← История

История · id 11997

تاريخ الخلفاء - ت إبراهيم صالح

الجلال السيوطي

Полный текст (618 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المقتدي بأمر اللّه، أبو القاسم (٢) المقتدي بأمر اللّه: أبو القاسم، عبد اللّه بن محمد بن القائم بأمر اللّه. مات أبوه في حياة القائم - وهو حمل - فولد بعد وفاة أبيه بستّة أشهر. وأمّه أمّ ولد، اسمها أرجوان (١). وبويع له بالخلافة عند موت جدّه، وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر؛ وكانت البيعة بحضرة الشّيخ أبي إسحاق الشّيرازي، وابن الصّبّاغ، والدّامغاني. وظهر في أيّامه خيرات كثيرة، وآثار حسنة في البلدان؛ وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة، بخلاف من تقدّمه. ومن محاسنه أنّه نفى المغنّيات والخواطئ ببغداد، وأمر أن لا يدخل أحد الحمّام إلاّ بمئزر، وخرّب أبراج الحمام صيانة لحرم النّاس. وكان ديّنا، خيّرا، قويّ النّفس، عالي الهمّة، من نجباء بني العبّاس. وفي هذه السّنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكّة، وفيها جمع نظام الملك المنجّمين، وجعلوا النّيروز أوّل نقطة من الحمل، وكان قبل ذلك عند حلول الشّمس نصف الحوت، وصار ما فعله النّظام مبدأ التّقاويم. وفي سنة ثمان وستّين خطب للمقتدي بدمشق، وأبطل الأذان بحيّ على خير العمل، وفرح النّاس بذلك. وفي سنة تسع وستّين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري [حاجّا]

стр. 492

فوعظ بالنّظاميّة، وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة؛ لأنّه تكلّم على مذهب الأشعري، وحطّ عليهم، وكثر أتباعه والمتعصّبون له، فهاجت فتن وقتلت جماعة. وعزل فخر الدّولة ابن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذّ عن الحنابلة. وفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشّيخ أبا إسحاق الشّيرازي رسولا إلى السّلطان يتضمّن الشّكوى من العميد أبي الفتح [بن أبي اللّيث عميد العراق] (١). وفي سنة ستّ وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد، وارتفع الغلاء. وفيها ولّى الخليفة أبا شجاع محمد بن الحسين الوزارة، ولقّبه «ظهير الدّين»، وأظنّ ذلك أوّل حدوث التّلقيب بالإضافة إلى الدّين. وفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السّلجوقي صاحب قونية وأقصرا، بجيوشه إلى الشّام، فأخذ أنطاكية - وكانت بيد الرّوم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة - وأرسل إلى السّلطان ملكشاه يبشّره. قال الذّهبي: وآل سلجوق هم ملوك بلاد الرّوم، وقد امتدّت أيّامهم، وبقي منهم بقيّة إلى زمن الملك الظّاهر بيبرس. وفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد، واشتدّ الرّعد والبرق، وسقط رمل وتراب كالمطر، ووقعت عدّة صواعق فظنّ النّاس أنّها القيامة، وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر؛ وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطّرطوشي وأوردها في «أماليه». وفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومرّاكش، إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه، وأن يقلّده ما بيده من البلاد، فبعت إليه الخلع والأعلام والتّقليد، ولقّبه بأمير المسلمين؛ ففرح بذلك، وسرّ به فقهاء المغرب، وهو الذي أنشأ مدينة مرّاكش. وفيها دخل السّلطان ملكشاه بغداد وهو أوّل دخوله إليها؛ فنزل بدار المملكة،

стр. 493

ولعب بالكرة، وقدّم تقادم (١) للخليفة ثم رجع إلى أصبهان. وفيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين، وخطب للمقتدي. وفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيّد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين، وقام مقامه ابنه جلال الدّين مسعود. وفي سنة ثلاث وثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدّولة بباب أبرز ودرّس بها أبو بكر الشّاشي. وفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلّية؛ وهي أوّل ما فتحها المسلمون بعد المائتين، وحكم عليها آل الأغلب دهرا إلى أن استولى العبيديّ المهدي على المغرب. وفيها قدم السّلطان ملكشاه بغداد، وأمر بعمل جامع كبير بها، وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها، ثم رجع إلى أصبهان، وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشّرّ، وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بدّ أن تترك لي بغداد، وتذهب إلى أيّ بلد شئت؛ فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهرا؛ قال: ولا ساعة واحدة، فأرسل الخليفة إلى وزير السّلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيّام، فاتّفق مرض السّلطان وموته، وعدّ ذلك كرامة للخليفة. وقيل: إنّ الخليفة جعل يصوم؛ فإذا أفطر جلس على الرّماد ودعا على ملكشاه، فاستجاب اللّه دعاءه، وذهب إلى حيث ألقت (٢). ولمّا مات كتمت زوجته تركان [خاتون] موته، وأرسلت إلى الأمراء سرّا، فاستحلفتهم لولده محمود - وهو ابن خمس سنين - فحلفوا له، وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه، فأجاب، ولقّبه «ناصر الدّنيا والدّين»، ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه، فقلّده الخليفة ولقّبه «ركن الدّين»، وذلك في المحرّم سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وعلّم الخليفة على تقليده، ثم مات الخليفة من الغد فجأة؛

стр. 494

فقيل: إنّ جاريته شمس النّهار سمّته، وبويع لولده المستظهر. * * * وممّن مات في أيّام المقتدي من الأعلام: عبد القاهر الجرجاني، وأبو الوليد الباجي والشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي، والأعلم النّحوي، وابن الصّبّاغ صاحب «الشّامل»، والمتولّي، وإمام الحرمين، والدّامغاني الحنفي، وابن فضالة المجاشعي، والبزدوي شيخ الحنفيّة. * * *

стр. 495

المستظهر باللّه، أبو العبّاس (٣) المستظهر باللّه: أبو العبّاس، أحمد بن المقتدي باللّه. ولد في شوّال، سنة سبعين وأربعمائة، وبويع له عند موت أبيه، وله ستّ عشرة سنة. قال ابن الأثير (١): كان ليّن الجانب، كريم الأخلاق [يحب اصطناع النّاس، ويفعل الخير] ويسارع في أعمال البرّ، حسن الخطّ، جيّد التّوقيعات، لا يقاربه فيها أحد، يدل على فضل غزير، وعلم واسع؛ سمحا، جوادا، محبّا للعلماء والصّلحاء؛ ولم تصف له الخلافة، بل كانت أيّامه مضطربة كثيرة الحروب. وفي هذه السنة من أيّامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر، وقام بعده ابنه المستعلي أحمد. وفيها أخذت الروم بلنسية. وفي سنة ثمان وثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند؛ لأنّه ظهر منه الزّندقة، فقبض عليه الأمراء وأحضروا الفقهاء؛ فأفتوا بقتله فقتل - لا ﵀ وملّكوا ابن عمه. وفي سنة تسع وثمانين اجتمعت الكواكب السّبعة - سوى زحل - في برج الحوت؛ فحكم المنجّمون بطوفان يقارب طوفان نوح؛ فاتّفق أنّ الحجّاج نزلوا في دار المناقب (٢) فأتاهم سيل غرّق أكثرهم.

стр. 496

وفي سنة تسعين قتل السّلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان؛ فتملّكها السّلطان بركياروق، ودانت له البلاد والعباد. وفيها خطب للعبيدي بحلب وأنطاكية والمعرّة وشيزر شهرا، ثم أعيدت الخطبة العبّاسيّة. وفيها جاءت الفرنج فأخذوا نيقية، وهو أوّل بلد أخذوه ووصلوا إلى كفر طاب واستباحوا تلك النّواحي، فكان هذا أوّل مظهر الفرنج بالشّام، قدموا في بحر القسطنطينيّة في جمع عظيم، وانزعجت الملوك والرّعيّة، وعظم الخطب، فقيل: إنّ صاحب مصر لمّا رأى قوة السّلجوقيّة واستيلاءهم على الشّام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشّام ليملكوها، وكثر النّفير على الفرنج من كلّ جهة. وفي سنة اثنتين وتسعين انتشرت دعوة الباطنيّة بأصبهان. وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف، وقتلوا به أكثر من سبعين ألفا، منهم جماعة من العلماء، والعبّاد، والزّهاد، وهدموا المشاهد، وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم. وورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاما أبكى العيون؛ واختلفت السّلاطين؛ فتمكّنت الفرنج من الشّام. وللأبيوردي في ذلك (١): [من الطويل] مزجنا دماء بالدّموع السّواجم … فلم يبق منّا عرصة للمراحم وشرّ سلاح المرء دمع يفيضه … إذا الحرب شبّت نارها بالصّوارم فإيها بني الإسلام إنّ وراءكم … وقائع يلحقن الذّرى بالمناسم أنائمة في ظلّ أمن وغبطة … وعيش كنوّار الخميلة ناعم وكيف تنام العين ملء جفونها … على هبوات أيقظت كلّ نائم وإخوانكم بالشّام يضحي مقيلهم … ظهور المذاكي أو بطون القشاعم تسومهم الرّوم الهوان وأنتم … تجرّون ذيل الخفض فعل المسالم

стр. 497

فكم من دماء قد أبيحت؟ ومن دمى … تواري حياء حسنها بالمعاصم بحيث السّيوف البيض محمرّة الظّبا … وسمر العوالي داميات اللّهازم يكاد لهنّ المستجنّ بطيبة … ينادي بأعلى الصّوت: يا آل هاشم أرى أمّتي لا يشرعون إلى العدى … رماحهم والدّين واهي الدّعائم ويجتنبون النّار خوفا من الرّدى … ولا يحسبون العار ضربة لازم أترضى صناديد الأعارب بالأذى … وتغضي على ذل كماة الأعاجم فليتهم إذ لم يذودوا حميّة … عن الدّين ضنّوا غيرة بالمحارم وفيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السّلطان بركياروق، فانتصر عليه، فقلّده الخليفة، ولقّبه «غياث الدّنيا والدّين»، وخطب له ببغداد، ثم جرت بينهما عدّة وقعات. وفيها نقل المصحف العثمانيّ من طبريّة إلى دمشق، خوفا عليه، وخرج النّاس لتلقّيه، فأووه في خزانة بمقصورة الجامع. وفي سنة أربع وتسعين كثر أمر الباطنيّة بالعراق، وقتلهم النّاس، واشتدّ الخطب بهم، حتّى كانت الأمراء يلبسون الدّروع تحت ثيابهم، وقتلوا الخلائق، منهم الرّوياني صاحب «البحر». وفيها أخذ الفرنج بلد سروج، وحيفا، وأرسوف، وقيساريّة. وفي سنة خمس وتسعين مات المستعلي صاحب مصر، وأقيم بعده الآمر بأحكام اللّه منصور، وهو طفل له خمس سنين. وفي سنة ستّ وتسعين جرت فتن للسّلطان، فترك الخطباء الدّعوة للسلطان واقتصروا على الدّعوة للخليفة لا غير. وفي سنة سبع وتسعين وقع الصّلح بين السّلطانين: محمد، وبركياروق؛ وسببه أنّ الحروب لمّا تطاولت بينهما، وعمّ الفساد، وصارت الأموال منهوبة، والدّماء مسفوكة، والبلاد مخرّبة، والسّلطنة مطموعا فيها، وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين، دخل العقلاء بينهما في الصّلح وكتبت العهود والأيمان والمواثيق، وأرسل الخليفة خلع السّلطنة إلى بركياروق، وأقيمت له الخطبة ببغداد.

стр. 498

وفي سنة ثمان وتسعين مات السّلطان بركياروق، فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدّولة ملكشاه، وقلّده الخليفة، وخطب له ببغداد وله دون خمس سنين، فخرج عليه عمّه محمد، واجتمعت الكلمة عليه، فقلّده الخليفة، وعاد إلى أصبهان سلطانا متمكّنا مهيبا كثير الجيوش. وفيها كان ببغداد جدريّ مفرط، مات فيه خلق من الصّبيان لا يحصون، وتبعه وباء عظيم. وفي سنة تسع وتسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادّعى النّبوّة، وتبعه خلق، فأخذ وقتل. وفي سنة خمسمائة، أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنيّة وهدّمت وقتلوا، وسلخ كبيرهم، وحشي جلده تبنا؛ فعل ذلك السّلطان محمد بعد حصار شديد؛ فللّه الحمد. وفي سنة إحدى وخمسمائة، رفع السّلطان الضرائب والمكوس ببغداد، وكثر الدّعاء له، وزاد في العدل وحسن السّيرة. وفي سنة اثنتين عادت الباطنيّة فدخلوا شيزر على حين غفلة من أهلها، فملكوها وملكوا القلعة، وأغلقوا الأبواب، وكان صاحبها خرج يتنزّه، فعاد وأبادهم في الحال، وقتل فيها شيخ الشّافعيّة [عبد الواحد] الرّوياني صاحب «البحر»، قتله الباطنيّة في بغداد، كما تقدم. وفي سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين. وفي سنة أربع عظم بلاء المسلمين بالفرنج، وتيقّنوا استيلاءهم على أكثر الشّام، وطلب المسلمون الهدنة، فامتنعت الفرنج، وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا؛ لعنهم اللّه. وفيها هبّت بمصر ريح سوداء مظلمة، أخذت بالأنفاس حتّى لا يبصر الرّجل يده، ونزل على النّاس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم تجلّى قليلا وعاد إلى الصّفرة، وكان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب.

стр. 499

وفيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس، نصر فيها المسلمون، وقتلوا، وأسروا، وغنموا ما لا يعبّر عنه، وبادت شجعان الفرنج. وفي سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس، فوقع بينهم معركة هائلة، ثم رجع مودود إلى دمشق، فصلّى الجمعة يوما في الجامع، وإذا بباطنيّ وثب عليه فجرحه، فمات من يومه، فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه: «وإنّ أمّة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على اللّه أن يبيدها». وفي سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم، غرّق سنجار وسورها، وهلك خلق كثير، حتّى إنّ السّيل أخذ باب المدينة فذهب به عدّة فراسخ، واختفى تحت التّراب الذي جرّه السّيل، وظهر بعد سنين؛ وسلم طفل في سرير له حمله السّيل فتعلق السّرير بزيتونة، وعاش وكبر. وفيها مات السّلطان محمد، وأقيم بعده ابنه محمود وله أربع عشرة سنة. وفي سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر باللّه، في يوم الأربعاء، الثّالث والعشرين من ربيع الأوّل، فكانت مدّته خمسا وعشرين سنة، وغسّله ابن عقيل شيخ الحنابلة، وصلّى عليه ابنه المسترشد، وماتت بعده بقليل جدّته أرجوان والدة المقتدي. قال الذهبي (١): ولا يعرف خليفة عاشت جدّته بعده إلاّ هذا، رأت ابنها خليفة، ثم ابن ابنها، ثم ابن ابن ابنها. ومن شعر المستظهر (٢): [من البسيط] أذاب حرّ الهوى في القلب ما جمدا … لمّا مددت إلى رسم الوداع يدا وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد … أرى طرائق في مهوى الهوى قددا إن كنت أنقض عهد الحبّ يا سكني … من بعد هذا فلا عاينتكم أبدا

стр. 500

وللصّارم [مرجّى] البطائحيّ مادحا (١): [من الكامل] أصبحت بالمستظر بن المقتدي … باللّه ابن القائم ابن القادر مستعصما أرجو نوال أكفّه … وبأن يكون على العشيرة ناصري فيقرّ مع كبري قراري عنده … ويفوز من مدحي بشعر سائر فوقّع المستظهر بجائزتين: يخيّر بين الصّلة والانحدار، والمقام والإدرار. وقال السّلفي: قال لي أبو الخطّاب بن الجرّاح: صلّيت بالمستظهر في رمضان، فقرأت: ﴿إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ (٢) رواية رويناها عن الكسائي؛ فلمّا سلّمت قال: هذه قراءة حسنة، فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب. * * * مات في أيّامه من الأعلام: أبو المظفّر السّمعاني، ونصر المقدسي، وأبو الفرج [الأسفراييني]، وشيذلة، والرّوياني، والخطيب التبريزي، وإلكيا الهرّاسي، والغزالي، والشّاشي الذي صنّف له كتاب «الحلية» وسمّاه «المستظهري»، والأبيوردي اللّغوي. * * *

стр. 501

المسترشد باللّه، أبو منصور (٣) المسترشد باللّه: أبو منصور، الفضل بن المستظهر باللّه. ولد في ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وأربعمائة. [وأمه أم ولد]. وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وكان ذا همّة عالية، وشهامة زائدة، وإقدام ورأي، وهيبة شديدة، ضبط أمور الخلافة، ورتّبها أحسن ترتيب، وأحيا رسم الخلافة ونشر عظامها، وشيّد أركان الشّريعة وطرّز أكمامها، وباشر الحروب بنفسه، وخرج عدّة نوب إلى الحلّة والموصل وطريق خراسان، إلى أن خرج النّوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان، وأخذ أسيرا إلى أذربيجان. وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان، وعبد الوهّاب بن هبة اللّه السّيبي (١). وروى عنه محمد بن عمر بن مكّي الأهوازي، ووزيره عليّ بن طراد، وإسماعيل ابن طاهر الموصلي. ذكر ذلك ابن السّمعاني. وذكره ابن الصّلاح في «طبقات الشّافعيّة» (٢) وناهيك بذلك، فقال: هو الذي صنّف له أبو بكر الشّاشي كتابه «العمدة» في الفقه، وبلقبه اشتهر الكتاب؛ فإنّه كان حينئذ يلقّب «عمدة الدّنيا والدّين».

стр. 502

وذكره ابن السّبكي في «طبقات الشّافعية» وقال (١): كان في أوّل أمره تنسّك، ولبس الصّوف، وانفرد في بيت للعبادة. وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ستّ وثمانين وأربعمائة، وخطب له أبوه بولاية العهد، ونقش اسمه على السّكّة، في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين، وكان مليح الخطّ، ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله، يستدرك على كتّابه ويصلح أغاليط في كتبهم. وأمّا شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشّمس، ولم تزل أيّامه مكدّرة بكثرة التّشويش والمخالفين، وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق، وانكسر وأخذ ورزق الشّهادة. وقال الذّهبي (٢): مات السّلطان محمود بن محمد ملكشاه سنة خمس وعشرين، فأقيم ابنه داود مكانه، فحرج عليه عمّه مسعود بن محمد، فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما، ولكلّ مملكة، وخطب لمسعود بالسّلطنة ببغداد ومن بعده لداود وخلع عليهما، ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود، فخرج لقتاله، فالتقى الجمعان، وغدر بالخليفة أكثر عسكره، فظفر به مسعود، وأسر الخليفة وخواصّه، فحبسهم بقلعة بقرب همذان، فبلغ أهل بغداد ذلك، فحثّوا في الأسواق التّراب على رءوسهم، وبكوا وضجّوا، وخرج النّساء حاسرات يندبن الخليفة، ومنعوا الصّلوات والخطبة. قال ابن الجوزي (٣): وزلزلزت بغداد مرارا كثيرة، ودامت كلّ يوم خمس مرّات أو ستّا، والنّاس يستغيثون، فأرسل السّلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدّنيا والدّين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين، ويقبّل الأرض بين يديه، ويسأله العفو والصّفح، ويتنصّل غاية التّنصّل؛ فقد ظهر عندنا من الآيات السّماوية والأرضيّة ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فضلا عن المشاهدة؛ من

стр. 503

العواصف، والبروق، والزّلازل؛ ودام ذلك عشرين يوما، وتشويش العساكر، وانقلاب البلدان؛ ولقد خفت على نفسي من جانب اللّه، وظهور آياته، وامتناع النّاس من الصّلاة في الجوامع، ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله، فاللّه اللّه، تتلافى أمرك، وتعيد أمير المؤمنين إلى مقرّ عزّه، وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا؛ ففعل مسعود جميع ما أمره به، وقبّل الأرض بين يدي الخليفة، ووقف يسأل العفو. ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحثّ مسعودا على إعادة الخليفة إلى مقرّ عزّه، فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنيّة، فذكر أنّ مسعودا ما علم بهم، وقيل: بل علم بهم، وقيل: بل هو الذي دسّهم؛ فهجموا على الخليفة في خيمته، ففتكوا به، وقتلوا معه جماعة من اصحابه، فما شعر بهم العسكر إلاّ وقد فرغوا من شغلهم؛ فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة اللّه. وجلس السّلطان للعزاء، وأظهر المساءة بذلك، ووقع النّحيب والبكاء، وجاء الخبر إلى بغداد، فاشتدّ ذلك على النّاس، وخرجوا حفاة مخرّقين الثّياب، والنساء ناشرات الشّعور يلطمن ويقلن المراثي؛ لأن المسترشد كان محبّبا فيهم ببرّه، ولما فيه من الشّجاعة والعدل والرّفق بهم. وكان قتل المسترشد ﵀ بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين. ومن شعره (١): [من الطويل] أنا الأشقر المدعوّ بي في الملاحم … ومن يملك الدّنيا بغير مزاحم ستبلغ أرض الرّوم خيلي، وتنتضى … بأقصى بلاد الصّين بيض صوارمي ومن شعره لمّا أسر (١) [من الطويل] ولا عجبا للأسد إن ظفرت بها … كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشيّ سقت حمزة الرّدى … وموت عليّ من حسام ابن ملجم

стр. 504

وله لمّا كسر وأشير عليه بالهزيمة، فلم يفعل وثبت حتّى أسر (١): [من مجزوء الكامل] قالوا: تقيم وقد أحا … ط بك العدوّ ولا تفرّ فأجبتهم: المرء ما … لم يتّعظ بالوعظ غرّ لا نلت خيرا ما حيي … ت ولا عداني الدّهر شرّ إن كنت أعلم أنّ غي … ر اللّه ينفع أو يضرّ قال الذّهبي (٢): وقد خطب بالنّاس يوم عيد أضحى، فقال: اللّه أكبر ما سبّحت الأنواء، وأشرق الضيّاء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السّماء، اللّه أكبر ما همى سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسرّ قادما إياب - وذكر خطبة بليغة - ثم جلس، ثم قام فخطب، وقال: اللّهمّ أصلحني في ذرّيتي، وأعنّي على ما ولّيتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفّقني وانصرني؛ فلمّا أنهاها وتهيّأ للنّزول بدره أبو المظفّر الهاشميّ، فأنشده: [من الطويل] عليك سلام اللّه يا خير من علا … على منبر قد حفّ أعلامه النّصر وأفضل من أمّ الأنام وعمّهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جدّه من أجله نزل القطر (٣) لقد شنّفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصّخر ملأت بها كلّ القلوب مهابة … فقد رجفت من خوف تخويفها مصر وزدت بها عدنان مجدا مؤثّلا … فأضحى بها بين الأنام لك الفخر وسدت بني العبّاس حتّى لقد غدا … يباهي بك السّجّاد والعالم البحر فلّله عصر أنت فيه إمامنا … وللّه دين أنت فيه لنا الصّدر بقيت على الأيّام والملك كلّما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر وأصبحت بالعيد السّعيد مهنّأ … تشرّفنا فيه صلاتك والنّحر

стр. 505

وقال وزيره جلال الدّين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه (١): [من الطويل] وجدت الورى كالماء طعما ورقّة … وأنّ أمير المؤمنين زلاله وصوّرت معنى العقل شخصا مصوّرا … وأنّ أمير المؤمنين مثاله ولولا مكان الدّين والشّرع والتّقى … لقلت من الإعظام: ﷻ وفي سنة أربع وعشرين من أيّامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع ودورا كثيرة. وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام اللّه منصور عن غير عقب، وقام بعده ابن عمّه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر. وفيها ظهر ببغداد عقارب طيّارة لها شوكتان، وخاف النّاس منها، وقد قتلت جماعة أطفال. * * * وممّن مات في أيّام المسترشد من الأعلام: شمس الأئمّة أبو الفضل إمام الحنفيّة، وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، وقاضي القضاة أبو الحسن الدّامغاني، وابن بليمة المقرئ، والطّغرائي صاحب «لامية العجم»، وأبو علي الصّدفي الحافظ، وأبو نصر القشيري، وابن القطّاع اللّغوي، ومحيي السّنّة البغوي، وابن الفحّام المقرئ، والحريري صاحب «المقامات»، والميداني صاحب «الأمثال»، وأبو الوليد بن رشد المالكي، والإمام أبو بكر الطّرطوشي، وأبو الحجّاج السّرقسطيّ، وابن السّيد البطليوسي، وأبو علي الفارقي من الشّافعيّة، وابن الطّراوة النّحوى، وابن الباذش، وظافر الحدّاد الشّاعر، وعبد الغفّار الفارسي؛ وخلائق آخرون. * * *

стр. 506

الرّاشد باللّه، أبو جعفر (١) الرّاشد باللّه: أبو جعفر، منصور بن المسترشد. ولد في سنة اثنتين وخمسمائة. وأمّه أمّ ولد. ويقال: إنّه ولد مسدودا، فأحضروا الأطبّاء، فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب، ففعل به ذلك، فنفع. وخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة، وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه، في ذي القعدة سنة تسع وعشرين. وكان فصيحا، أديبا، شاعرا، شجاعا، سمحا، جوادا، حسن السّيرة، يؤثر العدل، ويكره الشّرّ. ولمّا عاد السّلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل، فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء، وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الرّاشد، من الظّلم وأخذ الأموال وسفك الدّماء وشرب الخمر؛ واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك: هل تصحّ إمامته؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيرا منه؟ فأفتوا بجواز خلعه؛ وحكم بخلعه ابن الكرخي قاضي البلد، وبايعوا عمّه محمد بن المستظهر، ولقّب المقتفي لأمر اللّه، وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين. وبلغ الرّاشد الخلع، فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان؛ وكان معه جماعة فقسّطوا على مراغة مالا وعانوا هناك، ومضوا إلى همذان، وأفسدوا بها، وقتلوا

стр. 507

جماعة، وصلبوا آخرين، وحلقوا لحى جماعة من العلماء، ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها، ونهبوا القرى. ومرض الرّاشد بظاهر أصبهان مرضا شديدا؛ فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فرّاشين معه، فقتلوه بالسّكاكين، ثم قتلوا كلّهم (١)؛ وذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين، وجاء الخبر إلى بغداد، فقعدوا للعزاء يوما واحدا. قال العماد الكاتب (٢): كان للرّاشد الحسن اليوسفيّ، والكرم الحاتميّ. قال ابن الجوزي (٣): وقد ذكر الصّولي أنّ النّاس يقولون: إنّ كلّ سادس يقوم للنّاس يخلع؛ فتأمّلت هذا فرايته عجبا. قلت: وقد سقت بقيّة كلامه في الخطبة. ولم تؤخذ البردة والقضيب من الرّاشد حتّى قتل، فأحضروا بعد قتله إلى المقتفي. * * *

стр. 508

المقتفي لأمر اللّه، أبو عبد اللّه (٢) المقتفي لأمر اللّه: أبو عبد اللّه، محمد بن المستظهر باللّه. ولد في الثّاني والعشرين من ربيع الأوّل، سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وأمّه حبشيّة. وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه، وعمره أربعون سنة. وسبب تلقيبه بالمقتفي أنّه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستّة أيّام رسول اللّه ﷺ وهو يقول له: «سيصل هذا الأمر إليك، فاقتف بي (١)». فلقّب «المقتفي لأمر اللّه». وبعث السّلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهّد بغداد، فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دوابّ، وأثاث، وذهب، وستور، وسرادق، ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس، وثمانية أبغال برسم الماء؛ فيقال: إنّهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل، ولا آلة سفر. ثم في سنة إحدى وثلاثين أخذ السّلطان مسعود جميع تعلّق الخليفة، ولم يترك له إلاّ العقار الخاصّ، وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار. فقال المقتفي: ما رأينا أعجب من أمرك! أنت تعلم أنّ المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى، وأنّ الرّاشد ولي ففعل ما فعل، ورحل وأخذ ما تبقّى، ولم يبق إلاّ الأثاث، فأخذته كلّه، وتصرّفت في دار الضّرب، وأخذت التّركات والجوالي، فمن أيّ وجه نقيم لك هذا المال؟ وما بقي إلاّ أن نخرج من الدّار، ونسلّمها، فإنّي عاهدت اللّه أن لا آخذ

стр. 509

من المسلمين حبّة ظلما؛ فتّرك السّلطان الأخذ من الخليفة، وعاد إلى جباية الأملاك من النّاس، وصادر التّجّار، فلقي النّاس من ذلك شدّة، ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة ومعاملاته والتّركات إليه. وفي هذه السّنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير، فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدّة، فلمّا أمسوا رقبوا الهلال، فما رأوه أيضا، وكانت السّماء جليّة صاحية، ومثل هذا لم يسمع بمثله في التّواريخ. وفي سنة ثلاث وثلاثين كان بجنزة (١) زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق ثم خسف بجنزة (٢)، وصار مكان البلد ماء أسود. وفيها استولى الأمراء على مغلاّت البلاد، وعجز السّلطان مسعود، ولم يبق له إلاّ الاسم، وتضعضع أيضا أمر السّلطان سنجر؛ فسبحان مذلّ الجبابرة!. وتمكّن الخليفة المقتفي، وزادت حرمته، وعلت كلمته، وكان ذلك مبدأ صلاح الدّولة العباسيّة؛ فلّله الحمد. وفي سنة إحدى وأربعين قدم السّلطان مسعود بغداد، وعمل دار ضرب، فقبض الخليفة على الضّرّاب الذي تسبّب في إقامة دار الضّرب، فقبض مسعود على حاجب الخليفة، فغضب الخليفة، وغلّق الجامع والمساجد ثلاثة أيّام، ثم أطلق الحاجب، فأطلق الضّرّاب، وسكن الأمر. وفيها جلس ابن العبّادي الواعظ؛ فحضر السّلطان مسعود، وعرّض بذكر مكس البيع وما جرى على النّاس؛ ثم قال: يا سلطان العالم، أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين، فاحسبني ذلك المطرب، وهبه لي، واجعله شكرا للّه بما أنعم عليك؛ فأجاب، ونودي في البلد بإسقاطه، وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس، وبين يديه الدّبادب، والبوقات، وسمّرت، ولم تزل إلى

стр. 510

أن أمر النّاصر لدين اللّه بقلع الألواح، وقال: ما لنا حاجة بآثار الأعاجم. وفي سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق، فوصل إليها نور الدّين محمود بن زنكي وهو صاحب حلب يومئذ، وأخوه غازي صاحب الموصل، فنصر المسلمون وللّه الحمد، وهزم الفرنج. واستمر نور الدّين في قتال الفرنج، وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين. وفي سنة أربع وأربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين اللّه، وأقيم ابنه الظّافر إسماعيل. وفيها جاءت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرّات، وتقطّع منها جبل بحلوان. وفي سنة خمس وأربعين جاء باليمن مطر كلّه دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدّم، وبقي أثره في ثياب النّاس. وفي سنة سبع وأربعين مات السّلطان مسعود. قال ابن هبيرة (١) - وهو وزير المقتفي -: لمّا تطاول على المقتفي أصحاب مسعود، وأساءوا الأدب، ولم يكن المجاهرة بالمحاربة؛ اتّفق الرّأي على الدّعاء عليه شهرا كما دعا النّبيّ ﷺ على رعل وذكوان شهرا، فابتدأ هو والخليفة سرّا كلّ واحد في موضعه يدعو سحرا من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى، واستمرّ الأمر كلّ ليلة، فلمّا تكامل الشّهر مات مسعود على سريره، لم يزد على الشّهر يوما، ولا نقص يوما. واتّفق العسكر على سلطنة ملكشاه، وقام بأمره خاصبك، ثم أن خاصبك قبض على ملكشاه، وطلب أخاه محمدا من خوزستان فجاءه، فسلّم إليه السّلطنة؛ وأمر الخليفة حينئذ ونهى، ونفذت كلمته، وعزل من كان السّلطان ولاّه مدرّسا بالنّظاميّة؛ وبلغه أنّ في نواحي واسط تخبّطا، فسار بعسكره، ومهّد البلاد ودخل الحلّة والكوفة، ثم عاد إلى بغداد مؤيّدا منصورا، وزيّنت بغداد.

стр. 511

وفي سنة ثمان وأربعين خرجت الغزّ على السّلطان سنجر، وأسروه، وأذاقوه الذّلّ، وملكوا بلاده، وبقّوا الخطبة باسمه، وبقي معهم صورة بلا معنى، وصار يبكي على نفسه، وله اسم السّلطنة، وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته. وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظّافر باللّه العبيدي، وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيّا صغيرا، ووهى أمر المصريّين. فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي، وولاّه مصر، وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد، وكان تملّك دمشق في صفر من هذا العام، وملك عدة قلاع وحصون بالسّيف وبالأمان من بلاد الرّوم، وعظمت ممالكه، وبعد صيته؛ فبعث إليه المقتفي تقليدا، وأمره بالمسير إلى مصر، ولقّبه «بالملك العادل»، وعظم سلطان المقتفي، واشتدّت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلوّ إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وخمسمائة. قال الذّهبي (١): كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالما، أديبا، شجاعا، حليما، دمث الأخلاق، كامل السّؤدد، خليقا للإمامة، قليل المثل في الأئمّة، لا يجري في دولته أمر - وإن صغر - إلاّ بتوقيعه، وكتب في خلافته ثلاث ربعات، وسمع الحديث من مؤدّبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السّيبيّ. قال ابن السّمعاني: و [أظنّ أنه] سمع «جزء» ابن عرفة مع أخيه المسترشد، من أبي القاسم ابن بيان، روى عنه أبو منصور الجواليقي اللّغوي إمامه، والوزير ابن هبيرة وزيره، وغيرهما. وقد جدّد المقتفي بابا للكعبة، واتّخذ من العقيق تابوتا لدفنه؛ وكان محمود السّيرة، مشكور الدّولة، يرجع إلى دين وعقل، وفضل ورأي وسياسة. جدّد معالم الإمامة، ومهّد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرّة، وامتدّت أيّامه. وقال أبو طالب عبد الرّحمن بن محمد بن عبد السّميع الهاشمي في كتاب «المناقب

стр. 512

العبّاسيّة»: كانت أيّام المقتفي نضرة بالعدل، زاهرة بفعل الخيرات، وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه؛ وكان في أوّل أمره متشاغلا بالدّين ونسخ العلوم وقراءة القرآن، ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته، مع ما خصّ به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يمّمت. وقال ابن الجوزي (١): من أيّام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء، ولم يبق له منازع، وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلّبين من الملوك، وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة؛ ومن سلاطين دولته السّلطان سنجر صاحب خراسان، والسّلطان نور الدين محمود صاحب الشّام؛ وكان جوادا كريما، محبّا للحديث وسماعه، معتنيا بالعلم، مكرما لأهله. قال ابن السّمعاني (٢): حدّثنا أبو منصور الجواليقي، حدّثنا المقتفي لأمر اللّه أمير المؤمنين، حدّثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب، حدّثنا أبو محمد الصريفيني، حدّثنا المخلّص، حدّثنا إسماعيل الورّاق، حدّثنا حفص بن عمرو الرّبالي، حدّثنا أبو سحيم، حدّثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول اللّه ﷺ : «لا يزداد الأمراء إلاّ شدّة، ولا النّاس إلاّ شحّا، ولا تقوم السّاعة إلاّ على شرار النّاس». ولمّا دعا (٣) المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النّحوي ليجعله إماما يصلّي به دخل عليه، فما زاد على أن قال: السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه - وكان ابن التّلميذ النّصراني الطّبيب قائما - فقال: ما هكذا يسلّم على أمير المؤمنين يا شيخ؛ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال: يا أمير المؤمنين، سلامي هو ما جاءت به السّنّة النّبويّة؛ وروى الحديث، ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو حلف حالف أنّ نصرانيا أو يهوديّا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه، لما لزمته كفّارة؛ لأنّ اللّه ختم

стр. 513

على قلوبهم، ولن يفكّ ختم اللّه إلاّ الإيمان؛ فقال المقتفي: صدقت وأحسنت؛ وكأنّما ألجم ابن التّلميذ بحجر مع غزارة أدبه. * * * وممّن مات في أيّام المقتفي من الأعلام: ابن الأبرش النّحوي، ويونس بن مغيث، وجمال الإسلام بن المسلم الشّافعيّ، وأبو القاسم الأصفهاني صاحب «الترغيب»، وابن برجان، والمازري المالكي صاحب كتاب «المعلم [بفوائد مسلم]» والزّمخشري، والرّشاطي صاحب «الأنساب»، والجواليقي - وهو إمامه - وابن عطيّة صاحب «التّفسير»، وأبو السّعادات ابن الشّجري، والإمام أبو بكر ابن العربي، وناصح الدّين الأرّجاني الشّاعر، والقاضي عياض، والحافظ أبو الوليد ابن الدّباغ، وأبو الأسعد هبة الرّحمن القشيري، وابن غلام الفرس المقرئ، والرّفّاء الشّاعر، والشّهرستاني صاحب «الملل والنّحل»، والقيسراني الشّاعر، ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي، وأبو الفضل ابن ناصر الحافظ، وأبو الكرم الشّهرزوري المقرئ، والوأواء الشّاعر، وابن الجلاّء إمام الشّافعيّة؛ وخلائق آخرون. * * *

стр. 514

المستنجد باللّه، أبو المظفّر (٣) المستنجد باللّه: أبو المظفّر، يوسف بن المقتفي. ولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وأمّه أمّ ولد كرجيّة اسمها طاوس. خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين، وبويع له يوم موت أبيه. وكان موصوفا بالعدل والرّفق؛ أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا. وكان شديدا على المفسدين؛ سجن رجلا كان يسعى بالنّاس مدّة، فحضره رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار، فقال: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، ودلّني على آخر مثله لأحبسه وأكفّ شرّه عن النّاس. قال ابن الجوزي (١): وكان المستنجد موصوفا بالفهم الثّاقب، والرّأي الصّائب، والذّكاء الغالب، والفضل الباهر؛ له نظم بديع، ونثر بليغ، ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسطرلاب، وغير ذلك. ومن شعره (٢): [من الخفيف] عيّرتني بالشّيب وهو وقار … ليتها عيّرت بما هو عار إن تكن شابت الذّوائب منّي … فاللّيالي تزينها الأقمار

стр. 515

وله في بخيل (١): [من السريع] وباخل أشعل في بيته … تكرمة منه لنا شمعه فما جرت من عينها دمعة … حتّى جرت من عينه دمعه وله في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين (٢): [من الطويل] صفت نعمتان خصّتاك وعمّتا … بذكرهما حتّى القيامة تذكر وجودك والدّنيا إليك فقيرة … وجودك والمعروف في النّاس منكر فلو رام يا يحيى مكانك جعفر … ويحيى لكفّا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السّوء يا أبا ال … مظفّر إلاّ كنت أنت المظفّر مات في ثمان ربيع الآخر سنة ستّ وستّين. وكان في أوّل سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر، وقام بعده العاضد لدين اللّه آخر خلفاء بني عبيد. وفي سنة اثنتين وستّين جهّز السّلطان نور الدّين الأمير أسد الدّين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر، فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين، فاستنجد صاحبها بالفرنج، فدخلوا من دمياط لنجدته، فرحل أسد الدّين إلى الصّعيد، ثم وقعت بينه وبين المصريّين حرب انتصر فيها على قلّة عسكره وكثرة عدوّه، وقتل من الفرنج ألوفا؛ ثم جبى أسد الدّين خراج الصّعيد، وقصد الفرنج الإسكندريّة، وقد أخذها صلاح الدّين يوسف بن أيّوب - وهو ابن أخي أسد الدّين - فحاصروها اربعة أشهر، فتوجّه أسد الدّين إليهم، فرحلوا عنها، فرجع إلى الشّام. وفي سنة أربع وستّين قصدت الفرنج الدّيار المصريّة في جيش عظيم، فملكوا بلبيس، وحاصروا القاهرة، فأحرقها صاحبها خوفا منهم، ثم كاتب السّلطان نور الدّين يستنجد به، فجاء أسد الدّين بجيوشه، فرحل الفرنج عن القاهرة لمّا سمعوا

стр. 516

بوصوله، ودخل أسد الدّين، فولاّه العاضد صاحب مصر الوزارة وخلع عليه، فلم يلبث أسد الدّين أن مات بعد خمسة وستّين يوما، فولّى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وقلّده الأمور، ولقّبه «الملك النّاصر»، فقام بالسّلطنة أتمّ قيام. ومن أخبار المستنجد: قال الذّهبي: ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السّماء منذ مرض، وكان يرى ضوؤها على الحيطان. * * * وممّن مات في أيّامه من الأعلام: الدّيلمي صاحب «مسند الفردوس»، والعمراني صاحب «البيان» من الشّافعيّة، وابن البزري شافعيّ أهل الجزيرة، والوزير ابن هبيرة، والشّيخ عبد القادر الجيلي، والإمام أبو سعيد السّمعاني، وأبو النّجيب السّهروردي، وأبو الحسن بن هذيل المقرئ؛ وآخرون. * * *

стр. 517

المستضيء بأمر اللّه، الحسن (٣) المستضي بأمر اللّه: الحسن، أبو محمد، بن المستنجد باللّه. ولد سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة. وأمّه أمّ ولد أرمنيّة اسمها غضّة. بويع له بالخلافة يوم موت أبيه. قال ابن الجوزي (١): فنادى برفع المكوس وردّ المظالم، وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا، وفرّق مالا عظيما على الهاشميّين والعلويّين والعلماء والمدارس والرّبط، وكان دائم البذل للمال، ليس له عنده وقع، ذا حلم وأناة ورأفة. ولمّا استخلف خلع على أرباب الدّولة وغيرهم؛ فحكى خيّاط المخزن أنّه فصّل ألفا وثلاثمائة قباء إبريسم؛ وخطب له على منابر بغداد، ونثرت الدّنانير كما جرت العادة؛ وولّى روح بن [أحمد] الحديثي القضاء، وأمّر سبعة عشر مملوكا. وللحيص بيص فيه (٢): [من الخفيف] يا إمام الهدى علوت على الجو … د بمال وفضّة ونضار فوهبت الأعمار والأمن والبل … دان في ساعة مضت من نهار فما ذا يثني عليك وقد جا … وزت فضل البحور والأمطار إنّما أنت معجز مستقلّ … خارق للعقول والأفكار جمعت نفسك الشّريفة بالبأ … س وبالجود بين ماء ونار

стр. 518

قال ابن الجوزي (١): واحتجب المستضيء عن أكثر النّاس، فلم يركب إلاّ مع الخدم، ولا يدخل عليه غيرهم. وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد، وخطب له بمصر، وضربت السّكّة باسمه، وجاء البشير بذلك، فغلّقت الأسواق ببغداد، وعملت القباب؛ وصنّفت كتابا سمّيته «النّصر، على مصر» هذا كلام ابن الجوزي (٢). وقال الذهبي: في أيّامه ضعف الرّفض ببغداد ووهى، وأمن النّاس، ورزق سعادة عظيمة في خلافته، وخطب له باليمن، وبرقة، وتوزر، ومصر إلى أسوان، ودانت الملوك بطاعته، وذلك سنة سبع وستّين. وقال العماد الكاتب: استفتح السّلطان صلاح الدّين بن أيّوب سنة سبع بجامع مصر كلّ طاعة وسمع، وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العبّاس، وعفت البدعة، وصفت الشّرعة، وأقيمت الخطبة العبّاسية في الجمعة الثّانية بالقاهرة، وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء، وتسلّم صلاح الدّين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس، بحيث استمرّ البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدّين لنفسه. وسيّر السّلطان نور الدّين بهذه البشارة شهاب الدّين المطهّر ابن العلاّمة شرف الدّين ابن ابي عصرون إلى بغداد، وأمرني بإنشاء بشارة عامّة تقرأ في سائر بلاد الإسلام، فأنشأت بشارة أوّلها: الحمد للّه معلي الحقّ ومعلنه، وموهي الباطل وموهنه. ومنها: ولم يبق بتلك البلاد منبر إلاّ وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر اللّه أمير المؤمنين، وتمهّدت جوامع الجمع، وتهدّمت صوامع البدع. إلى أن قال: وطالما مرّت عليها الحقب الخوالي، وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوّة (٣) بدعوة المبطلين، مملوءة بحزب الشّياطين، فملّكنا اللّه تلك البلاد، ومكّن

стр. 519

لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنّا نؤمله من إزالة الإلحاد والرّفض، وتقدّمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدّعوة العباسيّة هنالك، ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك. وللعماد قصيدة في ذلك منها: [من الخفيف] قد خطبنا للمستضيء بمصر … نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصره العضد العا … ضد والقاصر الذي بالقصر وتركنا الدّعيّ يدعو ثبورا … وهو بالذّل تحت حجر وحصر وأرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتّشريفات لنور الدّين وصلاح الدّين وأعلاما وبنودا للخطباء بمصر، وسيّر للعماد الكاتب خلعة ومائة دينار؛ فعمل قصيدة أخرى منها: [من المتقارب] أدالت بمصر لداعي الهدا … ة وانتقمت من دعيّ اليهود وقال ابن الأثير (١): السبب في إقامة الخطبة العبّاسيّة بمصر أنّ صلاح الدّين [يوسف بن أيوب] لمّا ثبّت قدمه وضعف أمر العاضد، كتب إليه نور الدّين [محمود ابن زنكي] يأمره بذلك، فاعتذر بالخوف من وثوب المصريّين، فلم يصغ إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك، واتّفق أنّ العاضد مرض، فاستشار صلاح الدّين امراءه فمنهم من وافق ومنهم من خاف، وكان قد دخل مصر أعجميّ يعرف بالأمير العالم، فلمّا رأى ما هم فيه من الإحجام قال: أنا أبتدئ بها؛ فلمّا كان أوّل جمعة من المحرّم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء، فلم ينكر ذلك أحد، فلمّا كان الجمعة الثّانية أمر صلاح الدّين الخطباء بقطع خطبة العاضد، ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان - والعاضد شديد المرض - فتوفي في يوم عاشوراء. وفي سنة تسع وستّين أرسل نور الدّين إلى الخليفة بتقادم وتحف، منها حمار مخطّط وثوب عتّابي؛ وخرج الخلق للفرجة عليه، وكان فيهم رجل عتابي كثير الدّعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة، فقال رجل: إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار.

стр. 520

وفيها وقع برد بالسّواد كالنّارنج، هدم الدّور، وقتل جماعة وكثيرا من المواشي، وزادت دجلة زيادة عظيمة بحيث غرقت بغداد، وصليت الجمعة خارج السّور وزادت الفرات أيضا، وأهلكت قرى ومزارع، وابتهل الخلق إلى اللّه تعالى. ومن العجائب أنّ هذا الماء على هذه الصّفة ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش. وفيها مات السّلطان نور الدّين - وكان صاحب دمشق - وابنه الملك الصّالح إسماعيل - وهو صبيّ - فتحرّكت الفرنج بالسّواحل فصولحوا بمال وهودنوا. وفيها أراد جماعة من شيعة العبيديّين ومحبّيهم إقامة الدّعوة وردّها إلى آل العاضد، ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدّين، فاطلع صلاح الدّين على ذلك فصلبهم بين القصرين. وفي سنة اثنتين وسبعين أمر صلاح الدّين ببناء السّور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير بهاء الدّين قراقوش. قال ابن الأثير (١): دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمي. وفيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطّم - وهي التي صارت دار السّلطنة - ولم تتمّ إلاّ في أيّام السّلطان الملك الكامل ابن أخي صلاح الدّين، وهو أوّل من سكنها. وفيها بنى صلاح الدّين تربة الإمام الشّافعي. وفي سنة أربع وسبعين هبّت ببغداد ريح شديدة نصف اللّيل، وظهرت أعمدة مثل النّار في أطراف السّماء، واستغاث النّاس استغاثة شديدة، وبقي الأمر على ذلك إلى السّحر. وفي سنة خمس وسبعين مات الخليفة المستضيء، في سلخ شوّال، وعهد إلى ابنه أحمد. * * * وممّن مات في أيّام المستضيء من الأعلام: ابن الخشّاب النّحوي، وملك النّحاة

стр. 521

أبو نزار الحسن بن صافي، والحافظ أبو العلاء الهمذاني، وناصح الدّين ابن الدّهّان النّحوي، والحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر من حفدة الشّافعيّ، والحيص بيص الشّاعر، والحافظ أبو بكر بن خير، وآخرون. * * *

стр. 522

النّاصر لدين اللّه، أحمد (٢) النّاصر لدين اللّه: أحمد، أبو العبّاس، بن المستضيء بأمر اللّه. ولد يوم الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وأمّه [أمّ ولد] تركيّة اسمها زمرّد. وبويع له عند موت أبيه في مستهلّ ذي القعدة سنة خمس وسبعين. وأجاز له جماعة: منهم أبو الحسين عبد الحقّ اليوسفي، وأبو الحسن عليّ بن عساكر البطائحي، وشهدة. وأجاز هو لجماعة فكانوا يحدّثون عنه في حياته ويتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الإسناد. وقال الذّهبي (١): ولم يل الخلافة أحد أطول مدّة منه؛ فإنّه أقام فيها سبعة وأربعين سنة؛ ولم يزل مدّة حياته في عزّ وجلالة، وقمع للأعداء، واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيما، ولا خرج عليه خارجيّ إلاّ قمعه، ولا مخالف إلاّ دفعه، وكلّ من أضمر له سوءا رماه اللّه بالخذلان، وكان - مع سعادة جدّه - شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارهم وصغارهم؛ وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظّاهرة والباطنة؛ وكانت له حيل لطيفة ومكايد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد، يوقع الصّداقة بين ملوك معتادين وهم لا يشعرون، ويوقع العداوة بين ملوك متّفقين وهم لا يفطنون.

стр. 523

ولمّا دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كلّ صباح بما عمل في اللّيل؛ فصار يبالغ في التّكتّم والورقة تأتيه بذلك؛ فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السّرّ، فصبحته الورقة بذلك، وفيها «كان عليكم دواج فيه صورة الفيلة» فتحيّر وخرج من بغداد وهو لا يشكّ أنّ الخليفة يعلم الغيب؛ لأن الإماميّة يعتقدون أنّ الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار. وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفيّة، وكتاب مختوم، فقيل له: ارجع فقد عرفنا ما جئت به؛ فرجع وهو يظنّ أنّهم يعلمون الغيب. قال الذّهبي (١): قيل: إنّ النّاصر كان مخدوما من الجنّ!. ولمّا ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النّهر، وتجبّر وطغى، واستعبد الملوك الكبار، وأباد أمما كثيرة، وقطع خطبة بني العبّاس من بلاده، وقصد بغداد؛ فوصل إلى همذان، فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوما؛ فغطّاهم في غير أوانه؛ فقال له بعض خواصّه: إنّ ذلك غضب من اللّه حيث قصدت بيت الخلافة. وبلغه أنّ أمم التّرك قد تألّبوا عليه، وطمعوا في البلاد لبعده عنها؛ فكان ذلك سبب رجوعه، وكفي النّاصر شرّه بلا قتال. وكان النّاصر إذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع، وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر. ووصل إليه رجل معه ببّغاء تقرأ ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ تحفة للخليفة من الهند، فأصبحت ميتة، وأصبح حيران؛ فجاءه فرّاش يطلب منه الببّغاء؛ فبكى، وقال: الليلة ماتت؛ فقال: قد عرفنا، هاتها ميتة؛ وقال: كم كان ظنّك أن يعطيك الخليفة؟ قال: خمسمائة دينار، قال: هذه خمسمائة دينار، خذها؛ فقد أرسلها إليك الخليفة فإنّه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند. وكان صدر جهان قد صار إلى بغداد، ومعه جماعة من الفقهاء، وواحد منهم لمّا خرج من داره من سمرقند على فرس جميلة، فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلاّ تؤخذ

стр. 524

منك في بغداد؛ فقال: الخليفة لا يقدر أن يأخذها منّي؛ فأمر بعض الوقّادين أنّه حين يدخل بغداد يضربه، ويأخذها منه، ويهرب في الزّحمة، ففعل؛ فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث؛ فلمّا رجعوا من الحجّ خلع على صدر جهان وأصحابه، وخلع على ذلك الفقيه، وقدّمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق، وقيل له: لم يأخذ فرسك الخليفة، إنّما أخذها أتونيّ؛ فخر مغشّيا عليه وأسجل بكراماتهم. وقال الموفّق عبد اللّطيف (١): كان النّاصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة؛ فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد؛ فأحيا بهيبته الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم، ثم ماتت بموته. وكان الملوك والأكابر بمصر والشّام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا. وورد بغداد تاجر ومعه متاع دمياط المذهب، فسألوه عنه، فأنكر، فأعطي علامات فيه: من عدده، وألوانه، وأصنافه، فازداد إنكاره، فقيل له: من العلامات أنّك نقمت على مملوكك التّركي فلان، فأخذته إلى سيف بحر دمياط خلوة، وقتلته ودفنته هناك، ولم يشعر بذلك أحد. قال ابن النّجّار (٢): دانت السّلاطين للنّاصر، ودخل في طاعته من كل من المخالفين، وذلت له العتاة والطّغاة، وانقهرت بسيفه الجبابرة، واندحض أعداؤه، وكثر أنصاره. وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممّن تقدّمه من الخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصّين، وكان أشدّ بني العبّاس، تنصدع لهيبته الجبال. وكان حسن الخلق، لطيف الخلق، كامل الظّرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان؛

стр. 525

له التّوقيعات المسدّدة، والكلمات المؤيّدة، وكانت أيامه غرّة في وجه الدّهر، ودرّة في تاج الفخر. وقال ابن واصل (١): كان النّاصر شهما، شجاعا، ذا فكرة صائبة، وعقل رصين، ومكر ودهاء؛ وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف، يطالعونه بجزئيّات الأمور، حتّى ذكر أنّ رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه، فطالع صاحب الخبر النّاصر بذلك، فكتب في جواب ذلك «سوء أدب من صاحب الدّار، وفضول من كاتب المطالعة». قال: وكان مع ذلك رديء السّيرة في الرّعيّة، مائلا إلى الظّلم والعسف، ففارق أهل البلاد بلادهم، وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل أفعالا متضادّة، وكان يتشيّع ويميل إلى مذهب الإماميّة بخلاف آبائه؛ حتّى إنّ ابن الجوزيّ سئل بحضرته: من أفضل النّاس بعد رسول اللّه ﷺ ؟ فقال: أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته (٢)، ولم يقدر أن يصرّح بتفضيل أبي بكر. وقال ابن الأثير (٣): كان النّاصر سيّئ السّيرة، خربت في أيّامه العراق ممّا أحدثه من الرّسوم وأخذ أموالهم وأملاكهم، وكان يفعل الشّيء وضدّه، وكان يرمي بالبندق، ويغوي الحمام. وقال الموفّق عبد اللّطيف (٤): وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث، واستناب نوّابا في الإجازة عنه والتّسميع، وأجرى عليهم جرايات، وكتب للملوك والعلماء إجازات، وجمع كتابا سبعين حديثا، ووصل إلى حلب، وسمعه النّاس. قال الذّهبي (٤): أجاز النّاصر لجماعة من الأعيان؛ فحدّثوا عنه: منهم ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النّجّار، وابن الدّامغاني، وآخرون.

стр. 526

قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي وغيره (١): قلّ بصر النّاصر في آخر عمره، وقيل: ذهب كلّه، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعيّة، حتّى الوزير وأهل الدّار، وكان له جارية قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه فتكتب على التّواقيع (٢). وقال شمس الدّين الجزري (٣): كان الماء الذي يشربه النّاصر تأتي به الدّوابّ من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبع غلوات، كلّ يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيّام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مات حتّى سقي المرقد [ثلاث] مرّات، وشقّ ذكره، وأخرج منه الحصى، ومات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستّمائة. ومن لطائفه أنّ خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقع فيها (٤): بمن يمنّ يمن؟ ثمن يمن ثمن [ثمن] ولمّا تولّى الخلافة بعث إلى السّلطان صلاح الدّين بالخلع والتّقليد، وكتب إليه السّلطان كتابا يقول فيه: والخادم - وللّه الحمد - يعدّد سوابق في الإسلام، والدّولة العبّاسيّة لا يعمرها أوّليّة أبي مسلم لأنّه والى ثم وارى، ولا أخريّة طغرلبك لأنّه نصر ثم حجر، والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصّة التي ذخر اللّه للإساغة في سيفه ماءها، فرجّل الأسماء الكاذبة الرّاكبة على المنابر؛ وأعزّ بتأييد إبراهيميّ فكسّر الأصنام الباطنة بسيفه الطّاهر. ومن الحوادث في أيّامه: منشوره: في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك النّاصر يعاتب السّلطان صلاح الدّين في تسمّيه بالملك النّاصر، مع علمه أنّ الخليفة اختار هذه التّسمية لنفسه.

стр. 527

وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد. وفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع، وله أذن واحدة. وفيها وردت الأخبار بأنّه خطب للنّاصر بمعظم بلاد المغرب. وفي سنة اثنتين وثمانين اجتمع الكواكب السّتّة في الميزان، فحكم المنجّمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الرّيح؛ فشرع النّاس في حفر مغارات في التّخوم، وتوثيقها، وسدّ منافسها على الرّيح، ونقلوا إليها الماء والزّاد، وانتقلوا إليها، وانتظروا اللّيلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي اللّيلة التّاسعة من جمادي الآخرة، فلم يأت فيها شيء، ولا هبّ فيها نسيم، بحيث أوقدت الشّموع، فلم يتحرّك فيها ريح تطفئها؛ وعملت الشعراء في ذلك؛ فممّا قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلّم (١): [من المنسرح] قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب وما جرت زعزع كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب كلاّ ولا أظلمت ذكاء ولا … بدت إذن في قرونها الشّهب يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب قد بان كذب المنجّمين، وفي … أي مقال قالوا فما كذبوا؟ وفي سنة ثلاث وثمانين اتّفق أنّ أوّل يوم في السّنة كان أوّل أيّام الأسبوع، وأوّل السّنة الشّمسية، وأوّل سني الفرس، والشّمس والقمر في أوّل البروج، وكان ذلك من الاتّفاقات العجبية. وفيها كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السّلطان صلاح الدّين كثيرا من البلاد الشّاميّة التي كانت بيد الفرنج، وأعظم ذلك بيت المقدس، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السّلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهدم ما أحدثوه من

стр. 528

الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشّافعيّة، فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا. ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر ﵁، حيث لم يهدمها لمّا فتح بيت المقدس؛ وقال في ذلك محمد بن أسعد النّسّابة. [من الكامل] أترى مناما ما بعيني أبصر … القدس يفتح، والنّصارى تكسر وقمامة قمّت من الرّجس الذي … بزواله وزوالها يتطهّر ومليكهم في القيد مصفود، ولم … ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر قد جاء نصر اللّه والفتح الذي … وعد الرّسول فسبّحوا واستغفروا يا يوسف الصّدّيق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر ومن الغرائب أنّ ابن برجان ذكر في تفسير ﴿الم * غُلِبَتِ اَلرُّومُ﴾ (١) أنّ بيت المقدس يبقى في يد الرّوم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد، أخذا من حساب الآية، فكان كذلك. قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتّفق، وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر، فإنّ وفاته سنة [ستّ وثلاثين وخمسمائة]. وفي سنة تسع وثمانين مات السّلطان صلاح الدين ﵀ فوصل إلى بغداد الرّسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدّين وفرسه، ودينار واحد، وستّة وثلاثون درهما، لم يخلّف من المال سواها، واستقرّت مصر لابنه عماد الدّين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين عليّ، وحلب لابنه الملك الظّاهر غياث الدّين غازي. وفي سنة تسعين مات السّلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه، وهو آخر ملوك السّلجوقيّة. قال الذّهبي: وكان عددهم نيّفا وعشرين ملكا، أوّلهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد؛ ومدّة دولتهم مائة وستّون سنة. وفي سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبّت ريح سوداء بمكّة، عمّت الدّنيا ووقع على

стр. 529

النّاس رمل أحمر، ووقع من الرّكن اليمانيّ قطعة. وفيها عسكر خوارزم شاه، فعدا جيحون في خمسين ألفا، وبعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة، وإعادة دار السّلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده، كما كانت الملوك السّلجوقيّة، فهدم الخليفة دار السّلطنة، وردّ رسوله بلا جواب، ثم كفي شرّه كما تقدّم. وفي سنة ثلاث وتسعين انقضّ كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، واهتزّت الدّور والأماكن، فاستغاث النّاس، وأعلنوا بالدّعاء، وظنّوا ذلك من أمارات القيامة. وفي سنة خمس وتسعين مات الملك العزيز بمصر، وأقيم ابنه المنصور بدله، فوثب الملك العادل سيف الدّين أبو بكر بن أيّوب وتملّكها، ثم أقام بها ابنه الملك الكامل. وفي سنة ستّ وتسعين توقف النّيل بمصر بحيث كسرها، ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا. وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميّين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، ورؤى من ذلك العجب العجاب، وتعدّوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وتمزّق أهل مصر كلّ ممزّق، وكثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلاّ على ميّت أو من هو في السّياق، وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إنّ المسافر يمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتّحة وأهلها موتى. وقد حكى الذّهبي في ذلك حكايات يقشعرّ الجلد من سماعها، قال: وصارت الطّرق مزرّعة بالموتى، وصارت لحومها للطّير والسّباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدّراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين. وفي سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشّام والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة وقلاعا، وخسفت قرية من أعمال بصرى. وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرّم ماجت النّجوم، وتطايرت تطاير الجراد،

стр. 530

ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجّوا إلى اللّه تعالى، ولم يعهد ذلك إلاّ عند ظهور رسول اللّه ﷺ . وفي سنة ستّمائة هجم الفرنج إلى النّيل من رشيد، ودخلوا بلد فوّة فنهبوها واستباحوها ورجعوا. وفي سنة إحدى وستّمائة تغلّبت الفرنج على القسطنطينيّة، وأخرجوا الرّوم منها، وكانت بأيدي الرّوم من قبل الإسلام، واستمرّت بيد الفرنج إلى سنة ستّين وستّمائة، فاستطلقها منهم الرّوم. وفيها - أي سنة إحدى وستّمائة - ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل، ولم يعش. وفي سنة ستّ وستّمائة كان ابتداء أمر التّتار، وسيأتي شرح حالهم. وفي سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السّلسلة. قال أبو شامة (١): وهذا البرج كان قفل الدّيار المصريّة، وهو برج عال [مبنيّ] في وسط النّيل، ودمياط بحذائه من شرقيّه، والجزيرة بحذائه من غربيّه، وفي ناحيته سلسلتان تمتدّ إحداهما على النّيل إلى دمياط، والأخرى على النّيل إلى الجزيرة، تمنعان عبور المراكب من البحر المالح. وفي سنة ستّ عشرة أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات، وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم، فبدّعوا فيها، وجعلوا الجامع كنيسة، فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين، سمّوها المنصورة، وبنى عليها سورا، ونزلها بجيشه. وفي هذه السّنة كاتبه قاضي القضاة زكيّ الدّين الطّاهر (٢)، وكان الملك المعظّم صاحب دمشق في نفسه منه، فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوتة وأمره بلبسها بين النّاس
следующие страницы →