← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

شعرها، وسواء كان هذا أو ذاك هو السبب فإن ابن زيدون أخطأ فى حقها أو فى حقّ شعرها خطأ كبيرا. ويقال إنها صبت إلى أديب نابغ ثرى ممن كانوا يختلفون إلى منتداها هو ابن عبدوس وصبا إليها، فطار صواب ابن زيدون، وكتب إليه رسالته الهزلية ساخرا منه كما كتب إليه قصائد مهددا متوعدا، غير أن ولادة لم تصفح عنه، وظل مبعدا محروما. وغزله فيها-كما صورنا ذلك فى كتابنا عنه-يصور ثلاث مراحل: مرحلة وصله، ومرحلة هجره، ومرحلة يأسه، وغزل المرحلة الأولى فيه بهجة وفرحة، إذ ينعم بقرّة عينه ويسعد سعادة لا حدود لها. أما غزل المرحلة الثانية ففيه الشكوى والحرقة والالتياع العميق والحسرة على فردوسه المفقود. بينما غزل المرحلة الثالثة غزل المبتئس الباكى النادب لحظه. وغزله يعدّ فى الذروة من الغزل العربى وخاصة غزل المرحلتين الثانية والثالثة، لما يصور فيهما من لوعاته المحرقة الممضة، ومن أروع قصائده الغزلية فى صاحبته قافيته التى يستهلها بقوله: إنى ذكرتك بالزّهراء مشتاقا ... والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا وهو يذكر منتداها فى قصرها بضاحية الزهراء وما تموج به من رياض وبساتين، وتغمره اللوعة واللهفة على لقائها ويشرك الرياض التى طالما جاسا معا خلالها وتجوّلا بين أشجارها وأزهارها وطيرها ومياهها فى أحاسيسه ومشاعره، وكأنها تشاركه همومه، وأروع من هذه القصيدة قصيدته: أضحى التّنائى بديلا من تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا حالت لبعدكم أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضا ليالينا بالأمس كنا وما يخشى تفرّقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا يا جنّة الخلد أبدلنا بسلسلها ... والكوثر العذب زقّوما وغسلينا (١) والقصيدة تكتظ بالحنين وبلوعات قلب محترق وزفراته، ولعل يأسه من ولادة هو الذى دفعه إلى مغادرته قرطبة مسقط رأسه إلى إشبيلية، لعله يستطيع أن ينسى حبه أو يسلوه، ويقول صاحب الصلة إنها عمرت عمرا طويلا ولم تتزوج قط، وتوفيت سنة ٤٨٤ بعد أن خلدت اسمها فى تاريخ الشعر العربى وتاريخ المرأة الأندلسية.

стр. 3922

ابن الزّقاق (١) اللّخمى هو أبو الحسن على بن إبراهيم بن عطية اللخمى البلنسى المعروف باسم ابن الزّقاق، وهو ابن أخت الشاعر الأندلسى المشهور ابن خفاجة، رزق به أبوه فى أواخر العقد التاسع من القرن الخامس الهجرى، ويصل بعض مترجميه بين أبيه وبين أسرة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية فى عصر أمراء الطوائف، ويقولون إنه حين خلع يوسف بن تاشفين المعتمد من إمارة إشبيلية اختفى الأب وهاجر إلى بلنسية، واستوطنها، وعمل بها مؤذنا بمسجدها الكبير. وفى نفح الطيب رواية تزعم أن أباه كان فقيرا جدا وأنه كان صاحب حانوت يكبّ فيه على صناعة الزّقاق، وأنه كان يتلوم ابنه لسهره ليلا يشتغل بالآداب، لما يكلفه ذلك من الزيت الكثير لمصباحه، ويقال إنه نال بأولى قصائده فى أمير بلنسى ثلاثمائة دينار، فأتى بها إلى أبيه ووضعها فى حجره، وقال له: اشتر بها زيتا، ونظن ظنا أن هذا الخبر غير صحيح وأن صاحبه حاول به تفسير لقب أبيه المتصل باسمه: ابن الزقاق. ولا نعرف أهذا اللقب كان لأبيه أو لأحد أجداده، ويغلب أن لا يكون له أى صلة بزقاق الخمر وأن هذا الأب أو الجد لقب «زقّاقا» لسمنه الزائد وانتفاخ كرشه، كما أشارت إلى ذلك عفيفة ديرانى محققة ديوانه. وعنى الأب بتربية ابنه لما رأى فيه من مخايل الذكاء حتى إذا شبّ لزم دروس ابن السيد البطليوسى وعلى يديه درس العربية والآداب. وتفتحت موهبته مبكرا، وأخذ يلفت نظر الشعراء والأدباء فى بلدته. وامتدح بعض الكبراء من بنى عبد العزيز أمراء بلنسية قديما قبل مولده وبعض القضاة ويحيى بن غانية أمير بلنسية ومرسية لعهد على بن يوسف بن تاشفين. وكان قليلا ما يمدح أميرا أو كبيرا، إذ كان يترفع عن المديح، ونوه بذلك مرارا فى شعره من مثل قوله: أنا من تمنّته الملوك فلم أعج ... منها على ذى طارف وتلاد (٢) فالملوك لزمنه كانت تتمنى أن يصوغ لهم شيئا من مدائحه، وكان يتمنّع عليهم لإباء نفسه وشعوره العميق بكرامته. وفى الديوان مراث مختلفة وبينها مرثية حارة فى سيدة

стр. 3923

لعلها زوجته كما ترجح محققة الديوان، وقد رزق منها بنجلين: محمود وإبراهيم، ويصور حبه لهما وعاطفته الأبوية نحوهما بإحدى قصائده. والديوان موزع بين موضوعين كبيرين هما الغزل وحب الطبيعة، والغزل تارة يقدم به إحدى قصائد المديح، وتارة ثانية يخلطه بالطبيعة مضيفا إلى النشوة بها النشوة بالخمر، ومن بواكير غزله قوله فى مقدمة إحدى مدائحه: يا شمس خدر ما لها مغرب ... أرامة خدرك أم يثرب (١) ذهبت فاستعبر طرفى دما ... مفضّض الدّمع به مذهب ناشدتك الّله نسيم الصّبا ... أنّى استقرّت بعدنا زينب لم تسر إلا بشذى عرفها ... أولا فماذا النّفس الطيّب (٢) إيه وإن عذّبنى حبّها ... فمن عذاب النفس ما يعذب وتتضح فى هذه الأبيات المبكرة-كما يقول الرواة-الخاصة الفنية الرائعة التى أشار إليها أبو الوليد الشقندى فى بيانه براعة الأندلسيين فى الشعر، وهى أن ابن الزقاق يتناول فى أشعاره الصور والأخيلة التى تداولها الشعراء قبله مرارا وتكرارا حتى غدت كالثوب الخلق البالى، فإذا هو يبثّ فيها حياة وحيوية فتصبح جديدة نضرة مغربا فى ذلك أحسن إغراب وأطرفه، على نحو ما يتضح فى تلك الأبيات، فقد أخذ عن الشعراء استعارة الشمس لصاحبته فى البهاء والجمال، وأضاف إليها أنها شمس لا تغرب، إذ ما تنى طالعة فى خدرها مشرقة، ويناشد نسيم الصبا أين مستقر صاحبته؟ ويذكر أن شذاها يفوح لا من حولها فحسب، كما يقول الشعراء، بل فى النسيم ذاته بدليل أنفاسه المحملة بأريج هذا الشذى، ويقول: سل الرّيح عن نجد تخبّرك أنها ... معطّرة الأنفاس مذ سكنت نجدا وأنّ الغضا والسّدر مذ جاورتهما ... بطيب شذاها أشبها البان والرّندا فصاحبته منذ سكنت نجدا أحالت الريح فيها إلى أنفاس معطرة، بل لقد أحالت الغضا والسدر من أشجار البادية العادية إلى أشجار البان والرند التى طالما ذكرها الغزلون واستدارت من حولها فى أخيلتهم هالات الجمال لمحبوباتهم. ومن قوله فى مقدمة إحدى مدائحه:

стр. 3924

ولقد مررت على الكثيب فأرزمت ... إبلى ورجّعت الصّهيل جيادى (١) ما بين ساحات لهم ومعاهد ... سقيت من العبرات صوب عهاد (٢) والورق تهتف حولهم طربا بهم ... وبكل محنية ترنّم شادى (٣) والبيت الأول يكتظ بالحنين لصواحبه وراء الكثيب وحوله، حتى الإبل جمدت فى مكانها ولا تريد أن تفارقه، وتجاوبت الخيل بصهيلها، فهى لا تريد أن تبرحه. ويدعو لساحاتهن ومعاهدهن أن تظل تسقى بعبرات المحبين، ويسوق الحمام الورق لا ليصور فيه حنينه وأنينه لفراق صواحبه على عادة الشعراء، بل ليصور بهجته، فهو يشدو لهن طربا. وتكثر فى غزله مثل هذه الصور الطريفة من مثل قوله فى وصف دقة الخصر: أسائلها أين الوشاح وقد أتت ... معطّلة منه معطّرة النّشر فقالت وأومت للسّوار نقلته ... إلى معصمى لما تقلقل فى خصرى وقوله: وقفت على الربوع ولى حنين ... لساكنهنّ ليس إلى الرّبوع ولو أنى حننت إلى مغانى ... أحبّائى حننت إلى ضلوعى وقوله: تحاذر من عمود الصبح نورا ... مخافة أن يلمّ بنا افتضاح ولم أر قبلها واللّيل داج ... صباحا بات يذعره صباح والتعبير عن نحول الخصر بنقل السوار إليه تعبير طريف، وبالمثل تعبيره عن أضلاعه بأنها غدت معاهد وربوعا لمحبوباته، وتصويره لما جال فى نفس صاحبته من خوف بل من ذعر حين أخذت تتفلّت فى الأفق تباشير الصباح، ويعجب لفزع صباح إنسى من صباح كونى. وقد توفى ابن الزقاق سنة ٥٢٨ ولم يبلغ الأربعين من عمره، ولعل فيما قدمنا ما يكفى للدلالة على خصب شاعريته وأخيلته.

стр. 3925

أبو جعفر (١) بن سعيد وحفصة الرّكونيّة هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد، من سلالة عمار بن ياسر، نزل أسلافه قلعة فى إقليم غرناطة نسبت إليهم، وحين نشبت فتنة قرطبة فى نهاية القرن الرابع وظلت إلى نحو الربع الأول من القرن الخامس الهجرى استقلت بها هذه الأسرة، وعادت إلى الاستقلال بها فى نهاية عصر المرابطين حين نشبت عليهم الفتنة فى الأندلس. ثم دان زعيمهم عبد الملك بن سعيد للموحدين وكان قبل إعلان ولائه لهم حاول أن يتخذ من ابنه أبى جعفر أحمد وزيرا له يدبر معه شئون القلعة، وكان شاعرا وفى ريعان شبابه فاعتذر له بأنه صاحب لهو وطرب، ولا يصلح لوزارته، فأعفاه، ومضى يعيش للهوه مع رفاقه، حتى إذا نزل عبد المؤمن بجبل الفتح سنة ٥٥٦ وأقبلت إليه وفود الأندلس تعلن ولاءها له رأيناه يفد عليه مع أبيه ويقدم إليه بعض مدائحه. وولّى عبد المؤمن على بلدان الأندلس بعض أبنائه وقواده، وكانت غرناطة من نصيب ابنه أبى سعيد عثمان، وكانت فيه صرامة مع محبته للآداب وإسباغ المكافآت والنوال على الشعراء. وطلب وزيرا أديبا من أهلها يستعين به ووصف له أبو جعفر وحسبه وأدبه فاستوزره، وحاول أن يستعفيه، فأبى، وتقلد وزارته. وكان أبو جعفر قد كلف بفتاة شاعرة ذات جمال وحسب وثراء هى حفصة الرّكونيّة، وكان أبوها قد لفته ذكاؤها، فعنى بتربيتها، وأتاح لها من الحرية ما جعلها تلقى الأدباء والشعراء وتحاورهم، وتأخذ سريعا مكانة رفيعة فى بلدتها، ويبلغ من مكانتها أن تفد على عبد المؤمن بجبل الفتح وأن تنشده متلطفة: يا سيّد الناس يا من ... يؤمّل الناس رفده امنن علىّ بطرس ... يكون للدّهر عدّه تخطّ يمناك فيه ... الحمد لله وحده مشيرة بالشطر الأخير إلى العلامة السلطانية عند الموحدين، إذ كان سلطانهم يكتب

стр. 3926

بخط يده فى رأس كل منشور: الحمد لله وحده. وأعجب بها عبد المؤمن واستنشدها من شعرها وأنشدته ما زاده إعجابا، ويبدو أن ابنه عثمان الذى تولى غرناطة بعد ذلك رآها حينئذ وبهره جمالها. فلما ولى غرناطة حاول القرب منها عن طريق وزيره أبى جعفر، ولا بد أنه عرف ما كان قد انعقد بينهما من حب وهو ليس حب مجون، بل حب طهارة وعفاف على نحو ما عرف عن فتيات الأندلس وسيداتها من تحرر ومن لقاءات بينهن وبين الشعراء فى قصورهن، وفى الحدائق والرياض، إذ كن أحيانا يمضين فيها بعض الليالى مع من يهواهن وظلت ذكرى ليلة قضاها أبو جعفر مع حفصة فى بستان بمتنزه يسمى «حور مؤمّل» عبقة فى نفسه حتى ليكتب إليها: رعى الله ليلا لم يرح بمذمّم ... عشيّة وارانا بحور مؤمّل وقد خفقت من نحو نجد أريجة ... إذا نفحت هبّت بريّا القرنفل وغرّد قمرىّ على الدّوح وانثنى ... قضيب من الريحان من فوق جدول فهو يدعو لليل الذى نعم فيه مع حفصة باللقاء بين نسيم الرياض ونفحاتها التى تحيى القلوب أن يسبغ الله دائما عليه رعايته. وتجيبه: لعمرك ما سرّ الرياض بوصلنا ... ولكنّما أبدت لنا الغلّ والحسد ولا صفّق النّهر ارتياحا لقربنا ... ولا غرّد القمرىّ إلا لما وجد وكأنها تحدث عن حسد الناس لهما وأنهما لن يتركوهما ينعمان بحبهما، ويقطفان من أزهاره ما يعنّ لهما وما يمتعان به روحاهما، واتصل بينهما الحب واللقاء فكتبت إليه وقد استبطأت لقاءه: أزورك أم تزور فإنّ قلبى ... إلى ما تشتهى أبدا يميل فعجّل بالجواب فما جميل ... أناتك عن بثينة يا جميل وهى تشير إلى حب جميل لبثينة حبا عذريا شاع ذكره فى بوادى نجد والحجاز لعصر بنى أمية. وأجابها مصورا ولعه بها وتوقيره لها: أجلّكم مادام بى نهضة ... عن أن تزوروا إن وجدت السّبيل ما الرّوض زوّارا ولكنما ... يزوره هبّ النسيم العليل فالروض لا يزور ومثله الفاتنة التى ملكت قلب صاحبها وخلبت لبه، وإنما يزوره

стр. 3927

النسيم العليل يستشفى بشذاه وأريجه. ويبدو فى أشعارها له أنه استأثر بقلبها وأنه لم يدع فيه مكانا لسواه حتى لتنشده ملتاعة بحبه ناعمة به سعيدة، غير منكرة غيرتها عليه: أغار عليك من عينى ومنّى ... ومنك ومن زمانك والمكان ولو أنى خبأتك فى عيونى ... إلى يوم القيامة ما كفانى فهى تغار عليه غيرة لا تماثلها غيرة، حتى لتغار منه هو ومن كل ما يحيطه به من زمان ومكان، وتقول لو أنها خطفته ووضعته وراء جفونها فى عيونها إلى يوم القيامة ما كفاها. وبينما هى تنعم بهذا الحب مع أبى جعفر إذا عثمان بن عبد المؤمن صاحب السلطان فى غرناطة ومن له كل الأمر والتدبير يعترض طريقهما المفروش بالورود والرياحين، وتخشى حفصة العاقبة، وتحاول أن تناوره وتداوره فتستأذن عليه فى يوم عيد كاتبة إليه: يا ذا العلا وابن الخلي ... فة والإمام المرتضى يهنيك عيد قد جرى ... منه بما تهوى القضا وافاك من تهواه فى ... طوع الإجابة والرّضا ويمتلئ قلب عثمان على كل من العاشقين موجدة وغيظا، وتزيده الوشايات موجدة على موجدة وغيظا على غيظ، إذ يقال له إن أبا جعفر قال لحفصة عنه: ما تحبين فى ذلك الأسود-وكان لون بشرته مائلا إلى السواد-فأسرّها فى نفسه، ونقلوا إليه أنه قال: فقل لحريص إذ يرانى مقيّدا ... بخدمته لا يجعل الباز فى القفص وواتت عثمان الفرصة للانتقام، فإن أخا أبى جعفر عبد الرحمن فرّ إلى ابن مردنيش الثائر فى شرقى الأندلس على الموحدين، ويبدو أن أبا جعفر فكر فى الانضمام إلى أخيه، فأمر عثمان بقتله، وقتل صبرا فى مالقة سنة ٥٥٩ للهجرة. وبكته حفصة طويلا وندبته ندبا حارّا ولبست عليه السواد، وهجرت غرناطة لغريمها عثمان إلى مراكش ولقيت أخاه سلطان الموحدين يوسف، وأنشدته من الشعر ما جعله يعطف عليها ويفسح لها فى قصره معلمة لفتياته، وتظل معززة مكرمة فى عاصمة الموحدين إلى أن لبت نداء ربها سنة ٥٨٦ الهجرة.

стр. 3928

ابن خاتمة (١) هو أبو جعفر أحمد بن على بن خاتمة الأنصارى المريّى، ولد فى نهاية القرن السابع أو مطلع القرن الثامن إذ يقال إنه توفى سنة ٧٧٠ أو قبلها بقليل عن سبعين عاما. وليس بين أيدينا ما يوضح نشأته وثقافته، غير أن فى نهوضه بالإقراء للقرآن الكريم فى مسجد المرية الجامع ما يشهد بأنه كان متعمقا فى الثقافة الإسلامية من قراءات الذكر الحكيم ومن الفقه والحديث النبوى، وتؤكد ذلك مؤلفاته وأشعاره وما تحمل من إشارات ثقافية إسلامية وأخرى لغوية. ونرى فى أخباره زيارات كثيرة لغرناطة وانعقاد صلات بينه وبين أعلامها وخاصة وزيرها لسان الدين بن الخطيب، مما يدل على أنه اتصل بالأعمال الديوانية لأمير غرناطة، ولعله عمل كاتبا مدة فى دواوين المرية بلدته التى كانت تتبع أمير غرناطة، إذ يذكر فى ترجمته أنه تخلّى عن الكتابة، حتى إذا طلب إليه أن يعود إليها أنشد: تقضّى فى الكتابة لى زمان ... كشأن العبد ينتظر الكتابه وكتابة العبد التى يشير إليها هى أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه إليه مقسّطا، فإذا أدّاه صار حرّا، وهو يقول إننى قضيت فى الكتابة زمانا غير قصير. مما يدل على أنه ظل يعمل فى الكتابة لأولى الأمر ببلدته فترة وأنه استعفى منها فأعفى، وبذلك ردّت إليه حريته ولن يعود إلى حمل نير الكتابة أبدا. وتدل مؤلفاته أوضح دلالة على اتساع ثقافته وأنه لم يقف بها عند الثقافة الدينية واللغوية، بل اتسع بها لتشمل الطب من علوم الأوائل كما يتضح فى كتابه: «تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد» وفيه يتحدث عن وباء الطاعون الذى اجتاح المرية فى عامى ٧٤٩ و ٧٥٠ ويفصل القول فيه وفى أسبابه. وله فى التاريخ الأدبى كتاب مزية المريّة على غيرها من البلاد الأندلسية، وله فى اللغة كتاب سماه: «إلحاق العقل بالحس فى الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس» وكتاب

стр. 3929

«إيراد اللآل من إنشاد الضوال وإرشاد السؤّال». وله فى الأدب رسالة صغيرة فى «الفصل العادل بين الرقيب والواشى والعاذل» وكتاب «رائق التحلية فى فائق التورية» وليس دراسة فى التورية وإنما هو أشعاره الذى صاغها للتورية، وبها توريات عن مصطلحات علمية متنوعة. وديوان ابن خاتمة فى نحو مائتى صفحة، وهو موزع على أربعة أقسام: قسم فى المدح والثناء، وقسم فى التشبيب والغزل، وقسم فى الملح والفكاهات، وقسم فى الوصايا والحكم، ونبذة كبيرة من الموشحات استغرقت نحو أربعين صحيفة، وتليها مستدركات المحقق على الديوان. وأكبر الأقسام قسم التشبيب والغزل وهو فى نحو خمسين صحيفة تضم تسعا وأربعين منظومة بين قصيدة ومقطوعة. ونشعر منذ أول قصيدة نقرؤها فيه أن منظوماته ليست ثمرة تجارب حقيقية فى الحب، إنما هى محاولات لمحاكاة شعراء الغزل والنسيب السابقين، إذ يختار ابن خاتمة لنفسه وزنا من أوزان الشعر، وينظم فيه أبياتا تتحدث عن الحب حديثا كله تكلف وتصنع لبيان قدرته على النظم فى هذا الغرض القديم من أغراض الشعر العربى، وفيه تتجمع العناصر البدوية من أسماء المواضع والأشجار والأزهار والآرام وغير الآرام من مثل قوله: تهبّ نسيمات الصّبا من ربى نجد ... فينفحن عن طيب ويعبقن عن ندّ (١) وما ذاك إلا أنهنّ يجلن فى ... معاهدنا بين الأثيلات والرّند (٢) معاهد نهواها وتهوى لقاءنا ... بها قد مضى حكم العفاف على الودّ وفى القبّة البيضاء بيضاء لوبدت ... لشمس الضحى يوما لحارت عن القصد (٣) تطلّع عن صبح من الوجه نيّر ... وتغرب عن ليل من الشّعر مسودّ ونسيج الصياغة فى الأبيات به غير قليل من الضعف، والمعانى والصور مكررة معادة دون تحويرات فيها-على نحو ما رأينا عند ابن الزقاق-تعيدها خلقا جديدا، ودائما الخد كالورد والريق كالشهد والمبسم كالعقد والصدغ كالعقرب. وقد يختلط الغزل بالحماسة ولكن دون حرارة ومع غير قليل من التكلف كأن يزعم أن مقلة صاحبته تغير على الورى وأن أناملها النواعم مخضّبة بدمائهم. ولا نظلم ابن خاتمة فهو من أنبه الشعراء فى زمنه، غير أن الشعر حينئذ نضب معينه، واستحال فى كثير من جوانبه إلى

стр. 3930

صور من التكلف الشديد، وقد أصبح التصنع بدع العصر للإتيان بمحسنات البديع من جناس وطباق ولف ونشر وتوريات وبذلك لم يعد الشعر فى جمهوره يعبر عن عواطف ومشاعر صادقة للشاعر، وربما كانت أجمل مقطوعة غزلية لابن خاتمة قوله: زارت على حذر من الرّقباء ... والّليل ملتفّ بفضل رداء تصل الدّجى بسواد فرع فاحم ... لتزيد ظلماء إلى ظلماء فوشى بها من وجهها وحليّها ... بدر الدّجى وكواكب الجوزاء أقسمت لولا عفّة عذريّة ... وتقى علىّ له رقيب رائى لنقعت غلّة لوعتى برضابها ... ونضحت ورد خدودها ببكائى ومع ذلك فإننا نشعر بغير قليل من التكلف فى المقطوعة على نحو ما نرى فى الشطر الثانى من البيت الثانى، والصور فى البيت الثالث متراكمة، وقسمه الذى مهّد به لعفته وتقاه الذى يراقبه فى حبه، كل هذه صور من التكلف الشديد فى الغزل. ويخف هذا التكلف فى موشحاته بحكم القصر الشديد فى شطورها، وبذلك لا تظهر فيها هلهلة النسيج التى تلاحظ بوضوح فى كثير من أبيات شعره. ٢ - شعراء الطبيعة والخمر تتميز الأندلس بطبيعة فاتنة فى سهولها ووديانها وأنهارها وجبالها وغاباتها وأشجارها وأزهارها وبساتينها ومتنزهاتها، وهى طبيعة خلبت ألباب الشعراء هناك فتغنوا بمفاتنها ومشاهدها دائما باثّين فيها عواطفهم ومشاعرهم. وكان مما زادهم شغفا بها ما مرّ بنا من اختلافهم إلى المتنزهات والحدائق المحيطة ببلدانهم مع صواحبهم، ولذلك كثر عند شعراء الأندلس المزج بين الطبيعة والغزل، وأيضا كثر عندهم المزج بين الطبيعة والخمر، ونظن ظنا أن إقبالهم على الخمر إنما كان بسبب مزاجهم الحاد العنيف الذى ولدته فيهم حربهم الدائمة لنصارى الشمال، إذ تقوم حياة المحارب دائما على الحدة والعنف والإقبال على فنون المتاع. وكان من آثار ذلك أن كثر عندهم شعر الخمر مقرونا بالطبيعة أو بها وبالحب، وكثيرا ما يسوقون ذلك فى مقدمات مدائحهم، ولا نستطيع الحديث عن شعراء الطبيعة والخمر فى قسمين متقابلين كما صنعنا فى حديثنا عن شعراء الفخر والهجاء، إذ هما

стр. 3931

ممتزجان، مما يجعلنا نسوق الحديث عنهما معا. وقد يكون من الطريف أن نلتقى عند عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة الأموية فى تلك الديار بمقطوعة له فى وصف نخلة ببستان قصره فى قرطبة المسمى منية الرّصافة، وهى تمضى على هذا النمط (١): تبدّت لنا وسط الرّصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النّخل فقلت: شبيهى فى التغرّب والنّوى ... وطول التنائى عن بنىّ وعن أهلى نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك فى الإقصاء والمنتأى مثلى وكأن هذه النخلة رمز العرب هناك، وكأن هذه القطعة الشعرية أيضا بدورها رمز لهم بما تحمل من حنين لا ينقطع إلى الوطن البعيد، حنين مبثوث فى هذه النخلة الغريبة التى نقلها العرب إلى تلك الديار النائية القاصية البعيدة. وكما نقلوا النخلة معهم نقلوا إلى أشعارهم كل العناصر البدوية النجدية من أطلال وغير أطلال، ونقلوا ما استحدثه العباسيون فى وصف الطبيعة وسكبوا عليه من بيئتهم ومشاعرهم وأخيلتهم ما بث فيه الحياة والحيوية على نحو ما نجد فى هذه الأبيات البديعة المبكرة، وكأنها إرهاص لما يستشعره الشاعر الأندلسى من تمثل عناصر الطبيعة لمشاعر الإنسان. ونقلوا- بجانب ذلك-ما استحدثه العباسيون فى الخمر وخاصة أبا نواس، وممن حاول محاكاته مبكرا يحيى الغزال الذى ترجمنا له بين الهجائين، وله قصيدة على طريقة أبى نواس تصور مغامرة له فى حان من حانات الخمارين وفيها يقول (٢): ولما أتيت الحان ناديت ربّه ... فثاب خفيف الروح نحو ندائى فقلت أذقنيها فلما أذاقها ... طرحت عليه ريطتى وردائى (٣) وهو يقول إنه حين ذاق خمر صاحب الحان بلغ من نشوته بها أن خلع ملابسه. وحرى بنا أن لا نأخذ مثل هذه الخمرية عند الغزال مأخذ الجد، فكثير من شعر الخمر-لا فى الأندلس وحدها بل فى كل البلدان العربية-كان يقال محاكاة لأبى نواس على سبيل الفكاهة فى المجالس، ومثل ذلك ما يقال فى وصف سقاتها والغزل بهم، فأكثر ذلك وجمهوره، إنما كان يقال على سبيل التندير والمداعبة، ولا يمثّل حقيقة ولا ما يشبه

стр. 3932

الحقيقة. ويقول عباس بن ناصح فى قطع مفازة ليلا (١): ومخوفة تنفى مخافتها ... نوم الفتى ذى المرّة النّدب (٢) للجنّ فى أجوازها لغط ... بالليل مثل تنازع الشّرب وترى بها جون النّعام إذا ... أشرفن كالمهنوءة الجرب (٣) وهو يصف سرى الليل فى فلاة مخوفة حتى ليخاف السرى فيها الشجاع شديد المضى. ويستلهم ما كرره طويلا ذو الرمة فى وصف الفلوات ليلا وعزيف الجن بها الذى يشبه كما يقول عباس بن ناصح لغط الشّرب، ويشبّه ما بها من النعام الأسود بالإبل الجرب المطلية بالقطران، وكأننا لا نقرأ لشاعر أندلسى فى القرن الثالث الهجرى وإنما نقرأ لشاعر نجدى من أمثال ذى الرمة. ويقول ابن عبد ربه فى وصف نهار ممطر (٤): نهار لاح فى سربال ليل ... فما عرف الرّواح من البكور وعين الشمس ترنو من بعيد ... رنوّ البكر من خلف السّنتور فالسحب منعقدة فى السماء والجو مظلم، ولا يدرى ابن عبد ربه هل الناس السائرون فيه باكرون أو مبكرون صباحا قبل طلوع الشمس أو هم رائحون أو راجعون، وأحيانا تتراءى عين الشمس رانية من بعيد، ولكن سرعان ما تختفى وراء السحب اختفاء الفتاة الرانية خلف الستور خجلا واستحياء. ونتقدم فى القرن الرابع الهجرى ونلتقى بيحيى بن هذيل وله أشعار كثيرة فى الربيع وأزهاره. وله فى وصف حمامة وأنينها محزونة لفراق صاحبها أو هديلها (٥): ومرنّة والدّجن ينسج فوقها ... بردين من طلّ ونوء باك (٦) مالت على طىّ الجناح وإنما ... جعلت أريكتها قضيب أراك (٧) وترنّمت لحنين قد حلّتهما ... بغناء مسمعة وأنّة شاك ففقدت من نفسى لفرط تلهّفى ... نفس الحياة وقلت من أبكاك وهو يقول إن الحمامة ترن وتصدح والغيم يملأ أقطار الأرض والسماء ناسجا فوقها

стр. 3933

رداءين من طل ومطر تذرفه السحب، وهى محزونة قد مال رأسها على طى الجناح متخذة من غصن الأراك أريكة لها ومقعدا، وشجاها فراق صاحبها فهى تترنم بغناء ممزوج بأنين، مما جعله يذكر حبه ويملؤه تلهفا لرؤية صاحبته حتى لكأنما يوشك أن يفقد الحياة. ويبكى من حرق هواه بصاحبته، ويسأل الحمامة سؤال العارف من أبكاك؟ فنحن فى الهوى سواء. وتكثر أشعارهم فى الأزهار، وكثيرون منهم يردون على ابن الرومى فى تفضيله النرجس على الورد، ولسعيد بن فرج فى الرد عليه قصيدة يقول فيها: (١) أزعمت أن الورد من تفضيله ... خجل وناحله الفضيلة عاند إن كان يستحيى لفضل جماله ... فحياؤه فيه جمال زائد فهو يجعل خجل الورد لاحمرار وجنته من جوهر حسنه يزيده جمالا على جمال، فهو ليس احمرارا ولا خجلا عارضا أمام النرجس، بل هو جزء لا يتجزأ من جماله. ونزل الرمادى ضيفا على صحب له فى مدينة وادى آش إلى الشمال الشرقى من غرناطة، وكان الوقت شتاء، وقدموا له احتفالا به باقة من الورد كانوا اجتلبوها من بجّانة فى الجنوب الشرقى، فتعجب من وجود الورد فى وادى آش شتاء، فقالوا له إنه من بجّانة، فأخلد إلى الصمت ولم يلبث أن لثمها وأنشد (٢) يا خدود الحور فى إخجالها ... قد علتها حمرة مكتسبه (٣) اغتربنا أنت من بجّانة ... وأنا مغترب من قرطبه واجتمعنا عند إخوان صفا ... بالنّدى أموالهم منتهبه إنّ لثمى لك قدّامهم ... ليس فيه فعلة مستغربه لاجتماع فى اغتراب بيننا ... قبّل المغترب المغتربه والمقطوعة مع سهولة ألفاظها تفيض بالعاطفة، وكأنه أعاد لنا حديث عبد الرحمن الداخل السابق إلى النخلة، فهو والوردة متماثلان فى الغربة، وأضاف إلى ذلك حبا للوردة ولثما وتقبيلا عند إخوان صفاء كرام كرما فيّاضا. وكان للمنصور بن أبى عامر الحاجب ثلاث جوار سماهن بأسماء الأزهار: بهار ونرجس وبنفسج، ونرى عبد الملك بن إدريس

стр. 3934

الجزيرى يجعل كلا منهن تخاطب مولاها متمثلة زهرتها ومحاسنها بين الأزهار فى مقطوعات (١) شعرية بديعة. ويقول الشريف الطليق فى نفس قصيدته الفريدة السالفة فى ترجمته (٢): وغمام هطل شؤبوبه ... نادم الروض فغنّى وسقى (٣) فى ليال ضلّ سارى نجمها ... حائرا لا يستبين الطّرقا أوقد البرق لها مصباحه ... فانثنى وجه دجاها مشرقا وشدا الرّعد حنينا فجرت ... أكؤس المزن عليه غدقا (٤) وغدت تحنو له الشمس وقد ... ألحفته من سناها نمرقا (٥) وقد بثّ الشريف الطليق فى الغمام الممطر والروض مشاعر مجلس أنس وطرب بما فيه من مغن وساق فى ليلة داجية، أمسى النجم فيها حائرا لا يتبين طريقه، وسرعان ما أشعل البرق لها مصابيحه، فاستحال وجهها الداجى المظلم مشرقا مضيئا، وأخذ الرعد يشدو ويغنى، فجرت أكؤس المزن غزيرة حتى انتشى الروض، وأصبح، فرأت الشمس ما أصاب الغصون وبعض الأزهار من المطر المنهمر ليلا، فعطفت على الروض وأشفقت عليه وكسته من سناها وضوئها طنافسها الذهبية، حتى يسرى فيه الدّفء. ولم نقف حتى الآن عند الخمريات لا لأنها كانت قليلة، فلم يكد يخلو شاعر ممن سميناهم فى هذا العصر الأموى من أشعار له فى الخمر، غير أنها فى جملتها تعد محاكاة وتقليدا لما قال المشارقة فيها. وربما كان الشريف الطليق أول شاعر نقرأ له فى الخمر أشعارا فيها شئ من الطرافة لملكاته الخيالية الخصبة من مثل قوله فى نفس القصيدة السالفة: ربّ كأس قد كست جنح الدّجى ... ثوب نور من سناها يققا (٦) بتّ أسقيها رشا فى طرفه ... سنة تورث عينى أرقا (٧) خفيت للعين حتى خلتها ... تتّقى من لحظه ما يتّقى

стр. 3935

أشرقت فى ناصع من كفّه ... كشعاع الشمس لاقى الفلقا (١) طلعت شمسا وفوه مغربا ... ويد الساقى المحيّى مشرقا فإذا ما غربت فى فمه ... تركت فى الخدّ منه شفقا والاستعارات فى الخمرية جيدة، فالكأس كست ظلام الدجى ثوب نور من ضوئها ناصع البياض، وقد بات يسقيها رشأ عيناه ذا بلتان كأن بهما سنة من النوم، وإن فتورهما وجماله ليؤرقه. ويقول إنها خمر روحانية، حتى إنها لا تكاد ترى، وكأنها تتوارى من لحظ هذا الرشأ خشية أن تصيبها سهامه، ويجعل يد الساقى مشرقا لتلك الشمس أو تلك الخمر، كما يجعلها تغرب فى فم الرشأ أو فم صاحبته. وكل ذلك فيه أصداء من خمريات أبى نواس، وقد نفذ إلى إضافة حين جعل يد الساقى مشرقا وجعل الخمر حين تغرب فى فم صاحبته تتحول فى الخد منها شفقا. ويتصور معاصره الفقيه سليمان بن محمد البطليوسى الأرض فى الربيع كأنها مجلس أنس كبير، يقول (٢): تبدت لنا الأرض مزهوّة ... علينا ببهجة أثوابها كأنّ أزاهرها أكؤس ... حوتها أنامل شرّابها كأن الغصون لها أذرع ... تناولها بعض أصحابها كأن تعانقها بالجنوب ... تعانق خود لأترابها كأنّ ترقرق أجفانها ... بكاها لفرقة أحبابها فالأرض قد ازدهت بأبهج أثوابها لهذا الاحتفال الكبير، وكأنما أزهارها تحولت إلى كئوس فى أنامل الشاربين تمدها لهم أذرعها من الغصون، مبتهجة فرحة بلقائهم، وريح الجنوب تعانق الغصون عناق خود أو شابة فاتنة لأترابها الفاتنات، ويتلفت فيجد النّدى على وجنات الأزهار وفى عيونها فيقول إن الدموع تترقرق فى أجفانها لفرقة أحبابها. ونلتقى بعده بعبادة بن ماء السماء، وسنخصه بكلمة. وكان يعاصره ابن شهيد بأخرة من العصر الأموى، وله فى زيارة دير أيام شبابه مع صحبه فى طلب الخمر واللهو: (٣) ولربّ حان قد شربت بديره ... خمر الصّبا مزجت بصفو خموره فى فتية جعلوا الزّقاق تكاءهم ... متصاغرين تخشّعا لكبيره

стр. 3936

يهدى إلينا الرّاح كلّ معصفر ... كالخشف خفّره التماح خفيره (١) وترنّم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عينى لرجع هديره وهو يقول إنه بات مع بعض رفاقه فى حانة دير اصطفت فيها الدنان وأخذوا يعبّون من الخمر متخذين من زقاقها متكئا لهم، كأنما يريدون أن لا يتركوا فيها بقية، وغلمان الدير يدورون عليهم بكئوسها وعين القسيس ترصدهم وترعاهم. وأخذتهم سنة من النوم، ودقّ ناقوس الكنيسة فى الصباح فأيقظهم من رقادهم. وحرى بنا أن نشير هنا إلى كتاب التشبيهات لابن الكتانى المتوفى حوالى سنة ٤٢٠ للهجرة، فكل ما فيه من عرض للشعراء مع طرائف تشبيهاتهم هو من إنتاج العصر الأموى بالأندلس، وقد خص شعر الطبيعة بنحو ستين صفحة وشعر الخمر بنحو عشرين صفحة، تتوالى فيها جميعا تشبيهات طريفة لكثرة من الشعراء الذين أظلهم هذا العصر ونالوا شيئا من الشهرة فيه، وقد بلغوا فى الكتاب جميعه نحو مائة شاعر، مما يدل بحق على أن الشعر نشط فى الأندلس لعصر بنى أمية-كما قلنا فى غير هذا الموضع-نشاطا عظيما. ونمضى إلى عصر أمراء الطوائف ونلتقى فى أوائله بأبى عبد (٢) الله محمد بن السراج شاعر بنى حمود بمالقة فى الجنوب الشرقى للأندلس على البحر المتوسط، وكان صبّا بمن اسمها حسن الورد وله فيها وفى الورد وفى الطائر المسمى حسّونا ويسمى عندهم أم الحسن أشعار كثيرة نذكر منها قوله: ذكرت بالورد حسن الورد شقّته ... حسنا وطيبا وعهدا غير مضمون هيفاء لو بعت أيامى لرؤيتها ... بساعة لم أكن فيها بمغبون فاشرب على ذكرها خمرا كريقتها ... وخصّنى بهواها حين تسقينى فورد الربيع على أغصانه يذكّره باسم صاحبته وبالورد المطبوع على خديها، ويقول إنها صنو للورد طيبا وحسنا وقصرا إذ أيامه قليلة. ويذكر لقاءات له معها، فيطلب إلى الساقى كأسا يشربه على ذكرها، وذكرى الأيام التى نعم فيها بقربها. وكان يزامله فى مديح بنى حمود أصحاب مالقة عبد الرحمن بن مقانا وسنخصه بكلمة ونلتقى

стр. 3937

بأبى عامر بن مسلمة صاحب كتاب حديقة الارتياح فى وصف حقيقة الراح الذى ألفه للمعتضد عباد أمير إشبيلية، وله فى وصف الخمر (١): خمرة ماتت زمانا ... بحجاب يحتويها لبثت فى بطن أمّ ... غيّبتها عن بنيها ألحدتها الدّنّ دهرا ... ثم عاد الرّوح فيها فانبرى منها سراج ... رائق من يجتليها وهو يقول إنها ماتت زمانا طويلا وراء حجاب دنّها أو سداده، ويزعم أنها ظلت فى بطن أمها حقبا لا تبرزها لبنيها من الكئوس، وما زالت الدن مدفونة، أو بعبارة أدق ما زالت الخمر مدفونة لا حياة فيها ولا روح، ثم قدّر لها أن يعيد الماء لها روحها وحياتها حين وضع فيها وامتزج بها، ولم تلبث أن بدا فيها سراج يروق الناظرين. وكان يعاصره فى إشبيلية أبو الوليد إسماعيل بن عامر الحميرى الملقب بحبيب المتوفى سنة ٤٤٠ عن اثنين وعشرين عاما، وله كتاب البديع فى وصف الربيع الذى تحدثنا عنه فى الفصل الثانى، وهو أحد مصادرنا المبثوثة فى الهوامش، وقد جمع فيه روائع مما للأندلسيين فى صفة الربيع وأزهاره ونواويره، وهو دليل واضح على كثرة ما نظم الأندلسيون فى الطبيعة مما أتاح له أن يؤلف فيها منتخباته البديعة فى مائة وستين صفحة، مما نظموه فيها. ولابن عمار أبيات فى الخمر والطبيعة اشتهرت قدّم بها مدحة للمعتضد عباد، وهى تمضى على هذا النمط (٢): أدر الزّجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنّجم قد صرف العنان عن السّرى والصّبح قد أهدى لنا كافوره ... لما استردّ الليل منّا العنبرا والرّوض كالحسنا كساه زهره ... وشيا وقلّده نداه الجوهرا روض كأن النهر فيه معصم ... صاف أطلّ على رداء أخضرا وموسيقى القصيدة وصياغتها وصورها على هذه الشاكلة من التفنن، وكأنما تحولت الدنيا والطبيعة إلى محفل راقص، حتى النجم كأنما ثبت فى مكانه لا يريم، واسترد الليل المرح الذى قضوه عنبره وسواده منهم، فأهداهم الصباح كافوره وضياءه المشرق، وتبرّج الروض فى وشيه وجواهره، وكأن النهر الذى يجرى فيه معصم صاف متلألئ بمياهه يشرف

стр. 3938

على بساط بل على رداء سندسى أخضر. وتتداخل صور الطبيعة فى مديح القصيدة ومعانيها مرارا كقوله السالف فى المعتضد: أندى على الأكباد من قطر النّدى ... وألذّ فى الأجفان من سنة الكرى وكان يعاصره بإشبيلية على بن حصن الماجن، وسنفرد له كلمة. ونمضى إلى عصر المرابطين، ونلتقى بعبد الله بن سارة، وله أشعار كثيرة فى الأزهار: النرجس وغيره وفى الخمر ومجالسها، ومن قوله فى النارنج (١): أجمر على الأغصان زادت نضارة ... به أم خدود أبرزتها الهوادج كرات عقيق فى غصون زبرجد ... بكفّ نسيم الرّيح منها صوالج نقبّلها طورا وطورا نشمّها ... فهنّ خدود بيننا ونوافج وابن سارة لا يدرى أيرى على الأغصان جمرا ناضرا أم خدودا لحسان تومض من بعيد على الهوادج، بل هى كرات من عقيق أحمر تتوّج غصونا من زبرجد أخضر، بل هى صوالج يرسلها النسيم بكفه إلى أعالى أشجارها حتى إذا تناولها بيده مضى يقبل فيها خدود الحسان ويشم أريجها العطر، وكأنها طورا خدود وطورا نوافج مسك ذكى الرائحة. ولهم شعر كثير فى الفواكه والثمار نكتفى منه بهذا المثال. ولأبى طالب عبد الجبار المترجم له بين أصحاب الشعر التعليمى خمرية نواسية، وصف فيها زيارته لإحدى الحانات، يقول فيها (٢): وخمّار أنخت به مسيحى ... رخيم الدّلّ ذى وتر فصيح (٣) سقانى ثم غنّانى بصوت ... فداوى ما بقلبى من جروح وفضّ فم الدّنان على اقتراحى ... ففاح البيت منها طيب ريح فقلت له لكم سنة تراها ... فقال: أظنّها من عهد نوح ولما أن شدا الناقوس صوتا ... دعانى: أن هلمّ إلى الصّبوح فهو قد نزل بخمار مسيحى يحسن الغناء على العود بصوت رقيق، وسقاه وغناه وشفى-كما يقول-ما بقلبه من جروح، وأخذ يفضّ له باقتراحه دنّا وراء دن، وسأله عن عمرها فقال له إنها عتيقة وأظنها من عهد نوح، ودقّ الناقوس، فنبّهه إلى الصبوح أو

стр. 3939

شربها فى الصباح. ولابن الزقّاق يصف أمسية وقد غربت الشمس وخلّفت وراءها على أفق السماء الغربى الشفق البهيج (١): وعشيّة لبست رداء شقيق ... تزهو بلون للخدود أنيق أبقت بها الشمس المنيرة مثلما ... أبقى الحياء بوجنة المعشوق لو أستطيع شربتها كلفا بها ... وعدلت فيها عن كئوس رحيق وهو يتصور العشية كأنما أعارها زهر شقائق النعمان الأحمر رداء أو كأنما اكتست بحمرة الخدود الفاتنة أو كأنما خلّفت الشمس المضيئة عليها ما يخلّفه الخجل على وجنة المعشوق. وإنه ليفتن بتلك العشية وما يلابس الأفق من أضواء الشفق الوردية والياقوتية التى تفوق نشوته برؤيتها نشوته بالكئوس من رحيق الخمر، حتى ليتمنى- لو استطاع-أن يشربها هانئا بها هناءة ما بعدها هناءة. وابن الزقاق ينتشى دائما بمناظر الطبيعة الساحرة وله بجانب شعره فيها خمريات كثيرة، ولكن تظل نشوته بالطبيعة أشد أو أكثر شدة. وكانت فتنة خاله ابن خفاجة بالطبيعة أعمق أو أكثر عمقا وسنخصه بكلمة عما قليل. ونظل فى عصر الموحدين نلتقى بكثيرين مفتونين بمناظر الطبيعة الأندلسية الخلابة، وفى مقدمتهم الرصافى الذى ترجمنا له بين شعراء المديح، وله يصف نهر الوادى الكبير الذى يمر أمام إشبيلية وما يحيط به من أشجار ونباتات قائلا (٢): ومهدّل الشّطّبن تحسب أنّه ... متسايل من درّة لصفائه فاءت عليه مع الهجيرة سرحة ... صدئت لفيئتها صفيحة مائه (٣) وتراه أزرق فى غلالة سندس ... كالدّارع استلقى بظلّ لوائه فالنهر تتهدلّ على شطيه أغصان الأشجار، وهو يجرى تحتها صافيا متلألئا كأنه يسيل من درة أو درر نفيسة وقد بسطت شجرة ضخمة على مائه ظلها، وكأنما ألقت صدأ على صفيحته أو وجهه العريض، وهى صورة بديعة. ولم يلبث النهر أن تراءى له مع حفافيه من النباتات والزروع كأنما يرتدى غلالة سندسية، وأيضا تراءى له مع ما تلقى عليه السرحة

стр. 3940

من ظل كدارع محارب استلقى يستريح مستظلا بلوائه. والرصافى لا يبارى فى روعة تصاويره، وله يصف أمسية قضاها مع بعض رفاقه منتشيا بشرب الخمر وبرؤية مغرب الشمس والطير تصدح من حوله، يقول (١): وعشىّ رائق منظره ... قد قطعناه على صرف الشّمول (٢) وكأنّ الشمس فى أثنائه ... ألصقت بالأرض خدّا للنزول والصّبا ترفع أذيال الرّبى ... ومحيّا الجوّ كالسّيف الصّقيل حبّذا منزلنا مغتبقا ... حيث لا يطربنا غير الهديل طائر شاد وغصن منثن ... والدّجى يشرب صهباء الأصيل (٣) وهو يقول إنه ظل فى هذه الأمسية يتمتع بشراب الخمر الصافى وبمنظر الطبيعة الخلاب والشمس تودع الأرض وتلصق بها خدها إعزازا ومحبة، ونسيم الصّبا العليل يحرك النباتات والغصون أو كما يقول أذيال الربى والمرتفعات، ويثنى على منزلهم واغتباقهم أو احتسائهم للخمر فيه مساء على سماع الهديل وهديره وما يحمّله من أنغامه وأشجانه. ويبلور روعته بالمنظر فى طائر شاد وغصن منثن، ويحلق خياله، إذ يجعل الدجى ينتشى مثله ومثل رفاقه بما يشرب من صهباء الأصيل ورحيقه الهنئ. وكانوا كثيرا ما يتنزهون فى الأنهار والخلجان ويركبون لها الزوارق ذات الأشرعة والأخرى ذات المجاديف، وأحيانا كانوا يجرون فيها سباقا على نحو ما كانوا يصنعون بسباق الخيل، ويتحدث الفقيه أبو الحسن على بن لبّال قاضى شريش عن أحد هذه السباقات فى نهرها قائلا (٤): بنفسى هاتيك الزوارق أجريت ... كحلبة خيل أولا ثم ثانيا وقد كان جيد النّهر من قبل عاطلا ... فأمسى بها فى ظلمة الليل حاليا عليها لزهر الشّمع زهر كواكب ... تخال بها ضمن الغدير عواليا (٥) وربّ مثار بالجناح وآخر ... برجل يحاكى أرنبا خاف بازيا وهو يقول إن الزوارق أجريت فى النهر على دفعات تزينها شموع أصبح بها جيد النهر

стр. 3941

حاليا بعد أن كان عاطلا من الحلى والزينة. ويخال الشموع فى النهر كأنها رماح مشرعة، بينما الزوارق منها ذات الشراع أو الجناح ومنها ذات المجاديف، وتسرع كأنما هى أرانب تخاف أن يصيدها البزاة والصقور. ومن شعراء الطبيعة المبدعين حينئذ محمد بن سفر، وسنخصه بكلمة. ونلتقى بأخرة من أيام الموحدين بالهيثم بن أبى الهيثم حافظ إشبيلية بل الأندلس جميعها فى عصره، وكان أعجوبة دهره، كان يحفظ ديوان ذى الرمة الشاعر الأموى، ومن عجائبه أنه كان يملى على شخص شعرا-كما يقول ابن سعيد-وعلى ثان موشحة وعلى ثالث زجلا، وكل ذلك يمليه ارتجالا دون توقف، وله فى فرس أصفر (١): أطرف فات طرفى أم شهاب ... هفا كالبرق ضرّمه التهاب (٢) أعار الصّبح صفحته نقابا ... ففرّ به وصحّ له النّقاب فمهما حثّ خال الصّبح وافى ... ليطلب ما استعار فما يصاب إذا ما انقضّ كلّ النّجم عنه ... وضلّت عن مسالكه السّحاب وللأندلسيين شعر كثير فى وصف الخيل لأنهم كانوا يحاربون عليها دائما، وكانوا يعقدون أحيانا بينها سباقات. ويتشكك الهيثم حين رأى هذا الفرس يعدو عدوا سريعا كأنه يبارى به الرياح، فيقول أهذا طرف أى حصان أو هو شهاب سقط من أحد أركان السماء، وكأنه برق مضطرم لهيبا. ويظن كأن الصبح أعاره نقابا أصفر، ففرّ به، وهو دائما لا يتوقف كأنه يظن الصبح فى إثره يطلب نقابه الذى اقترضه منه. ويقول إنه إذا انقضّ وراء فريسة أعيا النجم أن يلحق به وضلّت السحب عن معرفة مسالكه. ويلقانا أبو جعفر أحمد بن طلحة، وله (٣): أدرها فالسماء بدت عروسا ... مضمّخة الملابس بالغوالى (٤) وخدّ الروض خفّره أصيل ... وجفن النهر كحّل بالظلال وجيد الغصن يشرف فى لآل ... تضيئ بهنّ أكناف الليالى وهو يقول لصاحبه: دعنا نتناول خمر الغبوق المسائية، فالسماء قد بدت عروسا

стр. 3942

مبتهجة مضمخة أو معطرة بالمسك فى منظر الروض البهيج، وكأنما سكب الأصيل على خد الروض حياء وخفرا فاصفرّ لونه، بينما كحّل جفن النهر بالظلال، وقد أضاءت على جيد الغصن أزهار كاللآلئ تضئ الليالى المظلمة. ويلقانا مرج الكحل: محمد بن إدريس الذى نشأ بائعا متجولا فى الأسواق يتعيش ببيع السمك ثم ترقت به همته إلى الأدب قليلا قليلا-كما يقول ابن سعيد-إلى أن نظم الشعر ثم ارتفعت فيه طبقته، وله خمرية يمزج فيها بين نشوته بالطبيعة ونشوته بالخمر يقول فيها (١): عرّج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شطّ الكوثر (٢) ولتغتبقها قهوة ذهبية ... من راحتى أحوى المراشف أحور (٣) والروض بين مفضّض ومذهّب ... والزّهر بين مدرهم ومدنّر (٤) والورق تشدو والأراكة تنثنى ... والشمس ترفل فى قميص أصفر (٥) ما اصفرّ وجه الشمس عند غروبها ... إلا لفرقة حسن ذاك المنظر وهو يدعو صاحبه أن ينزل معه بطريق الكثيب المشرب بحمرة فى تلك الجنّة البعيدة بين الفرات والكوثر ليتمتعا هناك بالغبوق أو خمر المساء، وبمناظر الأزهار المفضضة والمذهبة، والورق أو الحمام يشدو ويهدر وأغصان الأراكة تنثنى، يثنيها النسيم العليل والشمس تتبختر فى قميصها الأصفر الرقيق، ويقول إن صفرتها عند الغروب بسبب فراقها ووداعها لمنظر هذا الروض الفاتن. ويقول أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلى المتطبب فى خاتمة موشح له يصور شرب الخمر والصباح يطل على الطبيعة (٦): فقم نباكرها للاصطباح ... والشّهب تنثر من خيط الصباح

стр. 3943

والقضب ترقص فى أيدى الرّياح ... على غناء الحمام والكاس ذات ابتسام والظلام قتيل ... والصّبح دامى الحسام وإنما ذكرنا هذا الدور الختامى لإحدى موشحات أبى الحجاج لنشير بوضوح إلى أننا إذا كنا قد أغفلنا فى حديثنا عن أغراض الشعر ذكر الموشحات فليس معنى ذلك أنها انفصلت فى أغراضها عن الأغراض العامة للشعر فقد كانت هى نفسها أغراض الموشحات ولهم فيها ما لا يحصى من الأخيلة البديعة، على شاكلة ما نرى فى هذا الدور من تمثيل غياب النجوم مع تباشير النهار، فقد جعلها أبو الحجاج تنثر من خيط الصباح وكأنها دنانير تنثر فى عرس والغصون راقصة متشابكة ومتلاعبة مع الرياح، والحمام يشدو ويغنى والخمر فى كئوسها تبتسم ثغورها. ولا يلبث أبو الحجاج أن يعرض علينا هذا المشهد الدرامى البديع فالظلام طريح قتيل، إذ سفك الصبح دمه، ولا تزال حمرته القانية تلطّخ سيفه. ويقول ابن الأبار مستلهما الرصافىّ فى وصف نهر (١): ونهر كما ذابت سبائك فضّة ... حكى بمحانيه انعطاف الأراقم (٢) إذا الشّفق استولى عليه احمراره ... تبدّى خضيبا مثل دامى الصّوارم (٣) وتحسبه سنّت عليه مفاضة ... لإرهاب هبّات الرياح النواسم (٤) وتطلعه فى دكنة بعد زرقة ... ظلال لأدواح عليه نواسم وهو يجعل ما فى النهر سبائك فضة سائلة، ويشبهه فى انعطافاته يمينا ويسارا بانعطافات الأفاعى، حتى إذا سقط عليه الشفق تصوّره سيفا داميا، وسقط عليه الظل فتصوره درعا لبسه النهر لإرهاب الرياح، وإنها لتحيل لونه داكنا بعد أن كان أزرق صافيا. ويقول إبراهيم (٥) بن سهل الإشبيلى: الأرض قد لبست رداء أخضرا ... والطلّ ينثر فى رباها جوهرا

стр. 3944

فاحت فخلت الزهر كافورا بها ... وحسبت فيها التّرب مسكا أذفرا (١) وكأن سوسنها يصافح وردها ... ثغر يقبّل منه خدّا أحمرا وهو يقول إن الأرض لبست خضرة الربيع، وكأنما الطل ينثر فى رباها كل ما فى حجره من جوهر، وسطعت رائحة كافور زهرها الأبيض حتى خلت التراب فيها مسكا أذفر أو عاطرا، وكأن سوسنها الأبيض الجميل حين يصافح وردها ثغر يقبل خدا ياقوتيا. ويقول أبو الوليد (٢) بن الجنان: هات المدام وقد ناح الحمام على ... هذا الظلام وجيش الصّبح فى الطلب والسّحب قد بدّدت فى الأرض لؤلؤها ... تضمّه الشمس فى ثوب من الذهب وقد جعل ابن الجنان الحمام ينوح على الظلام وجيش الصبح فى إثره، وهو ينسحب بسرعة أمامه، بينما السحب تمطر لآلئها وقطراتها الفضية، ولم تلبث شمس الصباح أن التقطت كل هذه اللآلى؛ ولّمتها أو جمعتها فى ثوبها الذهبى. ولابن خاتمة فى بلبل وردية اللون تغنى فى روض مكتظ بالورود والأزهار (٣): وورديّة الجلباب أعجبها الورد ... فغنّت وما بالغانيات لها عهد أتت وبطاح الأرض تجلى عرائسا ... وفى كل غصن من أزاهره عقد وقد أبدت الدنيا محاسن وجهها ... فمن زهرة ثغر ومن وردة خدّ فغنّت غناء الشّرب أنشتهم الطّلا ... وحنّت حنين الصبّ باح به الوجد (٤) وهو يصور البلبل الوردية قد أعجبها ورد الروض وخلبها، فتغنّت له غناء ساحرا لم تعهده الغانيات الجميلات، ويقول إنها أتت الروض فى وقت الربيع، وقد ازدانت بطاح الأرض حتى لكأنها عرائس وازدانت غصون الأشجار بعقود الأزهار وأبدت الدنيا محاسن وجهها فمن زهرة-مثل زهرة الأقحوان-ثغر، ومن وردة-وما أكثر الورود- خد. وأسكر البلبل المنظر الرائع فانتشت وغنت وحنت حنين الصب المغرم الولهان. ولابن زمرك فى وصف زهر القرنفل بجبل الفتح أو جبل طارق (٥):

стр. 3945

رعى الله زهرا ينتمى لقرنفل ... حكى عرف من أهوى وإشراق خدّه (١) ومنبته فى شاهق متمنّع ... كما امتنع المحبوب فى تيه صدّه أميل إذا الأغصان مالّت بروضة ... أعانق فيها القضب شوقا لقدّه (٢) وأهفو لخفّاق النسيم إذا سرى ... وأهوى أريج الطّيب من عرف ندّه (٣) وهو يدعو لزهر القرنفل أن يرعاه الله لأنه يحكى عرف من يهواها وطيبها، ويقول إن منبته فى أعالى جبل الفتح الممتنع على غزاته امتناع المحبوب فى صدّه وتيهه وخيلائه، كما يقول إنه كلما رأى الأغصان فى روضة عانقها شوقا لعناق محبوبه، ويقول أيضا إنه يحنّ إلى خفّاق النسيم مساء يظنه من قبل محبوبه، ويهوى أريج الطيب يظنه من أريجه الذكىّ العطر. وحرى بنا أن نلم إلمامات قصيرة بمن وعدنا بالحديث المجمل عنهم من شعراء الطبيعة والخمر، وهم عبادة بن ماء السماء وعبد الرحمن بن مقانا وعلى بن حصن وابن خفاجة ومحمد بن سفر. عبادة (٤) بن ماء السماء الأنصارى هو عبادة بن عبد الله الأنصارى من ذرية سعد بن عبادة الخزرجى أحد النقباء الذين اختارهم رسول الله ﷺ فى العقبة الثالثة، وقيل له عبادة بن ماء السماء انتماء إلى جد الخزرج الأول، ولسنا نعرف شيئا واضحا عن نشأته إلا ما يذكر مترجموه من أنه تلميذ الزبيدى تلميذ أبى على القالى وأهم اللغويين بعده. ولم تلبث موهبته الشعرية-على ما يبدو-أن تفتحت، ومدح المنصور بن أبى عامر الحاجب (٣٦٦ - ٣٩٢ هـ) فأعجب به وأسبغ عليه جوائزه، وسجّل اسمه فى ديوان الشعراء وأعليت مرتبته فيه وأعلى عطاؤه. وتدور الأيام وتكون فتنة قرطبة التى ظلت نحو عشرين عاما، ويعتلى عرش الخلافة على بن حمود من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب سنة ٤٠٧ ويدور العام فيقتل ويخلفه أخوه القاسم حتى سنة ٤١٢ ويخلعه يحيى ابن أخيه على. وعاد القاسم فانسحب يحيى إلى مالقة، ولم تلبث الخلافة أن عادت إلى الأمويين بقرطبة سنة ٤١٤. ولعبادة مدائح فى هؤلاء الحموديين الثلاثة، وفى مديحه لهم غير قليل من مبالغات الشيعة فى مديح

стр. 3946

أئمتهم، غير أنهم جميعا لم يكونوا يستظهرون شيئا من العقيدة الشيعية. ويبدو أن عبادة تبع يحيى إلى مالقة يمدحه ويسبغ عليه يحيى من نواله، حتى إذا كانت سنة ٤١٩ ضاعت منه عطايا يحيى وأهل بيته له، وكانت مائة مثقال ذهبا فاغتم غما شديدا، وكان ذلك سبب وفاته. ويشيد ابن بسام بعبادة، ويقول إنه كان شيخ الصناعة وإمام الجماعة بزمنه فى قرطبة معللا ذلك بأنه سلك إلى الشعر مسلكا سهلا، فقالت له غرائبه: مرحبا وأهلا. ولم يكن شاعرا فحسب، بل كان أيضا مؤرخا أدبيّا إذ كان له كتاب فى أخبار شعراء الأندلس، وعنه ينقل ابن سعيد فى المغرب بعض أخبارهم. وأهم من ذلك ما ذكره ابن بسام-على نحو ما مر بنا فى حديثنا عن الموشحات-من أنه هو الذى «نهج لأهل الأندلس طريقتها-وكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه ولم تؤخذ إلا عنه». ومر بنا أن مقدّم بن معافى القبرى-وهو عربى-أول من ابتكرها وأن الرمادى الكندى-وهو أيضا عربى-تطور بها بعض التطور، ثم خلفه عبادة الخزرجى الأنصارى فأعطاها شكلها النهائى. ومرّ بنا نقض دعوى أنها نشأت على غرار أغان رومانسية إسبانية فقد نشأت وتطورت وأخذت صيغتها النهائية على أيدى عرب تطويرا منهم-كما ذكرنا فى حديثنا عن الموشحات-لفن المسمطات المشرقية. وكان عبادة-بحق-إمام الشعراء فى زمنه، وما رواه ابن بسام له منه-يتميز بمتانة العبارة ونصاعتها وبحسن الأداء الموسيقى وبجمال الأخيلة، وله مبهورا بجمال صاحبته وجمال أناملها التى شبهها بالعنّاب: سقى الله أيّامى بقرطبة المنى ... سرورا كرىّ المنتشى من شرابه وكم مزجت لى الراح بالرّيق من يدى ... أغرّ يرينى الحسن ملء ثيابه تعلّلنى فيه الأمانى بوعدها ... وهيهات أن أروى بورد سرابه (١) سل العنم البادى من السّجف دالفا ... لتعذيب قلبى هل دمى من خضابه (٢) وهو يذكر أيام شبابه الماضية بقرطبة، ويدعو لها أن تسقى سرورا ترتوى به وتنتشى كانتشاء صاحب الخمر من شرابه، ويذكر كم شرب الخمر فيها من يد حسناء وكيف كان يعلل نفسه بلقائها ووعدها، غير أنه كان دائما سرابا لا يتحقق، ويتساءل هل خضاب

стр. 3947

أناملها البادى من الستر لتعذيب قلبه من دمه، كأنه قتيل هواها وقد سفكت دمه وعلق منها بالأنامل، ويقول: اجل المدامة فهى خير عروس ... تجلو كروب النّفس بالتّنفيس واستغنم اللذات فى عهد الصّبا ... وأوانه لا عطر بعد عروس وهو يتصور المدامة عروسا تهفو لها نفسه، ويزعم أنها تذهب كروب النفس وهمومها، ويدعو إلى اغتنامها فى عهد الصبا، فهو عهدها، وبعده لا يأبه الإنسان بها، ويتمثل بقول العرب: «لا عطر بعد عروس» فالعطر إنما تحتاجه العروس وقت زفافها. وأكبر الظن أن عبادة انصرف عن الخمر بعد شبابه أو لعله كان ينظم هذه الأبيات وما يماثلها تقليدا ومحاكاة للمجان وإلا ما استطاع أن يدّخر المثاقيل الذهبية المائة التى ضاعت منه بمالقة. عبد (١) الرحمن بن مقانا هو أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا ، من قرية القبذاق من قرى أشبونة (ليشبونة الحالية بالبرتغال) ولسنا نعرف شيئا عن نشأته وهل ثقف الآداب العربية فى أشبونة وحدها أو أنه اختلف إلى الأدباء والعلماء فى مدن سواها. ونلتقى به فى أوائل عصر أمراء الطوائف مترددا على سرقسطة لمديح أميرها منذر بن يحيى التّجيبى المتوفى سنة ٤٣٠ وعلى دانية لمديح أميرها مجاهد المتوفى سنة ٤٣٦ ويذكر ابن بسام أنه «جال أقطار الأندلس على رؤساء الجزيرة». وأهم من مدحهم من هؤلاء الرؤساء أو الأمراء وأسبغوا عليه نوالهم إدريس بن يحيى بن على بن حمود الحسنى أمير مالقة الذى خلف أباه عليها سنة ٤٢٧ وظل بها حتى سنة ٤٤٧. ورأى ابن مقانا حين أصبح شيخا أن يكفّ عن تطوافه بأمراء الجزيرة وأن يعود إلى قريته وأن يمضى فيها بقية حياته معنيّا بضيعة له فيها وما تحتاج إليه من حرث وزرع وغرس. ولا يعرف بالضبط تاريخ وفاته. ويعرّف ابن بسام بابن مقانا قائلا: «من شعراء غربنا المشاهير، وله شعر يعرب عن أدب غزير، تصرّف فيه تصرّف المطبوعين المجيدين فى عنفوان شبابه وابتداء حاله، ثم تراجع طبعه عند اكتهاله» وكأن ابن بسام يجعل وفوده على أمراء الطوائف فى أيام

стр. 3948

الشباب وحدها، ويبدو أن هذا الوفود امتد به حتى بدء كهولته بل ربما حتى بدء شيخوخته إذ ينقل ابن بسام عن بعض مواطنيه أنه إنما انصرف إلى قريته شيخا لا كهلا. وأمّ قصائده التى طارت شهرتها فى الآفاق مدحته النونية لإدريس بن يحيى الحمودى، وهو يستهلها بغزل طريف ولا يلبث أن يمزجه بنعته للخمر قائلا: قد بدا لى وضح الصّبح المبين ... فاسقنيها قبل تكبير الأذين (١) مزّة صافية مشمولة ... عتّقت فى دنّها بضع سنين (٢) مع فتيان كرام نجب ... يتهادون رياحين المجون وعليهم زاجر من حلمهم ... ولديهم قاصرات الطّرف عين (٣) ويسقّون إذا ما شربوا ... بأباريق وكأس من معين (٤) وابن مقانا يتراءى له ضوء الصبح فى السحر، فيهتف بالساقى أن يملأ كأسه قبل تكبير الأذان، ويقول إنها مزة الطعم صافية باردة معتّقة، كما يقول إنه يشربها مع فتيان كرام نجب يتهادون أزهار المجون الأرجة وعليهم زاجر من عفاف مع ما معهم من حسان غاضات البصر فاتنات العيون، ويقول إنهم يسقون الخمر بأباريق وكأس من عين جارية. وينتقل من وصف خمر الصّبوح أو الصباح إلى نعت الطبيعة من حوله سماء ونجوما ورياضا وأزهارا ويبدع خياله بمثل قوله: ومصابيح الدّجى قد أطفئت ... فى بقايا من سواد الليل جون (٥) والثريّا قد علت فى أفقها ... كقضيب زاهر من ياسمين وانبرى جنح الدّجى عن صبحه ... كغراب طار عن بيض كنين (٦) وجناح الجوّ قد بلّله ... ماء ورد الصّبح للمصطبحين والنّدى يقطر من نرجسه ... كدموع أسبلتهنّ الجفون (٧) وهو يقول إن مصابيح الدجى من الكواكب والنجوم أخذت تنطفئ واحدة إثر أخرى فى بقايا من سواد الليل، وتعالت الثريا فى السماء كأنها غصن مزهر من ياسمين، وأوشك

стр. 3949

الياسمين بدوره على التوارى والانطفاء، وأخذ ظلام الليل ينبرى وينكشف عن أضواء الصباح وكأنه غراب حالك السواد اضطره إلى مفارقة بيض له ظل يستره، وورد الصبح بل ماؤه بلّل جناح الجو تحية للمصبطحين والندى يقطر من النرجس والأزهار والورود وكأنه دموع أسبلتها الجفون. وهى صور بديعة متلاحقة. وقد تداول القصيدة أدباء الكدية والشحاذة الأدبية فى الأندلس ممن يسميهم ابن بسام باسم القوّالين، وكانوا يقفون على الأبواب منشدين الشعر لقاء بعض الدراهم، وإنما اختاروها لما يجرى فيها من عذوبة وسلاسة وروعة فى الموسيقى والتصاوير. على (١) بن حصن هو أبو الحسن على بن حصن الإشبيلى، من شعراء أمير إشبيلية المعتضد، نشأ معه، وكان بعجب به وبشعره فاستوزره حين أصبح له صولجان إمارتها بعد أبيه إسماعيل. وظل الجوله صافيا إلى أن لحق ابن زيدون بالمعتضد، واتخذه وزيرا له معه، وكان فى ابن زيدون شئ من الدهاء استحوذ به على قلب المعتضد، فنفس ذلك عليه ابن حصن. وكان المعتضد يدعوهما أحيانا إلى المساجلة بالشعر بين يديه، فكان ابن حصن يتفوق عليه لسرعة بديهته ورضاه بالعفو من طبعه، غير أن ابن زيدون كان يعلوه بحلمه ووقاره. وكان فى ابن حصن تهور وطيش فزلّت قدمه وأدّياه إلى أن يسفك المعتضد دمه، وكان سفاحا للدماء قتل كثيرين من وزرائه وخواصه. ويشيد ابن بسام بشاعرية على بن حصن قائلا عنه: «أحد من راش سهام الألفاظ بالسحر الحلال، وشقّ كمائم المعانى عن أفتن من محاسن ربّات الحجال، بين طبع أرقّ من الهواء، وأعذب من الماء، وعلم أغزر من القطر، وأوسع من الدهر». ويعجب ابن بسام من قوم أضربوا عن ذكره، وزهدوا فى شعره ويعلل ذلك بأشعار له كثيرة كان يعبث بها بين مجونه وسكره، ويقول إن إحسانه أكثر وفضله أشهر، وينوه بروعة تصاويره، ومن قوله فى إحدى خمرياته الماجنة: خضبت بنان مديرها بشعاعها ... فعل العرارة فى شفاه الرّبرب والربرب: القطيع من بقر الوحش، يقول إن الخمر خضبت بنان الساقى بشعاعها

стр. 3950

كما يخضب نبات العرار الصحراوى شفاه قطعان البقر الوحشى. وهى صورة طريفة لأنه يجلبها من بعيد من الجزيرة العربية وحديث شعرائها عما يتراءى لهم فى البقر الوحشى هناك من جمال. ويقول فى خمرية أخرى: إذا بدت لك فى قط ... عة من البلاّر حسبتها شفقا صّبّ فى زجاج نهار وهو يتخيل الخمر الحمراء كأنها الشفق الأحمر، ويتسع به الخيال فيقول إنها تصبّ لا فى زجاج بلّورى أو مصوغ من بلور بل فى زجاج مصوغ من نهار مضئ. ويخاطب إشبيلية موطنه والنهر يتهادى أمامها والشمس جانحة للغروب: كأنك والشمس عند الغروب ... عروس من الحسن منحوته غدا النهر عقدك والطّود تاج ... ك والشمس أعلاه ياقوته فالنهر وما يحفّ به من أزهار عقد نفيس يتألق فى جيد إشبيلية والجبل من ورائها كأنه تاج معقود على رأسها ترصّعه فى أعلاه ياقوتة الشمس البديعة. ومن قوله فى وصف هديل: وما هاجنى إلا ابن ورقاء هاتف ... على فنن بين الجزيرة والنّهر (١) مفستق طوق لازوردىّ كلكل ... موشّى الطّلى أحوى القوادم والظّهر (٢) أدار على الياقوت أجفان لؤلؤ ... وصاغ على الأجفان طوقا من التّبر (٣) حديد شبا المنقار داج كأنّه ... شبا قلم من فضّة مدّ فى حبر (٤) توسّد من فرع الأراك أريكة ... ومال على طىّ الجناح مع النّحر (٥) ولما رأى دمعى مراقا أرابه ... بكائى فاستولى على الغصن النّضر (٦) وحثّ جناحيه وصفّق طائرا ... وطار بقلبى حيث طار ولا أدرى (٧) وابن حصن يتابع شعراء العرب فيما يتخيلونه من ترتيل الحمام المبغوم وأنه يبكى

стр. 3951

وينوح محزونا لفراق أليفته، وهو يقول فى مطلع مقطوعته إن هدير الهديل هاجه شوقا إلى محبوبته، وتروعه صورته الجميلة فيرسمها رسما دقيقا، فطوقه فستقى اللون وصدره لازوردى أو أزرق بنفسجى وعنقه موشّى وظهره وريشه الطويل أسود ضارب إلى الحمرة، وقد أدار فوق طوقه لؤلؤتى عينيه، ومن حولهما أهداب ذهبية. وحدّ منقاره أسود داج كأنه سنّ قلم من فضة غمس فى مداد شديد السواد. وقد توسد من فرع الأراكة منصة، ومال برأسه محزونا على أحد جناحيه وما يحف به من النحر. وأحسّ الشاعر أنه- مثله-حزين مهموم لفراق صاحبته فانهمرت دموعه، وحانت من الهديل التفاتة فرآه يبكى واحتار ماذا يصنع، ولم يلبث أن بسط جناحيه وحركهما طائرا، فطار قلبه معه. وهو تصوير بديع استطاع فيه ابن حصن أن يسوّى منه لوحة تامة الخطوط والألوان والظلال والأضواء. ومما أعجب به ابن بسام من شعره قوله فى وصف سحابة: بكرت سحرة قبيل الذّهاب ... تنفض المسك عن جناح الغراب واستعارة الغراب لليل معروفة قديما ولكن الرائع أنه جعل السحابة بأمطارها تنفض المسك الأسود عن جناحه. وفى ذلك كله ما يدل على أن ابن حصن كان من شعراء الأندلس المبدعين. أميّة (١) بن أبى الصلت هو أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبى الصلت الأندلسى، ولد سنة ٤٦٠ بمدينة دانية على البحر المتوسط، وشبّ-على ما يبدو-بمدينة إشبيلية وكانت تزخر بطائفة من الفقهاء والأطباء والمتفلسفة والشعراء وأصحاب الموسيقى، وتخرّج على أيديهم طبيبا متفلسفا وشاعرا بارعا يثقف الموسيقى وتلاحينها الأندلسية. وفى أوائل العقد الثالث من حياته هاجر عن مدينته إلى المشرق مصطحبا والدته، وقد تكون الرغبة فى التزود من علماء المشرق أو الرغبة فى الحج من دواعى تلك الهجرة المبكرة عن مدينته. ونزل المهدية بجوار القيروان، ويبدو أنه كان قد وفد عليها لمديح أميرها وأمير إفريقية تميم بن المعز

стр. 3952

الصنهاجى (٤٥٤ - ٥٠١ هـ.) إذ كان مقصدا للشعراء لما يجيزهم به من الجوائز السنية، وامتدحه مرارا، وظل فى حاشيته فترة. ورأى أن يوجه به إلى مصر برسالة، وكانت العلاقة بين تميم وحكام مصر سيئة، فحين وصل أمية برسالته إليهم زجّوا به فى سجن خزانة البنود بالقاهرة، وكان فيها خزائن متنوعة فى أصناف الكتب وفنونها المختلفة، فأكبّ عليها يقرؤها ويلتهم ما فيها من المعارف، ويقال إنه ظل بها ثلاث سنوات قبل صدور العفو عنه، وقيل بل عشرين سنة، وهى مبالغة واضحة. وفى كتاب طبقات الأطباء رسالة طريفة من على بن منجب الصيرفى صاحب ديوان الإنشاء وجه بها إليه فى السجن منوها فيها بأنها رد على رسالة لأمية وهو فى سجنه، ويثنى على قصيدتين أرسل بهما إليه فى مديح الأفضل بن بدر الجمالى وزير مصر حينئذ (٤٨٧ - ٥١٥ هـ) وقد أنشد العماد فى الخريدة قطعة من مدحة لأمية يمدح بها شفيعه ويسميه عليا وهو ابن الصيرفى كما ذكرنا. وعاد إلى المهدية سنة ٥٠٥ فى عهد يحيى بن تميم (٥٠١ - ٥٠٩ هـ.) وإليه قدم الرسالة المصرية وكتاب الحديقة الآتى ذكرهما وعظم شأنه عنده وكذلك عند ابنه على أمير المهدية بعده (٥٠٩ - ٥١٥ هـ.) وحين أنشأ على مدرسته المشهورة للكيمياء أسند إليه الإشراف عليها وظل يتولاها إلى آخر أيامه. وقد نشرت له بالقاهرة الرسالة المصرية وفيها يذكر ما رآه بمصر من هيئتها وآثارها ومن اجتمع بهم فيها من الأطباء والمنجمين والشعراء وأهل الأدب، وعنى فيها بذكر مدّاح الأفضل الجمالى وألم ببعض من هجوه. ويقول ابن سعيد فى المغرب: «عنه أخذ أهل إفريقية (تونس) الألحان التى هى الآن بأيديهم». ويبدو من هذه العبارة أنه لحّن هناك لهم أغانيهم الإفريقية على أسس الألحان الأندلسية. وألف لهم كتابا فى الموسيقى أهداه إلى الأمير على بن يحيى. وإشادة ابن سعيد بصنيعه فى هذا الجانب لها أهمية كبيرة، إذ ختم رحلاته بتونس وظل بها إلى أن توفى سنة ٦٨٣ للهجرة، ويقول إن أمية جلّ قدره عند الحسن بن على خليفة أبيه كما جلّ عند أبيه وجده، وظل ينزل هناك منزلة جليلة إلى أن توفى سنة ٥٢٩. وله مصنفات مختلفة فى التنجيم والطب والهندسة تدل على واسع علمه، من ذلك كتاب الوجيز فى علم الهيئة وكتاب الأدوية المفردة وله كتاب فى المنطق سماه: «تقويم الذهن» وبجانب ذلك له الرسالة المصرية السالفة وهى أهم نص عن شعراء مصر فى فواتح القرن السادس الهجرى، وله أيضا كتاب الحديقة فى شعراء عصره على نهج كتاب اليتيمة للثعالبى وكتاب الملح العصرية فى شعراء الأندلس والطارئين عليها. وهو يعد فى النابهين من شعراء زمنه، وكان له ديوان كبير سقط من يد الزمن، غير أن العماد فى الخريدة انتقى منه طائفة كبيرة بترتيب الحروف الهجائية امتدت

стр. 3953

فيه إلى أكثر من ثمانين صفحة مهّد لها بقوله: «كل شعره منقح مستملح، صحيح السبك، محكم الحوك، نظيم السلك» وهو موزع بين مديح ورثاء وغزل وهجاء ووصف للقصور والخيل ومن قوله فى الهرمين: بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا ... على طول ما أبصرت من هرمى مصر أنافا بأعنان السماء وأشرفا ... على الجوّ إشراف السّماك أو النّسر (١) وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا ... كأنهما ثديان قاما على صدر (٢) وفى هذه الصورة ما يدل على أنه كانت لأمية ملكة خيالية خصبة، ومن أهم ما يتميز به كثرة خمرياته وتصاويره للطبيعة، وتتداول الكتب التى ترجمت له وصفه لبركة الحبش بمدينة الفسطاط (مصر القديمة الآن) وكانت جنات وبساتين تحتها مسرب من مياه النيل يصبّ فى قنوات تتخللها، وكان أهل الفسطاط يخرجون للنزهة فيها وللمتاع بمناظرها، وفيها يقول أمية: لله يومى ببركة الحبش ... والأفق بين الضياء والغبش والنيل تحت الرياح مضطرب ... كصارم فى يمين مرتعش (٣) ونحن فى روضة مفوّفة ... دبّج بالنّور عطفها ووشى (٤) قد نسجتها يد الربيع لنا ... فنحن من نسجها على فرش فعاطنى الرّاح إنّ تاركها ... من سورة الهمّ غير منتعش (٥) وهى نزهة ببركة الحبش فى يوم من أيام الربيع الجميلة، وتتوالى الأخيلة فى الأبيات بديعة، فاضطراب النيل تحت الرياح كاهتزاز السيف فى يد مرتعش لا يهدأ ولا يسكن أبدا، وهو وصحبه فى روضة أنيقة وشيت جوانبها وزينت بالنور، ومدّ الربيع من تحتهم بساطا سندسيا. وفى هذا الموكب الرائع الذى ملأ قلبه فتنة بالطبيعة وجمالها يسأل صاحبه أن يناوله كأس الخمر، حتى يزول-كما يزعم-كل هم فى طوايا نفسه. ويعلن مرارا أنه مولع باحتساء الخمر وسط الرياض ومباهج الطبيعة، ويفتنّ فى مزجها بالغزل إذ يجتمع عليه صبابته بالخمر وبجمال المرأة وينشد مثل قوله: قامت تدير المدام كفّاها ... شمس ينير الدّجى محيّاها

стр. 3954

للمسك ما فاح من مراشفها ... والبرق ما لاح من ثناياها غزالة أخجلت سميّتها ... فلم تشبّه بها وحاشاها (١) هبها لها حسنها وبهجتها ... فهل لها خدّها وعيناها والأبيات تملك القلوب والأسماع بعذوبتها وتمكن ألفاظها وقوافيها فى سياقها، وأيضا برقتها ولطف معانيها ودقة التقابل فيها بين القامة والغصن والرّدف والكثيب والمراشف وما يلمع وراءها من الثغر وصاحبته والشمس، وهب للشمس حسنها وبهجتها فهل لها خدها الجميل وعيناها الفاتنتان. وله وراء ذلك أشعار بديعة. ابن (٢) خفاجة هو أبو إسحق إبراهيم بن أبى الفتح بن عبد الله بن خفاجة، ولد سنة ٤٥٠ للهجرة بجزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية، وماء نهرها يحيط بها من جميع جهاتها، ولذلك سميت جزيرة وفى المغرب: أنها «عروس الأندلس المقلدة من نهرها بسلك، المتلفعة من جناتها بسندس، روض بسام، ونهر كالحسام، وبلبل وحمام». وفى هذه الجنة الفيحاء نشأ ابن خفاجة فى أسرة علم وأدب وغير قليل من الثراء، وأقبل على الدرس والتزود بالآداب العربية، وتفتحت موهبته الشعرية، وغذاها غذاء شعريا رفيعا بأشعار عبد المحسن الصورى والشريف الرضى ومهيار والمتنبى كما يقول فى مقدمة ديوانه، ويضرب لتأثره بهم أمثلة تدل على أنه تأثر بالصورى فى مزج الغزل بالطبيعة وبالشريف الرضى ومهيار فى ذكر الظعائن والعيس والأماكن الحجازية والنجدية والطيف والخيال ونسيم الصبا وأنفاس الخزامى، أما المتنبى فيقول إنه تأثر به فى لفّ الغزل بالحماسة. ويقول أيضا فى مقدمة ديوانه إنه ظل فى شبابه يتمثل هؤلاء الأربعة فى شعره، متغنيا فيه بحب وجدانى وبمتاعه من الخمر والطبيعة الجميلة التى نشأ فى حجرها. ولم يحاول حينئذ أن يفد على أمراء الطوائف مادحا، كما كان يصنع الشعراء من حوله لأنه كان مكفول الرزق

стр. 3955

بضيعة ورثها عن آبائه، وفى الديوان مقطوعة سينية نظمها فى زيارة للمعتصم بن صمادح دعت إليها مناسبة طارئة فنظمها، وليس فى الديوان وراءها مدحة لا فى ابن صمادح ولا فى غيره من أمراء الطوائف. ويذكر أن فترة الشباب وما له فيها من منظومات فى الغزل والطبيعة والخمر أعقبتها فترة انقطع فيها عن نظم الشعر، ويقول إنها كانت فترة طويلة، وأكبر الظن أنها كانت سنوات معدودة انتهت بانتهاء عصر أمراء الطوائف، وكأن هذا العصر كان عبئا غليظا على نفسه، كما كان عبئا غليظا على نفوس كثيرين من أهل الأندلس لانغماس أمرائه فى الترف والمجون، حتى ضاعت طليطلة سنة ٤٧٨. ونظن ظنا أن هذا الحادث الخطير هو الذى جعله يتوقف عن الشعر فترة، وأخذ يعود إليه الأمل فى إنقاذ الأندلس حين دخلها المرابطون وانتصروا فى الزلاقة انتصارهم الحاسم، ولعل إعجابه بهم هو الذى جعله يزور المغرب ومراكش ويعود منهما سنة ٤٨٣ كما جاء فى ديوانه، ولا يلبث يوسف بن تاشفين أن يجمع الأندلس تحت لوائه فى نفس السنة فينتعش الأمل فى نفس ابن خفاجة ويعود إلى نظم الشعر، وتلك هى الفترة الثالثة فى حياته، وفيها ظل يدبج المدائح فى أمراء المرابطين وقوادهم ورجالاتهم مستهلا ذلك-كما يقول فى مقدمة ديوانه-بمديح إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أول ولاة المرابطين على شرقى الأندلس. وتوالت بعد ذلك مدائحه فيه وفى أخيه تميم والى غرناطة ثم مرسية بشرقى الأندلس لفترة قليلة وزوجته السيدة الحرة مريم وفى على بن يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين وفى أبى بكر بن تيفلويت ممدوح ابن باجة. وفى كل هذه المدائح وغيرها فى تلك الفترة الثالثة من حياته لم يكن طالب نوال أو عطاء، وإنما كان-كما قال فى مقدمة ديوانه «مصطنعا، لا منتجعا، ومستميلا، لا مستنيلا اكتفاء بما فى يده من عطايا منّان وعوارف جواد وهّاب». ونظن ظنا أنه عاش فترة فى حياته الطويلة بأخرة، إذ امتدت إلى أكثر من ثمانين عاما، مفكرا فى مصيره وفى متاع الحياة الزائل وما ينتظر الإنسان من العقاب والثواب، وفى هذه الفترة نظم طائفة من شعره فى العظة والاعتبار والتوبة والابتهال والاستغفار، وفيها جمع ديوانه، وعنى كما يقول فى مقدمته بتنقيحه وإصلاح بعض أشعاره «إما لاستفادة معنى، وإما لاستجادة مبنى» وعنى بجانب ذلك بكتابة بعض كتب الحديث والسنن-كما ذكر فى بعض شعره-تقربا لله ورسوله. وكان فى هذه الفترة الرابعة من حياته يخرج من جزيرته ويسير بين الوديان والجبال وينادى بأعلى صوته: يا إبراهيم تموت، فيجيبه الصدى ويخرّ مغشيا عليه. ويتوفى سنة ٥٣٣ عن اثنين وثمانين عاما.

стр. 3956

ويشيد به ابن بسام وغير ابن بسام إشادة رائعة، وأهم موضوع استنفد أكثر شعره واشتهر به وصف الطبيعة حتى سماه الأندلسيون الجنّان نسبة إلى جنان الأندلس وتصويره لها تصاوير بديعة، وعلّل هو نفسه لهذه النزعة فى ص ٢٩٠ بديوانه قائلا: «إكثاره فى شعره من وصف زهرة ونعت شجرة وجرية ماء ورنة طائر ما هو إلا [إما] لأنه كان جانحا إلى هذه الموصوفات لطبيعة فطر عليها وجبلّة، وإما لأن الجزيرة كانت داره ومنشأه وقراره، وحسبك من ماء سائح، وطير صادح، وبطاح عريضة وأرض أريضة، (١) فلم يعدم هنالك من ذلك ما يبعث مع الساعات أنسه، ويحرّك إلى القول نفسه، حتى غلب عليه حب ذلك الأمر، فصار قوله فيه عن كلف (٢) لا تكلف، مع اقتناع، قام مقام اتساع، فأغناه عن تبذل وانتجاع». ومن قوله فى وصف روض صباحا: وكمامة حدر الصباح قناعها ... عن صفحة تندى من الأزهار (٣) فى أبطح رضعت ثغور أقاحه ... أخلاف كلّ غمامة مدرار (٤) وحللت حيث الماء صفحة ضاحك ... والطّلّ ينضح أوجه الأشجار متقسّم الألحاظ بين محاسن ... من ردف رابية وخصر قرار (٥) والصور تتراكم فى القطعة، فالصباح يكشف قناع الظلام عن الأكمام فتبدو أزهارها النّديّة وثغور الأقاح ترضع من أخلاف الغمام الدارّ والماء يضحك والطل يرش أوجه الأشجار، وألحاظه موزعة بين النظر إلى ردف جميل بأزهاره لرابية وخصر بديع برياحينه لقرار. ويقول فى وصف عشية: وعشىّ أنس أضجعتنى نشوة ... فيه يمهّد مضجعى ويدمّث (٦) خلعت علىّ به الأراكة ظلّها ... والغصن يصغى والحمام يحدّث والشمس تجنح للغروب مريضة ... والبرق يرقى والغمامة تنفث (٧) وهو يقول إنها عشية جميلة انتشى فيها بمنظرها، إذ كان يستظل بأراكة فى مقعد ممهد لطيف، والحمام يحدّث والغصن يرهف السمع إليه، والشمس تجنح للوداع وقد اصفرّ

стр. 3957

وجهها وشحب لفراق هذا المنظر، وشعل البرق كأنها رقى تريد أن ترقيها والغمامة تنفث كما ينفث الراقى فى العقد. ومن قوله فى إحدى خمرياته: وأراكة ضربت سماء فوقنا ... تندى وأفلاك الكئوس تدار حفّت بدوحتها مجرّة جدول ... نثرت عليه نجومها الأزهار وكأنّها وكأنّ جدول مائها ... حسناء شدّ بخصرها زنّار (١) زفّ الزجاج بها عروس مدامة ... تجلى ونوّار الغصون نثار (٢) وقد جعل ابن خفاجة الأراكة التى جلس مع ندمائه تحتها سماء، ومضى يستتم الصورة، فالكئوس تدار وكأنها النجوم تدار فى الأفلاك، والجدول وما حوله من الأزهار كأنه المجرة بما حولها من النجوم، وكأن الأراكة وما بجانبها من الجدول حسناء شدت حزاما إلى خصرها. وهذا زجاج الكئوس يزفّ المدامة إلى الشاربين ويجلوها عليهم، وما النوار والأزهار إلا نثار الدراهم والدنانير يلقى به المحبون فى هذا العرس الكبير. وواضح ما يتميز به شعر الطبيعة عند ابن خفاجة من بث العواطف والمشاعر فى عناصر الطبيعة، بحيث يصبح لكل عنصر أحاسيسه التى يشترك بها مع غيره من العناصر. وتتراكم هذه الأحاسيس فى شعره وتتراكم معها تصاوير الطبيعة، مما جعل بعض الأندلسيين من موطنه يعيب عليه كثرة معانيه وازدحامها فى البيت الواحد، وهى ليست كثرة معان إنما هى كثرة تصاوير، وهى ليست عيبا بل هى حسنته وفضيلته، إذ أحس بعناصر الطبيعة إحساسا عميقا، وهو إحساس تفرّد به لا بين شعراء الأندلس وحدهم بل بين شعراء العربية جميعا، بحيث يعد أكبر شعراء الطبيعة عند العرب فى مختلف عصورهم، وجعله إحساسه بها ينقل أوصافها إلى المديح فيقول فى أبى بكر بن تيفلويت والى سرقسطة: وجلا الإمارة فى رفيف نضارة ... جلت الدّجى فى حلّة الأنوار متقسّم ما بين شمس دجنّة ... طلعت وبين غمامة مدرار أرج النّدىّ بذكره فكأنه ... متنفّس عن روضة معطار فهو قد جلا الإمارة فيما يشبه رفيف البساتين من الرى والنضارة، حتى لكأنما أسبغت على الليل الداجى حلة من الأنوار، وما أروع طلعته كأنها طلعة شمس من دجنّة مظلمة

стр. 3958

تضئ للأبصار، وكأنما يداه غمامة ما تزال تهمى بالنوال على العفاة والزوار، وإن ذكره فى النّدىّ ليملؤه بأريجه العطر، حتى لكأنه يتنفس عن روض فائح العطر. وكما يمزج الطبيعة بالمديح يمزجها بمراثيه كقوله فى رثاء صديق عزيز: فى كلّ ناد منك روض ثناء ... وبكل خدّ فيك جدول ماء ولكل شخص هزّة الغصن النّدى ... تحت البكاء ورنّة المكّاء وهو يقول-مخاطبا صديقه-إن كل ناد تحول إلى روض ثناء عليك وكل خد هطلت عليه الدموع الكثيرة حتى استحال كل شخص بأنينه وانهمار دموعه إلى ما يشبه هزة الغصن الندىّ ورنة طائر المكاء الصغير يبكى أليفته. ولم نتمثل حتى الآن بشئ من شعر الطبيعة الذى نظمه فى الفترة الأخيرة من حياته، فترة التأمل فى مصيره وما ينتظره، مثل أقرانه الذين رثاهم مرارا، من الموت والعدم، ولعل خير قصيدة تصور هذه الفترة قصيدته البائية المعنونة فى الديوان بأنه قالها فى الاعتبار، وهو يفتتحها بوصف سّراه فى الليل وكيف أن وجوه الموت كانت تتجلى له دائما، وكأنما يصف رحلته الطويلة فى الحياة، ويلتقى فى سراه بجبل ضخم شاهق شامخ ويقيم معه حوارا ينطقه فيه بما يدور فى نفسه، إذ يقول له: كم آوى إلىّ واستوطننى من فتّاك ونسّاك وكم مرّ بى من غادين ورائحين وراكبين وراجلين، وكلهم عصف بهم الموت، يقول: وما كان إلا أن طوتهم يد الرّدى ... وطارت بهم ريح النّوى والنّوائب وما خفق أيكى غير رجفة أضلع ... ولا نوح ورقى غير صرخة نادب فحتى متى أبقى ويظعن صاحب ... أودّع منه راحلا غير آيب فسلّى بما أبكى وسرّى بما شجى ... وكان على ليل السّرى خير صاحب فالجبل مثله محزون لما يرى من مصير الناس جميعا صالحين وطالحين إلى الموت والفناء وفقدان الحياة. وكل شئ يشترك مع الجبل ومع ابن خفاجة فى الإحساس بهول هذا المصير حتى ليرتجف الأيك والشجر وينوح الورق أو الحمام فزعا لهذا المصير المفجع لكل الناس. ويستطيل الجبل وابن خفاجة بقاءهما بعد رحيل كل الصحاب. ويقول إن الجبل سرّى عن نفسه لأنه وجد عنده نفس الحزن ونفس الشجا إزاء ما يشعر به من تلاحق الفواجع بالناس وأن كل من على الأرض كركب واقفين ينتظر كل منهم دوره للرحيل إلى الدار الباقية.

стр. 3959

محمد (١) بن سفر هو أبو الحسين محمد بن سفر ، من شعراء عصر الموحدين فى المائة السادسة، ويقول ابن الأبار عنه، منسوب إلى جده وأصحابنا يكتبون اسمه بالصاد، كان بإشبيلية. ويقول ابن سعيد فيه: «شاعر المرية (بشرقى الأندلس) فى عصره الذى يغنى ما أنشده من شعره عن الإطناب فى التنبيه على قدره» وأشاد به المقرى فى النفح مرارا بمثل قوله: «الإحسان له عادة» وقوله: «أحد الشعراء المتأخرين عصرا المتقدمين قدرا». ويقول ابن سعيد: «أعجب ما قيل فى مد نهر إشبيلية وجزره (لتأثره بجزر المحيط الأطلسى ومدّه) قوله: جئت الجزيرة والخليج يحفّها ... يشكو إليها كى تجيب حواره شقّ النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطّيه يطلب ثاره فتضاحكت ورق الحمام بدوحه ... هزءا فضمّ من الحياء إزاره وهو يجعل الخليج شاكيا إلى جزيرة هناك بقرب إشبيلية، فتعرض له النسيم شاقا جيب قميصه أو بعبارة أخرى فتحة مصب النهر، فانساب المحيط من شطيها يطلب ثاره، وهو يكنى بذلك عن المد، فتضاحك الحمام الذى كان رابضا على الدوح هزءا به، فاستحيى الخليج أو المحيط وضم من الحياء إزاره، وهو يكنى بذلك عن الجزر. وهو خيال بديع، وله يصف نزهة لبعض الشباب فى زورق شراعى بنهر، وربما كان أيضا نهر إشبيلية المسمى بنهر الوادى الكبير: لو أبصرت عيناك زورق فتية ... يبدى لهم بهج السّرور مراحه وقد استداروا تحت ظلّ شراعه ... كلّ يمدّ بكأس راح راحه لحسبته خوف العواصف طائرا ... مدّ الحنان على بنيه جناحه وهو أيضا خيال بارع لابن سفر، إذ يقول إن فتية ترافقوا فى زورق مرحين مسرورين ولم يلبثوا أن تجمعوا فى ظل شراعه يتهادون كئوس الخمر وكل منهم يمد بها لصاحبه، ويشطح به الخيال، فيقول لكأن الزورق وهم متجمعون تحت شراعه خشية الريح الشديدة طائر فى عشه دفعه الحنان إلى أن يمد جناحه على أولاده خوفا عليهم من

стр. 3960

العواصف المباغتة. ويقول: يا من رأى النهر استثار به الصّبا ... خيلا لإرهاب الغصون الميّد (١) لما رأتها سدّدت تلقاءه ... قرنت به خيلا تروح وتغتدى وغدت تدرّعه ولم تبخل لها ... شمس الضّحى بمسامر من عسجد وهو يجعل ريح الصبا كأنها خيل تهبّ لإرهاب الغصون المتمايلة، ولقيته الغصون بخيل ما تزال غادية رائحة وذاهبة آتية، وأخذت تلبس النهر دروعا من ظلالها للقاء خيل الصبا، وأهدتها شمس الضحى مسامر ذهبية كى تحكم تلك الدروع على النهر، وهو خيال بديع. ويقول فى وادى المرية بلدته: اشرب على شدو الحمام فإنّه ... أشهى إلىّ من الغريض ومعبد أتراه أطربه الخليج وقد رأى ... تصفيقه تحت الغصون الميّد وكأنهنّ رواقص من فوقه ... وبها من الأزهار شبه مقلّد (٢) وهو يجعل شدو الحمام فى سمعه أروع من غناء مغنّيى مكة والمدينة: الغريض ومعبد المشهورين فى العصر الأموى، ويقول: كأنما أطربه شدو المياه وخريرها تحت الغصون الراقصة المطوقة لجيدها بالأزهار الجميلة، ولعل فى ذلك كله ما يشهد لابن سفر بروعة أخيلته وتصاويره. ٣ - شعراء الرثاء (أ) رثاء الأفراد يتخذ رثاء الأفراد فى الشعر العربى منذ الجاهلية ألوانا ثلاثة، هى الندب أو النواح لموت ذوى الرحم، والتأبين بذكر فضائل الميت تبيانا لخسارة المجتمع فيه، والعزاء بتصوير الموت وأنه سنة من سنن الكون لا مفر منه ولا نجاة. ونجد هذه الألوان الثلاثة ماثلة فى الشعر الأندلسى، ونبدأ بعرض نصوص من ندب الشعراء لبعض أقربائهم من الأبناء
следующие страницы →