٢ - الإمارات العربية فى الشمال (الغساسنة-المناذرة-كندة)
ليس بين أيدينا وثائق توضح فى دقة نشأة هذه الإمارات، التى ظهرت على صفحة التاريخ إثر قضاء الرومان على تدمر، فتاريخها قبل العصر الجاهلى أو قبل أواخر القرن الخامس الميلادى يحيط به الغموض، ويظهر أن الرومان وخلفاءهم البيزنطيين اتخذوا من الغساسنة فى الشام إمارة تحجز بينهم وبين البدو وغاراتهم وتساعدهم فى حروبهم ضد الفرس ومن كان يؤيدهم من عرب المناذرة أو الحيرة فى العراق. وبالمثل اتخذ الساسانيون ملوك الفرس من دولة المناذرة درعا تحميهم من غارات البدو وجنودا تقف فى صفوفهم فى أثناء حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين والغساسنة. وبين الطرفين قامت إمارة كندة فى شمالى نجد، وكانت تدين بالولاء فيما يبدو لملوك اليمن الحميريين: ملوك سبأ وذى ريدان ويمنات.
والغساسنة (١) يعودون فى رأى نسّابى العرب إلى أصل يمنى، فهم من عرب الجنوب الذين نزحوا إلى الشمال مع قبائل أخرى كثيرة أهمها جذام وعاملة وكلب وقضاعة.
وقد أقاموا إمارتهم فى شرقى الأردن، ولم يتخذوا لها حاضرة بعينها فتارة تكون حاضرتهم الجولان أو الجابية، وتارة تكون جلولاء أو جلّق بالقرب من دمشق. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أنهم ظلوا بدوا يرحلون بخيامهم وإبلهم وأنعامهم من مكان إلى مكان فى تلك الأنحاء. ويقال إنهم أول نزولهم بالشام اصطدموا بعرب يسمون الضجاعمة، تغلبوا عليهم، وأصبحوا سادة تلك المنطقة التى حلوا فيها، وقرّبهم الرومان منهم والبيزنطيون ومنحوهم ألقابا رسمية من ألقابهم.
ويزعم مؤرخو العرب أن مؤسس سلالتهم جفنة بن عمرو مزيقياء، ولذلك
стр. 37
يسمون آل جفنة، وأول ملك من ملوكهم يمكن الاطمئنان إلى أخباره من الوجهة التاريخية هو جبلة الذى غزا فلسطين سنة ٤٩٧ للميلاد، وخلفه ابنه الحارث (٥٢٨ - ٥٦٩) ويسمى أحيانا الحارث بن أبى شمر، وقد لعب دورا مهمّا فى حروب الإمبراطور جستنيان ضد الفرس وعرب العراق، فأنعم عليه بالإكليل، واعترف بسيادته المطلقة على جميع العرب فى الشام ومنحه لقب فيلارك ومعناه شيخ القبائل، ولقب البطريق، وهو أعظم الألقاب فى الدولة البيزنطية بعد لقب الملك. وقد اشتبك مع المنذر بن ماء السماء أمير الحيرة فى حروب طاحنة، وقع فى أثنائها أحد أبنائه فى قبضته سنة ٥٤٤ فقدمه المنذر ضحية للعزّى. وثأر الحارث لنفسه فى يوم حليمة بالقرب من قنسرين سنة ٥٥٤ إذ أوقع بالمنذر موقعة فاصلة قتل فيها، وفى أمثال العرب: «ما يوم حليمة بسرّ».
وتعد أيام الحارث بن جبلة أزهى أيام مرت بالغساسنة، إذ امتد سلطانهم من بطرا إلى الرصافة شمالى تدمر. وكانوا قد دخلوا فى المسيحية منذ القرن الرابع الميلادى، وزار الحارث القسطنطينية، فاستقبل استقبالا حافلا، واستطاع أن يقنع أولى الأمر هناك بتعيين يعقوب البرادعى أسقفا على الكنيسة المونوفيستية السورية فنشر عقيدته فى سوريا وبين الغساسنة. وخلفه ابنه المنذر (٥٦٩ - ٥٨١) فسار سيرته فى تأييد العقيدة المونوفيستية التى لم تكن تتفق مع عقيدة البيزنطيين الرسمية، كما سار سيرته فى حروبه مع المناذرة، فاشتبك مع قابوس ملك الحيرة منذ سنة ٥٧٠ فى سلسلة معارك أهمها معركة عين أباغ وفيها انتصر عليه انتصارا حاسما تغنى به الشعراء طويلا. وتدل الدلائل على أن خلافا نشب بينه وبين البيزنطيين، لعل مرجعه إلى تأييده للعقيدة المونوفيستية، وربما خافوا منه أن يثور عليهم كما ثارت الزباء على الرومان من قبل، فحرموه من الإعانات التى كانوا يقدمونها إليه وإلى أبيه، وقلبوا له ظهر المجنّ، ولكنهم عادوا إلى مصالحته، حتى إذا حانت لهم فرصة منه قبضوا عليه ونفوه إلى صقلية، وثار أبناؤه بقيادة النعمان عليهم، غير أنه لقى نفس المصير حوالى سنة ٥٨٤.
ومنذ هذا التاريخ تمزقت وحدة الغساسنة، إذ تجزأت إماراتهم أجزاء، على كل جزء أمير كبير أو صغير، ويلمع اسم الحارث الأصغر، ويظهر أن جيوشه كانت
стр. 38
تشتبك مع القبائل النجدية فى حروب دامية، وقد أسر فى إحداها شأسا أخا علقمة بن عبدة الشاعر التميمى المشهور، فرحل إليه يمدحه (١) رجاء أن يفك أخاه من أسره، ونراه يذكر فى مديحه معاركه وما كان ينزله بأعدائه من خسائر، يقول:
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب (٢)
فلم تنج إلا شطبة بلجامها ... وإلا طمرّ كالقناة نجيب (٣)
وإلا كمىّ ذو حفاظ كأنّه ... بما ابتلّ من حدّ الظّبات خضيب (٤)
وأنت أزلت الخنزوانة عنهم ... بضرب له فوق الشئون دبيب (٥)
وأنت الذى آثاره فى عدوّه ... من البؤس والنّعمى لهن ندوب (٦)
وكان لابنيه النعمان وعمرو جيوش قوية، تجوب نجدا والصحراء الشمالية وتدين لها القبائل بالطاعة، ويظهر أن جيوش عمرو اشتبكت فى حروب مع بنى أسد وبنى فزارة، ووقع كثير من أسرى القبيلتين فى يد عمرو، فقصده النابغة الذبيانى يمدحه متوسلا إليه فى فكاكهم، فأكرمه، كما أكرمه أخوه النعمان، ودبّج فيهما مدائح كثيرة، لعل أروعها قصيدته البائية التى يقول فيها (٧):
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
стр. 39
وعمرو هو ممدوح حسان بن ثابت، فقد كان ينزل به وبغيره من أمراء الغساسنة، وله فيه مطولة مشهورة يقول فى تضاعيفها (١)؛
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأول
وعلى نحو ما كان ينزل به كان ينزل بجبلة بن الأيهم الذى لحق الفتوح الإسلامية، وحارب فى صفوف الروم، ثم أسلم وعاد فتنصر فى عهد عمر بن الخطاب، ورحل إلى بيزنطة. ويقال إنه حين أسلم دخل المدينة فى موكب حافل من حاشيته وكان يضع على رأسه تاج أجداده تزينه لؤلؤلتان كانتا فيما مضى قرطين لأم الحارث بن جبلة.
وفى أخبار الغساسنة المتأخرين ما يدل على أنهم كانوا يصيبون حظوظا من الترف والنعيم، فقد وصف حسان بن ثابت مجلسا من مجالس جبلة بن الأيهم، فقال:
«لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة. . . وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها، وكان إذا جلس للشراب فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك فى صحاف الفضة والذهب، وأتى بالمسك الصحيح فى صحاف الفضة، وأوقد له العود المندى إن كان شاتيا، وإن كان صائفا بطّن بالثلج وأتى هو وأصحابه بكساء صيفية، يتفضل هو وأصحابه بها فى الصيف، وفى الشتاء الفراء الفنك وما أشبهه. ولا والله ما جلست معه يوما قط إلا خلع علىّ ثيابه التى عليه فى ذلك اليوم (٢)».
ويقابل الغساسنة فى الشام المناذرة (٣) فى العراق، وهم من لخم، ويعود بها النسابون إلى أصل يمنى، هى وبعض قبائل عربية نزلت هناك مثل تنوخ. وقد
стр. 40
احتذى الفرس الساسانيون معهم سياسة الرومان والبيزنطيين أعدائهم التقليديين مع عرب الشام. وربما كان جذيمة الأبرش أهم ملك أسطورى ظهر فى هذه الأنحاء قبل اللخميين، ويقال إنه كان يعاصر الزباء، وخلفه ابن أخته عمرو بن عدى اللخمى وهو رأس المناذرة. وتاريخهم أكثر وضوحا من تاريخ الغساسنة، وربما كان ذلك يرجع إلى أن ملوك الفرس دونوا تاريخهم، فأخذه عنهم العرب، على أن ابن الكلبى يزعم أنه استخرج تاريخهم من بيع الحيرة وأديرتها.
وكان هؤلاء العرب العراقيون ينزلون فى الخيام أولا، ثم تحولوا إلى قرية فى الجنوب الشرقى من النجف الحالية، كانت تقع فى منطقة خصبة يرويها نهر الفرات، وهى الحيرة (تحريف لكلمة حرتا فى السريانية ومعناها المخيم أو المعسكر) وسرعان ما نصب عليها الساسانيون المناذرة ليحموهم من غارات البدو وليساعدوهم فى حروبهم ضد الرومان والبيزنطيين وأحلافهم من الغساسنة عرب الشام. ويقال إن سابور (٢٤١ - ٢٧٢) هو الذى نصب عمرو بن عدى، وتتابع من بعده خلفاؤه من بيته، وربما كان ابنه امرؤ القيس الذى عثر على نقشه فى النمارة كما أسلفنا يدين بالولاء للفرس والروم جميعا. أما من خلفوه فكانوا يدينون بهذا الولاء للفرس وحدهم. ومن أهمهم النعمان الأعور أو السائح، وكان له جيش قوى يتألف من كتيبتين هما الشهباء والدوسر، واشتهر ببنائه قصرى الخورنق والسّدير، ونرى الملك الساسانى الذى كان يعاصره وهو يزدجرد الأول (٣٩٩ - ٤٢٠) يرسل أكثر أبنائه إليه، لينشأ فى قومه، وليتعلم الفروسية والصيد، وهو بهرام جور.
ولما توفى يزدجرد أراد الفرس إقصاءه عن العرش فتدخل النعمان، وأيده بجيش مكنه من استرداد عرشه، فأعلى ذلك من شأن المناذرة والحيرة. وهيأ لها موقعها فى طرق القوافل أن كانت مركزا مهمّا للتجارة، فعاش المناذرة معيشة يسودها غير قليل من الترف، بسبب التجارة التى كانوا يشاركون فيها وبسبب ما كان عندهم من حياة زراعية. ومن غير شك يسبق المناذرة الغساسنة فى الرخاء، ولعل ذلك ما جعل حياتهم أكثر استقرارا بالقياس إلى غساسنة الشام، كما جعلهم أكثر حضارة ورقيّا.
وأرهى عصورهم عصر المنذر بن ماء السماء (حوالى ٥١٤ - ٥٥٤ م) وقد
стр. 41
ساءت العلاقات بينه وبين قباذ ملك الفرس فى أوائل حكمه، ولعل ذلك يرجع إلى أن قباذا اعتنق المزدكية واتخذها دينا رسميا للدولة وحاول أن يفرضها على المناذرة فأبى المنذر، فعزله وولى مكانه الحارث بن عمرو أمير كندة، ولكن الأمور سرعان ما تطورت فتوفّى قباذ وخلفه كسرى أنو شروان وكان يكره المزدكية والمزدكيين، فأعاد المنذر إلى حكم الحيرة، ونشبت بينه وبين الحارث الكندى وأبنائه سلسلة حروب قضت عليهم جميعا. وربما كان من أسباب القضاء عليهم استيلاء الحبش على اليمن وانحلال ملك الحميريين هناك منذ سنة ٥٢٥. ومهما يكن فقد تحولت قبائل نجد وشرقى الجزيرة إلى الحيرة، فدان معظمها للمنذر بالولاء، ويظهر أنه مدّ سلطانه إلى عمان كما تحدثنا بذلك الأخبار. وقاد منذ عاد إلى عاصمته سنة ٥٢٩ حروبا طاحنة ضد الغساسنة والبيزنطيين كتب له النصر فى كثير منها، ونستطيع أن نقف على مدى انتصاراته فى هذه الحروب من معاهدة عقدت بين البيزنطيين والفرس سنة ٥٣٢ أدّوا له فيها ما أدوه للفرس من أموال. واشتهر بين العرب بأن كان له يومان: يوم نعيم ويوم بؤس، فكان أول من يطلع عليه فى اليوم الأول يعطيه مائة من الإبل، وأول من يطلع عليه فى اليوم الثانى يقتله، وممن قتله فى هذا اليوم المشئوم عبيد بن الأبرص، ويقولون إنه راجع نفسه، فأقلع عن هذه العادة السيئة. ويقال أيضا إنه قتل-وهو ثمل-نديمين له، فلما صحا من سكره وعرف ما قدمت يداه ندم وأمر ببناء صومعتين عليهما، وهما الغريّان اللذان يذكران فى أشعار العرب. وقد يكون هذا كله من باب الأسطورة، وربما كان الغريان نصبين من الأنصاب التى كان العرب الوثنيون يهرقون دماء الأضحيات والذبائح عندها. وما زال المنذر يشن الحرب على الغساسنة حتى قتل فى يوم حليمة كما أسلفنا
وخلفه ابنه عمرو بن هند (٥٥٤ - ٥٦٩ م) وينسب إلى أمه دير فى الحيرة، وربما كانت نصرانية، أما هو فكان وثنيّا على دين آبائه، وكان طاغية مستبدا، وفيه يقول أحد الشعراء (١):
أبى القلب أن يهوى الدّير وأهله ... وإن قيل عيش بالدّير غرير
стр. 42
به البقّ والحمّى وأسد خفيّة ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور
ولقّبه العرب بالمحرّق لأنه نذر أن يقتل مائة رجل من تميم حرقا وبرّ بنذره فى يوم أوارة باليمامة. واشتبك مع تغلب وطيئ فى بعض معاركه، ويظهر أن سلطانه امتد على قبائل كثيرة فى شرقى نجد وشماليها وغربيها، وكان بحكم استبداده يتعرض له كثير من الشعراء بالهجاء، وقصته مع طرفة والمتلمس مشهورة. وينسب إليه شعر كان ينظمه، وقد أصبحت الحيرة فى عهده مركزا أدبيّا مزدهرا، إذ كان يجزل العطاء للشعراء، فوفد عليه كثيرون منهم عمرو بن قميئة والمسيّب بن علس والحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم التغلبى الذى يقال عنه إن ابن هند لقى مصرعه على يده ثأرا لكرامة أمه ليلى حين أهينت فى بيته.
وولى أمر الحيرة بعد عمرو قابوس ثم المنذر الرابع، ولم تطل مدتهما، وبذلك نصل إلى النعمان الثالث ابن المنذر الرابع المكنى بأبى قابوس (٥٨٠ - ٦٠٢) وقد نشأ فى حجر أسرة مسيحية هى أسرة عدى بن زيد العبادى، ولعل ذلك سبب تنصره فهو أول من تنصّر من ملوك الحيرة الوثنيين. وكان سلطانه يمتد إلى البحرين وعمان، وكانت له قوافل تجارية أو لطائم تجوب الجزيرة. وسار سيرة عمرو بن هند فى رعايته للشعراء، فوفد على بابه منهم كثيرون مثل أوس بن حجر والمنخل اليشكرى ولبيد والمثقّب العبدى وحجر بن خالد الذى يقول فيه (١):
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كمثل أبى قابوس حزما ونائلا
وهو ممدوح النابغة الذبيانى، وله فيه غير قصيدة، وحدثت جفوة بينهما، بسبب وفود النابغة على الغساسنة، وأرسل له بمجموعة طريفة من قصائده يعتذر إليه وهى من أجود ما خلّف الجاهليون، وفى إحداها يقول:
نبّئت أن أبا قابوس أوعدنى ... ولا قرار على زأر من الأسد
وكان الشعراء يتعرضون له بالهجاء أحيانا وينالون منه، على نحو ما نرى عند يزيد بن الحذّاق الشنّى من بنى عبد القيس (٢) وعبد قيس بن خفاف البرجمىّ
стр. 43
التميمى (١). ويظهر أن النعمان لم يكن سهل القياد، ويقال إنه قتل عدى بن زيد فضاق به كسرى الثانى ملك الفرس واستدرجه إلى حاضرته بالمدائن، وألقاه فى غيابة السجن، ثم قتله، ويقال إنه رمى به تحت أرجل الفيلة فمزقته إربا. ولم يول الفرس بعده أحدا من هذا البيت فقد نصبوا على الحيرة إياس بن قبيصة الطائى، وثارت قبيلة بكر حمية للنعمان على إياس والفرس وهزمتهما شر هزيمة فى يوم ذى قار. وبقيت الأمور مضطربة حتى استولى على الحيرة خالد بن الوليد سنة ٦٣٣ م.
واحتلت الحيرة وأمراؤها حيزا كبيرا فى أقاصيص العرب وأخبارهم وأشعارهم فطالما تحدثوا عن الغريّين وقصرى الخورنق والسّدير، وطالما قصوا عن أمرائهم الحقيقيين والأسطوريين مثل جذيمة الأبرش. ويظهر أن المناذرة عرفوا من تقاليد الملك أكثر مما عرف الغساسنة، وكانوا أوسع منهم سلطانا إذ دانت لهم بالطاعة اليمامة والبحرين وعمان وقبائل العراق وعلى رأسها بكر وتغلب وكذلك كثير من قبائل نجد وخاصة بعد انحلال مملكة كندة. وعلى نحو ما أكثر الشعراء فى مديح النعمان بن المنذر وأسلافه أكثروا من استعطافهم حتى لا تغزوهم جيوشهم (٢) وقد يشكون من ثقل الضرائب ومما كانوا يدفعون ويؤدون من الإتاوات فى أسواق العراق وفى غير أسواق العراق (٣).
وكل الدلائل تدل على أن الحياة كانت مزدهرة فى الحيرة قبيل الإسلام، وكان أكثر سكانها من القبائل العربية، وكان يجاورهم العباديون من النصارى، ويظهر أنهم كانوا أخلاطا من العرب وغير العرب، كما كان يجاورهم الأحلاف من بعض العرب من النبط، سكان العراق من بقايا الأكديين والآراميين، وكانوا يحترفون الزراعة. وكانت هناك جالية فارسية، تمتهن بعض المهن والحرف، ويظن أنه كان هناك بعض اليهود. وكانت الحيرة كما قدمنا سوقا تجاريا كبيرا، وكل ذلك أعد لأن تتحضر، وأن تتأثر بالثقافة الهيلينية الفارسية التى كانت تعم فى تلك الأنحاء.
стр. 44
وبين إمارة الحيرة وإمارة الغساسنة قامت إمارة ثالثة فى شمالى نجد كان أمراؤها يدينون-فيما يظهر-بالولاء لليمن، وهى إمارة كندة (١)، ويرجع النسابون بها-كما رجعوا بالغساسنة والمناذرة-إلى عرب الجنوب، وقد ظلت شعبة كبيرة منها تقيم فى مواطنها الأصلية بحضرموت إلى أن جاء الإسلام. وعثر على نقوش تؤكد قيام هذه الإمارة الكندية فى القرن الرابع الميلادى.
وأشهر ملوكها فى القرن الخامس حجر الملقب بآكل المرار، وقد استطاع أن يفرض سيادته على القبائل الشمالية فى نجد وأن يمد نفوذه إلى اليمامة وتخوم إمارة المناذرة، ويقال إن بكرا وتغلب دانتا له بالطاعة. وخلفه ابنه عمرو المقصور، وقد يكون فى هذا اللقب ما يدل على أن سلطانه كان محدودا، وفى عهده نقضت بكر وتغلب ولاءهما له، ولم تلبث الحرب أن استعرت بين القبيلتين أربعين عاما، وهى حرب البسوس المشهورة.
وأعقبه ابنه الحارث، وفى عهده بلغت كندة ذروة مجدها، فقد خضعت له قبائل نجد، ولجأت إليه بكر وتغلب فأصلح بينهما، وأقام على بكر ابنه شرحبيل وعلى تغلب ابنه معديكرب كما أقام على أسد ابنه حجرا وعلى قيس عيلان ابنه سلمة، وعقد محالفة بينه وبين إمبراطور بيزنطة، ووجه همه إلى الإغارة على المناذرة وزوج أخته المنذر بن ماء السماء، وانتصر فى غير موقعة. ولم يلبث قباذ ملك الفرس أن خلع المنذر وعينه واليا على الحيرة كما مر بنا فى غير هذا الموضع، غير أن قباذ لم يلبث أن توفى، فعاد ابن ماء السماء إلى الحيرة، ويقال إنه أوقع بالحارث هزيمة نكراء، قتل فيها وقتل معه أكثر من أربعين أميرا من بيته. ودس المنذر بين أبنائه، فتحاربوا وسقط شرحبيل وسلمة فى ميادين الحرب وجنّ معد يكرب، وانتقضت قبيلة أسد على حجر أبى امرئ القيس وقد حاول أن يسترد ملك أبيه ولكن المنذر كان له بالمرصاد، ففشلت محاولاته وباءت بالخذلان، ويقال إنه رحل إلى إمبراطور بيزنطة يستعين به فى محاربة المنذر خصمه، غير أنه لم يعد
стр. 45
من رحيله، فقد مات دون أمنيته، وشعره يفيض بالحقد على ابن ماء السماء وأصحابه الحيريين، بينما يفيض شعر عبيد بن الأبرص شاعر بنى أسد بالسخرية منه وبيان عجزه عن استرداد ملك آبائه مع الوعيد الشديد والتهديد.
٣ - مكة وغيرها من مدن الحجاز (١)
فى منتصف الطريق المعبّد للقوافل بين اليمن والشام تقوم مكة فى واد من أودية جبال السّراة، تحفه الجبال الجرداء من كل جانب، وقد وصفها القرآن الكريم بأنها «بواد غير ذى زرع». وهى تتراءى لنا فى العصر الجاهلى ممسكة بزمام القوافل التجارية، كما تتراءى لنا أكبر مركز دينى للوثنية الجاهلية. ويقال إنه كان يسكنها فى غابر الأزمنة قبائل من جرهم وبقايا من الأمم البائدة، ثم نزلتها قبيلة خزاعة اليمنية حين هاجر كثير من القبائل اليمنية إلى الشمال، ولعلها نزحت إليها لتسيطر على هذا المركز التجارى المهم. ولا نصل إلى منتصف القرن الخامس حتى يظهر بها قصى ومعه قبيلة قريش فيستولى عليها ويخرج منها خزاعة. ولا يعرف بالضبط أصل قريش، وهل هى من عرب نجد أو من العرب الأنباط الذين تراجعوا ناحية الجنوب أمام غزو الرومان لبلادهم. وقد دعم مكانتها غزو الأحباش المسيحيين لليمن، فتحولت أفئدة العرب الوثنيين إليها، وفزعت أرستقراطيتهم الشمالية والجنوبية إلى هذا المركز البعيد عن أعدائهم، وحاول أبرهة والى الحبشة على اليمن أن يستولى عليها سنة ٦٧٠ أو ٦٧١ فباءت حملته بالفشل الذريع، فزاد ذلك فى تقديس العرب لها وإعظامها وعدوّها رمزا لاستقلالهم وعزتهم وقوتهم، إذ لم تدن لأى ملك أجنبى، وفى ذلك يقول حرب بن أمية (٢):
أبا مطر هلمّ إلى صلاح ... فتكفيك النّدامى من قريش
стр. 46
فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزّت قديما ... وتأمن أن يزورك ربّ جيش
وقد هيأ لها التصادم المستمر بين الفرس والروم أن تزدهر بها التجارة، فقد كان الطريق بين العراق والشام مقفلا، وكانت أكثر تجارة الشمال والجنوب تهبط فيها. وكانت قوافلها تجوب الصحراء العربية إلى الجنوب فى اليمن وحضرموت وإلى الشرق فى الحيرة وإلى الشمال حيث تذهب إلى بصرى فى الشام وإلى غزة ومصر. وفى الوقت نفسه كانت راعية الكعبة وأصنامها وأوثانها، وبذلك كان أهلها أشرف العرب وكان كثير منهم يعترفون لهم بالسيادة، يقول ابن الفقيه: «إن أهل مكة لم يؤدوا فى الجاهلية إتاوة قط، ودانت لهم خزاعة وثقيف وعامر بن صعصعة، وفرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحلّ إذا دخلوا الحرم، وهم بعد أعزّ العرب، يتأمّرون عليهم قاطبة» (١) وكانوا يأخذون منهم إتاوة تسمى الحريم إذا نزلوا فى بلدهم (٢) كما كانوا يأخذون إتاوة من التجار الأجانب إذا ألموا بهم، وكان ينزلها بيزنطيون وفرس للتجارة (٣) يدل على ذلك الصحابيان الجليلان:
صهيب الرومى وسلمان الفارسى.
وكل ذلك يؤكد مكانتها وزعامتها على العرب، فهى بيت تجارتهم وبيت كعبتهم المقدسة. فيها يقيمون أعيادهم الدينية، كما يقيمون أسواقهم التجارية كسوق عكاظ ومجنّة وذى المجاز. ولم تكن أسواقا تجارية فحسب، بل كانت أسواقا أدبية أيضا، تعرض فيها سلع الشعر، فيتنافس الشعراء ويقوم بينهم المحكّمون من أمثال النابغة فيحكمون للمتفوق ببراعته. وبذلك هيأت لحركة أدبية واسعة النطاق، سيطرت فيها لغتها بحكم مكانتها الدينية وتنقلها بتجارتها فى أسواق العرب خارج ديارها، فأصبحت لغة الأدب الرفيعة.
ولعل فى هذا كله ما يدل على عظم شأنها فى الجاهلية، وقد زعم لامنس فى
стр. 47
كتابه عنها أنها كانت جمهورية كجمهورية البندقية التجارية (١)، وقد وقف طويلا عند ملئها ونظامها التجارى المعقد، ومعروف أنه كان بها ملأ يجتمع بدار الندوة، وهو مجلس شيوخ مصغر، لم يكن يدخله إلا من بلغ أربعين سنة، وكانوا يختارون على ما يظهر حسب ثرائهم وخدماتهم التى يؤدونها وهم سادة بطونها فى البطاح وكانوا ينظرون فى شئونها التجارية والدينية. وكانت تشبه مصرفا كبيرا، به المكاييل والموازين والبيع الحاضر والمؤجل والربا وصنوف المضاربة المختلفة. واشتهر فيها بيتان بالثراء هما بيتا الأمويين والمخزوميين، وكان للأولين أكثر قافلة بدر، ولعل ذلك ما جعل أبا سفيان يرأسها، وفى الاشتقاق لابن دريد معلومات طريفة عن ثروات المخزوميين وكان منهم من يسمى ربّ مكة (٢). ولم يكن الثراء خاصّا بهذين البيتين فقد كان عبد الله بن جدعان وهو من تيم ثريّا ثراء مفرطا، وشبهه بعض الشعراء بقيصر، فقال (٣):
يوم ابن جدعان بجنب الحزوره ... كأنه قيصر أو ذو الدّسكره
وكان كثير من العرب يرى سادة قريش فوق آل جفنة الغساسنة، بل فوق كسرى وآل كسرى، وكانوا يقصدونهم بالمديح طلبا للعطاء والنوال، ومديح أمية بن أبى الصلت فى عبد الله بن جدعان مشهور.
وبهذا كله كانت مكة أهم مدينة عربية فى الجاهلية إذ كانت مثابة للعرب وأمنا. وكان مجتمعها يتألف من قريش البطاح الذين ينزلون حول الكعبة، وهم:
هاشم وأمية ومخزوم وتيم وعدى وجمح وسهم وأسد ونوفل وزهرة، وكانوا أصحاب النفوذ فيها، ومن قريش الظواهر الذين ينزلون وراءهم ومعهم أخلاط من صعاليك العرب والحلفاء والموالى، والعبيد وكان أكثرهم من الحبشة، ويظهر أنهم كانوا كثيرين كثرة مفرطة، ولعل مما يدل على كثرتهم أن هندا بنت عبد المطلب أعتقت فى يوم واحد أربعين عبدا من عبيدها (٤)، وكانوا يقومون على حرف ومهن كثيرة.
ومن غير شك كان يعيش سادة قريش معيشة مترفة، بحكم ثرائهم واتصالهم بالفرس
стр. 48
والروم، ويقال إنهم كانوا يصيفون فى الطائف ويشتون فى جدة، ونجد فى سورة الزخرف استهزاء بمن ينشّأ فى الحلية والزينة (١). ويقال أيضا إن عبد المطلب جد الرسول ﷺ دفن فى حلّتين قيمتهما ألف مثقال من الذهب (٢). ومن يقرأ أخبار قوافلهم التجارية يخيل إليه أن مكة كانت قافلة كبيرة مقيمة، تخرج منها القوافل إلى الجنوب والشمال والشرق، ودعاهم ذلك إلى أن يعقدوا معاهدات بينهم وبين القياصرة (٣) والنجاشيين والأكاسرة (٤)، كما دعاهم إلى عقد معاهدات بينهم وبين القبائل التى كانوا يمرون بها فى طرقهم التجارية (٥).
ولكن هذا جميعه ينبغى أن لا يجعلنا نبالغ مبالغة لامنس، فنظن أن مكة كانت جمهورية بالمعنى الكامل للجمهورية، فمع نمو العلاقات التجارية والاقتصادية فيها كان مجتمعها قبليّا، فهو لا يعدو اتحاد عشائر ارتبط بعضها ببعض فى حلف لغرض سدانة الكعبة من جهة والقيام على تجارة القوافل من جهة أخرى. ولا سلطان لعشيرة على عشيرة، بل كل عشيرة تتمتع بالحرية التامة ولا طاعة عليها لأحد، وكل ما هناك أن اشتراكهم فى مصلحة واحدة خفف من غلواء هذه الحرية، ولكنه تخفيف لا يخرج بنظام الجماعة القرشية عن النظام المعروف فى القبائل الجاهلية، ووجود ملأ فيها أو مجلس شيوخ لا ينقض هذه الحقيقة. إذ لم يكن عمله يعدو عمل مجالس القبائل، فقد كان فى كل قبيلة مجلس يتكون من رؤساء العشائر، ينظر فى شئونها حسب قوانين العرف والعادة، ولكنه لم يقض على حرية الأفراد، فقد كان كل فرد متمتعا بحريته، مع شعوره بحقوق الجماعة أو حقوق القبيلة. وهذا نفسه هو النظام الذى كان سائدا فى مكة قبل الإسلام، فللفرد حريته وللجماعة عليه حقوق لا تتناقض مع هذه الحرية.
وإلى الجنوب الشرقى من مكة على بعد خمسة وسبعين ميلا تقوم الطائف على ارتفاع يبلغ نحو ستة آلاف قدم وسط رياض وبساتين تجعلها أشبه ما تكون بقطعة من رياض الشام، وجعلها ارتفاعها طبيعة الهواء، فكان القرشيون كما قدمنا يصطافون فيها حيث يجدون كل الثمرات كما يجدون الخمر الصافية. وكانت
стр. 49
تنزلها قبيلة ثقيف الوثنية، وهناك قصة تزعم أنها من بقايا ثمود، وربما كان لهذه القصة أصل صحيح، وأن الثموديين حين تقوضت إمارتهم فى الشمال هاجروا إلى الطائف كما هاجر اللحيانيون إلى منازل هذيل بين مكة والمدينة، وقد يدل على ذلك أننا نجد النسابين يذكرون من بطون هذيل بنى لحيان، وكأنهم ظلوا يحتفظون فى أحد بطونهم باسمهم القديم، ولم تكن حياة الثقفيين تختلف عن حياة القبائل البدوية النجدية فى شئ سوى ما أتاحته لهم زروعهم وثمارهم من الاستقرار على نحو ما استقرت قريش فى مكة.
ونمضى إلى شمالى مكة على بعد نحو ثلاثمائة ميل، فنلتقى بيثرب التى ذكرها بطليموس فى جغرافيته كما ذكرتها الكتابات المعينية، وهى تقوم فى واد خصب، تكنفه مرتفعات يعلو بعضها بعضا، وتكثر الآبار والعيون فى هذا الوادى كثرة أتاحت له أن يصبح واحة جميلة تكتظ بالنخيل والأشجار والزروع، مع الجو المعتدل، إلا فى بعض فترات الصيف، إذ تشتد بها الحرارة، ولكنها لا تبلغ حرارة مكة القاسية.
ويقال إن العمالقة أول من سكنوا المدينة أو يثرب، وظلوا بها حتى نزلها اليهود فى القرن الثانى الميلادى على أثر اضطهاد الرومان لهم فى فلسطين، والمظنون أنهم الذين سموها باسم المدينة (مدينتا) وهو اسم آرامى. وقد ظلوا على دين آبائهم إلى أن جاء العرب هدى الإسلام الحنيف، واتخذوا العربية فى حياتهم اليومية، وإن ظلوا يحتفظون بالعبرية فى طقوسهم الدينية وقد أمر الرسول ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم لسانهم ولغتهم (١)، وظهر بينهم غير شاعر كان ينظم بالعربية مثل كعب بن الأشرف (٢).
وما زال هؤلاء اليهود مسيطرين على المدينة حتى وفدت عليهم قبائل الأوس والخزرج الأزدية من الجنوب، فأصبحوا هم سادتها الحقيقيين، وقد اتخذوا العربية الشمالية لسانا لهم، وكانوا وثنيين يحجون إلى مكة وأصنامها، مثلهم مثل بقية العرب. ولم يكونوا يعتمدون على التجارة مثل المكيين، إنما كانوا يعتمدون
стр. 50
على زروع بلدهم وثمارها، بينما كان اليهود يقومون على الحرف والصناعات، وخاصة صناعة الأسلحة والأقمشة. ويظهر أن النصرانية كانت معروفة هناك ففى السيرة أن شخصا كان بها يسمى عبد عمرو بن صيفى خرج على الرسول وحاربه مع قريش، وكان قد ترهب فى الجاهلية ولبس المسوح (١).
وتدل دلائل مختلفة على أن حياة الأوس والخزرج لم تكن تختلف فى شئ عن حياة البدو فى الخيام، مع أنهم سكنوا آطام المدينة. ومن أكبر الدلالة على ذلك أنهم كانوا يتحاربون على نحو ما تتحارب القبائل البدوية، وأكبر الظن أن اليهود هم الذين عملوا على الوقيعة ونشر العداوة والبغضاء بينهم، حتى يشغلوهم عنهم، وكانوا يصنعون لهم الأسلحة التى استخدموها فى تلك الحروب الدامية. وفى كتب التاريخ والأدب أيام ومواقع لهم كثيرة مثل يوم سمير ويوم حاطب ويوم السرارة ويوم فارع ويوم الربيع ويوم البقيع ويوم معبّس ومضرّس ويوم الفجار ويوم بعاث.
وتحرجت الظروف تحرجا شديدا بين الأوس والخزرج حتى غدا كأنه من المستحيل أن يكفوا عن هذه الأيام والحروب وكأنما تعاهدوا على الفناء، لولا أن نزل بينهم الرسول ﷺ فأصبحوا بنعمة الله إخوانا إذ دخلوا فى دينه الحنيف أفواجا، وتحولوا إليه يشدون أزره وينصرونه حتى أضاءت بتعاليمه الجزيرة العربية من جميع أطرافها ومسالكها ودروبها.
وكان لليهود فى شمالى المدينة قرى خاصة بهم أشهرها خيبر وفدك وتيماء، وما زالوا بها حتى أخرجهم عمر من الجزيرة فأصبحت عربية خالصة. والمظنون أن هؤلاء اليهود مثلهم مثل يهود المدينة نزلوا فى هذه القرى حين اضطهدهم الرومان منذ أوائل القرن الثانى الميلادى، واتخذوا العربية لسانا لهم، وعبروا بها عن عواطفهم، فجرى الشعر على ألسنة نفر منهم، لعل أشهرهم السموءل صاحب حصن الأبلق بتيماء وكان معاصرا لامرئ القيس، ويقال إن أمه كانت عربية من غسان، ولعل ذلك العرق فيه هو الذى أنطقه بالشعر العربى، وكان أخوه شعية شاعرا مثله.
ومن المؤكد أن عرب الجاهلية لم يكونوا يطمئنون إلى هؤلاء اليهود جميعا، ولذلك لم يؤثروا فى حياتهم الدينية فقد ظلوا بعيدين عنهم.
стр. 51
٤ - القبائل البدوية
يقسم النسابون هذه القبائل، بل قبائل العرب الشمالية جميعها، قسمين كبيرين:
قسم عدنانى مضرى، هو عرب الشمال المنحدرون من عدنان ونزار ومضر، وقسم قحطانى ينحدر من قحطان (ولعله يقطان المذكور فى الإصحاح العاشر من التوراة) وقد هاجر هذا القسم من الجنوب، من اليمن وحضرموت وعاش بين العرب الشماليين.
وتشكك بعض المستشرقين فيما ساقه رواة الأخبار من هذا التقسيم وما يندرج فيه من أنساب القبائل الشمالية عامة (١)، وقالوا إنه من وضع القرن الأول للهجرة وما كان من منافسات بين مكة التى نسبت إلى عدنان والمدينة التى نسب العرب فيها من الأوس والخزرج إلى قحطان، وتداخلت عوامل سياسية واقتصادية مكّنت من انتشار فكرة هذا التقسيم، كما مكّنت من ترتيب الأنساب العربية فى نظامها المعروف. ويبالغ بعض المستشرقين فينكر جملة أن يكون عرب الجنوب قد هاجروا إلى الشمال، ويظن ذلك حديث خرافة.
ولكن من يرجع إلى الشعر الجاهلى يجد فيه الفخر باليمنية والقحطانية والعدنانية والمضرية، كما يجد فيه العصبيات مشتعلة بين القبائل على أساس الاشتراك فى الدم وفى أب واحد أو أم واحدة، ومن التحكم أن نجرى وراء ظنون لا دليل عليها.
وحقّا اختلف النسابون فى أصل بعض القبائل وهل هى عدنانية أو قحطانية مثل خزاعة وقضاعة وخشعم ولكنه اختلاف محدود، والرأى الصحيح أن هذه القبائل قحطانية. ومن الثابت الذى لا شك فيه أن القحطانيين هاجروا بتأثير ظروف اقتصادية وسياسية إلى الشمال، وأن هذه الهجرات بدأت منذ أزمان مبكرة، فقد كان المعينيون على ما يظهر يضعون حاميات فى طرق قوافلهم التجارية، ولما ضعفت الدولة الحميرية: دولة سبأ وذى ريدان وحضرموت واليمنات هاجر كثير من
стр. 52
الجنوبيين إلى الشمال، وخاصة بعد سيل العرم الذى خرب سدّ مأرب. ويؤكد ذلك أننا نجد للقبيلة الواحدة فروعا وشعبا مختلفة فى الجزيرة العربية، فكندة التى هاجرت إلى الشمال وأسست لها مملكة أو إمارة فى شمالى نجد كانت لا تزال بقيتها الكبرى تقيم فى حضرموت حين ظهور الإسلام، ونجد فى أسماء رجالها نفس الأسماء الجنوبية مثل شرحبيل بن الحارث ومعديكرب أخيه، كما مر بنا فى الحديث عن إمارة كندة. وكانت عشائر من إياد لا تزال تنزل فى شمالى نجران بينما يممت عشائر منها حوض الفرات، أما الأزد فقد توزعت عشائرها بين شمالى اليمن وعمان، والمدينة حيث أقام الأوس والخزرج، وشمالى الجزيرة فى الشام حيث نزل بنو غسان (١). وفى هذا دلالة واضحة على أن هجرة الجنوبيين إلى الشمال لا يعتريها الشك. وهاجرت تنوخ إلى البحرين، ثم استقرت فى جنوبى العراق حيث أسست أهم عشائرها، وهى لخم، دولة المناذرة فى الحيرة. ولما نزحت قبائل همدان من حضرموت إلى الجوف اليمنى بين مأرب ونجران هاجرت قبيلة طيئ إلى الشمال واستقرت فى جبلى أجأ وسلمى. وهاجرت قبائل أخرى إلى شمالى الحجاز وانتشرت فى بادية الشام وأهمها قضاعة وبهراء وجهينة وبلى التى نزلت فى مساكن ثمود وجذام وكلب وعاملة اللائى نزلن فى حدود فلسطين وعذرة التى نزلت بالقرب من تيماء ووادى القرى. وممن هاجر من الجنوب أيضا خزاعة وكانت مستقرة قبيل الإسلام فى منطقة مكة وبجيلة وكانت تنزل جنوبى الطائف.
ويقابل هذا القسم القحطانى اليمنى قسم عدنانى مضرى، ومن أهم قبائله قريش فى مكة، وثقيف فى الطائف، وعبد القيس فى البحرين، وبنو حنيفة فى اليمامة، وتميم وضبّة فى صحراء الدهناء، وبكر وعشائرها الكثيرة التى تمتد من الشمال الشرقى للجزيرة إلى اليمامة والبحرين، ويرد إليها النسابون بنى حنيفة وبنى عجل وشيبان وذهل، ثم تغلب وكانت تتوغل أكثر من بكر فى شمالى الجزيرة صوب الشرق، وكان يجاورها بنو النمر، بينما كانت تنزل أسد فى شمالى نجد وتنتشر عشائرها إلى تيماء. ومن هذه القبائل العدنانية أيضا كنانة وهذيل بالقرب من مكة،
стр. 53
وقيس عيلان فى نجد، وأهم قبائلها هوازن، وسليم، وعامر وعشائرها كلاب وعقيل وقشير ومزينة وبنو سعد، وغطفان وفرعاها الكبيران: عبس وذبيان.
وفى المفضليات قصيدة طريفة للأخنس بن شهاب يحصى فيها منازل كثير من هذه القبائل (١).
وهذه الأنساب التى قدمناها كان يؤمن بها العرب إيمانا شديدا، وظلوا على هذا الإيمان فى الإسلام، فتكتلوا على أساسها فى مجموعتين كبيرتين: مجموعة قحطانية يمنية، ومجموعة مضرية عدنانية، وكان التنافس شديدا بين الطرفين، وكثيرا ما جرّ إلى منازعات فى الكوفة والبصرة كما جر إلى حروب فى الجيوش المقاتلة فى أقصى الشرق بخراسان وفى أقصى الغرب بالأندلس، فكانت تتجمع عشائر كل فريق حين تصطدم مصلحة عشيرة يمنية بمصلحة عشيرة مضرية، وسرعان ما تنشب بين الفريقين معارك دامية.
ومن المؤكد أن عرب الجاهلية كانوا يتمسكون بهذه الأنساب التى أجملناها وعنهم ورثها أبناؤهم فى الإسلام، وهى تؤلف علما واسعا عند العرب هو علم الأنساب، وكأنهم رأوا فى النسب ما نراه نحن الآن فى الوطن، فكل قبيلة تؤمن بنسبها وتعتز به وبأنها تعود إلى أصل واحد، فهى من دم واحد ولحم واحد، ومن أجل ذلك عبروا عن القرابة باللّحمة كما عبروا عن عشائرهم وفروعهم بالبطن والفخذ.
وهذه القبائل جميعها المتبدية منها والمستقرة فى مدن كمكة والحيرة كانت تتحد فى نظمها السياسية، وهى نظم قبلية، تقوم على أساس القبيلة واشتراك أبنائها فى أصل واحد وموطن واحد، وهو موطن متنقل مع المراعى، وكذلك اشتراكها فى تقاليد وعرف تتمسك بهما تمسكا شديدا. وكان الرباط الذى يوثق الصلة بين أفراد القبيلة هو العصبية، وهى عصبية قبلية، ليس فيها شعور واضح بالجنس العربى العام، وحقّا تكونت عندهم إمارات فى الشمال، ولكنها ظلت تقوم على أساس العصبية القبلية، وإن بدا فى تضاعيفها شعور ضئيل بالوحدة، لا بين القبائل الشمالية فحسب، بل بينها وبين القبائل الجنوبية، فقد كان أمراء هذه الولايات من العرب الجنوبيين كما يقول رواة الأخبار والنسابون، وإنما نقول
стр. 54
شعورا ضئيلا، لأن أصحاب هذه الإمارات لم ينفذوا فعلا إلى فكرة الأمة العربية أو الجنس العربى بحيث يجمعون العرب تحت لواء واحد، إنما كل ما هناك اتحاد قبلى، له رئيس.
ومن الاتحادات التى كانت تجمعهم اتحادات الأحلاف، ويظنّ أن هذه الاتحادات لعبت دورا كبيرا فى تكوين القبائل إذ كانت تنضم العشائر الضعيفة إلى العشائر القوية الكبيرة لتحميها وترد العدوان عنها، يقول البكرى: «فلما رأت القبائل ما وقع بينها من الاختلاف والفرقة وتنافس الناس فى الماء والكلأ، والتماسهم المعاش فى المتسع، وغلبة بعضهم بعضا على البلاد والمعاش واستضعاف القوى الضعيف، انضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم فى ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما يليهم» (١) ومن القبائل التى تمثل ذلك خير تمثيل قبيلة تنوخ فى العراق، فقد انضم إليها وتلاشى فيها كثير من القبائل والعشائر العراقية (٢)
وبمجرد أن تدخل القبيلة فى حلف يصبح لها على أحلافها كل الحقوق، فهم ينصرونها على أعدائها ويردون كيدهم عنها فى نحورهم. وقد تنفصل بعض قبائل الحلف لتنضم إلى حلف آخر يحقق مصالحها، ومن ثم كنا نجد دائما أحلافا تضعف، وتحل محلها أحلاف أخرى. وقبائل قليلة لم تدخل فى أحلاف، ولذلك سميت باسم جمرات العرب، لما كان فيها من شجعان يكفونها فى الحروب، على أن هذا كثيرا ما كان يؤول بها إلى أن تنهك فى المعارك، أما القبائل المتحالفة فكانت تهاب لخشونة مسّها. وأصل الحلف والتحالف من كلمة الحلف بمعنى اليمين الذى كانوا يقسمونه فى عهودهم، وكانوا يغمسون أيديهم فى أثناء عقد أحلافهم فى طيب أو فى دم، وكانوا يقولون (٣): الدم الدم والهدم الهدم، لا يزيد العهد طلوع الشمس إلاّ شدّا وطول الليالى إلا مدّا، ما بلّ بحر صوفة وأقام رضوى فى مكانه، إن كان جبلهم رضوى وإلا ذكروا ما يجاورهم من جبال. وربما أوقدوا النار عند تحالفهم، ودعوا الله على من ينكث العهد بالحرمان من منافعها، ويقال إن قبائل مرة بن
стр. 55
عوف الذبيانيين تحالفت عند نار ودنوا منها حتى محشتهم (أحرقتهم) فسمى حلفهم باسم المحاش. ومن الأحلاف المشهورة فى مكة حلف المطيّبين وقد تعاقد فيه بنو عبد مناف وبنو زهرة وبنو تيم وبنو أسد ضد بنى عبد الدار وأحلافهم، ويقال إنهم غمسوا أيديهم فى جفنة مملوءة طيبا. وأكرم من هذا الحلف حلف الفضول وفيه تحالفت قبائل من قريش على أن لا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه وقاموا معه حتى تردّ عنه مظلمته. ومن أحلاف العرب المشهورة حلف الرّباب، وهم خمس قبائل: ضبة وثور وعكل وتيم وعدى، وحلف عبس وعامر ضد ذبيان وأحلافها من تميم وأسد وحلف الحمس بين قريش وكنانة وخزاعة.
وكان لهذه القبائل جميعا المتحالفة وغير المتحالفة مجلس يضم شيوخ عشائرها (١) وهو ندوتهم. التى ينظرون فيها شئون قبيلتهم وكان كل فرد يستطيع أن يحضره وأن يتحدث فيه، ولم يكن له موعد معين، وفى العادة كانوا يجتمعون مساء وكلما حزب أمر أو ظهر ما يدعو إلى الاجتماع، فيتناقشون ويتحاورون، وقد يخطبون، أو يستمعون إلى بعض ما ينظمه شعراؤهم، وفى أثناء ذلك يدلى سادتهم بحكمهم وتجاربهم فى الحياة. وإلى ذلك يشير زهير بن أبى سلمى إذ يقول فى مديح هرم بن سنان وقومه (٢):
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
وكانت قرارات هذه المجالس نافذة، فجميع أفراد القبيلة تذعن لها ولا تشذ عليها.
وغالبا ما يتقدم شيوخ القبيلة شيخ كبير مجرب، هو سيدها، له حنكة وحكمة وسداد فى الرأى وسعة فى الثروة، وهو الذى يقود القبيلة فى حروبها ويقسم غنائمها ويستقبل وفود القبائل الأخرى، ويعقد الصلح والمحالفات، ويقيم الضيافات.
غير أنه ينبغى أن لا يفهم من ذلك أنه كانت له أو لشيوخ القبيلة سيادة واسعة،
стр. 56
فسيادته رمزية، وإذا بغى كان جزاؤه جزاء كليب التغلبى حين بغى وطغى على أحلافه من بكر، فقتلوه، مما كان سببا فى نشوب حرب البسوس المشهورة.
فالسيد فى القبيلة إنما هو الشخص الألمعى الذى حنكته التجارب، وغالبا ما يرث سيادته عن آبائه، حتى يتم له الحسب الرفيع، وليس له أى حقوق سوى توقيره، أما واجباته فكثيرة، فلابد فيه من الشجاعة والكرم والنّجدة وحفظ الجوار وإعانة المعوز والضعيف، ولا بد أن يتحمل أكبر قسط من جرائر القبيلة وما تدفعه من ديات، ولا بد أن يكون حليما متسامحا، وإلى ذلك كله يشير معاوية سيد بنى كلاب حين يقول (١):
إنّى امرؤ من عصبة مشهورة ... حشد لهم مجد أشمّ تليد (٢)
ألفوا أباهم سيدا وأعانهم ... كرم وأعمام لهم وجدود
إذ كل حىّ نابت بأرومة ... نبت العضاه فماجد وكسيد (٣)
نعطى العشيرة حقّها وحقيقها ... فيها ونغفر ذنبها ونسود
وإذا تحمّلنا العشيرة ثقلها ... قمنا به وإذا تعود نعود (٤)
وإذا نوافق جرأة أو نجدة ... كنا، سمىّ، بها العدوّ نكيد (٥)
بل لا نقول إذا تبوّأ جيرة ... إن المحلّة شعبها مكدود (٦)
وواضح أن السيد فى رأى معاوية لا بد أن يكون شريف الأصل والأرومة، من عشيرة لها مجد فسيح الفناء، ولا بد أن يرعى حقوق هذه السيادة، وهى الحلم والصفح عن السفهاء وكظم الغيظ مع العفو والمغفرة، ولا بد له أن يبذل المال والنفس فى جنايات القبيلة وأن يسارع إلى النجدة والحرب وأن يكون كريما مضيافا.
стр. 57
إذا نزل به جار أضافه وأعانه وحفظ له كل ما يمكن من حقوق الجوار. وكان من أهم ما يقوم به السيد إصلاح ذات البين فى القبيلة ولمّ شعثها، مستعينا فى ذلك بشيوخها وأصحاب الشرف فيها. ودائما لا بد له من استشارتهم، بل لا بد له من أن يستمع إلى كل فرد من أفراد القبيلة، فهم جميعا أكفاء يتساوون فى الحقوق.
ومن أهم ما يدل على هذه المساواة نظام الإجارة، وهى حق التوطن فى القبيلة، إذ كان لكل فرد فيها أن يجير من يشاء، وإذا أجار شخصا أصبحت قبيلته ملزمة به، وأصبح له ما لأفرادها من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات.
وكان أفراد القبيلة جميعا يضعون أنفسهم فى خدمتها وخدمة حقوقها، وعلى رأسها حق الأخذ بالثأر ممن سولت له نفسه من القبائل الأخرى أن يعندى على أحد أبنائها، فكل فرد فيها يضحى لها بنفسه كما يضحى لها بماله، فهى حياته وكيانه، وهو مع اعتزازه بفرديته وشخصيته وحريته يعيش لها وداخل إطارها، مدفوعا فى ذلك بعصبية شديدة، وهى عصبية سيطرت على نفوسهم، وقدسوها تقديسا كان أعظم من تقديسهم للشعائر الدينية، فتلك الشعائر تشركهم فيها قبائل أخرى، أما شعائر العصبية القبلية فإنها خاصة بالقبيلة وأبنائها الذين يجمعهم دم واحد ونسب واحد. وربما تسامح الواحد منهم فى دينه، إذ لم يكن يهمه فى كثير من الأحوال، أما فى العصبية فإنه لا يتسامح فى أى واجب من واجباتها، ومن خير ما يصور ذلك قول دريد بن الصّمّة (١):
وما أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
فغيه ورشده مرتبطان بعشيرته غزية، فإن ضلت ضل معها وأمعن فى ضلاله، وإن اهتدت اهتدى معها وأمعن فى هداه.
وكانت القبيلة من جانبها تعطى لأبنائها عليها نفس الحقوق، فهى تنصرهم فى الملمأت التى تنزل بهم ظالمين أو مظلومين، فحسب أحدهم أن يستغيث فإذا السيوف مشرعة، وإذا الدماء تتصبب على أتفه الأسباب. وقد تحولوا بسبب اختصامهم على المراعى واتخاذهم الغزو وسيلة من وسائل عيشهم إلى ما يشبه كتائب حربية،
стр. 58
فكل قبيلة مستعدة دائما للحرب والجلاد والإغارة على من حولها من البدو والحضر، وهى دائما شاكية السلاح حتى تحمى حماها ومنازلها وآبارها ومراعيها، ولذلك كانت الشجاعة مثلهم الأعلى، فدائما يفتخرون ببطولتهم وبعدد من قتلوا فى حروبهم مما يدور فى أشعارهم ويدور معه اعتدادهم بسيوفهم اليمانية والهندية، ولبعضها أسماء اشتهرت بينهم، وكما يعتدون بسيوفهم نراهم يعتدون برماحهم وقسيّهم ودروعهم وتروسهم وبيضاتهم أو خوذاتهم، وأشاد فرسانهم بالخيل إشادة بالغة وسموها أسماء كثيرة.
٥ - حروب وأيام مستمرة
لعل أهم ما يميز حياة العرب فى الجاهلية أنها كانت حياة حربية تقوم على سفك الدماء حتى لكأنه أصبح سنّة من سننهم، فهم دائما قاتلون مقتولون، لا يفرغون من دم إلا إلى دم، ولذلك كان أكبر قانون عندهم يخضع له كبيرهم وصغيرهم هو قانون الأخذ بالثأر، فهو شريعتهم المقدسة، وهى شريعة تصطبغ عندهم بما يشبه الصبغة الدينية، إذ كانوا يحرّمون على أنفسهم الخمر والنساء والطيب حتى يثأروا من غرمائهم. ولم يكن لأى فرد من أفراد القبيلة حق ولا ما يشبه الحق فى نقض هذه الشريعة ولا فى الوقوف ضدها أو الخروج عليها، فما هى إلا أن يقتل أحد منهم، فإذا سيوف عشيرته مسلولة، وتتبعها العشائر الأخرى فى قبيلته، تؤازرها فى الأخذ بثأرها، ويتعدد القتل والثأر بينها وبين القبيلة المعادية، وتتوارثان الثارات حتى يتدخل من يصلح بينهما ويتحمل الديات والمغارم، ولم يكونوا يقبلونها إلا بعد تفاقم الأمر وإلا بعد أن تأتى الحرب على الحرث والنسل، أما قبل ذلك فكانوا يعدونها سبّة وعارا، وفى ذلك يقول عبد المعزّى الطائى (١):
стр. 59
إذا ما طلبنا تبلنا عند معشر ... أبينا حلاب الدّرّ أو نشرب الدّما (١)
فهم لا يرضون بالدية ويرونها ذلا ما بعده ذل أن يستبدلوا الدم بالإبل وألبانها، فالدم لا يشفيهم منه إلا الدم، وكأنما أصبح سفكه غريزة من غرائزهم لا تزايلهم، فهم يطلبونه وهم يتعطشون إليه تعطشا شديدا على شاكلة تأبط شرّا إذ يقول (٢):
قليل غرار النوم أكبر همّه ... دم الثأر أو يلقى كميّا مسفّعا
فأكبر ما يهتم به وينصب له طلب الثأر ولقاء بطل سفعت وجهه الهواجر.
وأكثر حروبهم كان يجرها نزاع بين بعض الأفراد فى قبيلتين مختلفتين، إما بسبب قتل أو بسبب إهانة، أو بسبب اختلاف على حد من الحدود، وحينئذ تشتبك عشيرتا هؤلاء الأفراد، وتنضم إلى كل عشيرة عشائر قبيلتها، وقد تنضم أحلافهما، فتنتشر نيران الحرب بين قبائل كثيرة، وصور ذلك شاعر الحماسة إذ يقول (٣):
الشئ يبدؤه فى الأصل أصغره ... وليس يصلى بكل الحرب جانيها
والحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصّحاح إلى الجربى فتعديها
فهى تبدأ صغيرة ضعيفة، ثم تقوى وتستحكم وتعظم بمرور الزمن، فتصبح لها عدوى كعدوى الجرب، لا يفلت منها راغب فيها ولا كاره، فالجميع يصطلون بنارها، بل يترامون فيها ترامى الفراش، فهى أمنيتهم ومبتغاهم، يقول زهير (٤):
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل (٥)
فإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل
فجميعهم يطيرون إلى المستغيث بخيلهم ورماحهم، وتدور رحى الحرب فيقتلون
стр. 60
من أعدائهم ويشفون حقدهم ويقتل منهم أعداؤهم ويشفون غليلهم. يقول دريد ابن الصمة (١):
وإنا للحم السيف غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذى نكر (٢)
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر (٣)
قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فما ينقضى إلا ونحن على شطر
ومثل قبيلة دريد قبائل العرب جميعها، فهم طعام السيوف، يطعمونها أعداءهم، ويطعمهم أعداؤهم لها فى غير نكران، فهم دائما واترون موتورون، وحياتهم مقسومة على هذين الحدين وإلى هذين الشطرين. ولم يكونوا يرهبون شيئا مثل الموت حتف الأنف بعيدا عن ميادين القتال، ميادين الشرف والبطولة، حيث يموتون طعنا بالسيوف والرماح، وحيث تتناثر أشلاؤهم وتأكلها السباع، يقول الشنفرى (٤):
ولا تقبرونى إنّ قبرى محرّم ... عليكم ولكن أبشرى أمّ عامر
فهو يتمنى أن لا يقبر، وأن يترك بالعراء فى ساحة الحرب تنوشه السباع، ويبشر أم عامر وهى الضبع بجسده، حتى يخلد فى سجل قتلى الجاهلية المجيد.
وكانوا يسمون حروبهم ووقائعهم أياما، لأنهم كانوا يتحاربون نهارا، فإذا جنّهم الليل وقفوا القتال حتى يخرج الصباح. وأيامهم وحروبهم كثيرة، وهى تدور فى كتب الأدب والتاريخ، ويقال إن أبا عبيدة المتوفى سنة ٢١١ للهجرة صنف فى ألف يوم ومائتين منها كتابا اعتمد عليه من جاءوا بعده، ولم يصلنا هذا الكتاب، وإنما وصلنا شرحه لنقائض جرير والفرزدق وفيه طائفة كبيرة منها.
وألف فيها من بعده كثيرون أحصاهم ابن النديم فى المقالة الثالثة من الفن الأول بكتابه الفهرست. وفى كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى وشرح حماسة أبى تمام للتبريزى منثورات منها كثيرة. وعقد لها ابن عبد ربه فى العقد الفريد وابن الأثير
стр. 61
فى الجزء الأول من كتابه الكامل والنويرى فى نهاية الأرب فصولا طويلة، وكذلك صنع الميدانى فى الفصل التاسع والعشرين من كتابه مجمع الأمثال إذ تناول منها مائة واثنين وثلاثين يوما ضبط أسماءها وذكر القبائل التى اشتركت فى كل منها.
وتسمّى هذه الأيام والحروب غالبا بأسماء البقاع والآبار التى نشبت بجانبها مثل يوم عين أباغ وكان بين المناذرة والغساسنة ومثل يوم ذى قار وكان بين بكر والفرس ويوم شعب جبلة وكان بين عبس وأحلافها من بنى عامر وذبيان وأحلافها من تميم. وقد تسمى بأسماء ما أحدث اشتعالها مثل حرب البسوس وحرب داحس والغبراء.
ومن أيامهم المشهورة يوم خزاز وكان بين ربيعة واليمن من مذحج وغيرهم ويوم طخفة بين المنذر بن ماء السماء وبنى يربوع ويوم أوارة الأول بينه وبين بنى بكر ويوم أوارة الثانى بين ابنه عمرو بن هند وبنى تميم ويوم ظهر الدّهناء بين بنى أسد وطيئ ويوم الكلاب الأول بين بنى بكر وعشائر من تميم وضبة بقيادة شرحبيل ابن الحارث الكندى وبين تغلب والنمر وبهراء بقيادة أخيه سلمة وأيام الأوس والخزرج ومرّ ذكرها فى غير هذا الموضع، ويوم حوزة الأول بين سليم وغطفان ويوم اللّوى بين غطفان وهوازن ويوم الكلاب الثانى بين تميم وبنى عبد المدان النجرانيين ويوم الوقيط بين تميم وربيعة وكذلك يوم جدود وذى طلوع والغبيط وزبالة ومبايض والجفار. ويوم الرّحرحان بين قيس وتميم وكذلك الصرائم والمروت والنّسار، ويوم الشقيقة بين ضبة وبنى شيبان، ويوم بزاخة بين ضبة وإياد ويوم دارة مأسل بينها وبين بنى عامر. وكانوا لا يقتتلون فى الأشهر الحرم. ومع ذلك وقعت فيها بعض مناوشات تسمى بأيام الفجار بين كنانة وهوازن يومها الأول، أما يومها الثانى فكان بين كنانة وقريش وبين بنى عامر وتبعت ذلك أيام أخرى. وسنقف قليلا عند حرب البسوس وحرب داحس والغبراء لأنهما من أشهر حروبهم وأطولها زمنا.
أما حرب البسوس فقد اشتعلت بين قبيلتى بكر وتغلب فى أواخر القرن الخامس الميلادى. وكان سببها اعتداء كليب سيد تغلب-وكان قد طغى واشتد بغيه- على ناقة للبسوس خالة جسّاس بن مرة سيد بنى بكر، إذ رمى ضرعها بسهم،
стр. 62
فاختلط لبنها بدمها. ولما علم جساس بما حدث ثار لكرامته، وسنحت له فرصة من كليب فقتله، ودارت رحى حرب طاحنة ظلت-فيما يقال-أربعين سنه، فكثرت أيامها مثل يوم عنيزة وكان سجالا بين الطرفين، ويوم واردات وكان لتغلب على بكر ويوم قضّة (تحلاق اللمم) وفيه انتصرت بكر. ولما أنهكت الحرب الفريقين لجآ إلى الحارث بن عمرو الكندى، فأصلح بينهما، وأقام كما مر بنا على بكر ابنه شرحبيل وعلى تغلب ابنه سلمة. ونمت فى العصور الإسلامية أساطير حول هذه الحرب وبطلها التغلبى المهلهل أخى كليب، وألفت عنه قصة شعبيا باسم «الزير سالم».
وأما حرب داحس والغبراء فكانت فى أواخر العصر الجاهلى، وكان السبب فى نشوبها سباقا على رهان بين الفرسين، فسميت باسميهما، وكان قد أجراهما سيدا عبس وذبيان: قيس بن زهير وحذيفة بن بدر، وأوشك داحس أن يفوز، غير أن رجلا من ذبيان كان قد كمن له، فاعترضه ونفّره، فعدل عن الطريق.
وبذلك سبقته الغبراء. وأبى قيس أن يعترف بهذا السبق وطلب الرهان المضروب.
وحدث صدام بين الفريقين لم تلبث الحرب أن اندلعت على إثره، وظلت سنوات طويلة حتى تدخل سيدان من ذبيان هما هرم بن سنان والحارث بن عوف المرّى.
فتحملا ديات القتلى. وبذلك وضعت الحرب أوزارها بين القبيلتين ومن كان قد انضم إليهما من الأحلاف، فقد انضمت عامر إلى عبس بينما انضمت تميم وأسد إلى ذبيان. وعلى نحو ما نمت الأساطير حول المهلهل بطل حرب البسوس نمت حول عنترة بطل هذه الحرب، وكان من عبس، فألفت عنه قصة شعبية مشهورة لا نبعد إذا قلنا إنها تحولت إلى إلياذة كبرى للعرب وفروسيتهم الرائعة
стр. 63
الفصل الثالث
الحياة الجاهلية
١ - الأحوال الاجتماعية
كانت القبيلة فى العصر الجاهلى تتألف من ثلاث طبقات: أبناؤها وهم الذين يربط بينهم الدم والنسب وهم عمادها وقوامها، والعبيد وهم رقيقها المجلوب من البلاد الأجنبية المجاورة وخاصة الحبشة، والموالى وهم عتقاؤها، ويدخل فيهم الخلعاء الذين خلعتهم قبائلهم ونفتهم عنها لكثرة جرائرهم وجناياتهم. وكانوا يعلنون هذا الخلع على رؤوس الأشهاد فى أسواقهم ومجامعهم، وقد يستجير الخليع بقبيلة أخرى فتجيره، وبذلك يصبح له حق التوطن فى القبيلة الجديدة، كما يصبح من واجبه الوفاء بجميع حقوقها مثله مثل أبنائها.
ومن هؤلاء الخلعاء طائفة الصعاليك المشهورة، وكانوا يمضون على وجوههم فى الصحراء، يتخذون النهب وقطع الطريق سيرتهم ودأبهم، على نحو ما نعرف عن تأبط شرّا والسّليك بن السلكة والشّنفرى. على أن منهم من كان يظل فى قبيلته لفضل فيه مثل عروة بن الورد، وكان كريما فياضا، وأثر عنه أنه كان يجمع إلى خيمته فقراء قبيلته عبس ومعوزيها ومرضاها، متخذا لهم حظائر يأوون فيها، قاسما بينه وبينهم مغانمه (١).
وهذا الخلع إنما كان يحدث فى حالات شاذة، أما بعد ذلك فإن أفراد القبيلة كانوا متضامنين أشد ما يكون التضامن وأوثقه، وهو تضامن أحكم عراه حرصهم على الشرف وقد تكونت حوله مجموعة من الخلال الكريمة، لعل خير كلمة تجمعها هى كلمة المروءة التى تضم مناقبهم، من مثل الحلم والكرم والوفاء وحماية الجار وسعة الصدر والإعراض عن شتم اللئيم والغضّ عن العوراء.
стр. 64
ولم تكن خصلة عندهم تفوق خصلة الكرم، وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء القاسية وما فيها من إجداب وإمحال فكان الغنى بينهم يفضل على الفقير، وكثيرا ما كان يذبح إبله فى سنين القحط، يطعمها عشيرته، كما يذبحها قرير العين لضيفانه الذين ينزلون به أو تدفعهم الصحراء إليه. ومن سننهم أنهم كانوا يوقدون النار ليلا على الكشبان والجبال، ليهتدى إليهم التائهون والضالون فى الفيافى، فإذا وفدوا عليهم أمّنوهم حتى لو كانوا من عدوهم. ويدور فى شعرهم الفخر بهذه النيران وأن كلابهم لا تنبح ضيوفهم لما تعودت من كثرة الغادين والرائحين، يقول عوف بن الأحوص (١):
ومستنبح يخشى القواء ودونه ... من الليل بابا ظلمة وستورها (٢)
رفعت له نارى فلما اهتدى بها ... زجرت كلابى أن يهرّ عقورها (٣)
فلا تسألينى واسألى عن خليقتى ... إذا ردّ عافى القدر من يستعيرها (٤)
ترى أن قدرى لا تزال كأنها ... لذى الفروة المقرور أمّ يزورها (٥)
مبرّزة لا يجعل السّتر دونها ... إذا أخمد النيران لاح بشيرها (٦)
إذا الشّول راحت ثم لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السّنان عقيرها (٧)
واشتهر عندهم بالكرم الفياض كثيرون (٨)، مثل حاتم الطائى الذى ضربت الأمثال بكرمه، وهو يصوره فى كثير من شعره كقوله (٩):
إذا ما بخيل الناس هرّت كلابه ... وشقّ على الضيف الغريب عقورها
стр. 65
فإنى جبان الكلب بيتى موطّأ ... جواد إذا ما النفس شحّ ضميرها
وكانوا لا يقدرون شيئا كما يقدرون الوفاء، فإذا وعد أحدهم وعدا أوفى به وأوفت معه قبيلته بما وعد، ومن ثم أشادوا بحماية الجار لأنه استجاربهم وأعطوه عهدا أن ينصرونه. وجعلهم ذلك يعظمون الأحلاف فلا ينقضونها مهما قاسوا بسببها من حروب. وبلغ من اعتدادهم بهذه الخصلة أن كانوا يرفعون لمن يغدر منهم لواء فى مجامعهم وأسواقهم، حتى يلحقوا به عار الأبد. يقول الحادرة لصاحبته سمية (١):
أسمىّ-ويحك-هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء لنا بها فى مجمع
وليس هناك خلة تؤكد معنى العزة والكرامة إلا تمدحوا بها، فهم يتمدحون بإغاثة الملهوف وحماية الضعيف والعفو عند المقدرة، كما يتمدحون بالأنفة وإباء الضّيم، وكيف يقبلون الضيم، وهم أهل حرب وجلاد، يقول المتلمّس (٢):
إنّ الهوان حمار الأهل يعرفه ... والحرّ ينكره والرّسلة الأجد (٣)
ولا يقيم على خسف يراد به ... إلا الأذلاّن: عير الأهل والوتد (٤)
هذا على الخسف معقول برمّته ... وذا يشجّ فلا يبكى له أحد
فهم لا ينكرون شيئا مثل إنكارهم للهوان والضيم، فهما السوأة الكبرى والمثلبة العظمى إذ يعنيان الذل وأن القبيلة استبيحت فلم تعد تستطيع الدفاع عن كرامتها.
وكل شئ إلا الهوان، وكان أقل شعور به يثيرهم، على نحو ما مر بنا من ثورة عمرو بن كلثوم على عمرو بن هند حين علم بإهانة أمه فى بلاطه، وكان نازلا معها عنده، فاستل سيفه وقتله، وتغنى شعراء تغلب طويلا بهذا الحادث مفاخرين بعزتهم. وكان للشجاعة والفروسية عندهم منزلة ليس فوقها منزلة، بحكم حروبهم الدائرة التى لا تنى ولا تفتر
وكان سادتهم يمثلون هذه الخصال جميعا فى أقوى صورها، مضيفين إليها
стр. 66
حنكة وحكمة بالغة، وقد اشتهر من بينهم حكّام تجاوزت ألمعيتهم حدود قبائلهم (١)، مثل عامر بن الظّرب وأكثم بن صيفى، وكانت تفزع إليهم القبائل فى خلافاتها الكبيرة التى يصعب حلها فى دائرة قبائلهم وشيوخهم، وقد يفزعون فيها إلى الكهنة والعرّافين.
على أن هناك آفات كانت تشيع فى هذا المجتمع الجاهلى لعل أهمها الخمر واستباحة النساء والقمار، ونحن نجد الخمر تجرى على كل لسان، وقد اشتهر بالحديث عنها وعن كئوسها ودنانها وحوانيتها ومجالسها أعشى قيس وعدى بن زيد العبادى الحيرىّ، وعرض لها كثيرون فى أشعارهم مفاخرين بأنهم يحتسونها ويقدمونها لرفاقهم. وأكثر من كان يتجر بها اليهود والنصارى، وكانوا يجلبونها لهم من بصرى وبلاد الشام ومن الحيرة وبلاد العراق، ويقال إنهم كانوا يضربون خيامهم فى بعض الأحياء أو فى بعض القرى ويضعون فوقها راية تعلن عنهم، فيأتيهم الشباب ليشربوا وليسمعوا بعض القيان ممن يصاحبنهم. وكان من الشباب من يدمن عليها حتى تنفر منه قبيلته، وقد تخلعه لما يتدنّى فيه من رذائل، على نحو ما يروى عن البرّاض ابن قيس الكنانى أحد أدلاّء القوافل فى الجاهلية، إذ كان سكّيرا فاسقا، فخلعه قومه وتبرأوا منه (٢)، ويقول طرفة فى معلقته:
ومازال تشرابى الخمور ولذتى ... وبيعى وإنفاقى طريفى ومتلدى (٣)
إلى أن تحامتنى العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبّد (٤)
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدّك لم أحفل متى قام عوّدى (٥)
فمنهن سبق العادلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد (٦)
стр. 67
وكرّى إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا نبّهته المتورّد (١)
وتقصير يوم الدّجن والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد (٢)
وواضح أنه يجعل من خلال الفتى هذه الخصال الثلاث، وهى الخمر والفروسية أو الشجاعة فى الحرب والتمتع بالنساء، على أن هذه الفتوة التى يصورها طرفة كانت تتسامى عند كثير من فرسانهم مثل عنترة، بل حتى من صعاليكهم مثل عروة ابن الورد وسنعرض لذلك فى موضع آخر
ومهما يكن فقد كانت الخمر وما يتبعها من استباحة النساء شائعة فى هذا العصر، وكان يشيع معها القمار أو الميسر، وكانت عادتهم فيه أن يذبحوا ناقة أو بعيرا، ويقسموا ما يذبحونه عشرة أجزاء، ثم يأتوا بأحد عشر قدحا، يجرون عليها قمارهم، وكانوا يجعلون لسبعة منها نصيبا إن فازت، وعلى أصحابها غرم إن خابت، وأكبرها نصيبا يسمى المعلّى. أما الأربعة الباقون فلا حظّ لها حتى إن فازت.
وأكبر الدلالة على شيوع هذه الآفات بينهم الآيات الكثيرة التى هاجمتها فى القرآن الكريم وما وضعه الإسلام لها من عقاب صارم حتى يكف العرب عنها، وقد شدد فى عقوبة استباحة النساء، وأكثر من النهى عن الخمر والميسر من مثل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما»﴾ وقوله جل وعز: ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»﴾ وقد وصف الخمر بأنها «رجس من عمل الشيطان». ونجد فى الحديث النبوى نهيا كثيرا عنها وأن الله لعنها ولعن عاصرها ومعتصرها وشاربها (٣) وقد جعل لها
стр. 68
الرسول ﷺ حدّا: أربعين جلدة، ولما وجد عمر أن بعض العرب لا يزال يتورط فى شربها رفع حدها إلى ثمانين.
وهذا كله يشهد شهادة قاطعة بانتشار هذه الآفات بين عرب الجاهلية، وفى أخبار الأعشى أنه لما سمع بالرسول ﷺ رغب فى الوفود عليه بالمدينة ومديحه، وعلمت قريش فتعرضت له تمنعه، وكان مما قاله له أبو سفيان إنه «ينهاك عن خلال كلها بك رافق ولك موافق» فلما سأله عنها أجابه: الزنا والقمار والخمر، فعدل الأعشى عن وجهته (١). وعلى نحو ما هاجم الإسلام هذه الآفات هاجم قانونهم الدموى المقدس: قانون الأخذ بثأر، فهدمه هدما وأبطله إبطالا إذ جعل حقه للدولة لا للأفراد، وأقام لهم نظاما سماويّا رفيعا لمجتمعهم ليس هنا محل بحثه.
وحتى الآن لم نتحدث عن المرأة ومكانتها فى هذا المجتمع، وقد كان هناك نوعان من النساء: إماء وحرات، وكانت الإماء كثيرات، وكان منهن عاهرات يتخذن الأخدان، وقينات يضربن على المزهر وغيره فى حوانيت الخمارين، كما كان منهن جوار يخدمن الشريفات، وقد يرعين الإبل والأغنام. وكن فى منزلة دانية، وكان العرب إذا استولدوهن لم ينسبوا إلى أنفسهم أولادهن، إلا إذا أظهروا بطولة تشرفهم على نحو ما هو معروف عن عنترة بن شداد، فإن أباه لم يلحقه بنسبه إلا بعد أن أظهر شجاعة فائقة ردّت إليه اعتباره.
وكانت الحرة تقوم بطهى الطعام ونسج الثياب وإصلاح الخباء، إلا إذا كانت من الشريفات المخدومات، فإنه كان يقوم لها على هذه الأعمال بعض الجوارى.
وتدل دلائل كثيرة على أن بنات الأشراف والسادة كان لهن منزلة سامية، فكن يخترن أزواجهن، ويتركنهم إذا لم يحسنوا معاملتهن (٢). وبلغ من منزلة بعض شريفاتهن أنهن كن يحمين من يستجير بهن ويرددن إليه حريته إذا استشفع بهن، على نحو ما ردت فكيهة إلى السّليك بن السلكة حريته حين وقع أسيرا فى يد عشيرتها من بنى عوار (٣). وكانوا يعدونها جزء لا يتجزأ من عرضهم، ولم يكن شئ
стр. 69
يثيرهم كسبى نسائهم وهم بعيد عن الحى، فكانوا يركبون وراءهن كل وعر حتى يلحقوا بهن وينقذوهن ويغسلوا عار سبيهن عنهم، وهو عار عندهم ليس فوقه عار.
وكانوا يصحبونهن معهم فى الحرب، وكن يشددن من عزائمهم بما ينشدن من أناشيد حماسية، حتى إذا قتل فارس ندبنه ندبا حارّا حاضات على الأخذ بثأره والانتقام من قتلته. وتلمع فى هذا الجانب أسماء كثيرات على رأسهن الخنساء ومراثيها فى أخويها صخر ومعاوية مشهورة. وكن يستشطن غضبا إذا رضيت العشيرة بأخذ الدية، حقنا للدماء، على نحو ما تصور ذلك كبشة أخت عمرو بن معديكرب، وقد قتل أخ لها (١):
فإن أنتم لم تثأروا واتّديتم ... فمشّوا بآذان النّعام المصلّم (٢)
فهى ترى أن عشيرتها إن قبلت الدية فى أخيها أعطت عن يد وهى صاغرة صغار الأسرى الذين تجدع آذانهم، بل صغار النعام المصلم المقطوعة آذانه.
وتقول أم عمرو بنت وقدان فى أخ لها قتل وقد فكرت عشيرتها فى قبول ديته (٣):
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السّلاح ووحّشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق (٤)
فهم إن لم يثأروا لأخيها حقّ عليهم أن يلقوا السلاح ويمضوا على وجوههم إلى مكان بعيد بالأبرق، فيتزيوا بزى النساء، ويتعطروا ويتزينوا بزينتهن. وكانوا يفرون من الحرب حين لا يكون من الفرار بد، إلا أن تكون معهم النساء ويرونهن فارات وقد حسرن عن وجوههن، حينئذ يثبتون فى المعركة ويناضلون حتى الذماء الأخير (٥).
وكان جمالهن يثيرهم، وينطق ألسنتهم بوصفه ووصف ما كن يتزبن به من
стр. 70
طيب وحلى وثياب على نحو ما تصور ذلك معلقة امرئ القيس إذ يقول:
وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضّحى لم تنتطق عن تفضل
ويقول المنخل اليشكرى فى فتاته (١):
الكاعب الحسناء تر ... فل فى الدّمقس وفى الحرير
ولم يقفوا عند جمالها الجسدى، فقد فطنوا إلى جمالها المعنوى وما تتحلى به من شيم وخصال كريمة، على نحو ما يقول الشّنفرى فى زوجه أميمة (٢):
لقد أعجبتنى لا سقوطا قناعها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفّت
تبيت-بعيد النوم-تهدى غبوقها ... لجاراتها إذا الهديّة قلّت (٣)
تحلّ بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالمذمة حلّت
كأن لها فى الأرض نسيا تقصّه ... على أمّها وإن تكلمك تبلت (٤)
أميمة لا يخزى نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفّت وجلّت (٥)
إذا هو أمسى آب قرّة عينه ... مآب السعيد لم يسل أين ظلّت (٦)
فصاحبته وقور خجول، لا يسقط قناعها فى أثناء سيرها ولا تلتفت حولها، وهى كريمة مؤثرة تؤثر جارتها فى الجدب بغبوق اللبن، وقد حصّنت بيتها عن كل لوم أو ذم يلحقها، وهى شديدة الحياء، ومن أجل ذلك لا ترفع رأسها عن الأرض فى مسيرها، حتى ليظن من يبصرها أنها تبحث عن شئ ضاع منها.
وإذا اعترضها شخص وكلمها أوجزت ومضت لقصدها وغرضها. وإن الحديث العطر عنها فى العشيرة ليملأ زوجها زهوا وخيلاء، إنها مثال العفة والجلال. وإنه ليرفعها عن كل شك وتهمة، فإذا أمسى وعاد إليها من المرعى أو بعد رحلته
стр. 71
الطويلة عاد قرير العين بها سعيدا، فلا يسألها أين كانت لأنها موضع ثقته
وتدور فى كتب الأدب قصص وأشعار كثيرة تصور هيام بعضهم بهن، وكانوا دائما يفتتحون قصائدهم بذكرهن وما كان لهم من ذكريات معهن فى بعض المعاهد والمنازل، ويمزجون ذلك بالدموع، على نحو ما يقول امرؤ القيس فى مطلع معلقته:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فالمرأة لم تكن فى الجاهلية مهملة، بل كان لها قدرها عندهم، كما كان لها كثير من الحرية، فكانت تمتلك المال وتتصرف فيه كما تشاء، وقصة اتجار الرسول ﷺ فى أموال السيدة خديجة أم المؤمنين مشهورة. وقد دعم الإسلام هذه الحرية، فحرم أن تعضل المرأة وتمنع من الزواج بعد وفاة زوجها كما حرم زواج المقت، وهو أن يجمع الرجل بين أختين، وحرم الشّغار، وهو أن يتزوج شخص أخت صديق له على أن يزوجه أخته، وأيضا فإنه حرم أن يتزوج الابن امرأة أبيه بعد موته أو أن يتزوج عدة رجال امرأة واحدة، إلى غير ذلك مما كانوا يبيحونه. وتلك كانت عادات عندهم، وهى تلازم الأمم فى عصور بداوتها، ولكن ينبغى أن لا نفهم منها أن المرأة كانت مهدرة الحقوق فى الجاهلية، أما ما سجله عليهم القرآن الكريم من وأدهم للبنات فى قوله تعالى: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ»﴾ فأكبر الظن أن من كانوا يصنعون ذلك منهم أجلاف قساة القلوب كانوا يخشون عليهن من الفقر أو السبى، إذ كان سباؤهن كثيرا فى الجاهلية، وكانوا يعدون ذلك سبّة ما بعدها سبة.
стр. 72
٢ - المعيشة
لم يكن العرب يعيشون فى الجاهلية معيشة واحدة، فقد عرفت الزراعة فى الجنوب والشرق وواحات الحجاز مثل يثرب وخيبر والطائف ووادى القرى. وعاش أهل مكة على التجارة، إذ كانوا يحملون عروضها وسلعها بين حوضى المحيط الهندى والبحر الأبيض. وكانت قوافلهم تجوب الصحراء شمالا وجنوبا فى طرق معلومة كما كانت تجوبها شرقا فى طريقين معروفين: طريق إلى الخليج الفارسى من شرقى مكة وكان يمر بمدينة الرياض الحالية، وطريق ثان كانوا يذهبون فيه شمالا إلى خيبر، ثم يخترقون الصحراء فى وادى الرّمّة، ويظن أنه كان مجرى نهر فى عصور ما قبل التاريخ، ومنه يهبطون إلى الحيرة. وكان يصحبهم فى هذه القوافل أدلاء يحمونهم الضلال فى مجاهل الصحراء (١)، ومن أشهرهم فرات بن حيان، كما كان يصحبهم خفراء يحمون قوافلهم من ذؤبان البادية وقراصنتها أو صعاليكها الذين تعودوا النهب والسلب (٢)، وقد يبلغون ثلاثمائة عدا، ومن أهم القبائل التى كانوا يخشون ذؤبانها قبيلتا هذيل وفهم. وكانوا ينقلون من الجنوب: من اليمن وحوض المحيط الهندى وإفريقية الشرقية اللّبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف الزبيب ومن مناجم بنى سليم الذهب.
كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض البحر الأبيض ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيوت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية (٣).
فمكة فى الجاهلية كانت مدينة تجارية عظيمة، وكان بها الكعبة أكبر معابد العرب حينئذ، فكانوا يحجون إلى أصنامهم وأوثانهم فيها، وتقيم لهم قريش الأعياد والأسواق كسوق عكاظ (٤)، وكانت أكبر أسواقهم، وكانوا يقيمونها فى نجد
стр. 73
بالقرب من عرفات منذ منتصف ذى القعدة إلى نهايته، ولم تكن سوق تجارة فحسب، بل كانت سوقا للخطابة والشعر أيضا، وقد استمع فيها الرسول ﷺ إلى قسّ بن ساعدة وهو يخطب فى الناس. وقالوا إنه كانت تقام للنابغة فيها قبّة ويفد عليها الشعراء يعرضون شعرهم، فمن أشاد به طار اسمه. وكثيرا ما كانوا يفتدون الأسرى فيها وتدفع الديات، وأيضا كثيرا ما كانت تقوم المفاخرات والمنافرات. وعرف غير واحد بأن الناس كانوا يحتكمون إليه فيها، ويذكر فى هذا الصدد أناس من تميم مثل الأقرع بن حابس. ومعنى ذلك كله أن عكاظا كانت أشبه بمؤتمر كبير للعرب، فيه يجتمعون وينظرون فى خصوماتهم ومنازعاتهم، وكل ما يتصل بهم من شئون. ومن أسواق قريش أيضا ذو المجاز بالقرب من عكاظ، وكانت تظل هذه السوق منعقدة إلى نهاية الحج.
وبجانب هاتين السوقين الكبيرتين كان للعرب أسواق أخرى كثيرة يمترون فيها ما يريدون ويشترون ويبيعون، ومن أهمها سوق دومة الجندل فى شمالى نجد وسوق خيبر وسوق الحيرة وسوق الحجر باليمامة وسوق صحار ودبا بعمان وسوق المشقر بهجر وسوق الشحر وسوق حضرموت وسوق صنعاء وعدن ونجران. وكان لكل سوق من هذه الأسواق وقت معلوم تعقد فيه (١).
ولم يكن عرب نجد يفيدون من هذه الأسواق فقط البيع والشراء فإن قوافل عروضها القرشية وغيرها كانت تجعل لكثيرين منهم جعلا نصير حمايتها، وكانت تتخذ منهم الخفراء والأدلاء، فتنفحهم بأموالها. على أنه ينبغى أن لا نظن أن أهل مكة جميعا كانوا أثرياء، فقد كان بجانب الأثرياء فقراء وصعاليك كثيرون، وكان الفرق شاسعا بين ثراء السيد الشريف وفقر المعوز البائس، كما كان بها رقيق كثير.
ووراء المجتمع المكى كان يعيش البدو فى تهامة ونجد وصحراء النفود وبوادى الشام والدهناء والبحرين معيشة بدوية تعتمد على رعى الأغنام والأنعام. وكانوا لا يفضلون شيئا على حياتهم الرعوية البدوية، لا يفضلون الزراعة ولا الصناعة، بل يحتقرونهما ويزدرونهما، فلا حياة مثل حياتهم حياة البساطة والحرية التى
стр. 74
لا تحدّ. ووقفت الصحراء تحميهم وتحرس تقاليدهم ولغتهم وتقيم أسوارا من دونهم ودون هذه الحياة الصحراوية، وهى حياة كان غذاؤهم فيها بسيطا، فقليل من الشعير يكفيهم، وإذا أضيف التمر واللبن فذلك غذاء رافه، وكان لباسهم بسيطا كغذائهم، وهو ليس أكثر من ثوب طويل يضمه فى وسطه منطقة وقد تلفه عباءة، وغطاء للرأس يمسكه عقال.
ولكن لا تظن أن هذه الحياة البسيطة كانت سهلة، فقد كانت الصحراء مليئة بالمخاوف والمخاطر، إذ فيها غير قليل من الوحوش والسباع والحشرات والحيات، وفيها القفار الجرداء الزاخرة بالخنادق والمهاوى ورياح السموم، وفيها حنادس الليل المظلم المخيف التى كانت تلقى فى روعهم بالخيالات والأوهام وما تمثل لهم من السّعالى والجن والغيلان. وفى تضاعيف ذلك كان العرب يتربص بعضهم ببعض، إذ كانت حياتهم كما قدمنا حياة حربية دامية، وكاد أن لا يكون هناك حى أو عشيرة بل أسرة إلا وهى واترة موتورة.
وقد تحولت هذه الحياة الحربية من بعض وجوهها إلى مصدر من مصادر رزقهم، إذ كانوا يتخذون الغزو وسيلة من وسائل عيشهم، وهو عيش مشوب بالضنك والشظف وهذا الصراع العنيف الذى كانوا يخوضونه ضد مخاطر الصحراء ومن يترصدهم من الأعداء، وصوّر ذلك تصويرا طريفا تأبط شرا فى كلمة له (١) فقال:
يظلّ بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك (٢)
ويسبق وفد الريح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك (٣)
إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك (٤)
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من حدّ أخضر باتك (٥)
стр. 75
إذا هزّه فى عظم قرن تهلّلت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك (١)
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك (٢)
وتلك كانت حياة أكثرهم، فهم يقطعون مفازة فى النهار، فإذا جنّهم الليل وجدتهم فى مفازة أخرى وقد ركبوا ظهور المهالك والمعاطب، لا يستصحبون رفيقا غالبا سوى أرجلهم التى تعودت العدو السريع. وهم دائما مفزّعون حتى فى النوم، فإذا ناموا لم ينم قلبهم بل ظل يكلؤهم ويرعاهم خيفة عدو راصد من وحش أو إنسان، بل إن النوم لا يكاد يلم بعيونهم إلا غرارا، فهى معلقة بسيوفهم التى لا تلبث أن تستقر فى صدور من يهجمون عليهم، فيضحك الموت ويكشر عن أنيابه الغلاظ.
وعلى هذه الشاكلة هم دائما مستوحشون، بل إنهم ليؤثرون الوحشة ويستحبونها إذ يرون فيها الأنس، فأنسهم فى التفرد بالفلوات والقفار التى تمرسوا بها وعرفوا مسالكها ودروبها معرفة تجعلهم لا يضلون قصدهم كما لا تضل الشمس قصدها، بل يهتدون دائما إليه.
وهذه الحياة القاسية المخوفة هى التى دفعتهم إلى الإشادة باحتمال الشدائد والجرأة والشجاعة، فإن القبيلة إن لم يكن لها حماة يذودون عنها تخطفتها القبائل من حولها وفنيت فيها. وكان أهم حيوان أعانهم على احتمال هذه الحياة المجهدة البعير الذى يتحمل-مثلهم-مشاق الصحراء ولا يرهقه عطش ولا جوع ولا ما يحمله من أثقال. فهو رفيقهم المفضل الذى يوافقهم، ولذلك طالما أشادوا به فى شعرهم.
وكثيرا ما يصفون معه الحيوانات التى تصادفهم من مثل أتن الوحش وحمارها وبقر الوحش وثورها والنعام والظباء. وكان فرسانهم ينفقون أيامهم على صهوات الجياد يرتادون بها مجاهل الصحراء ويلقون عليها الأعداء، وقد يتخذونها لصيد الوحش على نحو ما يصور لنا ذلك امرؤ القيس فى معلقته وزهير فى لاميته (٣).
وكان صيد الحيوان الشغل الشاغل لكثيرين منهم، فكانوا يدربون الكلاب عليه ويضرّونها تضرية، حتى تصبح من الجوارح الفاتكة، وفى شعرهم قطع كثيرة تصف المعارك التى كانت تنشب بينها وبين الأتن وحمارها أو البقر وثورها.