يزيد بن عبد الملك بن مروان (٥)
هو يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو خالد، الأموي، الدّمشقيّ.
ولد سنة إحدى وسبعين، وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان، كما تقدّم.
وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم (١): لمّا ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز، فأتي بأربعين شيخا فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.
وقال ابن الماجشون (٢): لمّا مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد: واللّه ما عمر بأحوج إلى اللّه منّي؛ فأقام أربعين يوما يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز، ثم عدل عن ذلك.
وقال سليم بن بشير (٣): كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك، أمّا بعد؛ فإنّي لا أراني إلاّ لما بي، فاللّه اللّه في أمّة محمد ﷺ فإنّك تدع الدّنيا لمن لا يحمدك، وتفضي إلى من لا يعذرك، والسّلام.
وفي سنة اثنتين ومائة خرج يزيد بن المهلّب على الخلافة، فوجّه إليه مسلمة بن عبد الملك بن مروان فهزم يزيد [بن المهلّب] وقتل، وذلك بالعقر (٤)، موضع بقرب كربلاء.
стр. 282
قال الكلبيّ: نشأت وهم يقولون: ضحّى بنو أميّة يوم كربلاء بالدّين، ويوم العقر (١) بالكرم.
مات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.
وممّن مات في خلافته من الأعلام: الضّحّاك بن مزاحم، وعديّ بن أرطاة، وأبو المتوكل النّاجي، وعطاء بن يسار، ومجاهد، ويحيى بن وثّاب مقرئ الكوفة، وخالد بن معدان، والشعبيّ عالم العراق، وعبد الرحمن بن حسّان بن ثابت، وأبو قلابة الجرميّ، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعريّ، وآخرون.
* * *
стр. 283
هشام بن عبد الملك (٣)
هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو الوليد.
ولد سنة نيّف وسبعين، واستخلف بعهد من أخيه يزيد.
قال مصعب الزّبيري (١): رأى عبد الملك في منامه أنّه بال في المحراب أربع مرّات، فسأل سعيد بن المسيّب؛ فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة؛ فكان آخرهم هشام.
وكان هشام حازما عاقلا، كان لا يدخل بيت ماله مالا حتّى يشهد أربعون قسامة:
لقد أخذ من حقّه، ولقد أعطي لكلّ ذي حقّ حقّه.
وقال الأصمعيّ: أسمع رجل مرّة هشاما كلاما، فقال له: يا هذا، ليس لك أن تسمع خليفتك.
قال: وغضب مرّة على رجل فقال: واللّه لقد هممت أن أضربك سوطا.
وقال سحبل بن محمد (٢): ما رأيت أحدا من الخلفاء أكره إليه الدّماء ولا أشدّ عليه من هشام.
وعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذّات الدّنيا إلاّ وقد نلته، إلاّ شيئا واحدا؛ أخا أرفع مؤونة التّحفظ فيما بيني وبينه.
وقال الشّافعي: لمّا بنى هشام الرّصافة بقنّسرين أحبّ أن يخلو يوما لا يأتيه فيه
стр. 284
غمّ، فما انتصف النّهار حتّى أتته ريشة بدم من بعض الثّغور، فأوصلت إليه، فقال:
ولا يوما واحدا!.
وقيل: إنّ هذا البيت له، ولم يحفظ له سواه (١): [من الطويل]
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى بعض ما فيه عليك مقال
مات في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وفي سنة سبع من أيّامه فتحت قيصريّة الرّوم بالسّيف.
وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطّال (٢)، الشّجاع المشهور.
وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.
وممّن مات في أيّامه من الأعلام: سالم بن عبد اللّه بن عمر، وطاوس، وسليمان بن يسار، وعكرمة مولى ابن عبّاس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصّدّيق، وكثيّر عزّة الشّاعر، ومحمد بن كعب القرظيّ، والحسن البصري، ومحمد ابن سيرين، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة الصّحابي وهو آخر الصحابة موتا، وجرير، والفرزدق، وعطيّة العوفي، ومعاوية بن قرّة، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح، وأبو جعفر الباقر، ووهب بن منبّه، وسكينه بنت الحسين، والأعرج، وقتادة، ونافع مولى ابن عمر، وابن عامر مقرئ الشّام، وابن كثير مقرئ مكة، وثابت البناني، ومالك بن دينار، وابن محيصن المقرئ، وابن شهاب الزّهري، وخلائق آخرون.
ومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال (٣): أراد هشام بن عبد الملك أن يولّيني خراج مصر، فأبيت، فغضب حتّى اختلج وجهه، وكان في عينيه الحول، فنظر إليّ نظر منكر، وقال: لتلينّ طائعا، أو لتلينّ كارها؛ فأمسكت عن الكلام حتّى سكن غضبه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال:
نعم، قلت: إنّ اللّه تعالى قال في كتابه العزيز: ﴿إِنّا عَرَضْنَا اَلْأَمانَةَ عَلَى اَلسَّماواتِ﴾
стр. 285
﴿وَاَلْأَرْضِ وَاَلْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها﴾
(١)
الآية، فو اللّه يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهنّ إذ أبين ولا أكرههنّ إذ كرهن، وما أنا بحقيق أن تغضب عليّ إذ أبيت، وتكرهني إذا كرهت؛ فضحك وأعفاني.
وأخرج عن خالد بن صفوان قال (٢): وفدت على هشام بن عبد الملك، فقال:
هات يا ابن صفوان؛ قلت: إنّ ملكا من الملوك خرج متنزّها إلى الخورنق، وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة، فنظر وقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك، قال: فهل رأيتم أحدا أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجّة فقال: إنّك قد سألت عن أمر، أفتأذن لي بالجواب؟ قال: نعم، قال: أرأيت ما أنت فيه، هو شيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا، وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذا هو، قال: أفتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلاّ قليلا، وتنتقل عنه طويلا فيكون عليك حسابا؟ قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة، قال: إمّا أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة اللّه على ما ساءك وسرّك، وإمّا أن تنخلع من ملكك، وتضع تاجك، وتلقي عنك أطمارك، وتعبد ربّك. قال: إنّي مفكّر اللّيلة وأوافيك السّحر؛ فلمّا كان السحر قرع عليه بابه فقال: إنّي اخترت هذا الجبل، وفلوات الأرض، وقد لبست عليّ أمساحي، فإن [اخترت ذلك] كنت لي رفيقا لا تخالف؛ فلزما الجبل حتّى ماتا؛ وفيه يقول عديّ بن زيد بن الحمار العباديّ (٣): [من الخفيف]
أيّها الشّامت المعيّر بالدّه … ر أأنت المبرّأ الموفور؟
أم لديك العهد الوثيق من الأيّ … ام؟ بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير؟
أين كسرى كسرى الملوك أبوسا … سان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك ال … رّوم لم يبق منهم مذكور
стр. 286
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كل … سا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكّر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تذكير
سرّه ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرض والسّدير
فارعوى قلبه وقال: وما غب … طة حيّ إلى الممات يصير
ثمّ بعد الفلاح والملك والأمّ … ة وارتهم هناك القبور
ثمّ صاروا كأنّهم ورق ج … فّ فألوت به الصّبا والدّبور
قال: فبكى هشام حتّى اخضلّت لحيته، وأمر برفع آنيته، وطيّ فرشه، ولزم قصره، فاقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذّته، فقال: إليكم عنّي، فإنّي عاهدت اللّه أن لا أخلو بملك إلاّ ذكّرته اللّه تعالى.
* * *
стр. 287
الوليد بن يزيد بن عبد الملك (١)
هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الخليفة الفاسق، أبو العبّاس.
ولد سنة تسعين، فلمّا احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبيّ، فعقد لأخيه هشام، وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام، فتسلّم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.
وكان فاسقا، شرّيبا للخمر، منتهكا حرمات اللّه، أراد الحجّ ليشرب فوق ظهر الكعبة، فمقته النّاس لفسقه، وخرجوا عليه، فقتل في جمادى الآخرة سنة ستّ وعشرين ومائة.
وعنه أنّه لمّا حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا، لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم اللّه، وشرب الخمر، ونكاح أمّهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر اللّه.
ولمّا قتل وقطع رأسه وجيء به إلى يزيد النّاقص نصبه على رمح، فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد، فقال: بعدا له! أشهد أنّه كان شروبا للخمر، ماجنا، فاسقا، ولقد راودني على نفسي.
وقال المعافى الجريري: جمعت شيئا من أخبار الوليد، ومن شعره الذي ضمّنه ما فخر به من خرقه وسخافته، وما صرّح به من الإلحاد في القرآن والكفر باللّه.
وقال الذّهبي: لم يصحّ عن الوليد كفر ولا زندقة، بل اشتهر بالخمر والتّلوّط، فخرجوا عليه لذلك.
стр. 288
وذكر الوليد مرّة عند المهديّ فقال رجل: كان زنديقا، فقال المهدي: مه، خلافة اللّه عنده أجلّ من أن يجعلها في زنديق.
وقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل النّاس، وأشدّهم وأشعرهم.
وقال أبو الزناد: كان الزّهري يقدح أبدا عند هشام في الوليد ويعيبه، ويقول: ما يحلّ لك إلاّ خلعه؛ فما يستطيع هشام، ولو بقي الزّهري إلى أن يملك الوليد لفتك به.
وقال الضّحّاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد (١): [من الطويل]
كفرت يدا من منعم لو شكرتها … جزاك بها الرّحمن ذو الفضل والمنّ (٢)
رأيتك تبني جاهدا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
أراك على الباقين تجني ضغينة … فيا ويحهم إن متّ من شرّ ما تجني
كأنّي بهم يوما وأكثر قولهم … ألا ليت أنّا حين يا ليت لا تغني
وقال حمّاد الرّاوية: كنت يوما عند الوليد، فدخل عليه منجّمان فقالا: نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين؛ قال حماد: فأردت أن أخدعه، فقلت: كذبا، ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم، وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة، فأطرق ثم قال لي: لا ما قالا يكسرني، ولا ما قلت يغرّني، واللّه لأجبين المال من حلّه جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنّه في حقّه صرف من يموت الغد.
وقد ورد في «مسند» أحمد حديث «ليكوننّ في هذه الأمّة رجل يقال له الوليد، لهو أشدّ على هذه الأمّة من فرعون لقومه».
وقال ابن فضل اللّه في «المسالك»: الوليد بن يزيد، الجبّار العنيد، لقبا ما عداه، ولقما (٣) سلكه فما هداه، فرعون ذلك العصر الذّاهب، والدّهر المملوء بالمعايب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النّار، ويرديهم العار، وبئس الورد المورود، والمورد
стр. 289
المردي في ذلك الموقف المشهود، رشق المصحف بالسّهام، وفسق ولم يخف الآثام.
وأخرج الصّولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميّادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه (١): [من الطويل]
فضلتم قريشا، غير آل محمّد … وغير بني مروان أهل الفضائل
فقال له الوليد: أراك قد قدّمت علينا آل محمد؛ فقال ابن ميّادة: ما أراه يجوز غير ذلك.
وابن ميّادة هذا هو القائل في الوليد أيضا من قصيدة طويلة (٢): [من الطويل]
هممت بقول صادق أن أقوله … وإنّي على رغم العداة لقائله
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا … شديدا بأعباء الخلافة كاهله
* * *
стр. 290
يزيد النّاقص بن الوليد بن عبد الملك (٢)
هو أبو خالد، يزيد النّاقص بن الوليد بن عبد الملك.
لقّب بالنّاقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم.
وثب على الخلافة، وقتل ابن عمّه الوليد بن يزيد وتملّك.
وأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد، وأمّ فيروز بنت شيرويه بن كسرى، وأمّ شيرويه بنت خاقان ملك التّرك، وأمّ أمّ فيروز بنت قيصر عظيم الرّوم؛ فلهذا قال يزيد يفتخر: [من الرجز]
أنا ابن كسرى، وأبي مروان … وقيصر جدّي، وجدّي خاقان
قال الثّعالبي (١): أعرق النّاس في الملك والخلافة من كلا طرفيه.
ولمّا قتل يزيد الوليد قام خطيبا فقال: أمّا بعد؛ إنّي واللّه ما خرجت أشرا ولا بطرا، ولا طعما ولا حرصا على الدّنيا ولا رغبة في الملك، وإنّي لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّي، ولكن خرجت غضبا للّه ولدينه وداعيا إلى كتابه وسنّة نبيه ﷺ حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التّقوى، وظهر الجبّار المستحلّ الحرمة، والرّاكب البدعة؛ فلمّا رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم، وأشفقت أن يدعو كثيرا من النّاس إلى ما هو عليه فيجيبه، فاستخرت اللّه في أمري، ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي، فأراح اللّه منه البلاد والعباد؛ ولاية من اللّه، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه.
أيّها النّاس، إنّ لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجرا
стр. 291
على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتّى أسدّ ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به؛ فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه، حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء، فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم، وإن ملت فلا بيعة لي عليكم، وإن رأيتم أحدا أقوى منّي عليها فأردتم بيعته فأنا أوّل من يبايعه ويدخل في طاعته؛ وأستغفر اللّه لي ولكم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: أوّل من خرج بالسّلاح في العيدين يزيد بن الوليد، خرج يومئذ بين صفّين من الخيل، عليهم السّلاح، من باب الحصن إلى المصلّى.
وعن أبي عثمان اللّيثيّ، قال يزيد النّاقص: يا بني أميّة، إيّاكم والغناء، فإنّه ينقص الحياء ويزيد في الشّهوة ويهدم المروءة، وإنّه لينوب عن الخمر، ويفعل ما يفعل المسكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنّبوه النّساء، فإنّ الغناء داعية الزّنا.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشّافعيّ ﵀ يقول: لمّا ولي يزيد بن الوليد دعا النّاس إلى القدر، وحملهم عليه، وقرّب أصحاب غيلان.
ولم يمتّع يزيد بالخلافة، بل مات من عامه في سابع ذي الحجّة؛ فكانت خلافته ستّة أشهر ناقصة؛ وكان عمره خمسا وثلاثين سنة، وقيل: ستّا وأربعين سنة؛ ويقال: إنّه مات بالطّاعون.
* * *
стр. 292
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (٢)
هو إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، أبو إسحاق.
بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد النّاقص، فقيل: إنّه عهد إليه، وقيل: لا.
قال برد بن سنان (١): حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فأتاه قطن، فقال: أنا رسول من وراء بابك، يسألونك بحقّ اللّه لم ولّيت أمرهم أخاك إبراهيم؟ فغضب، فقال: أنا أولّي إبراهيم؟ ثم قال: يا أبا العلاء، إلى من ترى أعهد؟ قلت: أمر نهيتك عن الدّخول فيه فلا أشير عليك في آخره. قال: وأغمي عليه حتّى حسبته قد مات، فقعد قطن، فافتعل كتابا بالعهد على لسان يزيد، ودعا ناسا فاستشهدهم عليه؛ ولا واللّه ما عهد يزيد شيئا.
ومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة، ثم خلع؛ خرج عليه مروان بن محمد وبويع، فهرب إبراهيم، ثم جاء وخلع نفسه من الأمر، وسلّمه إلى مروان، وبايع طائعا.
وعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة. فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السّفّاح.
وفي تاريخ ابن عساكر: سمع إبراهيم من الزّهري، وحكى عن عمّه هشام، وحكى عنه ابنه يعقوب؛ وأمّه أمّ ولد، وهو أخو مروان الحمار لأمّه.
وكان خلعه يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من صفر، سنة سبع وعشرين ومائة.
стр. 293
وقال المدائني (١): لم يتم لإبراهيم أمر، كان قوم يسلّمون عليه بالخلافة، وقوم يسلّمون عليه بالإمرة، وأبى قوم أن يبايعوا له؛ وقال بعض شعرائهم فيه: [من الطويل]
نبايع إبراهيم في كلّ جمعة … ألا إنّ أمرا أنت واليه ضائع
وقال غيره (٢): كان نقش خاتم إبراهيم «إبراهيم يثق باللّه».
* * *
стр. 294
مروان الحمار (٤)
مروان الحمار، آخر خلفاء بني أميّة، أبو عبد الملك؛ بن محمد بن مروان بن الحكم، ويلقّب بالجعديّ نسبة إلى مؤدّبه الجعد بن درهم؛ وبالحمار، لأنّه كان لا يجفّ له لبد في محاربة الخارجين عليه.
كان يصل السّير بالسّير، ويصبر على مكاره الحرب. ويقال في المثل (١): فلان أصبر من حمار في الحروب؛ فلذلك لقّب به.
وقيل (٢): لأن العرب تسمّي كلّ مائة سنة حمارا، فلمّا قارب ملك بني أميّة مائة سنة لقّبوا مروان بالحمار لذلك.
ولد مروان بالجزيرة وأبوه متولّيها سنة اثنتين وسبعين، وأمّه أمّ ولد (٣).
وولي قبل الخلافة ولايات جليلة، وافتتح قونية سنة خمس ومائة.
وكان مشهورا بالفروسيّة، والإقدام، والرّجلة، والدّهاء، والعسف.
فلمّا قتل الوليد وبلغته ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضيه المسلمون فبايعوه، فلمّا بلغه موت يزيد أنفق الخزائن، وسار فحارب إبراهيم فهزمه، وبويع مروان، وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين، واستوثق له الأمر، فأوّل ما فعل أمر بنبش يزيد النّاقص، فأخرجه من قبره، وصلبه لكونه قتل الوليد.
стр. 295
ثم إنّه لم يتهنّ بالخلافة؛ لكثرة من خرج عليه من كلّ جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين، فخرج عليه بنو العبّاس، وعليهم عبد اللّه بن عليّ عمّ السّفّاح فسار لحربهم، فالتقى الجمعان بقرب الموصل، فانكسر مروان، فرجع إلى الشّام، فتبعه عبد اللّه، ففرّ مروان إلى مصر، فتبعه صالح أخو عبد اللّه، فالتقيا بقرية بوصير، فقتل مروان بها في ذي الحجّة من السّنة.
* * * مات في أيّامه من الأعلام: السدّيّ الكبير، ومالك بن دينار الزّاهد، وعاصم بن أبي النّجود المقرئ، ويزيد بن أبي حبيب، وشيبة بن نصاح المقرئ، ومحمد بن المنكدر، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة، وأبو أيّوب السّختياني، وأبو الزّناد، وهمّام بن منبّه، وواصل بن عطاء المعتزلي.
وأخرج الصّولي عن محمد بن صالح قال: لمّا قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجّه به إلى عبد اللّه بن عليّ، فنظر إليه وغفل، فجاءت هرّة، فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال عبد اللّه بن عليّ: لو لم يرنا الدّهر من عجائبه إلاّ لسان مروان في فم هرّة لكفانا ذلك.
* * *
стр. 296
السّفّاح، أوّل خلفاء بني العبّاس (٣)
هو أبو العبّاس عبد اللّه بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم.
ولد سنة ثمان ومائة - وقيل: سنة أربع - بالحميمة من ناحية البلقاء، ونشأ بها، وبويع بالكوفة، وأمّه ريطة الحارثيّة.
حدّث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام، وروى عنه عمّه عيسى بن علي، وكان أصغر من أخيه المنصور.
أخرج أحمد في «مسنده» (١) عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول اللّه ﷺ قال:
«يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزّمان وظهور من الفتن، يقال له السّفّاح، فيكون إعطاؤه المال حثيا».
وقال عبيد اللّه العيشيّ: قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: واللّه لقد أفضت الخلافة إلى بني العبّاس وما في الأرض أحد أكثر قارئا للقرآن، ولا أفضل عابدا ولا ناسكا منهم.
قال ابن جرير الطّبري (٢): كان بدء أمر بني العبّاس، أنّ رسول اللّه ﷺ أعلم العبّاس عمّه، أنّ الخلافة تؤول إلى ولده، فلم يزل ولده يتوقّعون ذلك.
وعن رشدين بن كريب، أنّ أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن الحنفيّة خرج إلى
стр. 297
الشّام، فلقي محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، فقال: يا ابن عمّ، إنّ عندي علما أريد أن أنبذه إليك، فلا تطلعنّ عليه أحدا، إنّ هذا الأمر الذي ترتجيه النّاس فيكم، قال: قد علمته فلا يسمعنّه منك أحد.
وروى المدائني عن جماعة، أنّ الإمام محمد بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس قال:
لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية، ورأس المائة، وفتق بإفريقية، فعند ذلك تدعو لنا دعاة، ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتّى ترد خيولهم المغرب، فلمّا قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر، بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان، وأمره أن يدعو إلى الرّضى من آل محمد ﷺ ، ولا يسمّي أحدا، ثم وجّه أبا مسلم الخراساني وغيره، وكتب إلى النّقباء فقبلوا كتبه. ثم لم ينشب أن مات محمد، فعهد إلى ابنه إبراهيم، فبلغ خبره مروان الحمار، فسجنه، ثم قتله، فعهد إلى أخيه عبد اللّه، وهو السّفّاح، فاجتمع إليه شيعتهم، وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وصلّى بالنّاس الجمعة، وقال في الخطبة: الحمد للّه الذي اصطفى الإسلام لنفسه، فكرّمه وشرّفه وعظّمه، واختاره لنا وأيّده بنا، وجعلنا أهله وكهفه وحصنه، والقوّام به والذّابّين عنه؛ ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن، إلى أن قال: فلمّا قبض اللّه نبيّه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا، فأملى اللّه لهم حينا حتّى آسفوه، فانتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وما توفيقنا أهل البيت إلاّ باللّه؛ يا أهل الكوفة أنتم محلّ محبّتنا، ومنزل مودّتنا، لم تفتروا عن ذلك، ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور، فأنتم أسعد النّاس بنا، وأكرمهم علينا، وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة؛ فاستعدّوا فأنا السّفّاح المبيح، والثّائر المبير.
وكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إنّ أربعة عشر رجلا خرجوا من ديارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، شديدة قلوبهم!.
ولمّا بلغ مروان مبايعة السّفّاح خرج لقتاله، فانكسر كما تقدّم، ثم قتل، وقتل في مبايعة السّفّاح من بني أميّة وجندهم ما لا يحصى من الخلائق، وتوطّدت له الممالك إلى أقصى المغرب.
стр. 298
قال الذّهبي (١): بدولته تفرّقت الجماعة، وخرج عن الطّاعة ما بين تاهرت (٢) وطبنة إلى بلاد السّودان وجميع مملكة الأندلس، وخرج بهذه البلاد من تغلّب عليها واستمرّ ذلك.
مات السّفّاح بالجدريّ في ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين ومائة، وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر، وكان في سنة أربع وثلاثين ومائة قد انتقل إلى الأنبار، وصيّرها دار الخلافة.
ومن أخبار السفاح: قال الصّولي: من كلامه: إذا عظمت القدرة قلّت الشّهوة، وما قلّ تورّع إلاّ ومعه حقّ مضاع.
وقال: إنّ من أدنياء النّاس ووضعائهم من عدّ البخل حزما، والحلم ذلاّ.
وقال: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة؛ والصّبر حسن إلاّ على ما أوقع الدّين وأوهن السّلطان؛ والأناة محمودة إلاّ عند إمكان الفرصة.
قال الصّولي: وكان السّفّاح أسخى النّاس، ما وعد عدة قطّ فأخّرها عن وقتها، ولا قام من مجلسه حتّى يقضيها؛ وقال له عبد اللّه بن حسن مرّة: سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قطّ؛ فأمر بها فأحضرت، وأمر بحملها معه إلى منزله.
قال: وكان نقش خاتمه «اللّه ثقة عبد اللّه وبه يؤمن».
وقلّ ما يروى له من الشّعر.
وقال سعيد بن سلم الباهلي: دخل عبد اللّه بن حسن على السّفّاح مرّة، والمجلس غاصّ ببني هاشم والشّيعة ووجوه النّاس، ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقّنا الذي جعله اللّه لنا في هذا المصحف، قال له: إنّ عليّا جدّك كان خيرا منّي وأعدل، ولي هذا الأمر، فما أعطى جدّيك الحسن والحسين - وكانا خيرا منك - شيئا، وكان الواجب أن أعطيك مثله، فإن كنت فعلت فقد أنصفتك، وإن كنت زدتك
стр. 299
فما هذا جزائي منك؛ فانصرف ولم يحر جوابا، وعجب النّاس من جواب السّفّاح.
قال المؤرّخون: في دولة بني العبّاس افترقت كلمة الإسلام، وسقط اسم العرب من الدّيوان، وأدخل الأتراك في الديوان، واستولت الدّيلم، ثم الأتراك، وصارت لهم دولة عظيمة، وانقسمت ممالك الأرض عدّة أقسام، وصار بكلّ قطر قائم يأخذ النّاس بالعسف، ويملكهم بالقهر.
قالوا: وكان السّفّاح سريعا إلى سفك الدّماء، فاتّبعه في ذلك عمّاله بالمشرق والمغرب، وكان مع ذلك جوادا بالمال.
* * * مات في أيّامه من الأعلام: زيد بن أسلم، وعبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة، وعبد الملك بن عمير، ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، وعبد الحميد الكاتب المشهور، قتل ببوصير مع مروان، ومنصور بن المعتمر، وهمّام بن منبّه (١).
* * *
стр. 300
المنصور، أبو جعفر، عبد اللّه (٣)
المنصور أبو جعفر عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس.
وأمّه سلامة البربريّة أمّ ولد.
ولد سنة خمس وتسعين، وأدرك جدّه ولم يرو عنه.
وروى عن أبيه، وعن عطاء بن يسار؛ وعنه ولده المهدي.
وبويع بالخلافة بعهد من أخيه.
وكان فحل بني العبّاس هيبة وشجاعة وحزما ورأيا وجبروتا، جمّاعا للمال، تاركا للّهو واللّعب، كامل العقل، جيّد المشاركة في العلم والأدب، فقيه النّفس، قتل خلقا كثيرا حتّى استقام ملكه.
وهو الذي ضرب أبا حنيفة ﵀ على القضاء، ثم سجنه، فمات بعد أيّام؛ وقيل: إنّه قتله بالسّمّ لكونه أفتى بالخروج عليه.
وكان فصيحا بليغا مفوّها خليقا للإمارة، وكان غاية في الحرص والبخل، فلقّب «أبا الدّوانيق» لمحاسبته العمّال والصّنّاع على الدّوانيق والحبّات.
أخرج الخطيب (١) عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس، عن النّبيّ ﷺ قال: «منّا السّفّاح، ومنّا المنصور، ومنّا المهديّ».
قال الذّهبي (٢): منكر منقطع.
стр. 301
وأخرج الخطيب (١) وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: «منّا السّفّاح، ومنّا المنصور، ومنّا المهدي».
قال الذّهبي (٢): إسناده صالح.
وأخرج ابن عساكر (٣) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن جابر، عن الأعمش، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «منّا القائم، ومنّا المنصور، ومنّا السّفّاح، ومنّا المهديّ؛ فأمّا القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم، وأمّا المنصور فلا تردّ له راية، وأمّا السّفّاح فهو يسفح المال والدّم، وأمّا المهديّ فيملؤها عدلا كما ملئت ظلما».
وعن المنصور قال (٤): رأيت كأنّي في الحرم، وكأنّ رسول اللّه ﷺ في الكعبة وبابها مفتوح، فنادى مناد: أين عبد اللّه؟ فقام أخي أبو العبّاس حتّى صار على الدّرجة، فأدخل، فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع، ثم نودي: أين عبد اللّه؟ فقمت على الدّرجة، فأصعدت وإذا رسول اللّه ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وبلال، فعقد لي، وأوصاني بأمّته، وعمّمني بعمامة، فكان كورها ثلاثة وعشرين، وقال: «خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة».
تولّى المنصور الخلافة في أوّل سنة سبع وثلاثين ومائة (٥)، فأوّل ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهّد مملكتهم.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرّحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس، واستولى عليها وامتدّت أيّامه، وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة، وكان عبد الرّحمن هذا من أهل العلم والعدل، وأمّه بربريّة.
стр. 302
قال أبو المظفّر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدّنيا ابنا بربريّتين: المنصور، وعبد الرّحمن بن معاوية.
وفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد.
وفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الرّاونديّة القائلين بالتّناسخ؛ فقتلهم المنصور.
وفيها فتحت طبرستان.
قال الذّهبي (١): في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث، والفقه، والتّفسير؛ فصنّف ابن جريج [التّصانيف] بمكة، ومالك «الموطّأ» بالمدينة، والأوزاعيّ بالشّام، و [سعيد] بن أبي عروبة وحمّاد بن سلمة وغيرهما بالبصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثّوريّ بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق «المغازي»، وصنّف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرّأي، ثم بعد يسير صنّف هشيم، واللّيث، وابن لهيعة، ثم ابن المبارك، وأبو يوسف، وابن وهب، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودوّنت كتب العربيّة، واللّغة، والتّاريخ وأيّام النّاس، وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلّمون من حفظهم، أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتّبة.
وفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد اللّه بن حسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
وكان المنصور أوّل من أوقع الفتنة بين العباسيّين والعلويّين، وكانوا قبل شيئا واحدا، وآذى المنصور خلقا من العلماء ممّن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضربا وغير ذلك: منهم أبو حنيفة، وعبد الحميد بن جعفر، وابن عجلان، وممّن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس ﵀، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنّما بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين.
وفي سنة ستّ وأربعين كانت غزوة قبرس.
стр. 303
وفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمّه عيسى بن موسى من ولاية العهد، وكان السّفّاح عهد إليه من بعد المنصور، وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما، فكافأه بأن خلعه مكرها، وعهد إلى ولده المهديّ.
وفي سنة ثمان وأربعين توطّدت الممالك كلّها للمنصور، وعظمت هيبته في النّفوس، ودانت له الأمصار، ولم يبق خارجا عنه سوى جزيرة الأندلس فقط، فإنّها غلب عليها عبد الرّحمن بن معاوية الأمويّ المروانيّ، لكنه لم يتلقّب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط، وكذلك بنوه.
وفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد.
وفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانيّة عن الطّاعة مع الأمير أستاذسيس، واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب، واستفحل الشّرّ، واشتدّ على المنصور الأمر، وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلاثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، فعمل معهم أجثم المروزي مصافّا، فقتل أجثم واستبيح عسكره، فتجهّز لحربهم خازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسدّ الفضاء، فالتقى الجمعان، وصبر الفريقان، وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل [منهم] فيها سبعون ألفا، وانهزم أستاذسيس فالتجأ إلى جبل، وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم، وكانوا أربعة عشر ألفا، ثم حاصروا أستاذسيس مدّة، ثم سلّم نفسه فقيّدوه وأطلقوا أجناده، وكان عددهم ثلاثين ألفا؛ انتهى.
وفي سنة إحدى وخمسين بنى الرّصافة وشيّدها.
وفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيّته بلبس القلانس الطّوال؛ فكانوا يعملونها بالقصب والورق ويلبسونها السّواد؛ فقال أبو دلامة (١): [من الطويل]
وكنّا نرجّي من إمام زيادة … فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرّجال كأنّها … دنان يهود جلّلت بالبرانس
وفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثّوري، وعبّاد بن
стр. 304
كثير، فحبسا، وتخوّف النّاس أن يقلتهما المنصور إذا ورد الحجّ، فلم يوصله اللّه مكّة سالما، بل قدم مريضا ومات، وكفاهما اللّه شرّه، وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجّة، ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون؛ وقال سلم الخاسر (١): [من الطويل]
قفل الحجيج وخلّفوا ابن محمّد … رهنا بمكّة في الضّريح الملحد
شهدوا المناسك كلّها وإمامهم … تحت الصّفائح محرما لم يشهد
ومن أخبار المنصور: أخرج ابن عساكر (٢) بسنده، أنّ أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرّصد، فقال: زن درهمين قبل أن تدخل، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل من بني هاشم، قال: زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي من بني عمّ رسول اللّه ﷺ ، قال:
زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل قارئ لكتاب اللّه، قال: زن درهمين، قال: خلّ عنّي، فإنّي رجل عالم بالفقه والفرائض، قال: زن درهمين؛ فلمّا أعياه أمره وزن الدّرهمين، فرجع ولزم جمع المال والتّدنّق فيه حتّى لقّب بأبي الدّوانيق (٣).
وأخرج (٤) عن الرّبيع بن يونس الحاجب، قال: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ؛ والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا.
وأخرج (٥) عن مالك بن أنس، قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال: من أفضل النّاس بعد رسول اللّه ﷺ ؟ قلت: أبو بكر وعمر، قال: أصبت، وذلك رأي أمير المؤمنين.
وأخرج (٦) عن إسماعيل الفهريّ، قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر
стр. 305
عرفة يقول في خطبته: أيّها النّاس، إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني اللّه عليه قفلا: إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى اللّه أيّها النّاس، وسلوه في هذا اليوم الشّريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً﴾ (١) أن يوفّقني للصّواب، ويسدّدني للرّشاد، ويلهمني الرّأفة بكم، والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل؛ فإنّه سميع مجيب.
وأخرجه الصّوليّ، وزاد في أوّله أنّ سبب هذه الخطبة أنّ النّاس بخلوّه، وزاد في آخره: فقال بعض النّاس: أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربّه.
وأخرج عن الأصمعي (٢) وغيره، أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد للّه، أحمده وأستعينه، وأو من به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له؛ فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره؛ فقال: مرحبا مرحبا، لقد ذكّرت جليلا، وخوفّت عظيما، وأعوذ باللّه أن أكون ممّن ﴿إِذا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اَللّهَ أَخَذَتْهُ اَلْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ (٣) والموعظة منّا بدت، ومن عندنا خرجت؛ وأنت يا قائلها فأحلف باللّه ما اللّه أردت بها، وإنّما أردت أن يقال: قام، فقال، فعوقب، فصبر، فاهون بها من قائلها، واهتبلها من اللّه، ويلك! إنّي قد غفرتها، وإيّاكم معشر النّاس وأمثالها، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ فعاد إلى خطبته فكأنّما يقرؤها من قرطاس.
وأخرج (٤) من طرق، أنّ المنصور قال لابنه المهديّ: يا أبا عبد اللّه، الخليفة لا يصلحه إلاّ التّقوى، والسّلطان لا يصلحه إلا الطّاعة، والرّعيّة لا يصلحها إلاّ العدل، وأولى النّاس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص النّاس عقلا من ظلم من هو دونه.
стр. 306
وقال (١): لا تبرمنّ أمرا حتّى تفكّر فيه؛ فإنّ فكرة العاقل مرآته، تريه قبيحه وحسنه.
وقال (٢): أي بنيّ استدم النعمة بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
وأخرج (٣) عن مبارك بن فضالة قال: كنّا عند المنصور، فدعا برجل ودعا بالسّيف، فقال المبارك: يا أمير المؤمنين، سمعت الحسن يقول: قال رسول اللّه ﷺ : «إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند اللّه ينادي: ليقم الذين أجرهم على اللّه؛ فلا يقوم إلاّ من عفا»، فقال المنصور: خلّوا سبيله.
وأخرج (٤) عن الأصمعي قال: أتى المنصور برجل يعاقبه، فقال: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتّجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين باللّه أن يرضى لنفسه بأوكس النّصيبين دون أن يبلغ أرفع الدّرجتين، فعفا عنه.
وأخرج (٥) عن الأصمعيّ قال: لقي المنصور أعرابيا بالشّام، فقال: احمد اللّه يا أعرابيّ الذي رفع عنكم الطّاعون بولايتنا أهل البيت؛ قال: إنّ اللّه لا يجمع علينا حشفا وسوء كيل؛ ولايتكم والطّاعون!.
وأخرج (٦) عن محمد بن منصور البغدادي، قال: قام بعض الزّهّاد بين يدي المنصور فقال: إنّ اللّه أعطاك الدّنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها؛ واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تمخّض عن يوم لا ليلة بعده؛ فأفحم المنصور وأمر له بمال، فقال: لو احتجت إلى مالك ما وعظتك.
وأخرج (٧) عن عبد السّلام بن حرب، أنّ المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد،
стр. 307
فجاءه فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: واللّه لتقبلنّه؛ فقال: واللّه لا أقبله؛ فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين؛ فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفّارة اليمين من عمّك؛ فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتّى آتيك، ولا تعطيني حتّى أسألك؛ فقال: علمت أنّي جعلت هذا وليّ عهدي؟ فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.
وأخرج (١) عن عبد اللّه بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوّار بن عبد اللّه قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التّاجر فادفعها إلى القائد؛ فكتب إليه سوّار: إنّ البيّنة قد قامت عندي أنّها للتاجر؛ فلست أخرجها من يده إلاّ ببيّنة؛ فكتب إليه المنصور: واللّه الذي لا إله إلا هو لتدفعنّها إلى القائد؛ فكتب إليه سوّار: واللّه الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التّاجر إلاّ بحقّ؛ فلمّا جاءه الكتاب قال: ملأتها واللّه عدلا، وصار قضاتي تردّني إلى الحقّ.
وأخرج (٢) من وجه آخر، أنّ المنصور وشي إليه بسوّار، فاستقدمه، فعطس المنصور، فلم يشمّته سوّار، فقال: ما يمنعك من التّشميت؟ قال: لأنّك لم تحمد اللّه، فقال: قد حمدت اللّه في نفسي؛ قال: شمتّك في نفسي؛ قال: ارجع إلى عملك، فإنّك إذ لم تحابني لم تحاب غيري.
وأخرج (٣) عن نمير المدني قال: قدم المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطّلحي على قضائه، وأنا كاتبه، فاستعدى الجمّالون على المنصور في شيء، فأمرني أن أكتب إليه بالحضور وإنصافهم، فاستعفيت، فلم يعفني، فكتبت الكتاب، ثم ختمته، وقال: واللّه لا يمضي به غيرك؛ فمضيت به إلى الرّبيع، فدخل عليه، ثم خرج، فقال للنّاس: إنّ أمير المؤمنين يقول لكم: إنّي قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا يقومنّ معي أحد؛ ثم جاء هو والرّبيع، فلم يقم له القاضي، بل حلّ رداءه، واحتبى به، ثم دعا بالخصوم، فادّعوا، فقضى لهم على الخليفة؛ فلمّا فرغ قال له
стр. 308
المنصور: جزاك اللّه عن دينك أحسن الجزاء؛ قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار.
وأخرج (١) عن محمد بن حفص العجلي، قال: ولد لأبي دلامة ابنة، فغدا على المنصور، فأخبره، وأنشد: [من البسيط]
لو كان يقعد فوق الشّمس من كرم … قوم لقيل: اقعدوا يا آل عبّاس
ثم ارتقوا في شعاع الشّمس كلّكم … إلى السّماء فأنتم أكرم النّاس
ثم أخرج أبو دلامة خريطة، فقال المنصور: ما هذه؟ قال: أجعل فيها ما تأمر لي به؛ فقال: املئوها له دراهم؛ فوسعت ألفي درهم.
وأخرج (٢) عن محمد بن سلاّم الجمحي قال: قيل للمنصور: هل بقي من لذّات الدّنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة، أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث، يقول المستملي: من ذكرت رحمك اللّه؟ قال: فغدا عليه النّدماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدّفاتر، فقال: لستم بهم؛ إنّما هم الدّنسة ثيابهم، المشقّقة أرجلهم، الطّويلة شعورهم، برد الآفاق ونقلة الحديث.
وأخرج (٣) عن عبد الصّمد بن علي، أنّه قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تسمع بالعفو! قال: لأن بني مروان لم تبل رممهم، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء، فليس تتمهّد هيبتنا في صدورهم إلاّ بنسيان العفو واستعمال العقوبة.
وأخرج (٤) عن يونس بن حبيب، قال: كتب زياد بن عبد اللّه الحارثي إلى المنصور يسأله الزّيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه؛ فوقّع المنصور في القصّة: إنّ الغنى والبلاغة إذا اجتمعنا في رجل أبطرتاه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة.
стр. 309
وأخرج (١) عن محمد بن سلاّم، قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعا، فقالت: خليفة وقميصه مرقوع! فقال: ويحك؛ أما سمعت قول ابن هرمة: [من الكامل]
قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه … خلق وجيب قميصه مرقوع
وقال العسكري في «الأوائل» (٢): كان المنصور في ولد العبّاس كعبد الملك في بني أميّة في بخله، رأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا، فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه!
وحدا به سلاّم الحادي، فطرب حتّى كاد يسقط من الرّاحلة، فأجازه بنصف درهم؛ فقال: لقد حدوت بهشام، فأجازني بعشرة آلاف، فقال: ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال، يا ربيع وكّل به من يقبضها منه؛ فما زالوا به حتّى تركه على أن يحدو به ذهابا وإيابا بغير شيء.
وفي كتاب «الأوائل» للعسكري (٣): كان ابن هرمة شديد الرّغبة في الخمر، فدخل على المنصور فأنشده: [من الطويل]
له لحظات من حفا في سريرة … إذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الرّدى … وأمّ الذي حاولت بالثّكل ثاكل
فأعجب به المنصور، وقال: ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدّني إذا وجدني سكران، فقال: لا أعطّل حدّا من حدود اللّه؛ قال: تحتال لي؛ فكتب إلى عامله: من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين!.
فكان العون إذا مرّ به وهو سكران يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ ويتركه ويمضي.
стр. 310
قال: وأعطاه المنصور في هذه المرّة عشرة آلاف درهم، وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها؛ فليس لك عندنا مثلها، فقال: إنّي ألقاك على الصّراط بها بختمة الجهبذ.
ومن شعر المنصور، وشعره قليل (١): [من الطويل]
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإنّ فساد الرّأي أن تتردّدا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وقال عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي (٢): كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، فأدخلني منزله، فقدّم إليّ طعاما لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التّمر؟ قالت: لا، فاستلقى وقرأ ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ (٣) الآية، فلمّا ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا إلاّ رأيته في سلطانك؛ فقال: إنّا لا نجد الأعوان؛ قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إنّ السّلطان بمنزلة السّوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برّا أتوه ببرّهم، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم؛ فأطرق.
ومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كلّ شيء إلاّ ثلاث خلال: إفشاء السّرّ، والتّعرّض للحرم، والقدح في الملك. أسنده الصّولي.
وقال: إذا مدّ عدوّك إليك يده فاقطعها إن أمكنك، وإلاّ فقبّلها. أسنده أيضا.
وأخرج الصّولي عن يعقوب بن جعفر قال (٤): ممّا يؤثر من ذكاء المنصور، أنّه دخل المدينة فقال للرّبيع: اطلب لي رجلا يعرّفني دور النّاس؛ فجاءه رجل، فجعل يعرّفه الدّور، إلاّ أنّه لا يبتدئ به حتّى يسأله المنصور، فلمّا فارقه أمر له بألف درهم، فطالب الرّجل الرّبيع بها، فقال: ما قال لي شيئا، وسيركب فذكّره، فركب مرّة
стр. 311
أخرى، فجعل يعرّفه، ولا يرى موضعا للكلام، فلمّا أراد أن يفارقه قال الرّجل مبتدئا: وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص (١): [من الكامل]
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل … حذر العدى وبك الفؤاد موكّل
فأنكر المنصور ابتداءه، فأمرّ القصيدة على قلبه فإذا فيها (٢):
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللّسان يقول ما لا يفعل
فضحك وقال: ويلك يا ربيع! أعطه ألف درهم.
وأسند الصّولي عن إسحاق الموصليّ، قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء، بل يجلس وبينه وبين النّدماء ستارة، وبينهم وبينها عشرون ذراعا، وبينهما وبينه كذلك، وأوّل من ظهر للنّدماء من خلفاء بني العباس المهديّ.
وأخرج الصّولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العبّاس بن عبد اللّه بن العبّاس، وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أيّ شيء أخذ؟ فقال: لا أدري؛ فقال: اسمك اسم هاشمي لا تعرفه، أنت واللّه جاهل؛ قال: فإن رأى أمير المؤمنين أن يفيدنيه، قال: القثم: الذي ينزل بعد الأكل، ويقثم الأشياء، يأخذها ويثلمها (٣).
روي (٤) أن المنصور ألحّ عليه ذباب، فطلب مقاتل بن سليمان، فسأله: لم خلق اللّه الذّباب؟ قال: ليذلّ به الجبّارين.
وقال محمد بن عليّ الخراساني: المنصور أوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بأحكام النّجوم، وأوّل خليفة ترجمت له الكتب السّريانيّة والأعجميّة بالعربيّة، ككتاب «كليلة ودمنة»، و «اقليدس»؛ وهو أوّل من استعمل مواليه على الأعمال وقدّمهم
стр. 312
على العرب، وكثر ذلك بعده حتّى زالت رئاسة العرب وقيادتها، وهو أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العبّاس وولد عليّ، وكان قبل ذلك أمرهم واحدا.
أحاديث من رواية المنصور: قال الصّولي: كان المنصور أعلم النّاس بالحديث والأنساب، مشهورا بطلبه.
قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١): حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، حدّثنا أبو محمد الجوهريّ، حدّثنا أبو بكر محمد بن عبيد اللّه بن الشّخّير، حدّثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي، حدّثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوسي، حدّثني محمد بن إبراهيم السّلمي، عن المأمون، عن الرّشيد، عن المهديّ، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ ﷺ «كان يتختّم في يمينه».
وقال الصّولي: حدّثنا محمد بن زكريّا اللّؤلؤي، حدّثنا جهم بن السّبّاق الرّياحي، حدّثني بشر بن المفضّل، سمعت الرّشيد يقول: سمعت المهديّ يقول:
سمعت المنصور يقول: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه ﷺ (٢): «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تأخّر عنها هلك».
وقال الصّولي: حدّثنا محمد بن موسى، حدّثنا سليمان بن أبي شيخ، حدّثنا أبو سفيان الحميري، سمعت المهديّ يقول: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ بن عبد اللّه ابن عبّاس، عن أبيه قال: قال رسول اللّه ﷺ : «إذا أمّرنا أميرا وفرضنا له فرضا، فما أصاب من شيء فهو غلول».
وقال الصّولي: حدّثنا جبلة بن محمد، حدّثنا أبي، عن يحيى بن حمزة الحضرمي، عن أبيه، قال: ولاّني المهديّ القضاء، فقال: اصلب في الحكم؛ فإنّ أبي حدّثني عن أبيه، عن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، عن أبيه قال: قال رسول اللّه ﷺ : «يقول اللّه: وعزّتي وجلالي لأنتقمنّ من الظّالم في عاجله وآجله،
стр. 313
ولأنتقمنّ ممّن رأى مظلوما يقدر أن ينصره فلم يفعل».
وقال الصّولي: حدّثنا محمد بن العبّاس بن الفرج، حدّثني أبي، عن الأصمعيّ، حدّثني جعفر بن سليمان، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلاّ سببي ونسبي».
وقال الصّولي: حدّثنا أبو إسحاق محمد بن هارون بن عيسى، حدّثنا الحسن بن عبيد اللّه الحصيبي، حدّثنا إبراهيم بن سعيد، حدّثني المأمون، عن الرّشيد، عن المهديّ، عن المنصور، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاس قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: لا تسافروا في محاق الشّهر، ولا إذا كان القمر في العقرب.
* * * مات في أيّام المنصور من الأعلام: ابن المقفّع، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرّحمن، وخالد بن يزيد المصري الفقيه. وداود بن أبي هند، وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، ويونس بن عبيد، وسليمان الأحول، وموسى بن عقبة صاحب «المغازي»، وعمرو بن عبيد المعتزلي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والكلبي، وأبو إسحاق (١)، وجعفر بن محمد الصّادق، والأعمش، وشبل بن عبّاد مقرئ مكة، ومحمد بن عجلان المدني الفقيه، ومحمد بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وابن جريج، وأبو حنيفة، وحجّاج بن أرطاة، وحمّاد الرّاوية، ورؤبة الشّاعر، والجريري، وسليمان التّيمي، وعاصم الأحول، وابن شبرمة الضّبّيّ، ومقاتل بن حيّان، ومقاتل بن سليمان، وهاشم بن عروة، وأبو عمرو بن العلاء، وأشعب الطّمّاع، وحمزة بن حبيب الزّيّات، والأوزاعي؛ وخلائق آخرون.
* * *
стр. 314
المهديّ: أبو عبد اللّه، محمد بن المنصور (٢)
المهديّ: أبو عبد اللّه محمد بن المنصور، ولد بإيذج سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة ستّ وعشرين.
وأمّه أمّ موسى بنت منصور الحميريّة.
وكان جوادا ممدّحا، مليح الشّكل، محبّبا إلى الرّعيّة، حسن الاعتقاد، تتبّع الزّنادقة، وأفنى منهم خلقا كثيرا، وهو أوّل من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرّدّ على الزّنادقة والملحدين.
روى الحديث عن أبيه، وعن مبارك بن فضالة.
حدّث عنه يحيى بن حمزة، وجعفر بن سليمان الضّبعيّ، ومحمد بن عبد اللّه الرّقاشي، وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري.
قال الذّهبي: وما علمت قيل فيه جرحا ولا تعديلا.
وأخرج ابن عديّ من حديث عثمان مرفوعا «المهديّ من ولد العبّاس عمّي» تفرّد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم، وكان يضع الحديث.
وأورد الذّهبيّ هنا حديث ابن مسعود مرفوعا «المهديّ يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي» أخرجه أبو داود، والتّرمذيّ وصحّحه (١).
ولمّا شبّ المهدي أمّره أبوه على طبرستان وما والاها، وتأدّب، وجالس العلماء،
стр. 315
وتميّز؛ ثم إنّ أباه عهد إليه؛ فلمّا مات بويع بالخلافة، ووصل الخبر إليه ببغداد، فخطب النّاس فقال: إنّ أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب، وأمر فأطاع؛ واغر ورقت عيناه، فقال: قد بكى رسول اللّه ﷺ عند فراق الأحبّة، ولقد فارقت عظيما، وقلّدت جسيما فعند اللّه أحتسب أمير المؤمنين، وبه أستعين على خلافة المسلمين.
أيّها النّاس أسرّوا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطّاعة لمن نشر معدلته فيكم، وطوى الإصر عنكم، وأهال عليكم السّلامة من حيث رآه اللّه مقدّما ذلك، واللّه لأفنينّ عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم.
قال نفطويه: لمّا حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في ردّ المظالم، فأخرج أكثر الذّخائر ففرّقها، وبرّ أهله ومواليه.
وقال غيره: أوّل من هنّأ المهديّ بالخلافة وعزّاه بأبيه أبو دلامة فقال (١): [من الكامل]
عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلى وأخرى تذرف
تبكي، وتضحك تارة، ويسوؤها … ما أنكرت، ويسرّها ما تعرف
فيسوءها موت الخليفة محرما … ويسرّها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت، ولا أرى … شعرا أسرّحه وآخر ينتف
هلك الخليفة يا لدين محمّد … وأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا اللّه فضل خلافة … ولذاك جنّات النّعيم تزخرف
وفي سنة تسع وخمسين بايع المهديّ بولاية العهد لموسى الهادي، ثم من بعده لهارون الرّشيد ولديه.
وفي سنة ستّين فتحت باربد (٢) من الهند عنوة.
стр. 316
وفيها حجّ المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنّهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار، فأمر بها فجرّدت، واقتصر على كسوة المهديّ، وحمل إلى المهديّ الثّلج إلى مكّة.
قال الذّهبي: لم يتهيّأ ذلك لملك قطّ.
وفي سنة إحدى وستّين أمر المهدي بعمارة طريق مكّة، وبنى بها قصورا، وعمل البرك، وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رسول اللّه ﷺ .
وفي سنة ثلاث وستّين وما بعدها كثرت الفتوح بالرّوم.
وفي سنة ستّ وستّين تحوّل المهدي إلى قصر السّلام (١)، وأمر فأقيم له البريد من المدينة النّبويّة ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا.
قال الذّهبي: وهو أوّل من عمل البريد من الحجاز إلى العراق.
وفيها وفيما بعدها جدّ المهديّ في تتبّع الزّنادقة، وإبادتهم، والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التّهمة.
وفي سنة سبع وستّين أمر بالزّيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورا كثيرة.
وفي سنة تسع وستّين مات المهديّ: ساق خلف صيد، فاقتحم الصّيد خربة، وتبعه الفرس فدقّ ظهره في بابها، فمات لوقته، وذلك لثمان بقين من المحرّم، وقيل: إنّه مات مسموما؛ وقال سلم الخاسر يرثيه (٢): [من الوافر]
وباكية على المهديّ عبرى … كأنّ بها، وما جنّت، جنونا
وقد خمشت محاسنها وأبدت … غدائرها وأظهرت القرونا
لئن بلي الخليفة بعد عزّ … لقد أبقى مساعي ما بلينا
سلام اللّه عدّة كلّ يوم … على المهديّ حين ثوى رهينا
стр. 317
تركنا الدّين والدّنيا جميعا … بحيث ثوى أمير المؤمنينا
ومن أخبار المهديّ: قال الصّولي: لمّا عقد المهديّ العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة (١): [من الكامل]
عقدت لموسى بالرّصافة بيعة … شدّ الإله بها عرى الإسلام
موسى الذي عرفت قريش فضله … ولها فضيلتها على الأقوام
بمحمّد بعد النّبيّ محمّد … حيي الحلال ومات كلّ حرام
مهديّ أمّته الذي أمست به … للذّلّ آمنة وللإعدام
موسى ولي عهد الخلافة بعده … جفّت بذاك مواقع الأقلام
وقال آخر: [من الكامل]
يا بن الخليفة إنّ أمّة أحمد … تاقت إليك بطاعة أهواؤها
ولتملأنّ الأرض عدلا كالّذي … كانت تحدّث أمّة علماؤها
حتّى تمنّى لو ترى أمواتها … من عدل حكمك ما ترى أحياؤها
فعلى أبيك اليوم بهجة ملكها … وغدا عليك إزارها ورداؤها
وأسند الصّولي، أنّ امرأة اعترضت المهديّ، فقالت: يا عصبة رسول اللّه ﷺ انظر في حاجتي، فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قطّ، اقضوا حاجتها، وأعطوها عشرة آلاف درهم.
وقال قريش الختّلي: رفع صالح بن عبد القدّوس البصري إلى المهدي في الزّندقة، فأراد قتله، فقال: أتوب إلى اللّه؛ وأنشده لنفسه (٢): [من السريع]
ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسه
والشّيخ لا يترك أخلاقه … حتّى يوارى في ثرى رمسه
فصرفه، فلما قرب من الخروج ردّه، فقال: ألم تقل: والشّيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى، قال: فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتّى تموت، ثم أمر بقتله.
стр. 318
وقال زهير (١): قدم على المهديّ بعشرة محدّثين: منهم فرج بن فضالة، وغياث بن إبراهيم - وكان المهديّ يحبّ الحمام - فلمّا أدخل غياث قيل له: حدّث أمير المؤمنين، فحدّثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعا «لا سبق إلاّ في حافر أو نصل» وزاد فيه «أو جناح» فأمر له المهديّ بعشرة آلاف درهم، فلما قام قال: أشهد أن قفاك قفا كذّاب، وإنّما استجلبت ذلك، ثم أمر بالحمام فذبحت.
وروي أنّ شريكا دخل على المهدي، فقال له: لا بدّ من ثلاث: إمّا أن تلي القضاء، أو تؤدّب ولدي وتحدّثهم، أو تأكل عندي أكلة؟ ففكّر ساعة ثم قال: الأكلة أخفّ عليّ؛ فأمر المهديّ بعمل ألوان من المخّ المعقود بالسّكّر وغير ذلك، فأكل، فقال الطّبّاخ: لا يفلح بعدها؛ قال: فحدّثهم بعد ذلك، وعلّمهم العلم، وولي القضاء لهم.
وأخرج البغوي في «الجعديّات» عن حمدان الأصبهاني قال: كنت عند شريك، فأتاه ابن المهدي، فاستند وسأل عن حديث، فلم يلتفت شريك، ثم أعاد فعاد، فقال: كأنّك تستخفّ بأولاد الخلفاء؟ قال: لا، ولكنّ العلم أزين عند أهله من أن يضيّعوه؛ فجثا على ركبتيه ثم سأله؛ فقال شريك: هكذا يطلب العلم.
ومن شعر المهدي ما أنشده الصّولي: [من مجزوء الرمل]
ما يكفّ النّاس عنّا … ما يملّ النّاس منّا
إنّما همّهم أن … ينبشوا ما قد دفنّا
لو سكنّا بطن أرض … فلكانوا حيث كنّا
وهم إن كاشفونا … في الهوى يوما مجنّا
وأسند الصّولي عن محمد بن عمارة، قال: كان للمهديّ جارية شغف بها، وهي كذلك، إلاّ أنّها تتحاماه كثيرا، فدسّ إليها من عرف ما في نفسها، فقالت: أخاف أن يملّني ويدعني فأموت، فقال المهدي في ذلك: [من مجزوء الرمل]
ظفرت بالقلب منّي … غادة مثل الهلال
стр. 319
كلّما صحّ لها ودّ … ي جاءت باعتلال
لا لحبّ الهجر منّي … والتّنائي عن وصالي
بل لإبقاء على ح … بّي لها خوف الملال
وله في نديمه عمر بن بزيع: [من مجزوء الرمل]
ربّ تمّم لي نعيمي … بأبي حفص نديمي
إنّما لذّة عيشي … في غناء وكروم
وجوار عطرات … وسماع ونعيم
قلت: شعر المهدي أرقّ وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير.
وأسند الصّولي عن ابن أبي كريمة، قال (١): دخل المهديّ إلى حجرة جارية على غفلة، فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها، فلمّا رأته غطّت [فرجها] بيدها فقصرت كفّها عنه، فضحك وقال: [من مجزوء الرمل]
نظرت في القصر عيني … نظرة وافق حيني
ثم خرج فرأى بشّارا فأخبره وقال: أجز، فقال بشار:
سترته إذ رأتني … دونه بالرّاحتين
فبدا لي منه فضل … تحت طيّ العكنتين
وأسند عن إسحاق الموصلي، قال: كان المهديّ في أوّل أمره يحتجب عن النّدماء تشبيها بالمنصور نحوا من سنة، ثم ظهر لهم، فأشير عليه أن يحتجب، فقال: إنّما اللّذّة مع مشاهدتهم.
وأسند عن مهدي بن سابق قال: صاح رجل بالمهديّ وهو في موكبه: [من الكامل]
قل للخليفة: حاتم لك خائن … فخف الإله وأعفنا من حاتم
إنّ العفيف إذا استعان بخائن … كان العفيف شريكه في المأثم
فقال المهديّ: يعزل كلّ عامل لنا يدعى حاتما.
стр. 320
وأسند عن أبي عبيدة قال (١): كان المهدي يصلّي بنا الصّلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لمّا قدمها، فأقيمت الصّلاة يوما، فقال أعرابيّ: لست على طهر، وقد رغبت في الصّلاة خلفك، فأمر هؤلاء بانتظاري؛ فقال: انتظروه؛ ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرّجل، فكبّر، فعجب النّاس من سماحة أخلاقه.
وأسند عن إبراهيم بن نافع، أنّ قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة، فقال: إنّ الأرض للّه في أيدينا للمسلمين، فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافّتهم وفي مصلحتهم، فلا سبيل لأحد عليه؛ فقال القوم: هذا النّهر لنا بحكم رسول اللّه ﷺ ؛ لأنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» وهذه موات؛ فوثب المهديّ عند ذكر النّبيّ ﷺ حتّى ألصق خدّه بالتّراب وقال: سمعت لما قال وأطعت، ثم عاد، وقال: بقي أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها، وكيف تكون مواتا والماء محيط بها من جوانبها؟ فإن أقاموا البيّنة على هذا سلّمت.
وأسند عن الأصمعيّ قال (٢): سمعت المهديّ على منبر البصرة يقول: إنّ اللّه أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنّى بملائكته فقال ﴿إِنَّ اَللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ﴾ (٣) الآية، آثره بها من بين الرّسل إذ خصّكم بها من بين الأمم.
قلت: وهو أوّل من قال ذلك في الخطبة، وقد استسنّها الخطباء إلى اليوم.
ولمّا مات قال أبو العتاهية وقد علّقت المسوح على قباب حرمه (٤): [من مجزو الرمل]
رحن في الوشي وأصبح … ن عليهنّ المسوح
كلّ نطّاح من الدّه … ر له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عم … مرت ما عمّر نوح
نح على نفسك يا مس … كين إن كنت تنوح