ـ[تاريخ الأدب العربي]ـ
المؤلف: أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف (المتوفى: ١٤٢٦ هـ)
الناشر: دار المعارف
عدد الأجزاء: ١٠
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدّمة
للباحثين المحدثين من عرب ومستشرقين كتب مختلفة فى تاريخ الأدب العربى أدّت كثيرا من الفائدة والنفع منذ ظهورها، غير أن من الحق أنه ليس بين هذه الكتب ما يبسط الحديث فى أدبنا وأدبائنا على مرّ التاريخ من الجاهلية إلى العصر الحديث بسطا مفصلا دقيقا. وأغزر هذه الكتب وأحفلها مادة كتاب «تاريخ الأدب العربى» لبروكلمان، وهو دائرة معارف جامعة، لا تقتصر على الحديث عن شعرائنا وكتّابنا، بل تفيض فى الكلام عن فلاسفتنا وعلمائنا من كل صنف وعلى كلّ لون، مع استقصاء آثارهم المطبوعة والمخطوطة فى مشارق الأرض ومغاربها والإشارة إلى ما كتب عنهم قديما وحديثا. وهذه العناية من وصف التراث العربى جميعه جعلت بروكلمان لا يعنى عناية مفصلة ببحث العصور والظواهر الأدبية ولا ببحث شخصيات الأدباء بحثا تاريخيّا نقديّا تحليليّا، إذ شغلته عن ذلك مواد كتابه المتنوعة الكثيرة.
وإذن فأنا لا أبالغ إذا قلت إن تاريخ أدبنا العربى يفتقر إلى طائفة من الأجزاء المبسوطة تبحث فيها عصوره من الجاهلية إلى عصرنا الحاضر كما تبحث شخصياته الأدبية بحثا مسهبا، بحيث ينكشف كل عصر انكشافا تامّا، بجميع حدوده وبيئاته وآثاره وما عمل فيها من مؤثرات ثقافية وغير ثقافية، وبحيث تنكشف شخصيات الأدباء انكشافا كاملا، بجميع ملامحها وقسماتها النفسية والاجتماعية والفنية.
وقد حاولت أن أنهض بهذا العبء، وأنا أعلم ثقل المئونة فيه، فإن كثيرا من الآثار الأدبية القيمة لا يزال مخطوطا لما ينشر، وكثيرا مما نشر فى حاجة إلى أن يعاد نشره نشرا علميّا. وهناك بيئات أدبية يغمرها غير قليل من الظلام، إما لقلة ما بين أيدينا من تراثها الأدبى، وإما لأن الباحثين لم يكشفوا دروبها ومناجمها كشفا
стр. 3
كافيا. يضاف إلى ذلك أن تحليل آثار الأدباء وتقويمها ليس عملا سهلا، لكثرة ما يداخلها من عناصر الحياة والفن المتشابكة، ولأنها تتألف من معان وأساليب جميلة، وهى لا تخضع خضوعا مطلقا لقواعد العلم وقوانينه، حقّا تخضع للطريقة العلمية، ولكن باستمرار تظل فيها جوانب خاضعة للذوق ونفاذ البصيرة والإحساس المرهف. وذلك كله مما يضاعف الجهد على من يريد تأريخ أدبنا العربى تأريخا مفصلا دقيقا على اختلاف عصوره وتفاوت بيئاته، غير أنه يضاعف فى الوقت نفسه لذّته فيه، إذ يرى أمنيته فى إتقان عمله بعيدة عسيرة، لا يمكنه بلوغها إلا بشق النفس، فيجدّ ويلحّ، ويمضى فى الجدّ والإلحاح، حتى يظفر بما يريد، مؤمنا بأنه لا يقول الكلمة الأخيرة فيما يبحثه، إذ البحث الأدبىّ لا يعرف الكلمة الأخيرة فى مسألة من مسائله.
ومعنى ذلك أن هذا الجزء من تاريخ أدبنا العربى الخاص بالعصر الجاهلى -والذى ستتلوه أجزاء أخرى تتناول بقية عصور هذا التاريخ-لا أزعم أنه يحمل إلى القراء الصورة الأخيرة لهذا العصر، كما لا أزعم أن الأجزاء التالية ستحمل الصورة الأخيرة للعصور المتعاقبة. وإنما أزعم أن هذه الصورة هى التى استطعت رسمها مع ما بذلت من جهد واصطنعت من نهج وتحرّيت من دقّة، وقد يأتى بعدى من يعدّل فى جانب من جوانبها بما يهتدى إليه من حقائق أدبية غابت عنى فى بعض العصور أو بعض البيئات والشخصيات الأدبية. وتلك طبيعة الأبحاث يكمل بعضها بعضا ولا تزال فى نمو مطرد. والله أسأل أن يلهمنى السداد فى القول والفكر والعمل، وهو حسبى، ونعم الوكيل.
القاهرة فى ٢٠ من ديسمبر سنة ١٩٦٠ شوقى ضيف
стр. 4
تمهيد
١ - كلمة أدب
كلمة أدب من الكلمات التى تطور معناها بتطور حياة الأمة العربية وانتقالها من دور البداوة إلى أدوار المدنية والحضارة. وقد اختلفت عليها معان متقاربة حتى أخذت معناها الذى يتبادر إلى أذهاننا اليوم، وهو الكلام الإنشائى البليغ الذى يقصد به إلى التأثير فى عواطف القراء والسامعين، سواء أكان شعرا أم نثرا.
وإذا رجعنا إلى العصر الجاهلى ننقّب عن الكلمة فيه لم نجدها تجرى على ألسنة الشعراء، إنما نجد لفظة آدب بمعنى الداعى إلى الطعام، فقد جاء على لسان طرفة بن العبد (١):
نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر (٢)
ومن ذلك المأدبة بمعنى الطعام الذى يدعى إليه الناس. واشتقوا من هذا المعنى أدب يأدب بمعنى صنع مأدبة أو دعا إليها.
وليس وراء بيت طرفة أبيات أخرى تدل على أن الكلمة انتقلت فى العصر الجاهلى من هذا المعنى الحسى إلى معنى آخر، غير أننا نجدها تستخدم على لسان الرسول ﷺ فى معنى تهذيبى خلقى، ففى الحديث النبوى:
«أدبنى ربى فأحسن تأديبى» (٣) ويستخدمها شاعر مخضرم يسمى سهم بن حنظلة
стр. 5
الغنوى بنفس المعنى إذ يقول (١):
لا يمنع الناس منّى ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
وربما استخدمت الكلمة فى العصر الجاهلى بهذا المعنى الخلقى، غير أنه لم تصلنا نصوص تؤيد هذا الظن. وذهب «نالينو» إلى أنها استخدمت فى الجاهلية بمعنى السنّة وسيرة الآباء مفترضا أنها مقلوب دأب، فقد جمع العرب دأبا على آداب كما جمعوا بئرا على آبار ورأيا على آراء، ثم عادوا فتوهموا أن آدابا جمع أدب، فدارت فى لسانهم كما دارت كلمة دأب بمعنى السنة والسيرة. ودلوا بها على محاسن الأخلاق والشّيم (٢). وهو فرض بعيد، وأقرب منه أن تكون الكلمة انتقلت من معنى حسى وهو الدعوة إلى الطعام إلى معنى ذهنى وهو الدعوة إلى المحامد والمكارم.
شأنها فى ذلك شأن بقية الكلمات المعنوية التى تستخدم أولا فى معنى حسى حقيقى، ثم تخرج منه إلى معنى ذهنى مجازى.
ولا نمضى فى عصر بنى أمية حتى نجد الكلمة تدور فى المعنى الخلقى التهذيبى.
وتضيف إليه معنى ثانيا جديدا، وهو معنى تعليمى فقد وجدت طائفة من المعلمين تسمى بالمؤدّبين، كانوا يعلمون أولاد الخلفاء ما تطمح إليه نفوس آبائهم فيهم من معرفة الثقافة العربية، فكانوا يلقّنونهم الشعر والخطب وأخبار العرب وأنسابهم وأيامهم فى الجاهلية والإسلام. وأتاح هذا الاستخدام الجديد لكلمة الأدب أن تصبح مقابلة لكلمة العلم الذى كان يطلق حينئذ على الشريعة الإسلامية وما يتصل بها من دراسة الفقه والحديث النبوى وتفسير القرآن الكريم.
وإذا انتقلنا إلى العصر العباسى وجدنا المعنيين التهذيبى والتعليمى يتقابلان فى استخدام الكلمة، فقد سمى ابن المقفع رسالتين له تتضمنان ضروبا من الحكم والنصائح الخلقية والسياسية باسم «الأدب الصغير» و «الأدب الكبير». وبنفس هذا المعنى سمى أبو تمام المتوفى سنة ٢٣٢ هـ/٨٤٦ م الباب الثالث من ديوان
стр. 6
الحماسة الذى جمع فيه مختارات من طرائف الشعر، باسم باب الأدب. وينطبق هذا المعنى تمام الانطباق على كتاب الأدب الذى عقده البخارى المتوفى سنة ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م فى مؤلفه المشهور فى الحديث والمعروف باسم الجامع الصحيح، كما ينطبق على كتاب الأدب الذى صنفه ابن المعتز المتوفى سنة ٢٩٦ هـ/٩٠٨ م. وفى هذه الأزمنة أى فى القرنين الثانى والثالث للهجرة وما تلاهما من قرون كانت الكلمة تطلق على معرفة أشعار العرب وأخبارهم. وأخذوا يؤلفون بهذا المعنى كتبا سموها كتب أدب مثل «البيان والتبيين للجاحظ» المتوفى سنة ٢٥٥ هـ وهو يجمع ألوانا من الأخبار والأشعار والخطب والنوادر، مع ملاحظات نقدية وبلاغية كثيرة. ومثله كتاب «الكامل فى اللغة والأدب للمبرد» المتوفى سنة ٢٨٥ هـ وقد وجّه اهتمامه إلى اللغة لا إلى البلاغة والنقد كما صنع الجاحظ، وقدم فيه صورا من الرسائل النثرية التى ارتقت صناعتها فى تلك العصور، جاء فى مقدمته: «هذا كتاب ألفناه يجمع ضروبا من الآداب ما بين كلام منثور وشعر مرصوف ومثل سائر وموعظة بالغة واختيار من خطبة شريفة ورسالة بليغة». ومما ألّف فى الأدب بهذا المعنى كتاب عيون الأخبار لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ والعقد الفريد لابن عبد ربه المتوفى سنة ٣٢٨ هـ وزهر الآداب للحصرى المتوفى سنة ٤٥٣ هـ.
ولم تقف الكلمة عند هذا المعنى التعليمى الخاص بصناعتى النظم والنثر وما يتصل بهما من الملج والنوادر، فقد اتسعت أحيانا لتشمل كل المعارف غير الدينية التى ترقى بالإنسان من جانبيه الاجتماعى والثقافى؛ فقد جاء على لسان الحسن ابن سهل المتوفى سنة ٢٣٦ هـ: «الآداب عشرة، فثلاثة شهرجانية (١)، وثلاثة أنو شروانية (٢)، وثلاثة عربية، وواحدة أربت عليهن، فأما الشهرجانية فضرب العود ولعب الشطرنج ولعب الصوالج، وأما الأنوشروانية فالطب والهندسة والفروسية، وأما العربية فالشعر والنسب وأيام الناس، وأما الواحدة التى أربت عليهن فمقطعات الحديث والسمر وما يتلقاه الناس بينهم فى المجالس» (٣). وبهذا المعنى الواسع نجدها عند إخوان الصفا فى القرن الرابع للهجرة، فقد دلوا بها فى رسائلهم إلى جانب
стр. 7
علوم اللغة والبيان والتاريخ والأخبار على علوم السحر والكيمياء والحساب والمعاملات والتجارات (١). ولا نصل إلى ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ هـ حتى نجدها تطلق على جميع المعارف دينية وغير دينية، فهى تشمل جميع ألوان المعرفة وخاصة علوم البلاغة واللغة، ومن ثم قال: «الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل علم بطرف» (٢).
ومنذ القرن الثالث للهجرة نجد الكلمة تدل-فيما تدل عليه-على السنن التى ينبغى أن تراعى عند طبقة خاصة من الناس، وألّفت بهذا المعنى كتب كثيرة مثل أدب الكاتب لابن قتيبة وأدب النديم لكشاجم المتوفى حوالى سنة ٣٥٠ هـ. وتوالت كتب مختلفة فى أدب القاضى وأدب الوزير وأخرى فى أدب الحديث وأدب الطعام وأدب المعاشرة وأدب السفر إلى غير ذلك. على أن أكثر ما كانت تدل عليه مقطعات الأشعار وطرائف الأخبار.
وأخذت الكلمة منذ أواسط القرن الماضى تدل على معنيين: معنى عام يقابل معنى كلمة Litterature الفرنسية التى يطلقها الفرنسيون على كل ما يكتب فى اللغة مهما يكن موضوعه ومهما يكن أسلوبه، سواء أكان علما أم فلسفة أم أدبا خالصا، فكل ما ينتجه العقل والشعور يسمى أدبا. ومعنى خاص هو الأدب الخالص الذى لا يراد به إلى مجرد التعبير عن معنى من المعانى، بل يراد به أيضا أن يكون جميلا بحيث يؤثر فى عواطف القارئ والسامع على نحو ما هو معروف فى صناعتى الشعر وفنون النثر الأدبية مثل الخطابة والأمثال والقصص والمسرحيات والمقامات.
стр. 8
٢ - تاريخ الأدب
واضح الآن أن تاريخ الأدب لأمة من الأمم إما أن يلتزم فيه المؤرخ المعنى العام لكلمة أدب، فيؤرخ للحياة العقلية والشعورية فى الأمة تاريخا عامّا، وإما أن يلتزم المعنى الخاص، فيؤرخ للشعراء والكتّاب تاريخا خاصّا بالأدب ونشأته وتطوره وأهم أعلامه، ولعل أهم من أرخوا لأدبنا بالمعنى الأول بروكلمان فى كتابه «تاريخ الأدب العربى»، ونسج على منواله جرجى زيدان فى كتابه المسمى بتاريخ آداب اللغة العربية. ونراهما يعرضان لتاريخ الحياة الأدبية والعقلية عند العرب فى نشأتها وتطورها مع الترجمة للفلاسفة والعلماء من كل صنف والشعراء والكتاب من كل نوع. ومن غير شك يتقدم بروكلمان جرجى زيدان فى هذا الصدد بسبب المادة الغنية التى يحتويها كتابه، فقد أحصى إحصاء دقيقا أدباء العرب وعلماءهم وفلاسفتهم مع ذكر آثارهم المطبوعة والمخطوطة وما كتب عنهم قديما وحديثا، مبينا مناهجهم ومكانتهم فى الفن أو العلم الذى حذقوه، مع نبذة عن كل فن وعلم ومدى ما حدث له من تطور ورقى.
ومؤرخ الأدب العربى إما أن ينهج هذا النهج الواسع. وإما أن ينهج النهج الثانى الذى أشرنا إليه، فيقف بتاريخه عند الشعراء والكتاب مفصّلا الحديث فى شخصياتهم الأدبية وما أثر فيها من مؤثرات اجتماعية واقتصادية ودينية وسياسية، ومتوسعا فى بيان الاتجاهات والمذاهب الأدبية التى شاعت فى كل عصر. ومن المحقق أن المؤرخ للأدب العربى بمعناه الخاص يأخذ الفرصة كاملة كى يؤرخ لهذا الفرع المونق من فروع الأدب بالمعنى العام، وهو الفرع الذى يراعى فيه الجمال الفنى والتأثير فى ذوق القارئ والسامع وإثارة ما يمكن أن يثار فى نفسيهما من مشاعر وعواطف متباينة. فهو يؤرخ للأدب الخالص تاريخا مفصلا لا يكتفى فيه بالنبذ الموجزة عن الاتجاهات والفنون الأدبية ولا بالتراجم المجملة عن الشعراء والكتاب، على نحو ما يصنع بروكلمان فى تاريخه العام، بل يكتب فى ذلك الفصول الواسعة مطبّقا المناهج الحديثة فى دراسة الأدب الخالص ومن أنتجوه من الأدباء.
стр. 9
وكان من آثار سيطرة العلوم الطبيعية والتجريبية فى القرن الماضى على العقول الغربية أن نادى بعض مؤرخى الأدب هناك بوجوب تطبيق مناهجها وقواعدها على الدراسات الأدبية، وحاول نفر منهم أن يضع للأدب قوانين كقوانين الطبيعة، وتقدم سانت بيف (Sainte-Beuve) يدعو إلى العناية بشخصيات الأدباء وتعقّب حياتهم المادية والمعنوية ومؤثراتها، حتى نتبين ما ينفرد به الأديب وما يشترك فيه مع سواه من الأدباء، فإذا تبينا الطرفين أمكن أن نضع الأدباء فى فصائل وأسر على نحو ما يصنع علماء النبات إذ يرتبونه فى أنواع وفصائل نباتية مختلفة. وبالمثل يضع مؤرخو الأدب أصحابه فى طبقات وفصائل على أساس ما يقوم بين الأديب وفصيلته من تشابه، وهو تشابه تستخلص منه قوانين الأدب العلمية وما يمتاز به أصحاب كل فصيلة من خصائص وصفات. وتلاه تين (Taine) يقرر أن هناك قوانين ثلاثة يخضع لها الأدب فى كل أمة وهى الجنس والزمان والمكان، وكأنه أراد أن يحوّل تاريخ الأدب إلى ضرب من التاريخ الطبيعى، فأدباء كل أمة يخضعون لهذه القوانين الثلاثة خضوعا جبريّا ملزما، فلكل جنس خواصه، ولكل زمان أحداثه وظروفه الاقتصادية والسياسية والثقافية، ولكل مكان ميزاته الإقليمية والجغرافية، وتلك هى مؤثرات الأدب، بل قوانينه التى تطبع الأدباء بطوابعها الدقيقة. ولا حظ مؤرخو الأدب ونقاده أنه تجاهل شخصيات الأدباء وفرديتهم ومواهبهم وأصالتهم، ولو أن قوانينه صحيحة لكان كل أديب صورة مطابقة للأدباء الآخرين، ولما تميز أديب من سواه. والواقع يثبت عكس ذلك فلكل أديب شخصيته التى تجعل منه أديبا بعينه، له مقوماته.
وبجانب هذين المنهجين فى دراسة تاريخ الأدب وجد منهج ثالث عند برونتيير (Brunetiere) الذى فتن بمذهب داروين المعروف فى التطور ونشوء الكائنات العضوية وارتقائها، وكان (سبنسر) سبقه إلى نقله من العضويات إلى المعنويات، وطبقه على الأخلاق والاجتماع، فحاول هو أن يطبقه على الأدب وفنونه المختلفة، واختار لهذا التطبيق ثلاثة فنون، هى: المسرح والنقد الأدبى والشعر الغنائى، فتتبع كلا فى نشأته ونموه وتطوره وما عمل فيه من مؤثرات، وذهب إلى أن الفنون الأدبية مثل الكائنات الحية تخضع للتطور، وقد يتولد بعضها من بعض
стр. 10
على نحو ما تولد الشعر الغنائى الرومانسى فى القرن التاسع عشر من الوعظ الدينى الذى شاع بفرنسا فى القرن السابع عشر، فهذا الشعر لم يتطور عن شعر مماثل له، سبقه، وإنما تطور أو تولّد عن فن آخر على نحو ما يتطور أو يتولد كائن عضوى من كائن آخر.
وهذه الموجة الحادة التى اندفع خلالها هؤلاء المؤرخون فى القرن التاسع عشر يريدون أن يلحقوا تاريخ الأدب بالعلوم الطبيعية ويطبقوا عليه قواعدها لم تلبث أن هدأت فى أوائل هذا القرن العشرين بتأثير نمو العلوم الإنسانية، فإن هذه العلوم أثبتت أن عالم الإنسان يخضع لقوانين أعمق من القوانين الطبيعية وأن تاريخ الأدب ينبغى أن لا يلحق بالعلوم الطبيعية وإنما يلحق بالدراسات الإنسانية مثل التاريخ والقانون والسياسة وعلمى الاجتماع والنفس. وسرعان ما أخذ مؤرخو الأدب ونقاده يطبقون على الأدب نظريات اللاشعور الفردى وعقد الجنس ومكتوباته واللاشعور الجماعى ورواسب الحياة الإنسانية البدائية التى تتجلى فى الأساطير وما يتصل بها والعلاقات الاجتماعية والإنتاجية.
وسنحاول أن نؤرخ فى أجزاء هذا الكتاب للأدب العربى بمعناه الخاص مفيدين من هذه المناهج المختلفة فى دراسة الأدب وأعلامه وآثار فنقف عند الجنس والوسط الزمانى والمكانى الذى نشأ فيه الأدب، ولكن دون أن نبطل فكرة الشخصية الأدبية والمواهب الذاتية التى فسح لها سانت بيف فى دراساته. وكذلك لن نبطل نظرية تطور النوع الأدبى، فما من شك فى أن الأنواع الأدبية تتطور من عصر إلى عصر، وقد يتولد بعضها من بعض فيظهر نوع أدبى جديد لا سابقة له فى الظاهر، ولكن إذا تعمقنا فى الدرس وجدناه قد نشأ من نوع آخر مغاير له، على نحو ما يلاحظ ذلك من يدرس فن المقامة فى العصر العباسى، فإنها فى رأينا تولدت من فن الأرجوزة وما ابتغى به أصحابه فى العصر الأموى عند رؤبة ونظرائه من تعليم الناشئة والموالى ألفاظ اللغة العربية الغربية وتراكيبها العويصة. فاقتران هذه الغاية بالأرجوزة يلفتنا إلى نفس الغاية فى المقامة عند بديع الزمان والحريرى وما بين الفنين من صلات وروابط. ولا بد أن نستضئ فى أثناء ذلك بدراسات النفسيين والاجتماعيين وما تلقى من أضواء على الأدباء وآثارهم. وبجانب ذلك لا بد أن نقف
стр. 11
عند أساليب الأدباء وتشكيلاتهم اللفظية وما تستوفى من قيم جمالية مختلفة، ولا بد من المقارنة بين السابق واللاحق فى التراث الأدبى العربى جميعه.
٣ - تقسيمات تاريخ الأدب العربى وعصوره
أكثر من أرخوا للأدب العربى وزعوا حديثهم فى هذا التاريخ على خمسة عصور أساسية، هى (١) عصر الجاهلية أو ما قبل الإسلام (٢) والعصر الإسلامى من ظهور الرسول ﷺ إلى سقوط الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م وهو العصر الذى تكونت فيه الدولة العربية وتمت الفتوح الإسلامية.
ومن المؤرخين من يقسم هذا العصر قسمين، فهو إلى نهاية عصر الخلفاء الراشدين يسمى عصر صدر الإسلام، وما يليه إلى آخر الدولة الأموية يسمى العصر الأموى. (٣) والعصر الثالث هو عصر العباسيين أو العصر العباسى ويستمر إلى سقوط بغداد فى يد التتار سنة ٦٥٦ هـ/١٢٥٨ م. ويقسم بعض المؤرخين هذا العصر قسمين: العصر العباسى الأول ويمتد نحو مائة عام، والعصر العباسى الثانى ويستقل ببقية العصر. ومن المؤرخين من يقسمه ثلاثة أقسام، يبقى فيها على القسم الأول بنفس الاسم، أما العصر العباسى الثانى فيقف به عند سنة ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م وهى السنة التى استولى فيها بنو بويه على بغداد والتى أصبحت الخلافة العباسية منذ تاريخها اسمية فقط، ويمتد العصر العباسى الثالث إلى استيلاء التتار على بغداد. وقد يقسم بعض المؤرخين هذا العصر العباسى الثالث قسمين، فيقف بالقسم الأول عند دخول السلاجقة بغداد سنة ٤٤٧ هـ/١٠٥٥ م ويستقل القسم الثانى أو العصر العباسى الرابع ببقية العصر. (٤) وباستيلاء التتار على بغداد يبدأ العصر الرابع ويستمر إلى نزول الحملة الفرنسية بمصر سنة ١٢١٣ هـ/١٧٩٨ م (٥) ثم العصر الحديث الذى يمتد إلى أيامنا الحاضرة
وسنبقى فى كتابنا على العصرين الأولين، أما العصر الثالث وهو العصر العباسى فسندخل عليه بعض التعديل، وذلك أننا سنبقى على قسمين منه: عصر عباسى أول ينتهى بانتهاء خلافة الواثق سنة ٢٣٢ هـ، وعصر عباسى ثان ينتهى باستيلاء
стр. 12
البويهيين على بغداد سنة ٣٣٤ هـ. ومن هذا التاريخ إلى نهاية العصور الوسطى نبتدئ عصرا رابعا نمده إلى العصر الحديث وهو عصر الدول والإمارات، فقد تفككت أوصال الدولة العباسية وظهرت إمارات وخلافات ودول كثيرة كإمارات الفرس فى إيران وما وراءها وسيف الدولة الحمدانى فى حلب والفاطميين ثم الأيوبيين والمماليك والعثمانيين فى مصر والأمويين ثم ماوك الطوائف والمرابطين والموحدين ومن خلفوهم فى الأندلس. وحرىّ أن يبحث الأدب العربى فى هذا العصر الرابع ويؤرّخ فى كل إقليم على حدة، فيكون هناك جزء لإيران والعراق وجزء لمصر والشام والجزيرة العربية وجزء للأندلس وبلاد المغرب، وقد ينمو البحث وتتولد أجزاء أخرى، حتى إذا انتهينا من ذلك أرخنا للعصر الخامس وهو العصر الحديث وقسمناه بدوره أجزاء على البلاد العربية.
ولا أشك فى أن هذا التقسيم الجديد لعصور الأدب العربى أكثر دقة ومطابقة لتطوره وللظروف المختلفة التى أثرت فيه فإن بغداد لم تعد منذ القرن الرابع الهجرى تحتل المكانة الأولى فى الحركات الأدبية، بل لقد نافستها فى الشرق والغرب مدن كثيرة تفوقت عليها فى النهوض بالشعر والنثر تفوقا واضحا.
стр. 13
الفصل الأول
الجزيرة العربية وتاريخها القديم
١ - صفة الجزيرة العربية (١)
تشغل جزيرة العرب الجنوب الغربى لآسيا، وقد سماها أهلها جزيرة لأن الماء يدور بها من ثلاث جهات فى جنوبيها وغربيها وشرقيها، فهى شبه جزيرة، وليس فى الأرض شبه جزيرة تضاهيها فى المساحة. ويرى علماء الجيولوجيا أنها كانت متصلة بإفريقية فى الزمن المتعمق فى القدم، ثم فصلهما منخفض البحر الأحمر الذى يمتد فى غربيها، كما يرون أنه كان يغطى جزءا منها فى العصر الجليدى مروج خضراء، وكانت تجرى بها بعض أنهار، ولا تزال تشهد عليها أودية جافة عميقة.
ويطلّ عليها فى الجنوب المحيط الهندى وفى الشرق بحر عمان وخليج العرب. وتترامى متوغلة فى الشمال على حدود فلسطين وسوريا غربا والعراق وبلاد الجزيرة شرقا.
وكان جغرافيو اليونان والرومان يقولون إنها ثلاثة أقسام: العربية الصحراوية والعربية الصخرية أو الحجرية والعربية السعيدة، أما العربية الصحراوية فلم يعيّنوا حدودها ولكن يفهم من كلامهم أنهم كانوا يطلقونها على البادية الشمالية التى تصاقب بلاد الشام غربا وتمتد شرقا إلى العراق والحيرة. وكانت تقع فى شماليها مملكة تدمر التى حكمتها أسرة الزبّاء المشهورة. وأما العربية الصخرية فكانوا يطلقونها على شبه جزيرة سيناء والمرتفعات الجبلية المتصلة بها فى شمالى الحجاز وجنوبى البحر الميت، وهى التى أقام فيها النبط مملكتهم واتخذوا مدينة سلع «بطرا»
стр. 14
حاضرة لهم، وامتدت هذه المملكة فى عهد الحارث الرابع أوائل القرن الأول للميلاد إلى دمشق، غير أن الرومان استولوا عليها سنة ١٠٦ م. أما العربية السعيدة فكانت تشمل وسط الجزيرة وجنوبيها، أو بعبارة أخرى كل ما وراء القسمين الأول والثانى. وربما دل ذلك من بعض الوجوه على أن هذا القسم الثالث كان يدين بالولاء للدول الجنوبية مثل معين وسبأ.
ويقسم جغرافيو العرب الجزيرة إلى خمسة أقسام، هى: تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن، وتهامة هى المنطقة الساحلية الضيقة المطلة على بحر القلزم أو البحر الأحمر. وتسمى فى الجنوب باسم تهامة اليمن، وقد يبلغ عرضها فى بعض الأمكنة خمسين ميلا، وكان العرب القدماء يسمونها الغور لانخفاض أرضها، وهى أرض رملية شديدة الحرارة، وقد قامت بها بعض المرافئ والثغور مثل الحديّدة فى اليمن ومثل جدة وينبع فى الحجاز. ويقع فى شماليهما ثغر صغير يعرف باسم الوجه، ويظن أنه كان ثغر مدينة الحجر المعروفة الآن باسم مدائن صالح. وفى الجنوبى الوجه قرية الحوراء وربما كانت هى الموضع الذى أرسى فيه إليوس جالوس القائد الرومانى بجيوشه سنة ٢٤ ق. م وهى الغزوة التى أراد بها أن يفتح بلاد اليمن وباءت بالفشل الذريع.
وتمتد فى شرقى تهامة سلسلة جبال السّراة من الشمال إلى الجنوب فاصلة بينها وبين هضبة نجد ومؤلفة إقليم الحجاز المعروف، وتكثر فى هذا الإقليم الأودية والمناطق البركانية، والحرّات وهى أراض رملية تعلوها قمم البراكين. وإذا وجدت فى هذه الأراضى آبار وعيون آذنت بالخصب وقيام القرى الكبيرة مثل المدينة أو يثرب ووادى القرى فى شماليها وهو يقع بينها وبين العلا وكانت تسمى قديما دادان. ومن مدن هذا الوادى قرح وكانت تقام بها سوق عظيمة فى الجاهلية ومدينة الحجر أو مدائن صالح وقومه من ثمود. ونزل اليهود ببعض قرى هذا الوادى مثل خيبر وفدك، وامتدوا إلى تيماء فى الشمال ويثرب فى الجنوب. وكان ينزل فى هذه الجهات قبل الإسلام قبائل عذرة وبلىّ وجهينة، وقضاعة وكانت تمتد عشائرها إلى شبه جزيرة سيناء. وعثر المنقبون فى وادى القرى على نقوش عربية جنوبية وأخرى شمالية كالثمودية واللّحيانية. وأهم مدن الحجاز مكة واسمها
стр. 15
عند بطليموس مكربا (Macoraba) وكانت قبل الإسلام تمسك بزمام القوافل المصعدة إلى البحر الأبيض والمنحدرة إلى المحيط الهندى، وكان بها الكعبة بيت أصنامهم حينئذ فكان العرب يحجون إليها ويتّجرون فى أسواقها ويبتاعون ما يحتاجون إليه. وعلى بعد خمسة وسبعين ميلا إلى الجنوب الشرقى من مكة تقع الطائف، وقد أقيمت على ظهر جبل غزوان، وتحف بها أودية وآبار كثيرة أتاحت للمملكة النباتية أن تزدهر هناك من قديم، وقد عثر فيها على نقوش ثمودية.
وينبسط الحجاز شرقا فى هضبة نجد الفسيحة التى تنحدر من الغرب إلى الشرق حتى تتصل بأرض العروض وهى بلاد اليمامة والبحرين. ويسمى العرب جزءها المرتفع مما يلى الحجاز باسم العالية، أما جزؤها المنخفض مما يلى العراق فيسمونه السافلة، بينما يسمون شرقيها إلى اليمامة باسم الوشوم وشماليّها إلى جبلى طيئ:
أجأ وسلمى باسم القصيم، وهو عندهم الرمل الذى ينبت الغضا وهو ضرب من الأثل، وإليه ينسب أهل نجد فيسمون أهل الغضا. وشمالى نجد صحراء النفود وهى تشغل مساحة واسعة، إذ تبتدئ من واحة تيماء وتمتد شرقا نحو ٣٠٠ ميل وتزخر بكثبان من الرمال الحمراء، تتخللها مراع فسيحة. وإذا اقتربت من العراق مدت ذراعا لها نحو الجنوب، فتفصل بين نجد والبحرين متسمية باسم الدهناء أو رملة عالج وهى منازل قبيلتى تميم وضبّة فى الجاهلية والإسلام، حتى إذا أحاطت باليمامة انبطحت فى الرّبع الخالى وهو صحراء واسعة قاحلة يظن أنها تبلغ نحو خمسين ألف ميل مربع، وهى تفصل بين اليمامة ونجد من جهة وبين عمان ومهرة والشّحر وحضرموت من جهة ثانية، وتندمج فيها صحراء الأحقاف التى تمتد إلى الغرب فاصلة اليمن من نجد والحجاز. وهذه الصحارى التى تطوق نجدا فى الشمال والشرق والجنوب قفار متسعة، وخيرها القسم الشمالى إذ تكسوه الأمطار فى الشتاء حلة قشيبة من النباتات والمراعى. ووراء هذا القسم فى الشمال بادية الشام وهى كثيرة الأودية والواحات وبادية العراق أو بادية السماوة، وواضح أنهما لا تعدان من نجد.
وتشمل العروض اليمامة والبحرين وما والاهما. وعدّ ياقوت فى معجم البلدان اليمامة من نجد، وكانت عند ظهور الإسلام عامرة بالقرى، مثل حجر وكانت حاضرتها، ومثل سدوس ومنفوحة وبها قبر الأعشى، ويقال إنها كانت موطن
стр. 16
قبيلتى طسم وجديس البائدتين. وقد عثر فيها على نقوش سبئية متأخرة. وتمتد البحرين من البصرة إلى عمان وبها كانت تنزل قبيلة عبد القيس فى الجاهلية، وهى تشمل الآن الكويت والأحساء وجزر البحرين وقطر، وتكثر فى هذا الإقليم الآبار والمياه وخاصة فى الأحساء، ومن مدنه القديمة هجر وفى أمثالهم «كجالب التمر إلى هجر»، والقطيف وكانت تسمى أيضا الخطّ وإليها تنسب الرماح الخطية. وفى جنوبى البحرين عمان ومن مدنها صحار ودبا وكان بها سوق مشهورة فى الجاهلية.
وعرف سكان هذه المنطقة من قديم بالملاحة واستخراج اللآلى.
أما القسم الخامس من الجزيرة وهو اليمن فيطلق على كل الجنوب، فيشمل حضرموت ومهرة والشّحر، وقد يطلق على الزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة، وهو الإطلاق المشهور الآن. وتتألف اليمن من أقسام طبيعية ثلاثة: ساحل ضيق خصب هو تهامة اليمن وجبال موازية للساحل هى امتداد سلسلة جبال السراة ثم هضبة تفضى إلى نجد ورمال الربع الخالى، وبها كثير من الأودية والسهول والثمار والزروع بفضل أمطار الرياح الموسمية الغزيرة وقد وصفها القرآن الكريم بأنها ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ»﴾. وأتاح ذلك لسكانها أن يقيموا فيها دولا وحضارة منذ أواخر الألف الثانى قبل الميلاد إلى أوائل القرن السادس الميلادى. ويسمى قسمها الشمالى المجاور للحجاز باسم عسير، وكانت تنزله قبيلة بجيلة فى الجاهلية ومن أشهر مدن اليمن زبيد وظفار وصنعاء وعدن ونجران. ومن أشهر وديانها تبالة وبيشة وكانت به مأسدة. وتمتد شرقى اليمن حضرموت على ساحل بحر العرب، فإقليم مهرة، والشّحر ومعناه فى اللغة الجنوبية الساحل، وتنمو فى جباله أشجار الكندر وهو اللّبان الذى اشتهر به جنوبىّ بلاد العرب فى الجاهلية.
ومناخ الجزيرة فى جملته حار شديد الحرارة، وتكثر فى نجد رياح السموم التى تهب صيفا، فتشوى الوجوه شيّا، وألطف رياحها الرياح الشرقية ويسمونها الصّبا، وأكثر شعراؤهم من ذكرها. أما ريح الشمال فباردة وخاصة فى الشرق إذ تتحول إلى صقيع فى كثير من الأحيان. والأمطار عامة قليلة إلا فى الجنوب حيث تهطل أمطار الرياح الموسمية فى الصيف، وإلا فى الشمال الغربى حيث تهطل أمطار الرياح الغربية شتاء. وكثيرا ما يتحول المطر إلى سيول جارفة فى اليمن وشمالى الحجاز؛ وقد
стр. 17
وصف امرؤ القيس فى معلقته سيلا جارفا حدث بالقرب من تيماء حيث كانت منازل بنى أسد. وتقل الأمطار فى الداخل ولقلتها سموها غيثا وحيا (من الحياة) واستنزلها الشعراء على ديار معشوقاتهم وقبور موتاهم. ومتى احتبست الأمطار جفت الأرض وأجدبت وحلّ الهلاك والفناء على القطعان والرّعاء. ولطول ما كان يحدث لهم من ذلك سموا الجدب سنة، فيقولون: أصابتنا سنة أتت على الأخضر واليابس. ومن أجل ذلك كثرت عندهم الرحلة فى طلب العشب والكلأ، فترحل القبيلة بإبلها وأغنامها إلى مراع جديدة. وليس فى الجزيرة بحيرات إلا ما يقال من أن هناك بحيرة مالحة فى الرّبع الخالى، وليس بها كذلك غابات ولا أنهار جارية.
وفى الجنوب والشرق وقرى الحجاز واليمامة تكثر الزروع والثمار وتتناثر بعض الفواكه، وقد اشتهرت اليمن وما والاها قديما بأشجار اللبان والطيب والبخور، كما اشتهرت حديثا بأشجار البن، وتشتهر الطائف بالكروم، ولم يكونوا يعتمدون عليها وحدها فى الخمر بل كانوا يعتمدون أيضا على مدن الشام. والنخلة أهم الأشجار فى الجزيرة كلها. ويتردد على ألسنة شعراء نجد ذكر طائفة من الأزهار على رأسها العرار والخزامى وطائفة من الأشجار على رأسها الغضا والأثل والأرطى والسّدر (الطّلح) والحنظل والضّال والسّلم.
أما الحيوان فقد صور شعراؤهم كثيرا من أليفه مثل الخيل والإبل والأغنام ووحشيّه مثل الأوعال والظباء والنعام والغزال والزراف وحمار الوحش وأتنه وثور الوحش وبقره ومثل الأسد والضبع والذئب والفهد والنمر. ودارت الطيور الجارحة على ألسنتهم مثل الحدأة والصقر والنسر والغراب، وقلما وصفوا منهلا دون أن يذكروا القطا وهو يشبه الحمام. وذكروا كثيرا الجراد، وتحدثوا عن النّحل واشتهرت به هذيل التى كانت تغنى ببيوته وخلاياه. ومن زواحفهم الثعبان والعقرب والورل والضبّ، وفى أمثالهم: «أعقد من ذنب الضبّ».
стр. 18
٢ - الساميون (١)
تطلق كلمة الساميين على مجموعة من الشعوب فى الشرق الأوسط دلت القرابة بين لغاتها على أنها كانت فى الأصل تتكلم بلهجات متقاربة تطورت إلى لغات سمّيت جميعا باسم السامية أخذا من اسم سام بن نوح الذى ورد ذكره فى التوراة، وهى تسمية اصطلاحية، فليس هناك أمة تسمى بالأمة السامية إنما هناك صلات لغوية بين طائفة من اللغات تدل على أنها ترجع إلى أصل لغوى واحد، إذ تتشابه فى أصول أفعالها وأزمانها وفى كثير من أصول الكلمات والضمائر والأعداد. وقد قسمها علماء اللغات إلى شمالية وجنوبية وقسموا الشمالية إلى شرقية وغربية، أما الشرقية فاللغة الأكدية (البابلية والأشورية) وأما الغربية فاللغة الأوجريتية (لغة نقوش رأس شمرا) والكنعانية (الفينيقية والعبرية والمؤابية) ثم الآرامية. وقسموا الجنوبية إلى عربية شمالية وهى الفصحى وعربية جنوبية وهى لغة بلاد اليمن وما والاها فى الزمن القديم، ثم الحبشية.
وتساءل العلماء عن المهد الأصلى لأسلاف الناطقين بهذه اللغات السامية المختلفة، وتعددت إجاباتهم فى هذا الصدد، فمن قائل إنهم نشأوا مع الحاميين فى موطن واحد، لعله فى شمالى إفريقية أو فى ناحية الصومال، ومنه هاجر الساميون إلى بلاد العرب عن طريق باب المندب أو عن طريق شبه جزيرة سيناء، ومن قائل إنهم نشأوا مع الآريين فى أواسط آسيا أو فى أرمينية، ومن قائل إنهم نشأوا فى شمالى سوريا، ومن قائل إنهم نشأوا فيما بين النهرين. ومهما يكن المهد القديم لأصل نشأتهم الذى يتعمق فى عصور ما قبل التاريخ فإن الباحثين يتفقون على أن موطنهم فى العصور التاريخية هو الجزيرة العربية، فقد نزلوا بها واستقروا فيها
стр. 19
وعاشوا حياة مشتركة اكتسبوا خلالها هذا التشابه فى لغاتهم.
ودفعهم جدب الجزيرة وخصب ما حولها من العراق والشام واليمن إلى الهجرة فى موجات يتلو بعضها بعضا فى فترات متباعدة وكأنما كانت الجزيرة تشبه خزانا كبيرا يفيض على ما حوله فى الحين بعد الحين. وأول موجة فاضت من هذا الخزان موجة الأكديين (البابليين والأشوريين) خرجت من الجزيرة إلى العراق فى أواخر الألف الرابع ق. م وأوائل الثالث فوجدت هناك السومريين وقد عاشوا مدة تحت حكمهم، تأثروا فيها بلغتهم ودينهم وعاداتهم وكل ما سبقوهم إليه فى الحضارة والعمران. ولا نمضى طويلا فى النصف الثانى من الألف الثالث ق. م حتى نجدهم يقيمون مملكة لهم يتخذون حاضرتها مدينة أكد كان أهم ملوكها سرجون الأول (فى حدود ٢٣٥٠ ق. م) الذى مد فتوحه حتى وسعت دولته العراق والجزيرة والشام، فكانت تلك أول دولة سامية عرفت فى الشرق الأوسط. ولم تلبث أن انهارت، فقامت على أنقاضها دويلات مستقلة، وتقدمت دولة بابل فى أوائل الألف الثانى ق. م فأعادت الأمور إلى نصابها، ومن أشهر ملوكها حمورابى الذى تولى الملك فى القرن الثامن عشر ق. م وكان سياسيّا ومشرعا عظيما، واشتهر بين المؤرخين بمسلته التى سجل عليها فى ثلاثمائة سطر شريعته، وهى تصور تصويرا دقيقا القانون البابلى القديم. وامتازت هذه الدولة بشخصية سامية حية، فقد ازدهر القانون فى عهدها وازدهر الأدب بفرعيه من الشعر والقصص. على أننا لا نمضى طويلا حتى تفد أمم غير سامية من الشرق-هم الكشيون-فتخرّب بابل؛ ولا يلبث الحيثيّون وهم من أمم آسيا الصغرى أن يقضوا عليها فى أوائل القرن السادس عشر ق. م.
وبينما كانت بابل تعانى من الكشيين والحيثيين كان إخوانهم الذين هاجروا معهم من الجزيرة العربية ويمموا نحو الشمال فيما بين النهرين وهم الأشوريون ينهضون، ومعنى ذلك أنهم من نفس الموجة الأكدية. وتاريخهم يتضح منذ القرن الرابع عشر ق. م وقد اتخذوا نينوى فى بعض عصورهم حاضرة لهم، وكانت دولتهم حربية عسكرية، واستعمروا الشام وآسيا الصغرى واستولوا على بابل وحاربوا مصر، ولغتهم الأشورية تخالف البابلية فى بعض خصائصها، وقد ازدهرت فى عهدهم علوم الطب والفلك والرياضيات كما ازدهرت فنون الأدب. ولا نصل إلى القرن السابع ق. م
стр. 20
حتى تنهكهم حروبهم، ويهجم عليهم الميديون من هضبة إيران، ويستولوا على حاضرتهم نينوى. فتستقل عنهم بابل وتقوم بها الدولة البابلية الحديثة أو دولة الكلدانيين (٦٢٦ - ٥٣٨ ق. م) الذين اشتهروا بإتقانهم لعلم الفلك كما اشتهر ملكهم بختنصر بتخريبه لبيت المقدس. وسرعان ما يقضى عليهم الفرس بقيادة كورش سنة ٥٣٨ ق. م ويخضعون لدولتهم المعروفة بالكيانية. ويدور الزمن دورة وإذا الإسكندر المقدونى فى القرن الرابع ق. م يستولى على الشرق الأوسط، وبذلك ينتهى تاريخ هذه الموجة السامية القديمة موجة الأكديين من بابليين وأشوريين.
والموجة السامية الثانية التى خرجت من الجزيرة العربية هى موجة الكنعانيين، وقد بدأت فى خروجها منذ أوائل الألف الثانى ق. م ويممت الشام وسواحل البحر الأبيض الشرقية، وأسست هناك مدنا تجارية مثل صيدا وصور وجبيل وبيروت. وكان اليونان يسمون أهل السواحل من هذه الموجة باسم الفينيقيين، وقد أسسوا لهم مستعمرات فى إفريقية وآسيا الصغرى والأندلس وهم الذين اخترعوا الخط الأبجدى وعنهم انتشر فى العالم. ومن هذه الموجة الأوجريتيون الذين تغلغلوا فى شمالى سوريا وقد وصلتنا عنهم نقوش رأس شمرا فى شمالى اللاذقية وفيها شعر وحكم ومن هذه الموجة أيضا المؤابيون الذين استقروا فى شرقى الأردن وأسسوا به مملكة فى القرن العاشر ق. م، وكذلك منها العبريون الذين استقروا فى فلسطين منذ القرن الثالث عشر ق. م وقد استولى الأشوريون على مملكتهم الشمالية فى القرن السابع ق. م.
وهدم بختنصر ملك بابل حاضرتهم أورشليم فى القرن السادس ق. م وأجلى سكانها إلى بابل. ولا تلبث الآرامية أن تغلب على لغتهم، إلا أنهم ظلوا يحافظون عليها فى تعاليمهم الدينية وفى بعض كتاباتهم.
والآراميون هم ثالث الموجات السامية الكبيرة التى خرجت من الجزيرة العربية قبل الميلاد، وقد بدأ خروجهم منذ منتصف الألف الثانى ق. م. والمظنون أنهم كانوا بدوا رحّلا يتنقلون شمالى صحراء النفود فى باديتى الشام والعراق ويتغلغلون إلى خليج العقبة غربا وجنوبى الفرات شرقا. وقد استطاعوا أن يكوّنوا لهم إمارة بين بابل والخليج العربى، عرفت باسم كلد ومنها أخذ اسم الكلدانيين. ونراهم فى القرن الثالث عشر ق. م ينزحون إلى أراضى الرافدين دجلة والفرات فى الشمال، ويعرف
стр. 21
هؤلاء النازحون باسم آرام النهرين. ولا نلبث أن نراهم فى القرنين الحادى عشر والعاشر ق. م يبلغون أوج قوتهم فيغيرون على شمالى الشام ويكونون به دويلات صغيرة بين حلب وجبال طوروس، وقد استولوا على دمشق وأسسوا بها مملكة اشتبكت فى حروب طويلة مع الفينيقيين والعبريين. وكان لها دور مهم فى شئون التجارة فقد كانت قوافلها الصلة بين العراق والشام وآسيا الصغرى، وكانت تلتقى فى شمالى الحجاز بقوافل اليمن وقوافل الثموديين من الحجازيين. وظلت للآراميين هذه الأهمية التجارية بعد سقوط دويلاتهم، فإنها سرعان ما سقطت إذ لم تكن تجمعها وحدة سياسية تشدّ من أزرها أمام هجمات الأشوريين، فقضوا عليها واحدة بعد أخرى. وقد أخذوا عن الفينيقيين أبجديتهم بسبب اختلاطهم بهم فى التجارة وكتبوا بها لغتهم. ولما سقطت دويلاتهم تفرقوا فى ممالك غربى آسيا. فكان ذلك سببا فى انتشار لغتهم وثقافتهم وحضارتهم، إذ وجدت أمم العراق وإيران سهولة فى أبجديتهم، مما جعل الدولة الكيانية تتخذها إحدى لغاتها الرسمية، وقد أصبحت اللغة اليومية للأشوريين والبابليين والعبريين والفينيقيين، وربما كان من الأسباب المهمة فى ذلك سهولة نحوها بالإضافة إلى سهولة أبجديتها. وتقوم الحرب بين الفرس والروم ويتخذون من بلادهم ميدانا لها، فيتأثرون بحضارتيهما، وبذلك أصبحوا ورثة الحضارات القديمة فى هذا المحيط: الحضارة الفارسية والرومانية والبابلية والأشورية والفينيقية. وقد كتبت الاناجيل بالآرامية إذ كان يستخدمها حواريو المسيح كما كتبت بها معظم المؤلفات الدينية للكنائس الشرقية، ولها لجهات عدة، أهمها اللغة السريانية التى كانت منتشرة فيما بين النهرين، وقد اتخذتها المسيحية لغة أدبية لها، وهى اللغة التى كان يدرس بها الطب والعلوم الطبيعية بجانب اليونانية فى مدارس الرّها فيما بين النهرين ومدرسة جنديسابور الفارسية وغيرهما. ومن لهجاتها أيضا لهجة الصابئة فيما بين النهرين. وقد ظلت بلهجاتها المختلفة لغة حية فى الشرق الأوسط إلى أن جاء الإسلام فقضت عليها وعلى لهجاتها لغة القرآن الكريم، وإن ظلت معروفة فى بعض البيئات.
والموجة السامية الأخيرة هى موجة العرب الجنوبيين وما تفرع عنها من موجة حبشية، وقد بدأت فى أواخر الألف الثانى ق. م متجهة إلى الجنوب وساحل المحيط
стр. 22
الهندى. ويظهر أن جماعات ممن نزلت فى تهامة اليمن هاجرت إلى السواحل الإفريقية، بقصد التجارة وتغلغلت فى هضبة الحبشة وكونت هناك مملكة، نشبت بينها وبين العرب الجنوبيين سلسلة من الحروب انتهت بقضائها على دولتهم فى سنة ٥٢٥ م. وقد اعتنق حكامها المسيحية منذ القرن الرابع الميلادى.
٣ - العرب الجنوبيون (١)
تقسم الظروف الطبيعية بلاد العرب قسمين كبيرين، تفصل بينهما صحراوات واسعة، تجعل حياة كل منهما تختلف عن الأخرى. فبينما تحضر الجنوبيون كان الشماليون فى الحجاز ونجد يعيشون معيشة بدوية، إذ كانوا فى الجملة بدوا رحّلا ينتقلون وراء مساقط الغيث ومواضع العشب والكلأ. ونشأت عن ذلك فروق واسعة بين القسمين المتناقضين فبينما ظل الشماليون يحيون فى الغالب حياة بدوية إلا ما تسرب إليهم من الحضارات الأجنبية المجاورة فى العراق والشام نهض الجنوبيون بحضارة لا تزال حصونها وهياكلها وقلاعها وأبراجها قائمة لم تندثر اندثارا تامّا. وقد استطاعوا أن يشيدوا سدّ مأرب لحبس الماء فى فصل الأمطار، مما يدل على أنه كان لديهم نظام محكم لتدبير شئون الزراعة وتوزيع المياه، فقد أقاموا السدود والصهاريج، وكانت أرضهم مهيأة لتزدهر فيها حياة نباتات وأشجار واسعة بفضل مياه الأمطار الموسمية وطرق الرى الصناعية. ونشأت بينهم وبين بلاد العراق والشام ومصر علاقات تجارية واسعة فقد كانت قوافلهم تجوب الصحراء العربية شرقا وشمالا منذ الألف الثانى ق. م تحمل توابل الهند ورقيق إفريقية وأفاويه اليمن وعروضها من اللّبان والطيب والبخور وتعود محمّلة بعروض البلاد التى تتجر فيها.
стр. 23
وكان المعروف عن هؤلاء العرب الجنوبيين قليلا، فهو لا يتجاوز إشارات وردت عنهم فى العهد القديم وفى بعض الآثار المصرية والبابلية والأشورية وفى كتابات المؤرخين والجغرافيين من اليونانيين والرومانيين، ثم ما كتبه العرب عنهم بعد الإسلام، وتختلط به الأساطير. وظل تاريخهم غير واضح إلى أواسط القرن الماضى، فقد جد علماء الغرب فى قراءة نقوشهم المنثورة على الأبراج والهياكل والنّصب والأحجار، وهى مكتوبة بخط يسمى الخط المسند، وهو خط سامى قديم، وقد عرف هؤلاء العلماء اللغة التى كتبت به ولهجاتها، فهى لغة سامية قريبة من الحبشية والعربية الشمالية، انبثقت فيها لهجتان أساسيتان هما المعينية والسبئية.
ومن هذه النقوش استطاع الباحثون أن يعرفوا الحضارة العربية الجنوبية بدياناتها وآلهتها وأنظمتها الحكومية ودولها وملوكها، واستقر بينهم أنه كانت هناك خمس ممالك هى مملكة معين وكانت حاضرتها معين فى الجوف اليمنى ثم مملكة سبأ فى جنوبيها وعاصمتها مأرب، ومملكة قتبان فى الجنوب الغربى لسبأ وعاصمتها تمنع، والمملكة الأوسانية جنوبى قتبان، ثم مملكة حضرموت وحاضرتها شبوة. ويظهر أنه كان للمعينيين دولة قوية منذ القرن العاشر ق. م وقد سيطروا على القتبانيين والحضرميين، أو بعبارة أدق سيطروا على طريق القوافل التجارية لا فى الجنوب فحسب، بل أيضا على طول الطريق إلى الشمال، فقد وجدت نقوش معينية فى شمالى الحجاز يدادان فى منطقة العلا الحالية وفى الحجر أو مدائن صالح، مما يدل على أنهم أنشأوا فى هذه الجهات مراكز لقوافلهم التجارية كى تحميها، وأغلب الظن أنه كان لهم بها حاميات نزلت بها بعض عشائرهم. ومع مرور الزمن غلبت عليهم طوابع العرب الشماليين.
فكانوا بذلك أول من حمل الحضارة الجنوبية إلى إخوانهم فى الشمال.
ولا نصل إلى القرن السابع ق. م. حتى يغلب السبئيون على المعينين ويمدوا سلطانهم بعد ذلك على الاتحاد الجنوبى كله، كما يمدونه على مراكز المعينيين فى الشمال، وقد تحولت إلى أيديهم أزمة القوافل التجارية، واتخذوا مأرب حاضرة لهم، وقصة سدّها وخرابه مشهورة، وكذلك قصة ملكتها بلقيس مع سليمان ﵇.
وحدث حوالى سنة ٢٧٠ ق. م أن أنشأ بطليموس الثانى أسطولا بحريّا فى البحر الأحمر يحمل إلى مصر عروض الهند وإفريقية الشرقية فأحدث ذلك اضطرابا فى
стр. 24
شئون السبئيين الاقتصادية، ونازعهم ملوك ريدان أصحاب ظفار وغلبوا عليهم وعلى الدول الجنوبية منذ سنة ١١٥ ق. م. وكانوا يتلقبون باسم ملوك سبأ وذى ريدان وحضرموت واليمنات، وهم الحميريون. ودولتهم آخر الدول العربية الجنوبية، ولا نصل إلى سنة ٢٤ ق. م حتى نجد إليوس جالوس والى الرومان على مصر يجهز حملة كبيرة لفتح بلاد الحميريين والاستيلاء على ما بأيديهم من مفاتيح تجارة التوابل والأفاويه، وفشلت حملته فشلا ذريعا. غير أن الرومان اتجهوا إلى الملاحة فى البحر الأحمر، ويقال إنهم استولوا على ميناء عدن واتخذوها قاعدة لتموين سفنهم، فشلّوا بذلك تجارة الحميريين وساءت أحوالهم الاقتصادية، فأهملوا شئونهم العمرانية، وأخذ الخراب يدبّ فى البلاد، وظهر لهم خصم ثان هو ملوك الحبشة الذين حاربوهم واستولوا على بلادهم فى منتصف القرن الرابع الميلادى وظلوا بها نحو عشرين عاما، عادت بعدها الدولة الحميرية، ولكنها لم تعد إلى سابق قوتها، فإن القبائل الشمالية أخذت تغير عليها كما أخذ كثير من عشائرها يهاجر إلى الشمال. وفى نقوشهم ما يدل على أن الأعراب نزلوا بديارهم منذ القرن الرابع الميلادى واستقروا فيها، وقد أخذت لغتهم تتغلب فى بعض الجهات على لغة البلاد الأصلية كما أن من هاجر من عرب الجنوب إلى الشمال غلبت عليه لغة الشماليين، مما أعد لانتصار العربية الشمالية على العربية الجنوبية فى أواخر العصر الجاهلى.
وفى هذه الأثناء تغلغلت اليهودية فى الجزيرة العربية منذ اضطهد أباطرة الرومان اليهود فى القرن الأول للميلاد، واندفعت بعثات دينية مسيحية إلى الجنوب، واعتنقت مدينة نجران فى القرن الخامس هذا الدين الجديد. وربما كان السبب فى هذه البعثات المنافسة الشديدة بين فارس وبيزنطة. وأفزع ملوك حمير تغلغل النصرانية فى ديارهم، خوفا من تحولها إلى البيزنطيين، فناهضوها وأيضا فإنهم كانوا يخافون من ملوك الحبشة المسيحيين أن يدخلوا عن طريقها بلادهم. ونشب هناك صراع حاد بين اليهودية والنصرانية، ولا نلبث أن نرى ذا نواس آخر الملوك الحميريين يعتنق اليهودية ويحاول القضاء على المسيحيين فى نجران. فأوعزت بيزنطة إلى النجاشى أن يغزو اليمن، فغزاها سنة ٥٢٥ واستولى عليها وضمها إلى بلاده. وظل هذا الاحتلال الحبشى نحو خمسين عاما، ثارت فيها اليمن ثورات عنيفة، وأخيرا استنجد
стр. 25
أهلها بالفرس أعداء بيزنطة، فردوا الأحباش وظلوا بها حتى سنة ٦٢٨ م إذ اعتنق باذان عاملهم الإسلام. وبذلك ينتهى التاريخ القديم للعرب الجنوبيين.
ولعل فى كل ما قدمنا ما يدل على أن عرب الجنوب لعبوا دورا واسعا فى تاريخ الحضارة العربية القديمة، وكانت حضارتهم عربية صافية لم تأتهم من الخارج، بل نمت وتطورت فى الداخل، إذ كان لهم قوانينهم وأنظمتهم ودساتيرهم، وكان لهم قدم راسخة فى عمارة القصور والهياكل وتشييد السدود. وكانوا يؤلهون السيارات الفلكية والنجوم، وأثرت ديانتهم الوثنية فى العرب الشماليين إذ يظنّ أنهم أخذوا عنهم-كما أخذوا عن الآراميين-عبادة الكواكب، وكانت تقوم على أساس ثالوث هو القمر واسمه عند المعينيين ودّ، وكان إلههم الأكبر، وتليه الشمس التى اعتبروها زوجه وهى اللات، ومهما ولد عثتر أو العزّى أى الزهرة أو قينوس.
وبجانب هذا الثالوث كان عندهم آلهة أخرى ترمز لبعض النجوم أو بعض الطير أو بعض مظاهر الطبيعة، وكانوا يقدمون لها القرابين ويبنون الهياكل ويقوم عليها كهنة ذوو نفوذ كبير. ويظهر أنه كان لهم أدب دينى كثير، إلا أن الإسلام قضى عليه كما قضى على الأدب الوثنى فى الشمال. وقد حملوا مع قوافلهم وهجراتهم دينهم وحضاراتهم إلى العرب الشماليين، فأثروا فيهم آثارا بعيدة. وظلوا حتى ظهور الإسلام يشكلون عنصرا مباينا لهم، على الأقل من حيث النّسب، فكانوا يدعون القحطانيين أو اليمنيين، بينما دعى عرب الشمال باسم العدنانيين أو النزاريين. ويلاحظ أن قبائلهم المهاجرة اختارت فى الأكثر جوار الأمم المتحضرة، فنزلت غسان وقضاعة ومن إليهما فى الشام ونزلت لخم فى العراق. ومنهم من نزل فى داخل الجزيرة وأظهر ميلا إلى التحضر والاستقرار كالأوس والخزرج فى المدينة وكندة فى الشمال. على أن من تم منهم اندماجه فى البدو تلاشت فيه هذه النزعة مثل طيئ فى جبلى أجأ وسلمى. ومن يتعقب القبائل القحطانية فى الإسلام يرى أنها كانت تحترم النظام المطلق، بينما كان يمقته النزاريون.
стр. 26
٤ - العرب الشماليون (١)
هم العرب العدنانيون الذين كانوا يسكنون فى الحجاز ونجد وتمتد عشائرهم وقبائلهم إلى باديتى الشام والعراق، وقد ظلوا يعيشون معيشة صحراوية بدوية تعتمد فى أكثر الأحيان على رعى الإبل والأغنام. ولم تهيئ لهم هذه الحياة الاستقرار فى سكنى دائمة، إلا حيث توجد بعض الواحات فى الحجاز. ويظهر أنهم أنشأوا فى بعض الأزمنة مملكة لهم بالجوف (دومة الجندل) فى أقصى الشمال بين العراق والشام، وقد خضعت لنفوذ الأشوريين إذ نرى ملوكهم يفخرون بالانتصار عليها كما نراهم يفخرون بالانتصار على الثموديين فى شمالى الحجاز حيث كانوا يقيمون فى العلا والحجر (مدائن صالح). وقد اتخذ نابونيد آخر ملوك دولة بابل الثانية أو الحديثة تيماء حاضرة له من سنة ٥٥٠ إلى سنة ٥٤٥ ق. م مما يدل على أنه كان بها حضارة زاهية.
وكل الدلائل تدل على أن العرب الشماليين لم يتجمعوا قبل الميلاد فى وحدة سياسية تجمع شملهم، فقد كانت طبيعة بلادهم تدفعهم إلى التشتت والتفرق والانقسام، ولم يهتدوا فى أثناء ذلك بهدى كهدى الإسلام يجمع كلمتهم ويؤلف بينهم، ويجعل منهم دولة واحدة، تلعب دورا واضحا فى التاريخ القديم. وقد كشفت نقوش آرامية فى تيماء الواقعة شمالى مدائن صالح تدل على أنه قامت فيها مستعمرة آرامية تجارية فى القرن الخامس ق. م. وكان للمعينيين مستعمرة فى ناحية «العلا» شمالى الحجاز، كشفت فيها نقوش معينية كثيرة، وكانت تسمى معين مصران، وكان سكانها من عرب الجنوب، وقد نقلوا إليها عباداتهم وهياكلهم المقدسة، وما زالوا ناشطين فى التجارة، حتى نشأت دولة النبط فى سلع «بطرا»، فكانت هى التى تنقل تجارة الجنوبيين إلى الشام ومصر، حتى إذا دالت دولتهم فى مستهل القرن الثانى الميلادى حملها اللّحيانيون الذين كانوا ينزلون فى دادان (العلا الحالية).
стр. 27
واللحيانيون عرب شماليون، كتبوا نقوشهم بالخط المعينى المسند مما يدل على أثر الجنوبيين فيهم، ولعلهم كانوا يختلطون بقوم منهم، وقد كتب الثموديون الذين كانوا يقيمون هم أيضا فى شمالى الحجاز وكانوا عربا مثلهم بهذا الخط الجنوبى، الذى انتشر إلى منازل العرب فى الصفا بحوران جنوبى دمشق، مما يؤكد علاقة وثيقة بين هذه الأجزاء وعرب الجنوب حين كانوا يسيطرون على طريق القوافل التجارية من القرن الثامن إلى القرن الثالث ق. م. وهو القرن الذى قامت فيه إمارة عربية فى شمالى الجزيرة هى إمارة النبط، فقد كان أهل هذه الإمارة يأخذون عن الجنوبيين تجارتهم ويحملونها بدورهم إلى الشام ومصر، واتخذوا «بطرا» حاضرة لهم، هكذا ورد اسمها عند اليونان ولعله ترجمة لاسمها الذى جاء فى التوراة وهو «سلع» وكانت الحجر (مدائن صالح) حاضرتهم فى الجنوب بينما كانت بصرى حاضرتهم فى الشمال. ويظهر أن قبائل من هؤلاء النبط كانت قد سبقت إلى الإغارة على بلاد الآراميين شمالا، فتحضرت بحضارتهم واستخدمت كتابتهم الآرامية فى نقوشها، بينما ظلت تتكلم العربية فى أحاديثها اليومية. وبذلك نلتقى عند هؤلاء النبط بنقوش عربية كتبت بالخط الآرامى على نحو ما التقينا عند اللحيانيين والثموديين بنقوش عربية كتبت بالخط المعينى المسند، غير أن الخط الآرامى هو الذى انتصر فقد تطورت نقوشه حتى انتهت إلى الخط العربى الذى أشاعه الإسلام.
والمظنون أن الأنباط لم ينزحوا من نجد إلى شمالى الحجاز، بل نزحوا من بادية الشام، واستطاعوا أن ينهضوا بحضارة راقية لا تزال تدل عليها آثارهم فى بطرا حاضرتهم الكبيرة. وقد ظلت دولتهم نحو أربعة قرون، من القرن الثالث ق. م.
إلى أوائل القرن الثانى الميلادى، وكانت العلاقة بينهم وبين البطالسة ثم بينهم وبين الرومان حسنة، إذ حالفاهم ولم يتعرضا لاستقلالهم حتى كانت الفتنة اليهودية على عهد طيطوس، فقضى الرومان على استقلالهم وضموا بلادهم إلى دولتهم الرومانية سنة ١٠٦ للميلاد.
وعاد العرب الشماليون إلى الظهور فى مملكة تدمر شمالى بادية الشام فى أثناء القرنين الثانى والثالث الميلاديين، وكانت السيادة فيها لهم، غير أن السكان كان
стр. 28
أكثرهم من الآراميين. ووقفت تدمر صامدة خلال المنافسة الشديدة بين روما والفرس لخطة حياد التزمتها، زادت فى قوتها ومنعتها، وأصبحت من أهم المراكز التجارية. وبلغ من علو شأنها أن استولى ملكها أذينة على سوريا كلها واعترف به الرومان إمبراطورا على المشرق، إلا أنهم عادوا فنكثوا عهودهم فى عهد زنوبيا (الزّباء) إذ حاربوها وقضوا عليها سنة ٢٧٣ م ودمروا تدمر فلم تقم لها بعد ذلك قائمة. وظلت سيرة هذه الملكة وأبيها أذينة فى ذاكرة العرب إلى ما بعد الإسلام، وإن شابتها الأسطورة وبعدت عن أساسها التاريخى الصحيح.
٥ - النقوش ونشأة الكتابة العربية (١)
لا يكاد يخلو حجر فى جنوبى الجزيرة العربية وقلبها وشماليها من نقش تذكارى نقشه كتاب محترفون أو غير محترفين من الرعاة ورجال القوافل، يذكرون فيه أسماء آلهتهم متضرعين إليها أن تحميهم، وقد يذكرون ما يقدمون إليها من قرابين، وقد يكتبونها على قبورهم مسجلين أسماءهم وأسماء عشائرهم وما قام به الميت من أعمال وقد يودعونها بعض قوانينهم وشائعهم.
ولا تخلو ديار أمة سامية من هذه النقوش التى أتاحت لعلماء الساميات اكتشاف تاريخ هذه الأمم من جهة وقيام دراسة اللعات السامية وخصائصها ومعرفة تطورها ومقارنها بغيرها من أخواتها من جهة ثانية. وبذلك وقفوا وقوفا دقيقا على حقائق هذه اللغات وحضارات أهلها وثقافاتهم ودياناتهم وكل ما اتصل بهم من رقى وتطور على مر العصور والأزمان.
стр. 29
وقد عرف الأكديون فى العراق بخطهم المسمارى أو الإسفينى، بينما عرف عرب الجنوب بخطهم المسند، ومنه نشأ الخط الحبشى وخطوط اللهجات العربية الشمالية القديمة وهى اللحيانية والثمودية والصفوية. واللحيانيون-كما قدمنا-قبيلة عربية شمالية، كانت تسكن فى منطقة العلا، ونراهم يستعملون «ها» أداة للتعريف بدلا من أل، وقد اختلف فى تاريخهم، فمن الباحثين من يرجعهم إلى القرون الأولى ق. م ومنهم من يتأخر بهم إلى ما بعد الميلاد، بل منهم من يتأخر بهم إلى القرن الخامس إذ ضعفوا وتلاشوا فى قبيلة هذيل. وعدّهم الهمدانى من بقايا جرهم، ولعله يشير بذلك إلى صلتهم باليمنيين ويظهر أنهم كانوا يدينون لهم بالولاء. أما الثموديون فيعود تاريخهم إلى ما قبل الميلاد بعدة قرون، وقد عاشوا إلى ما بعد الميلاد وكانت منازلهم كما مرّ بنا فى الحجر (مدائن صالح) وحولها. ويظهر أنهم أصيبوا بكارثة عظيمة، فثارت بهم بعض الزلازل أو بعض البراكين، وفى القرآن الكريم «فأخذتهم الرّجفة فأصبحوا فى دارهم جاثمين». وقد خلّفوا كثيرا من النقوش كتبوها بالخط المسند المعينى. وهم مثل اللحيانيين والصفويين كانوا يستخدمون «ها» أداة للتعريف بدلا من أل.
وأما الكتابات الصفوية فعثر عليها فى الحرّة الواقعة بين جبل الدروز وتلول أرض الصفا. وكلمة الصفويين لا تعنى شعبا معينا أو قبيلة معينة، إنما هى اصطلاح حديث للدلالة على تلك الكتابات التى عثر عليها فى تلك الجهات. وقد عرف من دراستها أنها كتبت بالخط المعينى وأنها لهجة عربية قديمة كالثمودية واللحيانية، وكثير من نقوشها يرجع إلى القرون الأولى للميلاد، ويظهر أن من كتبوها كانوا بين التبدى والتحضر، فمنهم البدو الرعاة ومنهم الفلاحون، ولهم قرى ومزارع، وربما كان لهم تجارات.
وهذه النقوش الصفوية والثمودية واللحيانية عربية كما قدمنا برغم أنها كتبت بالخط المعينى الجنوبى، فخصائصها اللغوية قريبة من خصائص العربية التى نزل بها القرآن الكريم، وإن اختلفت عنها فى أداة التعريف وفى بعض الصفات اللغوية، إلا أنها على كل حال تصور طورا من أطوار اللغة العربية الشمالية، وقد احتوت على كثير من أسماء الرجال وأسماء الآلهة والأصنام.
وبجانب هذه النقوش نجد نقوشا أخرى بالخط النبطى، وهى تنتشر فى بطرا
стр. 30
حاضرة ملكهم وما حولها وفى الحجر حاضرتهم الجنوبية وبصرى بحوران فى الشام عاصمتهم الشمالية وما يتصل بهذه الجهات فى شرقى الأردن وجبل الدروز، وقد مر بنا أنهم كانوا الصلة بين العرب الجنوبيين وحوض البحر الأبيض، وبلغ من قوتهم أن كان يخشاهم اليهود وبقية أمم الشام حتى أهل روما كانوا يخشونهم، فعملوا على القضاء على دولتهم حتى تم لهم ذلك كما قدمنا سنة ١٠٦ للميلاد. ولم ينته بذلك تاريخهم، فنقوشهم تستمر إلى القرن الثالث الميلادى، ويظهر أنهم تلاشوا بعد ذلك فى العرب. وكانوا يتكلمون فى أحاديثهم اليومية العربية، إلا أنهم اختلطوا بالآراميين عن طريق التجارة وأخذوا عنهم أبجديتهم أو خطهم وكتبوا به نقوشهم، ولذلك قد يعدهم بعض الباحثين من الآراميين، ولكن من المحقق أنهم كانوا عربا يتخاطبون بالعربية.
ولما سقطت دولتهم وانتشروا فى الحجاز ونجد أخذ شيوخ العرب وأمراؤهم يتخذون خطهم فى كتابة نقوشهم وهجروا الخط اللحيانى والثمودى والصفوى.
وسرعان ما تطور هذا الخط النبطى الآرامى إلى الخط العربى الذى كتب به القرآن الكريم والمؤلفات الإسلامية. وهناك روايات عند المؤرخين المسلمين تزعم أن الخط العربى منشؤه الحيرة وأنه نقل منها إلى مكة والحجاز. غير أن هذه الروايات لا تتفق ووثائق النقوش التى كشفت فى الحجاز ودرسها علماء اللغات السامية، فقد وجدوا نقوشا حجازية وغير حجازية تصور انتقال الخط الآرامى إلى خط نبطى، ثم انتقال هذا الخط إلى الخط العربى. والمعروف أن الحيرة قبيل الإسلام كانت نصرانية وكانت تزخر بالثقافة السريانية، كما كانت تكتب بالخط السريانى قلم المسيحيين فى هذه الأنحاء. ولا يعقل أن يكونوا هم الذين تطوروا بالخط النبطى واشتقوا منه الخط العربى، لأنه لم يشع فى ديارهم ولأنه كان خط الوثنيين فى شمالى الحجاز.
وقد يكون مرجع هذا الوهم فى روايات المؤرخين الإسلاميين أن الخط الكوفى نما وازدهر فى الكوفة، فظنوا أن هذه البيئة هى التى ابتكرت الخط العربى وأنه نما وتطور فى الحيرة.
والحق أنه إنما حدث له هذا النمو والتطور فى الحجاز نفسها، فقد كانت بها حياة تجارية مزدهرة، جعلتهم يأخذون الخط المعينى أولا، ويتطورون به إلى
стр. 31
خطوطهم اللحيانية والثمودية والصفوية. ثم لما ظهرت مملكة النبط واستخدمت الخط لآرامى وتطورت به، وتفرق أهلها بعد سقوطها فى داخل الجزيرة وعلى طول طريق القوافل التجارية نشروا قلمهم النبطى، فهجر عرب الحجاز القلم المعينى وأخذوا يحاولون النفوذ من الخط النبطى إلى خطهم العربى الجديد متطورين به ضروبا من التطور حتى أخذ شكله النهائى.
وليست المسألة مسألة فرض واحتمال، وإنما هى مسألة نقوش حملت إلى علماء الساميات الدليل القاطع الذى لا مطعن فيه على هذه الحقيقة، فقد عثروا على نقوش فى شمالى الحجاز وعلى طول طريق القوافل إلى دمشق تثبت تطور الخط النبطى تطورا سريعا إلى الخط العربى. وأهم هذه النقوش على الترتيب نقش عثر عليه ليتمان فى قرية أم الجمال غربى حوران، ويرجع تاريخه إلى سنة ٢٧٠ م وهو لفهر بن سلّى الذى كان مربيا لجذيمة ملك تنوخ، وخطه نبطى إلا أنه يمتاز بظهور روابط بين الحروف. ويليه نقش النمارة الذى اكتشفه دوسو وما كلر سنة ١٩٠١ على بعد ميل من النّمارة القائمة على أطلال معبد رومانى شرقى جبل الدروز، بالقرب من الأماكن التى عثر فيها على الكتابات الصفوية، وقد كتب شاهدا لقبر ملك من الملوك اللخميين يسمى امرأ القيس بن عمرو، وأرّخ بشهر كسلول من سنة ٢٢٣ بتقويم بصرى وهو يوافق شهر كانون الأول (ديسمبر) من سنة ٣٢٨ م وهذا نصه:
تى نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو أسر التج
وملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرّب مذحجو عكدى وجا
بزجى فى حبج نجران مدينة شمر وملك معدو ونزل بنيه
الشعوب ووكلهن فرسو لروم فلم يبلغ ملك مبلغه
عكدى. هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بكسلول بلسعد ذو ولده
ويلاحظ أن الكاتب بدأه فى السطر الأول بكلمة تى الإشارية التى للمؤنث لأنها داخلة على نفس ولعلها هنا بمعنى جسد، وقد استخدم ذو بمعنى الذى، وهى لغة معروفة بين بعض القبائل مثل طيئ، كما استخدم كلمة أسر بمعنى عصب وعقد، وهو من معانيها فى المعاجم العربية. وقد حذف الألف من كلمة «التاج»،
стр. 32
ولم يكونوا يثبتونها حينئذ. وليس فى هذا السطر كلمة غريبة سوى بر التى استخدمها الكاتب بمعنى ابن وهى آرامية. ونراه فى السطر الثانى يضيف واوا إلى نزرو ومذحجو وفقا لكتابة النبط التى تضيف إلى الأعلام الواو. أما عكدى فلعلها عكديا، حذفت منها الألف، وفى المعاجم العكد: القوة. ويريد بالأسدين قبيلتى أسد.
ونراه فى السطر الثالث يستخدم كلمة بزجى من فعل زجا بمعنى دفع أى باندفاع، ومعنى حبج فى المعاجم أشرف وكأنها استعملت فى النص مصدرا بمعنى مشارف أو حدود، وشمر من الملوك الحميريين. واستخدم كلمة نزل بنيه الشعوب بمعنى جعلهم على الشعوب. وفى السطر الرابع ووكلهن بإضافة نون التوكيد إلى الفعل بعد الضمير.
ومعنى العبارة ووكله الفرس والروم. وفى السطر الخامس بلسعد ذو ولده أى ليسعد الذى ولده.
وواضح أن النص يمثل طورا من أطوار اللغة العربية التى نزل بها القرآن الكريم فكلماته جميعا عربية ما عدا كلمة بر الآرامية، وقد استخدمت فيه أل أداة للتعريف. وإذا أردنا أن نكتبه ونقربه إلى لغتنا اليوم كتبناه على هذا النحو:
هذه نفس (قبر) امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلها الذى عقد التاج وملك قبيلتى أسد ونزارا وملوكهم وشتت مذحجا بالقوة وجاء
باندفاع (بانتصار) فى مشارف نجران مدينة شمر. وملك معدا وولى بنيه الشعوب، ووكّله الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه
فى القوة. هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ من كسلول، ليسعد الذى ولده
ولعل فى هذا النص ما يدل على أن اللغة العربية التى سيشرفها القرآن الكريم بنزوله فيها كانت قد أخذت تبسط سلطانها إلى شمالى بلاد العرب منذ أوائل القرن الرابع الميلادى. وتوجد الروابط بين الحروف فى هذا النص وتتخذ الحروف شكلا أكثر استدارة.
ولهذا النص أهمية تاريخية بعيدة، فهو يحدثنا عن ثانى ملوك الحيرة جدود المناذرة ويذكر أنه ملك قبيلتى أسد وقبيلة نزار وملوكهم، وشتت قبيلة مذحج، وانتصر على جموع نجران. ولعل هذه أول إغارة ثابتة تاريخيّا لعرب الشمال على عرب الجنوب ومدينتهم نجران. ويحدثنا النص أيضا أنه ملك معدّا وولى بنيه على الشعوب
стр. 33
والقبائل الكبيرة، وقد عقد المعاهدات مع الفرس والروم، ولم يبلغ ملك مبلغه فى القوة. وليس هذا كله ما يحدثنا به النص ولا كل دلالته، فوراء ذلك دلالة أعمق، إذ يقول هذا الملك ملك العرب كلهم، وتلك-ولا ريب-أول محاولة فى إيجاد وحدة سياسية للعرب الشماليين، بعد أن دمر الرومان دولتيهم فى بطرا وتدمر. على أن إمارة الحيرة لم تلبث أن خضعت للفرس، وقد خضع الغساسنة فى الشام للبيزنطيين وأخذت البعثات المسيحية تغزو الشمال فى غربيه وشرقيه. ولعل ذلك ما جعل العرب يلتفون حول مكة، وخاصة بعد أن فقدت اليمن استقلالها واحتلها الحبشة ثم الفرس. وقد نقلوا إليها من الجنوب والشمال أصنامهم، فكانت دار كعبتهم وعبادتهم الوثنية، وأخذت تقوم بما كانت تقوم به اليمن من نقل التجارة وعروضها بين المحيط الهندى وحوض البحر المتوسط.
ونمضى بعد نقش النمارة نحو مائة وثمانين عاما، فنلتقى فى زبد الواقعة جنوبى شرق حلب بنقش وجد على باب أحد المعابد هناك أرّخ سنة ٥١٢ م وفيه نرى خصائص الكتابة العربية الجاهلية تتكامل. ومن غير شك حدثت تطورات متعددة بينه وبين نقش النمارة، أعدّت لهذه الصيغة العربية الخالصة التى نجدها فيه أو بعبارة أدق فى خطّه. وعلى شاكلته نقش حرّان اللّجا الذى عثر عليه فى الشمال الغربى لجبل الدروز جنوبى دمشق وهو مؤرخ بسنة ٥٦٨ م.
ومعنى هذا كله أن الخط العربى نشأ وتطور شمالىّ الحجاز، وأنه لا يرجع فى نشأته وتطوره إلى بلاد العراق، فتلك الوثائق السابقة دليل لا يرقى إليه الشك فى أنه نشأ من الخط النبطى وتطور حتى أخذ صيغته النهائية فى أوائل القرن السادس الميلادى فى تلك البيئة الوثنية العربية الخالصة. وهو يختلف اختلافا تامّا عن الخط الكوفى ذى الزوايا الذى يرسم فى أشكال مستديرة. فالحجاز هو موطنه، وهو الذى نشره فى محيط العرب الشماليين على طول الدروب والطرق التى كانت تسلكها قوافل المكيين التجارية.
стр. 34
الفصل الثانى
العصر الجاهلى
١ - تحديد العصر
قد يتبادر إلى الأذهان أن العصر الجاهلى يشمل كل ما سبق الإسلام من حقب وأزمنة، فهو يدل على الأطوار التاريخية للجزيرة العربية فى عصورها القديمة قبل الميلاد وبعده. ولكن من يبحثون فى الأدب الجاهلى لا يتسعون فى الزمن به هذا الاتساع، إذ لا يتغلغلون به إلى ما وراء قرن ونصف من البعثة النبوية، بل يكتفون بهذه الحقبة الزمنية، وهى الحقبة التى تكاملت للغة العربية منذ أوائلها خصائصها، والتى جاءنا عنها الشعر الجاهلى. ولاحظ ذلك الجاحظ بوضوح إذ قال: «أما الشعر (العربى) فحديث الميلاد صغير السن، أول من نهج سبيله وسهّل الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة. . فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له-إلى أن جاء الله بالإسلام-خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتى عام» (١). وهى ملاحظة دقيقة، لأن ما قبل هذا التاريخ فى الشعر العربى مجهول، ونفس تاريخ العرب الشماليين يشوبه الغموض منذ قضى الرومان على دولتيهم فى بطرا وتدمر، إلا بعض أخبار فارسية وبيزنطية قليلة وبعض نقوش عثر عليها علماء الساميات، وتشير تلك النقوش والأخبار إلى إمارات الغساسنة فى الشام والمناذرة فى الحيرة ومملكة كندة فى شمالى نجد، غير أن معلوماتنا عن هذه الإمارات فيما وراء القرن السادس الميلادى محدودة، وهى إنما تتضح فى العصر الجاهلى الذى نتحدث عنه، إذ حمل إلينا العرب كثيرا من الأخبار عن تلك الإمارات وأمرائها الذين كانوا يستولون فيها على الحكم، كما حملوا إلينا كثيرا من
стр. 35
الأخبار عن مدن الحجاز وخاصة مكة بيت الكعبة المقدسة، وكذلك عن القبائل وما كان بينها من أيام وحروب.
من أجل هذا كله نقف بالعصر الجاهلى عند هذه الفترة المحدودة أى عند مائة وخمسين عاما قبل الإسلام، وما وراء ذلك يمكن تسميته بالجاهلية الأولى، وهو يخرج عن هذا العصر الذى ورثنا عنه الشعر الجاهلى واللغة الجاهلية، والذى تكامل فيه نشوء الخط العربى وتشكله تشكلا تامّا كما قدمنا فى غير هذا الموضع. فذلك العصر المتميز الواضح فى تاريخ العرب الشماليين هو العصر الجاهلى.
وينبغى أن نعرف أن كلمة الجاهلية التى أطلقت على هذا العصر ليست مشتقة من الجهل الذى هو ضد العلم ونقيضه (١)، إنما هى مشتقة من الجهل بمعنى السفه والغضب والنزق، فهى تقابل كلمة الإسلام التى تدل على الخضوع والطاعة لله جلّ وعز وما يطوى فيها من سلوك خلقى كريم. ودارت الكلمة فى الذكر الحكيم والحديث النبوى والشعر الجاهلى بهذا المعنى من الحميّة والطيش والغضب، ففى سورة البقرة:
﴿(قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ)﴾ وفى سورة الأعراف:
﴿(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ)﴾ وفى سورة الفرقان: ﴿(وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً)﴾.
وفى الحديث النبوى أن الرسول ﷺ قال لأبى ذرّ وقد عيّر رجلا بأمه:
«إنك امرؤ فيك جاهلية». وفى معلقة عمرو بن كلثوم التغلبى:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وواضح فى هذه النصوص جميعا أن الكلمة استخدمت من قديم للدلالة على السفه والطيش والحمق. وقد أخذت تطلق على العصر القريب من الإسلام أو بعبارة أدق على العصر السابق له مباشرة وكل ما كان فيه من وثنية وأخلاق قوامها الحمية والأخذ بالثأر واقتراف ما حرّمه الدين الحنيف من موبقات.
стр. 36
٢ - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)
ليس بين أيدينا وثائق توضح فى دقة نشأة هذه الإمارات، التى ظهرت على صفحة التاريخ إثر قضاء الرومان على تدمر، فتاريخها قبل العصر الجاهلى أو قبل أواخر القرن الخامس الميلادى يحيط به الغموض، ويظهر أن الرومان وخلفاءهم البيزنطيين اتخذوا من الغساسنة فى الشام إمارة تحجز بينهم وبين البدو وغاراتهم وتساعدهم فى حروبهم ضد الفرس ومن كان يؤيدهم من عرب المناذرة أو الحيرة فى العراق. وبالمثل اتخذ الساسانيون ملوك الفرس من دولة المناذرة درعا تحميهم من غارات البدو وجنودا تقف فى صفوفهم فى أثناء حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين والغساسنة. وبين الطرفين قامت إمارة كندة فى شمالى نجد، وكانت تدين بالولاء فيما يبدو لملوك اليمن الحميريين: ملوك سبأ وذى ريدان ويمنات.
والغساسنة (١) يعودون فى رأى نسّابى العرب إلى أصل يمنى، فهم من عرب الجنوب الذين نزحوا إلى الشمال مع قبائل أخرى كثيرة أهمها جذام وعاملة وكلب وقضاعة.
وقد أقاموا إمارتهم فى شرقى الأردن، ولم يتخذوا لها حاضرة بعينها فتارة تكون حاضرتهم الجولان أو الجابية، وتارة تكون جلولاء أو جلّق بالقرب من دمشق. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أنهم ظلوا بدوا يرحلون بخيامهم وإبلهم وأنعامهم من مكان إلى مكان فى تلك الأنحاء. ويقال إنهم أول نزولهم بالشام اصطدموا بعرب يسمون الضجاعمة، تغلبوا عليهم، وأصبحوا سادة تلك المنطقة التى حلوا فيها، وقرّبهم الرومان منهم والبيزنطيون ومنحوهم ألقابا رسمية من ألقابهم.
ويزعم مؤرخو العرب أن مؤسس سلالتهم جفنة بن عمرو مزيقياء، ولذلك
стр. 37
يسمون آل جفنة، وأول ملك من ملوكهم يمكن الاطمئنان إلى أخباره من الوجهة التاريخية هو جبلة الذى غزا فلسطين سنة ٤٩٧ للميلاد، وخلفه ابنه الحارث (٥٢٨ - ٥٦٩) ويسمى أحيانا الحارث بن أبى شمر، وقد لعب دورا مهمّا فى حروب الإمبراطور جستنيان ضد الفرس وعرب العراق، فأنعم عليه بالإكليل، واعترف بسيادته المطلقة على جميع العرب فى الشام ومنحه لقب فيلارك ومعناه شيخ القبائل، ولقب البطريق، وهو أعظم الألقاب فى الدولة البيزنطية بعد لقب الملك. وقد اشتبك مع المنذر بن ماء السماء أمير الحيرة فى حروب طاحنة، وقع فى أثنائها أحد أبنائه فى قبضته سنة ٥٤٤ فقدمه المنذر ضحية للعزّى. وثأر الحارث لنفسه فى يوم حليمة بالقرب من قنسرين سنة ٥٥٤ إذ أوقع بالمنذر موقعة فاصلة قتل فيها، وفى أمثال العرب: «ما يوم حليمة بسرّ».
وتعد أيام الحارث بن جبلة أزهى أيام مرت بالغساسنة، إذ امتد سلطانهم من بطرا إلى الرصافة شمالى تدمر. وكانوا قد دخلوا فى المسيحية منذ القرن الرابع الميلادى، وزار الحارث القسطنطينية، فاستقبل استقبالا حافلا، واستطاع أن يقنع أولى الأمر هناك بتعيين يعقوب البرادعى أسقفا على الكنيسة المونوفيستية السورية فنشر عقيدته فى سوريا وبين الغساسنة. وخلفه ابنه المنذر (٥٦٩ - ٥٨١) فسار سيرته فى تأييد العقيدة المونوفيستية التى لم تكن تتفق مع عقيدة البيزنطيين الرسمية، كما سار سيرته فى حروبه مع المناذرة، فاشتبك مع قابوس ملك الحيرة منذ سنة ٥٧٠ فى سلسلة معارك أهمها معركة عين أباغ وفيها انتصر عليه انتصارا حاسما تغنى به الشعراء طويلا. وتدل الدلائل على أن خلافا نشب بينه وبين البيزنطيين، لعل مرجعه إلى تأييده للعقيدة المونوفيستية، وربما خافوا منه أن يثور عليهم كما ثارت الزباء على الرومان من قبل، فحرموه من الإعانات التى كانوا يقدمونها إليه وإلى أبيه، وقلبوا له ظهر المجنّ، ولكنهم عادوا إلى مصالحته، حتى إذا حانت لهم فرصة منه قبضوا عليه ونفوه إلى صقلية، وثار أبناؤه بقيادة النعمان عليهم، غير أنه لقى نفس المصير حوالى سنة ٥٨٤.
ومنذ هذا التاريخ تمزقت وحدة الغساسنة، إذ تجزأت إماراتهم أجزاء، على كل جزء أمير كبير أو صغير، ويلمع اسم الحارث الأصغر، ويظهر أن جيوشه كانت
стр. 38
تشتبك مع القبائل النجدية فى حروب دامية، وقد أسر فى إحداها شأسا أخا علقمة بن عبدة الشاعر التميمى المشهور، فرحل إليه يمدحه (١) رجاء أن يفك أخاه من أسره، ونراه يذكر فى مديحه معاركه وما كان ينزله بأعدائه من خسائر، يقول:
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب (٢)
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمرّ كالقناة نجيب (٣)
وإلا كمىّ ذو حفاظ كأنّه ... بما ابتلّ من حدّ الظّبات خضيب (٤)
وأنت أزلت الخنزوانة عنهم ... بضرب له فوق الشئون دبيب (٥)
وأنت الذى آثاره فى عدوّه ... من البؤس والنّعمى لهن ندوب (٦)
وكان لابنيه النعمان وعمرو جيوش قوية، تجوب نجدا والصحراء الشمالية وتدين لها القبائل بالطاعة، ويظهر أن جيوش عمرو اشتبكت فى حروب مع بنى أسد وبنى فزارة، ووقع كثير من أسرى القبيلتين فى يد عمرو، فقصده النابغة الذبيانى يمدحه متوسلا إليه فى فكاكهم، فأكرمه، كما أكرمه أخوه النعمان، ودبّج فيهما مدائح كثيرة، لعل أروعها قصيدته البائية التى يقول فيها (٧):
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
стр. 39
وعمرو هو ممدوح حسان بن ثابت، فقد كان ينزل به وبغيره من أمراء الغساسنة، وله فيه مطولة مشهورة يقول فى تضاعيفها (١)؛
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأول
وعلى نحو ما كان ينزل به كان ينزل بجبلة بن الأيهم الذى لحق الفتوح الإسلامية، وحارب فى صفوف الروم، ثم أسلم وعاد فتنصر فى عهد عمر بن الخطاب، ورحل إلى بيزنطة. ويقال إنه حين أسلم دخل المدينة فى موكب حافل من حاشيته وكان يضع على رأسه تاج أجداده تزينه لؤلؤلتان كانتا فيما مضى قرطين لأم الحارث بن جبلة.
وفى أخبار الغساسنة المتأخرين ما يدل على أنهم كانوا يصيبون حظوظا من الترف والنعيم، فقد وصف حسان بن ثابت مجلسا من مجالس جبلة بن الأيهم، فقال:
«لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة. . . وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها، وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك فى صحاف الفضة والذهب، وأتى بالمسك الصحيح فى صحاف الفضة، وأوقد له العود المندى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا بطّن بالثلج وأتى هو وأصحابه بكساء صيفية، يتفضل هو وأصحابه بها فى الصيف، وفى الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه. ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا خلع علىّ ثيابه التى عليه فى ذلك اليوم (٢)».
ويقابل الغساسنة فى الشام المناذرة (٣) فى العراق، وهم من لخم، ويعود بها النسابون إلى أصل يمنى، هى وبعض قبائل عربية نزلت هناك مثل تنوخ. وقد
стр. 40
احتذى الفرس الساسانيون معهم سياسة الرومان والبيزنطيين أعدائهم التقليديين مع عرب الشام. وربما كان جذيمة الأبرش أهم ملك أسطورى ظهر فى هذه الأنحاء قبل اللخميين، ويقال إنه كان يعاصر الزباء، وخلفه ابن أخته عمرو بن عدى اللخمى وهو رأس المناذرة. وتاريخهم أكثر وضوحا من تاريخ الغساسنة، وربما كان ذلك يرجع إلى أن ملوك الفرس دونوا تاريخهم، فأخذه عنهم العرب، على أن ابن الكلبى يزعم أنه استخرج تاريخهم من بيع الحيرة وأديرتها.
وكان هؤلاء العرب العراقيون ينزلون فى الخيام أولا، ثم تحولوا إلى قرية فى الجنوب الشرقى من النجف الحالية، كانت تقع فى منطقة خصبة يرويها نهر الفرات، وهى الحيرة (تحريف لكلمة حرتا فى السريانية ومعناها المخيم أو المعسكر) وسرعان ما نصب عليها الساسانيون المناذرة ليحموهم من غارات البدو وليساعدوهم فى حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين وأحلافهم من الغساسنة عرب الشام. ويقال إن سابور (٢٤١ - ٢٧٢) هو الذى نصب عمرو بن عدى، وتتابع من بعده خلفاؤه من بيته، وربما كان ابنه امرؤ القيس الذى عثر على نقشه فى النمارة كما أسلفنا يدين بالولاء للفرس والروم جميعا. أما من خلفوه فكانوا يدينون بهذا الولاء للفرس وحدهم. ومن أهمهم النعمان الأعور أو السائح، وكان له جيش قوى يتألف من كتيبتين هما الشهباء والدوسر، واشتهر ببنائه قصرى الخورنق والسّدير، ونرى الملك الساسانى الذى كان يعاصره وهو يزدجرد الأول (٣٩٩ - ٤٢٠) يرسل أكثر أبنائه إليه، لينشأ فى قومه، وليتعلم الفروسية والصيد، وهو بهرام جور.
ولما توفى يزدجرد أراد الفرس إقصاءه عن العرش فتدخل النعمان، وأيده بجيش مكنه من استرداد عرشه، فأعلى ذلك من شأن المناذرة والحيرة. وهيأ لها موقعها فى طرق القوافل أن كانت مركزا مهمّا للتجارة، فعاش المناذرة معيشة يسودها غير قليل من الترف، بسبب التجارة التى كانوا يشاركون فيها وبسبب ما كان عندهم من حياة زراعية. ومن غير شك يسبق المناذرة الغساسنة فى الرخاء، ولعل ذلك ما جعل حياتهم أكثر استقرارا بالقياس إلى غساسنة الشام، كما جعلهم أكثر حضارة ورقيّا.
وأرهى عصورهم عصر المنذر بن ماء السماء (حوالى ٥١٤ - ٥٥٤ م) وقد