← История

История · id 11997

تاريخ الخلفاء - ت إبراهيم صالح

الجلال السيوطي

Полный текст (618 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الثّاني والسّتّون: حديث «أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنّة بغير حساب» الحديث، أحمد. الثّالث والسّتّون: حديث الشّفاعة بطوله في تردّد الخلائق إلى نبيّ بعد نبيّ، أحمد. الرّابع والسّتّون: حديث «لو سلك النّاس واديا وسلكت الأنصار واديا لسلكت وادي الأنصار» أحمد. الخامس والسّتّون: حديث «قريش ولاة هذا الأمر برّهم تبع لبرّهم وفاجرهم تبع لفاجرهم» أحمد. السّادس والسّتّون: حديث أنه ﷺ أوصى بالأنصار عند موته وقال «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» البزّار والطّبراني. السّابع والسّتّون: حديث «إنّي لأعلم أرضا يقال لها عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حيّ من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر» أحمد وأبو يعلى. الثّامن والسّتّون: حديث «أنّ أبا بكر مرّ بالحسن وهو يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته وقال: بأبي شبيه بالنّبيّ ليس شبيها بعليّ» (١) البخاري، وقال ابن كثير: وهو في حكم المرفوع، لأنّه في قوّة قوله: إنّ رسول اللّه ﷺ كان يشبه الحسن. التّاسع والسّتّون: حديث «أنّ النّبيّ ﷺ كان يزور أمّ أيمن» مسلم. السّبعون: حديث قتل السّارق في الخامسة، أبو يعلى والدّيلمي. الحادي والسّبعون: حديث قصة أحد، الطّيالسي والطّبراني. الثّاني والسّبعون: حديث «بينا أنا مع رسول اللّه ﷺ إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئا ولا أرى شيئا، قلت: يا رسول اللّه، ما الذي تدفع؟ قال: الدّنيا تطوّلت لي فقلت:

стр. 107

إليك عنّي، فقالت لي: أما إنّك لست بمدركي» البزار. قلت: هذا ما أورده ابن كثير في «مسند الصّدّيق» من الأحاديث المرفوعة، وقد فاته أحاديث أخرى نتبعها لتكملة العدّة التي ذكرها النّووي. الثّالث والسّبعون: حديث «اقتلوا القرد كائنا ما كان من النّاس» الطّبراني في «الأوسط». الرّابع والسّبعون: حديث «انظروا دور من تعمرون، وأرض من تسكنون، وفي طريق من تمشون» الدّيلمي. الخامس والسّبعون: حديث «أكثروا من الصّلاة عليّ؛ فإنّ اللّه وكّل بقبري ملكا، فإذا صلّى عليّ رجل من أمّتي قال لي ذلك الملك: إنّ فلان ابن فلان صلّى عليك السّاعة» الدّيلمي. السّادس والسّبعون: حديث «الجمعة إلى الجمعة كفّارة لما بينهما، والغسل يوم الجمعة كفّارة» الحديث، العقيلي في «الضّعفاء». السّابع والسّبعون: حديث «إنّما حرّ جهنّم على أمّتي مثل الحمّام» الطّبراني. الثّامن والسّبعون: حديث «إيّاكم والكذب؛ فإنّ الكذب مجانب للإيمان» ابن لال في «مكارم الأخلاق». التّاسع والسبعون: حديث «بشّر من شهد بدرا بالجنّة» الدّارقطني في «الأفراد». الثّمانون: حديث «الدّين راية اللّه الثقيلة، من ذا الذي يطيق حملها» الدّيلمي. الحادي والثّمانون: حديث «سورة يس» تدعى المعمّة المطعمة» الحديث، الدّيلميّ، والبيهقي في «الشّعب». الثّاني والثّمانون: حديث «السّلطان العادل المتواضع ظلّ اللّه في الأرض، ويرفع له في كل يوم وليلة عمل ستّين صدّيقا» أبو الشّيخ والعقيلي في «الضّعفاء»، وابن حبّان في كتاب «الثّواب». الثّالث والثّمانون: حديث «قال موسى لربّه: ما جزاء من عزّى الثّكلى؟ قال:

стр. 108

أظلّه في ظلّي» ابن شاهين في «التّرغيب»، والدّيلمي. الرّابع والثّمانون: حديث «اللّهمّ أشدد الإسلام بعمر بن الخطّاب» الطّبراني في «الأوسط». الخامس والثّمانون: حديث «ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلاّ بقلّة التّسبيح» ابن راهويه في «مسنده». السّادس والثّمانون: حديث «لو لم أبعث فيكم لبعث عمر» الحديث، الدّيلمي. السّابع والثّمانون: حديث «لو اتّجر أهل الجنّة لاتّجروا بالبزّ» أبو يعلى. الثّامن والثّمانون: حديث «من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره، وعلى النّاس إمام فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين؛ فاقتلوه» الدّيلمي. التّاسع والثّمانون: حديث «من كتب عنّي علما أو حديثا لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث» الحاكم في «التاريخ». التّسعون: حديث «من مشى حافيا في طاعة اللّه لم يسأله اللّه يوم القيامة عمّا افترض عليه» الطّبراني في «الأوسط». الحادي والتّسعون: حديث «من سرّه أن يظلّه اللّه من نار جهنّم ويجعله في ظلّه فلا يكن على المؤمنين غليظا، وليكن بهم رحيما» ابن لال في «مكارم الأخلاق»، وأبو الشّيخ، وابن حبّان في «الثّواب». الثّاني والتّسعون: حديث «من أصبح ينوي للّه طاعة كتب اللّه له أجر يومه وإن عصاه» الدّيلمي. الثّالث والتّسعون: حديث «ما ترك قوم الجهاد إلاّ عمّهم اللّه بالعذاب» الطّبراني في «الأوسط». الرّابع والتّسعون: حديث «لا يدخل الجنة مفتر» الدّيلمي، ولم يسنده. الخامس والتّسعون: حديث «لا تحقرنّ أحدا من المسلمين، فإنّ صغير المسلمين عند اللّه كبير» الدّيلمي. السّادس والتّسعون: حديث «يقول اللّه: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي» أبو الشّيخ وابن حبّان والدّيلمي.

стр. 109

السّابع والتّسعون: حديث «سألت رسول اللّه ﷺ عن الإزار، فأخذ بعضلة السّاق، فقلت: يا رسول اللّه زدني؟ فأخذ بمقدّم العضلة، فقلت: زدني، قال: لا خير فيما هو أسفل من ذلك، قلت: هلكنا يا رسول اللّه، قال: يا أبا بكر، سدّد وقارب تنج» أبو نعيم في «الحلية». الثّامن والتّسعون: حديث «كفّي وكفّ عليّ في العدل سواء» الدّيلمي وابن عساكر. التّاسع والتّسعون: حديث «لا تغفلوا التّعوّذ من الشّيطان؛ فإنّكم إن لم تكونوا ترونه فإنّه ليس عنكم بغافل» الدّيلمي، ولم يسنده. المائة: حديث «من بنى للّه مسجدا بنى اللّه له بيتا في الجنة» الطّبراني في «الأوسط». الحادي والمائة: حديث «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربنّ مسجدنا» الطّبراني في «الأوسط». الثاني والمائة: حديث رفع اليدين في الافتتاح والرّكوع والسّجود والرّفع، البيهقي في «السّنن». الثّالث والمائة: حديث «أنه ﷺ أهدى جملا لأبي جهل» الإسماعيلي في «معجمه». الرابع والمائة: حديث «النّظر إلى عليّ عبادة» ابن عساكر. فصل فيما ورد عن الصّدّيق في تفسير القرآن أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر عن آية، فقال: أيّ أرض تسعني أو أيّ سماء تظلّني إذا قلت في كتاب اللّه ما لم يرد اللّه. وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التّيمي قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى:

стр. 110

﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (١) ؟ فقال: أيّ سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إن قلت في كتاب اللّه ما لم أعلم. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنّه سئل عن الكلالة؟ فقال: إنّي سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشّيطان: أراه ما خلا الولد والوالد؛ فلما استخلف عمر قال: إنّي لأستحيي أنّ أراد شيئا قاله أبو بكر. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ (٢) الآية، و ﴿اَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٣)؟ قالوا: ثم استقاموا فلم يذنبوا، ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة، قال: لقد حملتموهما على غير المحمل؛ ثم قال: ﴿قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ فلم يميلوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك. وأخرج ابن جرير عن عامر بن سعد البجليّ، عن أبي بكر الصّدّيق في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ (٤) قال: النّظر إلى وجه اللّه تعالى. وأخرج ابن جرير عن أبي بكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ قال: قد قالها النّاس، فمن مات منهم عليها فهو ممّن استقام. فصل فيما روي عن الصّدّيق ﵁ من الآثار الموقوفة قولا، أو قضاء، أو خطبة، أو دعاء أخرج اللاّلكّائيّ في «السّنّة» عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزّنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّه قدّره عليّ ثم يعذّبني؟ قال: نعم يا ابن

стр. 111

اللّخناء، أما واللّه لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك. وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنّفة» عن الزّبير، أنّ أبا بكر قال وهو يخطب النّاس: يا معشر النّاس، استحيوا من اللّه؛ فو الّذي نفسي بيده إنّي لأظلّ حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطّيا رأسي استحياء من اللّه. وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» عن عمرو بن دينار قال: قال أبو بكر: استحيوا من اللّه؛ فو اللّه إنّي لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط حياء من اللّه. وأخرج أبو داود في «سننه» عن أبي عبد اللّه الصّنابحي، أنّه صلّى وراء أبي بكر الصّدّيق المغرب، فقرأ في الرّكعتين الأوليين، بأمّ القرآن وسور من قصار المفصّل، وقرأ في الثالثة ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ (١) الآية. وأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر (٢) عن ابن عيينة قال: كان أبو بكر إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، وليس مع الجزع فائدة، الموت أهون ممّا قبله، وأشدّ ممّا بعده، اذكروا فقد رسول اللّه ﷺ تصغر مصيبتكم، وأعظم اللّه أجركم. وأخرج ابن أبي شيبة والدّارقطني عن سالم بن عبيد - وهو صحابي - قال: كان أبو بكر الصّدّيق يقول لي: قم بيني وبين الفجر حتّى أتسحّر. وأخرج عن أبي قلابة وأبي السّفر قالا: كان أبو بكر الصّدّيق يقول: أجيفوا الباب حتّى نتسحّر (٣). وأخرج البيهقيّ وأبو بكر بن زياد النّيسابوري في كتاب «الزّيادات» عن حذيفة ابن أسيد قال: لقد أدركت أبا بكر وعمر وهما يضحّيان (٤)، إرادة أن يستنّ بهما النّاس. وأخرج أبو داود عن ابن عبّاس قال: شهدت على أبي بكر الصّدّيق أنّه قال: كلوا الطّافي من السّمك.

стр. 112

وأخرج الشّافعيّ في «الأمّ» عن أبي بكر الصّدّيق أنّه كره بيع اللّحم بالحيوان. وأخرج البخاري عنه أنّه جعل الجدّ بمنزلة الأب، يعني في الميراث. وأخرج ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن عطاء عن أبي بكر قال: الجدّ بمنزلة الأب ما لم يكن أب دونه، وابن الابن بمنزلة الابن ما لم يكن ابن دونه. وأخرج عن القاسم، أنّ أبا بكر أتى برجل انتفى من أبيه، فقال أبو بكر: اضرب الرّأس فإنّ الشّيطان في الرّأس. وأخرج عن ابن أبي مالك قال: كان أبو بكر إذا صلّى على الميّت قال: اللّهمّ عبدك، أسلمه الأهل والآل والعشيرة، والذّنب عظيم، وأنت غفور رحيم. وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» عن عمر أنّ أبا بكر قضى بعاصم بن عمر بن الخطّاب لأمّ عاصم، وقال: ريحها وشمّها ولطفها خير له منك. وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: إنّ أبي يريد أن يأخذ مالي كلّه بجناحه، فقال لأبيه: إنّما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة رسول اللّه، أليس قد قال رسول اللّه ﷺ : «أنت ومالك لأبيك»؟ فقال: نعم، وإنّما يعني بذلك النّفقة. وأخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، أنّ أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحرّ بالعبد. وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة عن جدّه، أنّ رجلا عضّ يد رجل فأندر ثنيّته، فأهدرها أبو بكر. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقيّ، عن عكرمة أنّ أبا بكر قضى في الأذن بخمس عشرة من الإبل، وقال: يواري شينها الشّعر والعمامة. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي عمران الجونيّ، أنّ أبا بكر بعث جيوشا إلى الشّام، وأمّر عليهم يزيد بن أبي سفيان، فقال: إنّي موصيكم بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة ولا صبيّا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعوا شجرا مثمرا، ولا تخرّبنّ عامرا، ولا تعقرنّ

стр. 113

شاة ولا بعيرا إلاّ لمأكلة، ولا تعقرنّ نخلا مثمرا، ولا تحرقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن. وأخرج أحمد وأبو داود والنّسائي، عن أبي برزة الأسلميّ، قال: غضب أبو بكر من رجل، فاشتدّ غضبه جدّا، فقلت: يا خليفة رسول اللّه، أضرب عنقه؟ قال: ويلك! ما هي لأحد بعد رسول اللّه ﷺ . وأخرج سيف في كتاب «الفتوح» عن شيوخه، أنّ المهاجر بن أبي أميّة - وكان أميرا على اليمامة - رفع إليه امرأتان مغنّيتان، غنّت إحداهما بشتم النّبيّ ﷺ فقطع يدها، ونزع ثنيّتها، وغنّت الأخرى بهجاء المسلمين، فقطع يدها، ونزع ثنيّتها؛ فكتب إليه أبو بكر: بلغني الّذي فعلت في المرأة الّتي تغنّت بشتم النّبيّ ﷺ ، فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها؛ لأن حدّ الأنبياء ليس يشبه الحدود؛ فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتدّ، أو معاهد فهو محارب غادر، وأمّا الّتي تغنّت بهجاء المسلمين، فإن كانت ممّن يدّعي الإسلام فأدب وتعزير دون المثلة، وإن كانت ذمّيّة فلعمري لما صفحت عنه من الشّرك أعظم، ولو كنت تقدّمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروها، فاقبل الدّعة، وإيّاك والمثلة في النّاس فإنّها مأثم ومنفرة إلاّ في قصاص. وأخرج مالك والدّارقطنيّ عن صفيّة بنت أبي عبيد، أنّ رجلا وقع على جارية بكر، واعترف، فأمر به فجلد، ثم نفاه إلى فدك. وأخرج أبو يعلى عن محمّد بن حاطب قال: جيء إلى أبي بكر برجل قد سرق، وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئا إلاّ ما قضى فيك رسول اللّه ﷺ يوم أمر بقتلك؛ فإنّه كان أعلم بك، فأمر بقتله. وأخرج مالك عن القاسم بن محمّد، أنّ رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرّجل، قدم فنزل على أبي بكر، فشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه، فكان يصلّي من اللّيل، فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارق؛ ثم إنّهم افتقدوا حليّا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر، فجعل يطوف معهم، ويقول: اللّهمّ عليك بمن بيّت أهل هذا البيت الصّالح؛ فوجدوا الحليّ عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف الأقطع أو شهد

стр. 114

عليه، فأمر به أبو بكر، فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: واللّه لدعاؤه على نفسه أشدّ عندي عليه من سرقته. وأخرج الدّارقطنيّ عن أنس، أنّ أبا بكر قطع في مجنّ قيمته خمسة دراهم. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (١) عن أبي صالح قال: لمّا قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنّا، ثم قست القلوب. قال أبو نعيم: أي قويت واطمأنت بمعرفة اللّه تعالى. وأخرج البخاري عن ابن عمر، قال: قال أبو بكر: ارقبوا محمّدا ﷺ في أهل بيته. وأخرج أبو عبيد في «الغريب» (٢) عن أبي بكر، قال: طوبى لمن مات في النّأنأة: أي في أوّل الإسلام قبل تحرّك الفتن. وأخرج الأربعة ومالك (٣) عن قبيصة قال: جاءت الجدّة إلى أبي بكر الصّدّيق تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب اللّه [شيء] وما علمت لك في سنّة نبيّ اللّه ﷺ شيئا، فارجعي حتّى أسأل النّاس، فسأل النّاس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللّه ﷺ أعطاها السّدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمّد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. وأخرج مالك (٤) والدّارقطنيّ عن القاسم بن محمّد: أنّ جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما، أمّ أمّ وأمّ أب، فأعطى الميراث لأمّ الأمّ، فقال له عبد الرّحمن بن سهل الأنصاري - وكان ممّن شهد بدرا، وهو أخو بني حارثة -: يا خليفة رسول اللّه، أعطيت الّتي لو أنّها ماتت لم يرثها؟ فقسمه بينهما. وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» عن عائشة ﵂ في حديث امرأة رفاعة

стр. 115

الّتي طلّقت منه وتزوّجت بعده عبد الرّحمن بن الزّبير، فلم يستطع أن يغشاها، وأرادت العود إلى رفاعة، فقال لها رسول اللّه ﷺ : «لا، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وهذا القدر في الصّحيح، وزاد عبد الرّزّاق: فغدت، ثم جاءته فأخبرته أنّه قد مسّها، فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأوّل، وقال: «اللّهم إن كان إتمامها أن ترجع إلى رفاعة فلا يتمّ لها نكاحه مرّة أخرى». ثم أتت أبا بكر وعمر في خلافتهما فمنعاها. وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر، أنّ عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثاه بريدا إلى أبي بكر برأس بنان بطريق الشّام؛ فلمّا قدم على أبي بكر أنكر ذلك، فقال له عقبة: يا خليفة رسول اللّه، فإنّهم يصنعون ذلك بنا، قال: أفيستنّان بفارس والرّوم، لا يحمل إليّ رأس، إنّما يكفي الكتاب والخبر. وأخرج البخاري (١) عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلّم، فقال: ما لها لا تتكلّم؟ فقالوا: حجّت مصمتة، قال لها: تكلّمي، فإنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهليّة، فتكلّمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أيّ المهاجرين؟ قال: من قريش، قالت: من أيّ قريش؟ قال: إنّك لسئول، أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصّالح الّذي جاء اللّه به بعد الجاهليّة؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت أئمّتكم، قالت: وما الأئمّة؟ قال: أما كان لقومك رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك النّاس. وأخرج البخاري (٢) عن عائشة ﵂، قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ قال أبو بكر: ما هو؟ قال: كنت تكهّنت لإنسان في الجاهليّة - وما أحسن الكهانة - إلاّ أنّي خدعته، فلقيني، فأعطاني هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده في فيه، فقاء كلّ شيء في بطنه.

стр. 116

وأخرج أحمد في «الزّهد» عن ابن سيرين، قال: لم أعلم أحدا استقاء من طعام أكله غير أبي بكر، وذكر القصّة. وأخرج النّسائي عن أسلم، أنّ عمر بن الخطّاب اطّلع على أبي بكر وهو آخذ بلسانه، فقال: هذا الذي أوردني الموارد. وأخرج أبو عبيد في «الغريب» عن أبي بكر، أنّه مرّ بعبد الرّحمن بن عوف وهو يماظّ جارا له، فقال له: لا تماظّ جارك فإنّه يبقى ويذهب عنك النّاس. المماظّة: المنازعة والمخاصمة. وأخرج ابن عساكر (١) عن موسى بن عقبة، أنّ أبا بكر الصّدّيق كان يخطب فيقول: الحمد للّه ربّ العالمين، أحمده وأستعينه، ونسأله الكرامة فيما بعد الموت، فإنّه قد دنا أجلي وأجلكم، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكافِرِينَ﴾ (٢) ومن يطع اللّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ضلّ ضلالا مبينا، أوصيكم بتقوى اللّه، والاعتصام بأمر اللّه الذي شرع لكم وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السّمع والطّاعة لمن ولاه اللّه أمركم، فإنّه من يطع والي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فقد أفلح وأدّى الذي عليه من الحقّ، وإيّاكم واتّباع الهوى، فقد أفلح من حفظ من الهوى والطّمع والغضب، وإيّاكم والفخر، وما فخر من خلق من تراب، ثم إلى التّراب يعود، ثم يأكله الدّود، ثم هو اليوم حيّ وغدا ميّت؟ فاعملوا يوما بيوم، وساعة بساعة، وتوقّوا دعاء المظلوم، وعدّوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإنّ العمل كلّه بالصّبر، واحذروا والحذر ينفع، واعملوا والعمل يقبل، واحذروا ما حذّركم اللّه من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم اللّه من رحمته، وافهموا وتفهموا، واتّقوا وتوقّوا، فإن اللّه قد بيّن لكم ما أهلك به من كان قبلكم، وما نجّى به من نجّى قبلكم؛ قد بيّن لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحبّ من الأعمال وما يكره، فإنّي لا آلوكم ونفسي، واللّه المستعان، ولا حول ولا قوّة إلا

стр. 117

باللّه، واعلموا أنّكم ما أخلصتم للّه من أعمالكم، فربّكم أطعتم وحظّكم حفظتم، وما تطوّعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم، وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم إليها، ثم تفكروا عباد اللّه في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وحلّوا في الشقاء أو السّعادة فيما بعد الموت؛ إنّ اللّه ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه سوءا، إلاّ بطاعته واتّباع أمره؛ فإنه لا خير في خير بعده النّار، ولا شرّ في شرّ بعده الجنة. أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم، وصلّوا على نبيّكم ﷺ ، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. وأخرج الحاكم والبيهقي (١) عن عبد اللّه بن عكيم (٢)، قال: خطبنا أبو بكر الصّدّيق فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: أوصيكم بتقوى اللّه، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرّغبة بالرّهبة؛ فإنّ اللّه تعالى أثنى على زكريّا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي اَلْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً، وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ (٣)؛ ثم اعلموا عباد اللّه أنّ اللّه قد ارتهن بحقّه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب اللّه فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه، فاستضيئوا بنوره، وانتصحوا كتابه، واستضيئوا منه ليوم الظّلمة، فإنّه إنّما خلقكم لعبادته، ووكّل بكم ﴿كِراماً كاتِبِينَ، * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٤) ثم اعلموا عباد اللّه أنّكم تغدون وتروحون في أجل قد غيّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل اللّه فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلاّ بإذن اللّه، سابقوا في آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردّكم إلى أسوأ أعمالكم؛ فإنّ قوما جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم، فأنها كم أن تكونوا أمثالهم؛ فالوحا الوحا (٥)، ثم النّجاء النّجاء، فإنّ وراءكم طالبا حثيثا أمره سريع.

стр. 118

وأخرج ابن أبي الدّنيا وأحمد في «الزّهد» وأبو نعيم في «الحلية» (١) عن يحيى بن أبي كثير، أنّ أبا بكر كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصّنوها؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع أركانهم حين أخنى بهم الدّهر وأصبحوا في ظلمات القبور! الوحا الوحا ثم النّجاء النّجاء. وأخرج أحمد في «الزهد» عن سلمان قال: أتيت أبا بكر فقلت: اعهد إليّ، فقال: يا سلمان، اتق اللّه، واعلم أنه سيكون فتوح فلا أعرفن ما كان حظك منها ما جعلته في بطنك أو ألقيته على ظهرك، واعلم أنه من صلّى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة اللّه ويمسي في ذمة اللّه تعالى، فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة اللّه فتخفر اللّه في ذمته فيكبّك اللّه في النار على وجهك. وأخرج عن أبي بكر ﵁ قال: يقبض الصّالحون الأوّل فالأوّل حتّى يبقى من النّاس حثالة كحثالة التّمر والشّعير، لا يبالي اللّه بهم. وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» عن معاوية بن قرة، أنّ أبا بكر الصّدّيق ﵁ كان يقول في دعائه: اللّهمّ اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم لقائك. وأخرج أحمد في «الزّهد» عن الحسن قال: بلغني أن أبا بكر كان يقول في دعائه: اللّهمّ إنّي أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الأمر، اللّهمّ اجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدّرجات العلى من جنّات النّعيم. وأخرج عن عرفجة قال: قال أبو بكر: من استطاع أن يبكي فليبك وإلاّ فليتباك. وأخرج عن عروة عن أبي بكر قال: اهلكهنّ الأحمران: الذّهب، والزعفران. وأخرج عن مسلم بن يسار عن أبي بكر قال: إنّ المسلم ليؤجر في كلّ شيء،

стр. 119

حتّى في النّكبة وانطقاع شسعه والبضاعة (١) تكون في كمّه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في غبنه (٢). وأخرج عن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين، فقلّبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلاّ بما ضيّعت من التّسبيح. وأخرج البخاري في «الأدب» وعبد اللّه بن أحمد في «زوائد الزّهد» عن الصّنابحيّ، أنه سمع أبا بكر يقول: إنّ دعاء الأخ لأخيه في اللّه مستجاب. وأخرج عبد اللّه في «زوائد الزّهد» عن عبيد بن عمير، عن لبيد الشّاعر، أنّه قدم على أبي بكر فقال (٣): [من الطويل] ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل. فقال: صدقت، فقال: وكلّ نعيم لا محالة زائل. فقال: كذبت، عند اللّه نعيم لا يزول. فلمّا ولى قال أبو بكر: ربّما قال الشّاعر الكلمة من الحكمة. فصل في كلماته الدّالّة على شدّة خوفه من ربّه أخرج أبو أحمد الحاكم عن معاذ بن جبل، قال: دخل أبو بكر حائطا وإذا بدبسيّ (٤) في ظلّ شجرة، فتنفّس الصّعداء، ثم قال: طوبى لك يا طير! تأكل من

стр. 120

الشّجر، وتستظلّ بالشّجر، وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك. وأخرج ابن عساكر عن الأصمعي (١) قال: كان أبو بكر إذا مدح قال: اللّهمّ أنت أعلم منّي بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللّهمّ اجعلني خيرا مما يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون. وأخرج أحمد في «الزّهد» عن أبي عمران الجوني، قال: قال أبو بكر الصّدّيق: لوددت أنّي شعرة في جنب عبد مؤمن. وأخرج أحمد في «الزّهد» عن مجاهد، قال: كان ابن الزّبير إذا قام في الصّلاة كأنه عود، من الخشوع، قال: وحدّثت أنّ أبا بكر كان كذلك. وأخرج عن الحسن قال: قال أبو بكر: واللّه لوددت أنّي كنت هذه الشّجرة تؤكل وتعضد. وأخرج عن قتادة قال: بلغني أنّ أبا بكر قال: وددت أنّي خضرة تاكلني الدّواب. وأخرج عن ضمرة بن حبيب قال (٢): حضرت الوفاة ابنا لأبي بكر الصّدّيق، فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة، فلمّا توفي قالوا لأبي بكر: رأينا ابنك يلحظ إلى وسادة، فدفعوه عن الوسادة، فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستّة، فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجّع ويقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (٣) يا فلان ما أحسب جلدك يتّسع لها. وأخرج عن ثابت البناني أنّ أبا بكر كان يتمثّل بهذا الشّعر (٤):

стр. 121

لا تزال تنعى حبيبا حتّى تكونه … وقد يرجو الفتى الرّجا يموت دونه وأخرج ابن سعد (١) عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد بعد النّبيّ ﷺ أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر، وإنّ أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد لها في كتاب اللّه أصلا، ولا في السّنّة أثرا، فقال: اجتهد رأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، وإن يكن خطأ فمنّي، واستغفر اللّه. فصل فيما ورد عنه من تعبير الرّؤيا أخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن المسيّب قال: رأت عائشة ﵂ كانّه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصّتها على أبي بكر - وكان من أعبر النّاس - فقال: إن صدقت رؤياك ليدفننّ في بيتك خير أهل الأرض ثلاثا؛ فلمّا قبض النّبيّ ﷺ قال لها: يا عائشة، هذا خير أقمارك. وأخرج أيضا عن عمرو بن شرحبيل قال: قال رسول اللّه ﷺ لأبي بكر: «رأيتني أردفت غنم سود ثم أردفتها غنم بيض حتى ما ترى السّود فيها». فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، أما الغنم السّود فإنّها العرب يسلمون ويكثرون، وأمّا الغنم البيض الأعاجم يسلمون حتّى لا يرى العرب فيهم من كثرتهم؛ فقال رسول اللّه ﷺ : «كذلك عبرها الملك سحرا». وبه عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول اللّه ﷺ : «رأيتني على بئر أنزع فيها، فوردتني غنم سود، ثم ردفها غنم عفر، فقال أبو بكر: دعني أعبرها» فذكر نحوه.

стр. 122

وأخرج ابن سعد عن محمّد بن سيرين قال: كان أعبر هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر. وأخرج ابن سعد (١) عن ابن شهاب قال: رأى رسول اللّه ﷺ رؤيا، فقصها على أبي بكر، فقال: رأيت كأنّي استبقت أنا وأنت درجة، فسبقتك بمرقاتين ونصف، قال: يا رسول اللّه يقبضك اللّه إلى مغفرته ورحمته، وأعيش بعدك سنتين ونصفا. وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه»، عن أبي قلابة، أنّ رجلا قال لأبي بكر الصّدّيق: رأيت في النّوم أنّي أبول دما، قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض؛ فاستغفر اللّه ولا تعد. فائدة: أخرج البيهقيّ في «الدّلائل» عن عبد اللّه بن بريدة، قال: بعث رسول اللّه ﷺ عمرو بن العاص في سريّة فيهم أبو بكر وعمر، فلمّا انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألاّ يوروا نارا، فغضب عمر، فهمّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر وأخبره أنّه لم يستعمله رسول اللّه ﷺ عليك إلاّ لعلمه بالحرب، فهدأ عنه. وأخرج البيهقيّ من طريق أبي معشر عن بعض مشيختهم، أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «إنّي لأؤمّر الرّجل على القوم فيهم من هو خير منه، لأنّه أيقظ عينا وأبصر بالحرب. فصل أخرج خليفة بن خيّاط وأحمد بن حنبل وابن عساكر، عن يزيد بن الأصمّ «أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر: أنا أكبر أم أنت؟ قال: أنت أكبر وأكرم، وأنا أسنّ منك». مرسل غريب جدّا. فإن صحّ عدّ هذا الجواب من فرط ذكائه وأدبه، والمشهور أن هذا الجواب للعبّاس. وقد وقع أيضا لسعيد بن يربوع، أخرجه الطّبراني، ولفظه «أنّ رسول اللّه ﷺ قال له: أيّنا أكبر؟ قال: أنت أكبر وأخير منّي، وأنا أقدم».

стр. 123

وأخرج أبو نعيم (١)، أنّ أبا بكر قيل له: يا خليفة رسول اللّه، ألا تستعمل أهل بدر؟ قال: إنّي أرى مكانهم، ولكنّي أكره أن أدنّسهم بالدّنيا. وأخرج أحمد في «الزّهد» عن إسماعيل بن محمّد، أنّ أبا بكر قسم قسما فسوّى فيه بين النّاس، فقال له عمر: تسوّي بين أصحاب بدر وسواهم من النّاس؟ فقال أبو بكر: إنّما الدّنيا بلاغ، وخير البلاغ أوسعه، وإنّما فضلهم في أجورهم. فصل أخرج أحمد في «الزهد» عن أبي بكر بن حفص قال: بلغني أنّ أبا بكر كان يصوم الصّيف ويفطر الشّتاء. وأخرج ابن سعد (٢) عن حبّان الصّائغ، قال: كان نقش خاتم أبي بكر «نعم القادر اللّه». فائدة: أخرج الطّبراني عن موسى بن عقبة قال: لا نعلم أربعة أدركوا النّبيّ ﷺ وأبناءهم إلاّ هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وابنه أبو بكر الصّدّيق، وابنه عبد الرّحمن، وأبو عتيق بن عبد الرّحمن واسمه محمّد. وأخرج ابن منده وابن عساكر عن عائشة ﵂ قالت: ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلاّ أبو أبي بكر. فائدة: أخرج ابن سعد والبزّار بسند حسن، عن أنس قال: كان أسنّ أصحاب رسول اللّه ﷺ أبو بكر الصّدّيق، وسهيل بن عمرو بن بيضاء. فائدة: أخرج البيهقيّ في «الدّلائل» عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لمّا كان عام الفتح خرجت ابنة لأبي قحافة فلقيتها الخيل، وفي عنقها طوق من ورق، فاقتطعه إنسان من عنقها، فلمّا دخل رسول اللّه ﷺ المسجد قام أبو بكر وقال: أنشد باللّه والإسلام طوق أختي؛ فو اللّه ما أجابه أحد، ثم قال الثّانية فما أجابه أحد، ثم قال:

стр. 124

يا أخته، احتسبي طوقك؛ فو اللّه إنّ الأمانة اليوم في النّاس لقليلة. فائدة: رأيت بخطّ الحافظ الذّهبيّ: من كان فرد زمانه في فنّه: أبو بكر الصّدّيق في النّسب. عمر بن الخطّاب في القوّة في أمر اللّه. عثمان بن عفّان في الحياء. عليّ في القضاء. أبيّ بن كعب في القراءة. زيد بن ثابت في الفرائض. أبو عبيدة بن الجرّاح في الأمانة. ابن عبّاس في التّفسير. أبو ذرّ الغفاري في صدق اللّهجة. خالد بن الوليد في الشّجاعة. الحسن البصريّ في التّذكير. وهب بن منبّه في القصص. ابن سيرين في التّعبير. نافع في القراءة. أبو حنيفة في الفقه. ابن إسحاق في المغازي. مقاتل في التّأويل. الكلبيّ في قصص القرآن. الخليل في العروض. فضيل بن عياض في العبادة. سيبويه في النّحو. مالك في العلم. الشّافعي في فقه الحديث. أبو عبيدة في الغريب. علي بن المديني في العلل. يحيى بن معين في الرّجال. أبو تمّام في الشّعر. أحمد بن حنبل في السّنّة. البخاري في نقد الحديث. الجنيد في التّصوّف. محمد بن نصر المروزي في الاختلاف. الجبّائي في الاعتزال. الأشعري في الكلام. محمد بن زكريّا الرّازي في الطّبّ. أبو معشر في النّجوم. إبراهيم الكرماني في التّعبير. ابن نباتة في الخطب. أبو الفرج الأصبهاني في المحاضرة. أبو القاسم الطّبراني في العوالي. ابن حزم في الظّاهر. أبو الحسن البكري (١) في الكذب. الحريري في المقامات. ابن منده في سعة الرّحلة. المتنبي في الشّعر. الموصليّ في الغناء. الصّولي في الشّطرنج. الخطيب البغدادي في سرعة القراءة. عليّ بن هلال في الخطّ. عطاء السّلمي في الخوف من اللّه تعالى. القاضي الفاضل في الإنشاء. الأصمعيّ في النّوادر. أشعب في الطّمع. معبد في الغناء. ابن سينا في الفلسفة. * * *

стр. 125

عمر بن الخطاب ﵁ (٣) هو: عمر بن الخطّاب بن نفيل بن عبد العزّى بن رياح [بن عبد اللّه] بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤي. أمير المؤمنين، أبو حفص، القرشيّ، العدويّ، الفاروق. أسلم في السّنة السّادسة من النّبوّة، وله سبع وعشرون سنة؛ قاله الذّهبيّ (١). وقال النّوويّ (٢): ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السّفارة في الجاهليّة، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم - أو بينهم وبين غيرهم - بعثوه سفيرا - أي رسولا - وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا أو مفاخرا، وأسلم قديما بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة. وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، فما هو إلاّ أن أسلم فظهر الإسلام بمكّة وفرح به المسلمون. قال: وهو أحد السّابقين الأوّلين، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنّة، وأحد الخلفاء الرّاشدين، وأحد أصهار رسول اللّه ﷺ ، وأحد كبار علماء الصّحابة وزهّادهم. روي له عن رسول اللّه ﷺ خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا.

стр. 126

روى عنه عثمان بن عفّان، وعلي وطلحة، وسعد [بن أبي وقاص]، وعبد الرّحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو ذرّ، وعمرو بن عبسة، وابنه عبد اللّه، وابن عبّاس، وابن الزّبير، وأنس، وأبو هريرة، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعريّ، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، وخلائق آخرون من الصّحابة وغيرهم، ﵃. أقول: وأنا ألخّص هنا فصولا فيها جملة من الفوائد تتعلّق بترجمته.

стр. 127

فصل في الأخبار الواردة في إسلامه أخرج التّرمذي (١) عن ابن عمر «أنّ النّبيّ ﷺ قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ هذين الرّجلين إليك: بعمر بن الخطّاب، أو بأبي جهل بن هشام». وأخرجه الطّبراني من حديث ابن مسعود وأنس ﵄. وأخرج الحاكم عن ابن عبّاس «أنّ النّبيّ ﷺ قال: اللّهمّ أعزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب خاصّة». وأخرجه الطّبرانيّ في «الأوسط» من حديث أبي بكر الصّدّيق، وفي «الكبير» من حديث ثوبان. وأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرّض رسول اللّه ﷺ ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة «الحاقّة»، فجعلت أتعجّب من تأليف القرآن، فقلت: واللّه هذا شاعر كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، * وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ، قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ (٢) الآيات، فوقع في قلبي الإسلام كلّ موقع. وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن جابر قال: كان أوّل إسلام عمر، أنّ عمر قال: ضرب أختي المخاض ليلا، فخرجت من البيت، فدخلت في أستار الكعبة، فجاء النّبيّ ﷺ ، فدخل الحجر وعليه بتّان (٤)، وصلّى للّه ما شاء اللّه، ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرج، فاتّبعته، فقال: من هذا؟ فقلت: عمر، فقال: يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهارا؟ فخشيت أن يدعو عليّ، فقلت: أشهد أن لا إله إلا

стр. 128

اللّه وأنّك رسول اللّه، فقال: يا عمر أسرّه. قلت: لا والذي بعثك بالحقّ لأعلننّه كما أعلنت الشّرك. وأخرج ابن سعد (١) وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في «الدّلائل» عن أنس ﵁، قال: خرج عمر متقلّدا السّيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال: ما أراك إلاّ قد صبأت وتركت دينك [الذي كنت عليه]، قال: أفلا أدلّك على العجب، إن ختنك (٢) وأختك قد صبأ او تركا دينك؛ فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خبّاب، فلمّا سمع بحسّ عمر توارى في البيت، فدخل، فقال: ما هذه الهينمة (٣)؟ - وكانوا يقرءون طه - قالا: ما عدا حديثا تحدّثناه بيننا، قال: فلعلّكما قد صبأتما، فقال له ختنه: [أرأيت] يا عمر، إن كان الحقّ في غير دينك؟ فوثب عليه عمر، فوطئه وطأ شديدا، فجاءت اخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده، فدمّى وجهها، فقالت - وهي غضبى -: إن كان الحق في غير دينك، إنّي أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا عبده ورسوله، فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم، فأقرأه - وكان عمر يقرأ الكتاب - فقالت أخته: إنّك رجس، وإنه لا يمسّه إلاّ المطهّرون، فقم فاغتسل أو توضّأ. فقام فتوضّأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ طه حتّى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اَللّهُ لا إِلهَ إِلّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ اَلصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٤) فقال عمر: دلّوني على محمّد؛ فلمّا سمع خبّاب قول عمر خرج، فقال: أبشر يا عمر، فإنّي أرجو أن تكون دعوة رسول اللّه ﷺ لك ليلة الخميس «اللّهمّ أعز الإسلام بعمر بن الخطّاب، أو بعمرو بن هشام». وكان رسول اللّه ﷺ في أصل الدّار التي في أصل الصّفا، فانطلق عمر حتّى أتى الدّار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر؛ إن يرد اللّه به خيرا يسلم؛ وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيّنا، قال: والنّبيّ ﷺ داخل يوحى إليه، فخرج حتّى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل

стр. 129

السّيف، فقال: «ما أنت بمنته يا عمر حتّى ينزل اللّه بك من الخزي والنّكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة». فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّك عبد اللّه ورسوله. وأخرج البزّار والطّبراني وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «الدّلائل» (١) عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشدّ النّاس على رسول اللّه ﷺ ، فبينا أنا في يوم حارّ بالهاجرة في بعض طرق مكّة إذ لقيني رجل فقال: عجبا لك يا ابن الخطّاب، إنّك تزعم أنّك وأنّك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت؛ فرجعت مغضبا حتّى قرعت الباب، قيل: من هذا؟ قلت: عمر، فتبادروا فاختفوا منّي، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوّة نفسها، أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها، فسال الدم وبكت، فقالت: يا ابن الخطّاب ما كنت فاعلا فافعل، فقد صبأت، قال: ودخلت حتّى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها، قالت: لست من أهلها إنك لا تطهّر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسّه إلا المطهّرون، فما زلت بها حتّى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فلمّا مررت باسم من أسماء اللّه تعالى ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إليّ نفسي فتناولتها فإذا فيها: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي اَلسَّماواتِ وَاَلْأَرْضِ﴾ فذعرت، فقرأت إلى ﴿آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللّه، فخرجوا إليّ مبادرين وكبّروا وقالوا: أبشر، فإنّ رسول اللّه ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: «اللّهمّ أعزّ الإسلام بأحبّ الرّجلين إليك: إمّا أبو جهل بن هشام، وإما عمر» فقلت: دلّوني على النّبيّ ﷺ [فأخبروني أنّه] في بيت بأسفل الصّفا، فخرجت حتّى قرعت الباب، فقالوا: من؟ قلت: ابن الخطّاب، وقد علموا شدّتي على رسول اللّه ﷺ ، فما اجترأ أحد يفتح الباب، حتّى قال ﷺ : «افتحوا له» ففتحوا لي، فأخذ رجلان بعضدي حتّى أتيا بي النّبيّ ﷺ ، فقال: «خلّوا عنه» ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه، ثم قال: «أسلم يا ابن الخطّاب، اللّهمّ اهده» فتشهّدت، فكبّر

стр. 130

المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكّة، وكانوا مستخفين، فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلاّ رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء، فجئت إلى خالي أبي جهل بن هشام وكان شريفا، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطّاب، وقد صبأت، فقال: لا تفعل؛ ثم دخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء، فذهبت إلى رجل من عظماء قريش، فناديته فخرج إلي، فقلت له مثل مقالتي لخالي، وقال لي مثل ما قال خالي، فدخل وأجاف الباب دوني، فقلت: ما هذا بشيء، إنّ المسلمين يضربون وأنا لا أضرب، فقال لي رجل: أتحبّ أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم، قال: فإذا جلس النّاس في الحجر فأت فلانا - لرجل لم يكن يكتم السّرّ - فقل له فيما بينك وبينه: إنّي قد صبأت، فإنّه قلّ ما يكتم السّرّ، فجئت وقد اجتمع النّاس في الحجر، فقلت فيما بيني وبينه: إنّي قد صبأت، قال: أو قد فعلت: قلت: نعم؛ فنادى بأعلى صوته: إنّ ابن الخطاب قد صبأ، فبادروا إليّ، فما زلت أضربهم ويضربونني، واجتمع عليّ النّاس، فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ، فقام على الحجر فأشار بكمه: ألا إنّي قد أجرت ابن أختي؛ فتكشّفوا عنّي، فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب ويضرب إلاّ رأيته، فقلت: ما هذا بشيء حتّى يصيبني [ما يصيب المسلمين] فأتيت خالي، فقلت: جوارك ردّ عليك، فما زلت أضرب وأضرب حتّى أعزّ اللّه الإسلام. وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» (١) وابن عساكر عن ابن عبّاس ﵁، قال: سألت عمر: لأيّ شيء سمّيت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيّام، فخرجت إلى المسجد، فأسرع أبو جهل إلى النّبيّ ﷺ يسبّه، فأخبر حمزة، فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل، فاتّكأ على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه، فعرف أبو جهل الشّرّ في وجهه، فقال: مالك يا أبا عمارة؟ فرفع القوس، فضرب بها أخدعيه فقطعه، فسألت الدّماء، فأصلحت ذلك قريش مخافة الشّرّ. فقال: ورسول اللّه ﷺ مختف في دار الأرقم المخزوميّ، فانطلق

стр. 131

حمزة، فأسلم، فخرجت بعده بثلاثة أيّام، فإذا فلان [ابن فلان] المخزوميّ، فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتّبعت دين محمد؟ فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقّا منّي، قلت: ومن هو؟ قال: أختك وختنك، فانطلقت فوجدت [الباب مغلقا، وسمعت] همهمة [ففتح لي الباب]، فدخلت، فقلت: ما هذا [الذي أسمع عندكم؟ قالوا: ما سمعت شيئا]، فما زال الكلام بيننا حتّى أخذت برأس ختني، فضربته [ضربة] فأدميته، فقامت إليّ أختي، فأخذت برأسي، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك؛ فاستحييت حين رأيت الدّماء، فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب، فقالت [أختي]: إنّه لا يمسّه إلاّ المطهّرون، [فإن كنت صادقا فقم واغتسل]، فقمت فاغتسلت [وجئت فجلست]، فأخرجوا إليّ صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقلت: أسماء طيّبة طاهرة ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ إلى قوله ﴿لَهُ اَلْأَسْماءُ اَلْحُسْنى﴾ (١) قال: فتعظّمت في صدري، وقلت: من هذا فرّت قريش؟ فأسلمت وقلت: أين رسول اللّه ﷺ ؟ قالت: فإنّه في دار الأرقم، فأتيت [الدّار]، فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: مالكم؟ قالوا: عمر، قال: عمر! افتحوا له الباب؛ فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول اللّه ﷺ ، فخرج فتشهّد عمر فكبّر أهل الدّار تكبيرة سمعها أهل المسجد. قلت: يا رسول اللّه ألسنا على الحقّ؟ قال: «بلى» قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا صفّين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتّى دخلنا المسجد، فنظرت قريش إليّ وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة شديدة [لم يصبهم مثلها] فسمّاني رسول اللّه ﷺ «الفاروق» يومئذ؛ وفرّق بين الحقّ والباطل. وأخرج ابن سعد (٢) عن ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمّى عمر الفاروق؟ قالت: النّبيّ ﷺ . وأخرج ابن ماجة (٣) والحاكم عن ابن عبّاس ﵄ قال: لمّا أسلم عمر

стр. 132

قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منّا، وأنزل اللّه: ﴿يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ حَسْبُكَ اَللّهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١). وأخرج البخاري (٢) عن ابن مسعود ﵁، قال: ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر. وأخرج ابن سعد (٣) والطّبراني، عن ابن مسعود ﵁، قال: كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمامته رحمة، ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلّي في البيت حتّى أسلم عمر، فلمّا أسلم عمر قاتلهم حتّى تركونا فصلّينا. وأخرج ابن سعد (٤) والحاكم، عن حذيفة، قال: لمّا أسلم عمر كان الإسلام كالرّجل المقبل لا يزداد إلاّ قربا، فلمّا قتل عمر كان الإسلام كالرّجل المدبر لا يزداد إلاّ بعدا. وأخرج الطّبراني عن ابن عبّاس ﵄، قال: أوّل من جهر بالإسلام عمر بن الخطّاب؛ إسناده صحيح حسن. وأخرج ابن سعد (٤) عن صهيب قال: لمّا أسلم عمر ﵁ أظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممّن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به. وأخرج ابن سعد (٥) عن أسلم مولى عمر قال: أسلم عمر في ذي الحجّة من السّنة السّادسة من النّبوّة، وهو ابن ستّ وعشرين سنة.

стр. 133

فصل في هجرته ﵁ أخرج ابن عساكر (١) عن عليّ، قال: ما علمت أحدا هاجر إلاّ مختفيا إلاّ عمر بن الخطّاب؛ فإنّه لمّا همّ بالهجرة تقلّد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهما، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف بها سبعا، ثم صلّى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه، من أراد أن تثكله أمه، وييتم ولده، وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي. فما تبعه منهم أحد. وأخرج (٢) عن البراء ﵁ قال: أوّل من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم ابن أم مكتوم، ثم عمر بن الخطّاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول اللّه ﷺ ؟ قال: هو على أثري؛ ثم قدم رسول اللّه ﷺ وأبو بكر ﵁ معه. قال النّووي (٣): شهد عمر مع رسول اللّه ﷺ المشاهد كلّها، وكان ممّن ثبت معه يوم أحد. فصل في الأحاديث الواردة في فضله غير ما تقدّم في ترجمة الصّدّيق ﵁ أخرج الشّيخان (٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «بينا أنا نائم رأيتني في الجنّة، فإذا امرأة تتوضّأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟

стр. 134

قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فولّيت مدبرا» فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول اللّه؟. وأخرج الشّيخان (١) عن ابن عمر أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «بينا أنا نائم شربت - يعني اللّبن - حتّى انظر الرّيّ يجري في أظفاري، ثم ناولته عمر، قالوا: فما أوّلته يا رسول اللّه؟ قال: العلم». وأخرج الشّيخان (٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا عليّ وعليهم قمص؛ فمنها ما يبلغ الثّدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليّ عمر وعليه قميص يجرّه، قالوا: فما أوّلته يا رسول اللّه؟ قال: الدّين». وأخرج الشّيخان (٣) عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول اللّه ﷺ : «يا بن الخطّاب، والّذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا قطّ إلاّ سلك فجّا غير فجّك». وأخرج البخاري (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدّثون، فإن يكن في أمّتي أحد فإنّه عمر». أي ملهمون. وأخرج التّرمذي (٥) عن ابن عمر، أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «إنّ اللّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه». قال ابن عمر: «وما نزل بالنّاس أمر قطّ فقالوا وقال عمر، إلاّ نزل القرآن على نحو ما قال عمر». وأخرج التّرمذي (٦) والحاكم وصحّحه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول

стр. 135

اللّه ﷺ : «لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب». وأخرجه الطّبراني عن أبي سعيد الخدري، وعصمة بن مالك. وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر. وأخرج التّرمذي (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّي لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوا من عمر». وأخرج ابن ماجة (٢) والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه ﷺ : «أوّل من يصافحه الحقّ عمر، وأوّل من يسلّم عليه، وأوّل من يأخذ بيده فيدخله الجنّة». وأخرج ابن ماجة (٣) والحاكم عن أبي ذرّ قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّ اللّه وضع الحقّ على لسان عمر يقول به». وأخرج أحمد والبزّار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ اللّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه». وأخرجه الطّبراني من حديث عمر بن الخطاب، وبلال، ومعاوية بن أبي سفيان، وعائشة ﵃. وأخرجه ابن عساكر (٤) من حديث ابن عمر. وأخرج ابن منيع في «مسنده» عن علي ﵁ قال: كنّا أصحاب محمد لا نشكّ أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر. وأخرج البزّار عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ﷺ : «عمر سراج أهل الجنّة». وأخرجه ابن عساكر (٥) من حديث أبي هريرة، والصّعب بن جثّامة. وأخرج البزّار عن قدامة بن مظعون، عن عمّه عثمان بن مظعون قال: قال رسول

стр. 136

اللّه ﷺ : «هذا غلق الفتنة، وأشار بيده إلى عمر، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم». وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن ابن عبّاس ﵄ قال: «جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: أقرئ عمر السّلام، وأخبره أنّ غضبه عزّ، ورضاه حكم». وأخرج ابن عساكر (١) عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الشّيطان يفرق من عمر». وأخرج أحمد من طريق بريدة أن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر». وأخرج ابن عساكر (٢) عن ابن عبّاس ﵄، قال: قال رسول اللّه ﷺ «ما في السّماء ملك إلاّ وهو يوقّر عمر، ولا في الأرض شيطان إلاّ وهو يفرق من عمر». وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ اللّه باهى بأهل عرفة عامّة، وباهى بعمر خاصّة». وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عبّاس ﵄. وأخرج الطّبراني والدّيلمي عن الفضل بن العبّاس، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «الحقّ بعدي مع عمر حيث كان». وأخرج الشّيخان (٣) عن ابن عمر، وأبي هريرة ﵁، قالا: قال رسول اللّه ﷺ : «بينا أن نائم رأيتني على قليب (٤) عليها دلو، فنزعت منها إلى ما شاء اللّه، ثم أخذها أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين (٥)، وفي نزعه ضعف، واللّه يغفر له، ثم جاء عمر [بن الخطّاب] فاستقى، فاستحالت في يده غربا (٦)، فلم أر عبقريّا من النّاس يفري فريه (٧) حتّى روي النّاس، وضربوا بعطن».

стр. 137

قال النّووي في «تهذيبه» (١): قال العلماء: هذه إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر، وكثرة الفتوح، وظهور الإسلام في زمن عمر. وأخرج الطّبراني (٢) عن سديسة قالت: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّ الشّيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلاّ خرّ لوجهه». وأخرجه الدّارقطني في «الأفراد» من طريق سديسة عن حفصة. وأخرج الطّبراني عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول اللّه ﷺ : «قال لي جبريل: ليبك الإسلام على موت عمر». وأخرج الطّبراني في «الأوسط» عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «من أبغض عمر فقد أبغضني، ومن أحبّ عمر فقد أحبّني، وإنّ اللّه باهى بالنّاس عشيّة عرفة عامّة، وباهى بعمر خاصّة، وإنّه لم يبعث اللّه نبيّا إلاّ كان في أمّته محدّث، وإن يكن في أمّتي منهم أحد فهو عمر، قالوا: يا رسول اللّه كيف محدّث؟ قال: تتكلّم الملائكة على لسانه». إسناده حسن. فصل في أقوال الصّحابة والسّلف فيه قال أبو بكر الصّدّيق ﵁: ما على ظهر الأرض رجل أحبّ إلي من عمر. أخرجه ابن عساكر (٣). وقيل لأبي بكر في مرضه: ما ذا تقول لربّك وقد ولّيت عمر؟ قال: أقول له: ولّيت عليهم خيرهم.

стр. 138

أخرجه ابن سعد (١). وقال علي ﵁: إذا ذكر الصّالحون فحيّهلا بعمر، ما كنّا نبعد أن السّكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه الطّبراني في «الأوسط». وقال ابن عمر ﵁: ما رأيت أحدا قطّ بعد رسول اللّه ﷺ من حين قبض أحدّ ولا أجود من عمر. أخرجه ابن سعد (٢). وقال ابن مسعود ﵁: لو أنّ علم عمر وضع في كفّه ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في كفّة لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنّه ذهب بتسعة أعشار العلم. أخرجه الطّبراني في «الكبير» والحاكم. وقال حذيفة ﵁: كأن علم النّاس كان مدسوسا في حجر عمر. وقال حذيفة: واللّه ما أعرف رجلا لا تأخذه في اللّه لومة لائم إلاّ عمر. وقالت عائشة ﵂ وذكرت عمر -: كان واللّه أحوذيّا نسيج وحده. وقال معاوية ﵁: أمّا أبو بكر فلم يرد الدّنيا ولم ترده. وأمّا عمر فأرادته الدّنيا ولم يردها، وأمّا نحن فتمرّغنا فيها ظهرا لبطن». أخرجه الزّبير بن بكّار في «الموفّقيات» (٣). وقال جابر ﵁: دخل عليّ على عمر - وهو مسجّى - فقال: رحمة اللّه عليك، ما من أحد أحبّ إلي ان ألقى اللّه بما في صحيفته بعد صحبة النّبيّ ﷺ من هذا المسجّى.

стр. 139

أخرجه الحاكم. وقال ابن مسعود ﵁: إذا ذكر الصّالحون فحيّهلا بعمر، إنّ عمر كان أعلمنا بكتاب اللّه وأفقهنا في دين اللّه تعالى. أخرجه الطّبرانيّ والحاكم. وسئل ابن عبّاس عن أبي بكر، فقال: كان كالخير كلّه؛ وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أنّ له بكلّ طريق شركا يأخذه؛ وسئل عن عليّ، فقال: مليء عزما وحزما وعلما ونجدة. أخرجه في «الطّيوريّات». وأخرج الطّبراني عن عمير بن ربيعة، أنّ عمر بن الخطّاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد، قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد، لا تأخذه في اللّه لومة لائم. قال: ثمّ مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة. قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون البلاء. وأخرج أحمد والبزّار والطّبراني، عن ابن مسعود ﵁، قال: فضل عمر بن الخطّاب النّاس بأربع: بذكر الأسرى يوم بدر، أمر بقتلهم فأنزل اللّه ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اَللّهِ سَبَقَ﴾ (١) الآية؛ وبذكر الحجاب، أمر نساء النّبيّ ﷺ أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنّك علينا يا ابن الخطّاب، والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل اللّه ﴿إِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً﴾ (٢) الآية، وبدعوة النّبيّ ﷺ : «اللّهمّ أيّد الإسلام بعمر»، وبرأيه في أبي بكر، كان أوّل من بايعه. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كنّا نحدّث أنّ الشّياطين كانت مصفّدة في إمارة عمر، فلمّا أصيب بثّت. وأخرج (٣) عن سالم بن عبد اللّه قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى، فأتى امرأة

стр. 140

في بطنها شيطان، فسألها عنه، فقالت: حتّى يجيئني شيطاني، فجاء، فسألته عنه فقال: تركته مؤتزرا بكساء يهنأ (١) إبل الصّدقة، وذاك رجل لا يراه شيطان إلاّ خرّ لمنخريه، الملك بين عينيه، وروح القدس ينطق بلسانه. قال سفيان الثّوري: من زعم أن عليّا كان أحقّ بالولاية من أبي بكر وعمر فقد أخطأ، وخطّأ أبا بكر، وعمر، والمهاجرين، والأنصار. وقال شريك: ليس يقدّم عليّا على أبي بكر وعمر أحد فيه خير. وقال أبو أسامة: أتدرون من أبو بكر، وعمر؟ هما أبوا الإسلام وأمه. وقال جعفر الصّادق: أنا بريء ممّن ذكر أبا بكر وعمر إلاّ بخير. فصل في موافقات عمر ﵁ قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين (٢). أخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرّأي فينزل به القرآن. وأخرج ابن عساكر عن عليّ قال: إنّ في القرآن لرأيا من رأي عمر. وأخرج (٣) عن ابن عمر، مرفوعا: ما قال النّاس في شيء وقال فيه عمر إلاّ جاء القرآن بنحو ما يقول عمر. وأخرج الشّيخان عن عمر قال: وافقت ربّي في ثلاث؛ قلت: يا رسول اللّه، لو اتّخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٤) وقلت: يا رسول اللّه، يدخل على نسائك البرّ والفاجر، فلو أمرتهنّ يحتجبن، فنزلت

стр. 141

آية الحجاب (١)؛ واجتمع نساء النّبيّ ﷺ في الغيرة، فقلت: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك (٢). وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربّي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم؛ ففي هذا الحديث خصلة رابعة. وفي التّهذيب (٣) للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي مقام إبراهيم، وفي تحريم الخمر؛ فزاد خصلة خامسة؛ وحديثها في السنن و «مستدرك الحاكم» أنّه قال: اللّهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فأنزل اللّه تحريمها. وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربّي في أربع، نزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، فلمّا نزلت قلت أنا: فتبارك اللّه أحسن الخالقين، فنزلت ﴿فَتَبارَكَ اَللّهُ أَحْسَنُ اَلْخالِقِينَ﴾ (٤). فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة، وللحديث طريق آخر عن ابن عبّاس أوردته في «التّفسير المسند». ثم رأيت في كتاب «فضائل الإمامين» لأبي عبد اللّه الشّيباني قال: وافق عمر ربّه في أحد وعشرين موضعا؛ فذكر هذه الستّة، وزاد سابعا قصّة عبد اللّه ابن أبيّ. قلت: حديثها في الصّحيح عنه، قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أبيّ دعي رسول اللّه ﷺ للصّلاة عليه، فقام إليه، فقمت حتّى وقفت في صدره، فقلت: يا رسول اللّه، أعلى عدوّ اللّه ابن أبي تصلي؟ القائل يوم كذا كذا؟ فو اللّه ما كان إلاّ يسيرا حتّى نزلت ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ (٥) الآية. وثامنا: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ﴾ (٦) الآية.

стр. 142

وتاسعا: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا اَلصَّلاةَ﴾ (١) الآية. قلت: هما مع آية المائدة (٢) خصلة واحدة، والثّلاثة في الحديث السّابق. وعاشرا: لمّا أكثر رسول اللّه ﷺ من الاستغفار لقوم قال عمر: سواء عليهم، فأنزل اللّه ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ (٣) الآية. قلت: أخرجه الطّبراني عن ابن عبّاس. الحادي عشر: لمّا استشار ﷺ الصّحابة في الخروج إلى بدر، أشار عمر بالخروج، فنزلت ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ (٤) الآية. الثاني عشر: لمّا استشار الصّحابة في قصّة الإفك قال عمر: من زوّجكها يا رسول اللّه؟ قال: اللّه، قال: أفتظنّ أنّ ربّك دلّس عليك فيها؟ ﴿سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ فنزلت كذلك (٥). الثالث عشر: قصّته في الصّيام لمّا جامع زوجته بعد الانتباه، وكان ذلك محرّما في أوّل الإسلام، فنزل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيامِ﴾ (٦) الآية. قلت: أخرجه أحمد في «مسنده». الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٧) الآية. قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة، وأقربها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى: أنّ يهوديا لقي عمر فقال: إنّ جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال له عمر: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾

стр. 143

﴿وَمِيكالَ فَإِنَّ اَللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ (١) فنزلت على لسان عمر. الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) الآية. قلت: أخرج قصّتها ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى النّبي ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردّنا إلى عمر بن الخطاب؛ فأتيا إليه، فقال الرّجل: قضى لي رسول اللّه ﷺ على هذا فقال: ردّنا إلى عمر، فقال: أكذاك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتّى أخرج إليكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال «ردّنا إلى عمر» فقتله، وأدبر الآخر، فقال: يا رسول اللّه، قتل عمر - واللّه - صاحبي، فقال: ما كنت أظنّ أن يجترئ عمر على قتل مؤمن، فأنزل اللّه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، فأهدر دم الرّجل، وبرئ عمر من قتله، وله شاهد موصول أوردته في «التّفسير المسند». السّادس عشر: الاستئذان في الدّخول، وذلك أنّه دخل عليه غلامه، وكان نائما، فقال: اللّهمّ حرّم الدّخول؛ فنزلت آية الاستئذان (٣). السابع عشر: قوله في اليهود: إنّهم قوم بهت. الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ﴾ (٤). قلت: أخرج قصّتها ابن عساكر في تاريخه، عن جابر بن عبد اللّه، وهي في «أسباب النّزول». التّاسع عشر: رفع تلاوة الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما. الآية. العشرون: قوله يوم أحد، لمّا قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبنه، فوافقه رسول اللّه ﷺ . قلت: أخرج قصته أحمد في «مسنده».

стр. 144

قلت: ويضمّ إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدّارمي في كتاب «الرّدّ على الجهميّة» من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللّه، أنّ كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السّماء، فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه؛ فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها في التّوراة لتابعتها (١)، فخرّ عمر ساجدا. ثم رأيت في «الكامل» لابن عديّ، من طريق عبد اللّه بن نافع - وهو ضعيف - عن أبيه عن عمر أن بلالا كان يقول - إذا أذّن -: أشهد أن لا إله إلا اللّه، حيّ على الصّلاة، فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمّدا رسول اللّه؛ فقال رسول اللّه ﷺ : «قل كما قال عمر». فصل في كراماته ﵁ أخرج البيهقي وأبو نعيم (٢)، كلاهما في «دلائل النّبوّة»، واللالكائي في «شرح السّنّة»، والدّير عاقولي في «فوائده»، وابن الأعرابي في «كرامات الأولياء»، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجّه عمر جيشا، ورأّس عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم اللّه، قال: قيل لعمر: إنّك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم. قال ابن حجر في «الإصابة»: إسناده حسن. وأخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: كان عمر

стр. 145

يخطب يوم الجمعة، فعرض في خطبته أن قال: يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظلم؛ فالتفت النّاس بعضهم لبعض، فقال لهم عليّ: ليخرجنّ ممّا قال؛ فلمّا فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أنّ المشركين هزموا إخواننا وإنّهم يمرّون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد، وإن جاوزوا هلكوا، فخرج منّي ما تزعمون أنّكم سمعتموه. قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنّهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم، قال: فعدلنا إلى الجبل ففتح اللّه علينا. وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر [بن الخطاب] على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرّتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جنّ، إنّه لمجنون؛ فدخل عليه عبد الرّحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: [لشدّ ما ألومهم عليك] إنّك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أيّ شيء هذا؟ قال: إنّي واللّه ما ملكت ذلك، رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل؛ فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إنّ القوم لقونا يوم الجمعة، فقاتلناهم حتّى إذا حضرت الجمعة [ودار حاجب الشّمس] سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل، مرّتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدوّنا حتّى هزمهم اللّه وقتلهم؛ فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجّل فإنّه مصنوع له. وأخرج أبو القاسم بن بشران في «فوائده» من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: قال عمر بن الخطّاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممّن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرّة، قال: بأيّها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا. وأخرج مالك في «الموطأ» (١) عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في
следующие страницы →