لا تلمنى فتكن متّهمى ... إن عقلى لم يكن متّهما
ولم الدهر على تقصيره ... أخطأ الدهر وعمدا ظلما
أبدا والله لا أعذره ... طالما جار وحقّى هضما (١)
وطوانى فى زواياه التى ... ضيّعت ناسا ووارت أمما
ولكم أزعجنى منتقما ... ولكم وجّه نحوى تهما
وهو يخاطب صاحبه وقد رأى ما عليه من بؤس قائلا: لا تلمنى ولا تتهمنى فإن عقلى كما عهدته لا يأتى ما يتّهم به، ولم الدهر على تقصيره فى حقى، فقد أخطأ فى ظلمى عمدا ولا أعذره فطالما ظلمنى وطالما نقصنى حقى وطوانى فى زواياه المظلمة التى طالما طوى فيها ناسا وأخفى أمما، ولكم أزعجنى بما يصب علىّ من انتقامه الشديد، ولكم وجّه إلىّ تهما ظالمة. ويتجه إلى قومه يريد أن يدفعهم إلى تلافى ما حدث لهم منشدا:
من لقومى؟ إنهم قد أهملوا ... ما بنى آباؤهم فانهدما
غلب اليأس عليهم إنهم ... ضعفوا رأيا فزلّوا قدما
يا بنى قومى أفيقوا إنكم ... ما خلقتم لتعيشوا غنما
ولقد يحزننى أنى أرى ... رأيكم مختلفا منقسما
فأفيقوا-يغفر الله لكم- ... واطلبوا العليا وجاروا الأمما
وهو يتساءل من ينبه قومى إنهم أهملوا ما شاده آباؤهم فانهدم، وغلب عليهم اليأس من تحقيق آمالهم، إذ ضعفوا رأيا فزلت بهم الأقدام، ويقول يا بنى قومى أفيقوا من غفلتكم فإنكم ما خلقتم لتعيشوا غنما تتحكم فيكم الأمم، وإنه لتحزننى فرقتكم وانقسامكم شيعا، فأفيقوا من هذا الهم الثقيل واتحدوا واطلبوا العلياء والمجد، وجاروا الأمم الناهضة فى حياتها العاملة النشيطة.
٣ -
شعراء التصوف
كان التصوف شائعا منتشرا فى العالم العربى منذ أن ظهرت طرق التصوف السنى فى القرن السادس الهجرى/الثانى عشر الميلادى، وأخذت تتكاثر تلك الطرق بعد ذلك، وكان طبيعيا أن يعم التصوف فى السودان منذ القرن العاشر الهجرى، إذ كثر فيه بناء الخلايا الخاصة بالصوفية وكثر دعاة التصوف وخاصة دعاة الطريقتين: القادرية التى أسسها ببغداد عبد القادر
стр. 5287
الجيلانى المتوفى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٥ م والشاذلية لأبى الحسن الشاذلى التونسى المتوفى بمصر سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م ويقال-كما أسلفنا-إن الذى أدخل الطريقة القادرية إلى السودان الشيخ تاج الدين البهارى البغدادى. إذ نزل السودان فى النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى ودعا إلى تلك الطريقة وكثر أتباعه، وشاعت بجانب الطريقة الصوفية القادرية الطريقة الشاذلية، ويبدو أنها سبقت الطريقة القادرية فى النزول بالسودان عن طريق بعض المغاربة النازلين فيه وطريق برنو وأيضا عن طريق مصر لأنها كانت شائعة بها شيوعا شديدا، وألفت أسرة المجاذيب لها فرعا مهما فى مدينة الدامر. ويخيل إلى الإنسان أنه لم يكن فى السودان أحد طوال عصر الفونج إلا ينتسب إلى إحدى الطريقتين. وقد أفضنا فى الحديث عن تلك الطريقتين فى صدر عرضنا للمجتمع السودانى. وأيضا عن اتساع النزعة الصوفية فيه، وقد دعا شعراؤهم دعوة واسعة إلى الزهد والتقشف ورفض متاع الدنيا انتظارا لمتاع الآخرة، ويقول الشيخ فرح تكتوك المار ذكره والمتوفى بعصر الفونج كما أسلفنا (١):
كم دودة فى عميق الأرض فى جحر ... يأتى لها رزقها فى الوقت والحين
ألا الزم العلم والتّقوى وما نتجت ... من الثمار تفز بالخرّد العين
من باع دينا بدنيا واستعزّ بها ... كأنما باع فردوسا بسجّين (٢)
ولقمة من طعام البرّ تشبعنى ... وجرعة من قليل الماء تروينى
وقطعة من قليل الثوب تسترنى ... إن متّ تكفننى أو عشت تكسونى
فالله يرزق كل خلقه حتى الدود فى أعماق الأرض فلا تحمل هما لجلب رزق والزم التقوى وعبادة ربك تظفر فى الآخرة بالحور جميلات العيون، وما أشقى من يبيع متاع الآخرة بمتاع الدنيا إنه يبيع فردوسا بواد من وديان جهنم وما متاع الدنيا؟ إن لقمة من خبز القمح تشبع الشاعر وترويه جرعة من قليل الماء، وتكفيه قطعة من قماش تستر جسمه، إن مات كفنته، وإن عاش كسته. ومرّ بنا فى كتاب الأندلس أن للزاهد أبى إسحاق الإلبيريّ قصيدة ختم أبياتها بلفظ الجلالة. ويبدو أن صوفيا سودانيا رأى أن يحاكيه فى هذا الصنيع، فنظم مقطوعة ختمها بلفظ الجلالة أنشدها ودّ ضيف الله فى طبقاته من مثل قوله (٣):
الله لى عدّة فى كل نائبة ... أقول فى كل حال حسبى الله
إلى متى أنت فى لهو وفى لعب ... فما مقالك فيما يعلم الله
إن الذنوب التى قدمتها كتبت ... إن كنت ناسيها لم ينسها الله
стр. 5288
وهو يتخذ الله عدة فى كل نائبة. وكلما نزلت به كارثة قال حسبى الله، ويخاطب نفسه إلى متى هو فى لعب ولهو منصرفا عن تقوى الله الذى يعلم كل ذنوبه إذ كتبها الملكان الرقيبان عليه، وكأنه يستحث نفسه على الرجوع إلى تقوى ربه والانصراف عن اللهو واللعب إلى النسك والعبادة. وتكثر عند المتصوفة فى عصر الفونج مثل هذه المعارضات لقصائد النساك، وقد عارضوا ابن الفارض المصرى فى بعض قصائده الصوفية، من ذلك معارضة الشيخ الصوفى موسى لتائيته المشهورة قائلا (١):
سلام على قوم إذا ذكر اسمهم ... تهتّك أستار إليهم برجفة
تلألأت الأنوار من نحو خالقى ... بوقت قيامى أو جلوسى بخلوة
وهى لا تلحق تائية ابن الفارض فى روعة الصياغة والمعانى الصوفية، ولكنها على كل حال تدل على نزعة صوفية قوية عند الشيخ موسى وإن لم يغمسها فى نور الشهود والفناء فى الذات العلية مثل ابن الفارض. واستمر تشطير الأبيات لأئمة الصوفية طويلا، من ذلك ما أنشده صاحب كتاب الشعراء فى السودان من تشطير على الشامى السودانى لبعض أبيات لابن الفارض، منها قوله:
(إن كان منزلتى فى الحب عندكم) ... نحول جسمى وآلامى وإيلامى
أو أن يكون جزا روحى التى زهقت ... (ما قد رأيت فقد ضيّعت أيامى)
(أمنية ظفرت روحى بها زمنا) ... حتى تركت مقامى بين أقوامى
كانت بأيام صفو إذ حلت فخلت ... (واليوم أحسبها أضغاث أحلام)
وهو يقول إن كانت منزلتى فى الحب الإلهى لا تزيد عن نحول وآلام متصلة، أو يكون هكذا جزاء روحى التى بلغت الحلقوم فقد ضيعت أيامى. وإنها لأمنية فازت بها روحى زمنا حتى نسيت قومى، وهو زمن كانت أيامه أيام صفو وهناءة، أياما حلوة مضت واليوم أحسبها أضغاث أحلام. ويقول الشيخ محمد سعيد العباسى متبتلا لربه (٢):
يا ربّ أنت حمايتى فتولّنى ... يا ربّ أنت من النّوائب مفزعى
جد لى-وزيّن ظاهرى-بعوارف ... وبباطنى نور المعارف أودع
واقبل شكاية فاقتى وتطلّبى ... لنداك وارحم ذلّتى وتوجعى
أنا عبد سوء أوثقته ذنوبه ... أنا لائذ بحمى الرّحاب الأوسع
إن لم تكن لى من ذنوب أثقلت ... ظهرى فما أقوى، وأفقر مرتعى (٣)
стр. 5289
وهو يضرع إلى ربه قائلا أنت حمايتى فاحمنى، وأنت ملجئى من النوائب فأغثنى وجد لى بإحسان منك أزيّن به ظاهرى، وأودع بدخائلى نور المعارف، واقبل شكوى حاجتى لكرمك الفياض، وارحم ذلى وتوجعى لرأفتك، إنّي عبد سوء من عبادك المذنبين وأنا لائذ بحمى ساحتك الواسعة، وإن لم تكن لى وملجئى من هذه الذنوب الثقيلة فما أفقر مرتعى ومعيشتى. وعارض الشيخ محمد الطاهر المجذوب يائية ابن الفارض المشهورة بقصيدة استهلها بقوله (١):
زائرى فى الطيف هل من عودة ... تحى منها مهجتى بل أصغرىّ
والأصغران: القلب واللسان. وللشيخ محمد سعيد العباسى تخميس لبيتين للشبلى الصوفى على هذا النمط:
هواى أنت وهل فى ذاك من حرج ... أنتم ملاذى وأنتم فى الدّجى سرجى
يا سادة قويت فى حبّكم حججى ... (لا أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى
وتقبلونى على عيبى ونقصانى)
قلبى بكم يا سراة الحىّ فى شغف ... دمعى بعهد ربوع الظاعنين وفى
بالله عطفا على صبّ لكم دنف ... (فإن رضيتم فيا عزّى ويا شرفى
وإن أبيتم فمن أرجو لعصيانى)
والتخميس محكم، وشطور العباسى الستة متداخلة فى بيتى الشبلى بدقة، إذ كان بارعا فى صوغ شعره وأبياته.
٤ -
شعراء المدائح النبوية
تغنى كثيرون من شعراء السودان بمدائح الرسول ﷺ ، مثلهم فى ذلك مثل الشعراء فى جميع بلدان الوطن العربى، إذ هو المثل الرفيع لكل مسلم فى تقواه وعبادته لربه وورعه. وقد أخذت هذه المدائح تتكاثر بالسودان منذ القرن الثالث عشر الهجرى/التاسع عشر الميلادى حتى لينظم بعض الشعراء دواوين كاملة فى المديح النبوى مثل محمد عثمان الميرغنى وديوانه: «النور البراق فى مدح النبى المصداق» والسيد أحمد بن إدريس وديوانه: «رياض المديح» والشيخ أبى القاسم أحمد هاشم وديوانه: «روض الصفا فى مديح المصطفى». ونلتقى عند الشيخ الأمين الضرير المتوفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م بمدحة نبوية ورّى فيها بسور القرآن الكريم
стр. 5290
على غرار مدحة نبوية لابن جابر الأندلسى، أنشدنا منها قطعة فى ترجمته بكتابنا عن الأندلس، ويقول الشيخ الأمين الضرير فى فواتح مدحته (١):
ما للنساء كمثل المصطفى ولد ... إذ منه مائدة الأنعام والعقلا
أعرافه المسك والأنفال وافرة ... لمن به توبة كى تذهب الوجلا (٢)
به ليونس أنس ثم هود هدى ... ويوسف حسنه من أجله كملا
والأبيات تذكر بالترتيب سور النساء والمائدة والأنعام فى البيت الأول وسور الأعراف والأنفال والتوبة فى البيت الثانى وسور يونس وهود ويوسف فى البيت الثالث، واسم السورة يلتحم بمعناه فى البيت، والأعراف جمع عرف بمعنى المعروف والأنفال العطايا، وهما اسما السورتين بعد الأنعام، وتتوالى السور بترتيب المصحف. ويختم القصيدة بالصلاة على الرسول ﷺ . وللشيخ أبى القاسم أحمد هاشم المترجم له فى شعراء الغزل العذرى مدحة نبوية بديعة يقول فيها (٣):
أمحمد ولأنت أكرم مرسل ... وأحقّ من بمديحه يتقرّب
أمحمد ما أنت إلا رحمة ... وبشارة، لك كلّ خير ينسب
يا بن العوالى الشّمّ من مضر ويا ... سرّ الوجود لك الفناء الأرحب
يا سيدى يا خاتم الرسل الكرا ... م ومن إليك الملتجا والمهرب
مدحتك آيات الكتاب ونوّهت ... بفضائل عن درك غيرك تحجب
كلّ الكمال فأنت غاية حدّه ... ما نال ما قد نلته متقرّب
والشيخ أبو القاسم يخاطب الرسول قائلا إنه أحق مرسل يتقرب المسلم بمديحه إلى ربه، وقد أرسله رحمة وبشرى لعباده، وإليه ينسب كل خير، إنه ابن السادة العظام من مضر، وسر الوجود جميعه، وله المجد الأرحب، إنه خاتم الرسل الكرام والملجأ لكل خائف فزع، وقد مدحته آيات القرآن بمثل (وإنك لعلى خلق عظيم) ونوهت له بفضائل دون غيره، إنه عين الكمال وغايته ومنتهاه، ولم ينل أحد من ربه ما نال من فضله. والمدحة بديعة ولم يترجم له صاحب نفثات اليراع ولم ينشد له صاحب شعراء السودان سوى هذه المدحة مع أن له ديوانا جميعه مدائح نبوية باسم «روض الصفا فى مدح المصطفى» كما أسلفنا. وكان يعاصره
стр. 5291
الشيخ عمر الأزهرى وأنشد له صاحب الشعراء فى السودان ثلاث مدائح نبوية، وسنفرد له ترجمة. وللشيخ إبراهيم هاشم مدحتان نبويتان يقول فى إحداهما (١):
هذا محمد الذى ... ملأ البلاد هدى وجاد
وهو الموصّل للطريق المستقيم وللسّداد ... وهو المبشّر والمحذّر والمحرّض للجهاد
وهو الموصّل للسّلا ... مة فى القيامة والمعاد
والله أعلى ذكره ... وأذاعه فى كل ناد
وهو يقول إن هدى محمد ﷺ ملأ البلاد وما زال يجود ويفيض، وهو الموصل لطريق السعادة فى الدنيا والآخرة، طريق الرشد والسداد، وهو المبشر بنعيم الله والمحذر من عذابه وجحيمه والمحرض للجهاد فى سبيله، وهو الموصل للأمن والسلامة يوم القيامة وفى الحياة الآخرة، وقد أعلى الله ذكره، ونشره فى كل ناد بين الناس أجمعين. ويلقانا الشيخ عبد الله عبد الرحمن، وسنترجم له عما قليل. ويقول عثمان هاشم فى الاحتفال بليلة الميلاد النبوى سنة ١٣٣٩ هـ/١٩٢١ م منشدا (٢):
بجلال ذكرك تفخر الأعوام ... وبحسن يومك تزدهى الأيام
يا ليلة الميلاد حسبك مفخرا ... نور عليه من النبىّ تمام
ضاءت به الدنيا وأزهر نورها ... بالمسلمين وأشرق الإسلام
شرفا بأحمد خير من وطئ الثّرى ... وله على السّبع الطّباق مقام
لولاك يا بن الأكرمين لما اهتدت ... تلك الشعوب ولا استقام نظام
وهو يحيّى ليلة ميلاد الرسول ﷺ ، ويقول لها إن الأعوام تفخر بذكرك وتتيه بيومك الأيام وحسبك مفخرا وزهوا وعظمة ما رافق الرسول فى مولده من النور العظيم. أضاءت به الدنيا وعظم نورها بالمسلمين وأشرق الإسلام وتبلّج فى الآفاق نوره، شرفا لا يماثله شرف بالرسول العظيم خير إنسان وطئ الثرى وقد صعد به ربه وأتاح له فى معراجه مقاما فوق السموات السبع، ولولاه ما اهتدت الشعوب الإسلامية ولا استقام لها ملك ولا حكم ولا نظام. ويبكى فى مدحته الإسلام مقارنا بين ماضيه وحاضره وما أصاب أقوامه وشعوبه من التخاذل. ويعود إلى تحية العام الهجرى فى قصيدة ثانية باكيا الإسلام والمسلمين وما عمّ بينهم من عداء وأحقاد، ويهتف (٣):
стр. 5292
غدت ملّة الإسلام تبكى تأسّفا ... كأن لم يكن فوق البسيطة مسلم
تنوح على أيامها وشبابها ... فيبكى لها البيت العتيق وزمزم
لقد عمل الأعداء كيدا لسحقها ... فها هى بين القوم نهب مقسّم
تذكّرت الصّدّيق إبّان مجدها ... فبلّلها سحّ من الدمع مسجم (١)
تنادى بصوت يقطع القلب حسرة ... دراك أبا حفص فقد كدت أعدم
وملة الإسلام تبكى متحسرة، كأن لم يبق فوق الأرض مسلم، تنوح على أيامها الماضية وشباب مجدها الغابر، ويبكى لها المسجد الحرام وبئر زمزم، فقد اجتمع أعداؤها على الكيد لها، وتلك ديارها نهب مقسم بينهم. وتذكرت أبا بكر الصديق العظيم فى أوائل مجدها وعزتها وذرفت الدمع مدرارا، وتعول بصوت محزون منادية الفاروق عمر بن الخطاب أدركنى قبل أن يفتك بى الأعداء. وللشيخ مدّثّر البوشى المولود سنة ١٩٠٣ للميلاد مدحة نبوية بديعة، استهلها بنقد عنيف لشعبه السودانى، يريد أن يدفعه إلى العمل والعلم على هدى الشريعة المحمدية، وينشد (٢):
الله أكبر هذا يوم مولده ... فالكون مبتهج من نوره الحسن
حيّيت يا ليلة الميلاد مشرقة ... على الربوع بوجه ساطع الزّين
حيّيت يا ليلة الميلاد جالبة ... للبشر مذهبة للهمّ والحزن
حيّيت يا ليلة الميلاد كم رقصت ... فيك النفوس فحاكت مائس الغصن
حييت يا ليلة الميلاد إن لنا ... فخرا بتجديد ذكرى خير مؤتمن
هو النبىّ الذى عمّت فواضله ... كلّ الوجود كصوب العارض الهتن
والشيخ مدثر يكبّر معظما يوم مولد الرسول الذى عمت الكون بهجته من نوره الوضاء، ويحيّى ليلة ميلاده التى استحالت على الآفاق ليلة مضيئة بوجه مشرق مزدان بالأضواء والأنوار، وقد جلبت البشر والسرور ومحت الهم والحزن، ويقول كم رقصت فيها النفوس طربا محاكية الغصون المختالة، وإن لنا فيها لفخرا عظيما بتمجيد ذكرى خير الرسل، إنه النبى الذى عمّت أفضاله كل الوجود كما يعم مطر السحاب الهاطل أطباق الأرض. وللشيخ مدثر همزية اختصر بها السيرة النبوية فى ١٢٣ بيتا (٣).
الشيخ عمر (٤) الأزهرى
هو الشيخ عمر بن عبد الله الأزهرى، من ذرية عقيل بن أبى طالب، ولد سنة ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٣ م وتوفى سنة ١٣٣٣ هـ/١٩١٥ م رزق به أبوه الصوفى من أعمال القطارف جنوبى
стр. 5293
نهر عطبرة رافد النيل، وعنى به أبوه، فحفظ القرآن الكريم، وبعد حفظه درس على شيوخ مختلفين علوم الفقه واللغة العربية. وفى سن العشرين رحل إلى القاهرة واختلف إلى حلقات شيوخ الأزهر ينهل منها ما شاء، حتى ثقف العلوم الدينية وعلوم العربية ثقافة جيدة، وعاد إلى موطنه وفيه عنى بتدريس الفقه والنحو وعلوم البلاغة، وتقلد منصب القضاء فى عهد الدعوة المهدية وأقرّته دولة الحكم الثنائى فى منصبه. وكان عالما جليلا وشاعرا مجيد، وأنشد له صاحب الشعراء فى السودان ثلاث مدائح نبوية، وفى إحداها يقول عن الرسول منوها به ومشيدا:
المنتقى المبعوث من بين الورى ... للخلق طرّا إنسه أوجانه
لولاه ما كان الوجود ولم يكن ... ملك ولا ملك ولا أعوانه
حتى ولم يك آدم كلاّ ولا ... شيث ولا نوح ولا طوفانه
ونجا الخليل بجاهه من نار نم ... رود لعمرى إذ جفا خلاّنه
وهو يصف الرسول بأنه المختار المبعوث لهداية الخلق جميعا من الإنس والجنّ، ويستضئ بشعاع ممن نوّهوا قبله بالحقيقة المحمدية وأن الرسول علة الوجود، فيقول لولاه ما كان الوجود ولا دول ولا ملوك ولا كان آدم ولا شيث ولا نوح وطوفانه. وبجاهه نجا إبراهيم الخليل من نار نمرود واستحالت بردا وسلاما. ويمضى فى القصيدة قائلا: بجاهه نجا كليم الله موسى من فرعون وهامانه، وباسمه دعا ذو النون ربه فى ظلمات البحار فاستجاب له، وبالمثل استجاب لأيوب وكشف عنه ما به من ضرّ، فهو سرّ الوجود الذى لولاه ما خرجت الدنيا من العدم، وهو مبدأ الأنبياء والرسل ومنتهاهم وكل ما حدث لهم من معجزات فبفضله الأزلى، ويقول الشيخ عمر فى نفس القصيدة:
جمعت خصال المرسلين له كما ... جمع الذى فى كتبهم فرقانه
كم قد عفا عمّن أساء وكم هدى ... من ضلّ عن طرق الهدى تبيانه
يمشى وبكنس داره ويخيط ثو ... با قد عفا والصفح ذلك شأنه
يا من علا فوق الطباق ومن علا ال ... رّسل الكرام هو المكين مكانه
يا سيد الثّقلين يا مجلى الصّدا ... يا عين هذا الكون بل إنسانه
وهو يقول إن كل الخصال الفاضلة للرسل جمعت له كما جمع قرآنه كل ما فى الكتب السماوية قبله. ومن صفاته الكبرى العفو وكم هدى أناسا كانوا ضالين ببيانه الرائع، وإنه مثال للتواضع كما حكى كتّاب السيرة وقالوا إنه كان أحيانا يكنس داره ويخيط ثوبه، وكان دأبه الصفح والعفو والغفران، ويقول إنه علا فى معراجه فوق السموات السبع وعلا الرسل وسما فوقهم، إنه سيد الإنس من الجن، وإنه يجلو الصّدا وكل غشاوة، وهو عين الكون
стр. 5294
بل إنسانه الذى به يبصر. وهذه المدحة أروع مدحه الثلاث، وهو فى المدحتين الأخريين يعنى ببيان معجزات الرسول التى ترددها كتب السيرة.
الشيخ عبد (١) الله عبد الرحمن
ولد فى جزيرة توتى المواجهة للخرطوم سنة ١٣٠٩ هـ/١٨٩٢ م لأبيه القاضى عبد الرحمن بن الأمين الضرير شيخ علماء السودان وكان شاعرا مجيدا ومرت بنا مدحة نبوية بديعة له، وعنى به أبوه، فوجهه لحفظ القرآن الكريم وأتمه سنة ١٣٢١ هـ/١٩٠٣ م ولزم أباه فى تنقّله قاضيا شرعيا بأبى حمد ودنقلة والقطينة، وكان أهم أساتذته إذ درس عليه العربية والفقه وعلم التوحيد أو الكلام. والتحق بكلية غوردون سنة ١٣٢٣ هـ/١٩٠٦ م بقسم المعلمين والقضاة. وتخرج فيه سنة ١٣٢٨ هـ/١٩١١ م وعيّن مدرسا للغة العربية بالمدارس الثانوية فى وزارة المعارف السودانية. وتفتحت ملكته الشعرية مبكرة وما هى إلا سنوات حتى اشتهر، ومن فرائده نونية فى وصف الطبيعة السودانية استهلها بقوله:
كم للطبيعة فى السودان من فتن ... وكم لأطيارها من سحر ألحان
وقد نظمها سنة ١٩٣٤ بعد هذا العصر الذى نؤرخ له، وهو أحد ثلاثة أفذاد من الشعراء السودانيين تعاصروا فى النصف الأول من القرن العشرين، وكانت لهم شهره مدوية فى عالم الشعر السودانى هو ومحمد سعيد العباسى وعبد الله البناء، ولهم جميعا شعر وطنى واجتماعى كثير، وكل منهم خليق بدراسة مستقلة. ويقول صاحب كتاب شعراء السودان: «له فى المدائح النبوية الباع الطويل والقدح المعلى» وأنشد له نبوية ألقاها سنة ١٣٤١ هـ/١٩٢٣ م فى حفل المولد النبوى، وفيها يقول:
نبىّ كان للدنيا جمالا ... وذخرا للعديم وللغنىّ
نبىّ قد يجير على الليالى ... إذا ما جئن بالأمر الفرىّ (٢)
لعمرك ما النبىّ-فدتك نفسى- ... بمنطلق اللسان على البذي
ولا هلع تزعزعه خطوب ... ولا مهدى الملامة للمسىّ
ولكن قد عرفناه رءوفا ... يردّ عوادى الدهر العتىّ (٣)
فالنبى ﷺ كان جمالا لا يماثله جمال وكنزا ماديا للفقير ومعنويا للغنى، وكان يجير على الليالى إذا ما جاءت بالخطوب الخطيرة، وكان عف اللسان حتى مع البذيء المذموم، ولم
стр. 5295
يكن جزعا تعصف به الخطوب الخطيرة، وكان رقيق الحسّ حتى لا يلوم المسئ على إساءته، وكانت الرأفة والرحمة ملء فؤاده، وكان يعرف كيف يرد كوارث الدهر الجبار. ولا يلبث أن يقول فى الرسول الكريم:
وهو أصل الوجود بلا مراء ... وهو سرّ الحياة لكل حىّ
أتى بالملّة السمحاء يدعو ... إلى الأخلاق والشّرع السّوىّ
وأقسم ما سحاب مكفهرّ ... كأن بريقه قسمات مىّ (١)
يروّى الأرض من غور ونجد ... بأجود من بنان الهاشمىّ
وما أسد له بالغاب زأر ... يصمّ الأذن من فرط الدوىّ
بأشجع منه فى الهيجاء قلبا ... إذا برقت شباة السّمهرىّ (٢)
والشيخ عبد الله يستلهم فى البيت الأول فكرة الحقيقة المحمدية وأن الرسول ﷺ الأصل الأزلىّ للوجود قبل نشأته وكل حياة لموجود فى الكون مستمدة منه. ويصف الشاعر الدين الحنيف بأنه دين سمح وأن شرعه شرع سوىّ عادل لا إفراط فيه ولا تفريط، ويقسم أن السحاب المعتم لكثرة أمطاره وبريقه الذى يشبه قسمات وجه «مى» فى ضيائه، المروّى للأرض فى وديانها وأنجادها أو مرتفعاتها العالية ليس هذا السحاب أكرم من بنان الرسول الفائضة بالجود، وليس الأسد الغضنفر الذى يزأر فى غابه زئيرا يصمّ دويه الأذن بأشجع من الرسول إذا حميت الحرب. وللشاعر مدحة نبوية دالية أنشد منها صاحب كتاب الشعراء فى السودان مقدمتها الغزلية وقوله فى وصف معجزة القرآن الخالدة:
مثانى حارت الشعراء فيها ... وردّت كلّ جبّار عنيد
متى ما يتلها أحد بناد ... يقول المنتدى هل من مزيد
والمثانى يريد بها آيات القرآن الكريم لأنها تعاد فى ألسنة حفاظها. ويقول إن الشعراء حارت فى روعتها البلاغية وبهت كل جبار معاند للرسول ورسالته، وحين يتلوها أحد بناد يشدّ إليها انتباه الناس ويطلبون المزيد منها لبلاغتها الرفيعة المعجزة.