ويشيد به ابن بسام وغير ابن بسام إشادة رائعة، وأهم موضوع استنفد أكثر شعره واشتهر به وصف الطبيعة حتى سماه الأندلسيون الجنّان نسبة إلى جنان الأندلس وتصويره لها تصاوير بديعة، وعلّل هو نفسه لهذه النزعة فى ص ٢٩٠ بديوانه قائلا:
«إكثاره فى شعره من وصف زهرة ونعت شجرة وجرية ماء ورنة طائر ما هو إلا [إما] لأنه كان جانحا إلى هذه الموصوفات لطبيعة فطر عليها وجبلّة، وإما لأن الجزيرة كانت داره ومنشأه وقراره، وحسبك من ماء سائح، وطير صادح، وبطاح عريضة وأرض أريضة، (١) فلم يعدم هنالك من ذلك ما يبعث مع الساعات أنسه، ويحرّك إلى القول نفسه، حتى غلب عليه حب ذلك الأمر، فصار قوله فيه عن كلف (٢) لا تكلف، مع اقتناع، قام مقام اتساع، فأغناه عن تبذل وانتجاع». ومن قوله فى وصف روض صباحا:
وكمامة حدر الصباح قناعها ... عن صفحة تندى من الأزهار (٣)
فى أبطح رضعت ثغور أقاحه ... أخلاف كلّ غمامة مدرار (٤)
وحللت حيث الماء صفحة ضاحك ... والطّلّ ينضح أوجه الأشجار
متقسّم الألحاظ بين محاسن ... من ردف رابية وخصر قرار (٥)
والصور تتراكم فى القطعة، فالصباح يكشف قناع الظلام عن الأكمام فتبدو أزهارها النّديّة وثغور الأقاح ترضع من أخلاف الغمام الدارّ والماء يضحك والطل يرش أوجه الأشجار، وألحاظه موزعة بين النظر إلى ردف جميل بأزهاره لرابية وخصر بديع برياحينه لقرار. ويقول فى وصف عشية:
وعشىّ أنس أضجعتنى نشوة ... فيه يمهّد مضجعى ويدمّث (٦)
خلعت علىّ به الأراكة ظلّها ... والغصن يصغى والحمام يحدّث
والشمس تجنح للغروب مريضة ... والبرق يرقى والغمامة تنفث (٧)
وهو يقول إنها عشية جميلة انتشى فيها بمنظرها، إذ كان يستظل بأراكة فى مقعد ممهد لطيف، والحمام يحدّث والغصن يرهف السمع إليه، والشمس تجنح للوداع وقد اصفرّ
стр. 3957
وجهها وشحب لفراق هذا المنظر، وشعل البرق كأنها رقى تريد أن ترقيها والغمامة تنفث كما ينفث الراقى فى العقد. ومن قوله فى إحدى خمرياته:
وأراكة ضربت سماء فوقنا ... تندى وأفلاك الكئوس تدار
حفّت بدوحتها مجرّة جدول ... نثرت عليه نجومها الأزهار
وكأنّها وكأنّ جدول مائها ... حسناء شدّ بخصرها زنّار (١)
زفّ الزجاج بها عروس مدامة ... تجلى ونوّار الغصون نثار (٢)
وقد جعل ابن خفاجة الأراكة التى جلس مع ندمائه تحتها سماء، ومضى يستتم الصورة، فالكئوس تدار وكأنها النجوم تدار فى الأفلاك، والجدول وما حوله من الأزهار كأنه المجرة بما حولها من النجوم، وكأن الأراكة وما بجانبها من الجدول حسناء شدت حزاما إلى خصرها. وهذا زجاج الكئوس يزفّ المدامة إلى الشاربين ويجلوها عليهم، وما النوار والأزهار إلا نثار الدراهم والدنانير يلقى به المحبون فى هذا العرس الكبير.
وواضح ما يتميز به شعر الطبيعة عند ابن خفاجة من بث العواطف والمشاعر فى عناصر الطبيعة، بحيث يصبح لكل عنصر أحاسيسه التى يشترك بها مع غيره من العناصر.
وتتراكم هذه الأحاسيس فى شعره وتتراكم معها تصاوير الطبيعة، مما جعل بعض الأندلسيين من موطنه يعيب عليه كثرة معانيه وازدحامها فى البيت الواحد، وهى ليست كثرة معان إنما هى كثرة تصاوير، وهى ليست عيبا بل هى حسنته وفضيلته، إذ أحس بعناصر الطبيعة إحساسا عميقا، وهو إحساس تفرّد به لا بين شعراء الأندلس وحدهم بل بين شعراء العربية جميعا، بحيث يعد أكبر شعراء الطبيعة عند العرب فى مختلف عصورهم، وجعله إحساسه بها ينقل أوصافها إلى المديح فيقول فى أبى بكر بن تيفلويت والى سرقسطة:
وجلا الإمارة فى رفيف نضارة ... جلت الدّجى فى حلّة الأنوار
متقسّم ما بين شمس دجنّة ... طلعت وبين غمامة مدرار
أرج النّدىّ بذكره فكأنه ... متنفّس عن روضة معطار
فهو قد جلا الإمارة فيما يشبه رفيف البساتين من الرى والنضارة، حتى لكأنما أسبغت على الليل الداجى حلة من الأنوار، وما أروع طلعته كأنها طلعة شمس من دجنّة مظلمة
стр. 3958
تضئ للأبصار، وكأنما يداه غمامة ما تزال تهمى بالنوال على العفاة والزوار، وإن ذكره فى النّدىّ ليملؤه بأريجه العطر، حتى لكأنه يتنفس عن روض فائح العطر. وكما يمزج الطبيعة بالمديح يمزجها بمراثيه كقوله فى رثاء صديق عزيز:
فى كلّ ناد منك روض ثناء ... وبكل خدّ فيك جدول ماء
ولكل شخص هزّة الغصن النّدى ... تحت البكاء ورنّة المكّاء
وهو يقول-مخاطبا صديقه-إن كل ناد تحول إلى روض ثناء عليك وكل خد هطلت عليه الدموع الكثيرة حتى استحال كل شخص بأنينه وانهمار دموعه إلى ما يشبه هزة الغصن الندىّ ورنة طائر المكاء الصغير يبكى أليفته.
ولم نتمثل حتى الآن بشئ من شعر الطبيعة الذى نظمه فى الفترة الأخيرة من حياته، فترة التأمل فى مصيره وما ينتظره، مثل أقرانه الذين رثاهم مرارا، من الموت والعدم، ولعل خير قصيدة تصور هذه الفترة قصيدته البائية المعنونة فى الديوان بأنه قالها فى الاعتبار، وهو يفتتحها بوصف سّراه فى الليل وكيف أن وجوه الموت كانت تتجلى له دائما، وكأنما يصف رحلته الطويلة فى الحياة، ويلتقى فى سراه بجبل ضخم شاهق شامخ ويقيم معه حوارا ينطقه فيه بما يدور فى نفسه، إذ يقول له: كم آوى إلىّ واستوطننى من فتّاك ونسّاك وكم مرّ بى من غادين ورائحين وراكبين وراجلين، وكلهم عصف بهم الموت، يقول:
وما كان إلا أن طوتهم يد الرّدى ... وطارت بهم ريح النّوى والنّوائب
وما خفق أيكى غير رجفة أضلع ... ولا نوح ورقى غير صرخة نادب
فحتى متى أبقى ويظعن صاحب ... أودّع منه راحلا غير آيب
فسلّى بما أبكى وسرّى بما شجى ... وكان على ليل السّرى خير صاحب
فالجبل مثله محزون لما يرى من مصير الناس جميعا صالحين وطالحين إلى الموت والفناء وفقدان الحياة. وكل شئ يشترك مع الجبل ومع ابن خفاجة فى الإحساس بهول هذا المصير حتى ليرتجف الأيك والشجر وينوح الورق أو الحمام فزعا لهذا المصير المفجع لكل الناس. ويستطيل الجبل وابن خفاجة بقاءهما بعد رحيل كل الصحاب. ويقول إن الجبل سرّى عن نفسه لأنه وجد عنده نفس الحزن ونفس الشجا إزاء ما يشعر به من تلاحق الفواجع بالناس وأن كل من على الأرض كركب واقفين ينتظر كل منهم دوره للرحيل إلى الدار الباقية.
стр. 3959
محمد (١) بن سفر
هو أبو الحسين محمد بن سفر ، من شعراء عصر الموحدين فى المائة السادسة، ويقول ابن الأبار عنه، منسوب إلى جده وأصحابنا يكتبون اسمه بالصاد، كان بإشبيلية. ويقول ابن سعيد فيه: «شاعر المرية (بشرقى الأندلس) فى عصره الذى يغنى ما أنشده من شعره عن الإطناب فى التنبيه على قدره» وأشاد به المقرى فى النفح مرارا بمثل قوله:
«الإحسان له عادة» وقوله: «أحد الشعراء المتأخرين عصرا المتقدمين قدرا». ويقول ابن سعيد: «أعجب ما قيل فى مد نهر إشبيلية وجزره (لتأثره بجزر المحيط الأطلسى ومدّه) قوله:
جئت الجزيرة والخليج يحفّها ... يشكو إليها كى تجيب حواره
شقّ النسيم عليه جيب قميصه ... فانساب من شطّيه يطلب ثاره
فتضاحكت ورق الحمام بدوحه ... هزءا فضمّ من الحياء إزاره
وهو يجعل الخليج شاكيا إلى جزيرة هناك بقرب إشبيلية، فتعرض له النسيم شاقا جيب قميصه أو بعبارة أخرى فتحة مصب النهر، فانساب المحيط من شطيها يطلب ثاره، وهو يكنى بذلك عن المد، فتضاحك الحمام الذى كان رابضا على الدوح هزءا به، فاستحيى الخليج أو المحيط وضم من الحياء إزاره، وهو يكنى بذلك عن الجزر. وهو خيال بديع، وله يصف نزهة لبعض الشباب فى زورق شراعى بنهر، وربما كان أيضا نهر إشبيلية المسمى بنهر الوادى الكبير:
لو أبصرت عيناك زورق فتية ... يبدى لهم بهج السّرور مراحه
وقد استداروا تحت ظلّ شراعه ... كلّ يمدّ بكأس راح راحه
لحسبته خوف العواصف طائرا ... مدّ الحنان على بنيه جناحه
وهو أيضا خيال بارع لابن سفر، إذ يقول إن فتية ترافقوا فى زورق مرحين مسرورين ولم يلبثوا أن تجمعوا فى ظل شراعه يتهادون كئوس الخمر وكل منهم يمد بها لصاحبه، ويشطح به الخيال، فيقول لكأن الزورق وهم متجمعون تحت شراعه خشية الريح الشديدة طائر فى عشه دفعه الحنان إلى أن يمد جناحه على أولاده خوفا عليهم من
стр. 3960
العواصف المباغتة. ويقول:
يا من رأى النهر استثار به الصّبا ... خيلا لإرهاب الغصون الميّد (١)
لما رأتها سدّدت تلقاءه ... قرنت به خيلا تروح وتغتدى
وغدت تدرّعه ولم تبخل لها ... شمس الضّحى بمسامر من عسجد
وهو يجعل ريح الصبا كأنها خيل تهبّ لإرهاب الغصون المتمايلة، ولقيته الغصون بخيل ما تزال غادية رائحة وذاهبة آتية، وأخذت تلبس النهر دروعا من ظلالها للقاء خيل الصبا، وأهدتها شمس الضحى مسامر ذهبية كى تحكم تلك الدروع على النهر، وهو خيال بديع.
ويقول فى وادى المرية بلدته:
اشرب على شدو الحمام فإنّه ... أشهى إلىّ من الغريض ومعبد
أتراه أطربه الخليج وقد رأى ... تصفيقه تحت الغصون الميّد
وكأنهنّ رواقص من فوقه ... وبها من الأزهار شبه مقلّد (٢)
وهو يجعل شدو الحمام فى سمعه أروع من غناء مغنّيى مكة والمدينة: الغريض ومعبد المشهورين فى العصر الأموى، ويقول: كأنما أطربه شدو المياه وخريرها تحت الغصون الراقصة المطوقة لجيدها بالأزهار الجميلة، ولعل فى ذلك كله ما يشهد لابن سفر بروعة أخيلته وتصاويره.
٣ - شعراء الرثاء
(أ) رثاء الأفراد
يتخذ رثاء الأفراد فى الشعر العربى منذ الجاهلية ألوانا ثلاثة، هى الندب أو النواح لموت ذوى الرحم، والتأبين بذكر فضائل الميت تبيانا لخسارة المجتمع فيه، والعزاء بتصوير الموت وأنه سنة من سنن الكون لا مفر منه ولا نجاة. ونجد هذه الألوان الثلاثة ماثلة فى الشعر الأندلسى، ونبدأ بعرض نصوص من ندب الشعراء لبعض أقربائهم من الأبناء
стр. 3961
والزوجات والإخوة، ونلتقى بابن عبد ربه ملتاعا لفقد ابنين له هصر الموت غصن أكبرهما وهو فى ريعان شبابه، أما الثانى فكان صبيا لم يبرح زمن الطفولة، وله فيهما مراث مختلفة، ومن قوله فى الشاب ملتاعا بعد فترة من موته (١):
بليت عظامك والأسى يتجدّد ... والصّبر ينفد والبكا لا ينفد
يا غائبا لا يرتجى لإيابه ... ولقائه دون القيامة موعد
ما كان أحسن ملحدا ضمّنته ... لو كان ضمّ أباك ثمّ الملحد
باليأس أسلو عنك لا بتجلّدى ... هيهات أين من الحزين تجلّد
وهو يقول إن حزنه يتجدد وصبره ينفد والبكاء لا ينفد لغياب ابنه غيابا لا أوبة بعده إلى يوم القيامة، ويتمنى لو كان دفن معه. ويقول إنه يسلو عنه باليأس من لقائه، لا بتجلده، فلم يعد له تجلد ولا صبر. وكثير من الزوجات الأندلسيين كن قرّة أعين لأزواجهن، ونرى كثيرين من الشعراء يلتاعون لوعة شديدة حين يختطف الموت منهم زوجاتهم، من مثل قول أبى إسحق الإلبيرى يبكى زوجته (٢):
عج بالمطىّ على اليباب الغامر ... واربع على قبر تضمّن ناظرى (٣)
واقرا السلام عليه من ذى لوعة ... صدعته صدعا ما له من جابر
ولو آننى أنصفته فى ودّه ... لقضيت يوم قضى ولم أستأخر (٤)
وشققت فى خلب الفؤاد ضريحه ... وسقيته أبدا بماء محاجرى (٥)
وهو ينادى صاحبه أن يقف الركب على قبر محبوبته ويقرأ ﵇ من ملتاع صدعت بفراقها قلبه صدعا لا يمكن أن يلتئم، ويقول إنه كان من الإنصاف أن ألحد معها فى قبر واحد، فإن لم أمت شققت لها فى سويداء الفؤاد ضريحا وسقيته أبدا بدموعى المنهلّة.
ومات لمعاصره فقيه الأندلس المشهور أبى الوليد الباجى ابنان مغتربان فندبهما ندبا حارّا بقوله (٦):
стр. 3962
رعى الله قبرين استكانا ببلدة ... هما أسكناها فى السّواد من القلب
يقرّ بعينى أن أزور ثراهما ... وألصق مكنون التّرائب فى التّرب (١)
وأبكى-وأبكى-ساكنيها لعلّنى ... سأنجد من صحب وأسعد من سحب (٢)
وما ساعدت ورق الحمام أخا أسى ... ولا روّحت ريح الصّبا عن أخى كرب
ولا استعذبت عيناى بعدهما كرى ... ولا ظمئت نفسى إلى البارد العذب
وهو يدعو الله أن يرعى قبرى ابنيه اللذين يسكنان فى السواد من قلبه، ويقول إنه يسرّ بزيارة قبريهما واحتضان ثراهما، وإنه ليبكى آملا فيمن ينجده ويساعده فى بكائه، ولكن هيهات، فلا منجد لا من الإنسان ولا من ورق الحمام، ولا مروّح عنه لا من ريح الصبا ولا من غيرها. وإنه يبيت مسهدا وقد زهد فى كل متاع الحياة من بارد عذب وغير بارد عذب. وللأعمى التطيلى مرثية بديعة لزوجته آمنة تكاد فيها نفسه تذوب أسى وحسرات، وفيها يقول (٣):
أآمن إن أجزع عليك فإننى ... رزئتك أحلى من شبابى ومن وفرى
برغمى خلّى بين جسمك والثّرى ... وإن كنت لا أخشى التّراب على التّبر (٤)
هنيئا لقبر ضمّ جسمك إنّه ... مقرّ الحيا أو هالة القمر البدر
إذا جئت عدنا فاطلبينا فقلّما ... تقدّمتنى إلا مشيت على الإثر (٥)
ولا تعذلينى إن أقمت فربّما ... تأخّر بى سعيى وأثقلنى وزرى
والمرثية تكتظ بخواطر وصور بديعة، وهو يتمنى فى مطلعها أن لو واروا جسد زوجته فى صدره مع ما يحتدم فيه من لظى فرقته لها، ويسألها هل احتملت الصبر على الفراق.
أما هو فقد ضعف عن الصبر. ويقول لزوجته لا ترسلى إلىّ بطيفك فدونه سدود من كتائب السهد عليك، كما يقول لها أخبرت إن جيدك أصبح عاطلا من الحلىّ فخذى أدمعى مكانها إن كنت غاضبة على الدر، إن محارتها أو صدفتها عينى ولجتها أو يمّها صدرى.
ويبكى ابن خفاجة ابن أخت له توفى فى عنفوان شبابه بصحراء المغرب فيما يبدو، وجاءه نعيه، وفيه يقول (٦):
стр. 3963
أرقت أكفّ الدمع طورا وأسفح ... وأنضح خدّى تارة ثم أمسح (١)
فيا لغريب فاجأته منيّة ... أتته على عهد الشباب تجلّح (٢)
ترى بى-إذا أعولت حزنا-حمامة ... ترنّ وطورا أيكة تترنّح
وما أتلقّى الركب أرجو تحيّة ... توافى له أورقعة تتصفّح
فعرّج على مثوى الحبيب بنظرة ... تراه بها عنى هناك وتلمح
وهو يقول إنه يقضى الليل مسهدا تارة يكفكف دمعه وتارة يرسله مدرارا، وطورا يفيض فوّارا وطورا يمسحه. ويأسى لابن أخته أن أسرع إليه الموت غريبا شابا، بل لقد اختطفه اختطافا. ويرقّ له كل ما حوله، فالحمام يرن بهديله والشجر يترنح ويتمايل بأغصانه. ويقول إنه لن يعود يتلقى القادمين ممن كانوا معه ليسألهم هل أرسل إليه معهم تحية أو رسالة وينادى كل من حوله أن يعرج على مثوى الحبيب، ويلقى نظرة عليه، لعله يراه بها عنه أو يلمحه. ويقول أبو عامر بن الحمارة الفيلسوف تلميذ ابن باجة فى زوجته زينب (٣):
أزينب إن ظعنت فإنّ ظهرا ... أقلّك سوف يركبه المقيم (٤)
بأية حجّة أسعى لأنثى ... سواك وأنت هامدة هشيم
ولما أن حللت التّرب قلنا ... لقد ضلّت مواقعها النّجوم
ألا يا زهرة ذبلت سريعا ... أضنّ المزن أم ركد النّسيم
وهو يقول لها إن الدابة التى حملتك إلى المقابر سوف تحملنى قريبا، وسأظل وفيا لك على العهد لا أتزوج بعدك أبدا. والصورة بديعة فى البيت الثالث، فقد تعجّب لهذا النجم الثاقب أن يحل فى التراب ومكانه السماء فى أعلى علّيين، ويعجب أيضا لهذه الزهرة العطرة أن تذبل فى إبّانها وشبابها سريعا، ويتساءل أبخل المزن بقطره أم ركد النسيم، وهى أيضا صورة بديعة.
ويكثر التأبين عندهم لكثرة رجالات الأندلس من أمراء وخلفاء وحكام ووزراء وقواد وفقهاء وعلماء من كل صنف وأدباء من الكتاب والشعراء، وعادة يذكرون مناقبهم
стр. 3964
ويعددون محامدهم وخصالهم الكريمة، ومن أوائل من أبّنوهم عبد الرحمن الأوسط المؤسس الحقيقى للحضارة العربية فى الأندلس على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وفيه يقول شاعره طاهر (١) بن حزم:
ويا حسرتا إذ أظفر الموت بغتة ... بمن لم يكن إلا به الموت يظفر
تداعت إلى النّعش السحاب فظلّلت ... سريرا عليه السيّد المتخيّر
سقى الله قبرا بالنّخيل غمامة ... تكاد إذا حلّت عراها تفطّر (٢)
كأنّ ثراه مذ به سكن النّدى ... إذا لاعبته الريح مسك وعنبر (٣)
وهو يتحسر على عبد الرحمن إذ ظفر به الموت، وكان الموت إنما يظفر به لأنه عدته وسلاحه، ويقول إن السحاب ظلل نعشه فى مسيرته، ويدعو لقبره فى النخيل (مقبرة الأمويين بقرطبة) أن تسقيه غمامة، وتظل هاطلة. ويقول إن ثرى القبر مذ سكنه جثمان عبد الرحمن تفوح منه رائحة المسك والعنبر. ويتوفى سعيد بن جودى زعيم العرب بغرناطة فيؤبّنه مقدّم بن معافى القبرىّ مبتكر الموشحات بقوله (٤):
من ذا الذى يطعم أو يكسو ... وقد حوى حلف النّدى رمس (٥)
لا اخضرّت الأرض ولا أورق ال ... عود ولا أشرقت الشّمس
بعد ابن جودىّ الذى لن ترى ... أكرم منه الجنّ والإنس
دموع عينى فى سبيل الأسى ... على سعيد أبدا حبس (٦)
فقد دفن الجود مع سعيد ولم يعد هناك من يطعم أو يكسو، فلا عمت الأرض خضرة ولا أورق الشجر ولا أشرقت الشمس بعد سعيد الذى لن يرى الجن والإنس من يفوقه جودا وكرما. ويقول إنه سيظل يبكيه ملتاعا وستظل دموعه محبوسة عليه أسى وحزنا ولوعة. وكان سعيد يقود العرب ضد ثورة عليهم فى إقليم غرناطة من المسالمة والمولدين والنصارى، ووقوف مقدم معه يدل بوضوح على أنه عربى من سلالة عربية، كما أشرنا إلى ذلك فى حديثنا عن الموشحات. ولابن الحنّاط الكفيف يرثى أبا الحزم بن جهور أمير
стр. 3965
قرطبة ويهنئ بالإمارة بعده ابنه أبا الوليد (١):
إنّا إلى الله فى الرّزء الذى فجعا ... والحمد لله فى الحكم الذى وقعا
أب كريم غدا الفردوس مسكنه ... وابن نجيب تولّى الأمر واضطلعا (٢)
لله شمس ضحى فى الّلحد قد غربت ... فأعقبت قمرا بالسّعد قد طلعا
وهو يستسلم لله فيما فجع به من موت أبى الحزم جهور ويستبشر بولاية ابنه أبى الوليد، ويقول إن جهورا أصبح فى الفردوس ونهض ابنه بالحكم، ويقول إن أبا الحزم شمس غربت فطلع سريعا قمر يحمل السعد بعده. ولابن معلّى الطرسونى يرثى عالما من علماء العربية فيما يبدو (٣):
رزء بكت منه العلا ومصاب ... شقّت عليه جيوبها الأحباب
وطفقت ألتمس العزاء فخاننى ... نفس تذوب وأدمع تنساب
وتلجلج النّاعى به فسألته ... عود الحديث لعله يرتاب
أنعى إلى الإعراب منك معيده ... غضّا كما نطقت به الأعراب
ناحت بك الأقلام غاية وسعها ... وبكت بأبلغ جهدها الآداب
وهو يقول إن موت هذا العالم مصاب جلل بكت منه العلا وشقت عليه الأحباب جيوبها حزنا، ويقول انه التمس العزاء فخانته نفسه الذائبة ودمعه المنساب، وتلجلج الناعى فأمّل أن لا يكون النعى صحيحا. وينعيه إلى العربية التى أعادها غضة ناضرة كما نطق بها الأعراب فى القديم، ويقول إن الأقلام والآداب تنوح عليه نواحا لا ينقطع.
ونلتقى بابن سوار وسنخصه بكلمة مفردة. ويتوفى أبو بكر بن تيفلويت المرابطى حاكم سرقسطة سنة ٥١٠ وكان بحرا فياضا وبطلا مغوارا ويرثيه صديقه الفيلسوف ابن باجة بمثل قوله (٤):
سلام وإلمام وروح ورحمة ... على الجسد النائى الذى لا أزوره
أحقّا أبو بكر تقضّى فما يرى ... تردّ جماهير الوفود ستوره (٥)
لئن أنست تلك القبور بقبره ... لقد أوحشت أمصاره وقصوره
стр. 3966
وابن باجة، وقد يئس من زيارته لأبى بكر بن تيفلويت يتمنى له سلاما وروحا أوراحة ورحمة. وإنه لفى ذهول فيتساءل أحقا أنه لم يعد يغدو إلى قصره ولم يعد يرى ما كان على أبوابه ونوافذه من ستور كانت تردّ الجماهير؟ ويقول إن كانت القبور وجدت أنسا بقبره فقد خلفت وحشة فى قصوره وأمصاره التى كان يمد عليها سلطانه، وفيه يقول أيضا راثيا مؤبّنا باكيا (١):
يا صدى بالثّغر جاوره ... رمم بوركن من رمم (٢)
صبّحتك الخيل غادية ... وأثارتك فلم ترم
قد طوى ذا الدّهر بزّته ... عنك فالبس بزّة الكرم (٣)
وهو يقول أيها الجثمان الثاوى بثغر سرقسطة الأعلى بوركت رمم الأموات الذين جاورتهم، ويلتفت إليه قائلا: لقد صبّحتك الخيل التى تعوّدت أن تقودها لمنازلة الأعداء وأثارتك كى تنهض معها، غير أنك لم تبرح مكانك. ثم يقول-وقد أمضّه الحزن-إن يكن الدهر طوى عنك شارة الحياة فالبس شارتك الرائعة شارة الجود المنهلّ المدرار.
ولابن الزقّاق مرثية فى شهيد تقطر لوعة وأسى وهو يبكى فيه شبابه ومضاءه وتنكيله بحملة الصليب شر تنكيل، وهو يستهلها بأن الشهب ناحت عليه وبكى الغيم وانحسر ظل الأنس واغبرّ ضوء الشمس وبكاه حزب الله والإسلام، ويقول لحامليه: قفوا نودعه ونقض حقه من الدموع ولا تسلموه إلى الثرى، بل ادفنوه فى جوانحنا وأحشائنا، ويهتف ملتاعا (٤):
أعزز علىّ بضيغم ذى سطوة ... أجماته بعد الرّماح رجام (٥)
أعزز علىّ بزهرة مطلولة ... أمست ولا غير الضّريح كمام
إن راح مهجور الفناء فطالما ... هجرت به أرواحها الأجسام
الليل بعدك سرمد لا ينقضى ... فكأنما ساعاته أعوام
يا حاملين النّعش أين جياده ... يا ملبسيه التّرب أين الّلام (٦)
وهو يقول ونفسه تتقطع على هذا الشهيد حسرات تلذع حرقها فؤاده لذعا: إنه يعزّ
стр. 3967
عليه أن يصبح غيل هذا الأسد الضرغام وغابه الملتف حجارة ملقاة على قبره تندبه. ولقد كان زهرة غضة أرجة فى عنفوان شبابه، فصهرها الموت، وأبدلها من كمام الزهر حيطان ضريحه. ويقول إن كان قصره أصبح مهجور الفناء فطالما هجرت به أجسام أعدائه أرواحها وسحق ضلوعهم سحقا ذريعا، ويخال كأن الدنيا أصبحت بعده ليلا داجيا لا ينقضى أبدا وطالت ساعات السهد والغم والضيق والحزن العميق، وكأنما يذهل عن موت هذا الشاب البطل الذى تعود أن يراه ممتطيا جواده ممتشقا حسامه لحرب الأعداء، فيتساءل أين جياده، ويعجب أن يلبسه ملحدوه الترب وعادته أن يلبس الدرع ولأمة الحرب لمنازلة الأعداء منازلة ضارية. ومن أروع المراثى الأندلسية مرثية على بن حزمون للبطل أبى الحملات قائد الأعنة ببلنسية وقد استشهد فى بعض معاركه الضارية مع النصارى بعد أن أبلى بلاء عظيما، وجعل ابن حزمون مرثيته موشحة كأنما أراد أن تكون ندبا ونواحا على البطل الصريع، وفيها يقول (١):
نضا لباس الزّرد ... وخاض موج الفيلق (٢)
ولم يرعه عدد ... ذاك الخميس الأزرق (٣)
والحور تلثم خدّ ... أديمه الممزّق
وكان ذاك الأسد ... فى كل خيل يلتقى
إذا رأى الأعلاج وكبّرا ... ثم انبرى يماصع (٤)
رأيتهم كالدّجاج منفّرا ... وسط العرا الواسع
والموشحة من بحر الرجز وهو يقول إن البطل خلع عنه الدّرع وخاض دماء الكتيبة الباسلة وسط موجها المتلاطم يتقدم الصفوف مدافعا ذائدا غير مكترث بأعداد النصارى من الإسبان ولا برماحهم تنوشه، وأخذ يمزّقهم شرّ ممزّق حتى تكاثروا عليه فخرّ صريعا، وحفّت به الحور العين تزفه إلى الفردوس تقبّله وتلثم مواضع الطعنات فى جسده. وكم كان هذا الأسد المغوار يقود الخيل العاديات إلى النصارى يمحقهم محقا، وكان إذا نازلهم فرّوا فى غير نظام كأنهم دجاج منفّر، متناثرين فى كل صوب فزعا وهلعا، وكأنما كان قفلا كبيرا لبلنسية، يصدّ عن حماها العلوج النصارى منزلا بهم صواعق الموت صاعقة من بعد صاعقة إلى أن استشهد مشتريا بجهاده الفردوس ورضوان ربه. ونلتقى بمحمد بن
стр. 3968
عبد الله بن أبى القاسم يرثى عالم العربية ابن الفخار الغرناطى قائلا (١):
قضى من بنى الفخّار أفضل ماجد ... جميل المساعى للعلا جدّ شائد (٢)
أمولاى من للمشكلات يبينها ... فتجلو عمى كلّ القلوب الشواهد
ومن ذا يحلّ المقفلات صعابها ... ومن ذا الذى يهدى السبيل لحائد (٣)
وهو يصف أستاذه ابن الفخار بجده فى السعى للمعالى وحله لمشكلات النحو ومغلقاته، ملحا فى ذلك حتى تذلّل وتستبين معمياتها وصعابها، وكلما ذلل مسألة معماة أو مشكلة صعبة أخذ يذلل مشاكل ومسائل أخرى أشد عسرا. ويقول أبو عبد الله اللوشى فى رثاء سلطان غرناطة أبى الوليد إسماعيل بن فرج المتوفى لسنة ٧٢٥ للهجرة: (٤)
كادت نجوم الأفق تسقط فى الثّرى ... لما شكت شمس العلاء أفولا
لا صمت إلا وهو نار فى الحشا ... لا نطق إلا ما يعود عويلا
ضاقت صدور الخلق عن أنفاسهم ... إذ ضمّ بطن الأرض إسماعيلا
وهو يبالغ مبالغة مفرطة إذ يقول إن النجوم فى السماء كادت تسقط فى الثرى حين أفلت شمس أميره إسماعيل، وإن الحزن عليه استحال نارا فى الحشا واستحال كل نطق عويلا له وأنينا وضاقت الصدور عن أنفاسها لوعة وأسى.
واللون الثالث من ألوان رثاء الأفراد العزاء، وهو فى أصله الصير على الموت فى الأقرباء وغير الأقرباء، ومن قديم يدعو الشعراء إليه مصورين كيف أن الموت سنة من سنن الكون، فهو الغاية والنهاية لكل إنسان، إذ الناس جميعا لا بد أن يرحلوا عن دنياهم، مما دفع الشعراء-وخاصة من أخذوا بحظ من الفلسفة-إلى التفكير فى حقائق الحياة والموت والوجود والعدم، ونلتقى بابن شهيد وقد هدّه فالج أو شلل، وطال ألمه وتزايد سقمه، فنظم رثاء لنفسه، ومما قاله فيه متعزيا متقبّلا للموت عن رضا: (٥)
يقولون قد أودى أبو عامر العلا ... أقلّوا فقدما مات آباء عامر (٦)
هو الموت لم يصرف بأسجاع خاطب ... بليغ ولم يعطف بأنفاس شاعر
ولم يجتنب للبطش مهجة قادر ... قوىّ ولا للضّعف مهجة صابر
стр. 3969
يحلّ عرى الجبّار فى دار ملكه ... ويهفو بنفس الشارب المتساكر (١)
وهو يقول لمن سيبكونه من إخوانه: لا تبكوا ولا تقولوا مات، فالناس-مثل آبائه- جميعا يرحلون عن دنياهم. إنه كأس الموت لا بد للجميع من احتسائه، ولا يستطيع شئ أن ينحّيه عن الناس لا أسجاع خطيب ولا أنفاس شاعر، ولا يفلت من شباكه قوى ولا ضعيف، ولا ملك جبار ولا أحد سكران أو غير سكران. ويقول جعفر حفيد مكى بن أبى طالب المقرئ المشهور فى رثاء عبد الملك بن سراج عالم العربية المتوفى سنة ٤٨٩ للهجرة (٢):
الموت حتم والنفوس ودائع ... والعيش نوم والمنى تضليل
لا يعصم العصماء منه شاهق ... صعب ولا الورد السّبنتى غيل (٣)
يهوى الفتى طول البقاء مؤمّلا ... وله رحيل ليس عنه قفول
يلهو ويلعب مطمئنّا ذاهلا ... وله رسيم نحوه وذميل (٤)
وهو يقول إن الموت حتم لا مفر منه، وما النفوس إلا ودائع له يسترجعها واحدة فى إثر أخرى، وما الحياة إلا برهة قصيرة كبرهة النوم، وما المنى إلا خدع يضلل بها الإنسان نفسه، ولن ينجو منه أحد لا العقاب المعتصم بجبل شاهق ولا الأسد القوى الجرئ فى غيله أو غابه، وإن الفتى ليهوى طول البقاء مؤملا آمالا كبارا غير مفكر فى رحلته الكبرى التى ليس منها قفول ولا رجوع. وإنه ليلعب ويلهو مطمئنا ذاهلا عن حركته المستمرة بين عدو وإبطاء نحو الموت. واغتيل بإشبيلية ذات ليلة شاب من شبابها المأمولين يسمى محمد بن اليناقى كان من المعجبين بالأعمى التطيلى وشعره، وكان يكثر من الافتقاد له، فحزّ فى نفسه اغتياله ونظم نونية بديعة يعزى بها أخاه أبا الحسن، استهلها على هذه الشاكلة (٥):
خذا حدّثانى عن فل وفلان ... لعلى أرى باق على الحدثان (٦)
وعن دول-جسن الديار-وأهلها ... فنين، وصرف الدهر ليس بفان (٧)
стр. 3970
وعن هرمى مصر-الغداة-أمتّعا ... بشرخ شباب أم هما هرمان
فالناس والدول جميعا لا يبقى منهم باق على الزمان، فالكل يفنى ولا تفنى كوارث الدهر ومصائبه. ويتساءل عن الهرمين الباقيين بمصر هل متّعا بشباب حى ناضر أو هما نشآ هرمين عجوزين لم يعرفا شبابا ولا متاعا بالحياة، ويقول إن كل شئ-حتى فى الكواكب-إلى فراق، ويعود بالذكرى إلى أعزاء العرب فى الجاهلية الذين طحنتهم الحروب، ثم يقول:
فذلّت رقاب من رجال أعزّة ... إليهم تناهى عزّ كلّ مكان
وأىّ قبيل لم يصدّع جميعهم ... ببكر من الأرزاء أو بعوان (١)
ونبّهنى ناع مع الصبح كلّما ... تشاغلت عنه عنّ لى وعنانى
أغمّض أجفانى كأنى نائم ... وقد لجّت الأحشاء فى الخفقان
أقول كأنى لست أحفل وانبرت ... دموعى فأبدت ما يجنّ جنانى (٢)
فكل أعزاء العرب واراهم التراب، وكل قبائلهم تصدعت بأرزاء لا مثيل لها أو مكررة أو معادة، ويقول إنه حين سمع نعى هذا الشاب كان يتشاغل عنه أملا فى أن يكون غلطا وكان ما يلبث أن يتراءى له، وهو بين الظن واليقين وأحشاؤه تخفق، ويحاول أن يكتم حزنه، غير أن دموعه انهملت فأظهرت ما يستره جنانه من الهم والغم والحزن.
ويقول ابن الزقاق معزيا (٣):
هو القدر المحتوم إن جاء مقدما ... فلا الغاب محروس ولا اللّيث واثب
تساق أبيّات النفوس ذليلة ... إليه وتنقاد القروم المصاعب (٤)
وما الناس إلا خائضو غمرة الرّدى ... فطاف على ظهر التّراب وراسب
وهو يقول إن الموت قدر حتمى للإنسان، ولذلك حين ينزل به لا يستطيع أن يرده غيل ولا أسد متأهب للنزال، وإن الناس جميعا سادة وغير سادة ليساقون إلى ورده، ويخال ابن الزقاق كأن الناس جميعا يخوضون ماء غمرا، فطاف منهم لا بد أن ينشب الموت فيه أظفاره، وراسب سبق صاحبه إلى قاع الموت وقراره. ويقول ابن خفاجة فى صديق مات شابا متعزيا (٥):
стр. 3971
إذا ارتجعت أيدى الليالى هباتها ... فغاية هاتيك الهبات نهاب
تخبّ بنا فى كلّ يوم وليلة ... مطايا إلى دار البلى وركاب (١)
وهل مهجة الإنسان إلا طريدة ... تحوم عليها للحمام عقاب (٢)
وهو يقول إن الليالى إذا أعادت إلينا هبة سرعان ما تستردها، وكأننا غافلون، فتلك مطايا الموت تعدو بنا فى كل يوم مسرعة إلى دار الفناء، وما أشبه روح الإنسان بطريدة صيد تحوم عليها عقبان الموت ونسوره. ويقول أبو الحسن سهل بن مالك راثيا ومعزيا فى ابن رشد فيلسوف الأندلس المشهور (٣):
مضى علم العلم الذى ببيانه ... تبيّن خافيه وبان طريقه
رجوعا إلى الصّبر الجميل فحقّه ... علينا قضى أن لا تؤدّى حقوقه
أعزّيكم فى البعد عنه فإننى ... أهنّيه قربا من جوار يروقه
وما كان فينا منه إلا مكانه ... وفى العالم العلوىّ كان رفيقه
وهو يقول إن علم العلم الذى طالما أوضح خفياته وذلّل مشكلاته مات، وليس أمامنا إلا الصبر على هذه الفجيعة الموجعة: الصبر الجميل الذى دعا إليه الذكر الحكيم بقوله:
﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ وإن التمسك بعرى هذا الصبر وحقوقه ليحول بيننا وبين أن نؤدى لهذا العالم العظيم ما ينبغى من العويل والبكاء. ويقول لرفاقه من تلاميذ ابن رشد: إذا كنت أعزيكم فيه فإنى أهنئه بالجوار الذى يروقه، جوار الملائكة المصطفين الأخيار، وهل كان معنا منه إلا مكانه وجسده، أما روحه فكانت فى العالم الأعلى الذى صعدت إليه. ويقول ابن زمرك فى رثاء سلطان غرناطة الغنى بالله صفيّه وخليله حين توفى لسنة ٧٩٣ معزيا ابنه وخليفته يوسف (٤)
عزاء أمير المسلمين فإنها ... مقادير ربّ الخلق فى الخلق يجريها
هو الموت ورد للخليقة كلّها ... أواخرها تقفو سبيل أواليها (٥)
وما بيننا حىّ وما بين آدم ... ألا هكذا سوّى البريّة باريها
وفى موت خير الخلق أكبر أسوة ... تصبّر أحرار النفوس وتسليها
стр. 3972
وهو يعزى ابن الغنى بالله بأن الله قدّر الموت على الخلق جميعا، فالكل لا بد أن يردوا حياضه، يتبع الآخر الأول منذ آدم إلى اليوم، وقد مات رسول الله خير البريّة، وفى ذلك أكبر عزاء لك عزاء لا يماثله عزاء. وآن أن نخص محمد بن سوار ، وبالمثل ابن وهبون، بكلمة موجزة.
محمد (١) بن سوار
هو أبو بكر محمد بن سوار الأشبونى، ولد ونشأ فى أشبونة بغربى الأندلس، ولا نعرف شيئا واضحا عن نشأته وتعلمه غير أن ابن بسام يقول إنه نظم عدة قصائد فى أمراء الطوائف قالها فيهم «تحبّبا لا تكسبا، وعمر مجالسهم بها وفاء لا استجداء» مما يدل على أنه نشأ فى يسار ونعمة أغنته فى شبابه عن التكسب بأشعاره. ويستمر ابن بسام قائلا إنه بعد أن خلع ابن تاشفين أمراء الطوائف لسنتى ٤٨٣، ٤٨٤ حالت بابن سوار الحال وتوزعه الإدبار والإقبال، إلى أن وقع فى أسر النصارى وسجن بقورية على أحد فروع نهر تاجه غربى طليطلة، وظل يستغيث بمن يفتديه وينقذه من هذا الأسر وعذابه ولا مغيث إلى أن سمع باستغاثته على بن القاسم بن عشرة قاضى سلا فى المغرب على المحيط، فأغاثه وافتداه، وردّت إليه حريته بعد عام طويل من الأسر والعذاب، وعبر إليه الزقاق، فأظله برعايته وأسبغ عليه من نواله الغمر على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وظل الشاعر يدبج فيه المدائح، وكان القاضى من المقربين ليوسف بن تاشفين، ونظن ظنا أنه وصل ابن سوار به، إذ نراه حين توفى ابن تاشفين فى المحرم سنة ٥٠٠ للهجرة ينشد مرثية على قبره، قائلا:
اسمع أمير المسلمين وناصر ال ... دّين الذى بنفوسنا نفديه
جوزيت خيرا عن رعيّتك التى ... لم ترض فيها غير ما يرضيه
فى كلّ عام غزوة مبرورة ... تردى عديد الرّوم أو تفنيه (٢)
تصل الجهاد إلى الجهاد موفّقا ... حكم القضاء بكل ما تقضيه
متواضعا لله مظهر دينه ... فى كل ما تخفيه أو تبديه
стр. 3973
وهو يشيد بابن تاشفين صاحب موقعة الزلاقة التى أجّلت استرداد الإسبان للأندلس العربية مئات السنين. ويقول إنه ناصر الدين الذى يفديه كل مسلم بروحه ودمه، ويدعو الله أن يجزيه خير الجزاء عما بذل لرعيته فى جهاده المستميت للإسبان وغزواته المتعاقبة واصلا الجهاد بالجهاد، إعلاء لكلمة الله فى تواضع حميد. ويتوفى القاضى على بن القاسم بعد ابن تاشفين بعامين، فيقول فيه من مرثية طويلة:
العيش بعدك يا علىّ نكال ... لا شئ منه سوى العناء ينال
يا عصمة الفقراء بل يا مالهم ... هيهات ما للناس بعدك مال
قد كنت آمالى التى أنا طالب ... جهدى ومتّ فماتت الآمال
لا الظلّ ظلّ بعد فقدك يا أبا ... حسن ولا الماء الزّلال زلال
وهو يقول إن العيش بعد ابن عشرة نكال وعقاب وعناء وعذاب، ويسميه عصمة الفقراء بما كان ينثر عليهم من أمواله، كما يقول إن آماله ماتت بموت ابن عشرة. ولم يعد الظل ظلا باردا بل أصبح يحموما، ولم يعد الماء الزلال زلالا عذبا، بل أصبح مرا لا يساغ. وخلف القاضى فى القضاء ابنه أبو العباس أحمد، فرعاه ووالى عليه نواله، ووالى ابن سوار له مديحه. وينشد ابن بسام له قطعة من مرثيته فى صبى يسمى محمدا لعله كان ابنا لأبى العباس، كما ينشد له أبياتا فى رثاء قاضيين، وربما كانا من بنى عشرة. ولعل فيما قدمنا ما يدل بوضوح على موهبته الشعرية الخصبة. .
ابن (١) وهبون
هو أبو محمد عبد الجليل بن وهبون، مولده ومنشؤه بمرسية على البحر المتوسط، وهى من بنيان الأمير عبد الرحمن الأوسط وكانوا يسمونها بستان شرقىّ الأندلس، واشتهرت بما كان يصنع فيها من أصناف الحرير والديباج. وكانت بها حركة علمية وأدبية نشطة، ويكفى أن تكون هى التى أنتجت ابن سيدة أكبر لغوى أندلسى صاحب المخصص والمحكم المتوفى سنة ٤٥٨ للهجرة وكان مع إتقانه للعربية متوفرا على علوم الحكمة والفلسفة، وأكبر الظن أن ابن وهيون تتلمذ له، وقد يكون هو الذى دفعه للقراءة فى كتب
стр. 3974
الفلسفة. وكانت شهرة المعتمد بن عباد قد طبقت الآفاق برعايته للشعراء، ونراه يفد على إشبيلية يريد أن يحظى بشئ من هذه الرعاية، ويلزم الأعلم الشنتمرى ويختلف إلى حلقته، ويعجب به ابن وهبون، وكان فيه-مثل ابن سيده-نزوع إلى الفلسفة، فلعله أيضا كان من أسباب اهتمامه بها. وقدّم الأعلم قصيدة له إلى المعتمد بن عباد فطار بها وزيره ابن عمار، ووصله بالمعتمد، وأعجب به بدوره، فقصره على هواه، ولم يرحل إلى أمير من أمراء الطوائف سواه، وظل عنده إلا أياما كان يرحل فيها كل سنة إلى مرسية مسقط رأسه يتعهد فيها أهله، حتى إذا استنزل يوسف بن تاشفين أمير المرابطين المعتمد من عرش إمارته ونفاه إلى أغمات خرج من إشبيلية متجها إلى مرسية، وبالقرب منها سنة ٤٨٤ للهجرة لقى قطعة من خيل النصارى فاشتبك معهم، وكتبت له-على ايديهم- الشهادة. ويتميز شعره بمسحة التأمل والبعد فى الفكر والعمق فيه بتأثير قراءاته الفلسفية، وتوفى أستاذه الأعلم الشنتمرى سنة ٤٧٦ فبكاه بمرثية حارة استهلها بتأملات عميقة فى الحياة والموت منشدا:
نفسى وجسمى إن وصفتهما معا ... آل يذوب وصخرة خلقاء (١)
لو تعلم الأجبال كيف مآلها ... علمى لما امتسكت لها أرجاء
إنا لنعلم ما يراد بنا فلم ... تعيا القلوب وتغلب الأهواء
طيف المنايا فى أساليب المنى ... وعلى طريق الصحّة الأدواء
وهو يقول ما الحياة؟ إن نفوسنا فيها سراب يذوب وأجسامنا صخرات ملساء لا تلبث أن تمسّها يد الفناء، وحتى صخرات الجبال لو علمت حقيقة أنها لا بد أن تتداعى يوما لما تماسكت لها أرجاء، ويقول إنا نعلم مصيرنا إلى الموت والفناء فلم نكلف قلوبنا ما تعيا به وتشقى؟ ولم تغلبنا الأهواء والشهوات؟ ، وتلك أطياف الموت وأشباحه تتراءى لنا فيما نحاول ونحقق من أمانى، وتلك الأدواء والأمراض كأنها تنتظر الأصحّاء. ويستمر فى إنشاده:
ماذا على ابن الموت من إبصاره ... ولقائه هل عقّت الأبناء
لم ينكر الإنسان ما هو ثابت ... فى طبعه لو صحّت الآراء
دنف يبكّى للصحيح وإنما ... أمواتنا-لو تشعر-الأحياء
ما النفس إلا شعلة سقطت إلى ... حيث استقلّ بها الثّرى والماء
стр. 3975
حتى إذا خلصت تعود كما بدت ... ومن الخلاص مشقّة وعناء
وهو يقول إن الإنسان ابن الموت فلماذا يفزع من لقائه؟ أهو ابن عاقّ لأبيه؟ ولماذا يتنكر الإنسان لما هو ثابت فى كيانه؟ ولو أنصف الأحياء لعرفوا أنهم مرضى مرضا ثقيلا يشفى بهم على الموت، وكأنهم هم الخليقون بالبكاء لهم، وفيم إذن يبكون على من لبّوا نداء الموت المستكن فيهم؟ إنهم الأموات الحقيقيون الجديرون بالبكاء عليهم. وما النفس إلا شعلة هبطت-كما يقول ابن سينا-من العالم العلوى إلى الجسد أو بعبارة أخرى إلى التراب والماء، وما الموت إلا خلاص لها من هذا الأسر الطويل، ورب خلاص فيه مشقة وعناء. ومضى ابن وهبون بعد هذا العزاء يقول بأن ليس فى الدنيا بقاء وأن الكل إلى فناء، مؤبّنا الأعلم الشنتمرى أستاذه تأبينا رائعا، وهو-بحق-من شعراء الأندلس المبدعين.
(ب) رثاء الدول
هذا اللون من رثاء الدول قديم فى الشعر العربى منذ العصر الجاهلى، إذ نجد الأسود بن يعفر يرثى دولة آل محرّق فى الحيرة وحضارتهم وما شادوا من قصور الخورنق والسّدير وسنداد، حيث كانوا يعيشون فى ظل ملك ثابت ونعيم رافه، فزال ذلك كله، وأصبح باليا مندثرا. وحين قضى العباسيون على الدولة الأموية بكاها الشاعر أبو العباس الأعمى المكى طويلا. وسينية البحترى فى إيوان كسرى حين زار أطلاله مشهورة إذ خلبت لبه نقوشه وما على حيطانه من تصاوير، فوصفه وصفا بديعا، وبكى فى تضاعيف وصفه دولة الفرس ومجدها الحضارى. وحين أقنع فقهاء الأندلس يوسف بن تاشفين بعد موقعة الزلاقة المشهورة بأن عليه واجبا أن ينقذ الأندلس من أمراء الطوائف بها المتعادين المتحاربين المفضين فى حياتهم إلى اللهو والقصف متناسين مسئولياتهم إزاء نصارى الشمال لبّاهم مقتنعا بأنه يجب أن تجتمع الأندلس تحت لواء واحد، حتى تستطيع مدنها الصمود أمام نصارى الشمال، بل حتى تذيقهم وبال غاراتهم فى مواقع لا تقل عنفا عن موقعة الزلاقة. حينئذ رأى بنافذ بصيرته أنه لا بد من القضاء على حكم هؤلاء الأمراء بالأندلس وعبر الزقاق إليها سنة ٤٨٣ وبدأ الجيش بغرناطة ثم بالمعتمد بن عباد أمير إشبيلية، فقاوم قليلا ولم تغنه مقاومته، واستسلم، ونفاه ابن تاشفين إلى أغمات بقرب مراكش وكانت قرطبة تتبعه وعليها ابنه المأمون، وقاوم المرابطين وقتل، واستولى المرابطون على المدينة، كما استولوا على قلعة رندة من يد يزيد الراضى بعد أن لقى
стр. 3976
مصير أخيه المأمون. واستولى المرابطون على بقية مدن الأندلس ما عدا سرقسطة إذ رأى ابن تاشفين أن تترك لأمرائها البواسل الذين ينازلون مجاوريهم من نصارى الشمال وينكّلون بهم. وأبى أمير بطليوس المتوكل عمر بن المظفر تسليم مدينته للمرابطين، وحاربهم ودارت عليه الدوائر فقتل من دونها هو وولدان له، وكان مثل المعتمد بن عباد أديبا كاتبا شاعرا، وأحالا مدينتيهما: إشبيلية وبطليوس إلى كعبة للقصاد من الأدباء والشعراء وقبلة لآمالهما، فاجتمع عندهما من الشعراء ما لم يجتمع عند أحد من أمراء الطوائف، وبذلك أعادا سيرة سيف الدولة فى حلب والرشيد فى بغداد، وكتب للمعتمد أن يعيش بضع سنين، فبكى دولته، وأهم شاعر بكاها مثله ابن اللبانة، وحرىّ أن نخص كلا منهما بكلمة، وبالمثل بكى ابن عبدون شاعر المتوكل دولته ببطليوس، وسنخصه مثلهما بكلمة موجزة.
المعتمد (١) بن عباد
هو المعتمد محمد بن المعتضد عباد أمير إشبيلية، من سلالة النعمان بن المنذر اللخمى أمير الحيرة فى الجاهلية رزق به المعتضد سنة ٤٣١ ونشأ فى الحلية والزينة والترف، وكان المعتضد أديبا مثقفا، فكان طبيعيا أن يعنى بتربيته وأن يحضر له المعلمين من فقهاء وعلماء بالعربية وكانت فيه فطنة وذكاء، وشبّ وتفتحت ملكته الشعرية. ورأى أبوه وهو لا يزال فى بواكير شبابه أن يعهد إليه بحكم شلب فى الجنوب الغربى للأندلس وكانت تتبعه، ونزل المعتمد فيها بقصر الإمارة المسمّى بقصر الشراجيب، وتعرّف عليه سريعا ابن عمار الشلبى، وكان شابا مثله وفيه مجون، فأغواه وأغراه بالخمر والمجون والسماع، وترامت إلى أبيه أنباء لهوه، فاستدعاه فى نحو العشرين من عمره إلى إشبيلية، وأخذ يدربه على الحكم. وتصادف أن تعرّف سريعا على فتاة تسمى اعتماد مولاة لرميك من أهل إشبيلية، فاستهوته بجمالها وبداهتها الشعرية على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، فاقترن بها، وهى أم أبنائه، وله فيها كثير من أشعاره، وكان أبوه قد استطاع أن يستولى بجانب شلب على مدينة الجزيرة الخضراء الواقعة على زقاق جبل طارق وقرمونة فى الشمال الشرقى لإشبيلية ولبلة وباجة فى غربيها، وطمح إلى الاستيلاء على مالقة سنة ٤٥٩ من يد باديس
стр. 3977
الزيرى الصنهاجى أمير غرناطة، وأرسل إليها جيشا بقيادة المعتمد فاستولى عليها سريعا، وغرّه ذلك فأفضى إلى لهوه وخمره، وأرسل باديس إليه جيشا باغته وتشتت جيشه وعاد إلى إشبيلية مدحورا. وتوفى المعتضد سنة ٤٦١ فأمسك المعتمد بزمام الحكم، وجاءه ابن عمار فاستوزره واستطاع الاستيلاء على قرطبة فى العام التالى لحكمه. وأخذ يكثر مع ابن عمار من مجالس الأنس ولياليه، كما أخذ يكثر من الإغداق على الشعراء فاجتمع ببابه منهم كثيرون عنى ابن بسام فى الذخيرة بالترجمة لغير شاعر منهم. وبينما كان يغاور جيرانه من أمراء الطوائف المسلمين أبناء دينه كان يسالم ألفونس السادس ملك قشتالة ويؤدى إليه الجزية صاغرا كل عام، وحاول ألفونس أن يسلبه بعض ممتلكاته. وكان ضغط النصارى يشتد أيضا على المتوكل صاحب بطليوس فى الغرب وعلى أمير غرناطة عبد الله بن بلقين، فأجمع أمرهم-مع الفقهاء-على استدعاء يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، ولبّاهم وكتب لهم معه النصر المؤزر فى الزلاقة، وعاد يوسف إلى بلاده، وعاد المعتمد وغيره من أمراء الطوائف إلى اللهو والقصف والانغماس فى اللذات، فاستغاث الفقهاء وأهل الأندلس بابن تاشفين ثانية كى يخلص الأندلس من حكم هؤلاء الأمراء الذين مزّقوها فى يد كل منهم مزقة مع ما يستنزفونه من طيباتها فى الخمر والمجون. وعبر يوسف الزقاق، واستسلم سريعا أمير غرناطة، أما المعتمد فأبى الاستسلام وطلب من ألفونس السادس المهزوم فى الزلاقة النجدة ضد ابن تاشفين والمرابطين. وكان ذلك جرما فظيعا وخطئا كبيرا لا يحق له بعده أن يظل أميرا فى موطنه، وقاوم ولم تنفعه مقاومته فاستسلم، وأمر ابن تاشفين بنفيه مع أهله إلى المغرب، فنقلوا بالسفن من إشبيلية إلى طنجة، ومنها إلى مدينة مكناس، وأخيرا إلى أغمات بالقرب من مدينة مراكش، وظل بها مع أسرته، وفيها توفيت زوجته اعتماد الرميكية، ولم يلبث أن توفى سنة ٤٨٨ للهجرة بعد نحو أربع سنوات قضاها فى منفاه. وطبيعى لشاعر مثله أن يبكى إمارته ودولته وما كان فيه من عز وسلطان وأبهة وحياة مرفهة، واسمه ملء الآذان فى الأندلس، والشعراء يغدون عليه ويروحون بفرائد من أمداحهم، وهو يسبغ عليهم عطايا كأنها سحب غدقة منهلّة.
وكل ذلك امّحى وزال، وكأنه كان حلما واستيقظ منه على اليأس والبؤس، ويبكى ويظل يبكى ويذرف الدمع مدرارا، منشدا:
غريب بأرض المغربين أسير ... سيبكى عليه منبر وسرير
وتندبه البيض الصّوارم والقنا ... وينهلّ دمع بينهنّ غزير
فياليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... أمامى وخلفى روضة وغدير
стр. 3978
بمنبتة الزّيتون مورثة العلا ... تغنّى قيان أو ترنّ طيور
بزاهرها السّامى الذّرى جاده الحيا ... تشير الثريّا نحونا ونشير
لقد أصبح غريبا وأسيرا منفيا فى المغرب وإن منبر خطابته وعرش إمارته ليبكيانه وتبكى شجاعته السيوف والرماح، ويتقاطر دمع غزير، ويتساءل هل يمكن أن ينعم ليلة بما كان فيه من بساتين ورياض بإشبيلية بلدة الزيتون والعز والعلا والقيان المغنيات الجميلات والطيور الصادحات حول قصوره: الزاهر والثريا وغيرهما مما تأنق فى بنيانه. لقد تحولت كل هذه المباهج التى نعم بها المعتمد فى إشبيلية إلى متاعس فى أغمات، وحانت منه التفاتة فرأى قمريّة تنوح بفننها وأمامها وكر أوعشّ به حمامتان، وكأنها تبكى أليفها فقال:
بكت أن رأت إلفين ضمّهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدّهر
بكت لم ترق دمعا وأسبلت عبرة ... يقصّر عنها القطر مهما همى القطر
وناحت وباحت واستراحت بسرّها ... وما نطقت حرفا يبوح به سرّ
فما لى لا أبكى؟ أم القلب صخرة ... وكم صخرة فى الأرض يجرى بها نهر
بكت واحدا لم يشجها غير فقده ... وأبكى لألاّف عديدهم كثر
وهو يقول إن القمرية بكت حين رأت إلفين فى وكر، بينما هى فقدت إلفها، فهى تبكيه بدمع مترقرق فى جفونها لا يبلغ تعبيره فى الحزن والشجا القطر مهما همى وسال. ويقول كأنما نواحها أراحها من سرها الدفين سر حزنها على إلفها الذى فقدته، ويخاطب نفسه لماذا لا أبكى؟ هل أنا صخرة؟ ومع ذلك فالصخر تتشقق منه-وتجرى به-الأنهار والمياه الغزيرة، ولقد بكت واحدا شجاها وأحزنها فقده، وحرى بى أن أبكى ألاّفى وخلاّنى الذين يخطئهم العد. ويمر به سرب قطا فيهيج وجده ويحرّك شوقه، ويتمنى لو كان مثله حرا ينطلق كما شاء، ويدعو له منشدا:
ألا عصم الله القطا فى فراخها ... فإنّ فراخى خانها الماء والظّلّ
فهو يدعو لكل قطاة أن يعصمها الله فى فراخها فلا تصاب بظمأ ولا بمسغبة ولا بعناء كما أصيب أولاده من بنين وبنات. وللمعتمد أشعار أخرى كثيرة تصور لوعته لفقده ملكه وحرقة فؤاده على فلذات كبده.
стр. 3979
ابن اللبانة (١)
هو أبو بكر محمد بن عيسى الّلخمى الدانى، من دانية على البحر المتوسط، إحدى المدن الأندلسية التى كانت مليئة بالعلماء والكتاب والشعراء، وهو منسوب إلى أمه، وكانت امرأة صدق، تشتغل ببيع اللبن، حتى غلب اسمه عليها، ونسب أولادها إليها، وعنيت به وبتربيته، فثقف الآداب العربية وتفتحت ملكته الشعرية مبكرة، فتردد على أمراء الطوائف، وكلهم أعجبوا بشعره. واستقر أخيرا عند المعتمد بن عباد، إذ كان أكثرهم نوالا، وظل عنده حتى استنزله ابن تاشفين من إمارته، وأخذ بعده يتنقل فى البلاد، وزاره بأغمات فى منفاه، وعاد إلى الأندلس، وألف كتابه «سقيط الدرر ولقيط الزهر» وتدل نقول ابن سعيد عنه أنه كان فى أخبار الشعراء، وحاضر به فى المريّة بجنوبى الأندلس على المتوسط-كما يقول ابن الأبار-سنة ٤٨٦ ولا ندرى هل عاد إلى زيارة المعتمد فى أغمات أو لم يعد، غير أنه لما توفى رثاه رثاء حارا. ونراه يلحق بناصر الدولة مبشر بن سليمان بميورقة، ويبدو أن كلا منهما أهدى صاحبه خير ما عنده، أهداه ناصر الدولة الأموال وأهداه ابن اللبانة الأشعار والمدائح البديعة، وما زال ابن اللبانة يعيش فى رعايته حتى توفى فى الجزيرة سنة ٥٠٧. وضرب ابن اللبانة مثلا رائعا فى الوفاء للمعتمد بن عباد، فقد بكى دولته مرارا وتكرارا، ومن أروع ما قاله من ذلك دالية، وهو يفتتحها على هذه الشاكلة:
تبكى السماء بدمع رائح غادى ... على البهاليل من أبناء عبّاد (٢)
على الجبال التى هئدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتاد (٣)
عرّيسة دخلتها النائبات على ... أساود منهم فيها وآساد (٤)
إن يخلعوا فبنو العبّاس قد خلعوا ... وقد خلت قبل حمص أرض بغداد (٥)
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ ... فى ضمّ رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمّل واديهم لتسكنه ... خفّ القطين وجفّ الزّرع بالوادى (٦)
стр. 3980
وهو يقول إن السماء تبكى بسحبها على السادة من بنى عباد الذين كانت الأندلس ترسو بهم كما ترسو الأرض بالجبال وإن قصورهم بإشبيلية لغابة اقتحمتها الكوارث على أسد مفترسة وحيّات ضخمة سامة. ويعزّى ابن اللبانة نفسه وأهل إشبيلية بأن لهم أسوة فى خلع آل عباد بمن خلعوا قبلهم من الخلفاء العباسيين. ويلتفت إلى من كانوا ينزلون بالمعتمد وآبائه طالبين القرى والضيافة، فيقول لهم إن بيت الكرم والجود أغلقت أبوابه، فاستعدوا للرحيل واجمعوا بقايا الزاد إن كانت هناك بقايا، ويقول لمن كانوا يأوون إلى ظلالهم رحل السكان وجفّ الزرع بالوادى الذى كان خصبا ممرعا. ويصوّر مشهد المعتمد وأهله، وقد هبطوا من قصورهم لركوب السفن فى نهر إشبيلية الكبير متجهين إلى طنجة وقد تجمع أهلها يودّعونهم، يقول:
نسيت إلا غداة النّهر كونهم ... فى المنشآت كأموات بألحاد
والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافيات فوق أزباد (١)
حطّ القناع فلم تستر مخدّرة ... ومزّقت أوجه تمزيق أبراد (٢)
حان الوداع فضجّت كلّ صارخة ... وصارخ من مفدّاة ومن فادى
سارت سفائنهم والنّوح يصحبها ... كأنها إبل يحدو بها الحادى
كم سال فى الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد (٣)
يقول إننى مهما نسيت فلن أنس رحيل المعتمد وآله فى السفن، وكأنها مقابر نزلوها والناس قد ملأوا الشاطئين متعجبين لتلك اللآلئ من النساء تطفو على الماء فوق زبده ولا ترسب فى القاع. ويقول إنهن سرن من قصورهن سافرات لحزنهن يلطمن ويخمشن وجوههن بأظافرهن لفجيعهتن. وضج الرجال والنساء على الشاطئين، وضجّ من فى السفن وضج المفدّون الملوحون لهم بأيديهم، وسارت السفن يصحبها الندب والنواح كما يصحب الحداء الإبل السائرة فى الصحراء، وكم سال فى ماء الوادى الكبير من دمع وكم حملت تلك السفن من فلذات أكباد. والمرثية طويلة. ووفد ابن اللبانة على المعتمد فى أغمات-كما يقول ابن بسام-وفادة وفاء لا وفادة استجداء، وانقطع إليه انقطاع وداد لا انقطاع استرفاد، ويقول إنه مدحه للوفاء بأحسن مما مدحه به للعطاء، وبذلك ملأ قلوب العرب فى كل مكان-إلى اليوم-عطفا على المعتمد. وكأنما غسل بدموعه عليه
стр. 3981
سيئات حكمه من أدائه الجزية للملك النصرانى فى الشمال ومحاربته لجيرانه من الأمراء المسلمين أبناء دينه وإنفاقه الأموال بسخاء على مجونه وملذاته كأنه يملك خزائن قارون ثم موقفه بأخرة من ابن تاشفين بطل الزلاقة منذ سنوات تعد على أصابع اليد الوحدة، إذ استنجد ضده بألفونس السادس عدو الإسلام والمسلمين. كل هذه السيئات استطاع ابن اللبانة أن يمحو دنسها عن المعتمد بعويله وتفجعه الملتاع على دولته. وكما كان ابن اللبانة شاعرا كبيرا كان وشاحا كبيرا أيضا، وله موشحات كثيرة مدح بها المعتمد بن عباد، وهو أحد أربعة من وشّاحى الأندلس أدار عليهم ابن سناء الملك اختياراته من موشحات الأندلسيين فى كتابه «دار الطراز»
ابن عبدون (١)
هو أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله بن عبدون الفهرى اليابرى، من يابرة غربى بطليوس، عنى أبوه بتربيته، وطمحت نفسه إلى التلمذة على أعلام العربية من مثل الأعلم الشنتمرى المتوفى سنة ٤٧٦ وعبد الملك بن سراج المتوفى سنة ٤٨٦ وأبى بكر عاصم بن أيوب البطليوسى المتوفى سنة ٤٩٤. وفى الصلة لابن بشكوال أنه كان عالما بالخبر والأثر ومعانى الحديث وأن الناس أخذوا عنه. واستيقظت ملكته الشعرية مبكرة، فمدح المتوكل عمر بن المظفر أمير بطليوس وكان كاتبا شاعرا مع شجاعة وفروسية، وكان مثل أبيه ملاذا لأهل الأدب والشعر، وكانت إمارته تشمل مدن يابرة وشنترين وأشبونه إلى المحيط. وأعجب المتوكل بالشاعر الشاب الناشئ فى إمارته، ونفاجأ بوفود الشاعر على المعتمد ومديحه، ولم يجد لديه قبولا لما كان بينه وبين المتوكل أمير بلدته، فربما ظن أنه أرسله عينا عليه، ولو كان يعرفه ويعرف خلقه الكريم ما داخله هذا الظن. وعاد الشاعر من لدنه، فلم يفد بعد ذلك على أحد من أمراء الطوائف، واستغرقه المتوكل بنواله وبمودته، إذ اتّخذه جليسا ورفيقا له فى زياراته لمدن إمارته، وأسبغ عليه من الود حللا ضافية، جعلته يلهج بمديحه ويقصر شعره عليه، حتى إذا غاضب المرابطين، وقاتلهم وقتل هو وابناه: الفضل والعباس رثاه ورثى دولته برائية مشهورة سنعرض لها عما قليل. ونراه يعلن بعد ذلك فى شعره أنه لن يقدّمه إلى أمير، وكأنما مات
стр. 3982
الأمراء جميعا فى شخص المتوكل ومات معهم المديح. ويقول صاحب المعجب إنه كان يكتب للمتوكل أمير بطليوس ثم يقول إنه كتب بعد ذلك للأمير سير بن أبى بكر بن تاشفين الذى ولى إشبيلية بعد استنزال المعتمد منها مدة طويلة، ويذكر له رسالة كتب بها عنه إلى سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين بفتح مدينة شنترين، ويقول المراكشى إن ابن عبدون كتب ليوسف بن تاشفين أو لابنه لا يدرى والصحيح أنه إنما كتب لابنه على بعد سير بن أبى بكر، ويؤكد ذلك قول المراكشى فى موضع آخر: «لم يزل أمير المسلمين على بن يوسف بن تاشفين من أول إمارته يستدعى أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس، وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك» ثم يعّددهم ويذكر من بينهم أبا محمد عبد المجيد بن عبدون. ويبدو أنه ظل كاتبا عنده إلى آخر حياته إذ يقول صاحب الصلة إنه انصرف إلى يابرة لزيارة من له بها، فتوفى فيها سنة ٥٢٩ للهجرة. ويشيد ابن بسام والفتح بن خاقان وكل من ترجموا له بأشعاره، وخاصة برائيته التى رثى فيها دولة المتوكل ببطليوس وقد نالت شهرة واسعة مما جعل كثيرين ممن ترجموا له ينشدونها فى ترجمته، وعنى بشرحها عبد الملك بن عبد الله الشلبى من أدباء القرن السابع الهجرى فشرحها. ونشرها مع شرحها دوزى ثم طبعت مع الشرح بالقاهرة، وهو فيها يسوق العبرة بمن ماتوا واندثروا من عظماء الأمم وحكامها الكبار ودولها الغابرة وحيواناتها الفاتكة وطيورها الجارحة، يقول ابن بسام: «اقتفى فيها أبو محمد أثر فحول القدماء من ضربهم الأمثال فى التأبين والرثاء بالملوك الأعزة وبالوعول الممتنعة فى قلل الجبال والأسود الخادرة (١) فى الغياض وبالنسور والعقبان والحيّات فى طول الأعمار». (٢) وهو يستهلها بقوله:
الدّهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصّور
أنهاك أنهاك-لا آلوك موعظة- ... عن نومة بين ناب اللّيث والظّفر (٣)
ما للّيالى أقال الله عثرتنا ... من الليالى وخانتها يد الغير (٤)
فى كل حين لها فى كلّ جارحة ... منا جراح وإن زاغت عن النّظر
تسرّ بالشئ لكن كى تغرّ به ... كالأيم ثار إلى الجانى من الزّهر (٥)
стр. 3983
وهو يتحدث عن الدهر وأنه دائما يرسل فواجعه على المحسوس وما وراء المحسوس، ففيم الحزن على من يموتون، وهم ليسوا إلا أشباحا وصورا، ويقول إننى لا أقصّر فى وعظك ونهيك عن الاستنامة إلى الدهر، وهو قد أنشب فيك نابه وظفره. ويدعو الله أن يقيلنا وينقذنا من عثرات الليالى وأن يسلط عليها الأحداث حتى تنهكها ولا تبقى فيها بقية، إذ فى كل حين تصيبنا فى عضو منا عزيز علينا بجراح، منها ما نراه، ومنها ما يزيغ عن البصر، وإنها إن سرّت بشئ-وهيهات-فلكى تخدعنا به، بل لكى تلسعنا من خلاله اللسعة القاضية، كالأفعى المختبئة فى الزهر تلسع يد قاطفه اللسعة السامة المميتة.
ويأخذ فى العظة بذكر من أبادتهم الليالى والأيام من الدول العظيمة منشدا:
كم دولة وليت بالنّصر خدمتها ... لم تبق منها-وسل دنياك-من خبر
هوت بدارا وفلّت غرب قاتله ... وكان عضبا على الأملاك ذا أثر (١)
واسترجعت من بنى ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبنى يونان من أثر
وأتبعت أختها طسما وعاد على ... عاد وجرهم منها ناقض المرر (٢)
ومزّقت سبأ فى كل قاصية ... فما التقى رائح منهم بمبتكر (٣)
وهو يقول: دول كثيرة أتاحت الليالى لها الظفر والرفعة، ثم عادت فهوت بها من حالق، هوت بدارا ملك الفرس، فقتله الإسكندر المقدونى، ولم تلبث أن هدّت منه، وكان سيفا قاطعا ساطعا فثلّمته وحطمته. وقد استرجعت من بنى ساسان ملوك الفرس كل ما وهبتهم من عز ومجد، ولم تدع لليونانيين شعب الإسكندر من أثر كأن لم يكونوا شيئا مذكورا. وبالمثل صنعت بقبيلتى طسم وأختها جديس فى اليمامة، وكرّ الدهر على عاد وجرهم نكباته حتى محاهما محوا، ومزقت الليالى سبأ كل ممزق، فتفرق أهلها فى الأرض ولم يلتق منهم رائح بغاد مبكر. ويمضى ابن عبدون فى الحديث عمن أهلكتهم الليالى من أعاظم العرب فى الجاهلية والإسلام مشيرا معهم إلى كثير من الأحداث فى العصر الجاهلى وصدر الإسلام والعصرين الأموى والعباسى مما يدل بوضوح على اتساع ثقافته وكيف يتحول التاريخ إلى شعر وفن، ثم يخاطب المتوكل عمر وآباءه بنى المظفر أمراء بطليوس:
بنى المظفّر والأيام ما برحت ... مراحلا والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما ولا حملت ... بمثله ليلة فى مقبل العمر
стр. 3984
من للأسرّة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثّغر (١)
ويح السماح وويح البأس لو سلما ... واحسرة الدّين والدنيا على عمر
وهو يقول لبنى المظفر بعد أن عدد لهم ما أبادته الليالى من الدول والعظماء تلك هى الأيام مراحل، وما أشبه الناس فيها بقوافل راحلة إلى عالم الموت والفناء، ويقول:
سحقا وبعدا لليوم الذى زالت فيه دولتكم ولا حملت بمثله ليلة تعسة من الليالى. ويبكيهم لعرش بطليوس وخيلها العادية وسيوفها الباترة، ويتوجع للسماح وللشجاعة، ويتحسر على ما خسر الدين من جهاد المتوكل للأعداء وخسرت الدنيا من مجده وأبهة إمارته.
والمرثية تعد من فرائد الشعر الأندلسى، بل الشعر العربى بعامة، وبدون ريب يعدّ ابن عبدون من أفذاذ الشعراء الأندلسيين.
٤ - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية
(أ) شعراء الزهد
الزهد من جوهر الدين الحنيف ومنذ عصر الرسول ﷺ تتألق أسماء زهاد كثيرين، زهدوا فى متاع الحياة الدنيا، مؤثرين عليه ما عند الله من متاع الآخرة، مع وصلهم زهدهم بالعمل والكسب، حتى لا يعيشوا عالة على المجتمع. وتلقانا-على مر التاريخ- طوائف من هؤلاء الزهاد، وكثيرون منهم استحال زهدهم-على ألسنتهم-إلى مواعظ وأشعار كثيرة. وشركهم فى أشعارهم الزاهدة كثيرون من علماء التفسير والفقه والحديث النبوى وعلماء العربية، فضلا عن الشعراء الذين طالما حانت منهم التفاتات إلى مصيرهم وما ينتظرهم من الموت. ومن أجل ذلك كله أصبح الزهد غرضا كبيرا من أغراض الشعر العربى فى كل عصر وفى كل بلد عربى، وتلقانا منه سيول كثيرة فى الأندلس، ولن نستطيع أن نعرض منها إلا شيئا يسيرا وخاصة ما جاء على ألسنة الزهاد الحقيقيين الذين قصروا حياتهم-أو شطرا كبيرا منها-على النسك والعبادة. وأول من نذكره من هؤلاء الزهاد أبو وهب (٢) عبد الرحمن العباسى القرطبى المتوفى سنة ٣٤٤ لعهد عبد الرحمن الناصر،
стр. 3985
ويقول ابن بشكوال: كان منقطع القرين فى الزهد والورع، ويذكر ابن سعيد أنه كان لا يكلم-ولا يجالس-أحدا، وكان أكثر دهره مفكرا وجهه على ركبته، ومن شعره:
أنا فى حالتى-التى قد ترانى ... إن تأملت-أحسن الناس حالا
منزلى حيث شئت من مستقرّ ال ... أرض أسقى من المياه زلالا (١)
ليس لى كسوة أخاف عليها ... من مغير ولا ترى لى مالا
أجعل الساعد اليمين وسادى ... ثم أثنى-إذا انقلبت-الشّمالا
وهو لا يملك منزلا يقيه البرد وينام فيه ليلا ولا ثوبا غير الثوب الذى يستر جسده ولا مالا يكنزه، ويرى نفسه بذلك أسعد الناس لأنه لا يملك شيئا يخاف عليه من مغير أو ناهب، وحسبه جرعات من ماء عذب، وإذا نام اتخذ يمينه وساده، فإن تعب ثنى الشمال وسادا. ويقول ابن سعيد: كان إذا أصبح ونظر إلى استيلاء النور على الظلمة رفع يديه إلى السماء قائلا: اللهم إنك أمرتنا بالدعاء إذا أسفرنا (٢)، فاستجب لنا كما وعدتنا، اللهم لا تسلّط علينا فى هذا اليوم من لا يراقب رضاك ولا سخطك، اللهم لا تشغلنا فيه بغيرك، اللهم لا تجعل رزقنا فيه على يد سواك، اللهم امح من قلوبنا الطمع فى هذه الفانية كما محوت بهذا النور هذه الظلمة، اللهم إنا لا نعرف غيرك فنسأله، يا أرحم الراحمين، يا غياث من لا غياث له. ومن قوله:
تنام وقد أعدّ لك السهاد ... وتوقن بالرحيل وليس زاد
وتصبح مثل ما تمسى مضيعا ... كأنك لست تدرى ما المراد
أتطمع أن تفوز غدا هنيئا ... ولم يك منك فى الدنيا اجتهاد
إذا فرّطت فى تقديم زرع ... فكيف يكون من عدم حصاد
وهو يقول مخاطبا: كيف تنام وقد هيّئ لك سهاد، كى تعبد الله حق عبادته، وكيف توقن بأنك راحل عن دنياك وأنت لم تهيئ لنفسك زادا لرحلتك، وتصبح وتمسى لا تدرى من أمرك شيئا فكيف تطمع فى الفوز بقبول الله لك ورضاه عنك وأنت لم تؤد حقه من العبادة والنسك، وهل يمكن لشخص قصّر فى رعاية زرعه أن يحصد منه شيئا. ونلتقى فى عصر أمراء الطوائف بأبى إسحق الإلبيرى، وسنخصه بكلمة، وكان يعاصره الطّيطل (٣)
стр. 3986
على بن إسماعيل الفهرى القرشى الأشبونى، وفيه يقول ابن عبد الملك المراكشى، قرأ العلم بقرطبة ودرس على طائفة من علمائها وأكثر من حفظ الآداب والأشعار، وكان من الأدباء النبلاء والشعراء المحسنين سمح القريحة، مشاركا فى الحديث والفقه، أمضى فى ذلك صدرا من عمره، ثم مال إلى النسك والتقشف ونظم فى معانيهما أشعارا رائقة وضروبا من الحكم تناقلها الناس وحفظوها عنه. واتخذ لنفسه رابطة (١) فى رقعة من بستان له على بحيرة شقبان عرفت برابطة الطّيطل ولزم بها العبادة والنسك إلى أن توفى. ويقول ابن بسام: إن أهل أوانه كانوا يشبهونه بأبى العتاهية فى زمانه، ويذكر إنه نظم الدرّ المفصّل فى الزهد، ومن نظمه:
إذا سدّ باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
فإنّ جراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها (٢)
ولاتك مبذالا لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصى يجتنبك عقابها
وهو يوصى صاحبه بأن لا ييأس أبدا، فإذا سدّ عنه باب فى الرزق فليتركه إلى باب آخر ينفتح له، وليكفه كفاف القوت فإن وعاء البطن حسبه أن يمتلئ، وما زاد عن ذلك لا يحتاجه الإنسان، وليغنه عن الأمور السيئة أن يجتنبها، حتى لا يعرّض نفسه لعقاب، وليصن عرضه وشرفه ويجتنب المعاصى حتى لا تصيبه أى عقوبة. ويقول:
الموت يرعاك كلّ حين ... فكيف لم يجفك المهاد
ما حال سفر بغير زاد ... والأرض قفر ولا مراد (٣)
فابن بها للتّقى بروجا ... تأمن إذا روّع العباد
وهو يقول إن جرس الموت يدق فى كل حين، فكيف لا تحيى الليل بالعبادة، وإنك لراحل مسافر إلى ربك، وهل يستطيع مسافر أن يسافر بغير مئونة وزاد، إنه يكون أشبه بمن يسافر فى صحراء مجدبة ولا مرعى ولا قوت، فاتخذ التقى والورع عدّتك تأمن حين يعصف بك الموت الذى لا بد منه للعباد. وله وصف دقيق للنملة يصور فيها خصرها الضامر، وكأنما آخرها قطرة من قطران أو حبر أسود، تحمل قوتها مدخرة له مهتدية فى ظلمة الليل إلى خرق كثقب الإبرة، لا يسمع لها أحد حركة، مسبّحة ربها، وسبحانه العالم وحده بتسبيحها.
стр. 3987
وولد فى عصر الطوائف سنة ٤٤٠ بكار (١) بن داود المروانى، ولحق عصر المرابطين وعاش فيه فترة غير قصيرة، مولده فى شنترة من بلدان أشبونة بغربىّ الأندلس، درس فى قرطبة ثم استوطن أشبونة. ويروى ابن سعيد عن أبى عمرو بن الإمام صاحب سفط اللآلى فى أخبار شعراء عصره المتوفى بعد سنة ٥٥٠ أنه لقيه وكان غاية فى الزهد مطّرحا لنفسه واستشهد فى جهاد العدو، ويقول إنه استنشده من شعره فأنشده:
ثق بالذى سوّاك من ... عدم فإنّك من عدم
وانظر لنفسك قبل قر ... ع السّنّ من فرط النّدم
واحذر-وقيت-من الورى ... واصحبهم أعمى أصمّ
قد كنت فى تيه إلى ... أن لاح لى أهدى علم
فاقتدت نحو ضيائه ... حتى خرجت من الظّلم
وهو يقول: ضع ثقتك فى الله الذى سوّاك وخلقك من عدم، وفكر فى نفسك وما ينبغى أن تنهض به من عبادته قبل أن تعض على أصابعك نادما على ما فرطت فى جنب خالقك.
واحذر الناس واصحبهم كأنك لا تراهم ولا تسمعهم. ويقول إنه كان فى تيه ضلال وظلام حالك إلى أن لاح علم الهدى فاهتدى بضيائه. ومن الزهاد لعصر الموحدين أبو الحجاج يوسف (٢) المنصفى، من قرية المنصف من قرى بلنسية فى شرقى الأندلس، ويقول المقرى: كان صالحا وله رحلة حجّ فيها، ومال إلى علم التصوف، وله أشعار حملت عنه، منها قوله:
قالت لى النّفس: أتاك الرّدى ... وأنت فى بحر الخطايا مقيم (٣)
هلا اتخذت الزاد قلت: اقصرى ... هل يحمل الزاد لدار الكريم
فنفسه قالت له: أتاك الموت وأنت غارق فى الذنوب فهلا اتخذت زادا للمعاد؟ فقال لها إن الزاد لا يحمل لدار الجواد الكريم. ومن طريف ما قيل حينئذ فى الزهد والدعوة إلى العمل الصالح قول الفيلسوف أبى بكر بن طفيل (٤):
يا باكيا فرقة الأحباب عن شحط ... هلا بكيت فراق الروح للبدن (٥)
стр. 3988
نور تردّد فى طين إلى أجل ... فانحاز علوا وخلّى الطين للكفن
يا شدّ ما افترقا من بعدما اعتلقا ... أظنّها هدنة كانت على دخن (١)
إن لم يكن فى رضا الله اجتماعهما ... فيالها صفقة تمّت على غبن (٢)
وهو يقول لمن يبكى على أحبابه حين يختطفهم الموت أتبكى لفراقهم ولا تبكى لما ينتظرك من فراق الروح للبدن، وكأنما كانت الروح نورا تردد وقتا فى طين الجسد، ثم تسامى عنه علوا وخلاّه للكفن، وإنها لفرقة شديدة بعد امتزاجهما طول الحياة، وكأنما كانت بينهما هدنة غير صافية، ويقول إن اجتماعهما وامتزاجهما إن لم يكن فى رضا الله كان صفقة أو بيعة خاسرة.
وتكاثر الزهاد لعهد يعقوب الموحدى وكوّن منهم فرقة كبيرة جعلها بمقدمة جيشه فى غزوة الأرك المشهورة لسنة ٥٩١ وكان يشير إليهم فى الغزوة. ويقول: هؤلاء هم الجند، لا أولئك ويشير إلى العسكر. ويقول صاحب المعجب إنه حين رجع من المعركة أمر لهؤلاء الزهاد الصالحين بأموال عظيمة، ومنهم من رأى قبول العطية، ومنهم من ردّها، وتساوى عنده الفريقان وقال: لكل مذهب (٣). ومن كبار الزهاد حينئذ أبو عمران (٤) موسى بن عمران المارتلى وهو من مارتلة، حصن من حصون باجة، وعنه قال ابن الأبار فى التكملة:
كان منقطع القرين فى الورع والزهد والعبادة والعزلة، وله فى ذلك آثار معروفة مع الحظ الوافر من الأدب والتقدم فى قرض الشعر فى الزهد والتخويف، وكان ملازما لمسجده بإشبيلية، توفى سنة ٦٠٤ عن اثنتين وثمانين سنة، ومن شعره:
إلى كم أقول ولا أفعل ... وكم ذا أحوم ولا أنزل
وأزجر عينى فلا ترعوى ... وأنصح نفسى فلا تقبل
وكم ذا أؤمّل طول البقا ... وأغفل والموت لا يغفل
وفى كل يوم ينادى بنا ... منادى الرحيل ألا فارحلوا
كأن بى وشيكا إلى مصرعى ... يساق بنعشى ولا أمهل
وهو يتلوم نفسه فكم ينوى الخير ولا يفعل وكم يروم العمل الطيب ولا يعمل، وكم يزجر عينه أن لا تنظر إلى المحرمات ولا تزدجر، وكم ينصح نفسه أن ترعوى
стр. 3989
ولا تنتصح، وكم يؤمل فى البقاء غافلا عن الموت والموت لا يغفل، وكأنه لا يسمع منادى الرحيل، مع أنه قريبا سيرحل، ويحمل فى نعشه ولا يمهل.
ومنذ عصر المرابطين نجد كثرة الزهاد تتحول إلى التصوف وعالمه، وتظل أسراب شعر الزهد الذى كان يجرى على ألسنة العلماء والشعراء تنطلق فى مجراها الذى بدأت مسيرتها فيه منذ عصر الدولة الأموية، من ذلك قول حازم القرطاجنى (١):
لم يدر من ظنّ الحياة إقامة ... أنّ الحياة تنقّل وترحّل
فى كل يوم يقطع الإنسان من ... دنياه مرحلة ويدنو المنهل
يحظى السعيد به بطول سعادة ... وأخو الشقاوة للشقاوة ينقل
لا تبك إشفاقا لما استدبرته ... ولتبك إشفاقا لما تستقبل
وهو يقول: من الخطأ أن يظن الإنسان أن الحياة دار إقامة، فإنها دار تنقل وارتحال، فى كل يوم يقطع الإنسان فيها مرحلة من حياته إلى أن تكون المرحلة الأخيرة، وينتقل إلى حياته الثانية فينتقل إما إلى سعادة ونعيم وإما إلى شقاوة وجحيم، ومن عجب أن يبكى المرء إشفاقا على ما خلّف منها وراء ظهره وحقه أن يبكى إشفاقا على ما يستقبله فى آخرته من مصير غير معروف: شقى أو سعيد. ويقول ابن خاتمة متشبثا بعفو الله ورحمته فى أول قصيدة بديوانه:
لقد فتح الرّحمن أبواب عفوه ... لمن راجع الذّكرى وأقبل خاشيا
إلهى لا تفضح عوارا سترته ... فما لى مأمول سواك إلهيا (٢)
هلكت ردى إن لم أنل منك رحمة ... تبعّد روعاتى وتدنى أمانيا
لعلّ الذى قام الوجود بجوده ... يعيد بحسن اللّطف حالى حاليا (٣)
وهو يقول إن الله-جلّ شأنه-فتح أبواب عفوه على مصاريعها لمن راجع نفسه وأقبل خاشيا منيبا، ويدعو الله أن يستر عيوبه ويرحمه رحمته الواسعة، ويرجوه بجوده الفياض على الوجود أن يعيد حاله حاليا مزدانا. ويستغيث لسان الدين بن الخطيب بربه منشدا (٤):
стр. 3990
إلهى بالبيت المقدّس والمسعى ... وجمع إذا ما الخلق قد نزلوا جمعا (١)
وبالموقف المشهود-يا ربّ-فى منى ... إذا ما أسال الناس من خوفك الدّمعا
وبالمصطفى والصّحب عجّل إقالتى ... وأنجح دعائى فيك يا خير من يدعى (٢)
صدعت وأنت المستغاث جنابه ... أقل عثرتى يا مأملى واجبر الصّدعا (٣)
وهو يتوسّل إلى الله بمقدساته: ببيت القدس والمسعى بين الصفا والمروة فى الحج وبجمع أو المزدلفة مجتمع الحجاج، وبموقفهم فى منى متبتلين إلى ربهم، وبالرسول ﷺ وصحبه أن يتجاوز عن سيئاته وأن يقبل منه دعاءه، فقد جهر بذنوبه ولاذ بجنابه، وإنه ليستغيث به ضارعا إليه أن يقيله من عثرته ويجبر الصدع أو الشّقّ البيّن فى أعماله. وحرىّ بنا أن نتحدث عن الزاهد الكبير الإلبيرى.
أبو إسحق (٤) الإلبيرى
هو أبو إسحق إبراهيم بن مسعود بن سعد التّجيبى، من أهل حصن العقاب بالقرب من إلبيرة، ولزم فى نشأته فقيهها ومحدثها ابن أبى زمنين المتخلق بأخلاق الصالحين المتوفى سنة ٣٩٩ ويقول بعض من ترجموا له إنه كان من البكّائين الورعين الخاشعين، ويقول ابن الأبار فى التكملة إن أبا إسحق روى مصنفاته عنه مما قد يدل على أنه جلس مجلسه لإفادة الطلاب فى إلبيرة. وخرّبت سريعا فى عهد زاوى بن زيرى الذى اتخذ غرناطة دار إمارة له (٤٠٣ - ٤١٠ هـ) مما جعل كثرة أهلها تهاجر إلى غرناطة، وهاجر إليها أبو إسحق، غير أنا لا نعرف تاريخ هجرته إليها بالضبط، ونظن ظنا أنه ظل بها يروى لطلاب العلم كتب أستاذه ابن أبى زمنين. ونرى أبا الحسن على بن محمد بن توبة حين يتولى القضاء لباديس بن حبوس أمير غرناطة (٤٢٩ - ٤٦٧ هـ) يتخذ أبا إسحق كاتبا له. واصطحبه معه إلى المرية حين طلب إليه باديس حمل رسالة إلى أحمد بن عباس وزير
стр. 3991
زهير الصقلبى أميرها، مما يدل على حسن منزلته عند القاضى وأنه ظل كاتبا له إلى أن أخذ يحمل بعنف على إسماعيل بن النغريلة اليهودى وزير الأمير باديس لتسلطه-مع من عهد إليهم بالعمل معه من اليهود-على شئون الحكم. واستطاع إسماعيل أن يستصدر أمرا من باديس بنفى أبى إسحق من غرناطة إلى إلبيرة، وربما عاد حينئذ إلى مسقط رأسه فى العقاب. وتوفى إسماعيل بن النغريلة، وخلفه فى وزارة باديس ابنه يوسف فزاد الطين بلة، وضج الناس، وكان أبو إسحق قد عاد إلى غرناطة، فألقى فى أهلها قصيدة كانت أشبه بقنبلة، طالب فيها بقتل يوسف، وردّدها الناس فى الشوارع، وسرعان ما نشبت لسنة ٤٥٩ ثورة ضارية على اليهود ألممنا بها فى حديثنا عن الهجاء، وكان أبو إسحق قد بلغ العقد التاسع من عمره فلبّى نداء ربه فى نحو سنة ٤٦٠ للهجرة. ولم يحمل أبو إسحق عن أستاذه ابن أبى زمنين مصنفاته فى الفقه والحديث فقط. بل حمل عنه أيضا مصنفاته فى الوعظ وأخبار الصالحين. ولا يقل عن ذلك كله أهمية حمله عنه أشعاره الزهدية، مما غرس الزهد فى نفسه مبكرا، وأتيحت له ملكة شعرية خصبة، فاستغلها فى نظم أشعار زهدية كثيرة، ويقول ابن الأبار: «كان من أهل العلم والعمل شاعرا مجودا وشعره مدون وكله فى الحكم والمواعظ والأزهاد» ويقول ابن سعيد: «له ديوان ملآن من أشعار زهدية، ولأهل الأندلس غرام بحفظها» وهو غرام مرجعه إلى ما تمتاز به زهدياته من لغة ناصعة وخواطر منوعة تمس القلوب بما تحمل من فيض المشاعر الدينية، وكأنما يستمد من نبع حماسى يتدفق فى عذوبة. والديوان يستهل بتائية فى مائة بيت وسبعة يفتتحها بقوله:
تفتّ فؤادك الأيام فتّا ... وتنحت جسمك الساعات نحتا
وتدعوك المنون دعاء صدق ... ألا يا صاح: أنت أريد أنتا
ويمضى أبو إسحق فى القصيدة بهذه الصياغة والمعانى التى تؤثر فى الأفئدة تأثيرا يملك على قارئه وسامعه كل شئ من أمره، فالدنيا عروس غادرة، والعاقل يفصل نفسه منها دون رجعة، وويح الإنسان ينام ويستغرق فى نومه حتى إذا وافاه الموت انتبه بعد انخداعه.
ويقول إلى كم ينخدع ولا يرعوى، وكان أولى به أن يرفض متاع الحياة الدنيا وكل ما يتصل به من طعام وشراب، فالقوت الحقيقى هو قوت الروح، وحرى به أن لا يحفل بجاه ولا بمال ولا بقصور مشيدة. ولن يضره الفقر إذا ما عرف ربه، ويقول: ما الدنيا إنها تسوء حقبة وتسر وقتا، ويحبها الإنسان مع أنه مسجون فيها وهل يحب أحد سجنه، ولا يغره طعامه فيها فستأكله حطاما، وكل يوم يشهد فيها دفينا، وهو لم يخلق ليعمرها،
стр. 3992
إنما خلق ليعبرها، وحرى به أن لا يحزن على ما فات منها وأن يفرح لما فاز به فى أخراه، وينصحه أن يلازم قرع باب الله فسيفتح له يوما، وينشد:
فلو بكت الدّما عيناك خوفا ... لذنبك لم أقل لك قد أمنتا
ومن لك بالأمان وأنت عبد ... أمرت فما ائتمرت ولا أطعتا
وتشفق للمصرّ على المعاصى ... وترحمه، ونفسك ما رحمتا
تفرّ من الهجير وتتّقيه ... فهلاّ عن جهنّم قد فررتا
فلو أن الإنسان لم يعمل الصالحات الباقيات وبكى وبالغ فى بكائه حتى بكى دما فإن ذلك لن يتيح له الأمان مادام لم يطع أوامر ربه. ومن عجب أن يشفق الإنسان على عاصى ربه ويرق له قلبه وقلبه لا يرق لنفسه، وعجب عجاب أن يفر من حرارة الهاجرة ولا يتخذ العدة للفرار من جهنم ولظاها المشتعل. وفى قصيدة كافية يقول للدنيا: لقد عهدنا الأم تعطف على أبنائها وأنت تعامليننا بكل قسوة ودون أى شفقة، وفرض على الأبناء أن يبروا أمهاتهم إلا أنت، فواجب عقوقك وبغضك أشد البغض. ودائما ينصح بعمل الخير والإحسان إلى الفقراء ويخوّف أشد التخويف من عذاب النار، وله قصيدة:
خمسة وثلاثون بيتا ختمها جميعا بكلمة النار وفيها يقول:
ويل لأهل النّار فى النّار ... ماذا يقاسون من النّار
تنقدّ من غيظ فتغلى بهم ... كمرجل يغلى على النار
ويستمر قائلا: لا تقبل التوبة فى النار، والشقى يفر من النار إلى النار، وويل له من النار، إذ لا راحة له فيها وكيف يرتاح وهو يشرب المهل فيها، ويطعم الزقّوم، وتتدافع سيول النار فى القصيدة حتى نصل إلى نهايتها فنطلب من الله مع أبى إسحق المعافاة والعتق من النار. ومن أروع قصائد الديوان قصيدة من ثلاثة وخمسين بيتا ختمها جميعا بلفظ الجلالة على هذا النحو:
يا أيها المغترّ بالله ... فرّ من الله إلى الله
ولذ به واسأله من فضله ... فقد نجا من لاذ بالله
وقم له والليل فى جنحه ... فحبّذا من قام لله
واتل من الوحى ولو آية ... تكسى بها نورا من الله
وعفّر الوجه له ساجدا ... فعزّ وجه ذلّ لله
стр. 3993
وهو يقول: يا أيها الغافل عن ذكر ربه، فرّ من عقابه إلى ثوابه والجأ إليه واسأله من فضله تنج من عذاب النار، وتهجّد فى آناء الليل، واتل من القرآن ولو آية يسبغ الله نورها عليك، ومرّغ وجهك فى العفر ووجه الأرض ساجدا لربك متذللا له، فعزّ وجه يتضرع إليه ويخضع وينقاد. وتمضى القصيدة بهذه الروعة فى الصياغة، وكل بيت يدل دلالة جديدة، ومعه جوهرة لفظ الجلالة تضئ جوانبه، وتنزل منه منزلا محكما.
(ب) شعراء التصوف
ألممنا فى الفصل الأول بنشأة التصوف فى الأندلس وأنها ترتبط بمحمد بن عبد الله بن مسرة المتوفى سنة ٣١٩ وكان يجمع فى عقيدته بين التصوف على طريقة ذى النون المصرى كما يقول ابن الفرضى وبين آراء المعتزلة فى القول بخلق القرآن الكريم وإنفاذ الوعد والوعيد والاستطاعة مع التأويل لبعض آى الذكر الحكيم والأحاديث النبوية. (١) وقاوم عبد الرحمن الناصر هذه العقيدة، كما مرّ بنا، كما قاومها ابنه الحكم والمنصور بن أبى عامر حاجب ابنه هشام المؤيد، وظلت مكتّنة فى كثير من الصدور وظل لها أنصار فى عهد أمراء الطوائف، ويذكر ابن حزم منهم-كما مرّ فى غير هذا الموضع- إسماعيل الرّعينى.
ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن أول شاعر صوفى استظهر فى وضوح عقيدة التصوف مقترنة بعقيدة الاعتزال هو أبو عمر (٢) أحمد بن يحيى بن عيسى الإلبيرى الأصولى المتوفى سنة ٤٢٩ للهجرة، ويقول عنه تلميذه أبو المطرف الشعبى الذى روى عنه تآليفه «إنه كان متكلما دقيق النظر عارفا بالاعتقادات على مذاهب أهل السنة». ويذكر ابن بسام أن أمر مدينة إلبيرة كان دائرا عليه مع زهده وورعه، بينما يذكر أبو المطرف أنه لقيه بغرناطة وفيها أخذ عنه مصنفاته، وأكبر الظن أنه ظل بإلبيرة حتى خرّبتها قبيلة صنهاجة فى عهد الزيريين كما مر بنا، فانتقل عنها-مع أكثر سكانها إلى غرناطة. وأشاد ابن بسام بنثره
стр. 3994
وشعره وروى له رسالة كتبها سنة ٤١٩ إلى بعض إخوانه وفيها نزعة صوفية واضحة، وسنلم بها فى الفصل التالى، وينشد له ابن بسام:
شربت بكأس الحبّ من جوهر الحبّ ... رحيقا بكفّ العقل فى روضة الحبّ
وخامر ماء الرّوح فاهتزّت القوى ... قوى النّفس شوقا وارتياحا إلى الرّبّ
ونادى حثيثا بالأنين حنينها ... إلهى إلهى من لعبدك بالقرب
وخاطبه وحيا إليه مليكه: ... سأكشف-يا عبدى لعينك-عن حجبى
فأعلن بالتسبيح: مثلك لم أجد ... تعاليت عن كفء يكافيك أو صحب
وهو يقول إنه شرب فى روضة الحب الإلهى رحيقا مصفّى من جوهر الحب امتزج بروحه، فحنّت قوى نفسه شوقا إلى مشاهدة ربه، ونادى-وأنّ فى ندائه-متلهفا على قربه من ربه، وتجلّى له الله رافعا ما بينه وبين عبده من حجبه، فسبّح بحمده منزها له عن أن يكون له كفء أو صحب، وكأنه يشير إلى الآيتين: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ - ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾. والتصوف فى الأبيات-كما ذكر تلميذه أبو المطرف-تصوف سنى، فيه إشارة إلى وحدة الشهود، وليس فيه إشارة إلى الاتحاد بالذات العلية الذى يؤمن به أصحاب التصوف الفلسفى. وكان يقرن إلى تصوفه إيمانه بعقيدة الاعتزال فى مثل قوله:
يا محدثا للكلّ كنت ولم تزل ... وكذاك ربّى لا يزال بلا مكان
وقوله:
جلّت صفات جلاله، فجلاله ... قد جلّ عن تحديد كيف ومن وما
وهو يشير بذلك إلى ما يؤمن به المعتزلة من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين فلا يحدّه مكان ولا زمان ولا تحصره كيفية ولا جوهر ولا عرض، تعالى جلال الله عن ذلك علوا كبيرا.
ويذكر آسين بلاسيوس-ويتابعه بالنثيا-أن مدينة المرية على البحر المتوسط فى الجنوب الشرقى للأندلس أصبحت فى القرن الخامس الهجرى-بتأثير آراء ابن مسرة-مركزا مهما من مراكز الصوفية القائلين بوحدة الوجود، فظهر فيها محمد بن عيسى الإلبيرى الصوفى وأبو العباس بن العريف (١)، وما ذكرناه آنفا عن أحمد بن
стр. 3995
عيسى الإلبيرى المتوفى قبل ابن العريف بأكثر من قرن يدل على أن اسمه حرّف عند بلاسيوس، فأصبح محمدا بدلا من أحمد، ونفس لقبه الإلبيرى يدل بوضوح على أنه ليس من أهل المرية إنما هو من إلبيرة بجوار غرناطة، وفيها قضى حياته كما مرّ بنا، وكان من أصحاب التصوف السنى بشهادة أشعاره وتلميذه أبى المطرف الشعبى.
أما أبو العباس بن العريف المتوفى سنة ٥٣٦ للهجرة فكان من أهل المرية حقا غير أنه لم يكن من أصحاب التصوف الفلسفى على نحو ما سيتضح فى ترجمتنا له عما قليل. وكان يعاصره فى إشبيلية ابن (١) برّجان عبد السلام بن عبد الرحمن اللخمى المتوفى سنة ٥٣٦ وفيه يقول ابن الأبار: «كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والتحقق بعلم الكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد فى العبادة وله تآليف مفيدة، منها تفسير للقرآن لم يكمله وشرح الأسماء الحسنى» وله فى التصوف كتاب عين اليقين. وكان يعاصره أبو القاسم (٢) أحمد بن قسى، ويقول ابن حجر فى لسان الميزان إنه رحل إلى ابن العريف فى المرية، وعاد إلى موطنه فى مارتلة بقرب باجة فى غربى الأندلس وكثر أتباعه من المريدين. وحين احتدمت الثورة على المرابطين فى أواخر العقد الرابع من القرن السادس الهجرى ثار عليهم مع مريديه وغلب على شلب ولبلة، وكاتب عبد المؤمن سلطان الموحدين ودخل فى طاعته وانقلب على واليه، وحاول الاستعانة بالنصارى، وشعر بحركته بعض من معه فقتل سنة ٥٤٦. وينسب ابن حجر إليه-كما ينسب إلى ابن برّجان-تحريفهما لمعانى النصوص القرآنية وتأويلها بخلاف الظاهر، وله كتاب خلع النعلين وشرحه فيما بعد ابن عربى. وكان تصوفه هو وابن برّجان-مثل تصوف ابن العريف-تصوفا سنيا، إذ لم ينسب إليهم جميعا مترجموهم كلاما فى وحدة الوجود. وفى رأينا أن اعتناق بعض المتصوفة الأندلسيين لهذه الوحدة تأخر إلى عصر الموحدين. وممن اعتنقها حينئذ أبو عبد الله الشوذى الإشبيلى الملقب بالحلوى، ولى القضاء بإشبيلية فى دولة الموحدين، ثم خلص للتصوف ومزجه بالفلسفة، وقال بوحدة الوجود (٣)، وأهم تلاميذه ابن دهاق إبراهيم بن يوسف الأوسى المالقى المتوفى سنة ٦١١ وفيه يقول ابن الأبار: «كان فقيها مشاورا غلب عليه علم الكلام، فرأس فيه واشتهر به، وله تآليف منها شرح الإرشاد فى علم الكلام