← История

История · id 11997

تاريخ الخلفاء - ت إبراهيم صالح

الجلال السيوطي

Полный текст (618 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق: الحمد للّه حمدا تنشرح له الصّدور، والصّلاة والسّلام على المبعوث بالهدى والنّور، وعلى آله وصحبه الأقمار والبدور. وبعد: فإنّ الإمام السّيوطيّ رحمه اللّه تعالى غنيّ عن التّعريف، بما له من باع طويل في شتّى فنون العلم والمعرفة؛ ولولا أنّ مقدّمات الكتب تستوجب تعريفا - ولو مختصرا - بالمؤلّف لكان من الأفضل ترك ذلك. ولكن الإمام السّيوطي كفانا مؤونة البحث والتّنقيب عن حياته الزّاخرة بالأمجاد العلميّة منذ نعومة أظفاره إلى أن تغمّده اللّه برحمته؛ فقد ترجم لنفسه - اقتداء بغيره - في كتابه «حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة» (١) كما خصّص لترجمته كتابا حافلا أسماه «التّحدّث بنعمة اللّه». وهذا مختصر لما ذكره في «حسن المحاضرة»: اسمه ونسبه: عبد الرّحمن بن الكمال أبي بكر بن محمّد بن سابق الدّين بن الفخر عثمان بن ناظر الدّين محمّد بن سيف الدّين خضر بن نجم الدّين أبي الصّلاح أيّوب بن ناصر الدّين محمّد بن الشّيخ همام الدّين الهمام الخضيريّ الأسيوطيّ. أسلافه: قال ﵀: أمّا جدّي الأعلى همام الدّين فكان من أهل الحقيقة ومن مشايخ الطّرق، ومن دونه _________ (١) حسن المحاضرة ١/ ٣٣٥ - ٣٤٤.

стр. 2

كانوا من أهل الوجاهة والرّئاسة؛ منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجرا في صحبة الأمير شيخون وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافا، ومنهم من كان متموّلا. ولا أعرف منهم من خدم العلم حقّ الخدمة. إلاّ والدي - وكان فقيها شافعيّا. نسبته: قال ﵀: وأمّا نسبتنا بالخضيري، فلا أعلم ما تكون إليه هذه النّسبة إلاّ الخضيريّة - محلّة ببغداد -. وقد حدّثني من أثق به أنّه سمع والدي - رحمه اللّه تعالى - يذكر أنّ جدّه الأعلى كان أعجميّا أو من الشّرق. فالظّاهر أنّ النّسبة إلى المحلّة المذكورة. مولده: قال: وكان مولدي بعد المغرب، ليلة الأحد، مستهلّ رجب، سنة ٨٤٩. طلبه العلم: قال ﵀: وحملت في حياة أبي إلى الشّيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النّفيسي، فبرّك عليّ؛ ونشأت يتيما، فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت «العمدة» و «منهاج الفقه» و «الأصول» و «ألفيّة ابن مالك». وشرعت في الاشتغال بالعلم من مستهلّ سنة ٨٦٤. فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشّيوخ. وأخذت الفرائض عن العلاّمة شهاب الدّين الشّارمساحيّ. والفقه عن شيخ الإسلام علم الدّين البلقيني، إلى أن مات فلازمت ولده، فلما توفي لزمت شيخ الإسلام شرف الدّين المناوي. ولزمت في الحديث والعربيّة الشّيخ تقيّ الدّين الشّبلي الحنفي، فواظبته أربع سنين. ولزمت شيخنا أستاذ الوجود محي الدّين الكافيجي أربع عشرة سنة، فأخذت عنه الفنون من التّفسير والأصول والعربيّة والمعاني وغير ذلك.

стр. 3

وحضرت عند الشّيخ سيف الدّين الحنفي دروسا عديدة. ورزقت التّبحّر في سبعة علوم: التّفسير، والحديث، والفقه، والنّحو، والمعاني، والبيان، والبديع. ودون هذه السّبعة في المعرفة: أصول الفقه، والجدل، والتّصريف. ودونها الإنشاء والتّرسّل، والفرائض. ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ. ودونها الطّبّ. العلوم المستبعدة: قال ﵀: وأمّا علم الحساب، فهو أعسر شيء عليّ، وأبعده عن ذهني؛ وإذا نظرت في مسألة تتعلّق به فكأنّما أحاول جبلا أحمله. وقد كنت في مبادئ الطّلب، قرأت شيئا في علم المنطق، ثم ألقى اللّه كراهته في قلبي؛ وسمعت أنّ ابن الصّلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك، فعوّضني اللّه تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم. عدّة مشايخه: قال ﵀: وأمّا مشايخي في الرّواية سماعا وإجازة فكثير؛ أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدّتهم نحو مائة وخمسين. رحلاته: قال: وسافرت بحمد اللّه تعالى إلى بلاد الشّام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتّكرور. ولمّا حججت شربت من ماء زمزم لأمور: منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشّيخ سراج الدّين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر. نشاطه العلمي: قال ﵀: أجزت بتدريس العربيّة في مستهلّ ٨٦٦، والإفتاء سنة ٨٧١؛ وعقدت إملاء الحديث من مستهلّ ٨٧٢، وقد كملت عندي آلات الاجتهاد بحمد اللّه تعالى.

стр. 4

ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النّقليّة والقياسيّة، ومداركها ونقوضها وأجوبتها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها، لقد رت على ذلك من فضل اللّه. مصنّفاته: قال ﵀: وشرعت في التّصنيف في سنة ٨٦٦، وبلغت مؤلّفاتي إلى الآن ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه. وفاته: توفي الإمام السّيوطي رحمه اللّه تعالى يوم الخميس، تاسع عشر جمادى الأولى، سنة ٩١١، ودفن بحواز خانقاه قوصون خارج باب القرافة، بعد أن ملأ الدّنيا علما وشهرة وذكرا. * * *

стр. 5

هذا الكتاب: لهذا الكتاب طبعات عدّة، أهمّها طبعتان: الأولى: صدرت عن المكتبة التجارية الكبرى بالقاهرة بتحقيق الشّيخ محمد محي الدّين عبد الحميد، ﵀، سنة ١٩٥٢ م. وليس في الكتاب ما يشير إلى أن المحقّق عاد إلى نسخة خطيّة أو أكثر في نشرته؛ ولكن الظّاهر من خلال الحواشي أنّه اعتمد نسختين مطبوعتين قديما. وهذه الطبعة - وهي الأكثر تداولا بين أهل العلم - تعجّ بالأخطاء والتّصحيف والتّحريف والنّقص والتّشويه؛ في الآيات القرآنيّة والأحاديث الشّريفة والأخبار والأشعار!!. وقد رمزت إليها بالحرف (ح). الثّانية: صدرت عن دار الفكر العربي بالقاهرة، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ﵀، سنة ١٩٧٥ م. وكان المتوقّع أن تكون هذه الطّبعة خيرا من سابقتها؛ ولكن ممّا يؤسف له أن يعتمد المحقق أسلوب التّدليس في مقدّمته؛ فقد ادّعى أنّه اعتمد نسخة دار الكتب المصرية رقم «١٤ تاريخ» أساسا لطبعته، ثم أوهم العالم والباحث والقارئ بصحّة هذا الادّعاء عند ما أثبت صورة الصفحة الأولى وصورة الصفحة الأخيرة من المخطوطة المذكورة، وهو في الواقع لم يعد إطلاقا إلى تلك المخطوطة ولا عارض بها الطبعة السّابقة. فطبعته إنّما هي نسخة أخرى من طبعة الشّيخ محمد محي الدّين بعجرها وبجرها، وزيادة في كميّة الأخطاء!!. تماما كما فعل بطبقات النّحويّين واللّغويّين للزّبيدي في طبعة دار المعارف عند ما

стр. 6

أثبت صورة بعض الصفحات من النّسخة المغربيّة، وتبيّن لدى المعارضة أنّه لم يقابل بها طبعته الأولى!!. وقد أثبتّ في حواشي هذه الطبعة بعضا من أخطاء الطبعتين لتكون دليلا على الأمانة العلميّة لديهما. فاتّقوا اللّه، عباد اللّه؛ ولا تستهينوا بأمانة العلم فإنّها من أثقل الأمانات. وقد رمزت إلى هذه الطبعة بالحرف (م). النّسخ المعتمدة: اعتمدت في إخراج هذه الطبعة على نسختين خطّيّتين: الأولى: نسخة دار الكتب المصريّة رقم ١٤ تاريخ، وهي نسخة كاملة، تقع في ١٥٢ ورقة، يغلب عليها الصّحّة، مكتوبة بخطّ مقروء؛ وربّما كانت هذه النّسخة أقدم النّسخ المعروفة لهذا الكتاب، فقد انتهى كاتبها من نسخها في يوم الأربعاء العشرين من ربيع الأول من شهور سنة خمس وستّين وتسعمائة؛ أي بعد أربع وخمسين سنة من وفاة المؤلّف. وقد رمزت إليها بالحرف (أ). الثانية: نسخة دار الكتب الظّاهريّة بدمشق، وهي الآن في مكتبة الأسد؛ وهذه النسخة ناقصة، وتمثّل نصف الكتاب فقط، وتنتهي في نهاية ترجمة الخليفة أبي العبّاس السّفّاح. وتقع في ١٧٣ ورقة، مكتوبة بقلم مستعجل، متداخلة الكلمات؛ جاء في خاتمتها ما نصّه: انتهى الجزء الأوّل من تاريخ الخلفاء … في عشرين المحرّم الحرام، يوم الجمعة، سنة سبع وثلاثين بعد الألف، على يد كاتبه العبد الفقير إلى اللّه تعالى الدّرويش محمد بن محمد الحريري، ختم اللّه له وللمسلمين بالحسنى. آمين. وقد رمزت إليها بالحرف (ظ).

стр. 7

هذه الطّبعة: ربّما يحقّ لي أن أقول: إنّ هذه الطّبعة هي أوّل طبعة علميّة محقّقه لهذا الكتاب الجليل؛ ولست أدّعي الكمال، فالكمال لمن له الكمال جلّ شأنه؛ ولكني عملت فيه جاهدا أبتغي وجه اللّه تعالى في خدمته، فإن كنت أحسنت فذلك من توفيق اللّه سبحانه، وإن كنت أسأت فمنّي ومن الشّيطان؛ وحسبي أنّي أخلصت في خدمته النّيّة والعمل. ربّنا تقبّل منا إنّك أنت السّميع العليم، وتب علينا إنك أنت التّوّاب الرّحيم. والحمد للّه في البدء والختام. وكتبه إبراهيم صالح دمشق الشام ٢٠ ربيع الآخر ١٤١٧ هـ - ٣ أيلول ١٩٩٦ م

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم (١) أمّا بعد حمد اللّه الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد سيّد الشّرفا، ومسوّد الخلفا، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفا. فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمّة من عهد أبي بكر الصّدّيق ﵁ إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم، الأوّل فالأوّل، وذكرت في ترجمة كلّ منهم ما وقع في أيّامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيّامه من أئمّة الدّين وأعلام الأمّة. وكان الدّاعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور: منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمّة مطلوبة، ولذوي المعارف محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا فيها المقال، واستيفاء ذلك يوجب التطويل والملال، فرأيت أن إفراد كلّ طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطّائفة خاصّة وأسهل في التّحصيل؛ فأفردت كتابا في «الأنبياء» صلوات اللّه عليهم وسلامه، وكتابا في «الصحابة» رضي اللّه تعالى عنهم ملخصا من «الإصابة» لشيخ الإسلام أبي الفضل أحمد بن حجر ﵀، وكتابا حافلا في «طبقات المفسّرين»، وكتابا وجيزا في «طبقات الحفّاظ» لخّصته من «طبقات الذّهبي»، وكتابا جليلا في «طبقات النّحاة واللّغويّين» لم يؤلّف قبله مثله، وكتابا في «طبقات الأصوليّين»، وكتابا جليلا في «طبقات الأولياء»، وكتابا في «طبقات الفرضيّين»، وكتابا في «طبقات البيانيّين»، وكتابا في «طبقات الكتّاب» - أعني أرباب الإنشاء - وكتابا في «طبقات أهل الخطّ المنسوب»، وكتابا في «شعراء العرب الّذين يحتجّ بكلامهم في علم

стр. 9

العربيّة»، وهذه الكتب تجمع غالب أعيان الأمّة، واكتفيت في «طبقات الفقهاء» بما ألّفه النّاس في ذلك لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القرّاء بطبقات الذّهبي، وأمّا القضاة فهم داخلون فيمن تقدّم؛ ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوّق النّفوس إلى أخبارهم؛ فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدا ممّن ادّعى الخلافة خروجا ولم يتم له الأمر، ككثير من العلويّين وقليل من العباسيّين. ولم أورد أحدا من الخلفاء العبيديّين لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور: منها: أنّهم غير قرشيّين، وإنّما يسمّيهم بالفاطميّين جهلة العوام، وإلا فجدّهم مجوسيّ؛ قال القاضي عبد الجبّار البصري: اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد، وكان أبوه يهوديّا حدّادا ببلدة سلميّة من أعمال حماة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاّني: القدّاح جدّ عبيد اللّه الذي تسمّى بالمهديّ كان مجوسيّا، ودخل عبيد اللّه هذا المغرب، وادّعى أنّه علويّ، ولم يعرفه أحد من علماء النّسب، وسمّاهم جهلة النّاس فاطميّين (١). وقال ابن خلّكان: أكثر أهل العلم لا يصحّحون نسب المهديّ عبيد اللّه جدّ خلفاء مصر، حتّى إنّ العزيز باللّه ابن المعزّ في أوّل ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات (٢): [من السريع] إنّا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر في الجامع إن كنت فيما تدّعي صادقا … فاذكر أبا بعد الأب السّابع وإن ترد تحقيق ما قلته … فانسب لنا نفسك كالطّائع أولا دع الأنساب مستورة … وادخل بنا في النّسب الواسع فإنّ أنساب بني هاشم … يقصر عنها طمع الطّامع

стр. 10

وكتب العزيز هذا إلى الأمويّ صاحب الأندلس (١) كتابا سبّه فيه وهجاه، فكتب إليه الأمويّ «أمّا بعد، فإنّك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» فاشتدّ ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب - يعني أنه دعيّ لا تعرف قبيلته. قال الذّهبيّ (٢): المحقّقون متّفقون على أن عبيد اللّه المهدي ليس بعلويّ، وما أحسن ما قال حفيده المعزّ صاحب القاهرة - وقد سأله ابن طباطبا العلويّ عن نسبهم - فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي، ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال: هذا حسبي. ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، فمنهم من أظهر سبّ الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسّجود له، والخيّر منهم رافضيّ خبيث لئيم يأمر بسبّ الصّحابة ﵃؛ ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصحّ لهم إمامة. قال القاضي أبو بكر الباقلاّني: كان عبيد اللّه المهدي باطنيّا خبيثا حريصا على إزالة ملّة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكّن من إغواء الخلق؛ وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج والفجور، وأشاعوا الرفض. وقال الذهبيّ: كان القائم بن المهدي شرّا من أبيه، زنديقا ملعونا، أظهر سبّ الأنبياء؛ وقال: وكان العبيديّون على ملّة الإسلام شرّا من التّتر. وقال أبو الحسن القابسي: إنّ الّذين قتلهم عبيد اللّه وبنوه من العلماء والعبّاد أربعة آلاف رجل، ليردّوهم عن التّرضّي عن الصّحابة، فاختاروا الموت، فيا حبّذا لو كان رافضيّا فقط، ولكنه زنديق. وقال القاضي عياض (٣): سئل أبو محمد القيروانيّ الكبرانيّ من علماء المالكيّة عمّن أكرهه بنو عبيد - يعني خلفاء مصر - على الدّخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال:

стр. 11

يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، إلاّ من كان أوّل دخولهم قبل أن يعرف أمرهم؛ وأمّا بعد فقد وجب الفرار؛ فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته؛ لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنّما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلاّ تخلو للمسلمين حدودهم (١) فيفتنوهم عن دينهم. وقال يوسف الرّعيني (٢): أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدّين والزّنادقة؛ لما أظهروا من خلاف الشّريعة. وقال ابن خلّكان: وقد كانوا يدّعون علم المغيّبات؛ وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد يوما المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب (٣): [من مخلّع البسيط] بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقه إن كنت أعطيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقه وكتبت إليه امرأة قصّة فيها: بالذي أعزّ اليهود بمنشّا (٤)، والنّصارى بابن نسطور (٥)، وأذلّ المسلمين بك، إلاّ نظرت في أمري، وكان ولّى منشّا اليهودي عاملا بالشّام، وابن نسطور النّصراني بمصر. ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العبّاسيّ قائم موجود سابق البيعة، فلا تصح؛ إذ لا تصحّ البيعة لإمامين في وقت واحد، والصّحيح المتقدّم. ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العبّاس لا يخرج عنهم

стр. 12

حتى يسلّموه إلى عيسى بن مريم أو المهدي؛ فعلم أن من تسمّى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ. فلهذه الأمور لم أذكر أحدا من العبيديّين ولا غيرهم من الخوارج، وإنّما ذكرت الخليفة المتّفق على صحّة إمامته وعقد بيعته. وقد قدّمت في أوّل الكتاب فصولا فيها فوائد مهمّة، وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخّص من تاريخ الحافظ الذّهبيّ، والعهدة في أمره عليه، واللّه المستعان. * * *

стр. 13

فصل في بيان كونه ﷺ لم يستخلف، وسرّ ذلك قال البزّار في مسنده: حدّثنا عبد اللّه بن وضّاح الكوفي، حدثنا يحيى بن اليمان، حدثنا إسرائيل، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول اللّه ألا تستخلف علينا؟ قال: «إنّي إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب». أخرجه الحاكم في المستدرك؛ وأبو اليقظان ضعيف. وأخرج الشّيخان عن عمر أنه قال حين طعن: «إن أستخلف عليكم فقد استخلف من هو خير منّي - يعني أبا بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير منّي» - يعني رسول اللّه ﷺ . وأخرج أحمد والبيهقيّ في «دلائل النّبوّة» بسند حسن، عن عمرو بن سفيان قال: لمّا ظهر عليّ يوم الجمل قال: أيّها النّاس، إن رسول اللّه ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئا، حتّى رأينا من الرّأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتّى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرّأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدّين بجرانه (١)، ثم إن أقواما طلبوا الدّنيا فكانت أمور يقضي اللّه فيها. وأخرج الحاكم في «المستدرك» وصحّحه، والبيهقيّ في «الدلائل» عن أبي وائل قال: قيل لعليّ: «ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول اللّه ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد اللّه بالنّاس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيّهم على خيرهم». قال الذّهبيّ: وعند الرّافضة أباطيل في أنه ﷺ عهد إلى عليّ ﵁؛ وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمّر على عليّ وصيّ رسول اللّه ﷺ ؟ ودّ أبو بكر

стр. 14

أنه وجد عهدا من رسول اللّه ﷺ فخزم أنفه بخزام. أخرجه ابن سعد والبيهقيّ في «الدلائل». وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عليّ: لمّا قبض رسول اللّه ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النّبيّ ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصّلاة؛ فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللّه ﷺ كفؤا لديننا؛ فقدّمنا أبا بكر. وقال البخاري في «تاريخه»: روي عن ابن جمهان، عن سفينة، أن النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان: «هؤلاء الخلفاء بعدي». قال البخاريّ: ولم يتابع على هذا؛ لأن عمر وعليّا قالا: لم يستخلف النّبيّ ﷺ ، انتهى. والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الجماني حدثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: لمّا بنى رسول اللّه ﷺ المسجد وضع في البناء حجرا وقال لأبي بكر: ضع حجرك إلى جنب حجري، ثم قال لعمر: ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر، ثم قال لعثمان: ضع حجرك إلى جنب حجر عمر، ثم قال: «هؤلاء الخلفاء بعدي». قال أبو زرعة: إسناده لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» وصحّحه، والبيهقي في «الدّلائل» وغيرهما. قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي: إنه لم يستخلف؛ لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينصّ على استخلاف أحد، وهذا إشارة وقعت قبل ذلك فهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي» أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية؛ وكقوله ﷺ : «اقتدوا بالّذين من بعدي أبي بكر وعمر» وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.

стр. 15

فصل في بيان أن الأئمة من قريش، والخلافة فيهم قال أبو داود الطيالسي في «مسنده»: حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيّار بن سلامة عن أبي برزة أن النّبي ﷺ قال: «الأئمّة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا». أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني. وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا أبو مريم الأنصاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة». إسناده صحيح. وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عيّاش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح، عن كثير بن مرّة، عن عتبة بن عبد (١)، أن النّبيّ ﷺ قال: «الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدّعوة في الحبشة». رجاله موثّقون. وقال البزّار: حدثنا إبراهيم بن هاني، حدثنا الفيض بن الفضل، حدثنا مسعر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الأمراء من قريش، أبرارها أمراء أبرارها، وفجّارها أمراء فجّارها».

стр. 16

فصل في مدّة الخلافة في الإسلام قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حمّاد بن سلمة، حدثنا سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «الخلافة ثلاثون عاما، ثم يكون من بعد ذلك الملك». أخرجه أصحاب السّنن، وصحّحه ابن حبّان وغيره. قال العلماء: ولم يكن في الثّلاثين بعده ﷺ إلاّ الخلفاء الأربعة وأيّام الحسن بن عليّ. وقال البزّار: حدّثنا محمد بن سكين، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا يحيى بن حمزة، عن محكول، عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرّاح أنه قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إن أول دينكم بدأ نبوّة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا وجبريّة». حديث حسن. وقال عبد اللّه بن أحمد: حدّثنا محمّد بن أبي بكر المقدّمي، حدّثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن الشّعبي، عن جابر بن سمرة عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر عزيزا، ينصرون على من ناوأهم (١) عليه، إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش». أخرجه الشّيخان وغيرهما. وله طرق وألفاظ: منها «لا يزال هذا الأمر صالحا»، ومنها «لا يزال هذا الأمر ماضيا» رواهما أحمد؛ ومنها عند مسلم «لا يزال أمر النّاس ماضيا ما وليهم اثنا عشر

стр. 17

رجلا»، ومنها عنده «إن هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضى له فيهم اثنا عشر خليفة»، ومنها عنده «لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة»؛ ومنها عند البزار «لا يزال أمر أمتي قائما حتى يمضى اثنا عشر خليفة كلهم من قريش»؛ ومنها عند أبي داود زيادة «فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ما ذا؟ قال: ثم يكون الهرج» (١)، ومنها عنده «لا يزال هذا الدّين قائما حتّى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم تجتمع الأمّة عليه». وعند أحمد والبزّار بسند حسن عن ابن مسعود «أنه سئل: كم يملك هذه الأمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول اللّه ﷺ ؟ فقال: اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل». قال القاضي عياض: لعلّ المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها، أنّهم يكونون في مدّة عزّة الخلافة، وقوة الإسلام واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة؛ وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه النّاس إلى أن اضطرب أمر بني أميّة ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فاتّصلت بينهم إلى أن قامت الدّولة العبّاسيّة فاستأصلوا أمرهم. قال شيخ الإسلام ابن حجر في «شرح البخاري»: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصّحيحة: «كلّهم يجتمع عليه النّاس» وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أنّ النّاس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين (٢) فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع النّاس على معاوية عند صلح الحسن بن علي، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك. ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على مروان بن الحكم، ثم على ولده عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد

стр. 18

ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وتخلّل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الرّاشدين، والثّاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لمّا مات عمّه هشام بن عبد الملك فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيّرت الأحوال من يومئذ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عمّ أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولمّا مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فقتله مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل. ثم كان أوّل خلفاء بني العبّاس السّفّاح، ولم تطل مدّته مع كثرة من ثار عليه، ثم ولي أخوه المنصور فطالت مدّته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيّين على الأندلس، واستمرت في أيديهم متغلّبين عليها إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك. وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلاّ الاسم في البلاد، بعد أن كان في أيّام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض، شرقا وغربا يمينا وشمالا، ممّا غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلاّ بأمر الخليفة. ومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستّة أنفس كلّهم يتسمّى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر العبيدي، والعباسيّ ببغداد، خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلويّة والخوارج. قال: فعلى هذا التّأويل يكون المراد بقوله ﷺ : «ثم يكون الهرج» يعني القتل النّاشئ عن الفتن وقوعا فاشيا، ويستمرّ ويزداد، وكذا كان. وقيل: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحقّ وإن لم تتوال أيّامهم، ويؤيّد هذا ما أخرجه مسدّد في «مسنده الكبير» عن أبي الجلد أنه قال: «لا تهلك هذه الأمّة حتّى يكون منها اثنا عشر خليفة كلّهم يعمل بالهدى ودين الحق، منهم رجلان من أهل بيت محمّد ﷺ ». وعلى هذا فالمراد بقوله: «ثم يكون الهرج» أي الفتن المؤذنة بقيام السّاعة، من خروج الدّجّال وما بعده، انتهى.

стр. 19

قلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزّبير، وعمر بن عبد العزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضمّ إليهم المهتدي (١) من العباسيّين؛ لأنّه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أميّة، وكذلك الظّاهر (٢) لما أوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما المهديّ لأنه من آل بيت محمّد ﷺ . فصل في الأحاديث المنذرة بخلافة بني أميّة قال التّرمذي: حدّثنا محمود بن غيلان (٣)، حدّثنا أبو داود الطّيالسي، حدّثنا القاسم بن الفضل الحداني (٤)، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سوّدت وجوه المؤمنين. فقال: لا تؤنّبني - رحمك اللّه - فإن النّبيّ ﷺ رأى بني أميّة على منبره، فساءه ذلك، فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ اَلْكَوْثَرَ﴾ (٥) [يعني نهرا في الجنّة]، ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ، * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ، * لَيْلَةُ اَلْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٦) يملكها بعدك بنو أميّة يا محمّد. قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث القاسم، وهو ثقة، ولكنّ شيخه مجهول.

стр. 20

وأخرج هذا الحديث الحاكم في «مستدركه»، وابن جرير في «تفسيره». قال الحافظ أبو الحجّاج [المزي]: وهو حديث منكر، وكذا قال ابن كثير. وقال ابن جرير في «تفسيره»: حدّثت عن محمد بن [الحسن بن] زبالة، حدثنا عبد المهيمن بن عبّاس بن سهل، حدّثني أبي عن جدّي، قال: «رأى رسول اللّه ﷺ بني الحكم بن أبي العاص ينزون (١) على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما رؤي ضاحكا حتّى مات؛ وأنزل اللّه في ذلك ﴿وَما جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْناكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ (٢). إسناده ضعيف، لكن له شواهد من حديث عبد اللّه بن عمر، ويعلى بن مرّة، والحسين بن علي، وغيرهم. وقد أوردتها بطرقها في كتاب «التّفسير المسند»، وأشرت إليها في كتاب «أسباب النّزول». فصل في الأحاديث المبشّرة بخلافة بني العبّاس قال البزّار: حدّثنا يحيى بن معلّى (٣) بن منصور، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن محمّد بن عبد الرّحمن العامريّ، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ للعبّاس: «فيكم النّبوّة والمملكة». العامريّ: ضعيف.

стр. 21

وقد أخرجه أبو نعيم في «دلائل النّبوّة»، وابن عديّ في «الكامل»، وابن عساكر، من طرق عن ابن أبي فديك. وقال التّرمذي: حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول اللّه ﷺ للعبّاس: «إذا كان غداة الاثنين، فأتني أنت وولدك حتّى أدعو لك (١) بدعوة ينفعك اللّه بها وولدك؛ فغدا وغدونا معه، وألبسنا كساء ثم قال: اللّهم اغفر للعبّاس وولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا، اللّهم احفظه في ولده». هكذا أخرجه التّرمذي في جامعه، وزاد رزين العبدريّ في آخره «واجعل الخلافة باقية في عقبه». قلت: هذا الحديث والذي قبله أصحّ ما ورد في هذا الباب. وقال الطّيراني: حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى بن حمزة، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي النّضر (٢)، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «رأيت بني مروان يتعاورون على منبري، فساءني ذلك؛ ورأيت بني العبّاس يتعاورون على منبري، فسرّني ذلك». التّعاور: التّداول. وقال أبو نعيم في «الحلية»: حدّثنا محمّد بن المظفّر، حدّثنا عمر بن الحسن بن علي، حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن عبيد (٣)، حدّثنا محمّد بن صالح العدويّ، حدّثنا [لاهز] بن جعفر التّميمي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصّمد العمّيّ، أخبرني علي بن

стр. 22

زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁ قال: «خرج رسول اللّه ﷺ ، فتلقّاه العبّاس، فقال: ألا أبشّرك يا أبا الفضل؟ قال: بلى يا رسول اللّه، قال: إن اللّه افتتح بي هذا الأمر، وبذرّيّتك يختمه». إسناده ضعيف. وقد ورد من حديث عليّ بإسناد أضعف من هذا، أخرجه ابن عساكر من طريق محمّد بن يونس الكديمي - وهو وضّاع - عن إبراهيم بن سعيد الأشقر، عن خلف بن خليفة (١) عن أبي هاشم، عن محمّد بن الحنفيّة، عن عليّ ﵁، أن رسول اللّه ﷺ قال للعبّاس: «إن اللّه فتح هذا الأمر بي، ويختمه بولدك». وورد أيضا من حديث ابن عبّاس، أخرجه الخطيب في التّاريخ ولفظه «بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم». وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي باللّه، وورد أيضا من حديث عمّار بن ياسر، أخرجه الخطيب. وقال في «الحلية»: حدّثنا محمّد بن المظفر، حدثنا نصر بن محمد، حدّثنا علي بن أحمد السّوّاق، حدّثنا عمر بن راشد، حدّثنا عبد اللّه بن محمّد بن صالح، عن أبيه عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللّه ﵁ أنه قال: قال رسول اللّه ﷺ : «يكون من ولد العبّاس ملوك يلون أمر أمّتي (٢)، يعزّ اللّه بهم الدّين». عمر بن راشد: ضعيف. وقال أبو نعيم في «الدّلائل» (٣): حدّثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدّثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر، حدّثنا أحمد بن راشد بن خثيم، ثنا عمّي سعيد بن خثيم، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عبّاس ﵄، قال:

стр. 23

حدّثتني أمّ الفضل ﵂ قالت: مررت بالنّبيّ ﷺ فقال: «إنك حامل بغلام، فإذا ولدت فأتيني به؛ فلمّا ولدته أتيت به النّبيّ ﷺ ، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، وألبأه (١) من ريقه، وسمّاه عبد اللّه، وقال: اذهبي بأبي الخلفاء؛ فأخبرت العبّاس [- وكان رجلا لبّاسا - فلبس ثيابه ثم أتى إلى النّبيّ ﷺ فلمّا بصر به قام فقبّل بين عينيه] فذكر ذلك لرسول اللّه ﷺ ، فقال: هو ما أخبرتك، هذا أبو الخلفاء، حتى يكون منهم السّفّاح، حتّى يكون منهم المهدي، حتّى يكون منهم من يصلّي بعيسى بن مريم ﵇». وقال الدّيلمي في «مسند الفردوس»: أخبرنا عبدوس بن عبد اللّه كتابة، أخبرنا الحسين بن فتحويه، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، حدّثنا العبّاس بن علي النسائي، حدّثنا يحيى بن يعلى الرّازي، حدّثنا سهل بن تمام، حدّثنا الحارث بن شبل، حدّثتنا أمّ النّعمان، عن عائشة ﵂ مرفوعا: «سيكون لبني العبّاس راية، ولن تخرج من أيديهم ما أقاموا الحقّ». وقال الدّارقطني في «الأفراد»: حدّثنا عبيد اللّه (٢) بن عبد الصّمد بن المهتدي، حدّثنا محمّد بن هارون السّعدي، حدّثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري، عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي، قال: سمعت المنصور يقول: حدّثني أبي، عن جدّي، عن ابن عبّاس ﵄، أن النّبيّ ﷺ قال للعبّاس: «إذا سكن بنوك السّواد، ولبسوا السّواد (٣)، وكان شيعتهم أهل خراسان؛ لم يزل الأمر فيهم حتّى يدفعوه إلى عيسى بن مريم». أحمد بن إبراهيم ليس بشيء، وشيخه مجهول، والحديث ضعيف بمرّة، حتّى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات. وله شاهد أخرجه الطّبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكّيّ، عن محمّد بن إسماعيل بن عون النبلي، عن الحارث بن معاوية بن الحارث، عن أبيه، عن جدّه أبي

стр. 24

أمّه، عن أمّ سلمة ﵂ مرفوعا «الخلافة في ولد عمّي وصنو أبى حتى يسلموها إلى المسيح». وأخرجه الدّيلميّ من وجه آخر عن أمّ سلمة ﵂. وقال العقيليّ في كتاب «الضّعفاء»: حدّثنا أحمد بن محمّد النّصيبيّ، حدّثنا إبراهيم بن المستمر العروقيّ، حدّثنا أحمد بن سعيد الجبيري، حدّثنا عبد العزيز بن بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن جدّه أبي بكرة ﵁ مرفوعا: «يلي ولد العبّاس من كلّ يوم يليه بنو أميّة يومين، ومن كلّ شهر شهرين». هذا حديث أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» وأعلّه ببكّار، وليس كما قال؛ فإنّ بكّارا لم يتّهم بكذب ولا وضع، بل قال فيه ابن عديّ: هو من جملة الضّعفاء الذين يكتب حديثهم، ثم قال: وأرجو أنّه لا بأس به. ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد؛ فإنّ دولة العباسيّين في حال علوّها وتفرّد كلمتها في أقطار الأرض شرقا وغربا ما عدا أقصى المغرب، كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين، حتّى تولّى المقتدر باللّه، وفي أيّامه انخرم النّظام، وخرجت المغرب بأسرها عن أمره، ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي؛ فكانت أيّام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعا وستّين سنة، وهي ضعف أيّام بني أميّة الشّامخة، فإنّها كانت اثنتين وتسعين سنة، منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزّبير، فصفت ثلاثا وثمانين سنة وكسرا، وهي ألف شهر سواء. ثمّ وجدت للحديث شاهدا؛ قال الزّبير بن بكّار في الموفّقيّات (١): حدّثني عليّ بن صالح، عن جدّي عبد اللّه بن مصعب، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄، أنّه قال لمعاوية: لا تملكون يوما إلاّ ملكنا يومين، ولا شهرا إلاّ ملكنا شهرين، ولا حولا إلاّ ملكنا حولين. وقال الزّبير في الموفّقيّات (٢): حدّثني عليّ بن المغيرة، عن ابن الكلبي، عن

стр. 25

أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس ﵄، قال: الرّايات السّود لنا أهل البيت، وقال: لا يجيء هلاكها إلاّ من قبل المغرب. وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق»: أنبأنا أبو القاسم بن بيان (١)، أخبرنا أبو عليّ الحسن بن شاذان، حدّثنا جعفر بن محمد الواسطي، حدّثنا محمد بن يونس الكديميّ، حدّثنا عبد اللّه بن سوّار العنبري، حدّثنا أبو الأشهب جعفر بن حيّان، عن أبي رجاء العطاردي، عن عبد اللّه بن عبّاس، عن أبيه ﵄، أنّ رسول اللّه ﷺ قال له: «اللّهم انصر العبّاس وولد العبّاس»، قالها ثلاثا، ثم قال: «يا عمّ، أما شعرت أن المهديّ من ولدك موفّقا راضيا مرضيا». الكديميّ: وضّاع. وقال ابن سعد في «الطبقات» (٢): حدّثنا محمّد بن عمر، حدّثنا عمر بن عقبة اللّيثي، عن شعبة مولى ابن العبّاس، عن ابن عبّاس ﵄ قال: أرسل العبّاس بن عبد المطلب إلى بني عبد المطّلب، فجمعهم عنده، وكان عليّ عنده بمنزلة لم يكن أحد بها، فقال العبّاس: يا ابن أخي إنّي قد رأيت رأيا لم أحبّ أن أقطع فيه شيئا حتّى أستشيرك، فقال عليّ: ما هو؟ قال: تدخل على النّبيّ ﷺ تسأله إلى من هذا الأمر من بعده؟ فإن كان فينا لم نسلمه - واللّه - ما بقي في الأرض منا طارف، وإن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبدا، قال عليّ: يا عمّ وهل هذا الأمر إلاّ إليك؟ وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟ فصل قال الدّيلمي في «مسند الفردوس»: أخبرنا أبو منصور عليّ بن خيرون، حدّثنا أحمد بن عليّ، حدّثنا بشرى بن عبد اللّه الرّومي، حدّثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي - يعرف بغندر - قال: قرئ على أبي شاكر مسرّة بن عبد اللّه: حدّثنا الحسن بن

стр. 26

يزيد، حدّثنا ابن المبارك، حدّثنا الأعمش، حدّثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري، حدّثنا أنس بن مالك مرفوعا: «إذا أراد اللّه أن يخلق خلقا للخلافة مسح على ناصيته بيمينه». مسرّة: ذاهب الحديث متروك. وقد ورد من حديث أبي هريرة، أخرجه الدّيلمي من ثلاث طرق، عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التّوأمة، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعا. وأخرجه الحاكم في «مستدركه»، من حديث ابن عبّاس ﵄. فصل في شأن البردة النّبويّة الّتي تداولها الخلفاء إلى آخر وقت أخرج السّلفي في «الطّيوريّات» بسنده إلى الأصمعيّ، عن أبي عمرو بن العلاء، أن كعب بن زهير ﵁ لمّا أنشد النّبيّ ﷺ قصيدته - بانت سعاد (١) - رمى إليه ببردة كانت عليه، فلمّا كان زمن معاوية ﵁ كتب إلى كعب: بعنا بردة رسول اللّه ﷺ بعشرة آلاف درهم؛ فأبى عليه، فلمّا مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم، وأخذ منهم البردة الّتي هي عند الخلفاء إلى الآن، وهكذا قال خلائق آخرون. وأمّا الذّهبيّ فقال في «تاريخه» (٢): أمّا البردة الّتي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، في قصّة غزوة تبوك: «إنّ النّبيّ ﷺ أعطى أهل أيلة (٣) بردة مع كتابه الّذي كتب لهم أمانا لهم، فاشتراها أبو العبّاس السّفّاح بثلاثمائة دينار.

стр. 27

قلت: فكانت الّتي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أميّة. وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في «الزّهد»، عن عروة بن الزّبير ﵁، أنّ ثوب رسول اللّه ﷺ الّذي كان يخرج فيه للوفد رداء أخضر حضرميّ طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر. في إسناده ابن لهيعة. وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل، وتلوّثت بالدّم، وأظنّ أنّها فقدت في فتنة التّتار، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون. فصل في فوائد منثورة تقع في التّراجم، ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد قال ابن الجوزي: ذكر الصّولي أنّ النّاس يقولون: إنّ كلّ سادس يقوم للنّاس يخلع. قال: فتأمّلت هذا فرأيته عجبا، اعتقد الأمر لنبيّنا ﷺ ، ثم قام بالأمر بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم الحسن فخلع؛ ثم معاوية، ثم يزيد بن معاوية، ثم معاوية بن يزيد، ثم مروان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم ابن الزبير فخلع وقتل؛ ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد، ثم هشام، ثم الوليد بن يزيد فخلع، ثم لم ينتظم لبني أميّة أمر؛ فولي السّفّاح، ثم المنصور، ثم المهدي، ثم الهادي، ثم الرشيد، ثم الأمين فخلع؛ ثم المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل، ثم المنتصر، ثم المستعين فخلع؛ ثم المعتزّ، ثم المهتدي، ثم المعتمد، ثم المعتضد، ثم المكتفي، ثم المقتدر فخلع مرّتين ثم قتل؛ ثم القاهر، ثم الراضي، ثم المتّقي، ثم المستكفي، ثم المطيع، ثم الطائع فخلع؛ ثم القادر، ثم القائم، ثم المقتدي، ثم المستظهر، ثم المسترشد، ثم الراشد فخلع. هذا آخر كلام ابن الجوزي.

стр. 28

قال الذّهبي: وما ذكره ينخرم بأشياء: أحدها: قوله: وعبد الملك، وابن الزّبير، وليس الأمر كذلك، بل ابن الزّبير خامس، وبعده عبد الملك، أو كلاهما خامس، أو أحدهما خليفة، والآخر خارج؛ لأنّ ابن الزّبير سابق البيعة عليه، وإنّما صحّت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزّبير. والثّاني: تركه لعدّ يزيد النّاقص وأخيه إبراهيم الّذي خلع ومروان، فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعا. قلت: قد تقدّم أنّ مروان ساقط من العدد؛ لأنّه باغ، ومعاوية بن يزيد كذلك؛ لأنّ ابن الزّبير بويع له بعد موت يزيد، وخالف عليه معاوية بالشّام فهما واحد؛ وإبراهيم الّذي بعد موت يزيد الناقص لم يتمّ له أمر، فإنّ قوما بايعوه بالخلافة، وآخرين لم يبايعوه، وقوم كان يدعونه بالإمارة دون الخلافة، ولم يقم سوى أربعين يوما أو سبعين يوما، فعلى هذا مروان الحمار سادس؛ لأنّه الثّاني عشر من معاوية، والأمين بعده سادس. والثّالث: أنّ الخلع ليس مقتصرا على كل سادس؛ فإن المعتزّ خلع، وكذا القاهر، والمتّقي، والمستكفي. قلت: لا انخرام بهذا؛ فإنّ المقصود أنّ السّادس لا بدّ من خلعه، ولا ينافي هذا كون غيره أيضا يخلع. ويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي: ولي بعد الرّاشد المقتفي، والمستنجد، والمستضيء، والنّاصر، والظّاهر، والمستنصر وهو السّادس فلم يخلع؛ ثم المستعصم، وهو الّذي قتله التّتار، وكان آخر دولة الخلفاء، وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف؛ ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة، بل بويع بمصر، وسار إلى العراق، فصافّ (١) التّتار فقتل أيضا، وتعطّلت الخلافة بعده سنة، ثم أقيمت الخلافة بمصر، فأوّلهم الحاكم، ثم المستكفي، ثم الواثق، ثم الحاكم،

стр. 29

ثم المعتضد، ثم المتوكّل وهو السّادس فخلع، وولي المستعصم (١)، ثم خلع بعد خمسة عشر يوما، وأعيد المتوكّل ثم خلع، وبويع الواثق، ثم المستعصم (٢)، ثم خلع وأعيد المتوكّل، فاستمرّ إلى أن مات، ثم المستعين، ثم المعتضد، ثم المستكفي، ثم القائم، وهو السّادس من المعتصم الأوّل ومن المعتصم الثّاني فخلع، ثم المستنجد خليفة العصر، وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العبّاس. فوائد يقال: لبني العبّاس فاتحة، وواسطة، وخاتمة: فالفاتحة المنصور، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد. خلفاء بني العبّاس كلّهم أبناء سراري، إلا السّفّاح، والمهديّ، والأمين. ولم يل الخلافة هاشميّ ابن هاشميّة إلاّ عليّ بن أبي طالب ﵁، وابنه الحسن، والأمين؛ قاله الصّولي. ولم يل الخلافة من اسمه عليّ إلاّ عليّ بن أبي طالب، وعليّ المكتفي؛ قاله الذّهبيّ. قلت: غالب أسماء الخلفاء أفراد، والمثنّى منهم قليل، والمتكرّر كثير: عبد اللّه، وأحمد، ومحمد. وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر الخلفاء العراقيّين، ثم كرّرت الألقاب في الخلفاء المصريّين؛ فكرّر المستنصر، والمستكفي، والواثق، والحاكم، والمعتضد، والمتوكل، والمستعصم، والمستعين، والقائم، والمستنجد. وكلّها لم يتكرّر غير مرّة واحدة إلاّ المستكفي، والمعتضد، فكرّرا مرة أخرى؛ فتلقّب بهما من الخلفاء العباسيّين ثلاثة، ولم يتلقّب أحد من خلفاء بني

стр. 30

العبّاس بلقب أحد من بني عبيد إلاّ القائم، والحاكم والظّاهر، والمستنصر؛ وأمّا المهديّ والمنصور، فسبق التلقّب بهما لبني العبّاس قبل وجود بني عبيد. قال بعضهم: وما تلقّب أحد بالقاهر فأفلح، لا من الخلفاء ولا من الملوك. قلت: وكذا المستكفي والمستعين، لقّب بكل منهما اثنان من بني العبّاس فخلعا ونفيا، والمعتضد من أجلّ الألقاب وأبركها لمن تلقّب به. ولم يل الخلافة أحد بعد أخيه إلاّ المقتفي بعد الرّاشد، والمستنصر بعد المعتصم؛ قاله الذهبي. قال: ولم يل الخلافة ثلاثة إخوة إلاّ أولاد الرّشيد: الأمين، والمأمون، والمعتصم؛ وأولاد المتوكّل: المنتصر (١)، والمعتزّ، والمعتمد؛ وأولاد المقتدر: الرّاضي، والمتّقي (٢)، والمطيع. قال: وولي الأمر من أولاد عبد الملك بن مروان أربعة، ولا نظير لذلك إلاّ في الملوك. قلت: جاء له نظير في الخلفاء بعد الذّهبي (٣)، فولي الخلافة من أولاد المتوكّل محمّد أربعة، بل خمسة: المستعين، والمعتضد، والمستكفي، والقائم، والمستنجد خليفة العصر. ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلاّ أبو بكر الصّدّيق، وأبو بكر الطّائع ابن المطيع، حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعا. قال بعض العلماء - وقيل: الذهبي -: أوّل من ولي الخلافة وأبوه حيّ أبو بكر، وهو أوّل من عهد بها، وأوّل من اتّخذ بيت المال، وأوّل من سمّى المصحف مصحفا. وأوّل من تسمّى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو أوّل من اتّخذ الدّرّة،

стр. 31

وأوّل من أرّخ من الهجرة، وأوّل من أمر بصلاة التّراويح، وأوّل من وضع الدّيوان. وأوّل من حمى الحمى عثمان، وهو أوّل من أقطع الإقطاعات، أي أكثر من ذلك، وأوّل من زاد الأذان الأوّل في الجمعة، وأوّل من رزق المؤذّنين، وأوّل من أرتج عليه في الخطبة، وأوّل من اتّخذ صاحب شرطة. وأوّل من استخلف وليّ العهد في حياته معاوية، وهو أوّل من اتّخذ الخصيان لخدمته. وأوّل من حملت إليه الرّءوس عبد اللّه بن الزبير. وأوّل من ضرب اسمه على السّكّة (١) عبد الملك بن مروان. وأوّل من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك. وأوّل ما حدثت الألقاب لبني العبّاس. وقال ابن فضل اللّه: زعم بعضهم أن لبني أميّة ألقابا مثل ألقاب بني العبّاس. قلت: وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية النّاصر لدين اللّه، ولقب يزيد المستنصر، ولقب معاوية ابنه الرّاجع إلى الحقّ، ولقب مروان المؤتمن باللّه (٢)، ولقب عبد الملك الموفّق لأمر اللّه، ولقب ابنه الوليد المنتقم باللّه، (٣) ولقب سليمان بن عبد الملك القائم باللّه (٣)، ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم باللّه، ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع اللّه، ولقب يزيد النّاقص الشّاكر لأنعم اللّه. وأوّل ما تفرّقت الكلمة في دولة السّفّاح. وأوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بأحكام النّجوم المنصور، وهو أوّل خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدّمهم على العرب. أوّل من أمر بتصنيف الكتب في الرّدّ على المخالفين المهديّ.

стр. 32

أوّل من مشت الرّجال بين يديه بالسّيوف والأعمدة الهادي. أوّل من لعب بالصّوالجة في الميدان الرّشيد. أوّل من دعي وكتب للخليفة بلقبه في أيّامه الأمين. وأوّل من أدخل الأتراك الدّيوان المعتصم. وأوّل من أمر بتغيير أهل الذّمّة زيّهم المتوكّل. أوّل من تحكّمت الأتراك في قتله المتوكّل، وظهر بذلك تصديق الحديث النّبويّ، كما أخرجه الطّبرانيّ بسند جيّد عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه ﷺ «اتركوا التّرك ما تركوكم؛ فإنّ أوّل من يسلب أمّتي ملكهم وما خوّلهم اللّه بنو قنطوراء». أوّل من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغّر القلانس المستعين. أوّل خليفة أحدث الرّكوب بحلية الذّهب المعتزّ. أوّل خليفة قهر وحجر عليه ووكّل به المعتمد. أوّل من ولي الخلافة من الصّبيان المقتدر. آخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الرّاضي، وهو آخر خليفة له شعر مدوّن، وآخر خليفة خطب وصلّى بالنّاس دائما، وآخر خليفة جالس النّدماء، وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأوّليّة، وهو آخر خليفة سافر بزيّ الخلفاء القدماء. وأوّل ما كرّرت الألقاب من المستنصر الّذي تولّى بعد المستعصم. في «الأوائل» للعسكري (١): أوّل خليفة ولي في حياة أمّه عثمان بن عفان ﵁، ثم الهادي، ثم الرّشيد، ثم الأمين، ثم المتوكّل، ثم المنتصر، ثم المستعين، ثم المعتزّ، ثم المعتضد، ثم المطيع؛ ولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه غير أبي بكر الصّدّيق ﵁، وزيد عليه الطّائع.

стр. 33

وقال الصّولي: لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلاّ ولاّدة أمّ الوليد وسليمان ابني عبد الملك، وشاهين أمّ يزيد النّاقص وإبراهيم ابني الوليد، والخيزران أمّ الهادي والرّشيد. قلت: ويزاد أمّ العبّاس، وحمزة؛ وأمّ داود وسليمان، أولاد المتوكّل الأخير. فائدة - المتسمّون بالخلافة من العبيديّين أربعة عشر: ثلاثة بالمغرب: المهديّ، والقائم، والمنصور؛ وأحد عشر بمصر: المعزّ، والعزيز، والحاكم، والظّاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظّافر، والفائز، والعاضد. وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين، وانقراضها في سنة سبع وستّين وخمسمائة. قال الذّهبيّ: وهي الدّولة المجوسيّة واليهوديّة، لا العلويّة؛ والباطنيّة لا الفاطميّة؛ وكانوا أربعة عشر متخلّفا لا مستخلفا. انتهى. فائدة - المتسمّون بالخلافة من الأمويّين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديّين بكثير، إسلاما وسنّة وعدلا وفضلا وعلما وجهادا وغزوا، وهم كثير حتّى إنّه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستّة كلّهم تسمّى بالخلافة. فائدة - أفرد تواريخ الخلفاء بالتّأليف جماعة من المتقدّمين: منها «تاريخ الخلفاء» لنفطويه النّحوي، مجلدان، انتهى إلى أيّام القاهر؛ و «الأوراق» للصّولي، ذكر فيه العباسيّين فقط وانتهى إليه - قلت: وقد وقفت عليه - و «تاريخ خلفاء بني العبّاس» لابن الجوزي - رأيته أيضا، وانتهى إلى أيّام النّاصر - و «تاريخ الخلفاء» لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشّعراء مات في سنة ثمانين ومائتين، و «تاريخ خلفاء بني العبّاس» للأمير أبي موسى هارون بن محمد العبّاسي. فائدة - أخرج الخطيب في «التّاريخ» بسنده عن محمّد بن عبّاد (١) قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفّان ﵁، والمأمون.

стр. 34

قلت: وهذا الحصر ممنوع، بل حفظه أيضا الصّدّيق ﵁ على الصّحيح، وصرّح به جماعة منهم النّووي في «تهذيبه» (١)، وعليّ ﵁ ورد من طريق أنّه حفظه كلّه بعد موت النّبيّ ﷺ . فائدة - قال ابن السّاعي: حضرت مبايعة الخليفة الظّاهر، فكان جالسا في شبّاك القبّة بثياب بيض، وعليه الطّرحة، وعلى كتفه بردة النّبيّ ﷺ ، والوزير قائم بين يديه على منبر، وأستاذ الدّار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس، ولفظ المبايعة: أبايع سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطّاعة على جميع الأنام أبا نصر محمّدا الظّاهر بأمر اللّه، على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، واجتهاد أمير المؤمنين، وأن لا خليفة سواه، انتهى. * * *

стр. 35

أبو بكر الصّدّيق (٢) أبو بكر الصّدّيق ﵁: خليفة رسول اللّه ﷺ ، اسمه: عبد اللّه بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي، التّيميّ، يلتقي مع رسول اللّه ﷺ في مرّة. قال النّووي في «تهذيبه» (١): وما ذكرناه من أنّ اسم أبي بكر الصّدّيق عبد اللّه هو الصّحيح المشهور، وقيل: اسمه عتيق، والصّواب الذي عليه كافّة العلماء أن عتيقا لقب له لا اسم، ولقّب عتيقا لعتقه من النّار، كما ورد في حديث رواه التّرمذي، وقيل: لعتاقة وجهه - أي حسنه وجماله -، قاله اللّيث بن سعد، وجماعة. وقيل: لأنّه لم يكن في نسبه شيء يعاب به. قاله مصعب بن الزّبير وغيره. وأجمعت الأمّة على تسميته بالصّدّيق لأنّه بادر إلى تصديق رسول اللّه ﷺ ، ولازم الصدق، فلم تقع منه هناة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال، وكانت له في الإسلام المواقف الرّفيعة منها قصته يوم ليلة الإسراء، وثباته، وجوابه للكفار في ذلك، وهجرته مع رسول اللّه ﷺ ، وترك عياله وأطفاله، وملازمته في الغار وسائر الطّريق؛ ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبيّة حين اشتبه على غيره الأمر في تأخّر دخول مكّة، ثم بكاؤه حين قال رسول اللّه ﷺ : إن عبدا خيّره اللّه بين الدّنيا والآخرة، ثم ثباته في وفاة

стр. 36

رسول اللّه ﷺ وخطبته النّاس وتسكينهم، ثم قيامه في قضيّة البيعة بمصلحة المسلمين، ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك، ثم قيامه في قتال أهل الرّدّة ومناظرته للصّحابة حتّى حجّهم بالدّلائل، وشرح اللّه صدورهم لما شرح له صدره من الحق - وهو قتال أهل الرّدّة - ثم تجهيزه الجيوش إلى الشّام لفتوحه وإمدادهم [بالأمداد]، ثم ختم ذلك بمهمّ من أحسن مناقبه وأجلّ فضائله، وهو استخلافه على المسلمين عمر بن الخطاب ﵁ [وتفرسه فيه، ووصيته له، واستيداعه اللّه الأمّة، فخلفه اللّه فيهم أحسن الخلافة، وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام وإعزاز الدّين وتصديق وعد اللّه تعالى بأنه يظهره على الدّين كلّه]، وكم للصّدّيق من مواقف وأثر وفضائل لا تحصى؟ هذا كلام النّووي. وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصّدّيق بعض البسط ذاكرا فيه جملة كثيرة ممّا وقفت عليه من حاله وأرتّب ذلك فصولا.

стр. 37

فصل في اسمه، ولقبه تقدّمت الإشارة إلى ذلك. قال ابن كثير: اتّفقوا على أن اسمه عبد اللّه بن عثمان، إلاّ ما روى ابن سعد (١) عن ابن سيرين أنّ اسمه عتيق، والصّحيح أنّه لقبه. ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه، فقيل: لعتاقة وجهه - أي لجماله - قاله اللّيث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وغيرهم. وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير، وقيل: لعتاقه نسبه - أي: طهارته؛ إذ لم يكن في نسبه شيء يعاب به - وقيل: سمّي به أوّلا، ثم سمّي بعبد اللّه. وروى الطّبرانيّ عن القاسم بن محمّد أنه سأل عائشة ﵂ عن اسم أبي بكر، فقالت: عبد اللّه، فقال: إنّ النّاس يقولون: عتيق، قالت: إنّ أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سمّاهم: عتيقا، ومعتقا، ومعيتقا. وأخرج ابن منده، وابن عساكر (٢)، عن موسى بن طلحة، قال: قلت لأبي طلحة: لم سمّي أبو بكر عتيقا؟ قال: كانت أمّه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللّهم إنّ هذا عتيق من الموت، فهبه لي. وأخرج الطّبراني عن ابن عبّاس قال: إنّما سمّي عتيقا لحسن وجهه. وأخرج ابن عساكر (٣) عن عائشة ﵂ قالت: اسم أبي بكر الّذي سمّاه به أهله عبد اللّه، ولكن غلب عليه اسم عتيق، وفي لفظ آخر: ولكنّ النّبيّ ﷺ سمّاه عتيقا.

стр. 38

وأخرج أبو يعلى في «مسنده»، وابن سعد، والحاكم وصحّحه، عن عائشة ﵂ قالت (١): واللّه إنّي لفي بيتي ذات يوم ورسول اللّه ﷺ وأصحابه في الفناء، والسّتر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر، فقال النّبيّ ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى عتيق من النّار فلينظر إلى أبي بكر»، وإنّ اسمه الذي سمّاه به أهله عبد اللّه، فغلب عليه اسم عتيق. وأخرج التّرمذيّ والحاكم، عن عائشة ﵂ أنّ أبا بكر دخل على رسول اللّه ﷺ ، فقال: «يا أبا بكر، أنت عتيق اللّه من النّار» فمن يومئذ سمّي عتيقا. وأخرج البزّار، والطّبرانيّ بسند جيّد عن عبد اللّه بن الزّبير، قال: كان اسم أبي بكر عبد اللّه، فقال له رسول اللّه ﷺ : «أنت عتيق اللّه من النّار» فسمّي عتيقا. وأما الصّدّيق فقيل: كان يلقّب به في الجاهليّة؛ لما عرف منه من الصّدق؛ ذكره ابن مندة. وقيل: لمبادرته إلى تصديق رسول اللّه ﷺ فيما كان يخبر به. قال ابن إسحاق، عن الحسن البصري وقتادة: وأوّل ما اشتهر به صبيحة الإسراء. وأخرج الحاكم في «المستدرك» (٢) عن عائشة ﵂، قالت: جاء المشركون إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: لقد صدق، إنّي لأصدّقه بأبعد من ذلك، بخبر السّماء غدوة وروحة؛ فلذلك سمّي أبو بكر الصديق. قلت: إسناده جيد؛ وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة؛ أسندهما ابن عساكر؛ وأمّ هاني، أخرجه الطّبراني. وقال سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، قال: لما رجع رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به، فكان بذي طوى (٣)، قال:

стр. 39

«يا جبريل، إنّ قومي لا يصدّقوني» قال: يصدّقك أبو بكر، وهو الصّدّيق. وأخرجه الطّبراني في «الأوسط» موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة. وأخرج الحاكم في «المستدرك» عن النّزّال بن سبرة قال: قلنا لعليّ: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن أبي بكر، قال: ذاك امرؤ سمّاه اللّه الصّدّيق على لسان جبريل، وعلى لسان محمّد، كان خليفة رسول اللّه ﷺ على الصّلاة، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا. إسناده جيّد. وأخرج الدّارقطنيّ والحاكم عن أبي يحيى، قال: لا أحصي كم سمعت عليّا يقول على المنبر: إنّ اللّه سمّى أبا بكر على لسان نبيّه صدّيقا. وأخرجه الطّبرانيّ بسند جيد صحيح، عن حكيم بن سعد قال: سمعت عليّا يقول ويحلف: لأنزل اللّه اسم أبي بكر؛ وفي حديث أحد «اسكن فإنّما عليك نبيّ، وصدّيق، وشهيدان». وأمّ أبي بكر بنت عمّ أبيه، اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب، وتكنى أمّ الخير؛ قاله الزّهريّ، أخرجه ابن عساكر. فصل في مولده ومنشئه ولد بعد مولد النبيّ ﷺ بسنتين وأشهر؛ فإنه مات وله ثلاث وستّون سنة. قال ابن كثير: وأمّا ما أخرجه خليفة بن خيّاط، عن يزيد بن الأصمّ، أنّ النبيّ ﷺ قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ قال: أنت أكبر وأنا أسنّ منك؛ فهو مرسل غريب جدّا؛ والمشهور خلافه، وإنّما صحّ ذلك عن العبّاس (١). وكان منشؤه بمكّة لا يخرج منها إلاّ لتجارة، وكان ذا مال جزيل في قومه،

стр. 40

ومروءة تامّة، وإحسان، وتفضّل فيهم، كما قال ابن الدّغنّة (١): إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدّهر، وتقرى الضّيف. قال النّووي (٢): وكان من رؤساء قريش في الجاهليّة، وأهل مشاورتهم، ومحبّبا فيهم، ومألفا لهم، فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه، ودخل فيه أكمل دخول. وأخرج الزّبير بن بكّار وابن عساكر (٣) عن معروف بن خرّبوذ قال: إنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁، أحد عشرة من قريش اتّصل لهم شرف الجاهلية بشرف الإسلام، فكان إليه أمر الدّيات والغرم، وذلك أنّ قريشا لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلّها إليه، بل كان في كلّ قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها؛ فكانت في بني هاشم السّقاية، والرّفادة. ومعنى ذلك أنّه لا يأكل أحد ولا يشرب إلاّ من طعامهم وشرابهم. وكانت في بني عبد الدّار: الحجابة، واللّواء، والنّدوة - أي: لا يدخل البيت أحد إلاّ بإذنهم، وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدّار، وإذا اجتمعوا لأمر إبراما أو نقضا لا يكون اجتماعهم لذلك إلاّ بدار النّدوة، ولا ينفذ إلاّ بها، وكانت لبني عبد الدار. فصل كان أبو بكر ﵁ أعفّ النّاس في الجاهليّة أخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: واللّه ما قال أبو بكر شعرا قطّ في جاهليّة ولا إسلام (٤)، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهليّة.
следующие страницы →