم لما رجوتهم ... كالرّيح تطلبها ما بين كفّين
وكان أبو سعيد بن جامع أديبا وغيثا مدرارا وممدّحا للشعراء، ولكنها نزعة الهجاء فى ابن حزمون إذ جعلته يهجو متسرعا لأول بادرة ممن يستحقون منه المديح والإطراء. وبلغ من تعلقه بهذا الفن أن هجا نفسه، وكأنما أراد أن يقتصّ منها لكل من رماه بسهام هجائه، فقال:
تأمّلت فى المرآة وجهى فخلته ... كوجه عجوز قد أشارت إلى الّلهو
إذا شئت أن تهجو تأمّل خليقتى ... فإنّ بها ما قد أردت من الهجو
كأنّ على الأزرار منى عورة ... تنادى الورى غضّوا ولا تنظروا نحوى
فلو كنت مما تنبت الأرض لم أكن ... من الّرائق الباهى ولا الطيّب الحلو
وفى الحق أنه كانت فى ابن حزمون مرارة كثيرة، وربما كانت هى التى دفعته إلى أن يسلك طريقة إبن حجاج البغدادى الماجنة المفحشة فى كثير من شعره، وكان وشاحا مجيدا ودفعته نزعته الماجنة إلى أن لا يدع موشحة تجرى على ألسنة الناس-كما يقول صاحب المعجب-إلا نظم فى عروضها ورويها موشحة ماجنة مكثرا فيها من الفحش.
وينهى المراكشى حديثه عنه بقوله: «ونال ابن حزمون عند قضاة المغرب وعماله وولاته جاها وثروة خوفا من لسانه» وبعبارة أخرى خوفا من هجائه البذئ المقذع.
стр. 3875
٥ - الشعراء والشعر التعليمى
ذكرنا فى كتاب العصر (١) العباسى الأول أن رقى الحياة العقلية فى هذا العصر دفع الشعراء إلى استحداث فن الشعر التعليمى، وكان من أوائل السابقين إليه أبان بن عبد الحميد فترجم كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية إلى العربية فى ١٤ ألف بيت من الشعر المزدوج المؤلف من وزن الرجز، وفيه تختلف القافية من بيت إلى بيت بينما تتحد فى الشطرين المتقابلين. وبجانب ترجمته لكليلة ودمنة فى هذا الفن الجديد نظم مزدوجات طويلة فى تاريخ ملوك الفرس وفى الفقه وأحكام الصوم والزكاة. وممن نظم فى هذا الفن الجديد محمد بن إبراهيم الفزارى، إذ نظم فى علم الفلك مزدوجة طويلة استغرقت عشرة مجلدات، ونظم الأصمعى فيه قصيدة فى ذكر الملوك والجبابرة الهالكين والأمم البائدة، وكان بشر بن المعتمر يكثر من النظم فى هذا الفن التعليمى، وساق الجاحظ له فيه بكتابه الحيوان قصيدتين طويلتين تحدث فيهما عن الحشرات وأصناف الحيوان، ولعلى بن الجهم منظومة تاريخية تحدث فيها عن بدء الخليقة والأنبياء والإسلام والخلفاء حتى سنة ٢٤٨ للهجرة.
ومن أوائل شعراء الأندلس الذين حاكوا العباسيين فى هذا الفن الجديد-إن لم يكن أولهم السابق إليه-الشاعر يحيى الغزال الذى مرت ترجمته بين شعراء الهجاء، إذ نظم فى فتح الأندلس أرجوزة طويلة ذكر فيها السبب فى غزوها وتفصيل الوقائع بين الفاتحين من المسلمين وأهلها وعدد أمرائها وأسماءهم مستقصيا محسنا (٢). ونلتقى بعده بتمام بن عامر وزير الأمير محمد وابنيه المنذر ثم عبد الله إلى أن توفى فى حدود سنة ٢٨٠ ويقول ابن الأبار: له الأرجوزة المشهورة فى ذكر افتتاح الأندلس وتسمية ولاتها والأمراء فيها ووصف حروبها من وقت دخول طارق بن زياد مفتتحها إلى آخر أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم (٣)، ويقول ابن حيان إنها تشتمل على كتاب ضخم (٤) وفى ذلك ما يؤكد أنها كانت مفرطة فى الطول.
стр. 3876
وإذا استمررنا فى تتبع الشعر التاريخى التعليمى وأراجيزه التقينا بأرجوزة (١) ابن عبد ربه التى سجّل فيها انتصارات عبد الرحمن الناصر من سنة ٣٠٠ إلى سنة ٣٢٢ موزعا لأبياته فيها على تلك السنوات وهى فى نحو ٤٥٠ بيتا، وقد استهلها بقوله:
سبحان من لم تحوه أقطار ... ولم تكن تدركه الأبصار
ومن عنت لوجهه الوجوه ... فما له ندّ ولا شبيه
ومضى يصف الله ببعض صفاته القدسية حامدا له على آلائه التى أسبغها على الأندلس، ويشيد بعبد الرحمن الناصر وانتصاراته الباهرة وجمعه لعقد الأندلس بعد أن كانت حبّاته قد تناثرت وعمّت الفتن فى كل الأنحاء وكثر الثوار فى كل مكان، وإذا عبد الرحمن بغزواته المتوالية سنويا يعيد إلى الأندلس وحدتها ويقضى قضاء مبرما على الثوار والمرّاق ويأخذ فى منازلة نصارى الشمال حتى يلقوا له عن يد وهم صاغرون، ونكتفى من أرجوزة ابن عبد ربه بالوقوف عند غزوة (٢) السنة الأولى من غزوات الناصر وهى سنة ثلاثمائة، وكان قد أعدّ جيشا ضخما خرج به من قرطبة فى السابع من شهر رمضان فى تلك السنة، وبدأ بثوار كورة جيّان واتجه إلى حصن المنتلون وثائره سعيد بن هذيل ونازله واستسلم ولاذ بالأمان، ورحل إلى حصن شمنتان وثائره عبيد الله بن الشاليه، فبادر بالاستسلام متنازلا له عن جميع معاقله وحصونه وكانت تقارب المائة، ورحل إلى الحصون التى كانت موالية لعمر بن حفصون فى جيّان ثم فى البشرّات وافتتحها جميعا، ثم تقدم إلى ما كان بيد ابن حفصون فى إقليم إلبيرة من الحصون فافتتح أكثرها ولم يدع فيها مخالفا. ورأى أن يريح جيشه وكان قد فتح سبعين حصنا من أمهات الحصون سوى حصون وبروج ومعاقل تبلغ نحو الثلاثمائة، وهى فتوح لم يسمع بمثلها- كما يقول ابن حيان-لملك واحد من ملوك الأرض فى غزوة واحدة، وقفل منها عائدا إلى عاصمته قرطبة بعد ثلاثة أشهر وأيام، وفيها يقول ابن عبد ربه فى أرجوزته مشيدا بالناصر وما أذاق الثائرين من بأسه واستسلامهم له صاغرين خانعين:
وجمّع العدّة والعديدا ... وكثّف الأجناد والحشودا
ثم انتحى جيّان فى غزاته ... بعسكر يسعر من حماته (٣)
стр. 3877
فأذعنت مرّاقها سراعا ... وأقبلت حصونها تداعى
وافتتح الحصون حصنا حصنا ... وأوسع الناس جميعا أمنا
ثم انتحى من فوره إلبيره ... وهى بكل آفة مشهوره
ولم يدع من جنّها مريدا (١) ... بها ولا من إنسها عنيدا
إلا كساه الذّلّ والصّغارا ... وعمّه وأهله دمارا
وانصرف الأمير من غزاته ... وقد شفاه الله من عداته
والأبيات ليس فيها الحرارة التى ينبغى أن تموج بها إزاء هذه الغزوة التى ليس لها مثيل فى تاريخ الأندلس. وربما كان ذلك بسبب أنها صيغت فى أرجوزة من الشعر التاريخى التعليمى الذى تفتر فيه الحرارة ويصبح أشبه بالسرد منه بالشعر الغنائى المتوهج حرارة.
ولابن عبد ربه مدائح كثيرة فى الناصر تشتعل فيها الحماسة، بل فى نفس هذه الغزوة إذ ينشد ابن حيان له فيها قوله فى مدحه للناصر (٢):
فى نصف شهر تركت الأرض ساكنة ... من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا
لما رأوا حومة الشّاهين فوقهم ... كانوا بغاثا حواليها ودرّاجا (٣)
ويقول فى وصف عدله فى رعيته:
أحيا لنا العدل بعد ميتته ... وردّ روح الحياة فى جسده
ونلتقى في عصر المرابطين بأهم ناظم للشعر التعليمى التاريخى، ونقصد أبا طالب عبد الجبار الملقب بالمتنبى، وسنفرده بكلمة عما قليل، وكان يعاصره ابن أبى الخصال الكاتب المشهور وله قصيدة فى نسب الرسول ﷺ سماها «معراج المناقب». وأهم من نظموا بعده فى هذا اللون التاريخى من الشعر لسان الدين بن الخطيب الذى ستأتى ترجمته فى الفصل الخامس، فله فيه أرجوزة طويلة سماها «رقم الحلل فى نظم الدول» وهى تاريخ شعرى للدول الإسلامية، عرض فيها بإيجاز الخلفاء الراشدين فالأمويين فالعباسيين فبنى الأغلب بإفريقيا فالعبيديين (الفاطميين) فبنى أمية بالأندلس فأمراء الطوائف فالمرابطين فالموحدين فبنى نصر بغرناطة وبنى مرين بإفريقيا، وطبع جزء من هذه الأرجوزة بتونس بأخرة من القرن الماضى، ويسوق ابن الخطيب فى تضاعيفها نثرا لتوضيح الأبيات، وفى كتابه «الإحاطة» اقتباسات منها كثيرة. من ذلك عرضه لتاريخ الحكم الربضى وما كان
стр. 3878
من ثورة الفقهاء وأهل الربض عليه وسفكه لدماء كثيرين وهدمه لدورهم وقضائه السريع على الثورة مع رباطة جأشه فى حينها رباطة أذهلت من كانوا محيطين به، وكان من شدة الجبروت بحيث لم يرع لأحد فى الثورة عليه عهدا ولا ذمة، يقول لسان الدين مشيرا إلى توليه الحكم بعد وفاة أبيه هشام (١):
حتى إذا الدهر عليه احتكما ... قام بها ابنه المسمّى الحكما
واستشعر الثورة فيها وانقبض ... مستوحشا كالّليث أقعى وربض (٢)
حتى إذا فرصته لاحت نفض ... فأفحش الوقعة فى أهل الرّبض
وكان جبّارا بعيد الهمة ... لم يرع من إلّ بها أو ذمّة (٣)
وإذا تركنا التاريخ وشعره التعليمى إلى العلوم الدينية واللغوية قابلتنا كثرة من الأراجيز والقصائد العلمية، وهى أكثر من أن تحصى فى الأندلس أو تستقصى، إذ لم يكادوا يتركون علما دون أن ينظموا فيه أراجيز أو قصائد مطولة، وطائفة منها ذاعت شهرتها فى العالم العربى وكتبت عليها شروح كثيرة وأصبحت محور الدراسة فى العلم الذى نظمته مهما شرقنا أو غربنا فى البلدان العربية والإسلامية، من ذلك منظومة القاسم بين فيرّه الشاطبى الذى مر ذكره بين القرّاء فى الفصل الثانى، وقد سماها-كما مر بنا- حرز الأمانى ووجه التهانى فى القراءات، واشتهرت باسم الشاطبية نسبة إليه، وعدّتها -كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، وقد شرحت مرارا، شرحها العلم السخاوى وغيره، وظلت المرجع الأساسى للقراء منذ عصر الشاطبى إلى اليوم. وذكرنا معه من القراء أبا حيان الغرناطى وقلنا هناك إن له فى القراءات منظومة فى ألف بيت وأربعة وأربعين وقد سماها: «عقد اللآلى فى القراءات السبع العوالى»، ويقول ابن حجر إنها أخصر وأكثر فوائد من الشاطبية غير أنها لم ترزق حظها (٤) من الشهرة والذيوع. ودوّت شهرة ابن عبد البر حافظ الأندلس وإمام مذهبها المالكى لعصر أمراء الطوائف بكتاب نفيس فى الفقه والحديث ألفه على هدى كتاب الموطّأ لمالك وسّماه:
«التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد» ويقول ابن حزم-كما مر بنا- «لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله أصلا» ولعل ذلك ما جعل الشاطبى ينظم قصيدة فى
стр. 3879
خمسمائة بيت تحيط علما بهذا الكتاب إحاطة دقيقة، غير أنها لم ترزق حظ أختها الشاطبية. ويلقانا غير عالم أندلسى حتى آخر أيام العروبة هناك يؤلف أراجيز ومنظومات فى العلوم الدينية المختلفة على نحو ما يلقانا عند أبى بكر بن عاصم المتوفى سنة ٨٢٩ تلميذ لسان الدين بن الخطيب وله فى القراءات (١) منظومة باسم «إيضاح المعانى فى القراءات الثمانى» ومنظومة ثانية فى علم الفرائض (الميراث) باسم: «كنز المفاوض فى علم الفرائض» ومنظومة ثالثة فى علم الأصول باسم: «مهيع الوصول إلى علم الأصول» وله فى الفقه المالكى أرجوزة فى نحو ١٦٩٠ بيتا نشرت فى باريس منذ القرن الماضى وكانت تدرس فى جامعة فاس إلى عهد قريب. وكثيرا ما كانوا ينظمون قصائد ومقطوعات لضبط بعض المسائل المتصلة بالقرآن أو بالقراءات أو بالفقه وأحكامه على نحو ما نجد فى رائية (٢) أبى الحسن بن الحصار، وهى اثنان وعشرون بيتا فى بيان المدنى والمكى من سور الذكر الحكيم، وذكر فيها أن المدنى باتفاق عشرون سورة والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة وما عدا ذلك فمكى.
وكان طبيعيا أن تشارك الأندلس المشرق فى نظمه لفنون البيان والبديع، وابن المعتز هو أول من جمع بينهما فى كتابه «البديع» إذ أحصى فيه ثمانية عشر محسّنا وضم إليها صور البيان الأساسية وهى الاستعارة والتشبيه والكناية، وأخذت الحقب التالية تضيف إلى محسناته محسّنات جديدة إلى أن بلغ بها ابن أبى الإصبع المصرى مائة واثنين وعشرين محسنا. وتأخذ فى الظهور منذ على بن عثمان الإربلى المتوفى سنة ٦٧٠ منظومات البديعيات (٣)، وهى منظومات يتضمن كل بيت فيها محسنا من محسنات البديع والبيان، حتى إذا كان صفى الدين الحلى المتوفى سنة ٧٥٠ رأيناه ينظم بديعيه من وزن البسيط فى ١٤٥ بيتا موضوعها مديح الرسول ﷺ ، وكل بيت فيها يتضمن محسنا من محسنات البديع، وبلغت المحسنات فيها مائة وخمسين. ونرى معاصره أبا حيان الغرناطى ينظم قصيدة فى علمى البديع والبيان، ويبدو أنه لم يتجه بها وجهة الحلى والإربلى فى أن يجعل من كل بيت إشارة إلى لون معين من ألوان البيان والبديع، ولذلك لم يعد العلماء له هذا العمل بين قصائد البديعيات. وأول أندلسى أسهم فى تلك القصائد ابن جابر الوادى آشى المترجم له بين شعراء المديح النبوى، إذ نظم بديعية من بحر البسيط
стр. 3880
فى مائة وسبعة وعشرين بيتا وجعل موضوعها مديح الرسول ﷺ وسماها: «الحلة السّيرا فى مدح خير الورى» واستهلّها بقوله:
بطيبة انزل ويمّم سيّد الأمم ... وانثر له المدح وانشر أطيب الكلم (١)
وسرعان ما شرحها مواطنه ومعاصره أبو جعفر الرّعينى، ويقول فى مقدمته لها إن ابن جابر اتبع فى سرد المحسنات البديعية الخطيب القزوينى فى كتابيه الإيضاح والتلخيص، ولعل ذلك ما جعله يكتفى فيها بنحو ستين محسنا.
ولعل الأندلس لم تكثر من النظم فى علوم كما أكثرت من نظم علوم النحو والتصريف واللغة، ويكفى أن نرجع إلى ترجمة ابن مالك الطائى الجيّانى المتوفى سنة ٦٧٢ بدمشق، ويعد أشهر نحاة القرون العربية المتأخرة لا فى الأندلس فحسب بل فى العالم العربى جميعه، وكان نظم الشعر التعليمى سهلا عليه سهولة مفرطة مع التعبير الناصع عن أدق الدقائق فى النحو والصرف واللغة، وتشهد بذلك كثرة أراجيزه ومنظوماته فيها المصوغة صياغة بديعة، وفى مقدمتها نظمه المفصل للزمخشرى فى النحو باسم «المؤصّل فى نظم المفصل» ومنظومته المطولة «الكافية الشافية» فى النحو، وتقرب من ثلاثة آلاف بيت، وله فى الصرف منظومة لامية فى أبنية الأفعال باسم «المفتاح أو اللاميات» وهى فى مائة وأربعة عشر بيتا من وزن البسيط، ومنظومة ثانية فى ٤٩ بيتا من وزن الكامل ضمنها الأفعال الثلاثية المعتلة بالواو أو الياء احتفظ بها السيوطى فى الجزء الثانى من كتابه المزهر. وله فى اللغة منظومة واوية فى ١٦٢ بيتا سماها «تحفة المودود فى المقصور والممدود» وهى تتضمن الألفاظ التى تنتهى بألف مقصورة أو ممدودة مع اختلاف معانيها وقد طبعت فى القاهرة مع شرح موجز لها، ومنظومة ثانية فى ٦٢ بيتا من وزن البسيط سماها: «الاعتداد فى الفرق بين الزاى والصاد» ضمنها الكلمات المتماثلة التى تنتهى بهما. وأهم منظوماته جميعا الألفية فى النحو والصرف وهى أرجوزة فى ألف بيت اختصر فيها أرجوزته الكبرى الكافية الشافية، وقد رزقت من الشهرة ومن المدارسة وإكباب الشيوخ والطلاب عليها فى جميع البلاد العربية منذ تأليفها إلى اليوم ما لم ترزقه أى منظومة أخرى فى النحو والصرف واللغة، ومن أجل ذلك كثرت شروحها وحواشيها مثل شرح الأشمونى وحاشية الصبان عليه وشرح ابن عقيل وحاشية الخضرى عليه. ولحازم القرطاجنى المتوفى سنة ٦٨٤
стр. 3881
منظومة نحوية تضمنها ديوانه وسنعرض لها فى حديثنا عنه عما قليل، ولأبى حيان المتوفى سنة ٧٤٥ أرجوزة فى النحو سماها «غاية (١) الإغراب فى علمى التصريف والإعراب» أى النحو، ولم تحظ-كأرجوزته فى القراءات-بشئ من الشهرة، وبالمثل الأراجيز النحوية التى نظمت بعد عصره، إذ سلبتها الشهرة جميعا ألفية ابن مالك. ويذكر ابن حجر فى كتابه الدرر أن ابن جابر الوادى آشى نظم كتاب فصيح ثعلب فى اللغة.
وكان قد شاع نمط لغوى من وزن الرجز يتضمن كثيرا من الألفاظ المقصورة الشائعة والمهجورة بغرض أخذ المتأدبين بمعرفتها وحفظها، وبدأ ذلك ابن دريد فى القرن الرابع بمقصورته التى تقع فى نحو مائتين وخمسين بيتا من الشعر والتى مدح بها عبد الله بن محمد ابن ميكال والى الأهواز وابنه، وأخذ بعض الشعراء فى المشرق يحاكونه بصنع مقصورات مماثلة لمقصورته غير أنه ظل لمقصورته القدح المعلى فى عناية الشعراء بها وفى تخميس بعضهم لها، ونجد شعراء الأندلس-وخاصة منذ القرن السادس-يحاولون محاكاته فى هذا اللون من الشعر التعليمى اللغوى، ونذكر منهم على بن حريق المخزومى، إذ ذكر المراكشى أن له مقصورة (٢) عارض بها ابن دريد، وأضاف أن له أرجوزة لغوية بديعة عارض بها أرجوزة لغوية لابن سيده المتوفى سنة ٤٥٨ وذكر المراكشى أن لمعاصره عامر بن هشام المتوفى سنة ٦٢٣ مقصورة (٣) جعلها فى ثلاثة أقسام: الأول فى الزهد والتضرع إلى الله واستغفاره، والثانى فى الحديث النبوى: بنى الإسلام على خمس، والثالث فى الشكوى من الزمان والإخوان ورثاء أبى محمد عبد الله بن أبى حفص بن عبد المؤمن، وعدتها نحو مائة وخمسة وستين بيتا أنشأها لابن أخيه وشرحها له شرحا مفيدا. ولحازم القرطاجنى مقصورة نالت حظا من الشهرة وسنلم بها فى حديثنا عنه وموضوعها مديح المستنصر صاحب تونس. وبدأ بالمقصورة ابن جابر الوادى آشى موضوعا جديدا هو مديح الرسول ﷺ ، وقد أنشدها المقرى فى النفح (٤) مسميا لها باسم المقصورة الفريدة، وهى فى أكثر من ثلاثمائة بيت من وزن الرجز، وجعل لقافية كل حرف من حروف الهجاء فيها عشرة أبيات وتلى الحرف دائما الألف المقصورة واستهلها بالنسيب على العادة التى شاعت فى قصائد المدح النبوى، مع تضمينها بعض
стр. 3882
الحكم الطريفة والإفاضة فى سيرة الرسول العطرة وذكر بعض معجزاته الخارقة والتنويه بمعراجه إلى السماء وقرب جبريل منه، وازدياده قربا حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وكيف أن الله ارتضاه للأمة رسولا هاديا منذ نشأة الخليقة. ومع أن المقصورة تكتظ فى قوافى أبياتها بالألفاظ الغريبة تشيع فيها السهولة مع حسن الأداء، إذ كان شاعرا بارعا.
وحرى بنا أن نخص كلا من أبى طالب عبد الجبار وحازم القرطاجنى بكلمة.
أبو (١) طالب عبد الجبار
لم تعن كتب التراجم الأندلسية بإعطائنا معلومات وافية عن حياة أبى طالب عبد الجبار، وحقا عنى ابن بسام بالترجمة له وإنشاد أرجوزته التاريخية كاملة، غير أنه اكتفى بقوله إنه من أهل جزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية، ونهرها يحيط بها من جميع جهاتها. وهو بذلك يشترك مع ابن خفاجة شاعر الطبيعة فى مسقط رأسه. ويقول ابن بسام إنه كان يعرف بلقب المتنبى، ويضيف أنه كان «أبرع أهل وقته أدبا، وأعجبهم مذهبا، وأكثرهم تفننا فى العلوم، وأوسعهم ذرعا (طاقة) بالإجادة فى المنثور والمنظوم».
ويذكر أنه كان يسرف فى المجون، وأنشد له خمرية اقتطفنا منها أبياتا فى الفصل التالى، ويقول إنه كان قانعا بما يسدّ حاجته من العيش، فلم يمدح أميرا ولا غير أمير بشعره، وينوه بأرجوزته التاريخية، ويقول إنها تدل على رسوخ قدمه فى العلم والمعرفة. وتدل مقدمته لها على أنه قدمها إلى أحد الرؤساء، ونظن ظنا أنه أحد ولاة دولة المرابطين على شرقى الأندلس. ولا يذكر لنا ابن بسام شيئا عن الحقبة التى عاش فيها، غير أنه أرخ فى أرجوزته ليوسف بن تاشفين سلطان المرابطين وذكر عقبه ابنه عليا السلطان بعده (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ) وانه يقتفيه ويهتدى به فى حكمه، مما جعل العماد الأصبهانى يستنتج فى ترجمته له أنه عاش بعد سنة خمسمائة أى بعد السنة الأولى من حكم على، ومن يرجع إلى أرجوزته وحديثه فيها عن الخلفاء العباسيين يلاحظ أنه ختمهم بالخليفة المسترشد (٥١٢ - ٥٢٩ هـ) قائلا عنه:
وهو إلى الآن إمام الخلق ... والملك لله الإله الحقّ
وفى قوله): «إلى الآن» ما يدل على أنه عاش فترة فى مدة حكمة، قد تكون سبع سنوات أو أقل أو أكثر.
стр. 3883
والأرجوزة فى أربعمائة وخمسين بيتا، وقد وضع بين يديها مقدمة نثرية ذكر فيها أنه قدمها-كما أسلفنا-إلى أحد الرؤساء قاصدا بها استمناحه ونواله، ويصفه بأنه غيث مدرار وبحر فياض بالجود والكرم، ثم يذكر أنه رجع فى أرجوزته إلى كتب التاريخ قاطفا عيون زهرها وملتقطا مكنون دررها، مع الإجمال والإيجاز. ويقول إنه ذكر فى فاتحتها مقدمات من أصول الاعتقادات، ويبدؤها باسم الله والصلاة على رسوله وآله الطيبين، ويأخذ فى حمد الله مبتدع السماء والأرض والبريّة ابتداع خالق مهيمن منفرد بوحدانيته منزّه عن قول جهم بن صفوان وغيره من المجسّمة، ويدعو إلى التأمل فى ملكوت العالم وتدبيره وإحكام خلقه وأيضا إلى التأمل فى خلق الإنسان وأطواره وما وهبه الله من الحواس والحياة والرزق إلى الممات والعقل والعلم بالقلم علم التاريخ وغيره من العلوم.
وينتقل من حمد الله وإبداعه للكون والإنسان إلى الاستدلال على أنه الصانع للكون فكل ما فى الكون أجسام، والأجسام لا تصنع الأجسام، بل لا بد من صانع هو الذات العلية، وينشد:
أفّ لقول الفئة البصريّه ... أهل الهوى والفرقة الغويّه
واحذر هداك الله يا ذا الفهم ... قولهم واحذر مقال جهم
وقل بما يقول أهل الحقّ ... من مثبتى صفات ربّ الخلق
وهو يريد بالفئة البصرية المعتزلة ويشتد به الضجر من قولهم بأن صفات الله ليست زائدة عن الذات الربانية كما يشتد به الضجر من جهم وأنداده المجسمة، ويعلن أنه يقول بما يقول به أهل الحق، يريد أهل السنة ممن يثبتون له صفاته القدسية، ولعله كان يدين بعقيدة الأشعرية أتباع أبى الحسن الأشعرى. ويقول إنه يؤمن-بجانب العقل- بالنقل المتواتر للأخبار الذى ينقله الجم الغفير عن الجم الغفير أو الجماهير عن الجماهير، وهو بذلك سنى أو قل أشعرى، ولا يلبث أن يحدثنا عن الجوهر والعرض، مما يؤكد صلته بالفلسفة، يقول:
وكلّ شئ جوهر أو عرض ... إلا الذى الطّوع له مفترض
فإن فحصت قائلا ما الجوهر ... وما هو العرض إذ يفسّر
فالجوهر الحامل للأعراض ... وهو الذى ليس بذى أبعاض
والعرض المحمول كالألوان ... وحركات الجرم والإسكان
فكل ما فى الكون إما جوهر وإما عرض إلا رب البرية فإنه لا جوهر ولا عرض إذ
стр. 3884
هو منزّه عن التجسيم وعن كل ما يتصل بالتجسيم. والجوهر-ويريد الجوهر الفرد- لا يتجزّأ، والعرض لا حق به إذ يحمله كالألوان ويلابسه ملابسة الحركة والسكون.
وينتقل إلى مقدمة ثالثة فى بيان العلم ويوصى بأن يعرف الإنسان فرق ما بين المعلوم والموهوم وأن لا يهمل العقل ويأخذ بالتقليد، ويتخذ العلم للعلم لا للمباهاة به ولا لغلبة الخصوم، ويعرّفه بأنه معرفة الشئ على ما هو به، ثم يتحدث عن أنواع العلم قائلا:
العلم علمان أيا من يبحث ... علم قديم ثم علم محدث
إن القديم علم ربّ العرش ... بارى البريّة الشديد البطش
ومحدث فذاك علم الخلق ... من ناطق وغير ما ذى نطق
وكل علم محدث علمان ... علم ضرورىّ بلا برهان
وبعده فعلم الاستدلال ... والمنطق الباحث عن أحوال
فالعلم علمان: علم قديم أزلى خاصّ بالذات العلية وعلم محدث هو علم الخلق من ناطق وغير ناطق، ثم العلم المحدث علمان أو قسمان: علم ضرورى بدون برهان وهو البديهيات كالعلم بأن اثنين ضعف الواحد وعلم يقوم على الاستدلال والمنطق وبراهينه ومقدماته الصحيحة. ويستمر قائلا: إن صانع العالم فرد صمد لا شريك له. وينعى على النصارى قولهم بالتثليث، واعتقادهم مع اليهود فى الذات العلية بالتجسيم، ويقول: ﷻ عن شريك وأن يكون جسما له حد وانتهاء. ويتحدث فى مقدمة رابعة عن التفكر فى ملكوت السموات والأرض، ويقول إن كل ما فى الأرض من نبات وحيوان يدل على أن له صانعا يدبّره، وكذلك النجوم والبروج، فجميعها شواهد ناطقة بوحدانية الصانع، ويذكر أن النفس ليس لها إرادة وأنها تنقاد لقوة العقل إذ هو أعلى رتبة وأشرف، ومع ذلك قد تلحقه الآفات من غيره أو من ذاته، فدلّ ذلك على أن ربّا فوقه هو الكمال المطلق الذى ليس له نهاية تحدده. وفى مقدمة خامسة يتحدث عن بدء الخليقة وخلق البرية مهتديا بأضواء من الذكر الحكيم منشدا:
قد خلق الله السموات العلا ... كما عن الرّسول فى الذّكر تلا
أخرج من ماء دخانا فسما ... ثم دحا الأرض ليبلو الأمما
وآدم صوّر من صلصال ... فكان منه جملة الأنسال
ثم برا لآدم حوّاء ... فسكنا جنّته العلياء
وهو يشير فى الأبيات إلى ما جاء فى الذكر الحكيم من خلق السموات فى مثل قوله
стр. 3885
تعالى بسورة النازعات: ﴿السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَأَغْطَشَ﴾ (أظلم) ﴿لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ وقوله عزّ شأنه فى سورة فصّلت: ﴿ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ وقوله سبحانه فى سورة النازعات: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ أى بسطها للإنسان ووسع رقعتها إلى أبعد حد.
ويقول إن آدم صوّر من صلصال وهو الطين اليابس بشهادة مثل قوله تعالى فى سورة الحجر: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ﴾ وقوله فى سورة الرحمن:
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ﴾. ويذكر أبو طالب أن الله برأ أو خلق لآدم حواء وأسكنهما الفردوس. ويستمر فى الأرجوزة متحدثا عن عصيانهما لربهما وأكلهما من الشجرة وهبوطهما للأرض ويتحدث عن قتل ابنهما قابيل لأخيه هابيل، وعن تكاثر نسلهما وانتشار الفساد فيه وما كان من إرسال الله لنوح، وعن الأنبياء المنصوص على قصصهم فى القرآن الكريم. ويستغرق ذلك نحو مائة وستين بيتا، دلّ فيها على ثقافة واسعة وخاصة ثقافته بالفرق الإسلامية وبالفلسفة وما يتصل بها من المنطق. ويترك تلك المقدمات إلى التاريخ الخالص، فيتحدث عن الخلفاء الراشدين ومن تلاهم من خلفاء بنى أمية وخلفاء بنى العباس حتى عهد المسترشد كما أسلفنا. ثم يؤرخ لدولة بنى أمية فى الأندلس وما كان من الفتنة بقرطبة والقضاء على الحكم الأموى فى تلك الديار قضاء مبرما.
ويستقصى أمراء الطوائف وبلدانهم استقصاء دقيقا، ويصور فساد حكمهم بمثل قوله الغاضب عنهم:
قد أهملوا البلاد والعبادا ... وعطّلوا الثغور والجهادا
واشتغلت أذهانهم بالخمر ... وبالأغانى وسماع الزّمر
وزادهم فى الجهل والخذلان ... أن ظاهروا عصابة الصّلبان
فهم قد أهملوا الرعية والجيوش المقاتلة عن الثغور والحمى وعاشوا للهو والخمر والغناء والزمر، وداخلوا طوائف النصارى فى الشمال حتى قويت أطماعهم وخاصة أذفونش ففرض الجزية على المعتمد بن عباد وعلى غيره والتقم طليطلة واسطة القلادة سنة ٤٧٨ واشتعلت فى كل جهة ناره. وفزعت الأندلس إلى يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين فعبر إلى الأندلس، واستنقذها من أذفونش ونصارى الشمال بسحقه لجنوده سحقا وبيلا فى موقعة الزلاقة على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وفيها وفى استصراخ أهل الأندلس لابن تاشفين يقول أبو طالب:
стр. 3886
وإذ أراد الله نصر الدين ... استصرخ الناس ابن تاشفين
فجاءهم كالصّبح فى إثر غسق ... مستدركا لما تبقّى من رمق
وواصل السّير إلى الزلاّقه ... وشاقه ليومها ما شاقه
لله درّ مثلها من وقعه ... قامت بنصر الدين يوم الجمعه
وثلّ للشّرك هناك عرشه ... لم يغن عنه قومه أذفنشه
وهو يقول إن الله حين أراد نصر الدين الحنيف فى الأندلس استصرخ أهلها ابن تاشفين، وكان ذلك فى صدر سنة ٤٧٩ فلبّاهم كالصّبح المضئ فى إثر ظلام مطبق، مستدركا لما بقى فى الأندلس من رمق يوشك أن يزهق ونفس يوشك أن يضمحلّ، وبادر عجلا متلهفا إلى الزلاقة بأسد وغى والنصر يحفّ بركابه، ونازل العدو يوم جمعة، وكان يوما فاصلا إذ حاقت فيه الهزيمة القاضية بألفونس السادس وجنوده وثلّ عرشه وسلطانه.
والأرجوزة رائعة فى نسيجها وصياغتها الجزلة الرصينة ونسقها المحكم فى اختيار الألفاظ والقوافى دون تكلف ودون محسنات بديعية تستر المعانى أو تضفى عليها شيئا من الإبهام. وهى تدل-بوضوح-على تعمق أبى طالب فى الثقافات الكلامية والفلسفية والإسلامية، كما تدل على بصره الواعى بتاريخ حكام العرب شرقا وغربا منذ أقدم الحقب فى الدول الإسلامية حتى زمنه.
حازم (١) القرطاجّنى
مرّ بنا فى الفصل الثانى حديث عن كتاب منهاج البلغاء لحازم، وهو من أفذاذ علماء الأندلس وأدبائها، رزق به أبوه محمد بن الحسن الأوسى الأنصارى قاضى قرطاجنة سنة ٦٠٨ للهجرة، وعنى بتربيته فحفظ القرآن الكريم، وشبّ فأخذ يتلقى الآداب والعلوم فى بلدته الواقعة على البحر المتوسط فى الجنوب الشرقى للأندلس، ورحل منها إلى مدينة مرسية ليأخذ عن شيوخها، ومدّ رحلاته غربا إلى إشبيلية ولزم حلقات أستاذه الشلوبين بها مدة، وكانت فيه نزعة إلى الفلسفة فأوصاه بقراءة كتب ابن رشد، ولعل اطلاعه على
стр. 3887
تلخيصه لكتابى الخطابة والشعر لأرسططاليس هو الذى وصله بالثقافة اليونانية النقدية مما يتضح أثره فى كتابه منهاج البلغاء. وهاجر فى أواخر العقد الثالث من حياته إلى مراكش لعهد الرشيد الموحدى وله فيه أمداح ونال منه صلات سنية. وأحسّ أن سلطان الموحدين يوشك على نهايته وأن لا أمل فى دفعهم لمنازلة نصارى الشمال، فاتجه-مثل كثيرين من معاصريه الأندلسيين-إلى أبى زكريا الحفصى صاحب تونس، فعرف له فضله وقرّبه، وتوفى فقرّ به منه ابنه المستنصر (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ) ووظفه فى دواوينه، واتخذ تونس موطنا له حتى وفاته سنة ٦٨٤. وذاع صيته فقصده طلاب العلم من كل مكان، فكان وقته موزعا بين العمل فى ديوان المستنصر وبين محاضراته للطلاب والتأليف ونظم الشعر. وعنى الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة بالحديث عن شعره فى مقدمته لكتابه منهاج البلغاء ملاحظا أنه يتناول فى المقاطيع المأثورة له موضوعات الزهد ووصف الطبيعة والخمر والنسيب وأنه قد يتصنع لذكر بعض المصطلحات العلمية فى شعره أو لذكر بعض المحسنات البديعية. ويذكر له قصيدة ومقطوعة فى رثاء الحسين رضوان الله عليه، كما يذكر له طائفة من المدائح فى أبى زكريا الحفصى وابنه المستنصر، ويذكر له مدحة فى الرسول الأعظم ﷺ ضمنها أعجاز معلقة امرئ القيس على نحو ما يقول فى فاتحتها:
لعينيك قل إن زرت أفضل مرسل ... قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأهم مدائحه مقصورته التى مدح بها المستنصر. وحاول الإسهام فى صنع مختصر شعرى للنحو على نحو ما نرى فى ميميته النحوية التى نظمها من وزن البسيط وهى فى مائتى بيت وتسعة عشر، وهو يستهلها بإطراء المستنصر الحفصى لإكرامه الوافدين على عاصمته من الأندلس، ويشيد بعدله وحسن سياسته وانتصاراته على أعدائه، ثم يأخذ فى عرض المختصر الشعرى للنحو، ويعرض فيه طائفة من مباحثه بادئا بتعريف النحو والكلام وتقسيمه إلى اسم وفعل وحرف ثم يذكر أحكام الإعراب والبناء والعوامل والفعل وأحكامه ونواصب الأفعال ونواصب الأسماء والنداء والاستثناء والخفض وأحرف النصب وعلامات الإعراب والابتداء وعنده تتوقف القصيدة. وكأنه كان يريد أن يصنع ألفية مثل ألفية ابن مالك ووجد الطريق شاقا فانصرف عنه. وأروع قصائد حازم الشعرية-دون ريب-مقصورته التى مدح بها المستنصر، وهى أرجوزة طويلة بل مسرفة فى الطول، إذ تبلغ ألف بيت وستة، وقد استهلها بالغزل منشدا:
لله ما قد هجت يا يوم النّوى ... على فؤادى من تباريح الجوى
стр. 3888
ويطيل فى غزله إلى خمسين بيتا ناسجا فى أبياته أكثر المعانى التى ألمّ بها الغزلون من الحديث عن جمال صواحبهن وتصوير لحظات الفراق والتألم من الوشاة وما يثير فى نفوسهم هديل الحمام من شجى. ويتحول إلى مديح أسلاف المستنصر ومديحه فى مائة وعشرين بيتا ذاكرا انتسابه إلى الفاروق عمر بن الخطاب، وهو انتساب يسمو إلى أعلى مرتقى، وينشد:
مستنصر بالله منصور به ... مؤيّد بعونه على العدا
ملك حكى ملك سليمان الذى ... لم يتّجه لغيره ولا ابتغى
ويشيد بعاصمة تونس ويشبهها بجنّة الخلد كما يشبه قناتى المياه اللتين تحملانه من جبل زغوان إلى تونس واللتين جددهما المستنصر، بنهرين كبيرين، وكأن كل قناة إنما هى نفس الكوثر: نهر الفردوس. ويطيل فى وصف جنات أبى فهر والقصبة بتونس، ويتحدث عن بأس المستنصر وخيله وجيشه وفتكه بأعدائه، ويقول إنه ليث كفاح وغيث سماح وبحر جود فياض، قد طابت به الأيام، ويعدد فواضله عليه ومآثره منشدا:
بلغت آراب المنى فى دولة ... أولت يدى أسنى الأيادى واللها (١)
والدّهر عيد والليالى عرس ... والدّهر أحلام كأحلام الكرى (٢)
وكأنما تهيج تونس بمباهجها فى نفسه الذكرى لمرابع شبابه ومراتع لهوه، ويتغنى بالحب، ويصف الكواكب والشهب كما يصف لهوه ومتاعه بالصيد، وكل ذلك فى نحو ثلاثين بيتا.
ويعود بذاكرته إلى ماضيه متحدثا فى نحو ثلاثمائة بيت عن المدن التى نهبها النصارى والتى كانت تكتظ بالعلماء والسادة الأعلام، مصوّرا كم نعم فيها مع خلاّنه من الشباب متنقّلين بين قصور وجسور على شواطئ الأنهار وقرى وربى ومروج وبطاح، ويتغنى بمشاهد مدينة مرسية ونسائها الجميلات وكأنما يصف فردوسا مفقودا كان ملء عينيه وسمعه وقلبه، ومن قوله:
نصيف من مرسية بمنزل ... ضفا به الدّوح على ماء صفا (٣)
نقطع دنيانا بوصل الأنس فى ... مغتبق فى روضه ومغتدى (٤)
стр. 3889
وتتناجى بالمنى أنفسنا ... حيث تداعى الطّير منها وانتجى (١)
تقسّم الناس بها قسمين من ... بين خلىّ قلبه ومصطبى (٢)
إذا اجتنى زهر الجمال وامق ... فيها اجتنى خلو بها زهر الرّبى (٣)
وكم أغان كنظيم الدّرّ فى ... تلك المغانى قد وشاها من وشى (٤)
وكم حديث كنثير الزّهر فى ... تلك المبانى قد حكاه من حكى
وهذه خطوط من اللوحة الباهرة التى رسم فيها مرسية وجناتها العطرة ونجوى الشباب هناك بالمنى فى أنس موصول، والناس قسمان محب وقع فى شرك الهوى وخال منه يوشك أن يقع فيه، وبينما يجتنى المحبّ أزهار حبه من النظر أو من القبل يجتنى الخلىّ من مشاهد الطبيعة الخلابة، والناس هناك كأنما لا يقضون أياما، بل يقضون أعيادا تكتظ بالغناء والموسيقى وبأحلى سمر تهواه الأفئدة. ويطيل حازم فى رسم تلك اللوحة ووصف كل ما وقف به من عشرات الأماكن التى كانت تلتقى فيها الأرواح والأدواح، حتى إذا ودّع تلك الجنان ارتسمت فى خياله قرطاجنة وخليجها ونزهاته مع صحبه فى فلكها، متساقين فيها كئوس الأنس فى حدائق، منتشين فيها بأكؤس الأحداق والعيون الساحرة.
ويرسم للأماكن فيها لوحة لا تقل فتنة وجمالا عن لوحة مرسية. ويطيل فى وصف حدائقها وأزهارها من بنفسج وسوسن وورد وشقيق وخيرىّ ونرجس وياسمين، ويصف كل ما يطوف بها من جبال ورياض ومنازل أو مغان يقول من يراها تفديها مغانى الشّعب: شعب بوّان التى تغنى بها المتنبى، ويدعو لها بالسقيا ويندب جدّها العاثر وما عفا فيها وفى أخواتها من رسوم الهدى ومعاهد الدين الحنيف. وقد استغرق ذلك كله من حازم نحو ثلاثمائة بيت، وكأنما أراد بما صور من تلك الفراديس أن يستثير المستنصر ليحاول إنقاذ الأندلس ويسترجع ما ضاع منها. ويشبب بمحبوبة له هناك باعدت بينه وبينها الأيام، وكأنما يتخذ من حبها الذى ضاع رمزا للأندلس الضائعة. ويلم بمديح المستنصر وكأنما استرد بإكرامه له شيئا مما ضاع منه. ويتحدث فى نحو مائتى بيت عن هجرته من الأندلس إلى تونس وما لقى فيها من المتاعب والمشاق التى احتملها فى جلد وصبر، ويفكر فى شئون الحياة وفى نفسه وخصاله وتسيل على لسانه عشرات من الحكم من مثل قوله:
стр. 3890
ما أحدثت حادثة لى روعة ... ولا اعترانى جزع لما اعترى
والعيش طورا مشتهى مستمرأ ... وتارة مستوبل ومجتوى
والعيش محبوب إلى كل امرئ ... لا فرق بين الشيخ فيه والفتى
قد يدرك الحاجة من لم يسع فى ... طلابها وقد تفوت من سعى
إنّ احتياط المرء فى أفعاله ... رأى يؤدّيه إلى سبل الهدى
ويطيل فى الكلام عمن ضلوا نهج الرشد فكان فى ذلك هلاكهم ممن تحدث عنهم التاريخ الجاهلى من مثل قصة النعمان وقتله لعدى بن زيد تسرعا، وقصة زرقاء اليمامة وتكذيب قومها لها حين حذرتهم أن جيشا قادما ولم يصدقوها فكان فى ذلك حتفهم، وقصة الزبّاء فى حصنها وكانت أمنع من عقاب فى أعلى ذروة شاهقة، وكانت قد احتالت على جذيمة ملك الحيرة قاتل أبيها فقدم عليها وقتلته، وخلفه ابن أخته عمرو بن عدى، فدسّ لها أحد أتباعه، فجدع لها أنفه وشكا إليها عمرا فوثقت به ووعدها أن يفد عليها بتجارة كبيرة محملة على إبل كثيرة. وعاد مع إبل تحمل رجالا فى جواليق أو صناديق، وفتحت له الحصن وهى تظنه يحمل بعض عروض التجارة، ودخلت الإبل ولفتها أنها تمشى مثقلة كأنها تحمل حديدا. ولم تتنبه. وخرج الرجال من الجواليق واستولوا على المدينة وقتلوها.
هكذا تقول الأسطورة العربية، ومعروف أنها حاربت الرومان وظفروا بها فأخذوها أسيرة إلى روما حيث قضت بقية أيامها، وحازم إنما يروى الأسطورة العربية ليبيّن ما حدث فيها من تغرير بالزباء وقصر نظرها وعدم احتياطها حين رأت الإبل تسير وئيدة من ثقل ما تحمل، يقول:
وغرّها جدع قصير أنفه ... فأمنته وهو مرهوب الشّدا (١)
وأوقر العيس رجالا وعبا ... بؤسا لها وأبؤسا فيما عبا (٢)
وارتاب فى مشى الجمال لحظها ... ولم تحقّق عندما قالت: عسى (٣)
وما درت ما فوقها حتى غدت ... مقصدة بسهم دهى ما خبا (٤)
ويتحدث عما تروى الأساطير والتاريخ عن رجالات العرب وملوكهم الجبابرة فى الجاهلية، وينصح بالحزم فى الأمور مع العزم، ويعرض كثرة من الأحداث عمن شبوا