← История

История · id 11997

تاريخ الخلفاء - ت إبراهيم صالح

الجلال السيوطي

Полный текст (618 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفيها حجّ المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنّهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار، فأمر بها فجرّدت، واقتصر على كسوة المهديّ، وحمل إلى المهديّ الثّلج إلى مكّة. قال الذّهبي: لم يتهيّأ ذلك لملك قطّ. وفي سنة إحدى وستّين أمر المهدي بعمارة طريق مكّة، وبنى بها قصورا، وعمل البرك، وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رسول اللّه ﷺ . وفي سنة ثلاث وستّين وما بعدها كثرت الفتوح بالرّوم. وفي سنة ستّ وستّين تحوّل المهدي إلى قصر السّلام (١)، وأمر فأقيم له البريد من المدينة النّبويّة ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا. قال الذّهبي: وهو أوّل من عمل البريد من الحجاز إلى العراق. وفيها وفيما بعدها جدّ المهديّ في تتبّع الزّنادقة، وإبادتهم، والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التّهمة. وفي سنة سبع وستّين أمر بالزّيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورا كثيرة. وفي سنة تسع وستّين مات المهديّ: ساق خلف صيد، فاقتحم الصّيد خربة، وتبعه الفرس فدقّ ظهره في بابها، فمات لوقته، وذلك لثمان بقين من المحرّم، وقيل: إنّه مات مسموما؛ وقال سلم الخاسر يرثيه (٢): [من الوافر] وباكية على المهديّ عبرى … كأنّ بها، وما جنّت، جنونا وقد خمشت محاسنها وأبدت … غدائرها وأظهرت القرونا لئن بلي الخليفة بعد عزّ … لقد أبقى مساعي ما بلينا سلام اللّه عدّة كلّ يوم … على المهديّ حين ثوى رهينا

стр. 317

تركنا الدّين والدّنيا جميعا … بحيث ثوى أمير المؤمنينا ومن أخبار المهديّ: قال الصّولي: لمّا عقد المهديّ العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة (١): [من الكامل] عقدت لموسى بالرّصافة بيعة … شدّ الإله بها عرى الإسلام موسى الذي عرفت قريش فضله … ولها فضيلتها على الأقوام بمحمّد بعد النّبيّ محمّد … حيي الحلال ومات كلّ حرام مهديّ أمّته الذي أمست به … للذّلّ آمنة وللإعدام موسى ولي عهد الخلافة بعده … جفّت بذاك مواقع الأقلام وقال آخر: [من الكامل] يا بن الخليفة إنّ أمّة أحمد … تاقت إليك بطاعة أهواؤها ولتملأنّ الأرض عدلا كالّذي … كانت تحدّث أمّة علماؤها حتّى تمنّى لو ترى أمواتها … من عدل حكمك ما ترى أحياؤها فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها … وغدا عليك إزارها ورداؤها وأسند الصّولي، أنّ امرأة اعترضت المهديّ، فقالت: يا عصبة رسول اللّه ﷺ انظر في حاجتي، فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قطّ، اقضوا حاجتها، وأعطوها عشرة آلاف درهم. وقال قريش الختّلي: رفع صالح بن عبد القدّوس البصري إلى المهدي في الزّندقة، فأراد قتله، فقال: أتوب إلى اللّه؛ وأنشده لنفسه (٢): [من السريع] ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه والشّيخ لا يترك أخلاقه … حتّى يوارى في ثرى رمسه فصرفه، فلما قرب من الخروج ردّه، فقال: ألم تقل: والشّيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى، قال: فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتّى تموت، ثم أمر بقتله.

стр. 318

وقال زهير (١): قدم على المهديّ بعشرة محدّثين: منهم فرج بن فضالة، وغياث بن إبراهيم - وكان المهديّ يحبّ الحمام - فلمّا أدخل غياث قيل له: حدّث أمير المؤمنين، فحدّثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعا «لا سبق إلاّ في حافر أو نصل» وزاد فيه «أو جناح» فأمر له المهديّ بعشرة آلاف درهم، فلما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذّاب، وإنّما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت. وروي أنّ شريكا دخل على المهدي، فقال له: لا بدّ من ثلاث: إمّا أن تلي القضاء، أو تؤدّب ولدي وتحدّثهم، أو تأكل عندي أكلة؟ ففكّر ساعة ثم قال: الأكلة أخفّ عليّ؛ فأمر المهديّ بعمل ألوان من المخّ المعقود بالسّكّر وغير ذلك، فأكل، فقال الطّبّاخ: لا يفلح بعدها؛ قال: فحدّثهم بعد ذلك، وعلّمهم العلم، وولي القضاء لهم. وأخرج البغوي في «الجعديّات» عن حمدان الأصبهاني قال: كنت عند شريك، فأتاه ابن المهدي، فاستند وسأل عن حديث، فلم يلتفت شريك، ثم أعاد فعاد، فقال: كأنّك تستخفّ بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكنّ العلم أزين عند أهله من أن يضيّعوه؛ فجثا على ركبتيه ثم سأله؛ فقال شريك: هكذا يطلب العلم. ومن شعر المهدي ما أنشده الصّولي: [من مجزوء الرمل] ما يكفّ النّاس عنّا … ما يملّ النّاس منّا إنّما همّهم أن … ينبشوا ما قد دفنّا لو سكنّا بطن أرض … فلكانوا حيث كنّا وهم إن كاشفونا … في الهوى يوما مجنّا وأسند الصّولي عن محمد بن عمارة، قال: كان للمهديّ جارية شغف بها، وهي كذلك، إلاّ أنّها تتحاماه كثيرا، فدسّ إليها من عرف ما في نفسها، فقالت: أخاف أن يملّني ويدعني فأموت، فقال المهدي في ذلك: [من مجزوء الرمل] ظفرت بالقلب منّي … غادة مثل الهلال

стр. 319

كلّما صحّ لها ودّ … ي جاءت باعتلال لا لحبّ الهجر منّي … والتّنائي عن وصالي بل لإبقاء على ح … بّي لها خوف الملال وله في نديمه عمر بن بزيع: [من مجزوء الرمل] ربّ تمّم لي نعيمي … بأبي حفص نديمي إنّما لذّة عيشي … في غناء وكروم وجوار عطرات … وسماع ونعيم قلت: شعر المهدي أرقّ وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير. وأسند الصّولي عن ابن أبي كريمة، قال (١): دخل المهديّ إلى حجرة جارية على غفلة، فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها، فلمّا رأته غطّت [فرجها] بيدها فقصرت كفّها عنه، فضحك وقال: [من مجزوء الرمل] نظرت في القصر عيني … نظرة وافق حيني ثم خرج فرأى بشّارا فأخبره وقال: أجز، فقال بشار: سترته إذ رأتني … دونه بالرّاحتين فبدا لي منه فضل … تحت طيّ العكنتين وأسند عن إسحاق الموصلي، قال: كان المهديّ في أوّل أمره يحتجب عن النّدماء تشبيها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم، فأشير عليه أن يحتجب، فقال: إنّما اللّذّة مع مشاهدتهم. وأسند عن مهدي بن سابق قال: صاح رجل بالمهديّ وهو في موكبه: [من الكامل] قل للخليفة: حاتم لك خائن … فخف الإله وأعفنا من حاتم إنّ العفيف إذا استعان بخائن … كان العفيف شريكه في المأثم فقال المهديّ: يعزل كلّ عامل لنا يدعى حاتما.

стр. 320

وأسند عن أبي عبيدة قال (١): كان المهدي يصلّي بنا الصّلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لمّا قدمها، فأقيمت الصّلاة يوما، فقال أعرابيّ: لست على طهر، وقد رغبت في الصّلاة خلفك، فأمر هؤلاء بانتظاري؛ فقال: انتظروه؛ ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرّجل، فكبّر، فعجب النّاس من سماحة أخلاقه. وأسند عن إبراهيم بن نافع، أنّ قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة، فقال: إنّ الأرض للّه في أيدينا للمسلمين، فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافّتهم وفي مصلحتهم، فلا سبيل لأحد عليه؛ فقال القوم: هذا النّهر لنا بحكم رسول اللّه ﷺ ؛ لأنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» وهذه موات؛ فوثب المهديّ عند ذكر النّبيّ ﷺ حتّى ألصق خدّه بالتّراب وقال: سمعت لما قال وأطعت، ثم عاد، وقال: بقي أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها، وكيف تكون مواتا والماء محيط بها من جوانبها؟ فإن أقاموا البيّنة على هذا سلّمت. وأسند عن الأصمعيّ قال (٢): سمعت المهديّ على منبر البصرة يقول: إنّ اللّه أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنّى بملائكته فقال ﴿إِنَّ اَللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ﴾ (٣) الآية، آثره بها من بين الرّسل إذ خصّكم بها من بين الأمم. قلت: وهو أوّل من قال ذلك في الخطبة، وقد استسنّها الخطباء إلى اليوم. ولمّا مات قال أبو العتاهية وقد علّقت المسوح على قباب حرمه (٤): [من مجزو الرمل] رحن في الوشي وأصبح … ن عليهنّ المسوح كلّ نطّاح من الدّه … ر له يوم نطوح لست بالباقي ولو عم … مرت ما عمّر نوح نح على نفسك يا مس … كين إن كنت تنوح

стр. 321

ذكر أحاديث من رواية المهدي: قال الصّولي: حدّثني أحمد بن محمد بن صالح التّمّار، حدّثنا يحيى بن محمد القرشيّ، حدّثنا أحمد بن هشام، حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن مسلم المدائني - وهو ثقة صدوق - قال: سمعت المهديّ يخطب فقال: حدّثنا شعبة عن عليّ بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال (١): خطبنا رسول اللّه ﷺ خطبة من العصر إلى مغيربان الشّمس حفظها من حفظها، ونسيها من نسيها، فقال: «ألا إنّ الدّنيا حلوة خضرة» الحديث بطوله. وقال الصّولي: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم القزّاز، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، حدّثني أبو يعقوب بن حفص الخطّابي، سمعت المهديّ يقول: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، عن أبيه، أنّ وفدا من العجم قدموا على رسول اللّه ﷺ وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم - فقال النّبيّ ﷺ (٢): «خالفوهم، أعفوا لحاكم واحفوا شواربكم». وإحفاء الشّارب: أخذ ما سقط على الشّفة منه، ووضع المهديّ يده على أعلى شفته. وقال: منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة، عن يحيى بن حمزة قال: صلّى بنا المهديّ المغرب فجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا؟ قال: حدّثني أبي عن أبيه عن إسحاق، أنّ النّبيّ ﷺ جهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فقلت للمهدي: نأثره عنك؟ قال: نعم. قال الذّهبي (٣): هذا إسناد متّصل، لكن ما علمت أحدا احتجّ بالمهديّ ولا بأبيه في الأحكام؛ تفرّد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، وقال ابن عدي: كان يضع الحديث. قلت: لم ينفرد به، بل وجدت له متابعا. * * *

стр. 322

مات في أيّام المهدي من الأعلام: شعبة، وابن أبي ذئب، وسفيان الثّوري، وإبراهيم بن أدهم الزّاهد، وداود الطّائي الزّاهد، وبشّار بن برد أوّل شعراء المحدثين، وحمّاد بن سلمة، وإبراهيم بن طهمان، والخليل بن أحمد صاحب العروض. * * *

стр. 323

الهادي، أبو محمد، موسى بن المهديّ (٢) الهادي، أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور. وأمّه أمّ ولد بربريّة اسمها الخيزران. ولد بالرّيّ سنة سبع وأربعين ومائة، وبويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه. قال الخطيب: ولم يل الخلافة قبله أحد في سنّه، فأقام فيها سنة وشهرا؛ وكان أبوه أوصاه بقتل الزّنادقة، فجدّ في أمرهم، وقتل منهم خلقا كثيرا؛ وكان يسمّى «موسى أطبق»؛ لأن شفته العليا كانت تقلص، فكان أبوه وكّل به في صغره خادما كلّما رآه مفتوح الفم قال: موسى أطبق، فيفيق على نفسه ويضمّ شفتيه، فشهر بذلك. قال الذّهبيّ (١): وكان يتناول المسكر، ويلعب، ويركب حمارا فارها، ولا يقيم أبّهة الخلافة، وكان مع ذلك فصيحا، قادرا على الكلام، أديبا، تعلوه هيبة، وله سطوة وشهامة. وقال غيره: كان جبّارا، وهو أوّل من مشت الرّجال بين يديه بالسّيوف المرهفة، والأعمدة، والقسيّ الموترة، فاتّبعه عماله به في ذلك، وكثر السّلاح في عصره. مات في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة، واختلف في سبب موته، فقيل: إنّه دفع نديما له من جرف على أصول قصب قد قطع، فتعلّق النّديم به فوقع، فدخلت قصبة في مخرجه، فماتا جميعا.

стр. 324

وقيل: أصابته قرحة في جوفه. وقيل: سمّته أمّه الخيزران لمّا عزم على قتل الرّشيد ليعهد إلى ولده. وقيل: كانت أمّه حاكمة مستبدّة بالأمور الكبار، وكانت المواكب تغدو إلى بابها، فزجرها عن ذلك، وكلّمها بكلام وقح، وقال: لئن وقف ببابك أمير لأضر بنّ عنقه؛ أمالك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكّرك، أو سبحة؟ فقامت ما تعقل من الغضب، فقيل: إنّه بعث إليها بطعام مسموم، فأطعمت منه كلبا، فانتثر، فعملت على قتله لمّا وعك بأن غمّوا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه، وخلّف سبعة بنين. ومن شعر الهادي في أخيه هارون لمّا امتنع من خلع نفسه: [من الطويل] نصحت لهارون فردّ نصيحتي … وكلّ امرئ لا يقبل النّصح نادم وأدعوه للأمر المؤلّف بيننا … فيبعد عنه، وهو في ذاك ظالم ولولا انتظاري منه يوما إلى غد … لعاد إلى ما قلته وهو راغم ومن أخبار الهادي: أخرج الخطيب عن الفضل قال (١): غضب الهادي على رجل، فكلّم فيه، فرضي، فذهب يعتذر، فقال له الهادي: إنّ الرّضا قد كفاك مؤونة الاعتذار. وأخرج عن عبد اللّه بن مصعب قال (٢): دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي، فأنشده مديحا له، حتّى إذا بلغ قوله: [من الطويل] تشابه يوما بأسه ونواله … فما أحد يدري لأيّهما الفضل فقال له الهادي: أيّما أحبّ إليك ثلاثون ألف معجّلة، أو مائة ألف تدور في الدّيوان؟ قال: تعجّل الثّلاثون ألفا، وتدور المائة ألف، قال: بل تعجّلان لك جميعا، فحمل له ذلك. وقال الصّولي: لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلاّ الخيزران أمّ الهادي والرّشيد، وولاّدة بنت العبّاس العبسيّة زوج عبد الملك بن مروان ولدت الوليد وسليمان،

стр. 325

وشاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد النّاقص وإبراهيم، ووليا الخلافة. قلت: يزاد على ذلك باي خاتون سرّيّة المتوكّل الأخير (١)، ولدت العبّاس وحمزة ووليا الخلافة، وكزل سرّيّته أيضا ولدت داود وسليمان وولياها. ثم قال الصّولي: لا يعرف خليفة ركب البريد إلاّ الهادي من جرجان إلى بغداد. قال: وكان نقش خاتمه «اللّه ثقة موسى وبه يؤمن». قال الصّولي: ولسلم الخاسر في الهادي يمدحه (٢): [من الرجز] موسى المطر … غيث بكر ثمّ انهمر … ألوى المرر كم اعتسر … [ثم اتّسر] وكم قدر … ثمّ غفر عدل السّير … باقي الأثر خير وشر … نفع وضر خير البشر … فرع مضر بدر بدر … لمن نظر هو الوزر … لمن حضر والمفتخر … لمن غبر قال: وهذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن، وهو أوّل من عمله، ولم نسمع لمن قبله شعرا على جزء جزء. وأسند الصّولي عن سعيد بن مسلم قال: إنّي لأرجو أن يغفر اللّه للهادي بشيء رأيته منه؛ حضرته يوما وأبو الخطّاب السّعديّ (٣) ينشده قصيدة في مدحه، إلى أن قال: [من البسيط]

стр. 326

يا خير من عقدت كفّاه حجزته … وخير من قلّدته أمرها مضر فقال له الهادي: إلاّ من ويلك؟ قال سعيد: ولم يكن استثنى في شعره، فقلت: يا أمير المؤمنين إنّما يعني من أهل هذا الزّمان؛ ففكّر الشّاعر فقال: إلاّ النّبيّ رسول اللّه؛ إنّ له … فضلا، وأنت بذاك الفضل تفتخر فقال: الآن أصبت وأحسنت؛ وأمر له بخمسين ألف درهم. وقال المدائني: عزّى الهادي رجلا في ابن له فقال: سرّك وهو فتنة وبليّة، ويحزنك وهو ثواب ورحمة. وقال الصّولي: قال سلم الخاسر في الهادي جامعا بين العزاء والهناء (١): [من الطويل] لقد قام موسى بالخلافة والهدى … ومات أمير المؤمنين محمّد فمات الذي عمّ البريّة فقده … وقام الذي يكفيك من يتفقّد وقال مروان بن أبي حفصة كذلك (٢): [من الطويل] لقد أصبحت تختال في كلّ بلدة … بقبر أمير المؤمنين المقابر ولو لم تسكّن بابنه بعد موته … لما برحت تبكي عليه المنابر ولو لم يقم موسى عليها لرجّعت … حنينا كما حنّ الصّفايا العشائر حديث من رواية الهادي: قال الصّولي (٣): حدّثني محمد بن زكريّا هو الغلابيّ، حدّثني محمد بن عبد الرّحمن المكّي، حدّثنا قسورة بن السّكن الفهريّ، حدّثنا المطّلب بن عكاشة المرّي، قال: قدمنا على الهادي شهودا على رجل شتم قريشا وتخطّى إلى ذكر النّبيّ ﷺ ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء زمانه، وأحضر الرّجل فشهدنا عليه، فتغيّر وجه الهادي، ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال: سمعت أبي المهديّ يحدّث عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد، عن أبيه عليّ، عن أبيه عبد اللّه بن عبّاس،

стр. 327

قال: من أراد هوان قريش أهانه اللّه؛ وأنت يا عدو اللّه لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتّى تخطّيت إلى ذكر النّبيّ ﷺ ! اضربوا عنقه؛ أخرجه الخطيب من طريق الصّولي، والحديث هكذا في هذه الرّواية موقوف، وقد ورد مرفوعا من وجه آخر. * * * مات في أيّام الهادي من الأعلام: نافع قارئ أهل المدينة، وغيره. * * *

стр. 328

الرّشيد، هارون، أبو جعفر (٢) الرّشيد: هارون أبو جعفر بن المهديّ محمد بن المنصور عبد اللّه بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس. استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السّبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة. قال الصّولي: هذه اللّيلة ولد له فيها عبد اللّه المأمون، ولم يكن في سائر الزّمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلاّ هذه اللّيلة. وكان يكنى أبا موسى فتكنّى بأبي جعفر. حدّث عن أبيه وجدّه، ومبارك بن فضالة؛ وروى عنه ابنه المأمون وغيره. وكان من أميز الخلفاء وأجلّ ملوك الدّنيا، وكان كثير الغزو والحجّ؛ كما قال فيه أبو المعالي الكلابي (١): [من الوافر] فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثّغور ففي أرض العدوّ على طمرّ … وفي أرض التّرفّه فوق كور مولده بالرّيّ - حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان - في سنة ثمان وأربعين ومائة.

стр. 329

وأمه أمّ ولد، تسمّى الخيزران، وهي أمّ الهادي؛ وفيها يقول مروان بن أبي حفصة (١): [من الكامل] يا خيزران هناك ثم هناك … أمسى يسوس العالمين ابناك وكان أبيض، طويلا، جميلا، مليحا، فصيحا، له نظر في العلم والأدب. وكان يصلّي في خلافته في كلّ يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلاّ لعلّة، ويتصدّق من صلب ماله كلّ يوم بألف درهم. وكان يحبّ العلم وأهله، ويعظّم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدّين، والكلام في معارضة النصّ. وبلغه عن بشر المرّيسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربنّ عنقه (٢). وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيّما إذا وعظ. وكان يحبّ المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة؛ وله شعر (٣). دخل عليه مرّة ابن السّمّاك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن السّمّاك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك؛ ثم وعظه فأبكاه. وكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض. قال عبد الرّزّاق: كنت مع الفضيل بمكّة، فمرّ هارون، فقال فضيل: النّاس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أمورا عظاما. قال أبو معاوية الضّرير: ما ذكرت النّبيّ ﷺ بين يدي الرّشيد إلاّ قال: صلّى اللّه على سيّدي، وحدّثته بحديثه ﷺ «ووددت أني أقاتل في سبيل اللّه فأقتل، ثم أحيا فأقتل» فبكى حتّى انتحب.

стр. 330

وحدّثته يوما حديث «احتجّ آدم وموسى» وعنده رجل من وجوه قريش؛ فقال القرشيّ: فأين لقيه؟ فغضب الرّشيد، وقال: النّطع والسّيف، زنديق يطعن في حديث النّبيّ ﷺ . قال أبو معاوية: فما زلت أسكّنه، وأقول: يا أمير المؤمنين كانت منه بادرة، حتّى سكن. وعن أبي معاوية أيضا قال: أكلت مع الرّشيد يوما، ثم صبّ على يدي رجل لا أعرفه؛ ثم قال الرّشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا؛ قال: أنا، إجلالا للعلم. وقال منصور بن عمّار: ما رأيت أغزر دمعا عند الذّكر من ثلاثة: الفضيل بن عياض، والرّشيد، وآخر. وقال عبيد اللّه القواريري: لمّا لقي الرّشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه، أنت المسئول عن هذه الأمّة؛ حدّثنا ليث عن مجاهد ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبابُ﴾ (١)؛ قال: الوصل التي كانت بينهم في الدّنيا؛ فجعل هارون يبكي ويشهق. ومن محاسنه: أنّه لمّا بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزّوه في ابن المبارك. قال نفطويه: كان الرّشيد يقتفي آثار جدّه أبي جعفر، إلاّ في الحرص، فإنّه لم ير خليفة قبله أعطى منه؛ أعطى مرّة سفيان بن عيينة مائة ألف، وأجاز إسحاق الموصلي مرّة بمائتي ألف، وأجاز مروان بن أبي حفصة مرّة على قصيدة خمسة آلاف دينار، وخلعة؛ وفرسا من مراكبه، وعشرة من رقيق الرّوم. وقال الأصمعي: قال لي الرّشيد: يا أصمعيّ ما أغفلك عنّا وأجفاك لنا! قلت: واللّه يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتّى أتيتك؛ فسكت، فلمّا تفرّق النّاس قال: ما لاقتني؟ قلت (٢): [من الرجز]

стр. 331

كفّاك كفّ ما تليق درهما … جودا وأخرى تعطي بالسّيف الدّما فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقّرنا في الملا، وعلّمنا في الخلا؛ وأمر لي بخمسة آلاف دينار. وفي «مروج» المسعودي قال (١): رام الرّشيد أن يوصل ما بين بحر الرّوم وبحر القلزم ممّا يلي الفرما؛ فقال له يحيى بن خالد البرمكي: كان يختطف الرّوم النّاس من المسجد الحرام، وتدخل مراكبهم إلى الحجاز؛ فتركه. وقال الجاحظ (٢): اجتمع للرّشيد ما لم يجتمع لغيره: وزراؤه البرامكة، وقاضيه أبو يوسف ﵀، وشاعره مروان بن أبي حفصة، ونديمه العبّاس بن محمد عمّ أبيه؛ وحاجبه الفضل بن الرّبيع أنبه النّاس وأعظمهم، ومغنّيه إبراهيم الموصلي، وزوجته زبيدة. وقال غيره: كانت أيّام الرّشيد كلّها خير، كأنّها من حسنها أعراس. وقال الذّهبي (٣): أخبار الرّشيد يطول شرحها، ومحاسنه جمّة؛ وله أخبار في اللّهو واللذّات المحظورة والغناء، سامحه اللّه. * * * مات في أيّامه من الأعلام: مالك بن أنس، واللّيث بن سعد، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والقاسم بن معن، ومسلم بن خالد الزّنجي، ونوح الجامع، والحافظ أبو عوانة اليشكري، وإبراهيم بن سعد الزّهري، وأبو اسحاق الفزاري، وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشّافعي، وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة، وإسماعيل بن عيّاش، وبشر بن المفضل، وجرير بن عبد الحميد، وزياد البكّائي، وسليم المقرئ صاحب حمزة، وسيبويه إمام العربيّة، وضيغم الزّاهد، وعبد اللّه

стр. 332

العمري الزّاهد، وعبد اللّه بن المبارك، وعبد اللّه بن إدريس الكوفي، وعبد العزيز بن أبي حازم، والدّراوردي، والكسائي شيخ القرّاء والنّحاة، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة؛ كلاهما في يوم، وعليّ بن مسهر، وغنجار، وعيسى بن يونس السّبيعي، والفضيل بن عياض، وابن السّمّاك الواعظ، ومروان بن أبي حفصة الشّاعر، والمعافى بن عمران الموصلي، ومعتمر بن سليمان، والمفضّل بن فضالة قاضي مصر، وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء، والنّعمان بن عبد السّلام الأصبهاني، وهشيم، ويحيى بن أبي زائدة، ويزيد بن زريع، ويونس بن حبيب النّحوي، ويعقوب بن عبد الرّحمن قارئ المدينة، وصعصعة ابن سلاّم عالم الأندلس أحد أصحاب مالك، وعبد الرّحمن بن القاسم أكبر أصحاب مالك، والعبّاس بن الأحنف الشّاعر المشهور، وأبو بكر بن عيّاش المقرئ، ويوسف بن الماجشون، وخلائق آخرون كبار. * * * ومن الحوادث في أيّامه: في سنة خمس وسبعين افترى (١) عبد اللّه بن مصعب الزّبيري على يحيى بن عبد اللّه بن حسن العلوي أنّه طلب إليه أن يخرج معه على الرّشيد، فباهله يحيى بحضرة الرّشيد وشبّك يده في يده، وقال: قل: اللّهمّ إن كنت تعلم أنّ يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوّتي واسحتني بعذاب من عندك، آمين ربّ العالمين؛ فتلجلج الزّبيري وقالها؛ ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما، فمات الزّبيري ليومه. وفي سنة ستّ وسبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرّحمن بن عبد الملك بن صالح العبّاسي. وفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرّشيد في رمضان، ودام على إحرامه إلى أن حجّ، ومشى من مكة إلى عرفات. وفي سنة ثمانين كانت الزّلزلة العظمى، سقط منها رأس منارة الإسكندريّة.

стр. 333

وفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصّفصاف عنوة، وهو الفاتح له. وفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية، فأوقعوا بأهل الإسلام، وسفكوا، وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة، وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله. وفي سنة سبع وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم «نقفور» بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة «ريني» ملكة الرّوم. وصورة الكتاب (١): من «نقفور» ملك الروم، إلى «هارون» ملك العرب: أمّا بعد: فإنّ الملكة التي كانت قبلي كانت أقامتك مقام الرّخّ وأقامت نفسها مقام البيدق (٢)، فحملت إليك من أموالها أحمالا، وذلك لضعف النّساء وحمقهنّ، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها، وإلاّ فالسّيف بيننا وبينك. فلمّا قرأ الرّشيد الكتاب استشاط غضبا حتّى لم يتمكّن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه، وتفرّق جلساؤه من الخوف، واستعجم الرّأي على الوزير، فدعا الرّشيد بدواة، وكتب على ظهر كتابه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من هارون أمير المؤمنين، إلى نقفور كلب الرّوم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه، لا ما تسمعه». ثم سار ليومه، فلم يزل حتّى نازل مدينة هرقلة، وكانت غزوة مشهورة وفتحا مبينا، فطلب نقفور الموادعة، والتزم بخراج يحمله كلّ سنة، فأجيب. فلمّا رجع الرّشيد إلى الرّقّة نقض الكلب العهد لإياسه من كرّة الرّشيد في البرد، فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرّشيد نقضه، بل قال عبد اللّه بن يوسف التيمي (٣): [من الكامل] نقض الذي أعطيته نقفور … فعليه دائرة البوار تدور

стр. 334

أبشر أمير المؤمنين فإنّه … غنم أتاك به الإله كبير وقال أبو العتاهية أبياتا، وعرضت على الرّشيد، فقال: أوقد فعلها؟ فكرّ راجعا في مشقّة شديدة حتّى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتّى بلغ مراده، وحاز جهاده. وفي ذلك يقول أبو العتاهية (١): [من الوافر] ألا نادت هرقلة بالخراب … من الملك الموفّق للصّواب غدا هارون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكّرة القضاب ورايات يحلّ النّصر فيها … تمرّ كأنّها قطع السّحاب وفي سنة تسع وثمانين فادى الرّوم حتّى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم. وفي سنة تسعين فتح هرقلة، وبثّ جيوشه بأرض الرّوم، فافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصّقالبة، وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية (٢)؛ وسار حميد بن معيوف إلى قبرس، فهدم وحرق، وسبى من أهلها ستّة عشر ألفا. وفي سنة اثنتين وتسعين توجّه الرّشيد نحو خراسان، فذكر محمد بن الصّباح الطّبري أنّ أباه شيّع الرّشيد إلى النّهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها؛ فقلت: بل يردّك اللّه سالما؛ ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد؛ فقلت: لا واللّه، فقال: تعال حتّى أريك، وانحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص فتنحّوا، ثم قال: أمانة اللّه يا صباح أن تكتم عليّ، وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه، فقال: هذه علّة أكتمها النّاس كلّهم، ولكلّ واحد من ولدي عليّ رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، ونسيت الثّالث؛ ما منهم أحد إلاّ ويحصي أنفاسي ويعدّ أيّامي ويستطيل دهري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالسّاعة أدعو ببرذون، فيجيئون به أعجف ليزيد في علّتي، ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف، فنظر إليّ ثم ركبه وودّعني وسار إلى جرجان، ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن مات.

стр. 335

وكان الرّشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين، ولقّبه الأمين، وله يومئذ خمس سنين؛ لحرص أمّه زبيدة على ذلك. قال الذّهبي (١): فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة. ثم بايع لابنه عبد اللّه من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين، ولقّبه المأمون، وولاّه ممالك خراسان بأسرها؛ ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ستّ وثمانين، ولقّبه المؤتمن، وولاّه الجزيرة والثّغور وهو صبيّ، فلمّا قسّم الدّنيا بين هؤلاء الثّلاثة قال بعض العقلاء: لقد ألقى بأسهم بينهم، وغائلة ذلك تضرّ بالرّعيّة، وقالت الشعراء في البيعة المدائح، ثم إنّه علّق نسخة البيعة في البيت العتيق؛ وفي ذلك يقول إبراهيم الموصلي (٢): [من مجزوء الكامل] خير الأمور مغبّة … وأحقّ أمر بالتّمام أمر قضى أحكامه ال … رّحمن في البيت الحرام وقال عبد الملك بن صالح في ذلك (٣): [من البسيط] حبّ الخليفة حبّ لا يدين له … عاصي الإله وشار يلقح الفتنا اللّه قلّد هارونا سياسته … لمّا اصطفاه فأحيا الدّين والسّننا وقلّد الأرض هارون لرأفته … بنا أمينا ومأمونا ومؤتمنا قال بعضهم: وقد زوى الرّشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أمّيّا، فساقها اللّه إليه، وجعل الخلفاء بعده كلّهم من ذرّيّته، ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرّشيد خليفة. وقال سلم الخاسر في العهد للأمين (٤): [من الكامل] قل للمنازل بالكثيب الأعفر … أسقيت غادية السّحاب الممطر

стр. 336

قد بايع الثّقلان مهديّ الهدى … لمحمّد بن زبيدة بنت جعفر قد وفّق اللّه الخليفة إذ بنى … بيت الخلافة للهجان الأزهر فهو الخليفة عن أبيه وجدّه … شهدا عليه بمنظر وبمخبر فحشت زبيدة فاه جوهرا باعه بعشرين ألف دينار. فصل في نبذ من أخبار الرّشيد، عفا اللّه عنه أخرج السّلفي في «الطّيوريّات» بسنده عن ابن المبارك قال (١): لمّا أفضت الخلافة إلى الرّشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك، إنّ أباك قد طاف بي؛ فشغف بها، فأرسل إلى أبي يوسف، فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو كلّما ادّعت أمة شيئا ينبغي أن تصدّق؟ لا تصدّقها فإنّها ليست بمأمونة؛ قال ابن المبارك: فلم أدر ممّن أعجب: أمن هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرّج عن حرمة أبيه، أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين، أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها؟! قال: اهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيّره في رقبتي!. وأخرج أيضا عن عبد اللّه بن يوسف قال: قال الرّشيد لأبي يوسف: إنّي اشتريت جارية وأريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء، فهل عندك حيلة؟ قال: نعم، تهبها لبعض ولدك، ثم تتزوّجها!. وأخرج عن إسحاق بن راهويه قال: دعا الرّشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه، فأمر له بمائة ألف درهم، فقال أبو يوسف: إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصّبح؛ فقال: عجّلوها؛ فقال بعض من عنده: إنّ الخازن في بيته والأبواب مغلقة؛ فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني، ففتحت.

стр. 337

وأسند الصّولي عن يعقوب بن جعفر قال: خرج الرّشيد في السنة التي ولي الخلافة فيها حتّى غزا أطراف الرّوم، وانصرف في شعبان؛ فحجّ بالناس آخر السّنة، وفرّق بالحرمين مالا كثيرا، وكان رأى النّبيّ ﷺ في النّوم فقال له: «إنّ هذا الأمر صائر إليك في هذا الشّهر؛ فاغز وحجّ ووسّع على أهل الحرمين» ففعل هذا كله. وأسند عن معاوية بن صالح عن أبيه، قال: أوّل شعر قاله الرّشيد، أنّه حجّ سنة ولي الخلافة، فدخل دارا، فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط: [من الطويل] ألا يا أمير المؤمنين أما ترى … - فديتك - هجران الحبيب كبيرا فدعا بدواة، وكتب تحته بخطّه: [من الطويل] بلى والهدايا المشعرات وما مشى … بمكّة مرقوع الأظلّ حسيرا وأخرج عن سعيد بن مسلم قال: كان فهم الرشيد فهم العلماء، أنشده العماني في صفة فرس (١): [من الرجز] كأنّ أذنيه إذا تشوّفا … قادمة أو قلما محرّفا فقال الرّشيد: دع «كأن» وقل: «تخال أذنيه» حتّى يستوي الشّعر. وأخرج عن عبد اللّه بن العبّاس بن الفضل بن الرّبيع قال (٢): حلف الرّشيد أن لا يدخل إلى جارية له أيّاما، وكان يحبّها، فمضت الأيّام ولم تسترضه فقال: [من الرمل] صدّ عنّي إذ رآني مفتتن … وأطال الصّبر لمّا أن فطن كان مملوكي فأضحى مالكي … إنّ هذا من أعاجيب الزّمن ثم أحضر أبا العتاهية، فقال: أجزهما، فقال (٣): [من الرمل]

стр. 338

عزّة الحبّ أرته ذلّتي … في هواه، وله وجه حسن فلهذا صرت مملوكا له … ولهذا شاع ما بي وعلن وأخرج ابن عساكر عن ابن عليّة قال (١): أخذ هارون الرّشيد زنديقا، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزّنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك؛ قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول اللّه ﷺ كلّها ما فيها حرف نطق به؟ قال: فأين أنت يا عدوّ اللّه من أبي إسحاق الفزاري وعبد اللّه بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا؟. وأخرج الصّولي عن إسحاق الهاشميّ قال: كنّا عند الرّشيد، فقال: بلغني أنّ العامّة يظنّون فيّ بغض عليّ بن أبي طالب، ووالله ما أحبّ أحدا حبّي له، ولكن هؤلاء أشدّ النّاس بغضا لنا وطعنا علينا وسعيا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إيّاهم ما حويناه، حتّى إنّهم لأميل إلى بني أميّة منهم إلينا، فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل، والسّابقون إلى الفضل؛ ولقد حدّثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن عليّ عن أبيه عن ابن عبّاس، أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول في الحسن والحسين: «من أحبّهما فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» وسمعه يقول: «فاطمة سيّدة نساء العالمين، غير مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم». روي (٢) أنّ ابن السّمّاك دخل على الرّشيد يوما، فاستسقى، فأتي بكوز، فلمّا أخذه قال: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشّربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي؛ قال: اشرب هنّأك اللّه تعالى؛ فلمّا شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال: إنّ ملكا قيمته شربة ماء وبولة لجدير أن لا ينافس فيه؛ فبكى هارون بكاء شديدا. وقال ابن الجوزي: قال الرّشيد لشيبان: عظني، قال: لأن تصحب من يخوّفك حتّى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمّنك حتّى يدركك الخوف؛ فقال الرّشيد: فسّر لي هذا؛ قال: من يقول لك: أنت مسئول عن الرّعيّة، فاتّق اللّه،

стр. 339

أنصح لك ممّن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيّكم ﷺ ؛ فبكى الرّشيد حتّى رحمه من حوله. وفي كتاب «الأوراق» للصّولي بسنده: لمّا ولي الرّشيد الخلافة واستوزر يحيى بن خالد، قال إبراهيم الموصلي (١): [من الطويل] ألم تر أنّ الشّمس كانت مريضة … فلمّا أتى هارون أشرق نورها تلبّست الدّنيا جمالا بملكه … فهارون واليها ويحيى وزيرها فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطاه يحيى خمسين ألفا. ولداود بن رزين الواسطيّ فيه (٢): [من الطويل] بهارون لاح النّور في كلّ بلدة … وقام به في عدل سيرته النّهج إمام بذات اللّه أصبح شغله … فأكثر ما يعنى به الغزو والحجّ تضيق عيون الخلق عن نور وجهه … إذا ما بدا للنّاس منظره البلج تفسّحت الآمال في جود كفّه … فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أنّ لملك رحلة قطّ في طلب العلم إلاّ للرّشيد، فإنّه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع «الموطّأ» على مالك ﵀، قال: وكان أصل «الموطّأ» بسماع الرّشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السّلطان صلاح الدّين بن أيّوب إلى الإسكندريّة، فسمعه على ابن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثا. ولمنصور النّمري فيه (٣): [من الكامل] جعل القرآن إمامه ودليله … لمّا تخيّره القرآن ذماما وله فيه من قصيدة (٤): [من البسيط]

стр. 340

إنّ المكارم والمعروف أودية … أحلّك اللّه منها حيث تجتمع ويقال: إنه أجازه عليها بمائة ألف. وقال الحسين بن فهم: كان الرّشيد يقول: من أحبّ ما مدحت به إليّ: [من البسيط] أبو أمين، ومأمون، ومؤتمن … أكرم به والدا برّا وما ولدا وقال إسحاق الموصلي (١): دخلت على الرّشيد، فأنشدته: [من الطويل] وآمرة بالبخل قلت لها: اقصري … فذلك شيء ما إليه سبيل أرى النّاس خلاّن الجواد، ولا أرى … بخيلا له في العالمين خليل وإنّي رأيت البخل يزري بأهله … فأكرمت نفسي أن يقال: بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته … إذا نال شيئا أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرّما … ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى … ورأي أمير المؤمنين جميل فقال: لا، كيف؟ إن شاء اللّه، يا فضل، أعطه مائة ألف درهم، للّه درّ أبيات تأتينا بها! ما أجود أصولها، وأحسن فصولها! فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أحسن من شعري؛ فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى. وفي «الطّيوريّات» بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبي نواس: البيت الذي مدحت به الرّشيد لوددت أنّي كنت سبقتك به إليه (٢): [من الكامل] قد كنت خفتك ثمّ آمنني … من أن أخافك خوفك اللّه وقال محمد بن عليّ الخراساني: الرّشيد أوّل خليفة لعب بالصّوالجة والكرة، ورمى النشّاب في البرجاس، وأوّل خليفة لعب بالشّطرنج من بني العبّاس.

стр. 341

وقال الصّولي: هو أوّل من جعل للمغنّين مراتب وطبقات. ومن شعر الرّشيد يرثي جاريته هيلانة، أورده الصّولي: [من السريع] قاسيت أوجاعا وأحزانا … لمّا استخصّ الموت هيلانا فارقت عيشي حين فارقتها … فما أبالي كيف ما كانا كانت هي الدّنيا فلمّا ثوت … في قبرها فارقت دنيانا قد كثّر النّاس ولكنّني … لست أرى بعدك إنسانا واللّه لا أنساك ما حرّكت … ريح بأعلى نجد أغصانا وله أيضا، أنشده الصّولي: [من السريع] يا ربّة المنزل بالفرك … وربّة السّلطان والملك ترفّقي باللّه في قتلنا … لسنا من الدّيلم والتّرك مات الرّشيد في الغزو، بطوس من خراسان، ودفن بها في ثالث جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وله خمس وأربعون سنة، وصلّى عليه ابنه صالح. قال الصّولي: خلّف الرّشيد مائة ألف ألف دينار، ومن الأثاث والجوهر والورق والدّواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار. وقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرّشيد في علّته في علاج عالجه به كان سبب منيّته، فهمّ أن يفصل أعضاءه، فقال: أنظرني إلى غد، فإنّك تصبح في عافية؛ فمات ذلك اليوم. وقيل: إنّ الرّشيد رأى مناما أنّه يموت بطوس، فبكى وقال: احفروا لي قبرا؛ فحفر له، ثم حمل في قبّة على جمل، وسيق به حتّى نظر إلى القبر؟ فقال: يا ابن آدم تصير إلى هذا؟ وأمر قوما فنزلوا فختموا فيه ختمة، وهو في محفّة على شفير القبر. ولمّا مات بويع لولده الأمين في العسكر - وهو حينئذ ببغداد - فأتاه الخبر، فصلّى بالنّاس الجمعة، وخطب، ونعى الرّشيد إلى النّاس وبايعوه، وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم، وسار على البريد في اثني عشر يوما من مرو، حتّى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة، فدفع ذلك إلى الأمين.

стр. 342

ولأبي الشّيص يرثي الرّشيد (١): [من مجزوء الرمل] غربت في الشّرق شمس … فلها عيني تدمع ما رأينا قطّ شمسا … غربت من حيث تطلع وقال أبو نواس جامعا بين العزاء والهناء (٢): [من المنسرح] جرت جوار بالسّعد والنّحس … فنحن في مأتم وفي عرس القلب يبكي والعين ضاحكة … فنحن في وحشة وفي أنس يضحكنا القائم الأمين ويب … كينا وفاة الإمام بالأمس بدران بدر أضحى ببغداد في ال … خلد وبدر بطوس في الرّمس وممّا رواه الرّشيد من الحديث: قال الصّولي: حدّثنا عبد الرّحمن بن خلف، حدّثني جدّي الحصين بن سليمان الضّبّيّ، سمعت الرّشيد يخطب فقال في خطبته (٣): حدّثني مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول اللّه ﷺ : «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة». حدّثني محمد بن عليّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب قال النّبيّ ﷺ : «نظّفوا أفواهكم فإنّها طريق القرآن». * * *

стр. 343

الأمين: محمد أبو عبد اللّه (١) الأمين: محمد أبو عبد اللّه بن الرّشيد، كان وليّ عهد أبيه، فولي الخلافة بعده. وكان من أحسن الشّباب صورة، أبيض، طويلا، جميلا، ذا قوّة مفرطة، وبطش وشجاعة معروفة؛ يقال: إنّه قتل مرّة أسدا بيده. وله فصاحة، وبلاغة، وأدب، وفضيلة، لكن كان سيّ ء التّدبير، كثير التّبذير، ضعيف الرّأي، أرعن، لا يصلح للإمارة. فأوّل ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للّعب بالكرة، ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عمّا كان الرّشيد ولاّه، ووقعت الوحشة بينه وبين أخيه المأمون. وقيل: إنّ الفضل بن الرّبيع علم أنّ الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه، فأغرى الأمين به، وحثّه على خلعه، وأن يولّي العهد لابنه موسى. ولمّا بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين، وأسقط اسمه من الطّرز والضّرب، ثم إنّ الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدّم موسى على نفسه، ويذكر أنّه قد سمّاه النّاطق بالحقّ، فردّ المأمون ذلك، وأباه، وخامر الرّسول معه، وبايعه بالخلافة سرّا، ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويناصحه من العراق، ولمّا رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد، وطلب الكتاب الذي كتبه الرّشيد وجعله بالكعبة، فأحضره ومزّقه، وقويت الوحشة، ونصح الأمين أولو الرّأي، وقال له

стр. 344

خزيمة بن خازم: يا أمير المؤمنين، لن ينصحك من كذبك، ولن يغشّك من صدقك، لا تجرّئ القوّاد على الخلع فيخلعوك، ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك، فإنّ الغادر مغلول، والنّاكث مخذول؛ فلم ينتصح، وأخذ يستميل القوّاد بالعطاء، وبايع بولاية العهد لابنه موسى، ولقّبه النّاطق بالحقّ، وهو إذ ذاك طفل رضيع؛ فقال بعض الشّعراء في ذلك (١): [من المتقارب] أضاع الخلافة غشّ الوزير … وفسق الأمير وجهل المشير لواط الخليفة أعجوبة … وأعجب منه حلاق الوزير (٢) فهذا يدوس وهذا يداس … كذاك لعمري خلاف الأمور فلو يستعفّان هذا بذاك … لكانا بعرضة أمر ستير وأعجب من ذا وذا أنّنا … نبايع للطّفل فينا الصّغير ومن ليس يحسن غسل استه … ولم يخل من بوله حجر ظير وما ذاك إلاّ بفضل وبكر … يريدان طمس الكتاب المنير وما ذان لولا انقلاب الزّما … ن في العير هذان أو في النّفير ولمّا تيقّن المأمون خلعه، تسمّى بإمام المؤمنين، وكوتب بذلك، وولّى الأمين عليّ بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال، همذان ونهاوند وقمّ وأصبهان، في سنة خمس وتسعين، فخرج عليّ بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفا في هيئة لم ير مثلها، وأخد معه قيد فضّة ليقيّد به المأمون بزعمه، فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقلّ من أربعة آلاف، فكانت الغلبة له، وذبح عليّ وهزم جيشه، وحملت رأسه إلى المأمون، فطيف بها في خراسان، وسلّم على المأمون بالخلافة. وجاء الخبر الأمين وهو يتصيّد السّمك فقال للّذي أخبره: ويلك! دعني، فإنّ كوثرا صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا بعد.

стр. 345

وقال عبد اللّه بن صالح الجرميّ: لمّا قتل عليّ أرجف النّاس ببغداد إرجافا شديدا، وندم الأمين على خلعه أخاه، وطمع الأمراء فيه، وشغّبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين، واستمرّ القتال بينه وبين أخيه، وبقي أمر الأمين كلّ يوم في الإدبار لانهماكه في اللّعب والجهل، وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق؛ وفسد الحال على الأمين جدّا، وتلف أمر العسكر، ونفدت خزائنه، وساءت حال النّاس بسبب ذلك، وعظم الشّرّ، وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنّفط، حتّى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي، ومن جملة ما قيل في بغداد (١): [من الوافر] بكيت دما على بغداد لمّا … فقدت غضارة العيش الأنيق أصابتها من الحسّاد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا، ولحق غالب العباسيّين وأركان الدّولة بجند المأمون، ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلاّ غوغاء بغداد والحرافشة، إلى أن استهلّت سنة ثمان وتسعين، فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسّيف قسرا، فخرج الأمين بأمّه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرّق عامّة جنده وغلمانه، وقلّ عليهم القوت والماء. قال محمد بن راشد (٢): أخبرني إبراهيم بن المهدي أنّه كان مع الأمين بمدينة المنصور، قال: فطلبني ليلة فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه اللّيلة، وحسن القمر وضوءه في الماء؟ فهل لك في الشّراب؟ قلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف، فتطيّرت من اسمها، فأمرها أن تغنّي، فغنّت بشعر النّابغة الجعدي (٣): [من الطويل]

стр. 346

كليب لعمري كان أكثر ناصرا … وأيسر ذنبا منك ضرّج بالدّم فتطيّر بذلك، وقال: غنّي غير هذا، فغنت: [من البسيط] أبكى فراقهم عيني فأرّقها … إنّ التّفرق للأحباب بكّاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم … حتّى تفانوا وريب الدّهر عدّاء فاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم … حتّى أؤوب وما في مقلتي ماء فقال لها: لعنك اللّه! ما تعرفين غير هذا؟ فقالت: ظننت أنّك تحبّ هذا؛ ثم غنّت (١): [من المنسرح] أما وربّ السّكون والحرك … إنّ المنايا كثيرة الشّرك ما اختلف اللّيل والنّهار، ولا … دارت نجوم السّماء في الفلك إلاّ لنقل السّلطان عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك وملك ذي العرش دائم أبدا … ليس بفان ولا بمشترك فقال لها: قومي، لعنك اللّه. فقامت فعثرت في قدح بلّور له قيمة فكسرته، فقال: ويحك يا إبراهيم، أما ترى؟ واللّه ما أظنّ أمري إلاّ قرب؛ فقلت: بل يطيل اللّه عمرك، ويعزّ ملكك؛ فسمعت صوتا من دجلة ﴿قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (٢) فوثب محمد مغتمّا؛ وقتل بعد ليلتين، أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلا فضربوه بالسّيف، ثم ذبحوه من قفاه وذهبوا برأسه إلى طاهر، فنصبها على حائط بستان، ونودي: هذا رأس المخلوع محمد، وجرّت جثّته بحبل، ثم بعث طاهر بالرّأس والبرد والقضيب والمصلّى - وهو من سعف مبطّن - إلى المأمون. واشتدّ على المأمون قتل أخيه، وكان يحبّ أن يرسل إليه حيّا ليرى فيه رأيه، فحقد بذلك على طاهر بن الحسين، وأهمله نسيا منسيّا، إلى أن مات طريدا بعيدا؛ وصدق قول الأمين، فإنّه كان كتب بخطّه رقعة إلى طاهر بن الحسين لمّا انتدب لحربه

стр. 347

فيها: يا طاهر، ما قام لنا - منذ قمنا - قائم بحقّنا فكان جزاؤه عندنا إلاّ السّيف، فانظر لنفسك أودع؛ يلوّح بأبي مسلم وأمثاله الّذين بذلوا نفوسهم في النّصح لهم، فكان مآلهم القتل منهم. ولإبراهيم بن المهديّ في قتل الأمين (١): [من السريع] عوجا بمغنى طلل داثر … بالخلد ذات الصّخر والآجر والمرمر المسنون يطلى به … والباب باب الذّهب الناضر وأبلغا عنّي مقالا إلى ال … مولى عن المأمور والآمر قولا له: يا ابن وليّ الهدى … طهّر بلاد اللّه من طاهر لم يكفه أن حزّ أوداجه … ذبح الهدايا بمدى الجازر حتّى أتى يسحب أوصاله … في شطن، هذا مدى السّائر قد برد الموت على جفنه … فطرفه منكسر النّاظر وممّا قيل فيه (٢): [من الرمل] لم نبكيك؟ لماذا؟ للطّرب! … يا أبا موسى وترويج اللّعب ولترك الخمس في أوقاتها … حرصا منك على ماء العنب وشنيف أنا لا أبكي له … وعلى كوثر لا أخشى العطب لم تكن تصلح للملك، ولم … تعطك الطّاعة بالملك العرب لم نبكيك؟ لما عرّضتنا … للمجانيق وطورا للسّلب ولخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها (٣): [من الطويل] أتى طاهر لا طهّر اللّه طاهرا … فما طاهر فيما أتى بمطهّر فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا … وأنهب أموالي وأخرب أدؤري يعزّ على هارون ما قد لقيته … وما مرّ بي من ناقص الخلق أعور

стр. 348

تذكّر أمير المؤمنين قرابتي … فديتك من ذي حرمة متذكّر قال ابن جرير (١): لمّا ملك الأمين ابتاع الخصيان، وغالى بهم، وصيّرهم لخلوته ورفض النّساء والجواري. وقال غيره: لمّا ملك وجّه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق، واقتنى الوحوش والسّباع والطّيور، واحتجب عن أهل بيته وأمرائه، واستخفّ بهم، ومحق ما في بيوت الأموال، وضيّع الجواهر والنّفائس، وبنى عدّة قصور للّهو في أماكن. وأجاز مرة من غنّى له (٢): [من الطويل] هجرتك حتّى قلت: لا يعرف القلى … وزرتك حتّى قلت: ليس له صبر بملء زورقة ذهبا. وعمل خمس حرّاقات (٣) على خلقة الأسد، والفيل، والعقاب، والحيّة، والفرس؛ وأنفق في عملها أموالا، فقال أبو نواس (٤): [من الخفيف] سخّر اللّه للأمين مطايا … لم تسخّر لصاحب المحراب فإذا ما ركابه سرن برّا … سار في الماء راكبا ليث غاب أسدا باسطا ذراعيه يهوي … أهرت الشّدق كالح الأنياب قال الصّولي: حدّثنا أبو العيناء، حدّثنا محمد بن عمرو الرّومي، قال (٥): خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب، فأصابته رجمة في وجهه، فجعل الأمين يمسح الدّم عن وجهه ثم قال: [من مجزوء الرمل]

стр. 349

ضربوا قرّة عيني … ومن اجلي ضربوه أخذ اللّه لقلبي … من أناس أحرقوه ولم يقدر على زيادة، فأحضر عبد اللّه بن أيوب التّيميّ الشّاعر، فقال له: قل عليهما، فقال: ما لمن أهوى شبيه … فبه الدّنيا تتيه وصله حلو، ولكن … هجره مرّ كريه من رأى النّاس له الفض … ل عليهم حسدوه مثل ما قد حسد القا … ئم بالملك أخوه فأوقر له ثلاث بغال دراهم. فلمّا قتل الأمين جاء التّيميّ إلى المأمون وامتدحه، فلم يأذن له، فالتجأ إلى الفضل بن سهل، فأوصله إلى المأمون، فلمّا سلم عليه قال: هيه يا تيميّ: مثل ما قد حسد القا … ئم بالملك أخوه فقال التّيميّ: نصر المأمون عبد الل … هـ لمّا ظلموه نقض العهد الّذي قد … كان قدما أكّدوه لم يعامله أخوه … بالّذي أوصى أبوه فعفا عنه، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وقيل: إنّ سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أنّ أبا نواس هجاه، فقال: يا عمّ، أقتله بعد قوله (١): [من الكامل] أهدي الثّناء إلى الأمين محمّد … ما بعده بتجارة متربّص صدق الثّناء على الأمين محمّد … ومن الثّناء تكذّب وتخرّص قد ينقص البدر المنير إذا استوى … وبهاء نور محمّد ما ينقص

стр. 350

وإذا بنو المنصور عدّ خصالهم … فمحمّد ياقوتها المتخلّص قال أحمد بن حنبل (١): إنّي لأرجو أن يرحم اللّه الأمين بإنكاره على إسماعيل بن عليّة، فإنّه أدخل عليه، فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الّذي تقول: كلام اللّه مخلوق؟. قال المسعوديّ (٢): ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشميّ ابن هاشميّة سوى عليّ بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين؛ فإنّ أمّه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها أمة العزيز، وزبيدة لقب لها. وقال إسحاق الموصلي: اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره، كان أحسن النّاس وجها، وأسخاهم، وأشرف الخلفاء أبا وأمّا، حسن الأدب، عالما بالشّعر، لكن غلب عليه الهوى واللّعب، وكان مع سخائه بالمال بخيلا بالطّعام جدّا. وقال أبو الحسن الأحمر: كنت ربّما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النّحو، فينشدنيه الأمين، وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون. وكان قتله في المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وله سبع وعشرون سنة. * * * مات في أيّامه من الأعلام: إسماعيل بن عليّة، وغندر، وشقيق البلخيّ الزّاهد، وأبو معاوية الضّرير، ومؤرّج السّدوسيّ، وعبد اللّه بن كثير المقرئ، وأبو نواس الشّاعر، وعبد اللّه بن وهب صاحب مالك، وورش المقرئ، ووكيع، وآخرون. وقال عليّ بن محمد النّوفليّ وغيره: لم يدع للسّفّاح، ولا للمنصور، ولا للمهديّ، ولا للهادي، ولا للرّشيد، على المنابر بأوصافهم، ولا كتبت في كتبهم حتّى ولي الأمين؛ فدعي له بالأمين على المنابر، وكتب عنه: من عبد اللّه محمد الأمين أمير المؤمنين. وكذا قال العسكري في «الأوائل» (٣): أوّل من دعي له بلقبه على المنابر الأمين.

стр. 351

ومن شعر الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيّره بأمّه لمّا بلغه عنه أنه يعدّد مثالبه ويفضّل نفسه عليه؛ أنشده الصّولي: [من الكامل] لا تفخرنّ، عليك بعد بقيّة … والفخر يكمل للفتى المتكامل وإذا تطاولت الرّجال بفضلها … فاربع فإنّك لست بالمتطاول أعطاك ربّك ما هويت، وإنّما … تلقى خلاف هواك عند مراجل (١) تعلو المنابر كلّ يوم آملا … ما لست من بعدي إليه بواصل فتعيب من يعلو عليك بفضله … وتعيد في حقّي مقال الباطل قلت: هذا نظم عال، فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه. قال الصّولي: وممّا رواه جماعة له في خادمه كوثر، وقد سقاه، وهو على بساط نرجس والبدر قد طلع؛ وقد رواه بعضهم للحسين بن الضّحّاك الخليع، وكان نديمه لا يفارقه (٢): [من الخفيف] وصف البدر حسن وجهك حتّى … خلت أنّي أراه لست أراكا وإذا ما تنفّس النّرجس الغ … ضّ توهّمته نسيم ثناكا خدع للمنى تعلّلني في … ك بإشراق ذا ونكهة ذاكا لأقيمنّ ما حييت على الشّك … ر لهذا وذاك إذ حكياكا وله في خادمه أيضا (٣): [من مجزوء الرمل] ما يريد النّاس من صب … ب بمن يهوى كئيب كوثر ديني ودنيا … ي وسقمي وطبيبي أعجز النّاس الذي يل … حى محبّا في حبيب وله لمّا يئس من الملك، وعلا عليه طاهر: [من الرجز] يا نفس قد حقّ الحذر … أين المفرّ من القدر؟

стр. 352

كلّ امرئ ممّا يخا … ف ويرتجيه على خطر من يرتشف صفو الزّما … ن يغصّ يوما بالكدر وأسند الصّولي أنّ الأمين قال لكاتبه: اكتب «من عبد اللّه محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسين، سلام عليك؛ أمّا بعد؛ فإنّ الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك السّتور، وكشف الحرم، ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السّحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا، وقد رضيت أن تكتب لي أمانا لأخرج إلى أخي، فإن تفضّل عليّ فأهل لذلك، وإن قتلني فمروة كسرت مروة، وصمصامة قطعت صمصامة، ولأن يفترسني السّبع أحبّ إليّ من أن ينبحني الكلب» فأبى طاهر عليه. وأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال: كان أبي يكلّم الأمين والمأمون بكلام يتفصّحان به ويقول: كان أولاد الخلفاء من بني أميّة يخرج بهم إلى البدو حتّى يتفصّحوا، وأنتم أولى بالفصاحة منهم. قال الصّولي (١): ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلاّ هذا الحديث الواحد: حدّثنا المغيرة بن محمد المهلبيّ قال: رأيت عند الحسين بن الضّحّاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكّل، فسألوه عن الأمين وأدبه، فوصف الحسين أدبا كثيرا، قيل: فالفقه، قال: كان المأمون أفقه منه، قيل: فالحديث، قال: ما سمعت منه حديثا إلاّ مرّة؛ فإنّه نعي إليه غلام له مات بمكة، فقال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن عليّ بن عبد اللّه، عن ابن عبّاس، عن أبيه، سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من مات محرما حشر ملبّيا». قال الثّعالبي في «لطائف المعارف» (٢): كان أبو العيناء يقول: لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلّقت إلاّ بخليفة أو وليّ عهد؛ فإنّ المنصور جدّها، والسّفّاح أخو جدّها، والمهديّ عمّها، والرّشيد زوجها، والأمين ابنها، والمأمون والمعتصم ابنا زوجها، والواثق والمتوكّل ابنا ابن زوجها؛ وأمّا ولاة العهود فكثيرة.

стр. 353

ونظيرتها من بني أميّة عاتكة بنت يزيد بن معاوية: يزيد أبوها، ومعاوية جدّها، ومعاوية بن يزيد أخوها، ومروان بن الحكم حموها، وعبد الملك زوجها، ويزيد ابنها، والوليد بن يزيد ابن ابنها، والوليد وهشام وسليمان بنو زوجها، ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد بن عبد الملك ابنا ابن زوجها. * * *

стр. 354

المأمون عبد اللّه، أبو العبّاس (١) المأمون: عبد اللّه، أبو العبّاس، بن الرّشيد. ولد سنة سبعين ومائة، في ليلة الجمعة، منتصف ربيع الأوّل، وهي اللّيلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه. وأمّه أمّ ولد اسمها مراجل، ماتت في نفاسها به. وقرأ العلم في صغره. سمع الحديث من أبيه، وهشيم، وعبّاد بن العوّام، ويوسف بن عطيّة، وأبي معاوية الضّرير، وإسماعيل بن عليّة، وحجّاج الأعور، وطبقتهم. وأدّبه اليزيدي، وجمع الفقهاء من الآفاق، وبرع في الفقه، والعربيّة، وأيّام النّاس؛ ولمّا كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها؛ فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن. روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطّيالسي، والأمير عبد اللّه بن طاهر، وأحمد بن الحارث الشّيعي، ودعبل الخزاعيّ، وآخرون. وكان أفضل رجال بني العبّاس حزما، وعزما، وحلما، وعلما، ورأيا، ودهاء وهيبة، وشجاعة، وسؤددا، وسماحة؛ وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة النّاس في القول بخلق القرآن. ولم يل الخلافة من بني العبّاس أعلم منه، وكان فصيحا مفوّها.

стр. 355

وكان يقول (١): معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسي. وكان يقال: لبني العبّاس فاتحة، وواسطة، وخاتمة؛ فالفاتحة السّفّاح، والواسطة المأمون، والخاتمة المعتضد. وقيل: إنّه ختم في بعض الرّمضانات ثلاثا وثلاثين ختمة. وكان معروفا بالتّشيّع؛ وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى عليّ الرّضا كما سنذكره. قال أبو معشر المنجّم: كان المأمون أمّارا بالعدل، فقيه النّفس، يعدّ من كبار العلماء. وعن الرّشيد قال (٢): إنّي لأعرف في عبد اللّه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزّة الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرّابع - يعني نفسه - لنسبته؛ وقد قدّمت محمدا عليه، وإنّي لأعلم أنّه منقاد إلى هواه، مبذّر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنّساء؛ ولولا أمّ جعفر وميل بني هاشم لقدّمت عبد اللّه عليه. استقلّ المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وهو بخراسان، واكتنى بأبي جعفر. قال الصّولي: وكانوا يحبّون هذه الكنية، لأنّها كنية المنصور، وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كنّى بها كالمنصور والرّشيد. وفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد، وجعل وليّ العهد من بعده علي الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق، حمله على ذلك إفراطه في التّشيّع، حتّى قيل: إنّه همّ أن يخلع نفسه ويفوّض الأمر إليه، وهو الذي لقّبه الرّضا، وضرب الدّراهم باسمه، وزوّجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك السّواد ولبس الخضرة، فاشتدّ ذلك على بني العبّاس جدّا، وخرجوا عليه، وبايعوا إبراهيم بن المهديّ، ولقّب «المبارك» فجهّز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وسار
следующие страницы →