ثناؤك ليس تسبقه الرّياح ... يطير ومن نداك له جناح
تطيب بذكرك الأفواه حتى ... كأن رضابها مسك وراح (١)
جلبت إلى الأعادى أسد غاب ... براثنها الأسنّة والصّفاح (٢)
وكان يوسف بن تاشفين والمرابطون ينسبون أنفسهم إلى العرب فى حمير وكان بنو عباد من قبيلة لخم اليمنية، وذكر ذلك عبد الجليل بن وهبون فى قصيدة يهنئ فيها يوسف بن تاشفين والمعتمد بهذا النصر المبين منشدا (٣):
نمى فى حمير ونمتك لخم ... وتلك وشائج فيها التحام
فيوسف يوسف إذ أنت منه ... كيامن، لا وهى لكما نظام
فإن ينج الّلعين فلا كحرّ ... ولكن مثلما ينجو اللئام
وصاروا فوق ظهر الأرض أرضا ... كأن وهادها منهم إكام
وهو يجعل يوسف نفس سميه الصديق ويجعل المعتمد أخا له يشد أزره مثل يا من أخى الصديق وهو بنيامين. ويقول إن وهاد الأرض استحالت من جثث الأعداء إكاما أو أكمات وتلالا. وللشاعر يوسف بن عبد الصمد شاعر المرية تهنئة بديعة (٤) للمعتمد بهذا النصر غير أنه خصه بها وحده. وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب بعد أن نصح أمراء الطوائف بالوحدة، ولقّب بعد تلك الموقعة المظفّرة بأمير المسلمين، وبنى ألفونس حصنا ضخما بالقرب من مرسية فى موضع يسمى لييط، ليجدد إغاراته على أمراء الطوائف، فاستنجدوا بابن تاشفين، وعبر ثانيا الزقاق سنة ٤٨١ ووجّه قواته إلى حصن لييط، واضطر ألفونس إلى هدم الحصن وإخلائه. وسرعان ما عاد أمراء الطوائف إلى سابق العهد بهم من الانغمار فى الخلافات وفى الترف واللهو، فاستصرخ فقهاء الأندلس ابن تاشفين ليزيل-إلى غير رجعة-حكم هؤلاء الأمراء الذين يخربون بيوتهم وبيوت المسلمين فى الأندلس بأيديهم. وعبر يوسف الزقاق فى رجب سنة ٤٨٣ وتقدم قائده ابن أخيه سير بن أبى بكر، فاستسلم طواعية عبد الله بن بلقّين أمير غرناطة، واستسلم المعتمد بن عباد فى إشبيلية كرها واستسلمت المرية ومرسية وشاطبة وبطليوس، وهلّل
стр. 3817
فقهاء الأندلس لزوال حكم هؤلاء الأمراء، ويصور ذلك أبو الحسن بن الجد فى مدحة لابن تاشفين متشفيا فيهم قائلا (١):
ناموا وأسرى لهم تحت الدّجى قدر ... هوى بأنجمهم خسفا وما شعروا
وكيف يشعر من فى كفّه قدح ... تحدو به مذهلات النّاى والوتر (٢)
فقل لمن نام أصبحت انتبه فلقد ... مضى لك الليل صرفا وانقضى السّحر
وانظر إلى الصبح سيفا فى يدى ملك ... فى الله من جنده التأييد والظّفر
يرعى الرعايا بطرف ساهر يقظ ... كما رعاها بطرف ساهر عمر (٣)
ويظلّ الأندلس عهد المرابطين الذين أبلوا فى قتال النصارى ما أخّر استردادهم للأندلس جميعها قرونا بفضل جيوشهم وجيوش دولة الموحدين المغربية من بعدهم.
ويموج ديوان الأعمى التطيلى بمديح على بن يوسف بن تاشفين خليفة أبيه على المغرب والأندلس: وسنفرده بكلمة، وبالمثل يموج ديوان ابن خفاجة بمديح أخويه إبراهيم وتميم، وكان إبراهيم واليا له على شرقى الأندلس حتى وفاته سنة ٥١٥ وكان تميم واليا له على غرناطة منذ سنة ٥٠٠ وولى مرسية شرقى الأندلس فترة، ولعل ذلك ما وصل ابن خفاجة به، وديوانه مفتتح بمدحة بديعة فيه استهلها بوصف الطبيعة والغزل، وفيها يقول (٤):
وأبلج منصور الّلواء إذا سرى ... أظلّت عقاب النّصر أجنحة النّسر
له فتكة لو زاحم الدهر تحتها ... لعدّت به دهم الليالى من الشّقر
وعزم يردّ الطّود هدّا ونجدة ... تهزّ قدود السّمر فى الحلل الحمر
تقسّمه جود يفيض وهمّة ... فمن منهل غمر ومن جبل وعر
والمدحة على هذا النحو تلوينات وتوليدات فى معانى الشجاعة والكرم، ففتكته تحيل الليالى شقراء بما تلطخها من الدماء وبالمثل تحيل الرماح حلل الأعداء حمرا مما تلطخها به من الدم المسفوك، وجوده يفيض كمنهل عذب، وهمته لا تبارى كجبل وعر لا يساميه جبل فى وعورته. ولابن خفاجة قصيدة بديعة فى مديح زوجة تميم مريم، وكانت سيدة أديبة
стр. 3818
فاضلة تحفظ جملة وافرة من الشعر، وكانت لها ندوة تحاضر به فيها وتستمع إلى الشعراء وتثيبهم على أشعارهم، وفيها يقول ابن خفاجة (١):
مشهورة فى الفضل قدما والنّهى ... والجود شهرة غرّة فى أدهم
تولى الأيادى عن يد نزل النّدى ... منها بمنزلة المحبّ المكرم
حمل الثناء بها القريض وإنما ... حمل الحديث رواية عن مسلم
وابن خفاجة يجعل ما يحمله الشعر من الثناء على هذه السيدة عطرا عطر الحديث المروىّ عن مسلم فى صحيحه مبالغة منه فى بيان تقواها وما يحف بها من تجلة تغنى بها ابن خفاجة وغيره مادحين مطرين، وسنفرد لابن خفاجة ترجمة فى الفصل الثانى. وفى ابن تيفلويت والمرابطين يقول ابن باجة معللا لاسمهم «الملثمين» إذ كانوا يضعون لثاما على وجوههم (٢):
قوم إذا انتقبوا رأيت أهلّة ... وإذا هم سفروا رأيت بدورا
لا يسألون عن النّوال عفاتهم ... شكرا ولا يحمون منه نقيرا (٣)
لو أنهم مسحوا على جدب الرّبى ... بأكفّهم نبت الأقاح نضيرا
وهو يجعل وجوههم أهلة حين ينتقبون ويخفون جزءا من وجوههم فإذا سفروا ورفعوا النقاب رأيتهم بدورا. ويمدحهم بالكرم الفياض وأنهم لا يسألون طلاب النوال والحاجات شكرا على ما يبذلون لهم، وهم يجودون بكل ما يملكون ولا يبقون منه لأنفسهم أى شئ. ولا يلبث ابن باجة بخياله الخصب أن يقول إنهم لو مسحوا على أرض مجدبة بأكفهم لا هتزّت وربت وأنبتت أزهارا وأقاحا ناضرا.
ولمحمد بن إبراهيم بن المواعينى المار ذكره بين البلاغيين فى الفصل الماضى مدحة فى الزبير بن عمر الملثم والى قرطبة يقول فى تضاعيفها مخاطبا الملثمين أو المرابطين (٤):
جولوا وصولوا فالمناسب حمير ... أهل المفاخر والنّدى والنادى
للقوم فى كل البلاد رياسة ... تحكى بنى العباس فى بغداد
أضحت مجالسهم سروج جيادهم ... إن السروج مجالس الأمجاد
стр. 3819
والصورة فى البيت الأخير بديعة، ولليكّى يحيى بن سهل هجّاء الأندلس فى المرابطين معللا لتسميتهم بالملثمين بالغا بهم الغاية من المديح (١):
قوم لهم شرف العلا فى حمير ... وإذا انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كلّ فضيلة ... غلب الحياء عليهم فتلثّموا
واشتهرت أسرة مغربية زمن المرابطين بأنها حامية للآداب وراعية للشعر والشعراء، وهى أسرة بنى عشرة أصحاب خطة القضاء فى مدينة «سلا» على شاطئ المحيط، وأول من رحل إليه شعراء الأندلس لمديحه أو أرسلوا إليه بمدائحهم القاضى على بن القاسم بن عشرة المتوفى سنة ٥٠٢ وهو ممدوح يحيى بن بقى وعيسى بن وكيل الغرناطى ومحمد بن سوار الأشبونى المترجم له بين شعراء الرثاء، وكان قد خلصه من أسره عند النصارى بفدية كبيرة فأكثر من مديحه بمثل قوله (٢):
لو أن رفقك فى القلوب مركّب ... لم يلتقم فى البحر يونس حوت
ولقد حملت من الوقار سكينة ... لم يحتملها قبلك التابوت
وهو يشير إلى الآية الكريمة عن الرسول يونس ﵇: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ وإلى آية سورة البقرة عن طالوت: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وخلف عليا فى القضاء ابنه أحمد وأنشد ابن بسام فى ترجمته بالذخيرة مدحه لابن سوار فيه، وكان هو وأخوه يحيى موئلا لشعراء الأندلس، وبنى أحمد قصرا، هنأته به الشعراء، وكان المتفلسف الشاعر أبو عامر محمد بن الحمارة حاضرا ولم يكن أعدّ شيئا ففكر قليلا، ثم أنشد (٣):
يا أوحد الناس قد شيّدت واحدة ... فحلّ فيها حلول الشمس فى الحمل (٤)
فما كدارك فى الدنيا لذى أمل ... ولا كدارك فى الأخرى لذى عمل
ومرّ بنا فى ترجمة يحيى بن بقى بين الوشاحين أنه خصّ القاضى أحمد وأخاه يحيى بدرر كثيرة من موشحاته وأشعاره بينما كانا يواليان إغداق نوالهما عليه، مما جعل لسانه
стр. 3820
يلهج بمديحهما والثناء عليهما طويلا، من مثل قوله فى يحيى من مدحة طويلة (١):
ندب عليه من الوقار سكينة ... فيها حفيظة كلّ ليث مخدر (٢)
مثل الحسام إذا انطوى فى غمده ... ألقى المهابة فى نفوس الحضّر
أزرى على البحر الخضمّ لأنه ... فى كل كفّ منه خمسة أبحر
أقبلت مرتادا لجودك إنه ... صوب الغمامة بل زلال الكوثر (٣)
وانتهت دولة المرابطين وخلفتها دولة الموحدين منذ سنة ٥٤١ وأخذت المدن الأندلسية تستظلّ بلوائهم من مثل الجزيرة الخضراء ورندة ثم إشبيلية وقرطبة وغرناطة، وظل شرقى الأندلس: مرسية وجيّان وبلنسية بيد محمد بن سعد المشهور باسم ابن مردنيش حتى توفى سنة ٥٦٧ فدخل كل ما بيده فى حوزة الموحدين. وأمر عبد المؤمن ببناء مدينة على جبل طارق، حتى إذا تم بناؤها عبر الزقاق إلى هذا الجبل بجموع غفيرة سنة ٥٥٦ وسماه جبل الفتح، وأقام به شهرا يستقبل وفود الأندلس للبيعة من أهل مالقة وغرناطة وقرطبة وإشبيلية. واتخذ يوما لاستقبال الشعراء، وكانوا قد جاءوه من كل مدينة لاستقباله ومديحه، وكان يوما مشهودا، أنشده كثيرون منهم قصائدهم فيه، وفى مقدمتهم الأصم المروانى القرطبى الشاعر حفيد الشريف الطليق والرصافى البلنسى محمد بن غالب، وسنفرد له ترجمة عما قليل وأحمد بن سيد الإشبيلى وأخيل الرندى وأبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد الغرناطى، وأنشده مدحة يقول فى تضاعيفها (٤):
دعانا نحو وجهك طيب ذكر ... ويدعو للرياض شذا الرياح
وكنت كساهر ليلا طويلا ... ترنّح حين بشّر بالصباح
ورتّب عبد المؤمن أمور الأندلس، واتخذ ولاة لمدنها الموالية له، وولّى مدينة إشبيلية وأعمالها ابنه يوسف ولى عهده، وبذلك كانت حاضرة الموحدين فى الأندلس، وولّى ابنه عثمان غرناطة وأعمالها، وكان محبّا للأدب والشعر، فاجتمع حوله شعراء أندلسيون كثيرون. وخلف يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ) أباه وكان ممدحا، ومن مدّاحه أبو محمد المالقى وهو يستهل مدحة قدّمها له بأنه سيملك العالم بأقاليمه السبعة المعروفة لزمنه تسنده سور الحواميم القرآنية السبع التى يرددها هى وغيرها من سور القرآن الكريم آناء الليل
стр. 3821
وأطراف النهار، ويقول إنه ستسنده وتنصره السبع المثانى وهى آيات سورة الفاتحة السبع التى يرددها كل يوم فى صلواته، وكذلك السور السبع الطوال من البقرة إلى نهاية التوبة بحسبان التوبة والأنفال سورة واحدة، ولهذا لم يفصل بينهما فى المصحف بالبسملة. ويجعله الجوهرة الواسطة أو الوسطى لسلك أو عقد يضم جواهر العلم والدين والدنيا وينوه بإحكامه لتدبيره السياسى. وكان سيوسا وعالما بالعربية وبالحديث ويقال انه كان يحفظ البخارى بأسانيده وجمع من كتب الفلسفة ما اجتمع للحكم المستنصر الأموى قبله، واتخذ الفيلسوف ابن طفيل جليسه ووزيره، وهو الذى نبّهه-كما مرّ فى الفصل السالف-إلى ابن رشد. وخلفه ابنه المنصور يعقوب الطائر الصيت (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ.) وفى أيامه شرع فى بنيان مدينة الرباط إلى أن أتم سورها ومسجدها وكثيرا من قصورها، وفى سنة ٥٩٠ نقض ألفونس ملك قشتالة العهد الذى بينه وبين الموحدين وأخذت خيله تغير على أطراف دولتهم فى الأندلس، فعبر إليه الزقاق فى جمادى الآخرة سنة ٥٩١ بجموع عظيمة نزل بها فى إشبيلية. وأخذ يعد العدة للقاء ألفونس وجنده، وتجهز ألفونس للقائه بدوره، والتقى الجمعان فى الثالث من شعبان فى الأرك بالقرب من قلعة رباح، فأنزل الله نصره على يعقوب، وسحق المسلمون أعداءهم ودقوا أعناق ستة وأربعين ألفا منهم، وأسروا ثلاثين ألفا، وفرّ ألفونس ومن بقى من جموعه على وجوههم إلى طليطلة وفرائصهم ترتعد رعبا وفزعا، وكان حريا بالمنصور أن يتعقبهم إلى طليطلة ويستنزلهم منها، غير أنه صنع ما صنعه يوسف بن تاشفين فى موقعة الزلاقة، فاكتفى بهذا النصر المبين، وقد تغنى به الشعراء، ومن أروع قصائدهم قصيدة على بن حزمون المرسى من وزن المتدارك ويستهلها بقوله مخاطبا المنصور (١):
حيّتك معطّرة النّفس ... نفحات الفتح بأندلس
فذر الكفار ومأتمهم ... إن الإسلام لفى عرس
أإمام الحقّ وناصره ... طهّرت الأرض من الدّنس
وصدعت رداء الكفر كما ... صدع الدّيجور سنا قبس (٢)
ومضى يصور فى القصيدة هزيمتهم الماحقة وما سقيت به الوهاد والتلال من دمائهم، ويملؤهم هلعا قائلا إن خيل المنصور وراءهم وقد ملأ التوحيد أعنّتها وأغار بها روح
стр. 3822
القدس، وإن كان نجا ألفونس وبعض جنده فإلى عيش نكد تعس. وتوفى يعقوب بعد أربع سنوات، وخلفه ابنه الناصر محمد (٥٩٥ - ٦١٠ هـ) وفى عهده استرد ألفونس وجنوده قواهم وأخذ يعدّ لمعركة فاصلة استصرخ لها الشعوب الأوربية حتى بلغ استصراخه إلى بيزنطة، وكأنما شعر الناصر بهذا الإعداد، فعبر إلى الأندلس واستقبله الشعراء بمثل قول أحمد بن شطريّة القرطبى (١):
كذا يشرف الطالع الأسعد ... ويسمو لأملاكه السّيّد
ويرعى أقاصى أقطاره ... قريب له عزمة تبعد
وأخذ الناصر يعدّ العدة للقاء ألفونس، بينما جاءه عباد الصليب من كل أركان أوربا وقد منحهم البابا الغفران. ولم تلبث رحى هذه الموقعة الصليبية أن دارت فى سهل يقع إلى الشمال الشرقى من قرطبة وجنوبى قلعة رباح، ومنى الناصر وجيش المسلمين بهزيمة فادحة، كانت نذيرا لانتهاء دولة الموحدين، واستولى ألفونس سريعا على قلعة رباح وبياسه وأبدة. وتوفى الناصر بعد نحو عام من الموقعة، وخلفه ابنه المستنصر (٦١٠ - ٦٢٠ هـ) وتوفى، فخلفه عمه العادل فأخوه المأمون فالرشيد، والدولة تزداد وهنا على وهن، مما هيأ لملوك قشتالة وأراجون الاستيلاء على كثير من الحصون والمدن، وأخذت تسقط فى حجورهم العواصم الكبرى، وأصبح كل شئ يؤذن بخروج العرب من الأندلس، وأخذ كثيرون من علمائها وشعرائها يغادرونها الى المغرب والمشرق، واتصل ذلك طوال القرن السابع. وكان كثيرون منهم يمنون أنفسهم بأنهم سيعودون إلى وطنهم بجحافل الجيوش المغربية التى ترد الأمر إلى نصابه، ومنهم ابن الأبار وسنترجم له بين شعراء الاستصراخ، ومنهم حازم القرطاجنى الذى اتجه إلى أبى زكريا الحفصى، وقدم إليه مدحة يقول فيها (٢):
أمير الهدى من يدن منك فإنه ... بقربك عن صرف الحوادث قد أقصى
عسى الله أن ينتاش أندلسا بكم ... ويأخذ فيها للهدى أخذ مقتصّ
وسنترجم له بين أصحاب الشعر التعليمى. وكان قد قيّض للأندلس منذ الثلاثينيات فى القرن السابع ابن الأحمر فأقام بغرناطة دولة أسرته التى استمرت نحو قرنين ونصف،
стр. 3823
وطبيعى أن يتجمع حولها الشعراء وأن يقدموا لحكامها مدائحهم، وطبيعى أن يكون أول من أشادوا به مؤسس الدولة ابن الأحمر محمد بن يوسف وفيه يقول ابن سعيد: «كان من عجائب الدهر فى الفروسية والإقدام والسعادة فى لقاء العدو، ويفهم الشعر ويكثر مطالعة التاريخ، أنشدته قصيدة أولها:
لمثلك تنقاد الجيوش الجحافل ... وتذخر أبناء القنا والقنابل» (١)
وما زال ينازل ملك قشتالة حتى اضطر إلى عقد معاهدة بينهما، ويتعاقب أبناؤه وأبناء أسرته على الحكم بعده منذ توفى سنة ٦٧١ وحكمهم صفحات مشرقة من جهاد النصارى الشماليين، وأرغم حفيده محمد على تسليم جبل طارق لملك أراجون سنة ٧٠٧ واستولى على صولجان الحكم سنة ٧١٣ أبو الوليد إسماعيل، ونازله الجيش القشتالى سنة ٧١٨ فى مرج غرناطة، فهزم هزيمة ساحقة وقتل قائده، ويهنئه أبو عبد الله اللوشى بمثل قوله (٢):
قصدوا العرين ليغلبوا آساده ... فقضى عليهم بأسك الغلاّب
وقويت شوكة المسلمين فى عهد أبى الوليد وعهد ابنه أبى عبد الله محمد، وقد جمع رأيه على استعادة جبل طارق، وأعاده بعد موقعة بحرية عنيفة سحق فيها أسطول ملك أراجون ويهنئه بهذا الفتح المبين أبو العلاء محمد بن سماك العاملى منشدا (٣):
فتح قضاه لملكك الرحمن ... لم تأت قط بمثله الأزمان
فلأىّ يوم سعادة أولاكه ... ذلّت بعزّة نصره الصّلبان
وخلفه أخوه أبو الحجاج يوسف الأول (٧٣٣ - ٧٥٥) وكان راعيا للآداب والفنون، وأضاف إلى قصر الحمراء المشهور بغرناطة منشآت كثيرة، ومدحه كثيرون فى مقدمتهم لسان الدين بن الخطيب، وله فيه نحو خمسين قصيدة بين مدح وتهنئات بالأعياد والمولد النبوى الشريف وإشادة بأعماله ومنها بناؤه للمدرسة التى تحدثنا عنها فى غير هذا الموضع، وفى ديوانه أنه أمره بنظم أبيات تزيّن بها قبّة العرض المطلة على مجلسه فى الحمراء، فنظم تسعة أبيات منها قوله على لسان القبة (٤):
стр. 3824
أأبصرت منّى فى المصانع قبّة ... تأنّق فىّ السّعد من كل جانب
فتتلى سطور الكتب فوقى دائما ... وتعرض من تحتى سطور الكتائب
والقطعة بديعة، ولابن جزىّ الغرناطى مؤلف رحلة ابن بطوطة مدحة بديعة فى أبى الحجاج من مثل قوله (١):
إن المعالى والعوالى والنّدى ... والبأس طوع يدى أبى الحجاج (٢)
ماضى العزيمة والسيوف كليلة ... طلق المحيّا والخطوب دواجى
ليث الوغى والخيل تزجى بالقنا ... والبيض تنهل من دم الأوداج (٣)
وخلفه ابنه محمد الخامس الغنى بالله (٧٥٥ - ٧٩٣ هـ.) مكمل منشآت قصر الحمراء، وكان ممدّحا للشعراء، وأهم مادحيه منهم ابن زمرك، وسنفرد له ترجمة عما قليل. وكان حفيد الغنى بالله يوسف الثالث (٨١٠ - ٨٢٠ هـ.) شاعرا، ولزمه ابن فركون الشاعر يمدحه واتخذه كاتب سره، وتستغرق ديوانه مدائحه فيه، حتى لتبلغ نحو مائة قصيدة ومقطوعة، إذ لم يترك مناسبة شخصية أو اجتماعية أو سياسية أو حربية إلا ونظم للسلطان فيها مدحة طنانة، ومن قوله فيه حين تقلّد السلطة (٤):
إليك تباشير البشائر مقبله ... تلوح بآفاق الهدى متهلّله
فهنّئت ما استقبلت يا ملك الهدى ... من العزّ لا زالت سعودك مقبله
لقد قلّد الرحمن أمر عباده ... إماما له فى العدل أرفع منزله
ويعدّ يوسف الثالث آخر أمراء بنى الأحمر المهمين، ويفضون بعده فى القرن التاسع الهجرى إلى خلافات، تقضى على الإمارة قضاء مبرما. وحرى بنا أن نتوقف قليلا لنتحدث عن أهم شعراء المديح فى الأندلس، وهم ابن عبد ربه وابن دراج القسطلى وابن عمار وابن الحداد والرّصافى وابن زمرك.
стр. 3825
ابن عبد ربه (١)
هو أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، ولد فى قرطبة سنة ٢٤٦ للهجرة، فى أسرة متواضعة من أسر الموالى إذ كان جده سالم من موالى هشام بن عبد الرحمن الداخل، وألحقه أبوه بأحد الكتاتيب، ثم وجهه إلى الدراسة على الشيوخ فى جامع قرطبة الكبير، فأخذ يختلف إلى حلقات الفقهاء والمحدثين واللغويين من أمثال بقى بن مخلد وابن وضّاح والخشنى. ولم تلبث موهبته الشعرية أن تفتحت، فأخذ ينظم-مثل أقرانه-فى الغزل والخمر، وقلما يقع له فيهما شعر جيد. ويبدو أنه لم يكن ينظم فيهما عن عاطفة حقيقية، وأنه كان يصدر فيهما عن محاكاة أنداده، ومن خير ما له فى الغزل قوله:
الجسم فى بلد والروح فى بلد ... يا وحشة الروح بل يا غربة الجسد
إن تبك عيناك لى يا من كلفت به ... من رحمة فهما سهماك فى كبدى
وكان سريع الغضب، وجرّ عليه ذلك اشتباكه مع القلفاط الشاعر معاصره فى الهجاء، ونراه فى كثير من أشعاره شابا وشيخا ميالا إلى التشاؤم وإلى ذم الدنيا والناس وسوء الظن بالأشخاص. وربما كان صادرا فى ذلك عن نزعة دينية غرسها فيه شيوخه، ومن بقيتها عنده أن نراه بأخرة من حياته يعارض كل مقطوعة غزلية أو خمرية فى شبابه بمقطوعة فى ذم الدنيا والتنفير منها، وسمّى تلك المقطوعات الممحّصات أى المخلصات من الذنوب، كأنما عدّ شعره فى شبابه ذنوبا وآثاما وهو إنما كان فى رأينا محاكاة للشعراء العباسيين لا اقترافا حقيقيا للآثام، لأنه لم يكن مهّيئا لذلك بحكم روحه المحافظة. ويدل على ذلك أبلغ الدلالة كتابه «العقد الفريد» وهو مطبوع بمصر مرارا فى عدة مجلدات، وفيه يعرض الثقافة الأدبية المشرقية على نهج كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة، ولم يعن فيه بالحديث عن أدباء بلده وشعرائه إلا ما كان من تمثله بكثير من أشعاره وذكره لشاعر
стр. 3826
الأمير عبد الرحمن الأوسط يحيى الغزال، أما بعد ذلك فالكتاب مشرقى خالص بما فيه من شعر ونثر بحيث قال الصاحب بن عباد حين اطلع عليه: هذه بضاعتنا ردّت إلينا، وهو رمز واضح لروحه المسرفة فى المحافظة.
ومع أن غزلياته وخمرياته وزهدياته يبدو فيها جميعا التكلف الشديد تتجلى فى مدائحه شاعرية بارعة، وكأنما خلق للمديح أو مداحا، وبدأ مديحه مبكرا، وقد استهله بمديح الأمير محمد بن عبد الرحمن، وتوفى فعنى بمديح ابنه المنذر ويؤثر له فيه قوله من مدحه:
بالمنذر بن محمد ... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنس
وتوفى المنذر وخلفه أخوه عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ.) ويمدحه لأول استيلائه على صولجان الحكم بقصيدة قافية يقول فيها متجاوزا كل حد فى المبالغة على عادة الشعراء:
إذا فتحت جنّات عدن وأزلفت ... فأنت بها للأنبياء رفيق
وينتصر عبد الله على ابن حفصون الثائر فى إحدى المعارك معه سنة مائتين وثمان وسبعين، وكان قد اشتدت شوكته وتداعى له-كما يقول ابن حيان-أهل الشر من أقطار الأندلس، فهنأه ابن عبد ربه بقصيدتين: حائية وجيمية، وفى الثانية يقول:
هذى الفتوحات التى أذكت لنا ... فى ظلمة الآفاق نور سراج
ويخلف عبد الرحمن الناصر (٣٠٠ - ٣٥٠ هـ.) جده عبد الله وكان ابن عبد ربه أحد معلميه وكان الناصر جديرا بكل حمد فعاش ابن عبد ربه بقية حياته حتى وفاته سنة ٣٢٨ يتغنى بفتوحاته وانتصاراته الضخمة على الثائرين فى الداخل، ودانت له الأندلس ودان له ملوك النصارى وأمراؤهم فى الشمال. وبمجرد استيلائه على مقاليد الحكم يعد جيشا جرارا لغزوة المنتلون، ويستولى فيها على مائتى حصن من حصون الثوار ويهنئه ابن عبد ربه بهذا النصر المبين مرارا منشدا:
فى غزوة مائتا حصن ظفرت بها ... فى كل حصن غواة للعناجيج (١)
ما كان ملك سليمان ليدركها ... والمبتنى سدّ يأجوج ومأجوج
وهو يعلى ملكه على ملك سليمان بن داود وملك الإسكندر ذى القرنين بانى سد بأجوج ومأجوج وصاحب الفتوح الكبرى. ولابن عبد ربه فى حروب الناصر من سنة ٣٠٠
стр. 3827
إلى سنة ٣٢٢ منظومة (١) تاريخية يصف فيها انتصاراته على مدار تلك السنوات البالغة اثنتين وعشرين سنة، وهو يستهلها بالتسبيح والتحميد، وينوه بالناصر وحسبه ونسبه وتقواه، ثم يقص غزواته موزعة على تلك السنين بهذا الأسلوب الذى نقرؤه فى حديثه عن غزوة المنتلون بجيّان:
أرجفت القلاع والحصون ... كأنما ساورها المنون (٢)
وأقبلت رجالها وفودا ... تبغى لدى إمامها السّعودا
قلوبهم باخعة بالطّاعة ... قد أجمعوا الدّخول فى الجماعه
وأسلوب ابن عبد ربه فى المنظومة جميعها يخلو من التصاوير مما يدخلها فى دوائر الشعر التاريخى التعليمى كمنظومة على بن الجهم التاريخية التى ألممنا بها فى كتاب العصر العباسى الثانى، وفى الحق أن أجنحة ابن عبد ربه كانت من القصر بحيث لم يستطع أن يحلّق فيها بين شعراء الملاحم المبدعين.
ابن (٣) دراج القسطلى
هو أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج ولد سنة ٣٤٧ فى بيت من بيوت قبيلة صنهاجة المغربية بمدينة من أعمال جيّان تسمى قسطلة دراج، وفى نسبتها إلى جده ما يدل على عراقة أسرته، وألحقه أبوه منذ نعومة أظافره بكتاب حفظ فيه القرآن وبعض الأشعار على عادة لداته، حتى إذا أتم حفظ القرآن انتقل إلى حلقات الشيوخ بجيّان فاتسعت ثقافته اللغوية والأدبية. ويبدو أن ملكته الشعرية تفتحت مبكرة، فأخذ ينظم الشعر حتى عرف بين شعراء بلدته، ولم يلبث أن تزوج وأنجبت له امرأته بنتا وطمحت نفسه إلى الشهرة، فرأى أن يرحل إلى قرطبة محاكيا بذلك بعض شعراء جيان ممن سبقوه إليها
стр. 3828
ونالوا فيها غير قليل من الشهرة مثل الغزال يحيى بن حكم شاعر الأمير عبد الرحمن الأوسط وأحمد بن فرج الجيانى صاحب كتاب الحدائق شاعر الحكم المستنصر. ورحل إليها مخلفا وراءه زوجته وابنته سنة ٣٨٢ وكان المنصور بن أبى عامر حاجب المؤيد هشام فى الذروة من سلطانه، وكان يرعى الشعراء، واتخذ لهم ديوانا لأعطياتهم ورواتبهم وأقام عليه أديبا بصيرا بالشعر هو عبد الله بن مسلمة فعرض عليه ابن دراج مدحة فى المنصور أعجبته فقدمه إليه، وأخذ المنصور يختبر بداهته فى نظم الشعر وهو يوفّق فيما يطلبه ويختبره فيه، وألحقه بدواوينه وفسح له فى مجالسه، وطلب إليه ذات مرة أن يعارض أبا نواس فى رائيته: «أجارة بيتينا أبوك غيور» فنظم فى معارضتها قصيدة بديعة صوّر فيها امرأته متلهفة عليه فى وداعه مشفقة ورضيعها فى المهد وهى تتجرع مرارة الفراق وتنتحب. . يقول:
ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبرى منها أنّة وزفير
تناشدنى عهد المودّة والهوى ... وفى المهد مبغوم النّداء صغير (١)
تبوّأ ممنوع القلوب ومهّدت ... له أذرع معطوفة ونحور
ويطيل فى تصوير هذا الوداع مما جعل القصيدة تطير شرقا وغربا، ويصور رحلته من جيان إلى قرطبة لزيارة المنصور ومديحه، ويشيد بجهاده للنصارى فى الشمال ونصرته للدين الحنيف وانقضاضاته المتوالية على الأعداء. وكان ملوكهم ما يزالون يفدون عليه فى قرطبة معلنين خضوعهم له وطاعته، ووفد فى أول سنة نزل بها ابن دراج قرطبة ملك نبارّة معلنا ولاءه ومحكّما له فى نفسه، فأنشده مدحة يقول فيها:
ألا هكذا فليسم للمجد من سما ... ويحمى ذمار الملك والدين من حمى (٢)
فهذا عظيم الشّرك قد جاء خاضعا ... وألقى بكفّيه إليك محكّما
ووفد فى نفس السنة أمير قشتالة وولى عهدها على المنصور، ويصف فى لامية له مثوله خانعا بين يدى المنصور والعرض العسكرى الرهيب الذى أقيم لاستقباله. ولا يفد أمير ولا ملك إلا وابن دراج يشيد بالمنصور ويمدحه، وبالمثل كان يوالى مدائحه فيه مع انتصاراته المتعاقبة، ومعروف أن المنصور غزا طوال حجابته اثنتين وخمسين غزوة، وحضر ابن دراج غزواته الأخيرة، ومع كل غزوة كان يغزوها ينشده مدحة بديعة كان بحقّ أهلا لها وجديرا، ومن أهم تلك الغزوات غزوة شنتياقب فى جلّيقية بأقصى الشمال الغربى
стр. 3829
لإسبانيا وفيها دمر المسلمون تلك البلدة مشعلين النار فيها وفى كنيستها، وتعدّ من أهم مراكز الحج عند المسيحيين وفى تلك الوقعة يقول ابن دراج فى مدحه بديعة:
لقد قصمت عرى دين الضلالة من ... رأس القواعد ممنوع الحمى أشبه (١)
وسمته جاحما للنار ما بقيت ... نفس من الكفر إلا وهى من حطبه
فالله جازيك يا منصور غزوته ... بسيف ماض لنصر الدين محتسبه
ويتوفى المنصور بن أبى عامر سنة ٣٩٢ ويخلفه ابنه المظفر عبد الملك وكانت مدته حتى سنة ٣٩٩ فترة رخاء ورفاهية، وسكن الناس منه إلى عدالة ونزاهة، واستنّ سنة أبيه فى غزو النصارى، ولابن دراج فيه مدائح مختلفة. وخلفه أخوه عبد الرحمن فى الحجابة لمدة شهرين إذ قتل فى إثرهما وكان نحسا على نفسه وعلى الأندلس إذ انفتح به باب فتنة ظلت قرطبة تعانى منها أشد العناء نحو عشرين عاما هدّمت فيها أحياء وهدمت الزهراء مدينة عبد الرحمن الناصر والزاهرة مدينة المنصور بن أبى عامر. ونجد ابن دراج يقدم مدائحه لمن يستولون على صولجان الخلافة والحكم واحدا بعد الآخر، فهو يقدمها للخليفة الجديد المهدى، ثم للخليفة الثائر عليه المستعين ولوزيره القاسم الحمودى ويعبر الزقاق إلى سبتة لمديح أخيه على بن حمود ويستظهر فى مديحه مشاعر التشيع له، لنسبه ونسب أسرته إلى الرسول ﷺ . ومرّ بنا أن الحموديين لم يستشعروا حقوق أهل البيت النبوى فى الخلافة، ولذلك كان مثل هذا التشيع لا يلقى منهم استجابة. ويترك ابن دراج على بن حمود إلى الأمراء الذين استولوا فى أثناء الفتنة على بلدان الأندلس الشرقية: مرسية وشاطبة وطرطوشة والمرية وصاحبها خيران الصقلبى، ويمدحه بنونية يستهلها بقوله لك الخير قد أوفى بعهدك خيران ... وبشراك قد آواك عزّ وسلطان
ويقصّر خيران فى جزائه، وينتهى به المطاف-بعد سنوات ثمان مضنية-إلى الأمراء التجيبيين فى سرقسطة سنة ٤٠٨ ويهنأ بها فى رعاية منذر بن يحيى التحيبى ولا يترك مناسبة إلا ويمدحه فيها وخاصة حين ينكّل بالنصارى المجاورين لإمارته على نحو ما نرى فى عينيه، يهنئه فيها بجهاده فى شهر رمضان وظفره بأعدائه، يقول فيها:
ساقى الحياة لمن سالمت، مطعمها ... ذعاف سمّ لمن حاربت ناقعه (٢)
مواصلا بالنّدى ما الله واصله ... وقاطعا بالظّبى ما الله قاطعه
стр. 3830
فى جيش عزّ ونصر أنت غرّته ... وشمل دين ودنيا أنت جامعه
ويتوفى منذر سنة ٤١٢ فتظل له نفس المنزلة والرعاية عند ابنه يحيى، حتى إذا كانت سنة ٤١٩ وسمع بما ذاع وشاع عن مجاهد أمير دانية والجزائر الشرقية وإسباغه العطايا الجزيلة على الشعراء والعلماء وفد عليه مادحا بقصيدة بديعة استهلها بقوله:
إلى أىّ ذكر غير ذكرك أرتاح ... ومن أىّ بحر بعد بحرك أمتاح
واحتفل مجاهد بقدومه عليه وأجزل له فى العطاء مما جعله يؤثر المقام عنده ولكن القدر لم يمهله فقد توفى بدانية بعد عامين من نزوله بها سنة ٤٢١
وقد أشاد بابن دراج كل من كتبوا عنه شرقا وغربا، فالثعالبى يقول عنه فى اليتيمة:
«كان بصقع الأندلس كالمتنبى بصقع الشام وهو أحد الشعراء الفحول وكان يجيد ما ينظم» ويقول ابن حيان عنه: «أبو عمر بن دراج القسطلى سبّاق حلبة الشعراء العامريين وخاتمة محسنى أهل الأندلس أجمعين» ويصفه ابن شهيد «بجزالة شعره وصحة قدرته على البديع وحوك الكلام وتلاعبه بالمعانى وإطالته فيها» ويقول ابن بسام عنه:
«لسان الجزيرة شاعرا وآخر حاملى لوائها، سار نظمه ونثره مسير الشمس» ويلاحظ بحق كثرة اقتراضه للمعانى من المتنبى، ولا حظ ابن شهيد كثرة استخدامه للبديع، وكأنه يحاكى فيه أبا تمام، وقد عرضنا من ذلك أمثلة فى ترجمتنا له بكتاب «الفن ومذاهبه فى الشعر العربى»، كما عرضنا أمثلة أخرى تدل على ميله للتصنع، إذ يتصنع فى بعض شعره للمصطلحات العلمية. ومما يلاحظ عليه أنه يكثر عنده حين يلم بمعنى أن يطيل فيه حتى يفقد حرارته، وأيضا يلاحظ عليه كثرة معارضاته لقصائد المشارقة وخاصة أبا نواس وأبا تمام والمتنبى، وهو-كما ذكرنا فى كتاب الفن ومذاهبه فى الشعر العربى-يلتقى صوته فى أشعاره بصوت ابن هانئ فى العناية باللفظ الطنان وقعقعاته، وتعلق منذ قصائده الأولى بالشكوى من الدهر والسخط على الناس محاكيا بذلك المتنبى فى مطالع كثير من قصائده، وازداد هذا النغم عنده منذ الفتنة التى جعلته يحس بالضياع سنين عديدة.
стр. 3831
ابن (١) عمار
هو أبو بكر محمد بن عمار من قرية من قرى مدينة شلب يقال لها شنّبوس، ومر بنا ما ذكره ياقوت عن شلب وأن نظم الشعر كان يشيع على كل لسان بها، حتى لو طلب أحد إلى فلاح بها خلف محراثه قرض شئ من الشعر قرضه له توا فى أى معنى يطلبه منه، فكان طبيعيا أن تهدى إلى الأندلس شاعرا فذا من شعرائها، وكأنما اختار القدر لها محمد ابن عمار الذى نشأ بشلب طفلا لأسرة متواضعة، وتعلم فيها العربية والأدب على شيوخ متعددين منهم أبو الحجاج يوسف بن عيسى الأعلم، ثم رحل إلى قرطبة فأكمل فيها تأدبه، واستيقظت ملكته الشعرية على شئ غير قليل من ضنك العيش وبؤسه، مما جعل ابن بسام يقول عنه إنه «أحد من امترى (٢) أخلاف الحرمان، وقاسى شدائد الزمان، وبات بين الدكة والدكان واستحلس (٣) دهليز فلان وأبى فلان». ولم يكن له شئ يتكسب به سوى شعره، فطاف به فى بعض مدن الأندلس مسترفدا، لا يبالى ممن أخذ ولا من مدح من سيد أو سوقة. وحدث أن عاد إلى شلب من بعض سفراته على دابة لا يجد علفها، فنظم مديحا فى رجل من أهل السوق ظنا منه أنه يعطيه النوال الوفر، وإذا هو يسرّ إلى غلامه بكلام، فأتاه بمخلاة شعير، وفكّر فى دابته وحاجتها إلى العلف، فاحتمل الغضاضة. ومضى يتقلب فى بلاد الأندلس للمديح والاستجداء إلى أن وفد على المعتضد (٤٣٣ - ٤٦١ هـ.) أمير إشبيلية ومدحه بقصيدته الفريدة:
أدر الزّجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنّجم قد صرف العنان عن السّرى (٤)
واستحسنها المعتضد وأمر له بمال وثياب ومركب وأن يكتب فى ديوان الشعراء، وتعرف حينئذ على ابنه وولى عهده المعتمد، وتوثقت عرى المودة بينهما حتى أصبح المعتمد لا يستغنى عنه ساعة من ليل أو نهار. وولى المعتمد على مدينة شلب من قبل أبيه فاتخذ ابن عمار وزيره فى تلك الولاية وساءت السمعة عنهما لعكوفهما على الخمر والغناء، فأمر
стр. 3832
المعتضد بالتفريق بينهما وخروج ابن عمار عن بلده، فمضى يطوف بأمراء الطوائف، ففترة عند المعتصم بن صمادح أمير المريّة وفترة عند أبى عبد الرحمن بن طاهر أمير مرسية، وفترات أخرى عند غيرهما، إلى أن توفى المعتضد فاستدعاه المعتمد وقرّبه حتى أصبح أقرب إليه من حبل الوريد، وسأل المعتمد ولاية شلب: بلده ومنشئه، فأجابه إلى أن اشتد شوقه إليه، فاستدعاه منها واتخذه وزيره ومستشاره.
وطمح المعتمد إلى الاستيلاء على مرسية، وزيّن له ذلك ابن عمار، فأعدّ جيشا جرارا بقيادته وقيادة عبد الرحمن بن رشيق، وتكفل له ابن عمار بأخذها وإخراج ابن طاهر عنها، غير مراع له حرمة برّه القديم به كما أسلفنا. ونزل بالجيش على مرسية سنة ٤٧١ وأخذها وأخرج ابن طاهر عنها، وتمادى فى إنكاره للجميل إذ سوّلت له نفسه أن يستلبها من المعتمد وأن يعلن استقلاله بها، ودانت له هى وأعمالها، وجلس مجلس التهنئة للخواص والعوام واستقبل الشعراء يهنئونه ويمدحونه. واستعمل على الحصون خساس عبيده وأقطعهم الضياع وأقبل على اللهو والخمر والمتاع، وعبثا حاول المعتمد بن عباد أن يرده عن غيّه، وله معه مراجعات شعرية كثيرة، وبدلا من أن يطلب الصفح هجاه وهجا زوجته الرّميكيّة قرة عينيه بقصيدة طارت شهرتها فى الأندلس منها:
فيا عامر الخيل يا زيدها ... منعت القرى وأبحت العيالا (١)
وأفحش فيها غاية الفحش ولم يفكر فى العواقب، وبينما كان سادرا فى خمره ولهوه أخذ عبد الرحمن بن رشيق يستبدل العبيد من ولاته ببنى إخوته وأخواته حتى صارت مرسية وأعمالها فى يده، حينئذ انتهز فرصة خروجه لرؤية حصن من حصونه، وأغلق أبواب مرسية فى وجهه. وعرف أن لا سبيل إلى دخولها فولّى وجهه نحو سرقسطة وأميرها المؤتمن بن المقتدر بن هود (٤٧٤ - ٤٧٨ هـ.) واستقبله على مضض منه لما فعل بالمعتمد ولىّ نعمته، وأرسل إليه قصيدة يستعطفه بها استهلها بقوله:
علىّ وإلا ما نواح الحمائم ... وفىّ وإلا ما بكاء الغمائم
وأخذ يذكّره بأيامه معه ويسترحمه، لعله يرق له، ولكن ذنبه كان عظيما. ولم يلبث أن رغّب المؤتمن فى الاستيلاء على حصن شقورة شمالى مرسية من يد أميرها عتاد الدولة عبد الله بن سهل، فعرف عتاد الدولة كيف يخدعه ويودعه سجنه، وأرسل إلى المعتمد وغيره من الأمراء هل لأحد فيهم رغبة فى شراء هذا الخائن الآثم الكنود؟ فأرسل إليه
стр. 3833
المعتمد ابنه الراضى بمال وخيل، وتسلّمه من عتاد الدولة سنة ٤٧٧ وحاول أن يستلين قلب الراضى ببعض شعره فلم يصغ إليه، ونظم فى طريقه إلى المعتمد قصيدة يستعطفه بها افتتحها بقوله:
سجاياك-إن عافيت-أندى وأسمح ... وعذرك-إن عاقبت-أجلى وأوضح
ولم ينفعه عند المعتمد تذلله فيها وتضرعه، وكان بقرطبة، فكان يحضره كل ليلة راسفا فى قيوده ويوبخه على سوء فعله، وانحدر به إلى إشبيلية، وأودعه غياهب السجون إلى أن استثارته عليه زوجته الرميكية فأجهز عليه، ورثاه عبد الجليل بن وهبون ببيت مفرد هو قوله:
عجبا لمن أبكيه ملء مدامعى ... وأقول: لا شلّت يمين القاتل
وبدون ريب كان ابن عمار انتهازيا وصوليا لا يرعى صداقة ولا عهدا، أما شعره ففى الذروة من شعر الأندلسيين وفيه يقول الفتح فى القلائد: «مقذف حصا القريض وجماره ومطلع شمسه وأقماره» ويقول ابن بسام: «شعره غرّب وشرّق، وأشأم فى نغم الحداة وعلى ألسنة الرواة وأعرق. . وهو يضرب فى أنواع الإبداع بأعلى السهام، ويأخذ من التوليد والاختراع بأوفر الأقسام» ويطيل فى الإشادة به، ويقول ابن الأبار فى ترجمته: «من بديع صنيعه إتلاف أشعاره المقولة فى الامتياح وقصائده المصوغة فى الانتجاع ومحو آثارها فما يوقف منها اليوم على شئ سوى أمداحه فى المعتضد وما لا اعتبار به لنزوله» ويتيمته-بحق-وفريدته مدحته الرائية فى المعتضد عباد التى ذكرنا مطلعها، وفيها يصف روضا كأنه حسناء تكتسى بوشى الزهر الأنيق، وتتقلّد بجوهر الندى النفيس، ويخرج إلى المديح فينشد:
عباد المخضرّ نائل كفّه ... والجوّ قد لبس الرداء الأغبرا (١)
أندى على الأكباد من قطر النّدى ... وألذّ فى الأجفان من سنة الكرى (٢)
أيقنت أنى من ذراه بجنّة ... لما سقانى من نداه الكوثرا (٣)
فاح الثّرى متعطّرا بثنائه ... حتى حسبنا كلّ ترب عنبرا
وما يزال ابن عمار يفجأ قارئ مدحته بهذه الصور والمعانى البديعة، ومما يفجأ قارئه به تصويره لإطاحة المعتضد بالملوك ودقّه لأعناق كماتهم وشجعانهم إذ يقول:
стр. 3834
أثمرت رمحك من رؤوس ملوكهم ... لما رأيت الغصن يعشق مثمرا
وصبغت درعك من دماء كماتهم ... لما رأيت الحسن يلبس أحمرا
وابن عمار لا يبارى فى روعة التصاوير والأخيلة وروعة الأداء وحسن الصياغة، وكأن مدينة شلب وقراها الشاعرة ظلت تمخض الشعر فيها حتى أنتجت رحيق شعره الصافى البديع.
ابن الحداد القيسى (١)
هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحداد القيسى من مدينة وادى آش فى إلبيرة موطن بنى عقيل وغيرهم من القيسيين وشغف فى صباه-كما يقول ابن بسام-بصبية نصرانية رمز إليها باسم نويرة، وسنعرض لغزله بها فى حديثنا عن شعراء الغزل. وقد اشتهر بمعارفه الواسعة فى الآداب العربية والعلوم الإسلامية وأيضا فى الفلسفة والعلوم القديمة ولذلك ترجم له ابن سعيد كأحد العلماء فى موطنه، ويذكر مترجموه أن له فى العروض كتاب «المستنبط فى علم الأعاريض المهملة عند العرب» ولا أرتاب فى أنه لو وصل إلينا لكان دليلا قويا على ما قلته فى حديثى عن الموشحات من أن الأعاريض المهملة التى ينظم فيها والتى أشار إليها ابن بسام ونقلناها عنه هناك إنما هى أعاريض العرب المهملة التى نصّ عليها الخليل فى دوائره العروضية لا أعاريض أشعار رومانسية كما توهم «ريبيرا» ومن تابعه، وقال مترجمو ابن الحداد إن له فى العروض كتابا ثانيا باسم: «قيد الأوابد وصيد الشوارد» وكتابا ثالثا باسم: «الامتعاض للخليل» ردّ فيه على السرقسطى المنبوز بالحمار-وهو سعيد بن فتحون-مازجا فيه بين الأنحاء الموسيقية والآراء الخليلية، ولا أرتاب فى أن كتبه جميعا تؤكد ما ذهبت إليه فى فهم كلمة ابن بسام عن نظم الموشحات فى الأوزان المهملة التى أشار إليها الخليل فى وضعه لدوائره العروضية، وهى مرسومة بدقة فى كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه.
وكان يلزم المعتصم محمد بن معن بن صمادح التجيبى أمير المريّة التى بناها عبد الرحمن الناصر بالجنوب الشرقى للأندلس وأصبحت قاعدة للأساطيل الأموية،
стр. 3835
وقاد فيها المعتصم منذ أصبح أميرا لها فى الثامنة عشرة من عمره سنة ٤٤٣ حركة علمية وأدبية كبيرة طوال مدة حكمه التى امتدت إلى أكثر من أربعين عاما، وكان يخصص يوما فى كل أسبوع لمناظرة الفقهاء والمحدثين بين يديه، ولزم حضرته كثيرون من الشعراء، منهم من المرية يوسف بن عبد الصمد وأبو حفص بن الشهيد ومن غيرها الأسعد بن بلّيطة الطليطلى والقزاز محمد بن عبادة الإلبيرى المترجم له بين الوشاحين ويوسف بن محمد الأشكركى ومنهم-كما أسلفنا-شاعرنا ابن الحداد الذى عاش عنده أكثر حياته مما جعله يستنفد أكثر أشعاره ومدائحه فيه من مثل قوله فى إحدى مدائحه:
ولولا أبو يحيى ابن معن محمد ... لما كانت الأيام عندى ذخائرا
يحجّ ذراه الدهر عاف وخائف ... جموعا كما وافى الحجيج المشاعرا (١)
فزر مكّة مهما اقترفت مآثما ... وزر أفقه مهما شكوت مفاقرا (٢)
تهيم بمرآه العصور جلالة ... وتحسد أولاها عليه الأواخرا
والصورة فى البيت الثانى رائعة، وكان يعرف كيف ينفذ إلى طرائف الصور والأخيلة البديعة، كقوله فى مدحة أخرى للمعتصم، استهلها بالمزج بين الطبيعة والغزل على مألوف المدائح عند الأندلسيين ولم يلبث أن خرج من وصف نهر إلى المديح منشدا.
ويا لك من نهر صئول مجلجل ... كأن الثّرى مزن به دائم الرّعد (٣)
كأن يد الملك ابن معن محمّد ... تفجّره من منبع الجود والرّفد (٤)
فمن جوده ما فى الغمامة من حيا ... ومن نوره ما فى الغزالة من وقد (٥)
ومنك أخذنا القول فيك جلالة ... وما طاب ماء الورد إلا من الورد
وقرن جلجلة ماء النهر فى حصباء الثرى بصلصلة الرعد الدائم فى السحاب الممطر فى منتهى الروعة، ومن نفس الطراز الصور فى البيتين الثالث والرابع.
ويبدو أن أخا له اقترف ذنبا اضطر المعتصم إلى اعتقاله سنة ٤٦١ وأحس الشاعر بشئ من سخط المعتصم عليه، فغادر المرية موليا وجهه إلى المقتدر بن هود (٤٣٨ - ٤٧٤ هـ.) بسرقسطة، وكان شاعرا يقدر الشعر وأهله كما كان بطلا مجاهدا
стр. 3836
صاحب غزوات مشهورة، واستقبل ابن الحداد استقبالا حافلا، وأكثر من إسباغ عطاياه عليه، وأكثر ابن الحداد من التغنى بانتصاراته على ابن ردمير حاكم أراجون، وله فيه من مدحة يصور فيها بسالته الحربية وبناءه حصن المدوّر فى نحر العدو:
مساعيك فى نحر العدوّ سهام ... ورأيك فى هام الضلال حسام (١)
ولمحك يردى القرن وهو مدجّح ... وذكرك يثنى الجيش وهو لهام (٢)
كأنك لا ترضى البسيطة منزلا ... إذا لم يطنّبه عليك قتام (٣)
كأنك خلت الشمس خودا فلم يزل ... يقنّعها بالنّقع منك لثام (٤)
وواضح أنه أبدع فى تصوير غزوات المقتدر المستمرة التى لا يزال يشنها على العدو حربا فى إثر حرب، حتى ليتصوره ابن الحداد لا يتخذ له مسكنا فى الأرض إلا ساحات القتال وقد شدّت عليه فيها أطناب القتام وغبار القتال الأسود الكثيف ويبعد فى الخيال، فيظن المقتدر يخال الشمس فتاة جميلة، وكأنه يغار عليها، فلا يزال يثير غبار الحرب متخذا منه لها لثاما أو حجابا. وحنّ إلى المعتصم بن صمادح، فعاد إليه وإلى المرية، وهو يردّد.
واصل أخاك وإن أتاك بجفوة ... فخلوص شئ قلما يتمكّن
فى كلّ شئ آفة موجودة ... إن السّراج على سناه يدخّن
وذكرنا فى صدر الحديث عنه أن كان مولعا بالفلسفة وعلوم الأوائل، ولعل ذلك ما دفعه إلى نظم قصيدة سماها «حديقة الحقيقة» وضاعت فيما ضاع من ديوانه، وكانت كبيرة كما يقول مترجموه، وأنشد منها ابن الأبار قوله:
ذهب الناس فانفرادى أنيسى ... وكتابى محدّثى وجليسى
صاحب قد أمنت منه ملالا ... واختلالا وكلّ خلق بئيس
ولعله تناول فيها جوانب من أخلاق الناس بعد أن عاشرهم طويلا دون محاولة لسخط عليهم أو نقمة، وأخيرا لبىّ ابن الحداد نداء ربه بالمرية سنة ٤٨٠.
стр. 3837
الأعمى التّطيلى القيسى (١)
هو أبو جعفر-وقيل أبو العباس-أحمد بن عبد الله بن أبى هريرة التطيلى القيسى، فهو عربى الأرومة، أما نسبته إلى تطيلة-وكانت تقع إلى الشمال الغربى من سرقسطة-فلأنها كانت موطن آبائه. ويبدو أن أباه-وربما جده-هاجر منها مبكرا إلى إشبيلية، فولد الشاعر فيها، ومن المؤكد أنه نشأ بها كما يقول ابن سعيد فى كتابه «رايات المبرزين» ففيها كان مرباه وتعلمه، ويعلن مرارا أنه ضيّق باستيطانها، يقول عنها:
فتالله ما استوطنتها قانعا بها ... ولكننى سيف حواه قراب
فهو منها كسيف حواه قراب أو غمد، لا بد أن يسكن لها راضيا أو راغما. وربما بعثه على إعلان ذلك برم وقلق كانت تنطوى عليهما نفسه، بسبب فقده لبصره، إذ كان ضريرا، وبكّر إليه-فيما يبدو-شئ من الصلع أو بعض الشعرات البيض فى رأسه، مما جعله يصرخ:
أما اشتفت منّى الأيام فى وطنى ... حتى تضايق فيما عنّ من وطر (٢)
ولا قضت من سواد العين حاجتها ... حتى تكرّ على ما كان فى الشّعر (٣)
وكان يلتقى فى إشبيلية دائما بطائفة من الشعراء والوشّاحين المجيدين فى مقدمتهم الشاعر والوشاح الفذ يحيى بن بقى وكان يقدّمه على نفسه معترفا له بالتفوق والسبق فى التوشيح كما مرّ بنا فى حديثنا عن الموشحات، وتكفل له شاعر إشبيلى هو أبو القاسم بن أبى طالب الحضرمى المنيشى بمرافقته فى روحاته وغدواته. وليس فى ديوانه مدائح لأمراء الطوائف ولا ليوسف بن تاشفين مما يدل على أنه لم يلحق عصر يوسف المتوفى سنة ٥٠٠ بينما نجد فيه مدائح لابنه على أمير المرابطين (٥٠٠ - ٥٣٧ هـ.) مما يدل على أن شاعريته إنما تفتحت فى القرن السادس، وقد يؤكد ذلك أنه توفى سنة ٥٢٥ بينما يقول ابن بسام إنه لم يطل زمانه ولا امتد أوانه، وأنه اعتبط (مات) شابا (أو قريبا من
стр. 3838
الشباب) عندما به اغتبط». ويدل ذلك على أن مولده لا يتجاوز سنة ٤٩٠ وإن تجاوزها فإلى سنوات معدودات. وفى ديوانه مرثية حارة لزوجة له تسمى آمنة، ويبدو أنه اقترن بعدها بأخرى تسمى زهرا، ويذكر فى بعض شعره أنها كانت تعنّفه لقعوده عن التماس الرزق، ولعل ذلك ما جعله يكثر من مديحه لذوى الجاه والثراء فى إشبيلية من مثل بنى الحضرمى وخاصة محمد بن عيسى ومثل الطبيب أبى العلاء زهر، وكان قد أثرى ثراء طائلا من مهنته وحلّ من السلطان محلا لم يحظ به أحد من أهل الأندلس فى وقته وله ينشد:
خشنت فلم تترك وأنت منازع ... ولنت ولم تأخذ وأنت قدير
من المجد دان دونه متعرّض ... إلى الهول سباق عليه جسور
كفيل بأرواح الأنام موكّل ... عليم بأسرار الحمام خبير
وهو يشير فى البيت الأخير إلى مهارة أبى العلاء فى الطب وعلاج الأنام أو الناس ومعرفة أسرار الحمام أو الموت. ونظم فى أمير المرابطين على بن يوسف بن تاشفين ثلاث قصائد، ويتوسل فى إحدى قصائده إلى مالك بن وهيب المتفلسف مواطنه، الذى اتخذه الأمير المرابطى جليسا له ومستشارا، أن يحمل إليه ما ينظمه، وينزل عند رغبته مرارا، وفى إحداها يثنى عليه بمثل قوله:
جنابك للعلا حصن حصين ... وذكرك للمنى دنيا ودين
طليعة جيشك الظّفر المواتى ... وظلّ لوائك الفتح المبين
جواد بالديار وما حوته ... ولو أنّ الزمان بها ضنين
قد اهتزّت بأنعمك الليالى ... كما تهتزّ بالثّمر الغصون
وله فى على بن يوسف بجانب قصائده أرجوزة طويلة، وله أيضا فيه موشحة بديعة، وإحدى فقراتها تمضى على هذه الشاكلة:
سما علىّ ... لإمرة المسلمينا
صبح جلىّ ... راق، النّهى والعيونا (١)
سمح أبىّ يرضيك شدّا ولينا
كالهندوانى وكالغمام الهتّان ... وفق الأمانى وملء عين الزّمان
стр. 3839
وممن أكثر من مديحهم ابن حمدين أبو القاسم أحمد بن محمد التغلبى قاضى الجماعة بقرطبة منذ سنة ٥١٣ حتى وفاته سنة ٥٢١ وكان يرسل بمدائحه إليه، وفى أخباره أنه زار قرطبة، وربما زارها من أجل لقائه، وله يقول:
أسد يملأ العرين من البأ ... س وطود يحمى من الإملاق (١)
زهيت خطة القضاء به زه ... وحمام الغصون بالأطواق
أريحىّ تراه يهتزّ للبذ ... ل اهتزاز القضيب للإيراق (٢)
وكان صديقا للشاعر الوشاح يحيى بن بقى ورآه يطرق أبواب بنى عشرة قضاة سلا رعاة الشعر لزمانه كما مرّ بنا فى ترجمته وقد خص من بينهم أبا العباس أحمد القاضى بعد أبيه على وأخاه يحيى، فتبع ابن بقى يقدم إليهما مثله شعره وموشحاته، من ذلك قصيدة كافية مدح بها أبا العباس يقول فيها:
لقاضى قضاة الغرب وابن قضاته ... تودّدت الآمال وهى سوامك (٣)
إذا سمعت أذناه حىّ على العلا ... فلا الجود متروك ولا البأس تارك
رفعتم لأهل الغرب أعلام دينهم ... فأبصر مأفوك وأقصر آفك (٤)
وقد أضيفت إلى الشاعر فى الديوان قصيدة نونية ص ٢١٨ قال الفتح بن خاقان إنه مدح بها القاضى أبا الحسن على بن القاسم بن عشرة، وعنه نقلها محقق الديوان مع إشارته إلى أن العماد الأصبهانى فى الخريدة ذكر أنها فى مديح أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين، وفى رأينا أن الصواب ما ذكره العماد، لأن القاضى المذكور توفى سنة ٥٠٢ وكان التطيلى لا يعدو حينئذ الخامسة عشرة من عمره، وذكرنا أن له فى الأمير على بن يوسف ثلاث قصائد فأولى أن تضاف إليها، فيكون له فيه أربع قصائد سوى الأرجوزة. وألحقت بديوانه فى بنى عشرة ست موشحات، وقد ذكرنا فى ترجمة يحيى بن بقى أن القدماء نصوا على ثلاثة منها بأنها لابن بقى، فنسبتها إلى التطيلى مخطئة، ونظن ظنا أن الموشحتين رقم ١٠ و ١٥ الخاصتين بمديح يحيى بن على بن القاسم حرى بهما أن تنسبا أيضا إلى ابن بقى مثل أختهما رقم ١١ فى ملحق الديوان إذ هو الذى تفيأ ظلاله كما نصّ القدماء وتغنى به فى غير موشحة. وفقط ذات الرقم ١٣ فى مديح من يسمى
стр. 3840
يوسف بن القاسم، فهى التى يمكن أن تضاف إلى التطيلى، وخاصة أن نسبتها إليه شاعت بين الوشاحين حتى ليعارضه فيها ابن الصباغ (١) المتصوف فى القرن السابع الهجرى وفيها يقول:
إن جئت أرض سلا ... وافاك بالمكارم فتيان
هم سطور العلا ... ويوسف بن القاسم عنوان
وله قصيدة بديعة مدح بها السيدة حواء زوجة سير بن أبى بكر الذى مهّد الأندلس ببطولته وقيادته الحازمة ليوسف بن تاشفين، وهو ابن أخيه، وولاه يوسف إشبيلية وظل عليها-دهرا: سبعة وعشرين عاما فيما يقال وكانت سيدة فاضلة نبيلة تقرأ القرآن وتنظم الشعر، وكانت لها ندوة فى قصر الإمارة بإشبيلية تحاضر فيها الكتّاب والشعراء وتستمع إلى حوارهم فى الشعر وتشارك فى نقد بعض الأبيات، وممن كان يتردد على ندوتها مالك بن وهيب المتفلسف المار ذكره والكاتبان أبو بكر بن القصيرة وابن المرخى محمد بن عبد العزيز، وكانت ممّدحة، ومن ثناء التطيلى عليها فى قصيدته:
مليكة لا يوازى قدرها ملك ... كالشمس تصغر عن مقدارها الشّهب
دنيا ولا ترف، دين ولا قشف ... ملك ولا سرف درك ولا طلب
برّ ولا سقم عيش ولا هرم ... جدّ ولا نصب ورد ولا قرب (٢)
ويفيض التطيلى فى وصف جودها وما تغدق من الذهب والفضة على الأدباء والشعراء، ويشيد بإخوتها يحيى والى قرطبة ومحمد محرّر بلنسية، ولا يشير إلى زوجها حاكم إشبيلية والأندلس بكلمة، وأغلب الظن أنه كان قد توفى منذ فترة. ولعل صوت الأعمى التطيلى اتضح لنا الآن، وبحق يقول عنه ابن بسام: «له أدب بارع، ونظر فى غامضه واسع، وفهم لا يجارى، وذهن لا يبارى، ونظم كالسحر الحلال، ونثر كالماء الزلال، جاء فى ذلك بالنادر المعجز، فى الطويل منه والموجز».
стр. 3841
الرّصافى محمد بن غالب (١)
ولد محمد بن غالب فى رصافة بلنسية، فنسب إليها، وقد رزقت به أسرة متواضعة إذ كان أبوه رفّاء، وكأنما كان مولده فى تلك الرصافة بشيرا بأنه سيكون من شعراء الطبيعة فى الأندلس لجمالها إذ كانت-كما يقول ابن سعيد فى ترجمته بالمغرب-مناظر وبساتين ومياها جارية، وفى بلنسية يقول: «خصّها الله بأحسن مكان، وحفّها بالأنهار والجنان. وحيث خرجت من جهاتها لا تلقى إلا منازه ومسارح ومن أبدعها وأشهرها الرصافة». وفى هذه الجنة الفيحاء نشأ الطفل المرهف غير أنه لم يكتب له أن تتم له نشأته فيها، إذ اضطر أبوه-فيما يبدو-لمبارحتها إلى مالقة وهو لا يزال صغيرا فى نحو الثامنة أو التاسعة من عمره، مما جعله-فيما بعد-يكثر-كما قال ابن الأبار فى ترجمته بالتكملة-من الحنين إليها ويقصر أكثر منظومه عليها، وفى ذلك يقول عنها:
بلادى التى ريشت قويدمتى بها ... فريخا وآوتنى قرارتها وكرا (٢)
مهادى ولين العيش فى ريّق الصّبا ... أبى الله أن أنسى لها أبدا ذكرا
وطار الطفل صغيرا من وكره مع أبيه إلى عشّ متواضع فى مالقة، وفيها أخذ أبوه يلقنه حرفته من رفو الملابس، وفسح له من الوقت ما مكنه من الاختلاف إلى كتّاب لحفظ القرآن الكريم ثم الاختلاف فيما بعد إلى حلقات الشيوخ لتعلم العربية والتزود من علوم الدين الحنيف ومن الأدب والشعر. وتفتحت ملكته الشعرية مبكرة، إذ يروى أنه خرج مع بعض رفاقه فى الدراسة إلى نزهة فى مالقة، وارتجل فى تلك النزهة بيتين أعجب بهما الشيخ المرافق، وتنبأ له أنه سيكون شاعر زمانه. ويقدم عبد المؤمن أمير الموحدين لزيارة الأندلس سنة ٥٥٦ للهجرة، ويستدعى الشعراء من بلدان الأندلس لاستقباله فى جبل طارق أو جبل الفتح، وكان عبد المؤمن-كما مرّ بنا أمر ببناء مدينة على سفحه، وفيها أنشده شعراء الأندلس مدائحهم فيه، ومن بينهم الرصافى، وهو لا يتجاوز عشرين ربيعا كما يقول صاحب المعجب، وقصيدته أو مدحته تصوّر شاعرية
стр. 3842
ناضجة، وقد تمثل فيها دعوة ابن تومرت مهدىّ الموحدين وإمامهم ونهوض عبد المؤمن بها من بعده كأنها نار شبّت فى جانب جبل الفتح كالنار التى جاء فى القرآن الكريم أنها شبت لموسى من جانب الطور الأيمن بسيناء ﴿فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وتمثّل الرصافى الآيات الكريمة ومضى ينشد عبد المؤمن مفتتحا قصيدته بقوله:
لو جئت نار الهدى من جانب الطّور ... قبست ما شئت من علم ومن نور
فيضيّة القدح من نور النّبوة أو ... نور الهداية تجلو ظلمة الزّور
ما زال يقضمها التّقوى بموقدها ... صوّام هاجرة قوّام ديجور (١)
نور طوى الله زند الكون منه على ... سقط إلى زمن المهدىّ مذخور (٢)
حتى أضاءت من الإيمان عن قبس ... قد كان تحت رماد الكفر مكفور (٣)
ويشيد الرصافى بعبد المؤمن وما يحمل من دعوة المهدى إمام الموحدين ابن تومرت وأضوائها التى طبّقت البلاد المغربية والأندلسية، ويصف عبور عبد المؤمن الزقاق على سفن تتهادى بين أيدى مجاذفها وكأنها تغرق فى ماء الورد الأرجوانى الصافى، وتسرع خائضة التيارات فى الزّقاق فيخال كأنها تطير بأجنحة النور الكاسرة. ويبدع الرصافى فى تصويره لجبل طارق الشامخ الصاعد فى عنان السماء بذراه حتى لتتوج النجوم مفرقه بأكاليلها المتألقة. ويقول إن الجبل مقيّد الخطو غير أنه جوّال الخواطر يواصل الصمت والتفكير فيما جاء بالذكر الحكيم عن يوم القيامة وتسيير الجبال ودكها دكّا، ويطمئنه على غده فقد زاره عبد المؤمن. ويعود إلى الإشادة به وبهدى دعوته وبسالة جيشه، وينهى القصيدة بتمثله فى جبل طارق والمهدى ابن تومرت وخليفته عبد المؤمن جبل الطور وموسى وفتاه يوشع قامع الجبابرة الذى تأخرت له الشمس عن مغربها، وكأن عبد المؤمن يوشع جديد.
والقصيدة رائعة بل أكثر من رائعة وانتظر الشاب الرصافى أن يقدرها عبد المؤمن
стр. 3843
وحاشيته حق قدرها فيعلن أنه الشاعر الرسمى للموحدين أو يسبغ عليه ولاية صغيرة أو جاها، وفوجئ بأن عومل معاملة غيره من الشعراء الكثيرين الذين زفّوا إلى عبد المؤمن مدائحهم، فكوفئ مثلهم على قصيدته بدنانير معدودات، وتحسّر على شعره وعلى نفسه وموهبته، ورجع إلى مالقة مصمما أن يهجر صنعة المديح إلى الأبد مكتفيا بصنعة رفو الملابس. وسكن غرناطة وقتا وانعقدت صداقة بينه وبين شاعرها أبى جعفر بن سعيد، ويبدو أنه ألحّ عليه فى امتداح أخيه محمد فامتدحه بقصيدة عادية، كأنه نظمها مجاملة لأبى جعفر. وفى بعض أشعاره ما يدل على أنه زار مكناسة والمسيلة فى المغرب، وعاد ثانية إلى مالقة وهو مصر على أن لا يمدح أحدا، وراجعه بعض الشعراء فى ذلك وألح عليه، فكتب إليه يراجعه:
يقول أناس لو رفعت قصيدة ... لأدركت حتما فى الزمان بها أمرا
ومن دون هذا غيرة جاهليّة ... وإن هى لم تلزم فقد تلزم الحرّا
وهى ليست غيرة جاهلية، بل هى غيرة شعرية، غيرة الشاعر الحر على شعره وفنه أن يسخره فى تملق الحاكم وأن لا يكون نصيبه من ذلك إلا أجرا زهيدا تأباه النفوس الحرة الكريمة. وكان ممن عرف قدره وروعة شعره أبو جعفر الوقّشى الشاعر وزير ابن همشك صهر محمد بن سعد بن مردنيش الثائر على الموحدين بمرسية وشرقى الأندلس (٥٤٢ - ٥٦٧ هـ.) فأخذ يرسل إليه بهدايا نفيسة، ولم ير الرصافى بدا من أن يشكره، ووالى الوقّشى هداياه فشكره بقصيدة بديعة، وفيها يقول:
رجل إذا عرض الرجال له ... كثر العديد وأعوز النّدّ (١)
من معشر نجم العلاء بهم ... زهر كما يتناسق العقد (٢)
وكأنما فاق الأنام بهم ... نسب إلى القمرين ممتدّ
فيرى وليدهم المنام على ... غير المجرّة أنه سهد
هيهات يذهب عنك موضعه ... هطل الغمام وجلجل الرّعد
وظل الرصافى بمالقة قانعا. بصناعة الرفو وما يكسبه منها بعرق جبينه، وهو مع ذلك ينظم الشعر لا فى المديح ولكن فى الطبيعة وفى بعض مجالس اللهو والخمر مع بعض رفاقه وأصدقائه محرّما على نفسه أن ينتجع أحدا بقصيدة أو يبتذل شعره بمدحة حاكم
стр. 3844
لا يستحقها. ولم يتزوج وبالتالى لم يكن له أسرة ولا أبناء إلى أن توفى سنة ٥٧٢ وهو فى نحو السادسة والثلاثين من عمره، وشعره-كما يقول ابن الأبار مدون بأيدى الناس متنافس فيه.
ابن زمرك (١)
هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد، ولد بحى البيازين فى غرناطة سنة ٧٣٣ لأسرة هاجرت إليها من شرقى الأندلس، وهى أسرة متواضعة حياتها بها غير قليل من الشظف، إذ كان أبوه حدادا، ويقول ابن الأحمر المؤرخ عنه إنه نشأ ضئيلا كالشهاب يتوقد، وحفظ القرآن الكريم سريعا، وأخذ يختلف-مثل أترابه-إلى حلقات الشيوخ ينهل من معارفهم ومحاضراتهم. ويذكرون من شيوخه فى الفقه أبا سعيد بن لب وفى الحديث النبوى أبا البركات ابن الحاج وفى الأصول أبا على منصور الزواوى وفى التصوف أبا عبد الله بن مرزوق وفى العربية أبا عبد الله بن الفخار والشريف الغرناطى أبا القاسم محمد بن أحمد شارح مقصورة حازم وفى الأدب والشعر ابن الخطيب وزير الإمارة المشهور، فهو تلميذه وخريجه وصنيعته، وعنى به فألحقه بدواوين الإمارة وكفل له راتبا حسنا. ونراه حين خلع السلطان محمد الخامس الغنى بالله عن إمارة الأندلس سنة ٧٦٠ ونفى إلى المغرب والتجأ إلى أبى سالم المرينى يلتحق به فى منفاه مثل أستاذه ابن الخطيب وغيره ممن رفضوا التعاون مع أخيه أبى الوليد إسماعيل مدبر المؤامرة ضده، ولم يهنأ إسماعيل باستيلائه على الإمارة، إذ سرعان ما دار العام وفتك به زوج شقيقته من أبناء عمومته واستولى على صولجان الحكم وهو أبو عبد الله محمد واتخذ لقبا له الغالب بالله، وتطورت الظروف سريعا، فقتل بدوره وعاد محمد الخامس الغنى بالله إلى إمارته فى جمادى الأولى سنة ٧٦٣ وعاد معه ابن زمرك كما عاد وزيره لسان الدين بن الخطيب، ونرى ابن زمرك يردد لأستاذه دائما فى رسائل وقصائد ولاءه له وحمده وشكره
стр. 3845
على ما أنعم به عليه. وتظل الأيام تسير رخاء حتى سنة ٧٧٣ إذ يترامى إلى ابن الخطيب أن مؤامرة تدبّر للقضاء عليه فيفر فجأة إلى السلطان المرينى عبد العزيز بتلمسان ويحتلّ ابن زمرك منصبه، فيصبح الوزير الأول للسلطان الغنى بالله. ويرسل الغنى بالله إلى السلطان المرينى أبا الحسن النباهى قاضى الجماعة بغرناطة ليتسلم منه ابن الخطيب متّهما بتهمة الإلحاد والزندقة. وأخفق القاضى فى مهمته، إذ حمى ابن الخطيب منه السلطان المرينى، غير أن حاميه لم يلبث أن توفى سنة ٧٧٤ ونقل المرينيون عاصمتهم إلى فاس، وتجددت مساعى الغنى بالله للقبض على ابن الخطيب، وأخيرا يقبض عليه فى سنة ٧٧٦ وتقدم من غرناطة لجنة لمحاكمته برياسة ابن زمرك ويمثل أمامها ويعنف به تلميذه القديم وصنيعته فى المحاكمة متهما له بالزندقة والإلحاد لعبارات صوفية وردت على لسانه فى كتابه: «روضة التعريف بالحب الشريف» ويسترسل فى توبيخه. وزجّ به فى غياهب السجون، وبإحدى الليالى دسّ إليه من قتله وأشعلت فيه النار على قبره قبل دفنه، فاسودّت بشرته ووورى التراب مأسوفا عليه لتهمة زائفة دبّرت له كيدا آثما. ونعم ابن زمرك بوزارة الغنى بالله عشرين عاما متوالية أصبح فيها المدبّر لشئون الإمارة حتى ليروى ابن الأحمر المؤرخ سفاراته الموفقة للغنى بالله إلى الملوك وأنه فوّض له فى عقد الصلح بين الملوك بالعدوتين أى بين ملوك المغرب وملوك إسبانيا والبرتغال، ويقال إنه فوّضه فى الصلح مع النصارى تسع مرات. ويتوفى الغنى بالله سنة ٧٩٣ ويخلفه ابنه يوسف الثانى فيهوى به من حالق إلى غياهب السجون ويردّ إليه بعد نحو عام ونصف حريته ويعيده إلى منصبه، وبعد أيام قليلة يتوفى ويخلفه ابنه محمد السابع فيعزله ويولى مكانه محمد بن عاصم، ثم يعيده إلى منصبه سنة ٧٩٥ وسرعان ما اقتحم حرس السلطان عليه داره وفتكوا به وبابنين له.
وإذا أغضينا النظر عن أخلاقية ابن زمرك وجحوده لفضل أستاذه ابن الخطيب والتجنى عليه لمآرب دنيوية زائلة ورجعنا إلى شعره وموشحاته نقرؤهما وجدناه ينزل فيهما منزلا عليّا من شعراء الأندلس فى مختلف عصورهم، ويذكر السلطان يوسف الثالث فى كتابه السالف: «البقية والمدرك من كلام ابن زمرك» أنه خدم جده السلطان الغنى بالله سبعا وثلاثين سنة، منها ثلاثة بالمغرب وباقيها بالأندلس وأنه أنشده فى تلك السنوات ستا وستين قصيدة أو مدحة فى ستة وستين عيدا. ويذكر أيضا أن كل ما فى منازل الغنى بالله من القصور والرياض والضياع من نظم رائق ومدح فائق منقوش فى القباب والطاقات والثياب السلطانية فهو له. وينشد المقرى له فى كتابه أزهار الرياض عن كتاب
стр. 3846
«البقية والمدرك» ما يقرب من عشرين قصيدة ومخمسة طويلة ونحو ثلاثين مقطوعة فى مديح الغنى بالله سوى مقطوعات متعددة فى مديح ابن الخطيب ولىّ نعمته وسوى قصيدة فى مديح أبى سالم المرينى وقطع من قصائد للسلطان يوسف الثانى وابنه السلطان محمد وسوى ثلاث مراث فى الغنى بالله ومرثية فى أستاذه الشريف الغرناطى. ومن أهم مدائحه للغنى بالله يائية امتدت إلى نحو مائة وخمسين بيتا استهلها بغزل بديع شغل ثمانية وعشرين بيتا، وخرج منه إلى مديح الغنى بالله قائلا إنه الشمس يعم نفعها وضوؤها القريب والبعيد والغيث الذى يهطل على العفاة دائما والباسل الذى يروى غصون الرماح العطشى دماء الأعداء القانية. ثم يأخذ فى وصف مبانيه فى قصور الحمراء مأخوذا بروعة النقوش وترصيعاتها وزخارفها، يقول:
ولله مبناك الجميل فإنّه ... يفوق على حكم السعود المبانيا
بنيت له كفّ الثريا معيذة ... ويصبح معتلّ النواسم راقيا
وتهوى النجوم الزّهر لو ثبتت به ... ولم تك فى أفق السماء جواريا
وقد جعل ابن زمرك نجمة الثريا عوذة له وتميمة من عيون الحساد لشدة سموقه وارتفاعه، وجعل النسيم العليل فيه كأنه الرّقية التى يستروحها الناس، لما يندفع فيه من مياه تجرى فى قنوات مثبتة فى الحوائط بجميع الغرف لتلطيف الجو. ويمضى ابن زمرك فيصور البهو الذى شاده الغنى بالله وما يتوسطه من حوض كبير من المرمر به نافورة مرمريّة يحملها اثنا عشر أسدا تمج المياه من أفواهها إلى بركة تحيط بها، ويستمر ابن زمرك فى وصفه المبنى الباهر وهذا البهو الرائع والنافورة قائلا:
به البهو قد حاز البهاء وقد غدا ... به القصر آفاق السماء مباهيا
به المرمر المجلوّ قد شفّ نوره ... فيجلو من الظّلماء ما كان داجيا
وراقصة فى البهو طوع عنانها ... تراجع ألحان القيان الغوانيا
إذا ما علت فى الجوّ ثم تحدّرت ... تحلّى بمرفضّ الجمان النّواصيا (١)
يذوب لجين سال بين جواهر ... غدا مثلها فى الحسن أبيض صافيا (٢)
تشابه جار للعيون بجامد ... فلم أدر أيّا منهما كان جاريا
وتصويره للنافورة فى الأبيات الأربعة الأخيرة تصوير بديع، وخاصة البيت الأخير،
стр. 3847
إذ لم يعد يدرى أيهما السائل لجين الماء أو جواهر المرمر الناصعة البياض، ويشيد بما فى البهو من زخارف بديعة ترصع أعمدته. ويلتفت إلى قاعة السفراء أو قاعة العرش البهيجة وما يعلوها من برج قمارش المصعد فى السماء وينشد:
وطامحة فى الجوّ غير مطالة ... يردّ مداها الطّرف أحسر عانيا (١)
تمدّ لها الجوزاء كفّ مصافح ... ويدنو لها بدر السماء مناجيا
ولا عجب أن فاتت الشّهب بالعلا ... وأن جاوزت منها المدى المتناهيا
والأبيات السالفة جميعا لا تزال ترصع البهو إلى اليوم ومعها غيرها من نفس القصيدة امتدت على حافات النافورة وحيطان البهو وقاعة بنى سراج المتصلة به. ويصور ابن زمرك فى نفس القصيدة جنة العريف القائمة فى مدخل القصر، وهى من عجائب البساتين والرياض فى الدنيا، وكأنما تكمل زينة القصر بل كأنما تكمل العرس البهيج الذى لا يزال قائما فيه ليل نهار بدون أهله.
ولابن زمرك خمس عشرة موشحة أكثرها فى مديح الغنى بالله، وإحداها فى مديح الرسول ﷺ ، وجمهورها من مخلع البسيط. واشتهرت له موشحات صبحية يذكر فيها وداع صاحبته فى الصباح، ولذلك أصل واضح عند الأندلسيين قبله بل عند العرب منذ عمر بن أبى ربيعة وسنعرض لذلك فى حديثنا عن الغزل، ويعد ابن زمرك بدون ريب آخر الشعراء الأندلسيين المبدعين.
٤ - شعراء الفخر والهجاء
(أ) شعراء الفخر
الفخر من أغراض الشعر العربى التى رافقته-مثل المدح-من قديم، وقد ظل الشعراء يتغنون به طوال العصور الإسلامية مجسّدين فيه دائما مثاليتهم الخلقية الفردية من الوفاء والمروءة والعزة والكرامة وغير ذلك من الشّيم الرفيعة كما يتغنون عصبياتهم القبلية والقومية وبأسهم وشجاعتهم الحربية التى يسحقون بها أعداءهم. وأول ما يسوقه الرواة من أشعار الفخر فى الأندلس يضيفونه إلى الأسرة الأموية وحكامها منذ القرن
стр. 3848
الثانى الهجرى وخاصة على لسان الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) الذى استطاع بحزمه ومضائه وجلده أن يقضى قضاء مبرما على ثورة أهل الرّبض الجنوبى بقرطبة، مما جعله ينشد مبتهجا بعد تلك الوقعة (١):
رأبت صدوع الأرض بالسيف راقعا ... وقدما لأمت الشّعب مذ كنت يافعا (٢)
فسائل ثغورى هل بها اليوم ثغرة ... أبادرها مستنضى السّيف دارعا (٣)
وشافه على الأرض الفضاء جماجما ... كأقحاف شريان الهبيد لوامعا (٤)
تنبّيك أنى لم أكن فى قراعهم ... بوان وأنى كنت بالسيف قارعا
ومع تلك الأبيات أبيات أخرى يصور فيها رباطة جأشه فى القتال وأنه لا ينكل عن الحرب ولا يتراجع حتى يذيق أعداءه الموت ناقعا. ويهتف شاب أموى متهور فى عهد ابنه عبد الرحمن الأوسط يسمى بشر بن حبيب الملقب بدحّون أنه فوق الناس جميعا من بيته وغيره وأنه سيشعل الأرض ويضرمها بنيران الحروب، فيزجّ به عبد الرحمن فى غياهب السجون ثم يعفو عنه ويرد إليه حريته.
ومرّ بنا فى الفصل الأول كيف أن نيران فتنة هائلة بين المولدين والمسالمة والنصارى من جهة وبين العرب من جهة ثانية أخذت تتقد فى نواح كثيرة بالأندلس لأواخر عهد الأمير محمد، وظلت لعهد الأمير عبد الله (٢٧٥ - ٣٠٠ هـ) وقادها فى نواحى مالقة عمر ابن حفصون وفى نواحى بطليوس عبد الرحمن الجليقى وأخذ يطير من هذه الفتنة شرر كثير إلى إلبيرة فى أوائل عهد الأمير عبد الله، وقاد العرب فيها يحيى بن صقالة وفتك به المولدون والنصارى، فقادهم سوار بن حمدون المحاربى القيسى، وساعده الأيمن سعيد بن جودى وكان فارسا وشاعرا مجيدا، وواقع سوار جموع النصارى والمولدين ثأرا لابن صقالة سنة ٢٧٦ وفتك بسبعة آلاف منهم، وتغنّى بهذه الوقعة سعيد بن جودى مفاخرا متوعدا ومهددا، وأخذ كثيرون من العرب من كورتى جيّان وريّة يتجمعون إلى سوار فى حصن غرناطة، بينما لاذ المولدون والنصارى بعمر بن حفصون، ونشبت بين الفئتين معركة اندحر فيها النصارى والمولدون من أهل إلبيرة، ولسعيد بن جودى فيها قصيدة
стр. 3849
حماسية ملتهبة، وحانت بعدها للمولدين والمسالمة والنصارى غرّة من سوار ففتكوا به سنة ٢٧٧ وأمّر العرب عليهم سعيد بن جودى، فقادهم سبع سنوات أنزل فيها بخصومهم هزائم كثيرة إلى أن قتل غيلة سنة ٢٨٤ وله أشعار كثيرة يحرّض فيها العرب ويفاخر ببأسه وشجاعته، وسنخصه بترجمة عما قليل. واندلعت مع المعارك الحربية لهذه الفتنة معركة شعرية (١) نظم فيها شعر حماسى كثير يكتظ بالتهديد والوعيد بين شاعر للمولدين يلقب بالعبلى واسمه عبد الرحمن (أو عبد الله) بن محمد وبين شاعر للعرب يسمى الأسدى محمد بن سعيد بن مخارق من أسد بنى خزيمة، ومن قول العبلى فى إحدى قصائده يهوّن من العرب وجموعهم بغرناطة:
منازلهم منهم قفار بلاقع ... تجارى السّفا فيها الرّياح الزعازع (٢)
ومضى يهدد العرب بوقائع مبيرة تحصدهم حصدا، فردّ عليه الأسدى ناقضا لقوله، منذرا متوعدا له ولجماعته بالويل والثبور يقول:
منازلنا معمورة لا بلاقع ... وقلعتنا حصن من الضّيم مانع
ألا فائذنوا منها قريبا بوقعة ... تشيب لها ولدانكم والمراضع
وإتفق أن كان للعرب عليهم بعد سبعة أيام وقعة لقى فيها سبعة عشر ألفا منهم حتفهم وصرخوا واستغاثوا بالأمير عبد الله فى قرطبة، ومن مشهور قول العبلى فى تلك الوقائع والحروب قصيدة حماسية استهلها بقوله:
قد انقصفت قناتهم وذلّوا ... وزعزع ركن عزّهم الأذلّ
وناقضه الأسدى بقصيدة طويلة يعيّره هو وقومه فيها بما ينزله العرب بجموعهم من تقتيل وسفك لدمائهم، ومن قوله مفاخرا:
لواء النّصر معقود علينا ... بتأييد الإله فما يحلّ
وللأسدى شعر كثير يحرّض فيه العرب على التجمع ضد خصومهم، واستطاع الأمير عبد الله أن يصلح بين الفئتين المتخاصمتين فى كورة إلبيرة حتى إذا خلفه حفيده الناصر قضى على مثيرى هذه العصبية الجنسية فى كل أنحاء الأندلس. وبذلك عادت لأهل الأندلس وحدتهم عربا ومسالمة ومولدين.
стр. 3850
ومن طريف ما يروى عن المستنصر بن الناصر (٣٥٠ - ٣٦٠ هـ) أن نزارا الفاطمى الملقب بالمستنصر صاحب مصر (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) كتب إليه كتابا يسبّه فيه ويهجوه، فرد عليه المستنصر المروانى: «أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك:
ألسنا بنى مروان كيف تبدّلت ... بنا الحال أودارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منا تهلّلت ... له الأرض واهتزّت إليه المنابر»
فأفحمه (١) ولم يستطع الجواب. وللشاعر الطليق حفيد أخى المستنصر المروانى المسجون فى عهد المنصور بن أبى عامر شعر كثير يفتخر فيه بنفسه وبآبائه، وسنفرده بكلمة. وللمنصور بن أبى عامر (٢):
رميت بنفسى هول كل عظيمة ... وخاطرت والحرّ الكريم يخاطر
رفعنا المعالى بالعوالى بسالة ... وأورثناها فى القديم معافر (٣)
وحكاياته فى الجهاد كثيرة، ويقال إن له نيّفا وخمسين غزوة فى النصارى وإنه كان لا يخلّ فى أكثر أيامه بغزوتين فى السنة يشنّهما عليهم، ومرّ بنا فى الفصل الأول حديث عنه وعن غزواته المظفرة. ولابن شهيد (٤):
بالعلم يفخر يوم الحفل حامله ... وبالعفاف غداة الجمع يزدان
وما ألان قناتى غمز حادثة ... ولا استخفّ بحلمى قطّ إنسان
أمضى على الهول قدما لا ينهنهنى ... وأنثنى لسفيهى وهو غضبان
ومضى يقول إنه لا يرد على حمق بحمق وإنه يعتصم بالصبر وكظم الغيظ ولا يتملق ولا يفوه بغير الحق، وإنه قد يبيت على الطّوى حانيا الضلوع على لظى المسغبة دون تبرم أو ضيق، بل مع البشر وطلاقة الوجه. ويقول صديقه ابن (٥) حزم:
أنا الشمس فى جوّ العلوم منيرة ... ولكنّ عيبى أن مطلعى الغرب
ولو أننى من جانب الشرق طالع ... لجدّ على ما ضاع من ذكرى النّهب
стр. 3851
وهو حقا-كان شمسا منيرة فى العلوم ولم يعبه طلوع شمسه من المغرب، فقد أضاءت ما بينه وبين المشرق، ولا تزال تضئ ما بينهما إلى اليوم، وسنفرد له حديثا فى الفصل الأخير.
وتتكاثر على ألسنة أمراء الطوائف أشعار الفخر، يفتخرون بما حققوه من مجد وبكرمهم الفياض وبأسهم وشجاعتهم وحمايتهم لإماراتهم وحسن سياستهم وتدبيرهم، ومن قول المعتضد عباد صاحب إشبيلية (١):
أقوم على الأيّام خير مقام ... وأوقد فى الأعداء شرّ ضرام
وأنفق فى كسب المحامد مهجتى ... ولو كان فى الذّكر الجميل حمامى
وأبلغ من دنياى نفسى سؤلها ... وأضرب فى كل العلا بسهامى
فهو يعيش لإحكام السياسة وسحق الأعداء وكسب المحامد والذكر الجميل بالغا من دنياه كل ما يتمنى محققا لنفسه كل ما يريد من المعالى والأمانى. وسنخص من بين هؤلاء الأمراء عبد الملك بن هذيل بكلمة. ونشعر كأن الفخر يغيض معينه بعدهم فى نفوس الأندلسيين غير أنه بقيت من ذلك بقية من مثل قول (٢) على بن أضحى الهمدانى الغرناطى المتوفى سنة ٥٤٠ للهجرة:
نحن الأهلّة فى ظلام الحندس ... حيث احتللنا فهو صدر المجلس
إن يذهب الدّهر الخئون بعزّنا ... ظلما فلم يذهب بعزّ الأنفس
والبيتان يصوران قوة نفس عزيزة صلدة تنزلق عنها توّا محن الزمن دون أن تنال منها أى نيل. ولابن خفاجة قصيدة يفتخر فيها بنفسه وبرفاق له فى مسقط رأسه بجزيرة شقر يعيشون للبأس والنجدة والنضال وخوض الدماء بخيلهم المحجّلة إلى أعدائهم منزلين بهم صواعق الموت التى لا تبقى ولا تذر، وفيها يقول (٣):
مضاء كما سلّ الحسام من الغمد ... وبأس كما طار الشّرار من الزّند
تساقوا وما غير النجيع سلافة ... تدار ولا غير الأسنة من ورد
وإنى على أن لست صدر قناتهم ... لخدن العلا ترب النّدى لدة المجد
أخوض الظّبا تخضرّ فى النّقع بيضها ... فألقى المنايا الحمر فى الحلل الرّمد
стр. 3852
والقصيدة تتوهج بحماسة ملتهبة، وتتكاثر فيها الصور. -على عادة ابن خفاجة فى شعره-فرفاقه لا يقلّون عن السيف مضاء ولا عن شرار النار بأساودمارا، وإنهم ليتساقون المنايا حتى لكأن سلافتهم وخمرهم فيها نجيع الدماء التى يسفكونها من الأعداء ولا ورد لهم سوى الأسنة الفاتكة بهم، ويقول-تواضعا-إنه ليس صدرهم، بل هو فرد منهم، ويقول إنه خدن وصديق للعلا ورفيق للندى والكرم ووليد للمجد، وإنه ليخوض معهم الحرب وقد أصاب النقع أو الغبار الظّبا بغير قليل من الخضرة كما أصاب الحلل والثياب بغير قليل من الكدرة، وهو يندفع-مثلهم-إلى الأعداء، مقتحما إليهم المنايا الحمر التى تسحقهم سحقا.
وبهذه الروح العاتية التى لا تقهر، يقول الطبيب الشاطبى أبو عامر محمد بن ينّق (١) المتوفى فى آخر سنة ٥٤٧:
دعنى أصاد زمانى فى تقلّبه ... فهل سمعت بظلّ غير منتقل
وكلما راح جهما رحت مبتسما ... كالبدر يزداد إشراقا مع الطّفل
ولا يرو عنك إطراقى لحادثة ... فالليث مكمنه فى الغيل للغيل
وما تأطّر عطف الرّمح من خور ... فيه ولا احمر صفح السيف من خجل
لا غرو أن عطّلت من حليها هممى ... وهل يعيّر جيد الظبّى بالعطل
وهو يقول دعنى أصادى الزمان وأعارضه فى تقلباته بى وأحداثه معى، وهل سمعت بظل ثابت فى مكانه، ومهما تجهّم لى ونظر إلىّ مكفهرّ الوجه فسأظل مبتسما كالبدر يزداد إشراقا مع الطفل أو الظلام الداجى، وإذا رأيتنى مطرقا إزاء حادثة ملمة فإنه إطراق الليث فى غيله للوثوب على فريسته، ومهما يصبنى من أحداث فلن تثنى إرادتى، وحتى إن ظنّ أنها تنثنى فهو تثنى حد الرمح شديد المضاء، وسأظل قاطعا نافذا كالسيف تسيل على صفحته الحمراء حمرة الظفر، لا حمرة الخجل. وإن هممى لأعظم من أن تتحلى بالرماح والسيوف، فهى أحد من أى سيف وأمضى من أى رمح، وإنها مجردة من تلك الحلى تجرد جيد الظبى رائع الجمال. وهو زهو ما بعده زهو وعجب لا يماثله عجب بمروءته وشخصيته ورجولته.
ونلتقى بسهل بن مالك الأزدى الغرناطى البارع فى العلوم القديمة والحديثة، وكانت
стр. 3853
قد نالته محنة فى عهد ابن هود صاحب مرسية (٦٢٥ - ٦٣٥) وغرّب عن غرناطة إلى أن مات ابن هود فعاد إليها وهو يردد (١):
وإنّى من عزمى وحزمى وهمتّى ... وما رزقته النفس من كرم الطّبع
لفى منصب تعلو السماء سماته ... فتثبت نورا فى كواكبها السّبع
تدرّعت بالصبر الجميل وأجلبت ... صروف الليالى كى تمزّق لى درعى (٢)
فما ملأت قلبى ولا قبضت يدى ... ولا نحتت أصلى ولا هصرت فرعى (٣)
فإن عرضت لى لا يفوه بها فمى ... وإن زحفت لى لا يضيق لها ذرعى (٤)
ونفس سهل-حقّا-كانت نفسا كبيرة لم تنكسر لما نزل به من محنة، بل ظل رابط الجأش قوىّ النفس أمام صروف الدهر وهمومه إلى وفاته سنة ٦٣٩. ولابن (٥) جزىّ الماز ذكره المتوفى سنة ٧٨٥:
وكم من غادة كالشمس تبدو ... فيسلى حسنها قلب الحزين
غضضت الطّرف عن نظرى إليها ... محافظة على عرضى ودينى
وهو يفتخر بعفافه، وليوسف الثالث سلطان غرناطة فخر كثير وسنخصه بكلمة، ولم نعرض لفخر الأندلسيين بأشعارهم، وهو عندهم-كما عند المشارقة-كثير، وحسبنا الآن أن نقف عند ثلاثة من شعرائهم فسحوا للفخر فى أشعارهم، وهم سعيد بن جودى وعبد الملك بن هذيل ويوسف الثالث.
سعيد (٦) بن جودى السعدىّ
هو سعيد بن سليمان بن جودى بن أسباط بن إدريس السعدى من هوازن من جند
стр. 3854
دمشق الداخلين إلى الأندلس فى عهد الولاة، ولى جده الأقرب جودى بن أسباط- كما يقول ابن حيان-الشرطة للأمير الحكم الربضى (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) وصحب سعيد-كما ذكرنا منذ قليل-سوار بن حمدون المحاربى أمير عرب إلبيرة المنازعين للمولدين والمسالمة والنصارى من أهل تلك الكورة أيام نشوب الفتنة العصبية بها لأول عهد الأمير عبد الله. وتحيز سوار بأصحابه إلى حصن غرناطة فملكه ودانت له العرب فى تلك الأنحاء واتخذ سعيد بن جودى-وكان شاعرا-أهم مساعد له فى حركته لشجاعته وبأسه وفروسيته، ومر بنا كيف استطاع سوار أن يأخذ ثأر زعيم العرب قبله فى تلك المنازعة مع المولدين وأصحابهم: يحيى بن صقالة، إذ قتل منهم فيما يقال سبعة آلاف، ونرى ابن جودى يرميهم حينئذ بشواظ من شعره منشدا:
قد طلبنا بثأرنا فقتلنا ... منكم كلّ مارق وعنيد
قد قتلناكم بيحيى وما إن ... كان حكم الإله بالمردود
فاصطلوا حرّها وحرّ سيوف ... تتلظّى عليكم كالوقود
لم تزالوا تبغونها عوجا حتّ ... ى وردتم للموت شرّ ورود
ويقول إنهم قتلوا يحيى بن صقالة غدرا، ويشيد بشجاعته وجوده وحلمه وتقواه ويدعو الله أن يجزيه جزاء الشهداء الأبرار. ويحشد المولدون ومن يؤيدهم من المسالمة والنصارى جموعهم ويهاجمون غرناطة، فتدور عليهم الدوائر وتحصد سيوف العرب منهم اثنى عشر ألفا، ويرميهم بقصيدة ملتهبة، يقول فيها:
لقيتم لنا ملمومة مستحرّة ... تجيد ضراب الهام تحت العوامل (١)
وظلّت سيوف الهند تحصد جمعكم ... حصاد زروع أينعت للمناجل (٢)
ولم يبق منكم غير عان مصفّد ... يقاد أسيرا موثقا فى السلاسل (٣)
وآخر منكم هارب قد تضايقت ... به الأرض يعدو من جوى وبلابل (٤)
ولم يلبث سوار قائد هاتين المعركتين أن قتل بحيلة دبرها المولدون سنة ٢٧٧ فأمّر العرب مكانه فى زعامتهم سعيد بن جودى صاحبه، وظل يذود عنهم ذياد الأبطال سبع
стр. 3855
سنوات طوال، مثيرا فيهم الحماسة والحمية لمنازلة خصومهم. ويبدو أن شعرا حماسيا كثيرا لسعيد نظمه فى تلك الحروب سقط من يد الزمن، من ذلك قصيدة دالية لم يبق منها إلا هذا البيت:
وما كان إلا ساعة ثم غودروا ... كمثل حصيد فوق ظهر صعيد (١)
وله مرثية فى بطل وربما رثى بها سوار بن حمدون أو بعض أصحابه من الفرسان ممن لقوا حنفهم فى تلك الحروب، وله أيضا بعض أشعار غزلية، ويقول ابن الأبار إنه يشوبها بشجاعته على شاكلة أبى دلف قائد المأمون فى غزلياته. وله فى جارية تسمى جيجان سمعها بقرطبة تغنى للأمير عبد الله فى إمارة أبيه محمد، فهام بها دهرا دون أن يراها وفيها يقول:
سمعى أبى أن يكون الروح فى بدنى ... فاعتاض قلبى منه لوعة الحزن
أعطيت جيجان روحى عن تذكرها ... هذا ولم أرها يوما ولم تزنى
فقل لجيجان يا سؤلى ويا أملى ... استوص خيرا بروح زال عن بدن (٢)
كأننى واسمها والدمع منسكب ... من مقلتى راهب صلّى إلى وثن
ومن عجب أن قتل هذا الفارس البطل غيلة بأيدى بعض أصحابه فى شهر ذى القعدة من سنة ٢٨٤.
عبد الملك (٣) بن هذيل
هو أبو مروان عبد الملك بن هذيل ، كان أبوه هذيل بن خلف بن رزين من أكابر جند البربر، وفى أول الفتنة بقرطبة سمت نفسه إلى اقتطاع كورة السهلة بين طليطلة وسرقسطة، وتم له ذلك بالاتفاق مع أمراء البلدتين بحسن سياسته وتدبيره. ومرّ بنا أنه أول من أفرط من ثمن القينات من أمراء الطوائف وأنه اشترى قينة بثلاثة آلاف دينار كانت أديبة تحسن الغناء مع معرفة بالطب والتشريح وعلم الطبيعة واللعب بالسيوف والخناجر المرهفة، وابتاع لها هذيل قينات مغنيات مشهورات بالتجويد فكانت ستارته أرفع ستائر أمراء الطوائف. والستارة عندهم تعنى المسرح الذى كانت تغنى وترقص عليه