آية الحجاب (١)؛ واجتمع نساء النّبيّ ﷺ في الغيرة، فقلت: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك (٢).
وأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربّي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم؛ ففي هذا الحديث خصلة رابعة.
وفي التّهذيب (٣) للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر، وفي الحجاب، وفي مقام إبراهيم، وفي تحريم الخمر؛ فزاد خصلة خامسة؛ وحديثها في السنن و «مستدرك الحاكم» أنّه قال: اللّهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فأنزل اللّه تحريمها.
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربّي في أربع، نزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، فلمّا نزلت قلت أنا: فتبارك اللّه أحسن الخالقين، فنزلت ﴿فَتَبارَكَ اَللّهُ أَحْسَنُ اَلْخالِقِينَ﴾ (٤).
فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة، وللحديث طريق آخر عن ابن عبّاس أوردته في «التّفسير المسند».
ثم رأيت في كتاب «فضائل الإمامين» لأبي عبد اللّه الشّيباني قال: وافق عمر ربّه في أحد وعشرين موضعا؛ فذكر هذه الستّة، وزاد سابعا قصّة عبد اللّه ابن أبيّ.
قلت: حديثها في الصّحيح عنه، قال: لمّا توفي عبد اللّه بن أبيّ دعي رسول اللّه ﷺ للصّلاة عليه، فقام إليه، فقمت حتّى وقفت في صدره، فقلت: يا رسول اللّه، أعلى عدوّ اللّه ابن أبي تصلي؟ القائل يوم كذا كذا؟ فو اللّه ما كان إلاّ يسيرا حتّى نزلت ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ (٥) الآية.
وثامنا: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْخَمْرِ﴾ (٦) الآية.
стр. 142
وتاسعا: ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا اَلصَّلاةَ﴾ (١) الآية.
قلت: هما مع آية المائدة (٢) خصلة واحدة، والثّلاثة في الحديث السّابق.
وعاشرا: لمّا أكثر رسول اللّه ﷺ من الاستغفار لقوم قال عمر: سواء عليهم، فأنزل اللّه ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ (٣) الآية.
قلت: أخرجه الطّبراني عن ابن عبّاس.
الحادي عشر: لمّا استشار ﷺ الصّحابة في الخروج إلى بدر، أشار عمر بالخروج، فنزلت ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ (٤) الآية.
الثاني عشر: لمّا استشار الصّحابة في قصّة الإفك قال عمر: من زوّجكها يا رسول اللّه؟ قال: اللّه، قال: أفتظنّ أنّ ربّك دلّس عليك فيها؟ ﴿سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ فنزلت كذلك (٥).
الثالث عشر: قصّته في الصّيام لمّا جامع زوجته بعد الانتباه، وكان ذلك محرّما في أوّل الإسلام، فنزل ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيامِ﴾ (٦) الآية.
قلت: أخرجه أحمد في «مسنده».
الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٧) الآية.
قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة، وأقربها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى: أنّ يهوديا لقي عمر فقال: إنّ جبريل الذي يذكره صاحبكم عدوّ لنا، فقال له عمر: ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾
стр. 143
﴿وَمِيكالَ فَإِنَّ اَللّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾
(١)
فنزلت على لسان عمر.
الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) الآية.
قلت: أخرج قصّتها ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى النّبي ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردّنا إلى عمر بن الخطاب؛ فأتيا إليه، فقال الرّجل: قضى لي رسول اللّه ﷺ على هذا فقال: ردّنا إلى عمر، فقال: أكذاك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتّى أخرج إليكما، فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال «ردّنا إلى عمر» فقتله، وأدبر الآخر، فقال: يا رسول اللّه، قتل عمر - واللّه - صاحبي، فقال: ما كنت أظنّ أن يجترئ عمر على قتل مؤمن، فأنزل اللّه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، فأهدر دم الرّجل، وبرئ عمر من قتله، وله شاهد موصول أوردته في «التّفسير المسند».
السّادس عشر: الاستئذان في الدّخول، وذلك أنّه دخل عليه غلامه، وكان نائما، فقال: اللّهمّ حرّم الدّخول؛ فنزلت آية الاستئذان (٣).
السابع عشر: قوله في اليهود: إنّهم قوم بهت.
الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ اَلْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ اَلْآخِرِينَ﴾ (٤).
قلت: أخرج قصّتها ابن عساكر في تاريخه، عن جابر بن عبد اللّه، وهي في «أسباب النّزول».
التّاسع عشر: رفع تلاوة الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما. الآية.
العشرون: قوله يوم أحد، لمّا قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبنه، فوافقه رسول اللّه ﷺ .
قلت: أخرج قصته أحمد في «مسنده».
стр. 144
قلت: ويضمّ إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدّارمي في كتاب «الرّدّ على الجهميّة» من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللّه، أنّ كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السّماء، فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه؛ فقال كعب:
والذي نفسي بيده إنّها في التّوراة لتابعتها (١)، فخرّ عمر ساجدا.
ثم رأيت في «الكامل» لابن عديّ، من طريق عبد اللّه بن نافع - وهو ضعيف - عن أبيه عن عمر أن بلالا كان يقول - إذا أذّن -: أشهد أن لا إله إلا اللّه، حيّ على الصّلاة، فقال له عمر: قل في أثرها: أشهد أن محمّدا رسول اللّه؛ فقال رسول اللّه ﷺ : «قل كما قال عمر».
فصل في كراماته ﵁
أخرج البيهقي وأبو نعيم (٢)، كلاهما في «دلائل النّبوّة»، واللالكائي في «شرح السّنّة»، والدّير عاقولي في «فوائده»، وابن الأعرابي في «كرامات الأولياء»، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: وجّه عمر جيشا، ورأّس عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم اللّه، قال: قيل لعمر: إنّك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم.
قال ابن حجر في «الإصابة»: إسناده حسن.
وأخرج ابن مردويه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: كان عمر
стр. 145
يخطب يوم الجمعة، فعرض في خطبته أن قال: يا سارية الجبل، من استرعى الذئب ظلم؛ فالتفت النّاس بعضهم لبعض، فقال لهم عليّ: ليخرجنّ ممّا قال؛ فلمّا فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أنّ المشركين هزموا إخواننا وإنّهم يمرّون بجبل، فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد، وإن جاوزوا هلكوا، فخرج منّي ما تزعمون أنّكم سمعتموه. قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنّهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم، قال: فعدلنا إلى الجبل ففتح اللّه علينا.
وأخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر [بن الخطاب] على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرّتين أو ثلاثا، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جنّ، إنّه لمجنون؛ فدخل عليه عبد الرّحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: [لشدّ ما ألومهم عليك] إنّك لتجعل لهم على نفسك مقالا، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أيّ شيء هذا؟ قال: إنّي واللّه ما ملكت ذلك، رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل؛ فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إنّ القوم لقونا يوم الجمعة، فقاتلناهم حتّى إذا حضرت الجمعة [ودار حاجب الشّمس] سمعنا مناديا ينادي يا سارية الجبل، مرّتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدوّنا حتّى هزمهم اللّه وقتلهم؛ فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجّل فإنّه مصنوع له.
وأخرج أبو القاسم بن بشران في «فوائده» من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: قال عمر بن الخطّاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممّن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال:
الحرّة، قال: بأيّها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا.
وأخرج مالك في «الموطأ» (١) عن يحيى بن سعيد نحوه، وأخرجه ابن دريد في
стр. 146
«الأخبار المنثور»، وابن الكلبي في «الجامع»، وغيرهم.
وقال أبو الشّيخ في كتاب «العظمة» (١): حدّثنا أبو الطّيّب، حدّثنا علي بن داود، حدّثنا عبد اللّه بن صالح، حدّثنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجّاج، عمّن حدثه قال: لمّا فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل شهر بونة (٢) من أشهر العجم فقالوا: يا أيّها الأمير، إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلاّ بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشّهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثّياب والحليّ أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إنّ هذا لا يكون أبدا في الإسلام، وإنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنّيل لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتّى همّوا بالجلاء، فلمّا رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطّاب بذلك، فكتب إلينا أن قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله؛ وبعث بطاقة في داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: إنّي قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النّيل؛ فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد اللّه عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أمّا بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه يجريك فأسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك بقدرته؛ فألقى البطاقة في النّيل قبل عيد الصّليب بيوم، فأصبحوا وقد أجراه اللّه تعالى ستّة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع اللّه تلك السّنّة السّيئة عن أهل مصر إلى اليوم.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرّجل ليحدّث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: احبس هذه؛ ثم يحدّثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كلّ ما حدّثتك حقّ إلاّ ما أمرتني أن أحبسه.
стр. 147
وأخرج (١) عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدّث به أنّه كذب فهو عمر بن الخطاب.
وأخرج البيهقي في «الدلائل» عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأنّ أهل العراق قد حصبوا أميرهم (٢) فخرج غضبان، فصلّى فسها في صلاته، فلمّا سلّم قال:
اللّهمّ إنّهم قد لبسوا عليّ فالبس عليهم، وعجّل عليهم بالغلام الثّقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهليّة: لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم.
قلت: أشار به إلى الحجّاج.
قال ابن لهيعة: وما ولد الحجّاج يومئذ.
فصل في نبذ من سيرته
أخرج ابن سعد (٣) عن الأحنف بن قيس قال: كنّا جلوسا بباب عمر، فمرّت جارية، فقالوا: سرّيّة أمير المؤمنين، فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرّية (٤)، ولا تحلّ له، إنّها من مال اللّه، فقلنا: فما ذا يحلّ له من مال اللّه تعالى؟ قال: إنّه لا يحلّ لعمر من مال اللّه إلاّ حلّتين: حلّة للشّتاء، وحلّة للصّيف، وما أحجّ به وأعتمر [من الظّهر]، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين [يصيبني ما أصابهم].
وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له، واشترط عليه أن
стр. 148
لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيّا (١)، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلّت عليه العقوبة.
وقال عكرمة بن خالد وغيره: إنّ حفصة وعبد اللّه وغيرهما كلّموا عمر، فقالوا:
لو أكلت طعاما طيّبا كان أقوى لك على الحقّ، قال: أكلّكم على هذا الرّأي؟ قالوا:
نعم. قال: قد علمت نصحكم، ولكنّي تركت صاحبيّ على جادّة، فإن تركت جادّتهما لم أدركهما في المنزل.
قال: وأصاب النّاس سنة (٢)، فما أكل عامئذ سمنا، ولا سمينا.
وقال ابن أبي مليكة: كلّم عتبة بن فرقد عمر في طعامه، فقال: ويحك، آكل طيّباتي في حياتي الدّنيا، وأستمتع بها؟
وقال الحسن (٣): دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحما، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه (٤)، قال: أو كلّما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفا أن يأكل كلّ ما اشتهى.
وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السّمك الطّريّ، قال: فرحل يرفأ (٥) راحلته، وسار أربعا مقبلا، وأربعا مدبرا، واشترى مكتلا، فجاء به، وعمد إلى الرّاحلة فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتّى انظر إلى الرّاحلة. فنظر وقال:
نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذّبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا واللّه لا يذوق عمر مكتلك.
وقال قتادة: كان عمر يلبس - وهو خليفة - جبّة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدّرّة يؤدّب بها النّاس، ويمر بالنّكث (٦) والنّوى
стр. 149
فيلتقطه ويلقيه في منازل النّاس ينتفعون به.
وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه.
وقال أبو عثمان النّهدي: رأيت على عمر إزارا مرقوعا بأدم.
وقال عبد اللّه بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر، فما ضرب فسطاطا ولا خباء، كان يلقي الكساء أو النّطع على الشّجرة ويستظلّ تحته.
وقال عبد اللّه بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطّان أسودان من البكاء.
وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتّى يعاد (١) منها أيّاما.
وقال أنس: دخلت حائطا فسمعت عمر يقول، وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين، بخ، واللّه لتتّقينّ اللّه ابن الخطّاب أو ليعذبنّك اللّه.
وقال عبد اللّه بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التّبنة، يا ليتني لم أك شيئا، ليت أمّي لم تلدني.
وقال عبيد اللّه بن عمر بن حفص: حمل عمر بن الخطّاب قربة على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ نفسي أعجبتني فأردت أن أذلّها.
وقال محمّد بن سيرين: قدم صهر لعمر عليه من مكّة، فطلب أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى اللّه ملكا خائنا؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم.
وقال النّخعيّ: كان عمر يتّجر وهو خليفة.
وقال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزّيت عام الرّمادة (٢)، وكان قد حرّم على نفسه السّمن، فنقر بطنه بأصبعه وقال: إنّه ليس عندنا غيره، حتّى يحيا النّاس.
وقال سفيان بن عيينة: قال عمر بن الخطاب: أحبّ النّاس إليّ من رفع إليّ عيوبي.
стр. 150
وقال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس، ويأخذ بيده الأخرى أذنه، ثم ينزو على متن الفرس.
وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قطّ فذكر اللّه عنده، أو خوّف، أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلاّ وقف عمّا كان يريد.
وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير النّاس، إلاّ أنّه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب، قرأت عليه القرآن حتّى يذهب غضبه.
وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتى عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: كلّ واحد منهما أدم.
أخرج هذه الآثار كلّها ابن سعد.
وأخرج ابن سعد (١) عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوما أن أبدلهم أميرا مكان أمير.
فصل في صفته ﵁
أخرج ابن سعد والحاكم عن زرّ قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر يمشي حافيا، شيخا أصلع، آدم، أعسر يسر، طوالا، مشرفا على النّاس كأنّه على دابّة.
قال الواقدي: لا يعرف عندنا أنّ عمر كان آدم، إلاّ أن يكون رآه عام الرّمادة، فإنّه كان تغيّر لونه حين أكل الزّيت.
وأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة، طوال، أصلع، أشيب.
стр. 151
وأخرج عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يفوق الناس طولا.
وأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: كان عمر رجلا أيسر (١). يعني يعمل بيديه جميعا.
وأخرج ابن عساكر (٢) عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا، جسيما، أصلع شديد الصّلع، أبيض شديد الحمرة، في عارضيه خفّة، سبلته كبيرة، وفي أطرافها صهبة (٣).
وفي تاريخ ابن عساكر (٤) من طرق أنّ أمّ عمر بن الخطّاب حنتمة بنت هشام ابن المغيرة أخت أبي جهل بن هشام؛ فكان أبو جهل خاله.
فصل في خلافته ﵁
ولي الخلافة بعهد من أبي بكر، في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة.
قال الزّهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، وهو يوم الثّلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، فقام بالأمر أتمّ قيام، وكثرت الفتوح في أيّامه:
ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة، وحمص وبعلبكّ صلحا، والبصرة والأبلّة، كلاهما عنوة (٥).
وفيها جمع عمر النّاس على صلاة التّراويح. قاله العسكريّ في «الأوائل» (٦).
стр. 152
وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلاّ طبريّة فإنّها فتحت صلحا.
وفيها كانت وقعة اليرموك والقادسيّة.
قال ابن جرير (١): وفيها مصّر سعد الكوفة، وفيها فرض عمر الفروض، ودوّن الدّواوين، وأعطى العطاء على السّابقة.
وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى، وهي أوّل جمعة جمّعت بالعراق، وذلك في صفر.
وفيها كان وقعة جلولاء، وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الرّيّ.
وفيها فتحت تكريت.
وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس، وخطب بالجابية خطبته المشهورة.
وفيها فتحت قنّسرين عنوة، وحلب وأنطاكيّة ومنبج صلحا، وسروج عنوة.
وفيها فتحت قرقيسياء صلحا.
وفي ربيع الأوّل كتب التّاريخ من الهجرة بمشورة عليّ.
وفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النّبويّ.
وفيها كان القحط بالحجاز فسمّي عام الرّمادة (٢)، واستسقى عمر للنّاس بالعبّاس.
أخرج ابن سعد (٣) عن نيار الأسلمي، أنّ عمر لمّا خرج يستسقى خرج وعليه برد رسول اللّه ﷺ .
وأخرج عن ابن أبي عون قال: أخذ عمر بيد العبّاس ثم رفعها وقال: اللّهمّ إنّا نتشفّع إليك بعمّ نبيّك أن تذهب عنّا المحل، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتّى سقوا، فأطبقت السّماء عليهم أيّاما.
стр. 153
وفيها فتحت الأهواز صلحا.
وفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحا، وحلوان عنوة.
وفيها كان طاعون عمواس.
وفيها فتحت الرّها، وسميساط عنوة، وحرّان ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة - وقيل: صلحا - والموصل ونواحيها عنوة.
وفي سنة تسع عشرة فتحت قيساريّة عنوة.
وفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة، وقيل: مصر كلّها صلحا إلاّ الإسكندريّة فعنوة.
وقال عليّ بن رباح: المغرب كلّه عنوة.
وفيها فتحت تستر.
وفيها هلك قيصر عظيم الرّوم.
وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران، وقسم خيبر ووادي القرى.
وفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندريّة عنوة، ونهاوند؛ ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة؛ وبرقة وغيرها.
وفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة - وقيل: صلحا - والدّينور عنوة، وما سبذان عنوة، وهمذان عنوة، وطرابلس المغرب، والرّيّ، وعسكر وقومس.
وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل، وأصبهان ونواحيها.
وفي آخرها كانت وفاة سيّدنا عمر ﵁ بعد صدوره من الحجّ شهيدا.
قال سعيد بن المسيّب: لمّا نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السّماء، وقال: اللّهم كبرت سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط؛ فما انسلخ ذو الحجّة حتى قتل. أخرجه الحاكم.
وقال أبو صالح السّمّان: قال كعب الأحبار لعمر: أجدك في التّوراة تقتل
стр. 154
شهيدا؛ قال: وأنّى لي بالشّهادة وأنا بجزيرة العرب؟.
وقال أسلم: قال عمر: اللّهمّ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك. أخرجه البخاري.
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأنّ ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإنّي لا أراه إلاّ حضور أجلي، وإنّ قوما يأمروني أن أستخلف، وإنّ اللّه لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء السّتّة الذين توفّي رسول اللّه ﷺ وهو راض عنهم. أخرجه الحاكم.
قال الزّهري (١): كان عمر ﵁ لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتّى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة، يذكر له غلاما عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدينة، ويقول: إنّ عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للنّاس، إنّه حدّاد، نقّاش، نجّار؛ فأذن له أن يرسله المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشّهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدّة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير؛ فانصرف ساخطا يتذمّر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنّك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالرّيح؟ فالتفت إلى عمر عابسا وقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث النّاس بها؛ فلمّا ولّى قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفا؛ ثمّ اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس، فلم يزل هناك حتّى خرج عمر يوقظ النّاس للصّلاة، فلمّا دنا منه طعنه ثلاث طعنات.
أخرجه ابن سعد.
وقال عمرو بن ميمون الأوديّ (٢): إنّ أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلا، مات منهم ستّة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوبا، فلمّا اغتمّ فيه قتل نفسه.
وقال أبو رافع (٣): كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء، وكان المغيرة
стр. 155
يستغلّه كلّ يوم أربعة دراهم، فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد أثقل عليّ فكلّمه. فقال: أحسن إلى مولاك - ومن نيّة عمر أن يكلّم المغيرة فيه - فغضب وقال: يسع النّاس كلّهم عدله غيري؛ وأضمر قتله، واتخذ خنجرا وشحذه وسمّه، وكان عمر يقول «أقيموا صفوفكم» قبل أن يكبّر، فجاء فقام حذاءه في الصّفّ، وضربه في كتفه وفي خاصرته، فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستّة، وحمل عمر إلى أهله، وكادت الشّمس تطلع، فصلّى عبد الرحمن بن عوف بالنّاس بأقصر سورتين، وأتى عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبيّن، فسقوه لبنا فخرج من جرحه، فقالوا: لا بأس عليك، فقال: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت؛ فجعل النّاس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما واللّه وددت أنّى خرجت منها كفافا لا عليّ ولا لي، وأنّ صحبة رسول اللّه ﷺ سلمت لي؛ وأثنى عليه ابن عبّاس فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع، وقد جعلتها شورى في عثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وعبد الرّحمن بن عوف، وسعد؛ وأمر صهيبا أن يصلّي بالنّاس، وأجّل السّتّة ثلاثا. أخرجه الحاكم.
وقال ابن عبّاس: كان أبو لؤلؤة مجوسيّا.
وقال عمرو بن ميمون (١): قال عمر: الحمد للّه الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد اللّه، انظر ما عليّ من الدّين؛ فحسبوه فوجدوه ستّة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأدّ من أموالهم، وإلاّ فاسأل في بني عديّ، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش؛ اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه؛ فذهب إليها فقالت: كنت أريده - تعني المكان - لنفسي، ولأؤثرنّه اليوم على نفسي؛ فأتى عبد اللّه فقال: قد أذنت، فحمد اللّه تعالى وقيل له: أوص يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الذي توفي رسول اللّه ﷺ وهو عنهم راض؛ فسمّى السّتّة، وقال: يشهد عبد اللّه بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلاّ فليستعن به أيّكم ما أمّر؛ فإنّي لم أعز له من عجز ولا خيانة، ثم قال:
стр. 156
أوصي الخليفة من بعدي بتقوى اللّه، وأوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ في مثل ذلك من الوصيّة.
فلمّا توفي خرجنا به نمشي، فسلّم عبد اللّه بن عمر وقال: عمر يستأذن، فقالت عائشة: أدخلوه؛ فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغوا من دفنه ورجعوا، اجتمع هؤلاء الرّهط، فقال عبد الرّحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم.
فقال الزّبير: قد جعلت أمري إلى عليّ؛ وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرّحمن؛ وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. قال: فخلا هؤلاء الثّلاثة، فقال عبد الرّحمن: أنا لا أريدها، فأيّكما يبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه؟ واللّه عليه والإسلام لينظرنّ أفضلهم في نفسه وليحرصنّ على صلاح الأمّة؟ فسكت الشّيخان عليّ وعثمان، فقال عبد الرّحمن: اجعلوه إليّ، واللّه عليّ لا آلوكم عن أفضلكم؛ قالا:
نعم؛ فخلا بعليّ وقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول اللّه ﷺ ما قد علمت؛ اللّه عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ ولئن أمّرت عليك لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ قال:
نعم؛ ثم خلا بالآخر فقال له كذلك؛ فلمّا أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه عليّ.
وفي «مسند أحمد» عن عمر، أنّه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة بن الجرّاح حيّ استخلفته، فإن سالني ربي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول:
«إنّ لكلّ نبي أمينا وإن أميني أبو عبيدة بن الجرّاح» فإن أدركني أجلي - وقد توفّي أبو عبيدة - استخلفت معاذ بن جبل، فإن سألني ربّي: لم استخلفته؟ قلت: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة» وقد ماتا في خلافته.
وفي «المسند» أيضا عن أبي رافع، أنّه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصا سيّئا، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجرّاح.
قلت: أصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجّة، ودفن يوم الأحد مستهلّ المحرّم الحرام، وله ثلاث وستّون سنة، وقيل: ستّ وستّون، وقيل: إحدى وستّون، وقيل: ستّون، ورجحه الواقديّ، وقيل: تسع وخمسون، وقيل خمس أو
стр. 157
أربع وخمسون، وصلّى عليه صهيب في المسجد.
وفي «تهذيب» المزني (١): كان نقش خاتم عمر «كفى بالموت واعظا يا عمر».
وأخرج الطّبراني عن طارق بن شهاب، قال: قالت أمّ أيمن يوم قتل عمر: اليوم وهى الإسلام.
وأخرج عبد الرّحمن بن يسار، قال: شهدت موت عمر بن الخطّاب، فانكسفت الشّمس يومئذ.
قلت: رجاله ثقات.
فصل في أوّليّات عمر ﵁
قال العسكري (٢): هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، وأوّل من كتب التّاريخ من الهجرة، وأوّل من اتّخذ بيت المال، وأوّل من سنّ قيام شهر رمضان، وأوّل من عسّ بالليل (٣)، وأوّل من عاقب على الهجاء، وأوّل من ضرب في الخمر ثمانين، وأوّل من حرّم المتعة، وأوّل من نهى عن بيع أمّهات الأولاد، وأوّل من جمع النّاس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات، وأوّل من اتّخذ الدّيوان، وأوّل من فتح الفتوح ومسح السّواد، وأوّل من حمل الطّعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة، وأوّل من احتبس صدقة في الإسلام (٤)، وأوّل من أعال الفرائض (٥)، وأوّل من أخذ زكاة
стр. 158
الخيل، وأوّل من قال: أطال اللّه بقاءك، قاله لعليّ؛ وأوّل من قال: أيّدك اللّه، قاله لعليّ. هذا آخر ما ذكره العسكري.
وقال النّووي في «تهذيبه» (١): هو أوّل من اتّخذ الدّرّة.
وكذا ذكره ابن سعد في «الطبقات»، قال (٢): ولقد قيل بعده: لدرّة عمر أهيب من سيفكم.
قال: وهو أوّل من استقضى القضاة في الأمصار، وأوّل من مصّر الأمصار:
الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشّام، ومصر، والموصل.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن إسماعيل بن زياد قال: مرّ عليّ بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نوّر اللّه على عمر في قبره كما نوّر علينا مساجدنا.
فصل
قال ابن سعد: (٤) اتّخذ عمر دار الدّقيق، فجعل فيها الدّقيق والسّويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه؛ يعين به المنقطع؛ ووضع فيما بين مكّة والمدينة بالطّريق ما يصلح من ينقطع به، وهدم المسجد النّبويّ، وزاد فيه ووسّعه وفرشه بالحصباء، وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشّام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة، وهو الذي أخّر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم، وكان ملصقا باليت.
стр. 159
فصل في نبذ من أخباره وقضاياه
أخرج العسكريّ في «الأوائل» (١)، والطّبراني في «الكبير»، والحاكم، عن طريق ابن شهاب، أنّ عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأيّ شيء كان يكتب «من خليفة رسول اللّه ﷺ » في عهد أبي بكر، ثم كان عمر يكتب أولا «من خليفة أبي بكر»؟ فمن أوّل من كتب «من أمير المؤمنين»؟ فقال: حدّثتني الشّفاء - وكانت من المهاجرات - أنّ أبا بكر كان يكتب: من خليفة رسول اللّه، وكان عمر يكتب: من خليفة خليفة رسول اللّه، حتّى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه لبيد بن ربيعة، وعديّ بن حاتم، فقدما المدينة، ودخلا المسجد، فوجدا عمرو بن العاص، فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما واللّه أصبتما اسمه؛ فدخل عليه عمرو، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجنّ ممّا قلت؛ فأخبره وقال: أنت الأمير ونحن المؤمنون؛ فجرى الكتاب بذلك من يومئذ.
وقال النّووي في «تهذيبه» (٢): سمّاه بهذا الاسم عديّ بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق. وقيل: سمّاه به المغيرة بن شعبة. وقيل: إنّ عمر قال للنّاس: أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فسمّي أمير المؤمنين، وكان قبل ذلك يقال له: خليفة خليفة رسول اللّه، فعدلوا عن تلك العبارة لطولها.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرّة قال: كان يكتب أبو بكر: من أبي بكر خليفة رسول اللّه؛ فلمّا كان عمر بن الخطّاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول اللّه، قال عمر: هذا يطول، قالوا: لا، ولكنّا أمّرناك علينا، فأنت أميرنا، قال: نعم، أنتم المؤمنون، وأنا أميركم، فكتب «أمير المؤمنين».
وأخرج البخاري في «تاريخه» (٣)، عن ابن المسيّب، قال: اوّل من كتب
стр. 160
التّاريخ عمر بن الخطّاب لسنتين ونصف من خلافته، فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة عليّ.
وأخرج السّلفيّ في «الطّيوريّات» بسند صحيح، عن ابن عمر، عن عمر، أنّه أراد أن يكتب السّنن، فاستخار اللّه شهرا، فأصبح وقد عزم له، ثم قال: إنّي ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا، فأقبلوا عليه وتركوا كتاب اللّه.
وأخرج ابن سعد (١) عن شدّاد، قال: كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللّهمّ إنّي شديد فليّنّي، وإنّي ضعيف فقوّني، وإنّي بخيل فسخّني.
وأخرج ابن سعد (٢) وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق، عن عمر، أنّه قال:
إنّي أنزلت نفسي من مال اللّه منزلة والي اليتيم من ماله؛ إن أيسرت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإن أيسرت قضيت.
وأخرج ابن سعد (٣) عن ابن عمر، أنّ عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه، فقضاه.
وأخرج ابن سعد (٤) عن البراء بن معرور، أنّ عمر خرج يوما حتّى اتى المنبر، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكّة (٣)، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلاّ فهي عليّ حرام؛ فأذنوا له.
وأخرج (٤) عن سالم بن عبد اللّه، أنّ عمر كان يدخل يده في دبرة البعير، ويقول:
إنّي لخائف أن أسأل عمّا بك.
وأخرج (٥) عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى النّاس عن شيء، تقدّم إلى أهله، فقال: لا أعلمنّ أحدا وقع في شيء ممّا نهيت عنه إلاّ أضعفت عليه العقوبة.
стр. 161
وروينا من غير وجه، أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة - وكان يفعل ذلك كثيرا - إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقا علينا بابها، وهي تقول (١): [من الطويل]
تطاول هذا اللّيل تسري كواكبه … وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه
فو اللّه لولا اللّه تخشى عواقبه … لزعزع من هذا السّرير جوانبه
ولكنّني أخشى رقيبا موكّلا … بأنفسنا لا يفتر الدّهر كاتبه
مخافة ربّي والحياء يصدّني … وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
فكتب إلى عمّاله بالغزو أن لا يجمّر أحد أكثر من أربعة أشهر.
وأخرج ابن سعد (٢) عن زادان عن سلمان، أنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما، أو أقلّ، أو أكثر، ثم وضعته في غير حقّه فأنت ملك غير خليفة؛ فاستعبر عمر.
وأخرج (٣) عن سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب:
واللّه ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم؛ فقال قائل: يا أمير المؤمنين إنّ بينهما فرقا؛ قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلاّ حقّا ولا يضعه إلاّ في حقّ، وأنت بحمد اللّه كذلك؛ والملك يعسف النّاس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا؛ فسكت عمر.
وأخرج (٤) عن ابن مسعود ﵁، قال: ركب عمر فرسا، فانكشف ثوبه عن فخذه، فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء، فقالوا: هذا الذي نجد في كتابنا أنّه يخرجنا من أرضنا.
стр. 162
وأخرج (١) عن سعد الجاري، أنّ كعب الأحبار قال لعمر: إنّا لنجدك في كتاب اللّه على باب من أبواب جهنّم، تمنع النّاس أن يقعوا فيها، فإذا متّ لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة.
وأخرج (٢) عن أبي معشر، قال: حدّثنا أشياخنا أنّ عمر قال: إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ بالشّدّة التي لا جبريّة فيها، وباللّين الذي لا وهن فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنّف» عن حكيم بن عمير، قال: كتب عمر بن الخطّاب: ألا لا يجلدنّ أمير جيش ولا سريّة أحدا الحدّ حتّى يطلع الدّرب (٣)؛ لئلاّ تحمله حميّة الشّيطان أن يلحق بالكفّار.
وأخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن الشّعبي قال: كتب قيصر إلى عمر ابن الخطّاب: إنّ رسلي أتتني من قبلك فزعمت أنّ قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشّجر، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تنشقّ عن مثل اللّؤلؤ، ثم يخضرّ، فيكون كالزّمرّد الأخضر، ثم يحمرّ فيكون كالياقوت الأحمر، ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل، ثم ييبس فيكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشّجرة إلاّ من شجر الجنّة.
فكتب إليه عمر: من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الرّوم؛ إنّ رسلك قد صدقوك، هذه الشّجرة عندنا هي الشّجرة التي أنبتها اللّه على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتّق اللّه ولا تتّخذ عيسى إلها من دون اللّه، فإنّ ﴿مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اَللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ (٤) الآية.
وأخرج ابن سعد (٥) عن ابن عمر، أنّ عمر أمر عمّاله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقّاص، فشاطرهم عمر في أموالهم، فأخذ نصفا وأعطاهم نصفا.
стр. 163
وأخرج (٢) عن الشّعبيّ، أنّ عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ما له.
وأخرج (٢) عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: مكث عمر زمانا لا يأكل من مال بيت المال شيئا، حتّى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فاستشارهم، فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه؟ فقال عليّ: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر.
وأخرج (١) عن ابن عمر، أنّ عمر حجّ سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجّته ستّة عشر دينارا، فقال: يا عبد اللّه، أسرفنا في هذا المال.
وأخرج عبد الرّزّاق في «مصنّفه» عن قتادة والشّعبيّ، قالا (٢): جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم اللّيل ويصوم النّهار؛ فقال عمر: لقد أحسنت الثّناء على زوجك؛ فقال كعب بن سور (٣): لقد شكت؛ فقال عمر: كيف؟ قال: تزعم أنّه ليس لها من زوجها نصيب؛ قال: فإذ قد فهمت ذلك فاقض بينهما؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أحلّ اللّه له من النّساء أربعا؛ فلها من كلّ أربعة أيّام يوم؛ ومن كلّ أربع ليال ليلة.
وأخرج عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدّقه، أنّ عمر بينما هو يطوف إذ سمع امرأة تقول (٤): [من الطويل]
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه … وأرّقني أن لا خليل ألاعبه
فلولا حذار اللّه لا شيء مثله … لزعزع من هذا السّرير جوانبه
فقال عمر: مالك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أربعة أشهر وقد اشتقت إليه؛ قال: أردت سوءا؟ قالت: معاذ اللّه؛ قال: فاملكي عليك نفسك، فإنّما هو البريد إليه؛ فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إنّي سائلك عن أمر قد أهمّني فافرجيه
стр. 164
عنّي؟ في كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال: فإنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ: فأشارت بيدها ثلاثة أشهر، وإلاّ فأربعة أشهر؛ فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.
وأخرج عن جابر بن عبد اللّه، أنّه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النّساء؛ فقال عمر: إنا لنجد ذلك، حتّى إنّي لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلاّ إلى فتيات بني فلان تنظر إليهنّ! فقال له عبد اللّه بن مسعود: أما بلغك أنّ إبراهيم ﵇ شكا إلى اللّه خلق سارة، فقيل له: إنّها خلقت من ضلع؛ فالبسها على ما كان منها، ما لم تر عليها حربة (١) في دينها.
وأخرج عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطّاب عليه وقد ترجّل ولبس ثيابا حسانا، فضربه عمر بالدّرّة حتّى أبكاه؛ فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغّرها إليه.
وأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم، أنّ عمر بن الخطّاب قال: لا تسمّوا الحكم ولا أبا الحكم؛ فإنّ اللّه هو الحكم، ولا تسمّوا الطّريق السّكّة.
وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن الضّحّاك، قال: قال أبو بكر:
واللّه لوددت أنّي كنت شجرة إلى جنب الطّريق، فمر عليّ بعير فأخذني فأدخلني فاه، فلاكني ثم ازدردني ثم أخرجني بعرا، ولم أكن بشرا. فقال عمر: يا ليتني كنت كبش أهلي سمّنوني ما بدا لهم، حتّى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبّون، فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديدا، ثم أكلوني، ولم أكن بشرا.
وأخرج ابن عساكر عن أبي البختريّ قال: كان عمر بن الخطّاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن عليّ ﵁، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا؟ فقام عليّ فقال: واللّه ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنّك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، فقد صدق، منبر أبيه.
إسناده صحيح.
стр. 165
وأخرج الخطيب في «أدب الرّاوي» عن مالك من طريقه، عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيّب، أنّ عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتّى يقول النّاظر: إنّهما لا يجتمعان أبدا، فما يفترقان إلاّ على أحسنه وأجمله.
وأخرج ابن سعد (١) عن الحسن قال: أوّل خطبة خطبها عمر، حمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد، فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلّفت فيكم بعد صاحبيّ؛ فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا ولّيناه أهل القوّة والأمانة، ومن يحسن نزده حسنا، ومن يسيء نعاقبه، ويغفر اللّه لنا ولكم.
وأخرج (٢) عن جبير بن الحويرث، أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ استشار المسلمين في تدوين الدّيوان، فقال له عليّ: تقسم كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئا؛ وقال عثمان: أرى مالا كثيرا يسع النّاس، وإن لم يحصوا حتّى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين، قد جئت الشّام فرأيت ملوكها قد دوّنوا ديوانا وجنّدوا جنودا، فدوّن ديوانا وجنّد جنودا. فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم - وكانوا من نسّاب قريش - فقال: اكتبوا النّاس على منازلهم؛ فكتبوا فبدءوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم آل عمر وقومه على الخلافة فلمّا نظر فيه عمر قال: ابدءوا بقرابة النّبيّ ﷺ الأقرب فالأقرب، حتّى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه.
وأخرج (٣) عن سعيد بن المسيّب قال: دوّن عمر الدّيوان في المحرّم سنة عشرين.
وأخرج (٤) عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة: أن أعط النّاس أعطيتهم وأرزاقهم؛ فكتب إليه: إنّا قد فعلنا، وبقي شيء كثير؛ فكتب إليه عمر، إنّه فيؤهم
стр. 166
الذي أفاء اللّه عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقسمه بينهم.
وأخرج (١) ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبال عرفة، سمع رجلا يصرخ ويقول: يا خليفة اللّه، فسمعه رجل آخر وهم يعتافون (٢) فقال:
ما لك؟ فكّ اللّه لهواتك! فأقبلت على الرّجل فصحت عليه؛ فقال جبير: فإنّي الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة (٣) فنقفت رأس عمر، فقصدت؛ فسمعت رجلا من الجبل يقول: أشعرت وربّ الكعبة، لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبدا، قال جبير: فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس، فاشتدّ ذلك عليّ.
وأخرج (٤) عن عائشة ﵂، قالت: لمّا كان آخر حجّة حجّها عمر بأمّهات المؤمنين، إذ صدرنا عن عرفة مررت بالمحصّب فسمعت رجلا على راحلته يقول: أين كان عمر أمير المؤمنين؟ فسمعت رجلا آخر يقول: ههنا كان أمير المؤمنين؛ فأناح راحلته ثم رفع عقيرته فقال: [من الطويل]
عليك سلام من إمام، وباركت … يد اللّه في ذاك الأديم الممزّق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق في أكمامها لم تفتّق
فلم يدرك ذاك الرّاكب ولم يدر من هو، فكنا نتحدّث أنّه من الجنّ، فقدم عمر من تلك الحجّة، فطعن بالخنجر، فمات.
وأخرج (٥) عن عبد الرّحمن بن أبزى، عن عمر أنّه قال: هذا الأمر (٦) في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها
стр. 167
لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.
وأخرج (١) عن النّخعيّ، أنّ رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد اللّه بن عمر؟ فقال: قاتلك اللّه! واللّه ما أردت اللّه بهذا، أستخلف رجلا لم يحسن أن يطلّق امرأته؟.
وأخرج (٢) عن شدّاد بن أوس، عن كعب، قال: كان في بني اسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبيّ يوحى إليه، فأوحى اللّه إلى النّبيّ ﷺ أن يقول له: اعهد عهدك، واكتب إليّ وصيّتك؛ فإنّك ميّت إلى ثلاثة أيّام، فأخبره النّبيّ بذلك، فلمّا كان اليوم الثّالث وقع بين الجدار والسّرير، ثم جاء إلى ربّه، فقال: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّى كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتّبعت هداك وكنت وكنت؛ فزد في عمري حتّى يكبر طفلي وتربو أمّتي؛ فأوحى اللّه إلى النّبيّ أنّه قد قال كذا وكذا - وقد صدق - وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمّته؛ فلما طعن عمر قال كعب. لئن سأل عمر ربّه ليبقينّه اللّه، فأخبر بذلك عمر، فقال: اللّهمّ اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
وأخرج (٣) عن سليمان بن يسار، أنّ الجنّ ناحت على عمر.
وأخرج الحاكم عن مالك بن دينار، قال (٤): سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر ﵁: [من الطويل]
ليبك على الإسلام من كان باكيا … فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد
وأدبرت الدّنيا وأدبر خيرها … وقد ملّها من كان يوقن بالوعد (٥)
وأخرج (٦) ابن أبي الدّنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري، قال: قال عمر لابنه:
стр. 168
اقتصدوا في كفني؛ فإنّه إن كان لي عند اللّه خير أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، واقتصدوا في حفرتي؛ فإنّه إن كان لي عند اللّه خير أوسع لي فيها مدّ بصري، وإن كنت على غير ذلك ضيّقها عليّ حتّى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكّوني بما ليس فيّ؛ فإن اللّه هو أعلم بي، فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي؛ فإنّه إن كان لي عند اللّه خير قدّمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شرّا تحملونه.
فصل
أخرج ابن عساكر (١) عن ابن عبّاس، أن العبّاس قال: سألت اللّه حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام، فرأيته بعد حول - وهو يسلت العرق عن جبينه - فقلت: بأبي أنت وأمّي يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهدّ لولا أنّي لقيت رءوفا رحيما.
وأخرج (٢) أيضا عن زيد بن أسلم، أنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام، فقال: كيف صنعت؟ قال: متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنّما أنفلت الآن من الحساب.
وأخرج ابن سعد (٣) عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول: دعوت اللّه أن يريني عمر في المنام، فرأيته بعد عشر سنين، وهو يمسح العرق عن جبينه، فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت؟ قال: الآن فرغت، ولولا رحمة ربّي لهلكت.
وأخرج الحاكم عن الشّعبي، قال: رثت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر، فقالت (٤): [من الخفيف]
стр. 169
عين جودي بعبرة ونحيب … لا تملّي على الإمام الصّليب
فجعتني المنون بالفارس المع … لم يوم الهياج والتّأنيب
عصمة الدّين والمعين على الدّه … ر وغيث الملهوف والمكروب
قل لأهل الضّرّاء والبؤس: موتوا … إذ سقتنا المنون كأس شعوب
فصل فيمن مات من الصّحابة ﵃ في أيّامه
مات في أيّام عمر ﵁ من الأعلام: عتبة بن غزوان، والعلاء ابن الحضرمي، وقيس بن السّكن، وأبو قحافة والد الصّدّيق ﵁، وسعد بن عبادة، وسهيل بن عمرو، وابن أمّ مكتوم المؤذّن، وعيّاش بن أبي ربيعة، وعبد الرّحمن أخو الزّبير بن العوّام، وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن، ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه أبو سفيان، وماريّة أمّ السّيّد إبراهيم، وأبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العبّاس، وأبو جندل بن سهيل، وأبو مالك الأشعري، وصفوان بن المعطّل، وأبيّ بن كعب، وبلال المؤذن، وأسيد بن الحضير، والبراء بن مالك أخو أنس، وزينب بنت جحش، وعياض بن غنم، وأبو الهيثم بن التّيّهان، وخالد بن الوليد، والجارود سيّد بني عبد القيس، والنّعمان بن مقرّن، وقتادة بن النّعمان، والأقرع بن حابس، وسودة بنت زمعة، وعويم بن ساعدة، وغيلان الثّقفي، وأبو محجن الثّقفي، وخلائق آخرون من الصّحابة، ﵃ أجمعين.
* * *
стр. 170
عثمان بن عفّان، ﵁ (٢)
هو عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، القرشيّ، الأموي.
أبو عمرو، ويقال: أبو عبد اللّه، وأبو ليلى.
ولد في السّنة السّادسة من الفيل، وأسلم قديما، وهو ممّن دعاه الصّدّيق إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة (١) الأولى والثّانية.
وتزوّج رقيّة بنت رسول اللّه ﷺ قبل النّبوّة، وماتت عنده في ليالي غزوة بدر، فتأخّر عن بدر لتمريضها بإذن رسول اللّه ﷺ ، وضرب له بسهمه وأجره؛ فهو معدود في البدريّين بذلك.
وجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة، فزوّجه رسول اللّه ﷺ بعدها أختها أمّ كلثوم، وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة.
قال العلماء: ولا يعرف أحد تزوّج بنتي نبيّ غيره، ولذلك سمّي ذا النّورين.
فهو من السّابقين الأوّلين، وأوّل المهاجرين، وأحد العشرة المشهود لهم
стр. 171
بالجنّة، وأحد السّتّة الذين توفي رسول اللّه ﷺ وهو عنهم راض، وأحد الصّحابة الذين جمعوا القرآن.
قال ابن عبّاد: لم يجمع (١) القرآن من الخلفاء إلاّ هو، والمأمون (٢).
وقال ابن سعد (٣): استخلفه رسول اللّه ﷺ على المدينة في غزوته إلى ذات الرّقاع، وإلى غطفان.
روي له عن رسول اللّه ﷺ مائة حديث وستّة وأربعون حديثا.
روى عنه زيد بن خالد الجهنيّ، وابن الزّبير، والسّائب بن يزيد، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وسلمة بن الأكوع، وأبو أمامة الباهلي، وابن عبّاس، وابن عمر، وعبد اللّه بن مغفّل، وأبو قتادة، وأبو هريرة، وآخرون من الصّحابة ﵃، وخلائق من التّابعين.
أخرج ابن سعد (٤) عن عبد الرّحمن بن حاطب قال: ما رأيت أحدا من أصحاب رسول اللّه ﷺ كان إذا حدّث أتمّ حديثا، ولا أحسن، من عثمان بن عفّان، إلاّ أنّه كان رجلا يهاب الحديث.
وأخرج (٥) عن محمّد بن سيرين قال: كان أعلمهم بالمناسك عثمان، وبعده ابن عمر.
وأخرج البيهقي في «سننه»، عن عبد اللّه بن عمر [بن محمد] (٦) بن أبان الجعفيّ قال: قال لي خالي حسين الجعفيّ: تدري لم سمّي عثمان ذا النّورين؟
стр. 172
قلت: لا؛ قال: لم يجمع بين بنتي نبيّ منذ خلق اللّه آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمّي ذا النورين.
وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: إنّما سمّي عثمان ذا النّورين، لأنه لا نعلم أحدا أغلق بابه على ابنتي نبيّ غيره.
وأخرج خيثمة في «فضائل الصّحابة»، وابن عساكر (١) عن عليّ بن أبي طالب أنّه سئل عن عثمان؟ فقال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النّورين، كان ختن رسول اللّه ﷺ على ابنتيه، [ضمن له بيتا في الجنّة].
وأخرج الماليني بسند في ضعف، عن سهل بن سعد قال: قيل لعثمان «ذو النّورين» لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنّة، فتبرق له برقتين؛ فلذلك قيل له ذلك.
وقال ابن سعد (٢): إنّه كان يكنى في الجاهليّة أبا عمرو، فلمّا كان الإسلام ولدت له رقيّة عبد اللّه، فاكتنى به.
وأمّه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس [بن عبد مناف].
وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطّلب بن هاشم، توأمة أبي رسول اللّه ﷺ ؛ فأمّ عثمان بنت عمّة النّبيّ ﷺ .
قال ابن إسحاق: وكان أوّل النّاس إسلاما بعد أبي بكر، وعليّ، وزيد بن حارثة.
وأخرج ابن عساكر (٣) من طرق، أنّ عثمان كان رجلا ربعة؛ ليس بالقصير، ولا بالطّويل، حسن الوجه، أبيض، مشربا حمرة، بوجهه نكتات جدريّ، كبير اللّحية، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، خدل السّاقين، طويل الذّراعين، شعره قد كسا ذراعيه، جعد الرّأس، أصلع، أحسن النّاس ثغرا، جمّته أسفل من
стр. 173
أذنيه، يخضب بالصّفرة، وكان قد شدّ أسنانه بالذّهب.
وأخرج ابن عساكر (١) عن عبد اللّه بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفّان فما رأيت قطّ ذكرا ولا أنثى أحسن وجها منه.
وأخرج (٢) عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان بن عفّان أجمل النّاس.
وأخرج ابن عساكر (٣) عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول اللّه ﷺ إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم، فدخلت، فإذا رقيّة ﵂ جالسة، فجعلت مرّة انظر إلى وجه رقيّة، ومرّة انظر إلى وجه عثمان، فلمّا رجعت سألني رسول اللّه ﷺ ، قال لي:
«دخلت عليهما؟» قلت: نعم، قال: «فهل رأيت زوجا أحسن منهما؟» قلت:
لا يا رسول اللّه.
وأخرج ابن سعد (٤) عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيمي، قال: لمّا أسلم عثمان بن عفّان أخذه عمّه الحكم بن أبي العاص بن أميّة، فأوثقه رباطا، وقال:
ترغب عن ملّة آبائك إلى دين محدث؟ واللّه لا أحلّك أبدا حتّى تدع ما أنت عليه. فقال عثمان: واللّه لا أدعه أبدا، ولا أفارقه. فلمّا رأى الحكم صلابته في دينه تركه.
وأخرج أبو يعلى عن أنس، قال: أوّل من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان، فقال النّبيّ ﷺ : «صحبهما اللّه؛ إنّ عثمان لأوّل من هاجر إلى اللّه بأهله بعد لوط».
وأخرج ابن عديّ عن عائشة ﵂، قالت: لمّا زوج النّبيّ ﷺ ابنته أم كلثوم قال لها: إنّ بعلك أشبه النّاس بجدّك إبراهيم وأبيك محمد.
وأخرج ابن عديّ وابن عساكر (٥) عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إنّا نشبّه عثمان بأبينا إبراهيم».
стр. 174
فصل في الأحاديث الواردة في فضله، غير ما تقدّم
أخرج الشّيخان (١) عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟».
وأخرج البخاري عن أبي عبد الرّحمن السّلمي، أنّ عثمان حين حوصر أشرف عليهم، فقال: أنشدكم باللّه، ولا أنشد إلاّ أصحاب محمّد ﷺ ، ألستم تعلمون أنّ رسول اللّه ﷺ قال: من جهّز جيش العسرة فله الجنّة؛ فجهزتهم، ألستم تعلمون أنّ رسول اللّه ﷺ قال: من حفر بئر رومة فله الجنّة؛ فحفرتها؟ فصدّقوه بما قال.
وأخرج التّرمذي (٢) عن عبد الرّحمن بن خبّاب، قال: شهدت النّبيّ ﷺ وهو يحثّ على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: يا رسول اللّه عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها (٣) في سبيل اللّه؛ ثم حضّ على الجيش، فقال عثمان: يا رسول اللّه عليّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللّه؛ ثم حضّ على الجيش، فقال عثمان: يا رسول اللّه عليّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللّه؛ فنزل رسول اللّه ﷺ وهو يقول:
«ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء».
وأخرج التّرمذي (٤) عن أنس، والحاكم وصحّحه، عن عبد الرّحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النّبيّ ﷺ بألف دينار حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره، فجعل رسول اللّه ﷺ يقلّبها ويقول: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» مرّتين.
стр. 175
وأخرج التّرمذي (١) عن أنس قال: لمّا أمر رسول اللّه ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفّان رسول رسول اللّه ﷺ إلى أهل مكّة، فبايع النّاس، فقال النّبيّ ﷺ :
«إنّ عثمان بن عفّان في حاجة اللّه وحاجة رسوله» فضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ فكانت يد رسول اللّه ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
وأخرج التّرمذي (٢) عن ابن عمر قال: ذكر رسول اللّه ﷺ فتنة فقال: «يقتل فيها هذا مظلوما» لعثمان.
وأخرج التّرمذي (٣)، والحاكم وصحّحه، وابن ماجة، عن مرّة بن كعب قال:
سمعت رسول اللّه ﷺ يذكر فتنة فقرّبها، فمرّ رجل مقنّع في ثوب، فقال: «هذا يومئذ على الهدى»، فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفّان، فأقبلت إليه بوجهي، فقلت:
هذا؟ قال: «نعم».
وأخرج التّرمذي (٤) والحاكم عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«يا عثمان، إنّه لعلّ اللّه يقمّصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه حتّى تلقاني».
وأخرج التّرمذي (٥) عن عثمان أنّه قال يوم الدّار: إنّ رسول اللّه ﷺ عهد إليّ عهدا فأنا صابر عليه.
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان الجنّة من النّبيّ ﷺ مرّتين:
حيث حفر بئر رومة، وحيث جهّز جيش العسرة.
وأخرج ابن عساكر (٦) عن أبي هريرة ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا».
стр. 176
وأخرج الطّبراني عن عصمة بن مالك قال: لمّا ماتت بنت رسول اللّه ﷺ تحت عثمان، قال رسول اللّه ﷺ : «زوّجوا عثمان، ولو كان لي ثالثة لزوّجته، وما زوّجته إلاّ بوحي من اللّه».
وأخرج ابن عساكر (١) عن عليّ ﵁، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول لعثمان: «لو أنّ لي اربعين ابنة زوّجتك واحدة بعد واحدة حتّى لا يبقى منهنّ واحدة».
وأخرج ابن عساكر (٢) عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «مرّ بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال: شهيد يقتله قومه، إنا نستحي منه».
وأخرج أبو يعلى عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من اللّه ورسوله».
وأخرج ابن عساكر (٣) عن الحسن، أنّه ذكر عنده حياء عثمان، فقال: إن كان ليكون جوف البيت - والباب عليه مغلق - فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه.
فصل في خلافته، ﵁
بويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال؛ فروي أنّ النّاس كانوا يجتمعون في تلك الأيّام إلى عبد الرّحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه، فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحدا؛ ولمّا جلس عبد الرّحمن للمبايعة، حمد اللّه وأثنى عليه وقال في كلامه: إنّي رأيت النّاس يأبون إلاّ عثمان.
стр. 177
أخرجه ابن عساكر (١) عن المسور بن مخرمة.
وفي رواية (٢): «أمّا بعد يا عليّ، فإنّي قد نظرت في النّاس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلنّ على نفسك سبيلا؛ ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنّة اللّه وسنّة رسوله وسنّة الخليفتين بعده؛ فبايعه عبد الرّحمن، وبايعه المهاجرون والأنصار [وأمراء الأجناد، وبايعه المسلمون].
وأخرج ابن سعد (٣) عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة، فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النّفر أصحاب الشّورى، فإنّهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثّالث حتّى يؤمّروا أحدهم.
وفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرّحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليّا؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعليّ فقلت: أبايعك على كتاب اللّه وسنّة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال: فيما استطعت؛ ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم.
ويروى أن عبد الرّحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ، وقال لعليّ: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عثمان؛ ثم دعا الزّبير قال: إن لم أبايعك فمن تشير عليّ؟ قال: عليّ أو عثمان، ثم دعا سعدا فقال: من تشير عليّ؟ فأمّا أنا وأنت فلا نريدها، فقال: عثمان، ثم استشار عبد الرّحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان.
وأخرج ابن سعد (٤) والحاكم عن ابن مسعود ﵁، أنّه قال: لمّا بويع عثمان: أمّرنا خير من بقي ولم نأل.
وفي هذه السّنة (٥) من خلافته فتحت الرّيّ، وكانت فتحت وانتقضت.
стр. 178
وفيها أصاب النّاس رعاف كثير، فقيل لها: سنة الرّعاف، وأصاب عثمان رعاف حتّى تخلّف عن الحجّ وأوصى.
وفيها فتح من الرّوم حصون كثيرة.
وفيها ولّى عثمان الكوفة سعد بن أبي وقّاص وعزل المغيرة بن شعبة.
وفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعدا عن الكوفة، وولّى الوليد بن عقبة ابن أبي معيط - وهو صحابي أخو عثمان لأمّه - وذلك أوّل ما نقم عليه؛ لأنه آثر أقاربه بالولايات، وحكي أنّ الوليد صلّى بهم الصّبح أربعا وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟.
وفي سنة ستّ وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسّعه، واشترى أماكن للزّيادة، وفيها فتحت سابور.
وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرس، فركب البحر بالجيوش، وكان معهم عبادة ابن الصّامت وزوجته أمّ حرام بنت ملحان الأنصاريّة، فسقطت عن دابتها، فماتت شهيدة هناك - وكان النّبيّ ﷺ أخبرها بهذا الجيش، ودعا لها بأنت تكون منهم - فدفنت بقبرس.
وفيها فتحت أرجان، ودرابجرد.
وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولّى عليها عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، فغزا أفريقيّة فافتتحها سهلا وجبلا، فأصاب كلّ إنسان من الجيش ألف دينار، وقيل: ثلاثة آلاف دينار.
ثم فتحت الأندلس في هذا العام.
لطيفة كان (١) معاوية يلحّ على عمر بن الخطّاب في غزوة قبرس، وركوب البحر لها، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: أن صف لي البحر وراكبه، فكتب إليه: إنّي رايت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرّك أزاغ العقول، تزداد
стр. 179
فيه العقول قلّة والسّيّئات كثرة (١)، وهم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق (٢)؛ فلمّا قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية: واللّه لا أحمل فيه مسلما أبدا.
قال ابن جرير (٣): فغزا معاوية قبرس في أيّام عثمان فصالحه أهلها على الجزية.
وفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة، وفسا، وغير ذلك.
وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسّعه، وبناه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة، وسقفه بالسّاج وجعل طوله ستّين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع.
وفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان، وفتحت نيسابور صلحا، وقيل: عنوة، وطوس وسرخس كلاهما صلحا، وكذا مرو، وبيهق.
ولمّا فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان، وأتاه المال من كلّ وجه، حتّى اتّخذ له الخزائن وأدرّ الأرزاق، وكان يأمر للرّجل بمائة ألف بدرة، في كل بدرة أربعة آلاف أوقيّة.
وفي سنة إحدى وثلاثين توفى أبو سفيان بن حرب والد معاوية.
وفيها مات الحكم بن ابي العاص عمّ عثمان ﵁.
وفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العبّاس بن عبد المطلّب عمّ رسول اللّه ﷺ ، وصلّى عليه عثمان.
وفيها توفي عبد الرّحمن بن عوف أحد العشرة من السّابقين الأوّلين؛ تصدّق مرّة بأربعين ألفا وبقافلة جاءت من الشّام كما هي.
وفيها مات عبد اللّه بن مسعود الهذليّ، أحد القرّاء الأربعة، ومن أهل السّوابق في الإسلام، ومن علماء الصّحابة المشهورين بسعة العلم.
وفيها مات أبو الدّرداء الخزرجيّ الزّاهد الحكيم، ولي قضاء دمشق لمعاوية.
стр. 180
وفيها توفي أبو ذرّ جندب بن جنادة الغفاريّ، صادق اللّهجة.
وفيها مات عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه الأنصاري (١) الذي أري الأذان.
وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة.
وفيها غزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح الحبشة.
وفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري.
وفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان.
قال الزّهري (٢): ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ستّ سنين لا ينقم النّاس عليه شيئا، وإنّه لأحبّ إلى قريش من عمر بن الخطّاب؛ لأنّ عمر كان شديدا عليهم، فلمّا وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في السّتّ الأواخر، وكتب لمروان بخمس إفريقيّة (٣)، وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال، وتأوّل في ذلك الصّلة التي أمر اللّه بها، وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي أخذته فقسمته في أقربائي؛ فأنكر النّاس عليه ذلك.
أخرجه ابن سعد.
وأخرج ابن عساكر (٤) من وجه آخر عن الزّهريّ، قال: قلت لسعيد بن المسيّب:
هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ وما كان شأن النّاس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال ابن المسيّب: قتل عثمان مظلوما، ومن قتله كان ظالما، ومن خذله