← Адаб

Адаб · id 11996

تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف

شوقي ضيف

Полный текст (5 295 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

عملت فى مناجم الذهب بوادى العلاقى الممتد من أسوان إلى عيذاب، واستطاعوا أن يدخلوا فى الإسلام من البجة عشائر معروفة باسم الحدارب، ويقول المسعودى هم وحدهم الفئة المسلمة فى البجة لزمنه سنة ٣٢٤ هـ/٩٣٥ م ويدل على كثرتهم أن أحد زعماء ربيعة هناك بشر بن إسحاق كان يركب فى ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألفا من مقاتلة البجّة وكلهم من الحدارب. وكانت لغة أهل البجة حاميّة وتسمى التبداوية، وكانوا ينتشرون من عيذاب إلى كسلا، وأخذ الإسلام-ومعه العربية-ينتشر بينهم مع مر الزمن، ودخلت لغتهم من العربية ألفاظ كثيرة، ولا يزال بعض البجاويين وخاصة فى الغرب يحتفظون بالتبداوية مع تكلمهم بالعربية، يقول نعوم شقير عن قاطنى «سواكن» من البجة إنهم يتكلمون البجاوية فى منازلهم ومجالسهم الخاصة، ولكنهم فى المجالس العامة يتكلمون العربية. وظلت مملكة مقرة النوبية المسيحية تقاوم الإسلام والعروبة قرونا، وتغير على ميناء عيذاب المصرى وأسوان فى عهد الظاهر بيبرس، فيرسل إليها حملة تأديبية، وتتغلغل فى ديارها حتى دنقلة، ويفرض عليها ولاءها لمصر وأن يكون ملكها نائبا فى النوبة عن بيبرس، ويولّى عليها نائبا له ملكا مسيحيا من أهلها وتظل تحاول الاستقلال عن مصر فى عهد قلاوون وتتطور الظروف فى عهد ابنه الناصر ويولّى عليها سنة ٧١٦ هـ/١٣١٦ م ملكا مسلما من نفس الأسرة المالكة. وسرعان ما استولت على مملكة مقرة النوبية قبيلة ربيعة ونشرت بها الإسلام وبذلك انمحت مملكة النوبة المسيحية نهائيا، وظلت مملكة علوة المسيحية جنوبيها تحاول مقاومة النفوذ الإسلامى إلى أن قضت عليها نهائيا دولة الفونج الإسلامية. ومعروف أن اللغة النوبية إحدى اللغات الحامية فى السودان. ولا يزال أهل بعض مناطقها يستخدمونها فى حياتهم اليومية، ودخلها كثير من الألفاظ العربية حتى لتبلغ كما يقول الدكتور عبد المجيد عابدين ثلاثين فى المائة من مجموع ألفاظها وكانوا يستعملون معها العربية. وعوامل متعددة جعلت غربى السودان يعتنق الإسلام، منها نزول تجار مملكة البرنو والكانم الإسلامية فى أسواق دارفور وكردفان، ومنها مرور حجاجهم بتلك المنطقة ورؤيتهم لهم وهم يفرشون سجاجيدهم ويصلون داعين الله أدعيات مختلفة، ومنها هجرة كتلة ضخمة من قبيلة زوارة المغربية المسلمة ومن عرب الشاوية (رعاة الشاة) إلى إقليمى دارفور وواداى فى القرن الخامس الهجرى، وقد كونوا مملكة إسلامية كبيرة، كان من ملوكها الملك سليمان وشملت مملكته الكانم وواداى وشطرا كبيرا من دارفور. وكانت تسود فى الغرب لغات حامية وبربرية على ألسنة المهاجرين إلى الغرب من زوارة وعربية على ألسنة الشاوية ونوبية على ألسنة التنجور المهاجرين من دنقلة إلى دارفور. واختلف أهل الغرب، منهم من يتكلم العربية إلى جانب لغته الأصلية: البربرية أو النوبية أو الحامية بجانب العربية، ومنهم من يتكلم العربية وحدها مثل سكان قبيلة القمر إلا ما كان من جماعة أبى جوخة.

стр. 5252

وواضح أننا لا نصل إلى القرن العاشر الهجرى إلا وقد أخذت أجزاء من السودان تتعرب نهائيا مثل حدارب البجة، وأجزاء أخرى أخذت تضيف العربية إلى لغتها الأصلية كما فى البجة والنوبة وبعض جوانب الغرب فى دارفور، ما عدا سكان قبيلة القمر فإنهم تكلموا العربية ونسوا لغتهم الأصلية. وتؤسّس دولة الفونج فى سنار سنة ٩١٠ هـ/١٥٠٤ م وتعلن أنها دولة إسلامية فى نظمها السياسية والإدارية وأن العربية لغتها الرسمية وكتبت بها وثائقها، وشجعت العلماء على تدريس الفقه والعلوم الإسلامية والعربية وأخذت تحدث نهضة علمية فى بلادها التى امتدت شمالا حتى الشلال الثالث وشرقا حتى حدود الحبشة والبحر الأحمر وغربا حتى بعض مناطق كردفان وجنوبا حتى منطقة نهر السوباط وبحر الغزال، فكل هذه المناطق عمت فيها دولة عربية إسلامية-هى دولة الفونج-لمدة ثلاثة قرون، بحيث نستطيع أن نقول إن السودان تعرّب فى عهد هذه الدولة. ومرّ بنا ما كان بها من طرق وتجمعات صوفية وما كان بها من نهضة ثقافية، وتأسست فى جبال النوبا غربى السودان الأوسط مملكة تقلى سنة ٩٧٧ هـ/١٥٧٠ م وظلت إلى أواخر القرن التاسع عشر وقد عملت بقوة على إتاحة الفرصة للعناصر العربية بالتوغل فى الشمال الشرقى من تلك الجبال، ووضعت نصب عينيها نشر الإسلام والعربية وشجعت القبائل العربية فى حوض النيل وشرقى السودان على الهجرة إليها. وتأسست فى دارفور سلطنة أسستها قبائل التنجور القادمة من بلاد النوبة وقبائل الكنجارة القادمة من إقليم بحيرة تشاد، ويبدو أنهم كانوا من عرب الهلالية الذين اكتسحوا تونس فى القرن الخامس الهجرى إذ كانوا ينتسبون إلى أبى زيد الهلالى. وقامت هذه السلطنة سنة ١٠٤٦ هـ/١٦٣٧ م وظلت حتى سنة ١٢٩١ هـ/١٨٧٥ م وتبعتها واداى وبرنو فى عهد ملكها الأول سليمان سلونج، وعملت هذه المملكة طوال عهدها على نشر الإسلام والعربية، ومثلها كردفان. وكان بدوى أبو صفية يأتى ببعض أهل جبال النوبا إلى مدينة الأبيض، فيحفظهم القرآن الكريم والضرورى من الفقه وعلم التوحيد، ويعيدهم إلى بلادهم لنشر الإسلام. ويمكن القول بأننا لا نصل إلى أواخر عهد دولة الفونج فى أوائل القرن التاسع عشر الميلادى إلا وقد تعرّب السودان، ما عدا بعض الجبال الشاهقة المنعزلة التى لم يتح للقبائل العربية الاختلاط بسكانها مثل جبل مرة فى أقصى الغرب وما عدا سكان قبيلة الأمرأر من قبائل البجة بجوار الحبشة لوعورة المسالك إليها مما جعلها تتأخر فى التعرب بالقياس إلى أخواتها من قبائل البجة. ووصل التعرب إلى بيئة الغابات فى الجنوب عن طريق بعض القبائل العربية مثل البقارة فى كردفان وبنى سليم عند كاكا على النيل الأبيض، ولهم فضل تعرب الشلك ومثل اختلاط عرب الزريقات بقبائل الدينكا فى بحر العرب. وأكثر أجزاء هذا التعرب كانت تستخدم لغاتها المحلية بجانب العربية، وأخذ هذا التعرب يستقر ويتسع مع مر الزمن طوال القرن التاسع عشر.

стр. 5253

٢ - شعراء المديح من يقرأ كتاب الطبقات لود ضيف الله يعرف أن الشعراء كانوا يكثرون من مديح ملوك الفونج منذ قامت دولتهم فى سنار، غير أن مدائحهم لم تكن من الجودة بحيث نستطيع عرض نماذج كثيرة منها، ونجد الشيخ الصوفى فرح ودتكتوك المتوفى سنة ١٠١٧ هـ/١٦٠٩ م بعد قيام دولتهم بنحو قرن ينعى على الشعراء فى عهده وقوفهم المتكرر على أبواب ملوك الفونج أو سلاطينهم يستمنحونهم الهبات والعطايا قائلا (١): يا واقفا عند أبواب السلاطين ... ارفق بنفسك من همّ وتحزين إن كنت تطلب عزّا لافناء له ... فلا تقف عند أبواب السلاطين خلّ الملوك بدنياهم وما جمعوا ... وقم بدينك من فرض ومسنون استغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين والشيخ فرح ود تكتوك ينهى الشعراء عن الوقوف بأبواب السلاطين انتظارا لأعطياتهم ويقول لهم: رفقا بأنفسكم وما تحمّلونها من هم الانتظار لتلك الأعطيات، ومن يطلب العز الخالد لا يقف بتلك الأبواب إنما يقف بباب ربه، تاركا للملوك دنياهم وما جمعوا مع أداء فروض دينه ونوافله، مستغنيا بالله وما يرزقه عن دنيا الملوك كما استغنوا هم بدنياهم ومتاعها عن الدين. وقد أخذ شعر المديح يكثر فى السودان منذ القرن التاسع عشر الميلادى، وكان لثورة المهدى الحظ الأوفر فيه، فقد حقق للسودان استقلالا وانتصارات متعددة وكأنما أعاد إليها الروح التى كانت فقدتها وجعلها تشعر بشخصيتها فى عمق، مما جعل كثيرين من الشعراء يتغنون بمديحه وانتصارات جيوشه باثّين فى ذلك غير قليل من الحماسة الملتهبة مشيرين إلى دعوته الدينية وأنه يأخذ فيها بهدى القرآن والسنة النبوية من مثل قول عبد الغنى السلاوى قاضى دنقلة (٢): ما هديه غير الكتاب وسنّة ... والتاركون لذاك هم كفراء أجلى الصّدا وأزاح أنواع الرّدى ... وسمت به فوق السّما علياء أمست به آثار طه ونورها ... يعلو ولا يعلو عليه سناء فالمجد فيه مؤثّل والفضل من ... هـ مؤمّل والناس فيه سواء

стр. 5254

وهو يقول إن دعوته قائمة على الأخذ بالكتاب والسنة النبوية، ومن يرفض دعوته يكون كافرا ويصفه بأنه نحّى الصدأ والكدرة عن وجه الحياة فى السودان ونحّى أنواع الهلاك والبوار، ويقول إن علياءه علت به فوق السموات السبع، وأمست آثار طه تتعالى ولا يعلو عليها سناء ولا نور، ويذكر أن مجده أصيل والفضل منه مؤمل يشترك فيه السودانيون جميعا، وسنترجم عما قليل لشاعرين من شعراء المهدى هما: حسين زهراء ومحمد عمر البناء. وكان قائد جيش الأنصار عثمان دقنة فى شرقى البلاد بمدينة هندوب قرب مدينة سواكن ومعه فرق كبيرة من الجيش فبلغ التعايشى خليفة المهدى أن جيشا إنجليزيا يتقدم نحو سواكن ليفاجئ عثمان دقنة فى هندوب، فكتب إلى عثمان دقنة يأمره بالانسحاب من المدينة لاستدراج العدو إلى شعاب الجبال، ومباغتته هناك، ونكل عثمان دقنة بالجيش الإنجليزى فى هشيم، وفى ذلك يقول محمد الطاهر المجذوب كاتبه فى قصيدة حماسية (١): هندوب تعرف صبرنا ... كيف ارتكبنا للمصاعب وهشيم تشهد عزمنا ... كيف ادّرعنا للمصائب يا طالما صدنا بها ... صيد الغضنفر للثعالب (٢) نحيى لدين الله بل ... فى شأنه نلقى المعاطب (٣) متوسلين إليه بال ... مهدىّ وجهة كلّ راغب وخليفة المهدىّ عب ... د الله مفتاح المطالب وهو يقول إن «هندوب» تعرف صبرنا فى الحرب وكيف نعد العدة لها، وتلك «هشيم» تشهد عزمنا المصمم وكيف أخذنا أهبتنا للحرب، وكانت حربا ضارية صاد جيشنا فيها الأعداء صيد الأسد للثعالب. وإننا لنحيى للدفاع عن دين الله معرّضين أنفسنا للموت من دونه، متوسلين لإلهنا بإمامنا المهدى وخليفته عبد الله التعايشى مفتاح كل مطلب للشعب السودانى. ويمدح المضوى عبد الرحمن الزبير باشا حاكم بحر الغزال للخديوى إسماعيل، وكان قد نزل القاهرة بعد ثورة المهدى، وكان من أنصارها وأرادت حكومة مصر محاكمته فتوسط له الزبير باشا فعفى عنه، فامتدحه بقصيدة يقول فيها (٤): هو فخر سنّار الذى عظمت به ... وجداه عمّ بها جميع السّاح (٥) وتواضعت عظماؤها لعلاه إذ ... علموا بما أوتى من الفتّاح من فطنة ونزاهة وشهامة ... وشجاعة فى الغارة الملحاح

стр. 5255

يحنو على مسكينهم بتعطّف ... ويسدّ ثلمهم يخفض جناح فلذا تراهم يلهجون بذكره ... لا يطربون بغير هذا الرّاح (١) فالله يبقيه ويجعل سعيه ... فى كل ما يهوى قرين نجاح والمضوى يقول إن الزبير فخر «سنار» الذى أتاح لها عظمة ومجدا، والذى عمّ جوده بها جميع الساحات، ويذكر أن عظماءها تواضعوا له لما أسبغ الله عليه من نعم: فطنة ونزاهة ومروءة. وإنه ليسد ثلمهم وكل ما ينزل بهم من خطوب مع تواضع شديد، ولذلك يولعون بذكره ولا يطربون إلا لترداد اسمه وكأنه خمر مسكرة لهم. ويدعو له بطول العمر وأن يوفق فى كل ما يسعى إليه مقترنا بالنجاح المنشود. ويمدح عبد الرحمن شوقى السيد على الميرغنى، وكان فيما يبدو رئيس الطائفة الميرغنية الصوفية-قائلا (٢): بكم-آل طه ما حييت-متيّم ... وفيك مديحى دون غيرك يا على ومن ذا يرى فى العمر وجهك مرّة ... تقرّ به عيناه يوما وتمتلى فيسلو هوى آل النبىّ، وحبّهم ... جرى فيه مجرى الروح فى كل مفصل وإنك للإسلام ركن وموئل ... لتحفظه يا خير ركن وموئل ورثت كريم المجد عن أكرم الورى ... ونور الهدى عن وجهه المتهلّل وهو يقول إننى متيم صبابة بحب آل طه، حبا يتعمقنى طوال حياتى، وإنّي لأقصر عليك- لهذا النسب الكريم-مديحى، وإن من يرى وجهك فى حياته مرة تقرّ به عيناه وتمتلئ فرحا ولا يستطيع سلوا عن حب آل النبى، وكيف يسلوهم وحبهم يسرى فيه مسرى الروح فى أعطاف الجسد ومفاصله، وإنك لركن للإسلام وحصن لتصونه، يا خير ركن له وحصن، وقد ورثت عظيم المجد عن أعظم الورى محمد، وورثت نور الهدى عن وجهه المتهلل المضيئ. ونتوقف قليلا لنترجم لشاعرى المهدى: حسين زهراء ومحمد عمر البناء. الشيخ حسين (٣) زهراء ولد الشيخ حسين إبراهيم زهراء حوالى سنة ١٢٤٨ هـ/١٨٣٣ م بقرية وادى شعير فى المسلمية جنوبى الخرطوم بنحو ١٥٠ كيلو مترا لأبوين عباسيين، وتوفى سنة ١٣١٣ هـ/١٨٩٥ م. عنى أبوه بتعليمه لما لاحظ من فطنته وذكائه، وبعد حفظه للقرآن الكريم أخذ ينهل من حلقات علماء الدين. وفى نحو العشرين من عمره رحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر، وظل فيه سبع سنوات مكبا على حلقات شيوخه، حتى إذا اكتمل زاده العلمى عاد

стр. 5256

إلى موطنه، والتف حوله كثير من الطلاب السودانيين يفيدون من علمه. ولما قام المهدى بثورته ظل فترة ينتظر مصيرها، حتى إذا انتصر المهدى على حملة هكس باشا الإنجليزى فى الأبيض وأبادها وفد عليه، فقابله بغير قليل من الحفاوة إلا أنه لم يسارع إلى تعيينه فى وظيفة من وظائف دولته الكبرى، فنظم قصيدة همزية طويلة بها تلميحات إلى ما ينبغى على المهدى من عناية بالعلماء من أمثاله وإسناد الوظائف المهمة إليهم. ويبدو أن المهدى لم يعجبه منه هذا التلميح، وقدم إليه مدائح أخرى، وظل غاضّا بصره عنه. حتى إذا تولى بعده رياسة الدعوة المهدية خليفته عبد الله التعايشى استقدمه وعهد إليه بتدريس مادتى الحديث النبوى وعلم الفرائض (المواريث). وخلت وظيفة قاضى القضاة فعينه فيها ولقبه بلقب قاضى الإسلام، وكان يحق الحق لا يبالى بأحد، فعرضت عليه قضية ومعها فتوى تهم الخليفة التعايشى، فحكم فيها بالحق الذى يقتضيه الشرع. وعزله التعايشى فنظم فيه قصيدة هجاء فسجنه، ويقال إنه منع عنه الأكل والشرب فتوفى صبرا. وكان شاعرا بارعا، وقصيدته الهمزية فى مديح المهدى طويلة، ومن تلويحاته فيها له بما ينبغى فى دولته من تقديم العلماء قوله فى تضاعيفها: برح الخفا ما الحقّ فيه خفاء ... وتوالت الآيات والأنباء بالآية الكبرى التى بظهورها ... كمل الرّضا وانجابت الأسواء (١) مهدىّ ربّ العرش منتظر الورى ... والى الولى والأكرمون وراء علماء أمة أحمد ناشدتكم ... ردّوا جوابى إنكم علماء أرضى وترضون الضلال بعيد ما ... ظهر الهدى وانجاب عنه قذاء ويخيب ظنى فيكم وعشيرتى ... أنتم ويقمع جمعنا الغرباء (٢) جهل الولاة أمات دين محمّد ... وأهيله ماتوا وهم أحياء وهو يهلل لظهور الحق وتوالى العلامات والأنباء بظهور الآية الكبرى المتجسدة فى المهدى والتى كمل للشعب السودانى بها الرضا وانزاحت الأسواء والشرور، فقد أظهر رب العرش المهدى منتظر الأمة السودانية. ولا يلبث فى الشطر الثانى أن يقول إنه يقدّم من بادروا إلى بيعته، بينما يؤخر الفضلاء ويبعدهم وراءهم، ويناشد علماء الأمة أترضون هذا الضلال، بعد ما اتضح الهدى وانحسرت الأقذاء عنه، ويخيب ظنى فيكم ويقهرنا الغرباء، ويتمادى الولاة فى جهلهم. ويتساءل ثانية أماتت شريعة محمد وأهلها من العلماء وهم أحياء. والقصيدة تحمل حملة عنيفة على المهدى وأوليائه وأنصاره الذين يقربهم قربى رفيعة. ويمدحه بقصيدة عينية يقول فيها:

стр. 5257

عماد الهدى أسّ الجدا معدم العدا ... بدا وإليه الناس فى الأرض نجّع (١) ملاك أساطين الخلافة كفؤها ال ... معدّ لها الحصن الحصين الممنّع إمام الهدى الهادى لكلّ ومرشد ... بهامته التاج النفيس المرصّع به أخبرت من قبل وقت ظهوره ... صحاح رواها هبرزىّ وموضع (٢) وهو يقول إن المهدى العماد الذى يقوم عليه الهدى وأس العطاء ومميت الأعداء، ظهر والناس يطلبونه هو وعطاياه، إنه ملاك، ونعم الكفء المعد لأعمدة الخلافة والحصن الحصين، إمام الهدى الهادى المرشد لكل الناس، وإن رأسه ليزدان بتاج الهدى النفيس المرصّع. ويبالغ حسين زهراء مبالغة مفرطة إذ يقول إن أحاديث صحاحا بشّرت به قبل ظهوره، رواها محدث مقدام مسرع فى خطاه. ويمدحه بقصيدة دالية، وفيها ينشد: الأمر جدّ والخطوب جداد ... وجنود مهدىّ الورى أمجاد حرب بمحراب الهدى من بأسه ... بشتاتها تتزلزل الأطواد (٣) لم لا وأملاك السموات العلا ... فى جيش مهدىّ الورى أجناد للحق جاء وللمناكر قاتل ... وعلى الفعال من المقال مزاد والقصيدة حماسية، وبدأها حسين الزهراء بأن الأمر جد والخطوب متجددة وجند المهدى أمجاد أبطال، وإن حربا يقودها المهدى من محراب الهدى لتتزلزل لها الجبال، إذ ليس جندها من أسود السودان الأشداء فحسب، فإن الملائكة من السموات الرفيعة تشترك معهم فى الحرب تؤيدهم وتنصرهم، ولا عجب فقد جاء المهدى لإقرار الحق وإزالة كل منكر، وإن فعاله لأعظم من أن يحيط بها مقال. الشيخ محمد (٤) عمر البناء ولد الشيخ محمد عمر البناء فى رفاعة بإقليم الجزيرة سنة ١٢٦٤ هـ/١٨٤٨ م وتوفى سنة ١٣٣٦ هـ/١٩١٨ م وحاول الاشتغال بالتجارة فى مطالع شبابه وخسرت تجارته، فتركها إلى حلقات الشيوخ ينهل منها، وفى الثالثة والعشرين من عمره رحل إلى القاهرة واختلف إلى دروس شيوخه مدة غير قليلة، وعاد إلى موطنه. ولما قام المهدى بدعوته هاجر إليه وبايعه وأخلص فى بيعته، وامتدحه وأصبح شاعره وشاعر دعوته، ولزمه ولزم خليفته عبد الله

стр. 5258

التعايشى، وقرّبه منه، وجعله بمنزلة مستشار له، ولما انتهى عهد التعايشى والدعوة المهدية عيّنته الحكومة الثنائية قاضيا ثم مفتّشا للمحاكم الشرعية إلى أن لبّى نداء ربه. وكان شاعرا مجيدا، بل كان أبرع شعراء السودان فى زمنه، ويتميز بأسلوب جزل رصين، وشعره فى المهدى والدعوة المهدية يكتظ بحماسة قوية على نحو ما نرى فى تائيته التى طارت شهرتها، وهو يستهلها بقوله: الحرب صبر واللقاء ثبات ... والموت فى شأن الإله حياة والجبن عار والشجاعة هيبة ... للمرء ما اقترنت بها العزمات والصبر عند البأس مكرمة ومق ... دام الرجال تهابه الوقعات والفخر كلّ الفخر بيع النّفس لل ... هـ العلىّ وأجرها الجنّات إن الجهاد فضيلة مرضيّة ... شهدت بمحكم أجرها الآيات قد حاز هذا الافتخار جميعه ... صحب الإمام السادة القادات وهو يقول لأنصار المهدى محمسا لهم: الحرب صبر واللقاء ثبات واستماتة، وإنها لحرب عظيمة فى نصرة دين الله، والجبن والقعود عنها عار لا يماثله عار، وما أعظم الشجاعة المقترنة بالعزيمة وما أعظم الصبر حتى الموت، بل إن الموت ليهاب شجعان الرجال، وإن بيع النفس لله العلى فخر لا يماثله فخر لعظم الأجر من الجنات ونعيمها الخالد، إنها ليست حربا بل جهادا فى سبيل الله ودينه الحنيف الذى نزل القرآن الكريم بمحكم أجره وثوابه من مثل قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْااتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ويقول إن هذا الفخر جميعه حازه صحب المهدى وقواده. ويشيد بجهادهم فى نشر الدعوة المهدية منشدا: قوم إذا حمى الوطيس رأيتهم ... شمّ الجبال، وللضعيف حماة ولباسهم سرد الحديد وبأسهم ... شهدت به يوم اللّقا الغارات وخلوقهم صدأ الدروع، لحزمهم ... قتل الأعادى عندهم عادات فى السّلم تلقاهم ركوعا سجّدا ... أثر السجود عليهم وسمات وتخالهم يوم الجلاد ضراغما ... أسد وأسل رماحهم غابات ركبوا الجياد وغادروا شلو العدا ... رزق النّسور ولحمهم أقوات والأرض سالت بالدماء وما بها ... غير الجماجم والشعور نبات فهم قوم بواسل إذا دارت رحا الحرب رأيتهم جبالا شاهقة لا ينالها أحد، وهم مع ذلك حماة لكل ضعيف يأخذون بيده، لباسهم دروع متينة النسج، والغارات تشهد بشجاعتهم الخارقة، وليس لهم طيب إلا صدأ الدروع، مع اكتمال حزم فى قتل الأعادى والتنكيل بهم.

стр. 5259

أما فى السلم فدائما راكعون ساجدون لله وعلى وجوههم أثر السجود وعلاماته. ويوم النزال تظنهم أسدا وقد بدت رماحهم الطويلة فوقهم وكأنها غابة ضخمة. ويقول إنهم يبادرون إلى الحرب فيركبون خيولهم، وما هى إلا ساعات يغادرون بعدها ساحة الحرب وقد خلّفوا للنسور طعامها من لحوم أعدائهم، وتسيل الأرض بدمائهم وكأنما أنبتت جماجم ورءوسا لكثرة القتلى. ويشيد البنّا عقب ذلك بانتصاراتهم وإعلائهم لكلمة الله وإرضائهم لرسوله وقمعهم لأعدائهم، ويحث المهدى على غزو الخرطوم وإخراج الغواة المفسدين منها ضاربا له المثل بجهاد الرسول والصحابة ضد العتاة الظالمين، ويهنئ الشهداء من جيشه، فالحور العين تنتظر لقاءهم فرحا بهم، والجنات تزينت لقدومهم. والقصيدة شعلة من الحماسة الملتهبة. وللبنّا قصيدة يمتدح بها عثمان دقنه قائد جيش المهديين فى شرقى السودان، وفيها يصور بسالة جنوده منشدا: بعثت لهم همم الجهاد ملابس ... النّصر العزيز يمدّه التصويب وأمدّهم جيش الملائك ناشرا ... رايات نصر للبلاد تجوب فسيوفهم مسلولة ورماحهم ... مسنونة وعدوّهم مرعوب وعدوّهم دوما يغصّ بريقه ... والرعب منهم للقلوب يذيب إن نوزلوا كانوا الليوث معاركا ... أو غولبوا فعدوّهم مغلوب أو حوربوا فالرّعب من أعوانهم ... دوما وعقل عداتهم مسلوب وهو يقول: كأنما همم الجهاد القعساء أرسلت إليهم ملابس النّصر ترافقها إصابة الأهداف، بل لقد زوّدهم جيش الملائكة برايات نصر نشرها فى البلاد، وسيوفهم مسلولة من أغمادها ورماحهم مسنونة قاطعة، وأعداؤهم غاصّون بريقهم من شدة رعبهم، بل ليكاد الرعب يذيب قلوبهم. وإن نوزلوا فى معركة كانوا أسودا وإن غولبوا غلبوا وقهروا الأعداء قهرا، أو حوربوا كان الرعب من أنصارهم دائما، ودائما كان عقل أعدائهم مسلوبا من هول حربهم ونزالهم الضارى. ٣ - شعراء الفخر والحماسة مرت بنا أشعار حماسية زمن الدعوة المهدية لمحمد الطاهر المجذوب ومحمد عمر البناء، ونلتقى بالشاعر يحيى السلاوى السودانى يرحل إلى مصر للمشاركة فى الثورة العرابية، وسنفرد له ترجمة عما قليل، نعرض فيها له قصيدة حماسية. وتلقانا عند عثمان هاشم حماسية بديعة فى حرب مصطفى كمال لليونان وإخراجهم على وجوههم مدحورين من الأناضول، وسنخصه

стр. 5260

بترجمة، ولغير شاعر سودانى فخر حماسى، وهو يتخذ صورا متعددة، من ذلك فخر الشخص بنفسه وآبائه مثل قول عبد الله الكردى المولود سنة ١٣٠١ هـ/١٨٨٤ م (١): إنّى ابن أنثى حرّة عربية ... آباؤها بيض الوجوه فحول (٢) إنّي عريق فى النّجار وأبلج ... فى برده كرم يكاد يسيل (٣) تنميه للحىّ اللّقاح عشيرة ... وأب وقور ماجد بهلول (٤) وأنا امرؤ زين المحافل شاعر ... لى هزّة نحو السماح تميل هتفت بذكرى فى البلاد قصائدى ... وشدا بهنّ على الغصون هديل وهو يفتخر بأن أمه عربية وأن آباءه بيض الوجوه فائقون لأعمالهم الجليلة وأنه عريق فى أصله مشرق الوجه، غيث مدرار، يكاد الكرم يسيل من برده، ينسب فى عشيرته لحىّ لم يدن لملوك أبدا، وأبوه وقور ماجد سيد، وإنه لزين المحافل شاعر يهتز للشيم الكريمة من سماحة وغير سماحة، وقد شاع ذكره فى البلاد لقصائده البديعة، وغنى بها على الغصون هديل الحمام وكأنه يرددها فى تلاحينه. ويقول على أرباب مفاخرا بنفسه فيما يقدم لوطنه (٥): إذا أنا لم أرفع إلى المجد موطنى ... فلا ساعدى يوما علته مناكبه أقومى إن متّ اذكرونى فإنما ... حياتى وقف للعلا ومراكبه ومالى مقسوم لكلّ عشيرتى ... وصدرى رحب لا تضيق جوانبه ولا أنا فعّال لشئ يشيننى ... ولست بعذّال لخلّى أعاتبه هل الخير إلا أن تقوم بواجب ... تساعد مسكينا ويعطى رغائبه وهو يقول إنه حرىّ به الموت إن لم يعش ليرفع من مجد وطنه وشأنه، وحرىّ بقومه أن يذكروه حين يموت، فحياته كانت وقفا للعلا وأسبابه. ويذكر أن لكل فرد فى عشيرته حظا فى ماله، وأنه حليم لا يضيق صدره بشئ، مكرم لنفسه لا يعمل شيئا يشينه، ومكرم لصديقه فلا يلومه ولا يعتب عليه فى شئ، ويقول إن الخير كل الخير أن تؤدى واجبا فتساعد مسكينا، وتحقق له بعض رغائبه وأمانيه. ويفاخر عبد الرحمن شوقى بجدوده فى الزمان القديم (٦):

стр. 5261

زمان تولّى كان فيه جدودنا ... ليوثا يقودون الخميس العرمرما (١) إذا ابتسموا فالخلد فى بسماتهم ... وإن عبسوا فالكون صار جهنّما وإن عصروا عود الزمان أطاعهم ... ولان لهم عاصيه حتى تقوّما وإن ضربوا دكّوا القلاع بعزمهم ... وأوموا إلى بنيانها فتهدّما شموس سماء المجد أيان أشرقوا ... بدور الدياجى حيث كانوا وأنجما لقد نصروا الدين الحنيف وسدّدوا ... إلى الكفر سهما فى الفؤاد مصمّما وساسوا فما جاروا ولا تبعوا هوى ... ولا حمّلوا النّفس الضعيفة مغرما إلى أن دعا داعى الرّدى فتتابعوا ... نجوما هوت فالكون أصبح مظلما وهو يصور المجد التاريخى العظيم لأمتنا العربية فى الأزمنة الغابرة، ذاكرا أن زمانا مضى كان جدودنا فيه أسدا ضارية، إذا رضوا وابتسموا فكأنما فتحت أبواب الجنان، وإذا عبسوا ونازلوا قوما فقد أصبح الكون نارا حامية، وإن عصروا عود الزمان انعصر لهم، وإن عصا قوّموه حتى ينعصر، وإن ضربوا دكّت القلاع بعزمهم الجبار، بل لو أشاروا إلى بنيانها لخرّ منقضّا. هم شموس سماء المجد فى كل مكان يحلون فيه وبدور الدياجى فى كل بقعة ينزلونها ونجوم ساطعة، وطالما نصروا الدين الحنيف وسددوا إلى صدور الكفر وأفئدته سهاما مصمية. وساسوا الأمم والشعوب سياسة عادلة لا تميل مع الهوى، مليئة بالرحمة للضعفاء فلا تحمّلهم مغرما، ودار بهم الزمان دورات إلى أن دعاهم داعى الموت فتتابعوا نجوما تهاوت وأصبح الكون مظلما. وينشد الشيخ محمد سعيد العباسى حماسية فى الحرب الطرابلسية الإيطالية سنة ١٣٣٠ هـ/١٩١٢ م، وقد انتصر الطرابلسيون فى بعض المواقع، وفيها يقول (٢): يروم بنو روما طرابلسا وقد ... غزوها بحيش ضاق ذرعا به القفر (٣) أثاروا وغى دارت رحاها عليهم ... وراموا بها فخرا ففاتهم الفخر أعدّوا لها من عدّة الحرب كلّ ما ... يضيق به التعداد والبرّ والبحر وقد زعموا أن سوف ينجح سعيهم ... ولكنه زعم الأضاليل والهذر أبيدوا فكانوا عبرة الناس بعدهم ... وحلّق فى آثار موتاهم النّسر وهو يقول إن أبناء روما قصدوا طرابلس بجيش كثيف ضاق به القفر وسعا، ودارت رحا حرب ضارية أراد بها الطليان فخرا ففاتهم، مع ما أعدوا للحرب من عدة وأسلحة لا يحيط بها العد والإحصاء ولا البر والبحر، وزعموا أن نصرهم قريب وهو زعم أضاليل وهذيان فقد

стр. 5262

أبيدوا عن آخرهم، وأصبحوا عبرة وموعظة لكل معتد أثيم، وحلقت فوق جثثهم النسور وانقضّت عليها انقضاضا. ويقول مفاخرا بشيمه الرفيعة وأجداده (١): ألقى بصبرى حسام الحادثات ولى ... عزم أصدّ به ما قد يلاقينى ولا أتوق لحال لا تلائمها ... حالى ولا منزل اللذّات يلهينى ولست أرضى من الدنيا وإن عظمت ... إلا الذى بجميل الذكر يرضينى وكيف أقبل أسباب الهوان ولى ... آباء صدق من الغرّ الميامين (٢) النازلين على حكم العلا أبدا ... من زيّنوا الكون منهم أىّ تزيين من كل أروع فى أكتاده لبد ... كالليث، واللّيث لا يغضى على هون (٣) والعباسى يقول إنه يتدرع أو يتسلّح بصبر أمام جسام الحادثات فلا تنال منه، ويصد بعزمه القوى ما يلقاه من خطوب، ولا يتشوق لحال لا تتفق وحاله، ومنزل اللذات لا يلهيه، بل يكف نفسه عنه، ولا يرضيه من دنياه إلا الذكر الجميل والعمل الحميد ولا يقبل هوانا وكيف يقبل هوانا أو ضيما، وآباؤه آباء صدق من المشهورين ميمونى النقيبة الذين لا ينزلون أبدا إلا على حكم العلا وقد ازدان بهم الكون زينة رفيعة، من كل شجاع على كاهله لبد كأنه ليث حقيقى، والليث لا يغمض عينه ولا يستطيع الصبر على هوان وضيم. وحرىّ بنا أن نترجم الآن ليحيى السلاوى السودانى وعثمان هاشم. الشيخ يحيى (٤) السلاوى السودانى ولد الشيخ يحيى السلاوى السودانى بالخرطوم حوالى سنة ١٢٦٢ هـ/١٨٤٦ م وهو ابن عبد الغنى السلاوى قاضى دنقلة الذى مر فى شعراء المديح أنه كان من شعراء المهدى وذكرنا له أبياتا من قصيدة فى مديحه هناك، وكان ابنه يحيى شاعرا مثله، ونراه حين نشبت ثورة عرابى بمصر سنة ١٢٩٨ هـ/١٨٨١ م يطلب من مدير دنقلة ترحيله إلى مصر، ويرفض طلبه، فيبرق إلى محمد رءوف باشا حاكم السودان البيتين التاليين: مولاى عزّ ترحّلى ... وغدوت مقصوص الجناح فأرش جناحى مثلما ... عوّدتنيه ولا جناح فأبرق رءوف باشا إلى مدير دنقلة بترحيله على نفقة الحكومة إلى مصر، وبمجرد أن نزلها اندمج فى الثورة، وعرف أحمد عرابى أنه شاعر فطلب إليه أن ينظم قصيدة لطبعها ونشرها

стр. 5263

فى أرجاء مصر. ويقول محمد عبد الرحيم فى ترجمته له بكتابه نفثات اليراع إنه نظم-تلبية لعرابى-قصيدة يائية من تسعة وتسعين بيتا عثرنا على طائفة من أبياتها، وبلغ من اهتمام عرابى والشعب المصرى بها أن طبعت بماء الذهب وبيعت فى شوارع القاهرة، وكان ثمن النسخة منها جنيها ذهبا، وبلغ ما عثر عليه محمد عبد الرحيم منها خمسة وأربعين بيتا وهى أشبه بمنشور ثورى وهو يستهلها بقوله: شغل العدا بتشتّت الأحزاب ... والله ناصرنا بسيف عرابى والقطر فيه من الرجال كفاءة ... للحادثات فهم أولو الألباب وحميّة الإسلام تقضى بالوفا ... حتما على كلّ امرئ أوّاب (١) ومحبّة الوطن العزيز تحثّهم ... والفلج إذن باتّباع صواب والمشركون خواسر فى سعيهم ... هزموا وقد نكصوا على الأعقاب (٢) والشيخ يحيى يقول إن الإنجليز شغلوا بتشتت جندهم، وسماهم الأحزاب أسوة بغزوة كفار قريش والعرب المسماة غزوة الأحزاب، ويقول إن الله ناصرنا بسيف الحق: سيف أحمد عرابى، والقطر ملئ برجال أكفاء لهؤلاء الأعداء، وهم مملوءون حمية للإسلام، تأمر كل مسلم أواب متبتل لربه بالوفاء لدينه الحنيف والدفاع عنه بالروح، وأيضا مملوءون محبة للوطن تحثهم على الدفاع عنه وهو دفاع سينتهى إلى النصر المبين، وقد نصرنا فعلا فى بعض المواقع، وهو إذن وبشرى بالنصر التام وإن الإنجليز لخاسرون فى حربهم إذ هزموا ورجعوا ناكصين على أعقابهم. ويمضى قائلا: هيّا بنا يا أهل مصر إلى الرّضا ... والفوز فى العقبى بغير حساب أنتم أولو الهمم التى بسهامها ... كم من عدوّ آب شرّ إياب لا تشغلنّكم الحياة فإنها ... ذلّ لمن يرضى بهتك جناب ولقد نرى إخواننا فى حالة ... تحتاج للأعوان والأصحاب وهو يهيب بأهل مصر أن يؤيدوا عرابى ويشتركوا فى حرب الإنجليز طلبا للفوز فى الآخرة ويقول إنكم أولو الهمم المصممة، وما أكثر ما نكلتم بأعداء بلدكم حتى آبوا شر مآب، ولا تشغلنكم الحياة عن واجبكم فى الدفاع المستميت عن بلدكم، وإنه لذل لأى أمة ما مثله ذل أن ترضى بهتك العدو لأى ناحية من نواحيها، وإن إخواننا من الجنود وقادتهم لفى حاجة إلى العون المادى والحربى، ويذكر بعض الشخصيات التى ناصرت عرابى وأمدته بعون قيم.

стр. 5264

والقصيدة وثيقة مهمة فى موقف الشعب من ثورة عرابى وتأييده له فى حربه ضد الإنجليز الغاشمين. ويقول محمد عبد الرحيم: لما دخل اللورد ولسلى بجيشه الإنجليزى إلى القاهرة وأخذت الحكومة تقبض على دعاة الثورة لجأ الشاعر يحيى إلى السيد محمد سر الختم الميرغنى، فساعده على السفر إلى الآستانة، وهناك عيّن مفتشا للغة العربية فى وزارة المعارف التركية. عثمان (١) هاشم ولد فى مدينة بربر أواخر سنة ١٨٩٨ للميلاد، وهو من الأسرة الهاشمية السودانية التى شاركت بقوة فى العلوم الإسلامية، وهى تنتسب إلى العباس بن عبد المطلب، ومن أعلامها أبو القاسم هاشم شيخ علماء السودان ومؤسس المعهد العلمى الدينى بأم درمان سنة ١٩١٢ والطيب أحمد هاشم مفتى السودان. بدأ حياته الدراسية بالاختلاف إلى كتّاب لحفظ القرآن الكريم، وتركه قبل أن يتمه للالتحاق بمدرسة مدينة بربر الابتدائية، ومنها تحول إلى القسم الابتدائى فى كلية غوردون وتخرج فيه وعمل فى الحكومة السودانية موظفا منذ سنة ١٩١٥. وشغف بالشعر العربى مبكرا فأكبّ على دواوينه واستيقظت فيه الموهبة الشعرية سريعا، ونظم فى موضوعات مختلفة جمع منها سعد ميخائيل باقة بديعة حين ألف كتابه شعراء السودان سنة ١٩٢٣ منها قصيدة حماسية فى بطل الأناضول مصطفى كمال أتاتورك، وكان الحلفاء بعد الحرب العظمى الأولى فى هذا القرن أغروا اليونان باحتلال إزمير وشطر كبير من الأناضول، واستحال الشعب التركى إلى عصابات مسلحة تقاوم هذا الاحتلال وانضمت إليها قوات نظامية، وقاد المقاومة سنة ١٩٢١ مصطفى كمال، وأخذ الترك يسحقون اليونان سحقا، حتى اضطر من بقى منهم إلى خروجهم من الأناضول جميعه فى سبتمبر سنة ١٩٢٢ وعادت تركيا-بفضل مصطفى كمال-إلى الظهور ببطولتها الحربية القديمة، وحيّاه عثمان هاشم بقصيدة رائعة، يقول له فى مطلعها: ضربت بسيف الحقّ فاندكّ باطل ... وجئت بما لم تستطعه الأوائل ودافعت عن دين النبىّ محمّد ... ولم تثن منك العزم تلك القنابل غضبت لدين الله لما رأيته ... تمدّ له من كلّ حدب غوائل (١) فلما توسّطت الأناضول صحت فى ... بنيه ألا هبّوا دفاعا وناضلوا فلبّتك من أبناء عثمان عصبة ... لها فى صميم الترك مجد ونائل وهاجوا غضابا كالأسود وأقسموا ... بأن يصدقوا بالفعل ما أنت قائل وهو يقول لمصطفى كمال: ضربت جند اليونان بسيف الحق فاندكّ حصن باطلهم واحتلالهم الأثيم، ودافعت عن دين سيد الخلق محمد، لا تثنيك قنابل الأعداء، إذ غضبت للدين الحنيف

стр. 5265

غضبة ضارية، فقد رأيت دواهى كثيرة تحيط به من كل حدب (١) وطريق. ولما توسطت الأناضول صرخت فى أهله: هبّوا وناضلوا عن حماكم، ولبّاك من أبناء الترك عصبة ذات مجد وعطاء عظيم، وهاجت هياج الأسود تدافع عن عرينها. ويخاطب مصطفى كمال مصورا بلاء الترك فى الحرب إلى أن أحرزوا النصر النهائى العظيم قائلا: أحاط بك الأعداء حتى كأنهم ... خضمّ عظيم لم يبن منه ساحل وكم سفكوا منكم دماء بريئة ... وكم سفحت للدّمع منكم أرامل وما هدّ هذا منك حزما عزمته ... وكيف تهدّ الراسيات المعاول فسقيا لأقوام سقوا بدمائهم ... ثرى وطن مدّت إليه الحبائل (٢) وذادوا عن الدين الحنيف بغيرة ... كأن صدور القوم منها مراجل (٣) هنيئا لك النّصر المبين وليتنى ... بجيشك جندىّ تطوّع باسل ويقول عثمان هاشم إن جنود اليونان كانوا كثيرين حتى كأنهم بحر زاخر لا تبين له سواحل، وكم أراقوا من دماء الترك الطاهرة، وكم بكت منهم أرامل فقدن أزواجهن، وما هدّ ذلك منك شيئا من حزمك وعزمك، وحقا لا تهدّ المعاول الراسيات الشامخة. ويدعو الله لهم بالسقيا والرعاية جزاء لدمائهم التى سقوا بها ثرى وطنهم المفدّى، وقد مدّت إليهم مصايد المكر والغدر، ودافعوا عن الدين الحنيف بغيرة وحمية، حتى كأن صدورهم مواقد مشتعلة من شدة الغضب. ويمضى عثمان هاشم فى قصيدته ويختمها بتهنئة حارة لمصطفى كمال بنصره المبين، ويتمنى لو كان جنديا باسلا فى جيشه، ونال حظا من شرف هذا النصر العظيم. ويقول مفاخرا بقومه: إنّي لمن معشر طابت أصولهم ... فطاب فرعهم والنّسل والنّسب إن نابك الدهر فاستنجدتهم نجدوا ... أو مسّك الضّرّ فاستنهضتهم وثبوا غر جحاجحة شمّ غطارفة ... صيد جهابذة بل سادة نجب (٤) يشير إلى أنه من معشر شريف-إذ هو سليل العباس بن عبد المطلب-معشر طابت أصولهم فطابت فروعهم وطاب نسلهم وذريتهم، وطاب النسب والانتماء إليهم، إن أصابك الدهر بنائبة أو كارثة واستنجدتهم نجدوك بكل ما يستطيعون، وإن مسك ضر واستنهضتهم

стр. 5266

للدفاع عنك وثبوا إليك سراعا، وهم مشهورون سمحاء كرام مترفعون سادة مزهوون بأمجادهم أصحاب فراسة، بل هم سادة فضلاء. وللشاعر مقطوعة ثانية فى الفخر يقول فيها عن قومه: قوم لقد طابت سرائرهم فلم ... تر غير بذل ندى وبسط كفوف هم أفضل العرب الكرام عشيرة ... وأعز أنسابا وشمّ أنوف (١) وهم الشموس إذا الحوادث أظلمت ... وهم البدور بنورها المعروف وهو يقول إن قومه قد طابت سرائرهم ودخائلهم، وهم غيوث مدرارة فى الجود والكرم. وهم أفضل العرب عشيرة، إذ هم من عشيرة الرسول ﷺ ، لذلك كانوا أعزّ أنسابا وشمّ أنوف مترفعين، وإذا أظلمت الدنيا كانوا شموسها المنيرة وبدورها المضيئة. ٤ - شعراء الرثاء (أ) رثاء الأفراد بأخذ رثاء الأفراد فى الشعر العربى أشكالا ثلاثة هى الندب والتأبين والعزاء، والندب عادة للأقارب وخاصة الأبناء ويمتلئ بالتفجع عليهم والتحسر والحزن الممض، والتأبين لشخصيات القبيلة والأمة لبيان فضائلهم وأعمالهم وخسارة المجتمع فيهم، والعزاء لبيان أن الموت من سنن الحياة وأنه لا يبقى على أحد سيد ومسود. وقد يجمع الشاعر بين هذه الأشكال الثلاثة أو يفرد مرثيته لشكل أو شكلين، ولكل أمة عربية مراثيها، وخاصة لرجالاتها المهمين، وقد مرت بنا دعوة المهدى، وهو أهم الشخصيات السودانية فى القرن الماضى، وقد حقق للسودان استقلاله فى سنوات معدودات، ولبي سريعا نداء ربه وهو فى الحادية والأربعين من عمره، وبكته السودان وبكاه شعراؤها وفى مقدمتهم الشيخ إبراهيم شريف الدولابى الكردفانى، ويستهل مرثيته بقوله (٢): كيف التئام فؤادى المفطور ... ورقوء دمع محاجرى المفجور (٣) أم كيف ينفكّ الضّنا عن مهجة ... أحشاؤها تصلى على التّنوّر (٤) أسف على المهدىّ من مهد الصّبا ... قد كان معصوما عن المحظور فتح الفتوح ودمّر الكفّار فى ... كلّ البلاد بجيشه المنصور هو مجمع البحرين: بحر شريعة ... طام وبحر حقيقة مسجور (٥) وهو يقول إن فؤاده انفطر وانشق حزنا لموت المهدى ولن يرقأ أو يجف دمعه المتفجر،

стр. 5267

ولن ينفكّ الضنا عن مهجته، وكأنما تصلى أحشاؤها وتحترق على تنور مشتعل، ويأسف على المهدى ويقول إنه كان معصوما عن المحظور المحرم منذ صغره، ودمّر جيشه الجيوش التى لقيته. وينعته بأنه كان مجمعا لبحر الشريعة الطامى الزاخر وبحر الحقيقة الإلهية المملوء نسكا. ويمضى الشاعر فى مرثيته منشدا: قد كان قوّام الدّجى متبتّلا ... متواصل الإحسان غير فخور طلق المحيّا خاشعا متواضعا ... كهف الفقير وجابر المكسور لا يبتغى جاها ولا مالا ولا ... عزّ الملوك ولا ارتفاع الدور تبكى المساجد والمحارب فقده ... ومواطن الأذكار والتذكير يا طيب أرض ضمّ جسمك تربها ... تزرى بعرف المسك والكافور وهو يصف المهدى بأنه كان قوّام الليل مصليا متبتلا لربه، مواصل الإحسان للفقراء والمساكين دون أى فخر أو منّ، طلق المحيا بشوشا خاشعا متواضعا، كهفا للفقير وملجأ وجابرا للمكسور، لا يفكر فى جاه ولا فى مال ولا فى عز الملوك وحياتهم المترفة ولا فى القصور المشيّدة، وبكته المساجد والمحارب وبقاع أذكاره وتذكيره، وما أطيب الأرض التى ضمت جسده، إن شذاها يزرى بشذا الطيب من المسك والكافور. ويبكى المهدىّ الشيخ محمد الطاهر المجذوب بمرثية يفتتحها بقوله (١): دهتنا دواه يضرس القلب نابها ... ويوقد فى الأحشاء نارا منابها (٢) غداة نعى الناعون مهديّنا الذى ... به ملّة الإسلام جلّ مصابها إمام الهدى المهدىّ أفضل من دعا ... إلى الله مفتاح النجاة وبابها ألا قد أصبنا إذ عدمنا حبيبنا ... وضاقت بنا الأرض الوسيع رحابها ليبك له الدين الحنيف وملّة ... أبان هداها حين تمّ خرابها والشيخ المجذوب يقول إنه نزلت بهم دواه يعض نابها القلب ويوقد منابها فى الأحشاء نارا غداة نعى الناعون المهدى الذى جلّ مصاب الدين الحنيف فيه، إنه إمام الهدى ومفتاح النجاة من النار وبابها، ولقد أصبنا فى حبيبنا وضاقت بنا الأرض الفسيحة الواسعة الرحاب، ألا فليبكه الإسلام وملة أوضح هداها بعد أن خربت خرابا لا آخر له. ويكثر رثاء الشعراء لآبائهم فى السودان، من ذلك قول القاضى أحمد المرضى المولود سنة ١٨٨٤ للميلاد فى رثاء أبيه (٣):

стр. 5268

لقد آن أن أبكى وأغرى البواكيا ... وأنظم من حبّ الدموع المراثيا وأصبغ عبراتى دما ليس ناضبا ... يخدّ خدودى مترعا والأماقيا (١) أبى ما أبى حرّ كريم وذو وفا ... وما كان ذا وجهين وغلا مداجيا (٢) أمين على سرّ الأخلاء حافظ ... وكان لإخوان الصفاء مواسيا تبوّأ مهد العزّ من نشأة الصّبا ... وشبّ على هام المكارم ساميا والمرضى يقول إنه حان أن يبكى ويغرى الباكيات بالبكاء وينظم من درر الدموع عقود المراثى ويصبغ عبراته بالدم الذى لا ينضب ولا يجفّ، بل يشق الخدود وآماق العيون شقوقا ملأى به. وينوه بأبيه فهو حر كريم وفىّ، وما كان يوما ذا وجهين نذلا منافقا، بل كان دائما أمينا على سر إخوانه: إخوان الصفاء مواسيا لهم، نزل مهد العز وأقام به منذ صباه، وشبّ على رءوس المكارم ساميا سموا متصلا. ويبكى الشاعر الشيخ عبد الله البناء أباه الشيخ محمد بن عمر البناء مفتش المحاكم الشرعية الذى ترجمنا له بين شعراء المديح بمرثية مؤثرة، وفيها يقول (٣): عين الكمال لهول يومك تذرف ... والمجد يرعد والشريعة ترجف رفّاع ألوية العلاء أرى العلا ... مهجورة طرقاتها تتلهّف كشّاف غمّاء المظالم بالهدى ... حار الهدى لما ثوى من ينصف يا قوم حامى السّرح أقصده الرّدى ... بكّوا له بدم القلوب ونزّفوا حجبوا السّناء عن النواظر حينما ... هالوا عليك من التراب وأسرفوا وهو يقول لأبيه إن عين الكمال تذرف الدمع مدرارا لهول يوم موتك، والمجد يرعد رهبة والشريعة ترجف فزعا لموتك، ويخاطبه: يا رافع ألوية العلاء والشرف أرى العلا هجرت طرقاتها وتتلفت متلهفة لو تراك. ويا كاشف غمة المظالم فى القضاء بنور هداك حار الهدى لما مات من ينصف المظلومين. ويلتفت الشاعر إلى قومه فيقول لهم إن الموت طعن حامى الحمى طعنة نافذة فابكوا له بدم القلوب حتى تنزفوه وتفنوه، ولقد حجبوا ضياءك عن العيون حين هالوا عليك التراب وأكثروا منه. وكان يعاصر هذا الشاعر محمد سعيد العباسى، وأنشد له صاحب كتاب الشعراء فى السودان طائفة غير قليلة من المراثى.

стр. 5269

الشيخ محمد (١) سعيد العباسى ولد بالكوة على النيل الأبيض جنوبى الخرطوم لأبيه محمد شريف شيخ الطريقة السمانية سنة ١٢٩٨ هـ/١٨٨١ م وعنى بتربيته منذ نعومة أظفاره، فأقرأه القرآن الكريم على مشايخ مهمين، وحفظه، فألحقه بأربعة شيوخ من علماء السودان لتعليمه العربية والعروض، هم الشيوخ: عيسى الدولابى وإبراهيم الركابى ومحمد بدوى وأحمد العاقب الرطابى، ولما أصبح كتشنر حاكما للسودان أشار على أبيه أن يلحقه بالمدرسة الحربية المصرية، وسافر إليها سنة ١٨٩٩ للميلاد وظل بها سنتين فى تلك المدرسة، وتوثقت العلاقة بينه وبين أستاذ اللغة العربية الشيخ عثمان زناتى، وتفتحت موهبته الشعرية حينئذ وأخذ ينظم بعض أشعار كان يعجب بها أستاذه ويشجعه، وأحسّ بحنين شديد لبلاده وبواديه التى كان يرتادها فى غربى السودان، وقطع دراسته وعاد إلى موطنه يجوب بواديه متمتعا بمناظرها ويصفها فى شعره مرارا وصف المفتون بها، وبحق لاحظ الدكتور عبد المجيد عابدين فى كتابه تاريخ الثقافة العربية فى السودان-وكذلك الدكتور محمد إبراهيم الشوش فى كتابه الشعر الحديث فى السودان- تأثيرها العميق فى شعره. وقد ظل وفيا لمصر بارا ومحبا، وشعره يكتظ بها وبالعواطف الوطنية والقومية والجوانب الاجتماعية. وجميع هذه الموضوعات عند العباسى اتسعت بعد ثورة سنة ١٩٢٤ التى نجعلها فاتحة العصر الحديث فى السودان ونهاية للعصر الذى نؤرخ فيه للشعر السودانى، وقد انتقلت إلى الشاعر رياسة الطريقة السمانية الصوفية منذ وفاة أبيه سنة ١٣٢٥ هـ/١٩٠٨ م وهو جانب صوفى جدير بتتبعه ودراسته عنده. ويعد أهم شعراء هذا العصر الذى نؤرخ له من حيث دقة الخيال وجمال الصياغة. ومن قوله فى رثاء أبيه: إن الليالى ذوات الغدر راعية ... ختالة ونفوس الناس مرعاها (٢) وكان عهدى بها تسطو على مهل ... واليوم صالت بيمناها ويسراها بالسيّد السّند بن السيد السّند ال ... رّاقى سماء فخار عزّ مرقاها يمحّض الرشد للغاوى ويوضح من ... مناهج الحق للقصّاد أهداها أزال عن مشكلات العلم منطقه ... براقع الوهم عن زاهى محيّاها وإن تكلّم فى علم السلوك له ... فيه عبارات ذوق ما أحيلاها وهو يقول إن الليالى الغدارة الخادعة دائما ترعى نفوس الناس نفسا بعد نفس، ويذكر

стр. 5270

أن عهده بها تبطش على مهل، ويراها اليوم تصول بيسراها ويمناها على أبيه الذى كان سندا يعتمد عليه، والذى صعد إلى سماء فخر يصعب الصعود إليها، ويقول إنه كان يسدى النصح للضال عن الهدى ويوضح طريق الحق لقصاده الكثيرين الذين يبغون منه الرشاد، وكان يرفع حجب الوهم عن مشكلات العلم ووجه الصواب الزاهى. أما فى التصوف والتقى فكانت له عبارات محكمة حلوة. ويبكى طائفة من آبائه منشدا: أولاك آبائى الذين بطولهم ... طالت يدى وسموت من سامانى (١) أولاك هم بصر الكمال وسمعه ... وهم لأهل الفضل كالعنوان بمعارف وعوارف قدسيّة ... كالشمس لا تخفى على إنسان هم صيّروا نهج الهداية واضحا ... للطالبين قصيّهم والدّانى نظروا إلى الدنيا بعين بصيرة ... فتحوّلوا عن ذا الوجود الفانى والعباسى يذكر أن هؤلاء الآباء الذين رثاهم بفضلهم علا شأنه وسما على من ساماه وفاخره، ويقول إنهم بصر الكمال وسمعه، وهم كالعنوان لأهل الفضل بمعارفهم العلمية وعوارفهم القدسية وهم كالشمس لا يخفى فضلهم على أحد، وقد صيّروا طريق الهداية واضحا للناس البعيد منهم والقريب وقد نظروا إلى دنياهم بعين بصيرة فازدروها وتحولوا عن دار الفانية إلى دار الخلود. ويقول فى رثاء أستاذه الشيخ محمد البدوى مؤبنا: كشف النقاب عن العلوم فزفّها ... خودا تفوق على الحسان الخرّد (٢) من للعلوم جميعها ولفقه ما ... لك والحديث صحيحه والمسند وبيانها وبديعها وأصولها ... فى منطق وعويصها المتعقّد إنّي أعزّى كل أمة أحمد ... بمصيبة الحبر الإمام محمد وعليك يا دنيا السلام فقد خوت ... شمس الكمال وغاب بدر السؤدد (٣) وهو يوضح مدى الخسارة العلمية فى أستاذه فقد رفع الحجاب عن العلوم وزفها إلى تلاميذه كفتاة جميلة تفوق فى جمالها الحسان المتلألئات الفاتنات، ويقول من يحل محله للفقه والحديث النبوى ولعلوم البيان والبديع والأصول وتذليل العويص والمشكل فيها. ويعزى الأمة الإسلامية فى مصيبتها به، ويقول: على الدنيا السلام فقد هوت شمس الكمال وغاب بدر المجد والشرف. (ب) رثاء المدن عرف الشعر العربى رثاء المدن منذ رمى عبد الله بن طاهر قائد المأمون بغداد بالمجانيق

стр. 5271

واشتعلت بها النيران والحرائق فقد رثاها غير شاعر، ورثى ابن الرومى البصرة حين نكل بها الزنج، وأكثر الأندلسيون من رثاء مدنهم حين سقوطها فى حجور الإسبان، ورثى ابن رشيق وابن شرف القيروان حين أغارت عليها قبائل الأعراب من بنى هلال وسليم فى أواسط القرن الخامس الهجرى وخرّبتها. ولم يحدث شئ من ذلك لمدينة فى السودان، إنما حدثت أحيانا أمطار وسيول هدمت مبانى بعض المدن وأصبحت كثرة أهلها فى العراء سوى من مات منهم وجرفته السيول. ومدينتان حدثت لهما هذه النكبة المروعة هما عطبرة وأم درمان. وكانت نكبة عطبرة سنة ١٩٢١ للميلاد أشد هولا، فقد انقضّت بها كثرة من المنازل، وعمّ البؤس كثيرا من الأسر، وممن رثاها مستصرخا للناس أن يمدوا أهلها بالعون والمساعدات عبد الله كردى، وفيها يقول (١): يا آل عطبرة تعهّد حيّكم ... وبل بسارية الدموع هطول (٢) جرف المنازل ثم طوّح بعضها ... فإذا بها فوق الفضاء طلول لهفى على دور هوى بنيانها ... بالأمس فيه لساكنيه حلول لهفى على تلك العروش فإنها ... طاحت وأقوى ربعها المأهول (٣) لهفى على مال غريق ربّه ... متجلّد وفؤاده متبول (٤) يا معشر الكرماء هل من رحمة ... إنّ الضعيف لفضلكم موكول إن تنفقوا فالفضل لا ينسى لكم ... أبدا ويحمدكم عليه الجيل والله يجزيكم ومن يجزى غدا ... عن صالح فصنيعه مقبول وهو يقول لأهل عطبرة إن منازلكم تعهدها ونزل بها خطب عظيم إذ ظلت ساريات الليل وسحبه تصب عليها سيول المطر التى جرفتها، وطوّحت بها فى الفضاء من حولها، وأصبحت تلك المنازل طلولا خربة، بعد أن كانت عامرة بأهلها. وا حسرتاه على تلك الدور التى خر بنيانها وتلك العروش التى تداعت وأقفرت من سكانها، والأموال التى غرقت فى السيول أمام أعين أصحابها، وهم متجلدون ذاهلون. ويسترحم الكرام لهؤلاء الضعفاء البؤساء، ويقول لهم إن كل ماتوا سونهم به وتنفقونه لن ينسى لكم أبدا، وسيظل هذا الجيل يحفظه لكم ويحمدكم عليه، والله يجزيكم خير الجزاء لهذا العمل البارّ الذى لا شك فى أنه عمل صالح، وسيتقبّله الله منكم. وتنزل بأم دورمان سيول كاسحة ويرثيها مدّثّر اليوشى، ومن قوله (٥):

стр. 5272

همر الرّكام فسام أزهار الرّبى ... خسفا وعاث بروضة ووهاد (١) تذرى الدماء على الخدود أرامل ... يندبن خشية ضيعة الأولاد (٢) عبس الزمان بوجههم فأذاقهم ... ما لم يذقه مكبّل الأصفاد (٣) من ذا يسرّى همّهم ويريحهم ... من نقمة طرقتهم وعوادى (٤) فالغيث قد أخطا وما يدرى أبا ... لأرض السويّة سال أم بالوادى لكنّه حمّ القضاء لتعلموا ... أن الحياة معونة وأيادى (٥) ومدثر يذكر أن ركام المطر انهمر انهمارا شديدا فأنزل بأزهار الربى خسفا وهوانا وعاث فسادا بالرياض والوهاد، وسالت دموع الأرامل دماء على خدودها يندبن ويبكين خوفا من ضيعة الأولاد. ويقول إن الزمان عبس وتجهم فى وجوههم فأذاقهم من ضنك العيش ما لم يذقه المكبّل بالأغلال، ويهتف الشاعر فى الناس: من ذا يزيل همومهم ويريحهم من عذاب هذه الكارثة التى نزلت بهم ومن عوادى الدهر ونوائبه، ويذكر أن الغيث أخطأ، وسقط دون أن يدرى أيسقط على أم درمان أو على واد من الوديان، ويهتف فى قومه: لقد حمّ القضاء وقدّر، لتعلموا أن الحياة معونة ومنن سابغة، فواجب عليكم أن تسعفوا أهل أم درمان أشقّاءكم، وتعينوهم بالمنن والنعم الوافرة.

стр. 5273

الفصل الرّابع طوائف من الشعراء ١ - شعراء الغزل العفيف مر بنا فى الجزء الخاص بالعصر الإسلامى أن الغزل حينئذ كان نوعين: نوعا ماديا صريحا ونوعا عذريا عفيفا، وشاع النوع الأول فى المدن التى تحضرت على لسان عمر بن أبى ربيعة وأضرابه، بينما شاع النوع الثانى فى بوادى نجد والحجاز وعلى لسان فقهاء المدينة من أمثال عبد الرحمن بن أبى عمار الجشمى. ولم يعرف السودان النوع الأول الصريح الذى يصور جمال المرأة المادى وحب الشاعر الحضرى وأحاسيسه وصدوره فيه أحيانا عن الغريزة النوعية، إنما عرف الغزل العذرى النقى الطاهر على لسان بعض شيوخه وألسنة شبابه، لأن حياتهم كانت تقوم دائما على الخلق الكريم ومثالية الإسلام السامية. ونسوق بعض أمثلة توضح ذلك، مع ملاحظة أن كثيرا من هذا الغزل كان ينظم فى فواتح قصائد المديح وغيره أسوة بالشعراء القدماء، على نحو ما نجد عند الشيخ عمر الأزهرى المتوفى سنة ١٩١٥ للميلاد فى افتتاحه لنبوياته كقوله فى مطلع إحداها (١): باد هواه وزائد خفقانه ... صبّ تفرّق بالنّوى أخدانه (٢) قد خانه حسن التصبّر بعد ما ... بانوا ووفّت بالبكا أجفانه عجبا لربع باللّوى لعبت به ... أيدى النّوى فتفرّقت سكّانه يا ظاعنا يطوى الفلا رفقا فإنّ ... الرّكب ضلّ من السّرى وخدانه (٣) وقف المطىّ ولو كلمحة ناظر ... فعسى المعنّى تنطفى نيرانه وارحم محبّا صدره ضاقت به ... أسراره وتزايدت أشجانه وهو يذكر أن علامات الهوى من الشحوب والضّنا واضحة عليه وخفقان قلبه مفرط، إنه محب، شتّت النوى والبعاد أصدقاءه، ولم يعد يستطيع صبرا بعد نأيهم وفراقهم وقد انهمرت الدموع من أجفانه، ويعجب لعبث أيدى الفراق بسكان ربع باللّوى: ربع الحبيبة، ويهتف بالراحل مع ركبه يطوى الفيافى أن يرفق به فإن الركب ضل فى الليل بسيره السريع،

стр. 5274

ويقول له قف المطىّ ولو لمحة ليتملّى بجمال صاحبته، عسى نيران الحب المشتعلة فى فؤاده تنطفئ، ويسأله الرحمة بمحب ازدحمت فى صدره أسرار الهوى وشجونه. وللشيخ محمد عمر البناء فى صدر مدحة قوله متغزلا (١): أبدا يؤرّقنى عبير شذاك ... ويزيدنى قلقا دوام جفاك ويردّنى من حالة العقلا إلى ... حال الخبال تذلّلى وإباك ويزيدنا طربا وحسن مسرّة ... برق تألق من ضياء سناك يا ربّة الحسن الذى فتن الورى ... أكذا يكون جزاء من يهواك عذّبتنى بالصّدّ والهجران ما ... ذنبى سوى أنى أروم لقاك والشيخ محمد عمر البناء يقول إنه دائما مؤرّق، يؤرقه طيب عطر صاحبته وانتشاره، ويزيده قلقا وحيرة دوام جفائها، ويكاد يختبل عقله من كثرة تذلله لها وشدة إبائها، وإنه ليسره ويطربه شعاع برق يتألق من ضياء نورها، ويضرع لها قائلا: يا ربّة الحسن الذى فتنت به الناس أهكذا تجزين من يحبك، لقد عذّبتنى بالصد والهجران ولا ذنب لى سوى أنى أريد لقاءك لأروى الظمأ الحار إلى هذا اللقاء. ويلقانا معاصره الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم وسنفرد له ترجمة، ويقول الشيخ مجذوب جلال الدين المدرس بالقسم الثانوى بكلية غردون متغزلا (٢): ملك النّهى والملك بعض صفاته ... ريم أغنّ يتيه بين لداته (٣) رشأ شدا فزعا لأنى رعته ... إذ جئته وفزعت من لفتاته (٤) نشوان من خمر الدّلال حسبته ... هاروت كلّ السحر فى لحظاته وسنان كامل يقظة لكنه ... كسر الجفون لكسر قلب دعاته كسلان أنشط من رأيت إذا أح ... سّ بهائم متعشّق لصفاته ضمّت جوانحه اللطيفة صخرة ... هى قلبه هيهات لين صفاته (٥) يا نرجسا يسقى لروض خدوده ... كفكف لنجنى الورد من ثمراته والشيخ مجذوب يقول عن صاحبته إنها ظبى فى صوته غنّة يتيه دلالا وجمالا بين لداته، إنها ظبى لا يزال صغيرا، ترنّم بصوته فزعا لأنه خاف حين رآنى، وذعرت من كثرة لفتاته، وحسبته منتشيا من خمر الدلال كأنه هاروت وكل السحر فى لحظاته. ويرى كأنه وسنان لفتور عينية وهو كامل اليقظة، وكأنما كسر جفونه-كما يقول-لكسر قلوب محبيه، ويظن أن به كسلا وهو أنشط ما يكون إذار أى صبّا عاشقا له، وقد ضم بين جوانحه قلبا كأنه

стр. 5275

صخرة أو صفاة أو حجر لا يلين أبدا. ويذرى الدّمع كأنما يريد أن يسقى روض خدوده، ويقول له قف الدمع لنجنى الورد من روض الخدود البديع. ويقول صالح (١) عبد القادر: وغزال همت فيه ... أسهر العين وناما ما كفاه الهجر حتى ... حرم العين المناما هو عمدا نكث العه ... د ولم يرع الذّماما لا تلوموا ذا شجون ... سنّ للناس الغراما كلما ناح اشتياقا ... علّم النّوح الحماما وصالح عبد القادر هام بغزال أسهره، وكأنما لم يكفه الهجران، فحرم عينيه النوم، وقد نقض العهد ولم يرع الذمام والميثاق، ويقول لقومه لا تلوموا محبا شرع للناس سنن الحب وكلما ناح اشتياقا وولعا وهياما خيّل إلى سامعه كأنما هو الذى علم الحمام النوح والعويل. ويقول عثمان هاشم متغزلا (٢): يا ظبى هل لأسير لحظك فادى ... أم لافكاك له من الأصفاد (٣) جرّدت من لحظيك عضبا فاتكا ... وهززته ففتكت بالآساد (٤) نلت المنى فى الحسن أنت ولم أنل ... من طيب وصلك بغيتى ومرادى لولا الحياء لقادنى لك فى الدّجى ... شوق أذاب حشاشتى وفؤادى (٥) وهو يسأل صاحبته هل يوجد من يفدى أسيرا لعينيك الجميلتين أم لا خلاص له من أغلال هذا الأسر وقيوده، ويقول: لقد سللت من عينيك سيفا قاطعا، وفتكت بالأسد الشجاع، ولقد نلت فى الحسن كل ما تمنيت، ولم أنل شيبا من طيب وصلك، ولولا حيائى لقادنى إليك فى الليل شوق أذاب منى الحشاشة والفؤاد. ويقول الشيخ محمد سعيد العباسى (٦): بالله يا حلو اللّما ... مالك تجفو مغرما (٧) صددت عنى ظالما ... أفديك يا من ظلما هلا ذكرت يا رشا ... عيشا تقضّى بالحمى رفقا بصبّ راح يه ... وى طيفك المسلّما إن شام من نحوكم ... برقا أقام مأتما (٨) ويكتم الوجد وكم ... يغلبه أن يكتما

стр. 5276

والغزل عذب رقيق رقة مفرطة، وهو يستهله باستحلافه لحلو اللما أو سمرة الشفة ماله يجفو صبّا مغرما به. ومع أنه يصد عنه ظالما يفديه بروحه، ويذكّره بعيش وأيام مرت بالحمى، ويقول له: ارفق بصبّ، لم يعد له إلا طيفك فى الحلم يهواه، وإن رأى برقا لمع من أفقكم ندب وبكى طويلا، ويكتم الوجد والهيام وكم يغلبه كتمانه. ويمضى فى القصيدة منشدا: لله محبوب رأى ... حبّة قلبى فرمى أعيذه من جائر ... حكّمته فاحتكما (١) لقيته فى أربع ... بيض كأمثال الدّما شابهن أزهار الرّبي ... ع وحكين الأنجما وقفت فاستسقيته ... وشدّ ما بى من ظما جاء بماء قلت هل ... حاجة مثلى منك ما (٢) وهو يشكو محبوبه لربه فقد أبصر سويداء قلبه وفؤاده فرماه، ويعيذه أن يكون ظالما فقد حكّمه فتصرف حسب هواه ومشيئته. ويقول إنه لقيها فى أربع جميلات من حولها كأمثال الدّمى البديعة، شايهن أزهار الربيع العاطرة والأنجم الساطعة، وطلب منها جرعة ماء تشفى ظمأه، وجاءته بالماء، فقال لها مداعبا: وهل حاجة الصبّ المغرم مثلى منك إلى ماء؟ ! . وهو يسترسل فى القصيدة من هذا الحب للفتاة إلى حبه لمصر التى قضى فيها فترة من شبابه، فملكت عليه ذات نفسه، وظل يمجّدها ويتغنى بها غناء حارا طوال حياته فى أشعاره وقصائده الرائعة. ونتوقف قليلا لنترجم للشيخ الجليل أبى القاسم أحمد هاشم، ونعرض بعض غزلياته العفيفة الطاهرة. الشيخ أبو القاسم (٣) أحمد هاشم وغزله العذرى العفيف ولد فى «برى» إحدى ضواحى الخرطوم سنة ١٢٨٧ هـ/١٨٦١ م وهو من بيت شيوخ دين وقضاة ينتمون إلى العباس بن عبد المطلب، وألحقه أبوه الشيخ أحمد هاشم بقرّاء حفّظوه القرآن الكريم، وحفظه وهو فى العاشرة من عمره، وانتقل أبوه إلى بربر قاضيا لمديريّتها، وألحقه بمدرستها، حتى إذا اشتد عوده قليلا أخذ يدرس العلوم الدينية واللغوية على أستاذه الشيخ محمد الخير عبد الله، ثم على أستاذه الحسنى السيد حسين المجدى الأزهرى، وعليه درس النحو وكتاب جمع الجوامع فى الأصول. حتى إذا نضج علميا عيّن مدرسا بجامع بربر واستولى عليها المهدى فقرّ به منه واتخذه كاتبا له، وبالمثل اتخذه خليفته عبد الله التعايشى،

стр. 5277

حتى إذا سقطت الدعوة المهدية وقام الحكم الثنائى المصرى الإنجليزى بالسودان عيّن قاضيا لمدينة سنار سنة ١٨٩٩ للميلاد. وفى سنة ١٩٠٦ نقل إلى مديرية النيل الأزرق قاضيا، ولمكانته العلمية وسيرته الحميدة عين سنة ١٩١٢ شيخا لعلماء السودان، وأقنع الحكومة ببناء مسجد جديد فى أم درمان وبناء معهد دينى يلحق به، وكان المعهد قد أنشئ منذ سنة ١٩٠١ فى جامع أم درمان لتدريس العلوم الدينية، فجعل له مبنى مستقلا، وجعل نظام التدريس فيه مثل نظام الأزهر، فالطلاب يختلفون فيه إلى ثلاث مراحل، كل مرحلة أربع سنوات، وفى السنة الأخيرة ينالون شهادة العالمية، وكان ذلك عملا جليلا للشيخ أبى القاسم، إذ بدأ به نهضة علمية دينية فى السودان، وظل يتعهده نحو عشرين عاما إلى وفاته. وكان شاعرا بارعا، وله غزليات عذرية عفيفة تارة يفردها وتارة يجعلها مقدمة لمدائحه النبوية، ومن مقدماته لإحدى تلك المدائح قوله: ليلى بدت لما أضاء الكوكب ... فمحت ضياه وزال عنا الغيهب (١) واستقبلت قمر الزمان فناله ... من حسنها الكلف الذى لا يذهب (٢) وتفرّدت فى حسنها ودلالها ... وحوت من الأوصاف ما يستغرب فتزاحمت عشاق حسن جمالها ... كلّ لحسن وصالها يتطلّب والعشق صعب لا يطيق صروفه ... إلا الذى لعذابه يستعذب والشيخ أبو القاسم يقول لما بدا ضياء وجه ليلى محا ضياء الكوكب لأنه أشد منه سطوعا، واستقبلت القمر فناله من حسنها-خفرا وحياء-غضون لا تفارق وجهه أبدا. ويقول إنها انفردت بحسنها ودلالها وحوت من أوصاف الجمال ما يخال مستغربا، فتزاحمت عشاقها وكلّ يتمنى الوصال، والعشق-بحق-صعب، ولا يطيق أحواله وآلامه إلا من يجد عذابه مستعذبا حلوا. ويقول متغزلا: فتور بجفنى من أحبّ سبانى ... وتوريد خدّيه استطار جنانى (٤) ورقّة خصر واحتشام شمائل ... حكمن بأسرى واستننّ هوانى وإن الهوى العذرىّ أيسر حاله ... توقّد نيران بغير دخان وإنّى مذ علّقت ليلى بخاطرى ... جفيت منامى وافتقدت الأمانى سلاها فهل قلبى سلاها وهل جرى ... حديث سواها فى فمى ولسانى وهو يذكر أن الفتور بجفنى محبوبته أسره، وتوريد خديها أذهله وأطار عقله، وبالمثل رقة الخصر وحسن الخلال، كل ذلك حكم عليه بالأسر واستنّ هوانه. وما أشد الهوى العذرى

стр. 5278

إن أيسر أحواله توقد نيرانه فى الصدر والفؤاد، وإنه مذ أحبّ ليلى جفاه النوم وفقد كل أمانيه إلا أمنية وصالها، واسألاها هل سلاها قلبى وهل نطق فمى ولسانى بحديث سواها، إنها كل شغلى فى الحياة. ويقول: بسمت عن درّ ثغر مستيين ... منع البدر ضياه أن يبين وبدت للورد فى خدّ نضي ... ر فراح الورد مصفرّ الجبين وأمالت قدّها فالبان فى ... خجلة يضحك منها الياسمين ورمت باللّحظ منها فأصا ... بت به حبّ قلوب العاشقين فتراهم من جراحات اللوا ... حظ ما بين قتيل وطعين هكذا من يعشق الخود الحسا ... ن يذق مرّ الهوى عذبا معين (١) وكأن الله قد صوّرها ... من هوى الأنفس لا ماء وطين فصاحبته أو محبوبته بسمت عن لآلئ ثغر واضح منع ضياء البدر أن يبين، وبدا للورد خدها الناضر فصار مصفرّ الجبين حياء وخجلا، وأمالت قدها الممشوق فخجل شجر البان المشهور بقدّه الجميل خجلا يضحك منه الياسمين، ورمت بسهام لحظها فأصابت به أفئدة العاشقين، فتراهم من جراح السهام ما بين قتيل وجريح طعين. وهكذا من يعشق الفاتنات الحسان يذق مر الهوى، ويصبح فى فمه عذبا سائغا، وكأن الله صورها من هوى الأنفس ومحبتها لا من ماء وطين كغيرها من البشر، إنها ملاك إنسى. ويقول متغزلا: تجنّى على مقتوله وتجرّما ... أشأن غزال الحسن أن يهدر الدّما وما حيلتى والقلب أسر لحاظها ... ومهما رنت مال الضمير مسلّما فإن أقبلت فالجنّة الخلد نزله ... وإن أعرضت قد حلّ نزلا جهنّما (٢) فكيف خلاصى يا رفاقى ودأبها ال ... صّدود وركن الصّبر منى تهدّما وإن قلت إنّي صادق الودّ والوفا ... تقول ألا مت فى صدودى متيّما وحرت لأنى لم أجد من عنا الهوى ... خلاصا فأنجو أو إلى الوصل سلّما وحسبى أن أحظى بطيف خيالها ... إذا هى لم تسمح بوصلى تكرّما والشيخ أبو القاسم يذكر أن صاحبته تجنت على قتيلها بسهام عينيها، وهل ذلك شأن الغزال الجميل أن يهدر الدماء، ويقول ما حيلتى وقد أسرت القلب بلحاظها، والضمير دائما مسلّم لها مستسلم، وإن هى أقبلت أحسّ القلب كأنه فى منزل من منازل الجنة، وإن هى أعرضت أحسّ كأنه فى منزل من منازل الجحيم، فكيف خلاصه ودأبها دائما الصدود

стр. 5279

والهجران وقد تهدم منه ركن الصبر الجميل؟ . وإن قال لها ضارعا إنّي صادق الحب والوفا قالت له: مت فى هجرانى متيما بى عاشقا، وحار لأنه لم يجد خلاصا من شقائه بحبها ولا طريقا إلى وصالها، ويعود إلى نفسه قائلا: حسبى أن أحظى بطيف خيالها فى الحلم، ما دامت لا تسمح بوصلها كرما وعطفا على العاشق الولهان. وغزليات الشيخ أبى القاسم- كما رأينا-سلسة عذبة. وهى غزليات حب عذرى عفيف نقى سام، فى لغة سهلة وموسيقى وافرة حلوة. ٢ - شعراء النقد العنيف والشكوى من الزمن أخذ الشباب السودانى الطامح فى الربع الأول من القرن الحاضر يشعر شعورا عميقا بالآلام التى تعيشها أمته وأثقالها، واقترن ذلك فى نفسه بيأس من أن تتحقق آماله، وبذلك اجتمع عليه الإحساس بمرارة حياته، والإحساس بمرارة حياة أمته، أما مرارة حياته فقد عبر عنها الشاعر السودانى بشكوى طويلة من الزمن، وأما مرارة حياة أمته فقد عبر عنها بنقد صارخ صوّر فيه قعودها عن المطالبة بحقوقها، وهو تارة يعرض على الشباب مجد آبائه الأولين لعله يحاكيهم ويسترد شيئا من مجدهم، وتارة ثانية يعرض عليه عيوبه الاجتماعية والأخلاقية كى يتخلّص منها ويسترد كرامته ومكانته الخليقة به، وممن يتردد على لسانهم اللونان من النقد والشكوى من الزمن محمود أنيس المولود سنة ١٨٩٣ للميلاد، إذ ينشد فى حفل للمولد النبوى سنة ١٣٤٠ هـ/١٩٢٢ م قوله فى مدحة نبوية (١): زرع الجفاء بنا وأثمر غرسه ... فتنافر الأبناء والآباء وتفاخرت بالموبقات صغارنا ... وشيوخنا فهزا بنا الأعداء وتسايلت منا النفوس حزينة ... جرحى ونال جميعنا الإعياء واها على الإسلام ماذا نابه ... وهو الشفاء وما سواه شفاء وهو يقول إن الجفاء غرس بيننا جميعا وتنافرنا حتى لقد تنافر الأبناء والآباء، وأعجب العجب أن يفاخر الشباب والشيوخ باقتراف المحرمات مما جعل الأعداء تهزأ بنا هزءا شديدا، وإننا ليشملنا حزن بالغ حتى لكأننا جرحى، بل لقد نالنا جميعا الإعياء، فوا حسرتا على الإسلام ماذا أصابه، وهو الشفاء والبلسم لكل النفوس. وعلى نفس هذه القيثارة يقول عبد الرحمن شوقى فى ذكرى الهجرة بالسنة التالية (٢):

стр. 5280

تبيت على الهمّ الممضّ نفوسنا ... وتمشى على جمر من الذل أضرما ننام وملء العين همّ وحسرة ... وأعيننا حزنا تفيض لنا دما فيا ليت شعرى هل أرى النيل جاريا ... طليقا كدمعى إذ يسيل معندما (١) وهل سأرى يوما عن الغاب أسده ... تذود إذا ما الليل فى الغاب أظلما وهل يرتجى الإصلاح والشعب نائم ... وهل يبلغ الآمال من كان نائما ولم لا أرى ما بيننا غير صامت ... وقد آن للأحجار أن تتكلّما ونفس عبد الرحمن شوقى ونفوس أمثاله من أبناء وطنه تبيت مسهدة على هم مؤلم غاية الألم، وكأنما إذا مشت تمشى على جمر مشتعل من الذل، وإذا ناموا ينامون وعيونهم ملأى بالهموم والحسرات على وطنهم مكتظة حزنا لا بالدموع ولكن بدماء القلوب والأفئدة. ويتساءل هل سيرى أهل النيل طلقاء من الأسر، والنيل يجرى محملا بذهب الطّمى الأحمر كعادته، وهل سيذود أسد الغاب عن عرينه الذى خيّم عليه الظلام. وغمره اليأس، فالشعب نائم، والنائم لا يبلغ أملا من آماله، ويعجب لصمت من حوله من أهل السودان بينما توشك الأحجار الخرساء على النطق بآمال الشعب وأمانيه. ويصرخ فى قصيدة ثانية (٢): مضى زمان وقلبى ممتل ألما ... وفى فؤادى أسى كالنار مضطرما حزنا على أمة بالنيل نائمة ... تشكو الأوار وأخشى أن تموت ظما فقد مر به زمان طويل وقلبه مكتظ بالألم وفؤاده ملئ بلواعج أسى مشتعل كالنار الحامية حزنا على أمته النائمة فى وديان النيل تشكو حرارة العطش ولهبه المتقد، ويشفق لها الشاعر شفقة حزينة إذ يخشى عليها من الموت ظمأ والماء مدّ أيديها وتحت أبصارها. ومثل هذا النقد العنيف كثير فى الشعر السودانى وسنترجم فيه للشيخ عبد الله محمد عمر البناء بعد قليل. ويقول الشيخ حسيب داعيا عناصر الأمة السودانية إلى وقف ما بينها من تناحر شديد (٣): الاتحاد هو الحياة وإنما ... موت الشعوب تفرّق الأفراد كم أمة نهضت به فتمتّعت ... بحياتها من بعد ما استعباد ولكم ترى من قوّة وممالك ... نزل الشقاق بها لشرّ مهاد تلك الشعوب تروم جمع شتاتها ... وهنا نبيع الجمع بالآحاد إنّي سئمت النّصح غير مؤثّر ... وعتاب قوم فى سنات رقاد وهو يدعو قومه السودانيين إلى الاتحاد، ويقول إن الشعوب لا تحيا بدونه إذ بدونه تفقد حياتها وتموت إلى الأبد، وكم من أمة نهضت بالاتحاد فاستمتعت بحياتها لتخلصها من نير

стр. 5281

الاستعباد، وكم من ممالك حدث بين أهلها الشقاق فوقعت فى شر أعمالها، ولذلك تعمل جميع الشعوب على الاتحاد الدائم بين أبنائها، بينما نحن ننقسم ونتفرق. ولقد سئمت تقديم نصحى لأمتى إذ أراه غير مؤثر، وكأنى أنصح وأعاتب قوما نياما. ويقول شاكيا من الزمن وهمومه وتناوبها له همّا من وراءهم (١): ألف الهموم برغم وألفنه ... فغدا بواد والسّرور بوادى لا تستقرّ ركابه فى بلدة ... حتى ينادى بالرحيل منادى وكأننى كرة ودهرى لاعب ... يرمى بها الحدثان باستبداد ليصيبها بى بل بها ليصيبنى ... والدهر أرمى لاعب ومعاد لكنه مهما ارتقى لا يرتقى ... لينال من صبرى بذا الإسآد (٢) إن شاب رأسى بالخطوب فلم يشب ... عزمى الفتىّ ولا ذكىّ فؤادى وكان الشيخ حسيب قد وظّف كاتبا فى المحاكم الشرعية، وكان رؤساؤه ينقلونه من محكمة إلى أخرى فى أنحاء السودان. وهو يقول إنه أصبح-منذ توظف-تربا للهموم يألفها وتألفه، وفارقه السرور، وكأنما غدا بواد والسرور بواد آخر. ويشكو من كثرة تنقلاته فى وظيفته، فلا يكاد يستقر فى بلدة حتى يؤمر بمبارحتها إلى بلدة أخرى، وكأنما أصبح كرة يلعب بها الزمان، ويرمى بالنوائب والأحداث ليصيبها بى، بل ليصيبنى بها، والدهر أرمى لاعب ومعاد، ولكنه مهما صنع ومهما رمانى ليلا أو نهارا فلن ينال من صبرى، وحتى لو شاب رأسى لما ينزل بى من خطوب فلن يشيب عزمى القوى ولا فؤادى الذكى. وله قصيدة يشكو فيها من مرتبه الضئيل ساخرا، وفيها يقول مخاطبا لمرتبه (٣): أمرتبى مالى أرا ... ك قصرت عن نيل المراد أشكوك أم أشكو إلي ... ك نوازل المحن الشّداد الجيب خال أبيض ... وبياضه عين السّواد إن رمت صبرا عزّنى ... وأمضّنى طول السّهاد (٤) أو رمت قرضا ردّنى ... عنه الحياء من العباد أو هكذا حظّ الألى ... طلبوا المعالى بالمداد وهو يذكر لمرتبه أنه لا يكفيه لنيل المراد المطلوب، ولا يدرى أيشكوه أم يشكو إليه ما ينزل به من المحن الصعاب، فجيبه خال أبيض لبيس فيه أى نقود وهو بياض فى الظاهر لكنه فى حقيقته أشد من السواد، وإن طلبت صبرا عزنى ولم أستطعه، أو فكرت فى قرض ردّنى

стр. 5282

الحياء عن طلبه من الناس. ونتوقف لنترجم للشيخ عبد الله البناء أحد شعراء النقد العنيف لأمته، ولصالح عبد القادر المشارك فى النقد العنيف والشكوى من الزمن. الشيخ عبد الله (١) البناء هو نجل الشاعر الشيخ محمد عمر البناء المترجم له بين شعراء المديح، رزق به سنة ١٣٠٨ هـ/١٨٩١ م وحفظ القرآن الكريم فى بيته، ثم انتظم فى مدرسة رفاعة الأولية، وتخرج فيها فالتحق بقسم المعلمين فى كلية غردون وتخرج فيه سنة ١٩١٢ واشتغل مدرسا بالكلية فترة ثم عمل فى مدرسة أم درمان. ويقول الأستاذ على الملك محقق ديوانه: «آخر عهده أنه كان رئيس شعبة اللغة العربية فى المدارس العليا». وقد تفتحت ملكته الشعرية مبكرة، وسرعان ما تألق اسمه مع علمين فى الشعر هما محمد سعيد العباسى وعبد الله عبد الرحمن وهم شعراء أفذاذ وتسنّم الثلاثة ذروة الشعر السودانى فى النصف الأول من القرن الحالى، ولكل منهم ديوان منشور يدل على شاعرية فذة. وكما تقيدنا فى الشاعر الشيخ محمد سعيد العباسى بما نشر من شعره قبل نهاية هذا العصر الذى نؤرخ له حتى سنة ١٩٢٤ للميلاد كذلك سنصنع ب الشيخ عبد الله البناء مع أن له فرائد كثيرة مثل زميليه بعد هذا العصر. ومن أروع ما أنشده له صاحب شعراء السودان ومحمد عبد الرحيم فى كتابه نفئات اليراع قصيدته (٢) فى ذكرى الهجرة النبوية التى دوّت شهرتها، وهى فى مخاطبة الهلال الذى أهلّ ليلة رأس السنة الهجرية، وله يقول: يا ذا الهلال عن الدنيا أو الدين ... حدّث فإن حديثا منك يشفينى خبّر عن الأعصر الأولى لتضحكنى ... فإن أخبار هذا العصر تبكينى وهو يسأل الهلال أن يحدثه عن الدين أو الدنيا حتى يشفى نفسه من آلامها إزاء السودان وشعبه وأحواله، وحتى يدخل السرور على نفسه المكلومة الباكية من أخبار السودان وأبنائه. ويرفع أمام أبصار السودانيين سيرة الرسول ﷺ وعمر الفاروق ودمشق وبغداد وخلفائهما الذين أتاحوا للإسلام والعروبة مجدا عظيما، لعل شيئا من سيرتهم يعود، ويظهر من يحقق للأمة السودانية أو للأمة العربية عامة شيئا من هذا المجد، ويتجه بالخطاب إلى الشعب السودانى منشدا:

стр. 5283

أحبّتى ودعاء الحبّ مرحمة ... لا يحزننّكم بالنّصح تلقينى ترضون بالدّون والعلياء تقسم لا ... تدين يوما لراضى النفس بالدون والمجد ينأى فلا تدنو مراكبه ... من الجبان ولا ينقاد بالهون (١) تفرق وتوان واتباع هوى ... إن الهوى لهوان غير مأمون ولا اعتبار ولا رقبى لنازلة ... ولا احتياط ولا رحمى لمغبون وهو ينادى قومه قبل تقديم النقد العنيف لهم بقوله: «أحبتى» تلطفا وجذبا لهم كى يستمعوا إلى نقده لهم ونصحه ويصدروا عنه، ويقول لهم إنه قول غليظ ولكن باطنه الرحمة ويسجل عليهم أنهم يرضون بالدون، والعلياء لا تخضع لمن يرضى به، والمجد يبعد عنه إذ لا تقرب مراكبه من الجبان ولا ممن يرضى بالهون والهوان، وهل شأنكم إلا تفرق وتشتت وتوان، والرجوع إلى الهوى فى حياتكم، وما الهوى إلا ذل ما بعده ذل، ولا اعتبار ولا عظة ولا مراقبة لنازلة نزلت بكم، ولا احتياط ولا حذر، ولا رحمة لمغبون أو ضعيف واهن. ويهتف بأمته: يا أمة جهلت طرق العلاء فلم ... تسبق لغاية معقول ومخزون وللمدارس هجران وسخرية ... وللمتاجر ضعف غير موزون وللمفاسد إسراع وتلبية ... ولا التفات لمفروض ومسنون والناس فى القطر أشياء ملفّقة ... فإن تكشّف فعن ضعف وتوهين فمن غنىّ فقير فى مروءته ... ومن قوىّ بضعف النفس مرهون ومن طليق حبيس الرأى منقبض ... فاعجب لمنطلق فى الأرض مسجون وهو يقول لأمته إنك جهلت طرق العلاء والشرف، فلم تجر فيها للوصول إلى غاية معقولة أو مخزونه تنتظرك، وإنك لتهجرين المدارس بل تسخرين منها، ولا تهتمين بمزاولة التجارة، فالمتاجر ضعيفة ضعفا شديدا، وتسرعين إلى المفاسد، بل ما أشد تلبيتك لها، دون أى التفات لواجباتك الدينية وما عليك من الفروض والنوافل. ويبلغ بالشاعر السخط أن يسمى أهل السودان أشياء ملفقة، وكلما تكشف جانب منها ظهر فيه الوهن والضعف، وهل بها إلا غنى فقير أشد الفقر فى مروءته فلا يمد يدا إلى البؤساء وإلا قوى ضعيف النفس ذليل مهين، وحتى الحر الطليق يحبس رأيه عن أمته، وكأنه ليس حرا طليقا بل سجينا مكبلا بالأغلال. ويكثر مثل هذا النقد يوجهه الشيخ عبد الله البناء إلى قومه السودانيين معبرا عن نفسه السودانية الطامحة إلى أن تأخذ أمته السودانية مكانتها فى العالمين. وهو مهما قرّع وصوّر من عيوب المجتمع السودانى إنما يريد أن يستثير حمية السودانيين لكى يتحدوا ويطلبوا كل ما تطلبه النفوس

стр. 5284

الكريمة من العلاء والشرف والعلم، وينصرفوا عن الملاهى والمفاسد، ويؤدوا واجباتهم الدينية من الفروض والسنن، حتى تصبح حياة الشعب عزيزة كريمة، وحتى يشعر كل غنى بواجبه من عون أخيه الفقير، وحتى لا يقعد القوى عن قيامه بواجبه لأمته، وحتى لا ينقبض سودانى عن بيان رأيه السديد فى كل ما يعود على الأمة السودانية بالخير. وينشد له صاحب كتاب الشعر فى السودان قصيدة (١) طويلة بعنوان: دمعة على اللغة العربية، وهو فيها يعرض ازدهارها وعلماءها وشعراءها النابهين ورجالاتها فى العصور الماضية، ويطيل فى بكائها وعويله على ما صارت إليه فى العصر الحاضر من ضيم شديد، ويرد ذلك إلى ما أصاب أبناءها من النوم والهوان، يقول: أطلت عتبى على الأيام حين جنت ... عليك فاستلبت أبهى مزاياك ولو أجابت لقالت إنهم نفر ... ناموا فحالت بما ناموا سجاياك ولو أجابت لقالت إن قومك قد ... رضوا الهوان فطالت فيه سكناك لو قدّروك لعادت فيك ناضرة ... روح الحياة وسرّ الكون محياك وهو يقول للغة العربية التى يبكيها فى قصيدته إنه أطال عتابه على الأيام لما جنت عليها وسلبتها بلاغتها الرائعة، ويقول إن الأيام لو أجابت على هذه التهمة لتعللت بأن أبناءها ناموا على النهوض بها فتغيرت روعتها البيانية، بل لتعللت بأنهم رضوا الهوان، فطال سكناها له معهم، ولو قدّروها فى عصرنا حق قدرها لعادت روح الحياة فى أعطاف جسمها ناضرة، وسرّ الكون عودتها إلى الحياة. والشاعر بذلك يستثير قومه للنهوض بالعربية، فينعتهم بالنوم والهوان كى يثوروا غضبا ويحققوا للعربية كل ما يمكن من ازدهار ورونق وبهاء. وللشاعر نبويات متعددة منها نبوية طويلة شطر فيها بردة البوصيرى، وله أيضا شعر اجتماعى كثير. صالح (٢) عبد القادر لا نعرف شيئا عن نشأته، غير أنه درس فى كلية غردون، مثل كثير من الشعراء المعاصرين له، وعكف فيها على قراءة كتب الأدب ودواوين الشعر واستيقظت فيه ملكة الشعر، وتخرج فيها وعمل موظفا بالبريد. وتغلب على أشعاره مسحة الحزن والشكوى، ويقول محمد عبد الرحيم إنه كان دائما فى صراع مع الأيام، يعانى من نكد العيش. ويقول الأستاذ مصطفى طيب الأسماء إنه ممن شرّدوا وسجنوا فى سبيل الوطنية، واعتقل بمصر متهما بالاشتراك فى قتل

стр. 5285

السيرلى ستاك: حاكم السودان وسردار الجيش المصرى هناك، وثبتت براءته فردّت إليه حريته. وشعره يتوزع بين نقد عنيف لأمته وشكوى صارخة من الزمن، ومن النوع الأول قوله فى قومه: أهل السودان: قوم قيام الفضل بين صدورهم ... كقيام هود بين أمة هود لا يشعرون بما ألّم بشعبهم ... فكأنما قدّوا من الجلمود (١) ومن الحجارة ما يلين وإنهم ... لا يعبئون بقارص التنديد (٢) يا أمة غفلت وطال جمودها ... ماذا كسبت بغفلة وجمود وهو يبالغ فى استثارته لأمته فيقول إن قومه لا يمكن أن يؤتى الفضل ثماره بينهم فمثله فيهم كمثل هود فى قومه لا يشعرون أى شعور بما حل بهم من هوان، وكأنما خلقوا من صخر، ومن الصخر والحجارة ما يلين أما هم فلا يلينون ولا يحفلون بأى تنديد مهما كان شديدا عنيفا، ويقول إنهم أحالوا دنيانا شقاء وأغلالا، ويهتف بأمته ضجرا غاضبا ناعتا لها بالغفلة والجمود. ودائما كان يشكو من الزمن وما ينزل به من الكوارث والخطوب، وإنه ليصرخ: ألا هل معين أو مواس فأشتكى ... إليه هموما بتّ عفوا لها ملقى إلى الدّهر أشكو وهو عنّى معرض ... أصمّ فلم يسمع ولم يحسن النّطقا صموت ويقضى كلّ ما لا أريده ... فيا بئس ما يقضى ويا شرّ ما ألقى وأسأله سلما فيشهر سيفه ... فيا دهر ما أقسى ويا بؤس ما أبقى تحملت طفلا منك كلّ عظيمة ... وما العدل أنى بعد ذا علقما أسقى وتطلب منى أن أغيّر مبدئى ... فيا بعد مطلوب به طارت العنقا (٣) وهو يتمنى معينا له أو مواسيا ليشتكى إليه هموما ثقالا باتت جاثمة على صدره، ويقول إنه يشكو إلى الدهر، والدهر معرض عنه كأنه أصم لا يسمع ولا ينطق، صامت ويقضى بكل ما لا أريده، فذمّا لما يقضى به ويا شر ما ألقى من الآلام الطوال، وأضرع إليه أن يسالمنى فيشهر سيفه ويسلّه لحربى، فما أقساه ويا بؤس ما أبقاه منى وقد تحملت كوارثه فى طفولتى وليس عدلا أن يظل ينهكنى ويسقينى علقما مرا. ويطلب إليه الدهر أن يغير مبادئه حتى يجد عونا من بعض أصحاب الأمر والجاه، فيقول إن ذلك مستحيل، ويا بعد هذا الطلب الذى طارت به العنقاء إلى غير مآب. ويعود إلى الشكوى من الدهر منشدا:

стр. 5286

لا تلمنى فتكن متّهمى ... إن عقلى لم يكن متّهما ولم الدهر على تقصيره ... أخطأ الدهر وعمدا ظلما أبدا والله لا أعذره ... طالما جار وحقّى هضما (١) وطوانى فى زواياه التى ... ضيّعت ناسا ووارت أمما ولكم أزعجنى منتقما ... ولكم وجّه نحوى تهما وهو يخاطب صاحبه وقد رأى ما عليه من بؤس قائلا: لا تلمنى ولا تتهمنى فإن عقلى كما عهدته لا يأتى ما يتّهم به، ولم الدهر على تقصيره فى حقى، فقد أخطأ فى ظلمى عمدا ولا أعذره فطالما ظلمنى وطالما نقصنى حقى وطوانى فى زواياه المظلمة التى طالما طوى فيها ناسا وأخفى أمما، ولكم أزعجنى بما يصب علىّ من انتقامه الشديد، ولكم وجّه إلىّ تهما ظالمة. ويتجه إلى قومه يريد أن يدفعهم إلى تلافى ما حدث لهم منشدا: من لقومى؟ إنهم قد أهملوا ... ما بنى آباؤهم فانهدما غلب اليأس عليهم إنهم ... ضعفوا رأيا فزلّوا قدما يا بنى قومى أفيقوا إنكم ... ما خلقتم لتعيشوا غنما ولقد يحزننى أنى أرى ... رأيكم مختلفا منقسما فأفيقوا-يغفر الله لكم- ... واطلبوا العليا وجاروا الأمما وهو يتساءل من ينبه قومى إنهم أهملوا ما شاده آباؤهم فانهدم، وغلب عليهم اليأس من تحقيق آمالهم، إذ ضعفوا رأيا فزلت بهم الأقدام، ويقول يا بنى قومى أفيقوا من غفلتكم فإنكم ما خلقتم لتعيشوا غنما تتحكم فيكم الأمم، وإنه لتحزننى فرقتكم وانقسامكم شيعا، فأفيقوا من هذا الهم الثقيل واتحدوا واطلبوا العلياء والمجد، وجاروا الأمم الناهضة فى حياتها العاملة النشيطة. ٣ - شعراء التصوف كان التصوف شائعا منتشرا فى العالم العربى منذ أن ظهرت طرق التصوف السنى فى القرن السادس الهجرى/الثانى عشر الميلادى، وأخذت تتكاثر تلك الطرق بعد ذلك، وكان طبيعيا أن يعم التصوف فى السودان منذ القرن العاشر الهجرى، إذ كثر فيه بناء الخلايا الخاصة بالصوفية وكثر دعاة التصوف وخاصة دعاة الطريقتين: القادرية التى أسسها ببغداد عبد القادر

стр. 5287

الجيلانى المتوفى سنة ٥٦١ هـ/١١٦٥ م والشاذلية لأبى الحسن الشاذلى التونسى المتوفى بمصر سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م ويقال-كما أسلفنا-إن الذى أدخل الطريقة القادرية إلى السودان الشيخ تاج الدين البهارى البغدادى. إذ نزل السودان فى النصف الثانى من القرن العاشر الهجرى ودعا إلى تلك الطريقة وكثر أتباعه، وشاعت بجانب الطريقة الصوفية القادرية الطريقة الشاذلية، ويبدو أنها سبقت الطريقة القادرية فى النزول بالسودان عن طريق بعض المغاربة النازلين فيه وطريق برنو وأيضا عن طريق مصر لأنها كانت شائعة بها شيوعا شديدا، وألفت أسرة المجاذيب لها فرعا مهما فى مدينة الدامر. ويخيل إلى الإنسان أنه لم يكن فى السودان أحد طوال عصر الفونج إلا ينتسب إلى إحدى الطريقتين. وقد أفضنا فى الحديث عن تلك الطريقتين فى صدر عرضنا للمجتمع السودانى. وأيضا عن اتساع النزعة الصوفية فيه، وقد دعا شعراؤهم دعوة واسعة إلى الزهد والتقشف ورفض متاع الدنيا انتظارا لمتاع الآخرة، ويقول الشيخ فرح تكتوك المار ذكره والمتوفى بعصر الفونج كما أسلفنا (١): كم دودة فى عميق الأرض فى جحر ... يأتى لها رزقها فى الوقت والحين ألا الزم العلم والتّقوى وما نتجت ... من الثمار تفز بالخرّد العين من باع دينا بدنيا واستعزّ بها ... كأنما باع فردوسا بسجّين (٢) ولقمة من طعام البرّ تشبعنى ... وجرعة من قليل الماء تروينى وقطعة من قليل الثوب تسترنى ... إن متّ تكفننى أو عشت تكسونى فالله يرزق كل خلقه حتى الدود فى أعماق الأرض فلا تحمل هما لجلب رزق والزم التقوى وعبادة ربك تظفر فى الآخرة بالحور جميلات العيون، وما أشقى من يبيع متاع الآخرة بمتاع الدنيا إنه يبيع فردوسا بواد من وديان جهنم وما متاع الدنيا؟ إن لقمة من خبز القمح تشبع الشاعر وترويه جرعة من قليل الماء، وتكفيه قطعة من قماش تستر جسمه، إن مات كفنته، وإن عاش كسته. ومرّ بنا فى كتاب الأندلس أن للزاهد أبى إسحاق الإلبيريّ قصيدة ختم أبياتها بلفظ الجلالة. ويبدو أن صوفيا سودانيا رأى أن يحاكيه فى هذا الصنيع، فنظم مقطوعة ختمها بلفظ الجلالة أنشدها ودّ ضيف الله فى طبقاته من مثل قوله (٣): الله لى عدّة فى كل نائبة ... أقول فى كل حال حسبى الله إلى متى أنت فى لهو وفى لعب ... فما مقالك فيما يعلم الله إن الذنوب التى قدمتها كتبت ... إن كنت ناسيها لم ينسها الله

стр. 5288

وهو يتخذ الله عدة فى كل نائبة. وكلما نزلت به كارثة قال حسبى الله، ويخاطب نفسه إلى متى هو فى لعب ولهو منصرفا عن تقوى الله الذى يعلم كل ذنوبه إذ كتبها الملكان الرقيبان عليه، وكأنه يستحث نفسه على الرجوع إلى تقوى ربه والانصراف عن اللهو واللعب إلى النسك والعبادة. وتكثر عند المتصوفة فى عصر الفونج مثل هذه المعارضات لقصائد النساك، وقد عارضوا ابن الفارض المصرى فى بعض قصائده الصوفية، من ذلك معارضة الشيخ الصوفى موسى لتائيته المشهورة قائلا (١): سلام على قوم إذا ذكر اسمهم ... تهتّك أستار إليهم برجفة تلألأت الأنوار من نحو خالقى ... بوقت قيامى أو جلوسى بخلوة وهى لا تلحق تائية ابن الفارض فى روعة الصياغة والمعانى الصوفية، ولكنها على كل حال تدل على نزعة صوفية قوية عند الشيخ موسى وإن لم يغمسها فى نور الشهود والفناء فى الذات العلية مثل ابن الفارض. واستمر تشطير الأبيات لأئمة الصوفية طويلا، من ذلك ما أنشده صاحب كتاب الشعراء فى السودان من تشطير على الشامى السودانى لبعض أبيات لابن الفارض، منها قوله: (إن كان منزلتى فى الحب عندكم) ... نحول جسمى وآلامى وإيلامى أو أن يكون جزا روحى التى زهقت ... (ما قد رأيت فقد ضيّعت أيامى) (أمنية ظفرت روحى بها زمنا) ... حتى تركت مقامى بين أقوامى كانت بأيام صفو إذ حلت فخلت ... (واليوم أحسبها أضغاث أحلام) وهو يقول إن كانت منزلتى فى الحب الإلهى لا تزيد عن نحول وآلام متصلة، أو يكون هكذا جزاء روحى التى بلغت الحلقوم فقد ضيعت أيامى. وإنها لأمنية فازت بها روحى زمنا حتى نسيت قومى، وهو زمن كانت أيامه أيام صفو وهناءة، أياما حلوة مضت واليوم أحسبها أضغاث أحلام. ويقول الشيخ محمد سعيد العباسى متبتلا لربه (٢): يا ربّ أنت حمايتى فتولّنى ... يا ربّ أنت من النّوائب مفزعى جد لى-وزيّن ظاهرى-بعوارف ... وبباطنى نور المعارف أودع واقبل شكاية فاقتى وتطلّبى ... لنداك وارحم ذلّتى وتوجعى أنا عبد سوء أوثقته ذنوبه ... أنا لائذ بحمى الرّحاب الأوسع إن لم تكن لى من ذنوب أثقلت ... ظهرى فما أقوى، وأفقر مرتعى (٣)

стр. 5289

وهو يضرع إلى ربه قائلا أنت حمايتى فاحمنى، وأنت ملجئى من النوائب فأغثنى وجد لى بإحسان منك أزيّن به ظاهرى، وأودع بدخائلى نور المعارف، واقبل شكوى حاجتى لكرمك الفياض، وارحم ذلى وتوجعى لرأفتك، إنّي عبد سوء من عبادك المذنبين وأنا لائذ بحمى ساحتك الواسعة، وإن لم تكن لى وملجئى من هذه الذنوب الثقيلة فما أفقر مرتعى ومعيشتى. وعارض الشيخ محمد الطاهر المجذوب يائية ابن الفارض المشهورة بقصيدة استهلها بقوله (١): زائرى فى الطيف هل من عودة ... تحى منها مهجتى بل أصغرىّ والأصغران: القلب واللسان. وللشيخ محمد سعيد العباسى تخميس لبيتين للشبلى الصوفى على هذا النمط: هواى أنت وهل فى ذاك من حرج ... أنتم ملاذى وأنتم فى الدّجى سرجى يا سادة قويت فى حبّكم حججى ... (لا أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى وتقبلونى على عيبى ونقصانى) قلبى بكم يا سراة الحىّ فى شغف ... دمعى بعهد ربوع الظاعنين وفى بالله عطفا على صبّ لكم دنف ... (فإن رضيتم فيا عزّى ويا شرفى وإن أبيتم فمن أرجو لعصيانى) والتخميس محكم، وشطور العباسى الستة متداخلة فى بيتى الشبلى بدقة، إذ كان بارعا فى صوغ شعره وأبياته. ٤ - شعراء المدائح النبوية تغنى كثيرون من شعراء السودان بمدائح الرسول ﷺ ، مثلهم فى ذلك مثل الشعراء فى جميع بلدان الوطن العربى، إذ هو المثل الرفيع لكل مسلم فى تقواه وعبادته لربه وورعه. وقد أخذت هذه المدائح تتكاثر بالسودان منذ القرن الثالث عشر الهجرى/التاسع عشر الميلادى حتى لينظم بعض الشعراء دواوين كاملة فى المديح النبوى مثل محمد عثمان الميرغنى وديوانه: «النور البراق فى مدح النبى المصداق» والسيد أحمد بن إدريس وديوانه: «رياض المديح» والشيخ أبى القاسم أحمد هاشم وديوانه: «روض الصفا فى مديح المصطفى». ونلتقى عند الشيخ الأمين الضرير المتوفى سنة ١٣٠٢ هـ/١٨٨٥ م بمدحة نبوية ورّى فيها بسور القرآن الكريم

стр. 5290

على غرار مدحة نبوية لابن جابر الأندلسى، أنشدنا منها قطعة فى ترجمته بكتابنا عن الأندلس، ويقول الشيخ الأمين الضرير فى فواتح مدحته (١): ما للنساء كمثل المصطفى ولد ... إذ منه مائدة الأنعام والعقلا أعرافه المسك والأنفال وافرة ... لمن به توبة كى تذهب الوجلا (٢) به ليونس أنس ثم هود هدى ... ويوسف حسنه من أجله كملا والأبيات تذكر بالترتيب سور النساء والمائدة والأنعام فى البيت الأول وسور الأعراف والأنفال والتوبة فى البيت الثانى وسور يونس وهود ويوسف فى البيت الثالث، واسم السورة يلتحم بمعناه فى البيت، والأعراف جمع عرف بمعنى المعروف والأنفال العطايا، وهما اسما السورتين بعد الأنعام، وتتوالى السور بترتيب المصحف. ويختم القصيدة بالصلاة على الرسول ﷺ . وللشيخ أبى القاسم أحمد هاشم المترجم له فى شعراء الغزل العذرى مدحة نبوية بديعة يقول فيها (٣): أمحمد ولأنت أكرم مرسل ... وأحقّ من بمديحه يتقرّب أمحمد ما أنت إلا رحمة ... وبشارة، لك كلّ خير ينسب يا بن العوالى الشّمّ من مضر ويا ... سرّ الوجود لك الفناء الأرحب يا سيدى يا خاتم الرسل الكرا ... م ومن إليك الملتجا والمهرب مدحتك آيات الكتاب ونوّهت ... بفضائل عن درك غيرك تحجب كلّ الكمال فأنت غاية حدّه ... ما نال ما قد نلته متقرّب والشيخ أبو القاسم يخاطب الرسول قائلا إنه أحق مرسل يتقرب المسلم بمديحه إلى ربه، وقد أرسله رحمة وبشرى لعباده، وإليه ينسب كل خير، إنه ابن السادة العظام من مضر، وسر الوجود جميعه، وله المجد الأرحب، إنه خاتم الرسل الكرام والملجأ لكل خائف فزع، وقد مدحته آيات القرآن بمثل (وإنك لعلى خلق عظيم) ونوهت له بفضائل دون غيره، إنه عين الكمال وغايته ومنتهاه، ولم ينل أحد من ربه ما نال من فضله. والمدحة بديعة ولم يترجم له صاحب نفثات اليراع ولم ينشد له صاحب شعراء السودان سوى هذه المدحة مع أن له ديوانا جميعه مدائح نبوية باسم «روض الصفا فى مدح المصطفى» كما أسلفنا. وكان يعاصره
следующие страницы →