قال أبو المظفّر سبط ابن الجوزي وغيره (١): قلّ بصر النّاصر في آخر عمره، وقيل: ذهب كلّه، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعيّة، حتّى الوزير وأهل الدّار، وكان له جارية قد علّمها الخطّ بنفسه، فكانت تكتب مثل خطّه فتكتب على التّواقيع (٢).
وقال شمس الدّين الجزري (٣): كان الماء الذي يشربه النّاصر تأتي به الدّوابّ من فوق بغداد بسبعة فراسخ، ويغلى سبع غلوات، كلّ يوم غلوة، ثم يحبس في الأوعية سبعة أيّام، ثم يشرب منه، ومع هذا ما مات حتّى سقي المرقد [ثلاث] مرّات، وشقّ ذكره، وأخرج منه الحصى، ومات منه يوم الأحد سلخ رمضان سنة اثنتين وعشرين وستّمائة.
ومن لطائفه أنّ خادما له اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب، فوقع فيها (٤):
بمن يمنّ يمن؟ ثمن يمن ثمن [ثمن]
ولمّا تولّى الخلافة بعث إلى السّلطان صلاح الدّين بالخلع والتّقليد، وكتب إليه السّلطان كتابا يقول فيه: والخادم - وللّه الحمد - يعدّد سوابق في الإسلام، والدّولة العبّاسيّة لا يعمرها أوّليّة أبي مسلم لأنّه والى ثم وارى، ولا أخريّة طغرلبك لأنّه نصر ثم حجر، والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها، وأساغ الغصّة التي ذخر اللّه للإساغة في سيفه ماءها، فرجّل الأسماء الكاذبة الرّاكبة على المنابر؛ وأعزّ بتأييد إبراهيميّ فكسّر الأصنام الباطنة بسيفه الطّاهر.
ومن الحوادث في أيّامه: منشوره: في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك النّاصر يعاتب السّلطان صلاح الدّين في تسمّيه بالملك النّاصر، مع علمه أنّ الخليفة اختار هذه التّسمية لنفسه.
стр. 527
وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذ به، فالتجأ إليه خلق، وحصل بذلك مفاسد.
وفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع، وله أذن واحدة.
وفيها وردت الأخبار بأنّه خطب للنّاصر بمعظم بلاد المغرب.
وفي سنة اثنتين وثمانين اجتمع الكواكب السّتّة في الميزان، فحكم المنجّمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الرّيح؛ فشرع النّاس في حفر مغارات في التّخوم، وتوثيقها، وسدّ منافسها على الرّيح، ونقلوا إليها الماء والزّاد، وانتقلوا إليها، وانتظروا اللّيلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد، وهي اللّيلة التّاسعة من جمادي الآخرة، فلم يأت فيها شيء، ولا هبّ فيها نسيم، بحيث أوقدت الشّموع، فلم يتحرّك فيها ريح تطفئها؛ وعملت الشعراء في ذلك؛ فممّا قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلّم (١): [من المنسرح]
قل لأبي الفضل قول معترف … مضى جمادى وجاءنا رجب
وما جرت زعزع كما حكموا … ولا بدا كوكب له ذنب
كلاّ ولا أظلمت ذكاء ولا … بدت إذن في قرونها الشّهب
يقضي عليها من ليس يعلم ما … يقضى عليه، هذا هو العجب
قد بان كذب المنجّمين، وفي … أي مقال قالوا فما كذبوا؟
وفي سنة ثلاث وثمانين اتّفق أنّ أوّل يوم في السّنة كان أوّل أيّام الأسبوع، وأوّل السّنة الشّمسية، وأوّل سني الفرس، والشّمس والقمر في أوّل البروج، وكان ذلك من الاتّفاقات العجبية.
وفيها كانت الفتوحات الكثيرة، أخذ السّلطان صلاح الدّين كثيرا من البلاد الشّاميّة التي كانت بيد الفرنج، وأعظم ذلك بيت المقدس، وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة، وأزال السّلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار، وهدم ما أحدثوه من
стр. 528
الكنائس، وبنى موضع كنيسة منها مدرسة للشّافعيّة، فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا.
ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر ﵁، حيث لم يهدمها لمّا فتح بيت المقدس؛ وقال في ذلك محمد بن أسعد النّسّابة. [من الكامل]
أترى مناما ما بعيني أبصر … القدس يفتح، والنّصارى تكسر
وقمامة قمّت من الرّجس الذي … بزواله وزوالها يتطهّر
ومليكهم في القيد مصفود، ولم … ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
قد جاء نصر اللّه والفتح الذي … وعد الرّسول فسبّحوا واستغفروا
يا يوسف الصّدّيق أنت لفتحها … فاروقها عمر الإمام الأطهر
ومن الغرائب أنّ ابن برجان ذكر في تفسير ﴿الم * غُلِبَتِ اَلرُّومُ﴾ (١) أنّ بيت المقدس يبقى في يد الرّوم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد، أخذا من حساب الآية، فكان كذلك.
قال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتّفق، وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر، فإنّ وفاته سنة [ستّ وثلاثين وخمسمائة].
وفي سنة تسع وثمانين مات السّلطان صلاح الدين ﵀ فوصل إلى بغداد الرّسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدّين وفرسه، ودينار واحد، وستّة وثلاثون درهما، لم يخلّف من المال سواها، واستقرّت مصر لابنه عماد الدّين عثمان الملك العزيز، ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين عليّ، وحلب لابنه الملك الظّاهر غياث الدّين غازي.
وفي سنة تسعين مات السّلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه، وهو آخر ملوك السّلجوقيّة.
قال الذّهبي: وكان عددهم نيّفا وعشرين ملكا، أوّلهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد؛ ومدّة دولتهم مائة وستّون سنة.
وفي سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبّت ريح سوداء بمكّة، عمّت الدّنيا ووقع على
стр. 529
النّاس رمل أحمر، ووقع من الرّكن اليمانيّ قطعة.
وفيها عسكر خوارزم شاه، فعدا جيحون في خمسين ألفا، وبعث إلى الخليفة يطلب السّلطنة، وإعادة دار السّلطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، ويكون الخليفة من تحت يده، كما كانت الملوك السّلجوقيّة، فهدم الخليفة دار السّلطنة، وردّ رسوله بلا جواب، ثم كفي شرّه كما تقدّم.
وفي سنة ثلاث وتسعين انقضّ كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل، واهتزّت الدّور والأماكن، فاستغاث النّاس، وأعلنوا بالدّعاء، وظنّوا ذلك من أمارات القيامة.
وفي سنة خمس وتسعين مات الملك العزيز بمصر، وأقيم ابنه المنصور بدله، فوثب الملك العادل سيف الدّين أبو بكر بن أيّوب وتملّكها، ثم أقام بها ابنه الملك الكامل.
وفي سنة ستّ وتسعين توقف النّيل بمصر بحيث كسرها، ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعا.
وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميّين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، ورؤى من ذلك العجب العجاب، وتعدّوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وتمزّق أهل مصر كلّ ممزّق، وكثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلاّ على ميّت أو من هو في السّياق، وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إنّ المسافر يمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، ويجد البيوت مفتّحة وأهلها موتى.
وقد حكى الذّهبي في ذلك حكايات يقشعرّ الجلد من سماعها، قال: وصارت الطّرق مزرّعة بالموتى، وصارت لحومها للطّير والسّباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدّراهم اليسيرة، واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين.
وفي سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشّام والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة وقلاعا، وخسفت قرية من أعمال بصرى.
وفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرّم ماجت النّجوم، وتطايرت تطاير الجراد،
стр. 530
ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجّوا إلى اللّه تعالى، ولم يعهد ذلك إلاّ عند ظهور رسول اللّه ﷺ .
وفي سنة ستّمائة هجم الفرنج إلى النّيل من رشيد، ودخلوا بلد فوّة فنهبوها واستباحوها ورجعوا.
وفي سنة إحدى وستّمائة تغلّبت الفرنج على القسطنطينيّة، وأخرجوا الرّوم منها، وكانت بأيدي الرّوم من قبل الإسلام، واستمرّت بيد الفرنج إلى سنة ستّين وستّمائة، فاستطلقها منهم الرّوم.
وفيها - أي سنة إحدى وستّمائة - ولدت امرأة بقطيعاء ولدا برأسين ويدين وأربعة أرجل، ولم يعش.
وفي سنة ستّ وستّمائة كان ابتداء أمر التّتار، وسيأتي شرح حالهم.
وفي سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السّلسلة.
قال أبو شامة (١): وهذا البرج كان قفل الدّيار المصريّة، وهو برج عال [مبنيّ] في وسط النّيل، ودمياط بحذائه من شرقيّه، والجزيرة بحذائه من غربيّه، وفي ناحيته سلسلتان تمتدّ إحداهما على النّيل إلى دمياط، والأخرى على النّيل إلى الجزيرة، تمنعان عبور المراكب من البحر المالح.
وفي سنة ستّ عشرة أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات، وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم، فبدّعوا فيها، وجعلوا الجامع كنيسة، فابتنى الملك الكامل مدينة عند مفرق البحرين، سمّوها المنصورة، وبنى عليها سورا، ونزلها بجيشه.
وفي هذه السّنة كاتبه قاضي القضاة زكيّ الدّين الطّاهر (٢)، وكان الملك المعظّم صاحب دمشق في نفسه منه، فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوتة وأمره بلبسها بين النّاس
стр. 531
في مجلس حكمه، فلم يمكنه الامتناع؛ ثم قام ودخل داره ولزم بيته، ومات بعد أشهر قهرا، ورمى قطعا من كبده، وتأسّف النّاس لذلك.
واتّفق أنّ الملك المعظّم أرسل في عقب ذلك إلى الشّرف ابن عنين حين تزهّد خمرا وبردا، وقال: سبّح بهذا؛ فكتب إليه يقول (١): [من الكامل]
يا أيّها الملك المعظّم سنّة … أحدثتها تبقى على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزّهّاد
وفي سنة ثمان عشرة استردّت دمياط من الفرنج، فلّله الحمد.
وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكامليّة بالقاهرة بين القصرين، وجعل شيخها أبا الخطّاب ابن دحية.
وكانت الكعبة تكسى الدّيباج الأبيض من أيّام المأمون إلى الآن، فكساها النّاصر ديباجا أخضر، ثم كساها ديباجا أسود، فاستمرّ إلى الآن.
* * * وممّن مات في أيّام النّاصر من الأعلام: الحافظ أبو طاهر السّلفي، وأبو الحسن بن القصّار اللّغوي، والكمال أبو البركات ابن الأنباري، والشّيخ أحمد بن الرفاعي الزّاهد، وابن بشكوال، ويونس والد يونس الشّافعي، وأبو بكر ابن طاهر الأحدب النّحوي، وأبو الفضل والد الرّافعي، وابن ملكون النّحوي، وعبد الحقّ الإشبيلي صاحب «الأحكام»، وأبو زيد السّهيلي صاحب «الرّوض الأنف»، والحافظ أبو موسى المديني، وابن برّي اللّغوي، والحافظ أبو بكر الحازمي، والشّرف ابن أبي عصرون، وأبو القاسم البخاري، والعتّابي صاحب «الجامع الكبير» من كبار الحنفيّة، والنّجم الخبوشاني المشهور بالصّلاح، وأبو القاسم ابن فيرّة الشّاطبي صاحب «القصيدة»، وفخر الدّين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدّهان الفرضي، أوّل من وضع الفرائض على شكل المنبر، والبرهان المرغيناني صاحب «الهداية» من الحنفيّة، وقاضي خان صاحب «الفتاوى»
стр. 532
منهم، وعبد الرّحيم بن حجون الزّاهد بالصّعيد، وأبو الوليد بن رشد صاحب العلوم الفلسفية، وأبو بكر ابن زهر الطبيب، والجمال ابن فضلان من الشّافعيّة، والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والتّرسّل، والشّهاب الطّوسي، وأبو الفرج ابن الجوزي، والعماد الكاتب، وابن عظيمة المقرئ، والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب «العمدة»، والبركي الطاوسي صاحب «الخلاف»، وشميم الحلّي، وأبو ذرّ الخشنيّ النّحويّ، والإمام فخر الدّين الرّازيّ، وأبو السّعادات بن الأثير صاحب «جامع الأصول» و «نهاية الغريب» (١) والعماد ابن يونس صاحب «شرح الوجيز»، والشّرف صاحب «التّنبيه»، والحافظ أبو الحسن ابن المفضّل، وأبو محمد بن حوط اللّه، وأخوه أبو سليمان، والحافظ عبد القادر الرّهاوي، والزّاهد أبو الحسن ابن الصّبّاغ بقنا، والوجيه ابن الدّهّان النّحوي، وتقي الدّين ابن المقترح، وأبو اليمن الكندي النّحوي، والمعين الحاجري صاحب «الكفاية» من الشّافعيّة، والرّكن العميدي صاحب «الطريقة في الخلاف»، وأبو البقاء العكبري صاحب «الإعراب»، وابن أبي أصيبعة الطّبيب، وعبد الرّحيم ابن السّمعاني، ونجم الدّين الكبرى، وابن أبي الصّيف اليمني، وموفق الدّين ابن قدامة الحنبلي، وفخر الدّين ابن عساكر؛ وخلائق آخرون.
* * *
стр. 533
الظّاهر بأمر اللّه، أبو نصر (٤)
الظّاهر بأمر اللّه: أبو نصر، محمد بن النّاصر لدين اللّه.
ولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وبايع له أبوه بولاية العهد؛ واستخلف عند موت والده وهو ابن اثنتين وخمسين سنة؛ فقيل له: ألا تتفسّح؟ قال: لقد يبس الزّرع؛ فقيل: يبارك اللّه في عمرك. قال: من فتح دكّانا بعد العصر أيش يكسب؟.
ثم إنّه أحسن إلى الرّعيّة، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، وفرّق الأموال؛ ذكر ذلك أبو شامة (١).
وقال ابن الأثير في «الكامل» (٢): لمّا ولي الظّاهر [الخلافة] أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنّة العمرين؛ فلو قيل: إنّه ما ولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا، فإنّه أعاد من الأموال المغصوبة، والأملاك المأخوذة في أيّام أبيه وقبلها شيئا كثيرا، وأبطل المكوس في البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدّده أبوه وكان ذلك كثيرا لا يحصى.
فمن ذلك [أنّ قرية] بعقوبا (٣) كان يحصل منها قديما عشرة آلاف دينار، فلمّا استخلف النّاصر كان يؤخذ منها في السّنة ثمانون ألف دينار، فاستغاث أهلها فأعادها الظّاهر إلى الخراج الأوّل.
стр. 534
ولمّا أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق، وذكروا أنّ أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت، فأمر أن لا يؤخذ إلاّ من كلّ شجرة سالمة.
ومن عدله أنّ صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال، يقبضون بها، ويعطون بصنجة البلد؛ فخرج خطّه إلى الوزير وأوّله ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١) الآيات، وفيه: قد بلغنا [أن الأمر] كذا وكذا، فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به النّاس، فكتبوا إليه أنّ هذا فيه تفاوت كثير، وقد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار؛ فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول: يبطل ولو أنّه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار.
ومن عدله أنّ صاحب الدّيوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم، فردّها على أربابها؛ وأخرج أهل الحبوس وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفّيها عمّن أعسر؛ وفرّق ليلة عيد النّحر على العلماء والصّلحاء مائة ألف دينار؛ وقيل له: هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه؛ فقال: أنا فتحت الدّكّان بعد العصر، فاتركوني أفعل الخير، فكم بقيت أعيش؟.
ووجد (٢) في بيت من داره ألوف رقاع كلّها مختومة [لم يفتحها]، فقيل له: لم لا تفتحها؟ قال: لا حاجة لنا فيها؛ كلّها سعايات؛ وهذا كلّه كلام ابن الأثير.
وقال سبط ابن الجوزي (٣): لمّا دخل إلى الخزائن قال له خادم: كانت في أيّام آبائك تمتلئ؛ فقال: ما جعلت الخزائن لتمتلئ، بل تفرغ وتنفق في سبيل اللّه؛ فإنّ الجمع شغل التّجّار.
وقال ابن واصل (٤): أظهر العدل، وأزال المكس، وظهر للنّاس، وكان أبوه لا يظهر إلاّ نادرا.
стр. 535
توفي ﵀ في ثالث عشر رجب، سنة ثلاث وعشرين؛ فكانت خلافته تسعة أشهر وأيّاما.
وقد روى الحديث عن والده بالإجازة، وروى عنه أبو صالح نصر بن عبد الرّزّاق بن الشّيخ عبد القادر الجيلي.
ولمّا توفي اتّفق خسوف القمر مرّتين في السّنة.
فجاء ابن الأثير نصر اللّه رسولا من صاحب الموصل برسالة في التّعزية؛ أوّلها:
ما للّيل والنّهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما، وما للّشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما (١): [من الطويل]
فيا وحشة الدّنيا وكانت أنيسة … ووحدة من فيها لمصرع واحد
وهو سيّدنا ومولانا الإمام الظّاهر أمير المؤمنين، الذي جعلت ولايته رحمة للعالمين؛ إلى آخر الرّسالة.
* * *
стр. 536
المستنصر باللّه، أبو جعفر (٤)
المستنصر باللّه: أبو جعفر، منصور بن الظّاهر بأمر اللّه.
ولد في صفر، سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وأمّه جارية تركيّة.
قال ابن النّجّار (١): وبويع بعد موت أبيه في رجب، سنة ثلاث وعشرين وستّمائة؛ فنشر العدل في الرّعايا، وبذل الإنصاف في القضايا، وقرّب أهل العلم والدّين، وبنى المساجد والرّبط والمدارس والمارستانات، وأقام منار الدّين، وقمع المتمرّدة، ونشر السّنن، وكفّ الفتن، وحمل النّاس على أقوم سنن، وقام بأمر الجهاد أحسن قيام، وجمع الجيوش لنصرة الإسلام، وحفظ الثّغور، وافتتح الحصون.
وقال الموفّق عبد اللّطيف (٢): بويع أبو جعفر فسار السّيرة الجميلة، وعمّر طرق المعروف الدّاثرة، وأقام شعار الدّين، ومنار الإسلام، واجتمعت القلوب على محبّته، والألسن على مدحه، ولم يجد أحد من المتعنّتة فيه معابا.
وكان جدّه النّاصر يقرّبه ويسمّيه القاضي، لهديه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر.
وقال الحافظ زكي الدّين عبد العظيم المنذري (٣): كان المستنصر راغبا في فعل الخير، مجتهدا في تكثير البرّ، وله في ذلك آثار جميلة، وأنشأ المدرسة
стр. 537
المستنصرية، ورتّب فيها الرّواتب الحسنة لأهل العلم.
وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بني على وجه الأرض أحسن منها، ولا أكثر منها وقوفا، وهي بأربعة مدرّسين على المذاهب الأربعة، وعمل فيها مارستانا، ورتّب فيها مطبخا للفقهاء، ومزمّلة للماء البارد، ورتّب لبيوت الفقهاء الحصر، والبسط، والزّيت، والورق، والحبر، وغير ذلك، وللفقيه بعد ذلك في الشّهر ديناران، ورتّب لهم حمّاما، وهو أمر لم يسبق إلى مثله.
واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جدّه.
وكان ذا همّة عالية، وشجاعة، وإقدام عظيم، وقصدت التّتار البلد، فلقيهم عسكره، فهزموا التّتار هزيمة عظيمة، وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة، وكان يقول: لئن ولّيت لأعبرنّ بالعسكر نهر جيحون، وآخذ البلاد من أيدي التّتار وأستأصلهم؛ فلمّا مات المستنصر لم ير الدّويدار ولا الشّرابي تقليد الخفاجي خوفا منه، وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، من هلاك المسلمين في مدّته؛ وتغلّب التّتار؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
قال الذهبي (١): وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيّفا وسبعين ألف مثقال، وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين، وتمّت في سنة إحدى وثلاثين، ونقل إليها الكتب وهي مائة وستّون حملا من الكتب النّفيسة، وعدد فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعة مدرّسون، وشيخ حديث، وشيخ نحو، وشيخ طبّ، وشيخ فرائض، ورتّب فيها الخبز والطّبيخ، والحلاوة، والفاكهة، وجعل فيها ثلاثين يتيما، ووقف عليها ما لا يعبّر عنه كثرة - ثم سرد الذّهبي القرى والرّباع الموقوفة عليها - وقال: وفتحت يوم الخميس في [خامس] رجب، وحضر القضاة والمدرّسون والأعيان وسائر الدّولة، وكان يوما مشهودا.
ومن الحوادث في أيّام المستنصرة: في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفيّة، وفرغت في سنة ثلاثين.
стр. 538
وفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدّراهم الفضّيّة ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذّهب؛ فجلس الوزير وأحضر الولاة والتّجّار والصّيارفة، وفرشت الأنطاع، وأفرغ عليها الدّراهم؛ وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذه الدّراهم، عوضا عن قراضة الذّهب رفقا بكم وإنقاذا لكم من التّعامل بالحرام من الصّرف الرّبوي؛ فأعلنوا بالدّعاء، ثم أديرت بالعراق، وسعّرت كلّ عشرة بدينار؛ فقال الموفّق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد (١): [من الخفيف]
لا عدمنا جميل رأيك فينا … أنت باعدتنا عن التّطفيف
ورسمت اللّجين حتّى ألفنا … هـ وما كان قبل بالمألوف
ليس للجمع كان منعك للصّر … ف ولكن للعدل والتّعريف
وفي سنة خمس وثلاثين وستّمائة ولي قضاء دمشق شمس الدّين أحمد الخويّي، وهو أوّل قاض رتّب مراكز الشّهود بالبلد، وكان قبل ذلك يذهب النّاس إلى بيوت العدول يشهّدونهم.
وفيها مات الأخوان: السّلطان الأشرف صاحب دمشق، والكامل صاحب مصر بعده بشهرين.
وسلطن بمصر ولد الكامل قلامة (٢) ولقّب العادل، ثم خلع وتملّك أخوه الصّالح أيوب نجم الدّين.
وفي سنة سبع وثلاثين وستّمائة، ولي خطابة دمشق الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام، فخطب خطبة عريّة من البدع، وأزال الأعلام المذهّبة، وأقام هو عوضها سودا بأبيض، ولم يؤذّن قدّامه سوى مؤذّن واحد.
وفيها قدم رسول الأمير الذي تملّك اليمن نور الدّين عمر بن علي بن رسول التّركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السّلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل، وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستّين وثمانمائة.
стр. 539
وفي سنة تسع وثلاثين وستّمائة بنى الصّالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالرّوضة، ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستّمائة.
وفي سنة أربعين وستّمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، ورثاه الشّعراء؛ فمن ذلك قول صفيّ الدّين عبد اللّه بن جميل [حاجب المخزن (١): [من الكامل]
عزّ العزاء وأعوز الإلمام … واسترجعت ما أعطت الأيّام
فدع العيون تسحّ بعد فراقهم … عوض الدّموع دما فليس تلام
بانوا فلا قلبي يقرّ قراره … أسفا ولا جفني القريح ينام
فعلى الذين فقدتهم وعدمتهم … منّي تحيّة موجع وسلام]
ومن مناقب المستنصر: أنّ الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها: [من الكامل]
لو كنت في يوم السّقيفة حاضرا … كنت المقدّم والإمام الأورعا
فقال له قائل بحضرته: أخطأت، قد كان حاضرا العبّاس جدّ أمير المؤمنين، ولم يكن المقدّم إلاّ أبو بكر؛ فأقرّ ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة، وأمر بنفي الوجيه، فخرج إلى مصر؛ حكاها الذّهبي.
* * * وممّن مات في أيّام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرّافعي، والجمال المصري، وابن معزوز النّحوي، وياقوت الحموي، والسّكاكي صاحب «المفتاح»، والحافظ أبو الحسن بن القطّان، ويحيى بن معطي صاحب «الألفيّة» في النّحو، والموفّق عبد اللّطيف البغدادي، والحافظ أبو بكر ابن نقطة، والحافظ عزّ الدّين عليّ بن الأثير صاحب «التّاريخ»، و «الأنساب»، و «أسد الغابة»، وابن عتبى الشّاعر، والسّيف الآمدي، وابن فضلان، وعمر بن الفارض صاحب
стр. 540
«التّائيّة»، والشّهاب السّهروردي صاحب «عوارف المعارف» والبهاء ابن شدّاد، وأبو العبّاس العوفي صاحب «المولد النبوي»، والعلاّمة أبو الخطّاب ابن دحية، وأخوه أبو عمرو، والحافظ أبو الرّبيع بن سالم صاحب «الاكتفاء» في المغازي، وابن الشّوّاء الشّاعر، والحافظ زكي الدّين البرزالي، والجمال الحصري شيخ الحنفيّة، والشّمس الخويي، والحرّاني، وأبو عبد اللّه الزّيني، وأبو البركات ابن المستوفي، والضّياء ابن الأثير صاحب «المثل السّائر»، وابن عربي صاحب «الفصوص»، والكمال ابن يونس شارح «التّنبيه»؛ وخلائق آخرون.
* * *
стр. 541
المستعصم باللّه، أبو أحمد (٢)
المستعصم باللّه: أبو أحمد، عبد اللّه بن المستنصر باللّه، آخر الخلفاء العراقيّين.
ولد سنة تسع وستّمائة.
وأمّه أمّ ولد اسمها هاجر.
وبويع له بالخلافة عند موت أبيه.
وأجاز له على يد ابن النّجّار المؤيّد الطّوسي وأبو روح الهروي وجماعة.
وروى عنه بالإجازة جماعة: منهم النّجم البادرائي، والشّرف الدّمياطي؛ وخرّج له الدّمياطي أربعين حديثا رأيتها بخطّه.
وكان كريما، حليما، سليم الباطن، حسن الدّيانة.
قال الشّيخ قطب الدّين (١): كان متديّنا، متمسّكا بالسّنّة كأبيه وجدّه، ولكنه لم يكن مثلهما في التّيقّظ والحزم وعلوّ الهمّة، وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشّجاعة والشّهامة، وكان يقول: إن ملّكني اللّه الأمر لأعبرنّ بالجيوش نهر جيحون، وأنتزع البلاد من التّتار وأستأصلهم؛ فلمّا توفي المستنصر لم ير الدّويدار والشّرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر، وخافوا منه، وآثروا المستعصم للينه وانقياده؛ ليكون لهم الأمر؛ فأقاموه، ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيّد الدّين العلقميّ الرّافضي، فأهلك الحرث والنّسل، ولعب بالخليفة كيف أراد، وباطن التّتار، وناصحهم، وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد، وقطع الدّولة
стр. 542
العبّاسيّة ليقيم خليفة من آل عليّ، وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة، ويطالع بأخبار الخليفة التّتار إلى أن حصل ما حصل.
وفي سنة سبع وأربعين من أيّامه، أخذت الفرنج دمياط، والسّلطان الملك الصّالح مريض، فمات ليلة نصف شعبان، فأخفت جاريته أمّ خليل المسمّاة «شجرة الدّرّ» موته، وأرسلت إلى ولده توران شاه، الملك المعظم، فحضر، ثم لم يلبث أن قتل في المحرّم سنة ثمان وأربعين وستّمائة، وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه، وأمّروا عليهم جارية أبيه «شجرة الدّرّ»، وحلف لها الأتراك ولنائبها عزّ الدين أيبك التّركماني، فشرعت «شجرة الدّرّ» في الخلع للأمراء والأعطيات.
ثم استقلّ عزّ الدّين بالسّلطنة في ربيع الآخر، ولقّب «الملك المعزّ» ثم تنصّل منها، وحلف العسكر للملك الأشرف ابن صلاح الدّين يوسف بن المسعود بن الكامل، وله ثمان سنين، وبقي عزّ الدّين أتابكه، وخطب لهما، وضربت السّكّة باسمهما.
وفيه هذه السّنة - أعني سنة ثمان - استردّت دمياط من الفرنج.
وفي سنة اثنتين وخمسين وستّمائة ظهرت نار في أرض عدن، وكان يطير شررها في اللّيل إلى البحر، ويصعد منها دخان عظيم في النّهار.
وفيها أبطل المعزّ اسم الملك الأشرف، واستقلّ بالسّلطنة.
وفي سنة أربع وخمسين ظهرت النّار بالمدينة النّبويّة.
قال أبو شامة (١): جاءنا كتب من المدينة فيها: لمّا كانت ليلة الأربعاء، ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دويّ عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشّهر، فظهرت نار عظيمة في الحرّة قريبا من قريظة، نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادى شظا سيل الماء، وطلعنا نبصرها، فإذا الجبال تسيل نارا، وسارت هكذا وهكذا بين نيران كأنّها الجبال، وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوؤها من مكة ومن الفلاة جميعها، واجتمع النّاس
стр. 543
كلّهم إلى القبر الشّريف مستغفرين تائبين، واستمرّت هكذا أكثر من شهر.
قال الذّهبي: أمر هذه النّار متواتر، وهي ممّا أخبر به المصطفى ﷺ ، حيث قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» وقد حكى غير واحد ممّن كان ببصرى في اللّيل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.
وفي سنة خمس وخمسين وستّمائة مات المعزّ أيبك سلطان مصر، قتلته زوجته «شجرة الدّرّ»، وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور عليّ، هذا والتّتار جائلون في البلاد، وشرّهم متزايد، ونارهم تستعر، والخليفة والنّاس في غفلة عمّا يراد بهم، والوزير العلقمي حريص على إزالة الدّولة العبّاسيّة ونقلها إلى العلويّة، والرّسل في السّرّ بينه وبين التّتار، والمستعصم تائه في لذّاته، لا يطّلع على الأمور، ولا له غرض في المصلحة.
وكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جدّا، وكان مع ذلك يصانع التّتار ويهادنهم ويرضيهم؛ فلما استخلف المستعصم كان خليّا من الرّأي والتّدبير، فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند، وأن مصانعة التّتار وإكرامهم يحصل به المقصود، ففعل ذلك.
ثم إن الوزير كاتب التتار، وأطمعهم في البلاد، وسهّل عليهم ذلك، وطلب أن يكون نائبهم، فوعدوه بذلك، وتأهّبوا لقصد بغداد.
شرح حال التّتار ملخّصا
قال الموفّق عبد اللّطيف في خبر التّتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ ينسي التّواريخ، ونازلة تصغّر كلّ نازلة، وفادحة تطبّق الأرض، وتملؤها ما بين الطّول والعرض، وهذه الأمّة لغتهم مشوبة بلغة الهند؛ لأنّهم في جوارهم، وبينهم وبين مكّة أربعة أشهر، وهم بالنّسبة إلى التّرك عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة
стр. 544
في الجسم والرّأي، تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلّما يقدر جاسوس أن يتمكّن منهم؛ لأنّ الغريب لا يتشبّه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتّى يدخلوه، ولا عسكر حتّى يخالطوه، فلهذا تفسد على النّاس وجوه الحيل، وتضيق طرق الهرب، ونساؤهم يقاتلن كرجالهم، والغالب على سلاحهم النّشّاب، وأكلهم أيّ لحم وجد، وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء، يقتلون الرّجال والنّساء والأطفال، وكان قصدهم إفناء النّوع، وإبادة العالم، لا قصد الملك والمال.
وقال غيره: أرض التّتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكّان براري، ومشهورون بالشّرّ والغدر.
وسبب ظهورهم أنّ إقليم الصّين متّسع، دوره ستّة أشهر، وهو ستّ ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك السّتّ، هو القان الأكبر المقيم بطمغاج، وهو كالخليفة للمسلمين.
وكان سلطان إحدى الممالك السّتّ - وهو «دوش خان» - قد تزوّج بعمة جنكز خان، فحضر زائرا لعمّته، وقد مات زوجها؛ وكان قد حضر جنكز خان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلّف ولدا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام، وانضمّ إليه خلق من المغول؛ ثم سيّر التّقادم إلى القان الأكبر، فاستشاط غيظا، وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت، وطردها، وقتل الرّسل؛ لكون التّتار لم يتقدّم لهم سابقة بتملّك، إنّما هم بادية الصّين؛ فلمّا سمع جنكز خان وصاحبه كشلو خان تحالفا على التّعاضد، وأظهرا الخلاف للقان، وأتتهما أمم كثيرة من التّتار، وعلم القان قوّتهم وشرّهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنّه ينذرهم ويهدّدهم، فلم يغن ذلك شيئا؛ ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا القان الأعظم، وملكوا بلاده، واستفحل شرّهم، واستمرّ الملك بين جنكز خان وكشلو خان على المشاركة.
ثم سارا إلى بلاساغون من نواحي الصّين فملكاها، فمات كشلو خان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكز خان، فوثب عليه وظفر به، واستقلّ جنكز خان، ودانت له
стр. 545
التّتار، وانقادت له، واعتقدوا فيه الإلهيّة، وبالغوا في طاعته.
ثم كان أوّل خروجهم في سنة ستّ وستّمائة من بلادهم إلى نواحي التّرك وفرغانة، فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك وأخذ الممالك، وعزم على قصد الخليفة، فلم يتهيّأ له كما تقدّم، فأمر أهل فرغانة والشّاش وكاسان وتلك البلاد النّزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها، ثم خرّبها جميعا خوفا من التّتار أن يملكوها؛ لعلمه انّه لا طاقة له بهم.
ثم صارت التّتار يتخطّفون ويتنقّلون إلى سنة خمس عشرة، فأرسل فيها جنكز خان إلى السّلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا، وقال الرّسول: إنّ القان الأعظم يسلّم عليك ويقول لك: ليس يخفى عليّ عظم شأنك، وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثل أعزّ أولادي، وغير خاف عنك أنّني تملّكت الصين، وأنت أخبر النّاس ببلادي، وأنّها مثارات العساكر والخيول، ومعادن الذهب والفضّة، وفيها كفاية عن غيرها، فإن رايت أن تعقد بيننا المودّة، وتأمر التّجّار بالسّفر لتعلّم المصلحتين فعلت، فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه، وبشّر جنكز خان بذلك، واستمرّ الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجّار.
وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النّهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرهت نفسه إلى أموال التّجّار، وكاتب السّلطان يقول: إنّ هؤلاء القوم قد جاءوا بزيّ التّجّار، وما قصدهم إلاّ التّجسّس، فإن أذنت لي فيهم؛ فأذن له بالاحتياط عليهم، فقبض عليهم وأخذ أموالهم، فوردت رسل جنكز خان إلى خوارزم شاه تقول: إنّك أعطيت أمانك التّجّار فغدرت، والغدر قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبح؛ فإن زعمت أنّ الذي فعله خالك بغير أمرك فسلّمه إلينا، وإلاّ سوف تشاهد منّي ما تعرفني به؛ فحصل عند خوارزم شاه من الرّعب ما خامر عقله، فتجلّد، وأمر بقتل الرّسل، فقتلوا.
فيا لها من حركة كم أهدرت من دماء المسلمين وأجرت بكلّ نقطة سيلا من الدّم.
ثم سار جنكز خان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور؛ ثم ساق
стр. 546
إلى برج همذان رعبا من التّتار، فأحدق به العدوّ، فقتلوا كلّ من معه، ونجا هو بنفسه، فخاض الماء إلى جزيرة، ولحقته علّة ذات الجنب، فمات بها وحيدا فريدا، وكفّن في شاش فرّاش كان معه؛ وذلك في سنة سبع عشرة، وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه.
قال سبط ابن الجوزي: كان أوّل ظهور التّتار بما وراء النّهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بخارى وسمرقند، وقتلوا أهلها، وحاصروا خوارزم شاه. ثم بعد ذلك عبروا النّهر، وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التّتار أحدا في وجههم، فطاروا في البلاد قتلا وسبيا، وساقوا إلى أن وصلوا إلى همذان وقزوين في هذه السنة.
وقال ابن الأثير في «كامله» (١): حادثة التّتار من الحوادث العظمى، والمصائب الكبرى، التي عقمت الدهور عن مثلها، عمّت الخلائق، وخصّت المسلمين؛ فلو قال قائل: إنّ العالم منذ خلقه اللّه تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإنّ التّواريخ لم تتضمّن ما يقاربها.
ومن أعظم ما يذكرون فعل بخت نصّر ببني إسرائيل بالبيت المقدس؛ وما البيت المقدس بالنّسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام؟ وما بنو إسرائيل بالنّسبة إلى ما قتلوا؟.
فهذه الحادثة التي استطار شرّها، وعمّ ضررها، وسارت في البلاد كالسّحاب استدبرته الرّيح، فإنّ قوما خرجوا من أطراف الصّين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها، ويبيدون أهلها، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها هلكا وتخريبا وقتلا وإبادة، وإلى الرّيّ وهمذان إلى حدّ العراق؛ ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها، ويخرّبونها، ويستبيحونها في أقلّ من سنة! [هذا] أمر لم يسمع بمثله.
ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان، فملكوا مدنها وعبروا من عندها إلى
стр. 547
بلاد اللاّن، واللّكز، فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم أكثر من التّرك عددا، فقتلوا من وقف، وهرب الباقون، واستولى التّتار عليها.
ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان، وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء، بل أشدّ.
هذا لم يطرق الأسماع مثله، فإنّ الإسكندر الذي ملك الدّنيا لم يملكها في هذه السّرعة، وإنّما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، وإنّما رضي بالطّاعة؛ وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلاّ وهو خائف يترقّب وصولهم إليه.
ثم إنّهم لم يحتاجوا إلى ميرة، ومددهم يأتيهم، فإنّهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها، لا غير.
وأمّا خيلهم فإنّها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النّبات، ولا تعرف الشّعير.
وأمّا ديانتهم فإنّهم يسجدون للشّمس عند طلوعها، ولا يحرّمون شيئا، ويأكلون جميع الدّوابّ، وبني آدم، ولا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد.
ولمّا دخلت سنة ستّ وخمسين وصل التّتار إلى بغداد، وهم مائتا ألف، ويقدمهم هلاكو، فخرج إليهم عسكر الخليفة، فهزم العسكر.
ودخلوا بغداد يوم عاشوراء، فأشار الوزير - لعنه اللّه - على المستعصم بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصّلح؛ فخرج وتوثّق بنفسه منهم، وورد إلى الخليفة، وقال: إنّ الملك قد رغب في أن يزوّج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الرّوم في سلطنته، ولا يريد إلاّ أن تكون الطّاعة كما كان أجدادك مع السّلاطين السّلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه، فليجب مولانا إلى هذا، فإنّ فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد؛ والرّأي أن تخرج إليه.
فخرج إليه في جمع من الأعيان، فأنزل في خيمة.
стр. 548
ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد، فضربت أعناقهم، وصار كذلك؛ تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، حتّى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجّاب والكبار.
ثم مدّ الجسر، وبذل السّيف في بغداد، واستمرّ القتال فيها نحو أربعين يوما، فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة، ولم يسلم إلاّ من اختفى في بئر أو قناة؛ وقتل الخليفة رفسا.
قال الذّهبي: وما أظنّه دفن.
وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه، وأسر بعضهم، وكانت بليّة لم يصب الإسلام بمثلها، ولم يتمّ للوزير ما أراد، وذاق من التّتار الذّلّ والهوان، ولم تطل أيّامه بعد ذلك.
وعملت الشّعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها؛ وتمثّل بقول سبط [ابن] التّعاويذي (١): [من الكامل]
بادت وأهلوها معا فبيوتهم … ببقاء مولانا الوزير خراب
وقال بعضهم (٢): [من الكامل]
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي … حزنا على ما تمّ للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه … لابن الفرات فصار لابن العلقمي
وكان آخر خطبة خطبت ببغداد: قال الخطيب في أوّلها: الحمد للّه الذي هدم بالموت مشيّد الأعمار، وحكم بالفناء على أهل هذه الدّار؛ هذا والسّيف قائم بها.
ولتقيّ الدّين بن أبي اليسر قصيدة مشهورة في بغداد، وهي هذه (٣): [من البسيط]
لسائل الدّمع عن بغداد أخبار … فما وقوفك والأحباب قد ساروا
стр. 549
يا زائرين إلى الزّوراء لا تفدوا … فما بذاك الحمى والدّار ديّار
تاج الخلافة والرّبع الذي شرفت … به المعالم قد عفّاه إقفار
أضحى لعصف البلى في ربعه أثر … وللدّموع على الآثار آثار
يا نار قلبي من نار لحرب وغى … شبّت عليه ووافى الرّبع إعصار
علا الصّليب على أعلى منابرها … وقام بالأمر من يحويه زنّار
وكم حريم سبته التّرك غاصبة؟ … وكان من دون ذاك السّتر أستار
وكم بدور على البدريّة انخسفت؟ … ولم يعد لبدور منه إبدار
وكم ذخائر أضحت وهي شائعة؟ … من النّهاب وقد حازته كفّار
وكم حدود أقيمت من سيوفهم؟ … على الرّقاب وحطّت فيه أوزار
ناديت والسّبي مهتوك تجرّ بهم … إلى السّفاح من الأعداء دعّار
ولمّا فرغ هلاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد، وأقام على العراق نوّابه، وكان ابن العلقميّ حسّن لهم أن يقيموا خليفة علويّا، فلم يوافقوه واطّرحوه، وصار معهم في صورة بعض الغلمان، ومات كمدا؛ لا ﵀، ولا عفا عنه.
ثم أرسل هلاكو إلى النّاصر صاحب دمشق كتابا صورته: يعلم السّلطان الملك النّاصر - طال بقاؤه - أنّه لمّا توجّهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم، فقتلناهم بسيف اللّه، ثم خرج إلينا رؤساء البلد ومقدّموها؛ فكان قصارى كلامهم سببا لهلاك نفوس تستحقّ الإهلاك، وأمّا ما كان من صاحب البلدة فإنّه خرج إلى خدمتنا، ودخل تحت عبوديّتنا، فسألناه عن أشياء كذبنا فيها، فاستحقّ الإعدام، وكان كذبه ظاهرا ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً﴾ (١) أجب ملك البسيطة ولا تقولنّ: قلاعي المانعات، ورجالي المقاتلات، وقد بلغنا أنّ شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة، وإلى جنابك لائذة (٢): [من الكامل]
أين المفرّ ولا مفرّ لهارب … ولنا البسيطان الثّرى والماء
стр. 550
فساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشّام سماءها أرضا، وطولها عرضا، والسّلام.
ثم أرسل له كتابا ثانيا يقول فيه: خدمة ملك ناصر - طال عمره - أمّا بعد؛ فإنّا فتحنا بغداد، واستأصلنا ملكها وملكها، وكان قد ظنّ - وقد فتن بالأموال، ولم ينافس في الرّجال - أنّ ملكه يبقى على ذلك الحال، وقد علا ذكره ونمى قدره، فخسف في الكمال بدره (١): [من المتقارب]
إذا تمّ أمر بدا نقصه … توقّع زوالا إذا قيل تمّ
ونحن في طلب الازدياد، على ممرّ الآباد، فلا تكن كالذين ﴿نَسُوا اَللّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢) وأبد ما في نفسك إمّا إمساك ﴿بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾ (٣) أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شرّه، وتنل برّه، واسع إليه بأموالك ورجالك، ولا تعوّق رسلنا، والسّلام.
ثم أرسل إليه كتابا ثالثا يقول فيه: أمّا بعد؛ فنحن جنود اللّه، بنا ينتقم ممّن عتا وتجبّر، وطغى وتكبّر، وبأمر اللّه ما ائتمر؛ إن عوتب تنمّر، وإن روجع استمرّ، ونحن قد أهلكنا البلاد، وأبدنا العباد، وقتلنا النّسوان والأولاد، فيا أيّها الباقون، أنتم بمن مضى لاحقون؛ ويا أيّها الغافلون، أنتم إليها تساقون، ونحن جيوش الهلكة، لا جيوش المملكة، مقصودنا الانتقام، وملكنا لا يرام، ونزيلنا لا يضام.
[من الرجز]
وعدلنا في ملكنا قد اشتهر … ومن سيوفنا [إلى] أين المفرّ
[من الكامل] (٤)
أين المفرّ ولا مفرّ لهارب … ولنا البسيطان الثّرى والماء
стр. 551
ذلّت لهيبتنا الأسود وأصبحت … في قبضتي الأمراء والخلفاء
ونحن إليكم صائرون، [ولكم طالبون،] ولكم الهرب، وعلينا الطلب (١):
[من الطويل]
ستعلم ليلى أيّ دين تداينت … وأيّ غريم بالتّقاضي غريمها؟
دمّرنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأهلكنا العباد، وأذقناهم العذاب، وجعلنا عظيمهم صغيرا، وأميرهم أسيرا؛ تحسبون أنّكم منّا ناجون أو متخلّصون، وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون، وقد أعذر من أنذر.
ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدّنيا بلا خليفة.
وفيها نزل التّتار على آمد، وكان صاحب مصر المنصور عليّ بن المعزّ صبيّا، وأتابكه الأمير سيف الدّين قطز المعزّي مملوك أبيه، وقدم الصّاحب كمال الدّين ابن العديم إليهم رسولا يطلب النّجدة على التّتار؛ فجمع قطز الأمراء والأعيان، فحضر الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام - وكان المشار إليه في الكلام - فقال الشّيخ عزّ الدّين:
إذا طرق العدوّ البلاد وجب على العالم كلّهم قتالهم، وجاز أن يؤخذ من الرعيّة ما يستعان به على جهازهم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كلّ منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامّة؛ وأمّا أخذ أموال العامّة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا.
ثم بعد أيّام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور، وقال: هذا صبيّ، والوقت صعب، ولا بدّ من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد؛ وتسلطن قطز ولقّب ب «الملك المظفّر».
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين، والوقت أيضا بلا خليفة.
وفيها قطع التّتار الفرات، ووصلوا إلى حلب، وبذلوا السّيف فيها، ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريّون في شعبان متوجّهين إلى الشّام لقتال التّتار؛ فأقبل المظفّر
стр. 552
بالجيوش وشاليشه ركن الدّين بيبرس البندقداري، فالتقوا هم والتّتار عند عين جالوت، ووقع المصافّ، وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان، فهزم التّتار شرّ هزيمة، وانتصر المسلمون وللّه الحمد، وقتل من التّتار مقتلة عظيمة، وولّوا الأدبار، وطمع النّاس فيهم يتخطّفونهم وينهبونهم.
وجاء كتاب المظفّر إلى دمشق بالنّصر، فطار النّاس فرحا؛ ثم دخل المظفّر إلى دمشق مؤيّدا منصورا، واحبّه الخلق غاية المحبّة، وساق بيبرس وراء التّتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد، ووعده السّلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك، فتأثّر بيبرس من ذلك، وكان ذلك مبدأ الوحشة.
وكان المظفّر عزم على التوجّه إلى حلب لينظّف آثار البلاد من التّتار، فبلغه أنّ بيبرس تنكّر له وعمل عليه، فصرف وجهه عن ذلك، ورجع إلى مصر وقد أضمر الشّرّ لبيبرس، وأسرّ ذلك إلى بعض خواصّه، فأطلع على ذلك بيبرس، فساروا إلى مصر وكلّ منهما محترس من صاحبه، فاتّفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفّر، فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة.
وتسلطن بيبرس ولقّب بالملك القاهر، ودخل مصر، وأزال عن أهلها ما كان المظفّر قد أحدثه عليهم من المظالم، وأشار عليه الوزير زين الملّة والدّين ابن الزّبير بأن يغيّر هذا اللّقب وقال: ما لقّب به أحد فأفلح: لقّب به القاهر بن المعتضد، فخلع بعد قليل وسمل، ولقّب به القاهر ابن صاحب الموصل فسمّ، فأبطل السّلطان هذا اللّقب وتلقّب بالملك الظّاهر.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين، والوقت أيضا بلا خليفة إلى رجب، فأقيمت بمصر الخلافة، وبويع المستنصر كما سنذكره، وكان مدّة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصفا.
* * * وممّن مات في أيّام المستعصم من الأعلام: الحافظ تقيّ الدّين الصّريفيني، والحافظ أبو القاسم ابن الطليسان، وشمس الأئمّة الكردري من كبار الحنفيّة، والشّيخ تقيّ الدين ابن الصّلاح، والعلم السّخاوي، والحافظ محبّ الدّين ابن النّجّار مؤرخ
стр. 553
بغداد، ومنتخب الدّين «شارح المفصّل»، وابن يعيش النّحوي، وأبو الحجّاج الأقصري الزّاهد، وأبو علي الشّلوبيني النّحوي، وابن البيطار صاحب «المفردات»، والعلاّمة جمال الدّين بن الحاجب إمام المالكيّة، وأبو الحسن ابن الدّبّاج النّحوي، والقفطي صاحب «تاريخ النّحاة»، وأفضل الدّين الخونجي صاحب «المنطق»، والأزدي، والحافظ يوسف بن خليل، والبهاء ابن بنت الحميري، والجمال ابن عمرون النّحوي، والرّضيّ الصّغاني اللّغوي صاحب «العباب» وغيره، والكمال عبد الواحد الزّملكاني صاحب «المعاني والبيان»، و «إعجاز القرآن»، والشّمس الخسروشاهيّ، والمجد ابن تيميّة، ويوسف سبط ابن الجوزي صاحب «مرآة الزّمان»، وابن باطيش من كبار الشّافعيّة، والنّجم البادرائي، وابن أبي الفضل المرسي صاحب «التفسير». وخلائق آخرون.
فصل
ومات في مدّة انقطاع الخلافة من الأعلام: الزّكيّ عبد العظيم المنذري، والشّيخ أبو الحسن الشّاذلي شيخ الطائفة الشّاذليّة، وشعبة المقرئ، والفاسي شارح «الشّاطبيّة»، وسعد الدّين ابن العزّي الشّاعر، والصّرصري الشّاعر، وابن الأبّار مؤرخ الأندلس؛ وآخرون.
* * *
стр. 554
المستنصر باللّه أحمد (٢)
المستنصر باللّه: أحمد، أبو القاسم، بن الظّاهر بأمر اللّه أبي نصر محمد بن النّاصر لدين اللّه أحمد.
قال الشّيخ قطب الدّين (١): كان محبوسا ببغداد، فلمّا أخذت التّتار بغداد أطلق فهرب، وصار إلى عرب العراق، فلمّا تسلطن الملك الظّاهر بيبرس وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بني مهارش، فركب السّلطان للقائه ومعه القضاة والدّولة، فشقّ القاهرة، ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدّين ابن بنت الأعزّ.
ثم بويع له بالخلافة، فأوّل من بايعه السلطان، ثم قاضي القضاة تاج الدّين، ثم الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام، ثم الكبار على مراتبهم، وذلك في ثالث عشر رجب، ونقش اسمه على السّكّة، وخطب له، ولقّب بلقب أخيه، وفرح النّاس.
وركب يوم الجمعة وعليه السّواد إلى جامع القلعة، وصعد المنبر، وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العبّاس، ودعا فيها للسّلطان والمسلمين، ثم صلّى بالنّاس، ثم رسم بعمل خلعة خليفة السّلطان، وبكتابة تقليد له، ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة، وركب المستنصر باللّه والسّلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة، وحضر القضاة والأمراء والوزير، فألبس الخليفة السّلطان الخلعة بيده وطوّقه، ونصب منبر فصعد عليه فخر الدّين ابن لقمان فقرأ التّقليد، ثم ركب السّلطان بالخلعة، ودخل من باب النّصر، وزيّنت القاهرة، وحمل الصّاحب التّقليد على رأسه راكبا والأمراء مشاة.
стр. 555
ورتّب السّلطان للخليفة أتابكا، وأستادارا، وشرابيّا، وخازندارا، وحاجبا، وكاتبا، وعيّن له خزانة، وجملة مماليك، ومائة فرس، وثلاثين بغلا، وعشرة قطارات جمال، إلى أمثال ذلك.
قال الذّهبي: ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلاّ هذا والمقتفي.
وأمّا صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش، فإنّه أقام بحلب خليفة ولقّبه الحاكم بأمر اللّه، وخطب له، ونقش اسمه على الدّراهم.
ثم إنّ المستنصر هذا عزم على التّوجّه إلى العراق، فخرج معه السّلطان يشيّعه إلى أن دخلوا دمشق؛ ثم جهّز السّلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل، وغرم عليه وعليهم من الذّهب ألف ألف دينار وستّين ألف درهم (١)، فسار الخليفة ومعه ملوك الشّرق وصاحب سنجار، فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم، ودان له، ودخل تحت طاعته، ثم سار ففتح الحديثة، ثم هيت، فجاءه عسكر من التّتار، فتصافّوا له، فقتل من المسلمين جماعة، وعدم الخليفة المستنصر، فقيل: قتل وهو الظّاهر، وقيل:
سلم وهرب فأضمرته البلاد؛ وذلك في الثّالث من المحرّم سنة ستّين، فكانت خلافته دون ستّة أشهر، وتولّى بعده بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته.
* * *
стр. 556
الحاكم بأمر اللّه، أبو العبّاس (٢)
الحاكم بأمر اللّه: أبو العبّاس، أحمد بن أبي علي الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي القبّيّ - بضمّ القاف وتشديد الباء الموحّدة - بن الخليفة المسترشد باللّه ابن المستظهر باللّه.
كان اختفى وقت أخذ بغداد ونجا، ثم خرج منها وفي صحبته جماعة، فقصد حسين بن فلاح أمير بني خفاجة، فأقام عنده مدّة، ثم توصّل مع العربيّ إلى دمشق، وأقام عند الأمير عيسى بن مهنّا مدّة، فطالع به النّاصر صاحب دمشق، فأرسل يطلبه فبغته مجيء التّتار، فلمّا جاء الملك المظفّر دمشق سيّر في طلبه الأمير قلجّ البغدادي، فاجتمع به وبايعه بالخلافة، وتوجّه في خدمته جماعة من أمراء العرب، فافتتح الحاكم عانة بهم، والحديثة، وهيت، والأنبار، والملك الظّاهر يستدعيه، فقدم دمشق في صفر، فبعثه إلى السّلطان، وكان المستنصر باللّه قد سبقه بثلاثة أيّام إلى القاهرة، فما رأى أن يدخل إليها خوفا من أن يمسك، فرجع إلى حلب فبايعه صاحبها ورؤساؤها منهم عبد الحليم بن تيميّة، وجمع خلقا كثيرا، وقصد عانة، فلمّا رجع المستنصر وافاه بعانة، فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته، فلمّا عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرّحبة وجاء إلى عيسى بن مهنّا، فكاتب الملك الظّاهر بيبرس فيه، فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة، فأكرمه الملك الظّاهر، وبايعوه بالخلافة، وامتدّت أيّامه، وكانت خلافته نيّفا وأربعين سنة، وأنزله الملك الظّاهر بالبرج الكبير بالقلعة، وخطب بجامع القلعة مرّات.
قال الشّيخ قطب الدّين (١): في يوم الخميس ثامن المحرّم سنة إحدى وستّين جلس
стр. 557
السلطان مجلسا عامّا، وحضر الحاكم بأمر اللّه راكبا إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل، وجلس مع السّلطان، وذلك بعد ثبوت نسبه، فأقبل عليه السّلطان وبايعه بإمرة المؤمنين، ثم أقبل هو على السّلطان وقلّده الأمور، ثم بايعه النّاس على طبقاتهم.
فلمّا كان من الغد يوم الجمعة خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة، وتعرّض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة، ثم قال: وهذا السّلطان الملك الظّاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلّة الأنصار، وشرّد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الدّيار؛ وأوّل الخطبة: الحمد للّه الذي أقام لآل العبّاس ركنا وظهيرا؛ ثم كتب بدعوته إلى الآفاق.
وفي هذه السّنة وبعدها تواتر مجيء جماعة من التّتار مسلمين مستأمنين، فأعطوا أخبازا وأرزاقا؛ فكان ذلك مبدأ كفاية شرّهم.
وفي سنة اثنتين وستّين فرغت (١) المدرسة الظّاهرية بين القصرين، وولي بها تدريس الشافعية التّقيّ ابن رزين، وتدريس الحديث الشّرف الدّمياطي.
وفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة.
وفي سنة ثلاث وستّين انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد اللّه ابن الأحمر على الفرنج، واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلدا؛ من جملتها إشبيلية ومرسية.
وفيها كثر الحريق بالقاهرة في عدّة مواضع، ووجد لفائف فيها النّار والكبريت على الأسطحة.
وفيها حفر السّلطان بحر أشمون، وعمل فيه بنفسه والأمراء.
وفيها مات طاغية التّتار هلاكو، وملك بعده ابنه أبغا.
وفيها سلطن السّلطان ولده الملك السّعيد وعمره أربع سنين، وركّبه بأبّهة الملك في قلعة الجبل، وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السّرّ إلى باب السّلسلة، ثم عاد وركب إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه.
وفيها جدّد بالدّيار المصريّة القضاة الأربعة، من كلّ مذهب قاض، وسبب ذلك
стр. 558
توقّف القاضي تاج الدّين ابن بنت الأعزّ عن تنفيذ كثير من الأحكام، وتعطّلت الأمور، وأبقى للشّافعي النّظر في أموال الأيتام، وأمور بيت المال؛ ثم فعل ذلك بدمشق.
وفي رمضان منها حجب السّلطان الخليفة، ومنعه النّاس، لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلّمون في أمر الدّولة.
وفي سنة خمس وستّين وستّمائة أمر السّلطان بعمل الجامع بالحسنيّة، وتمّ في سنة سبع وستّين، وقرّر له خطيب حنفي.
وفي سنة أربع وسبعين وجّه السّلطان جيشا إلى النّوبة ودنقلة، فانتصروا وأسر ملك النّوبة، وأرسل به إلى الملك الظّاهر، ووضعت الجزية على أهل دنقلة، وللّه الحمد.
قال الذّهبي: وأوّل ما غزيت النّوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة غزاها عبد اللّه بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس، ولم يفتحها، فهادنهم ورجع، ثم غزيت في زمن هشام، ولم تفتح، ثم في زمن المنصور، ثم غزاها تكن الزّنكي، ثم كافور الإخشيديّ، ثم ناصر الدّولة ابن حمدان، ثم توران شاه أخو السّلطان صلاح الدين في سنة ثمان وستّين وخمسمائة، ولم تفتح إلاّ هذا العام.
وقال في ذلك ابن عبد الظّاهر: [من البسيط]
هذا هو الفتح لا شيء سمعت به … في شاهد العين لا ما في الأسانيد
وفي سنة ستّ وسبعين مات الملك الظّاهر بدمشق في المحرّم، واستقلّ ابنه الملك السّعيد محمد بالسّلطنة وله ثمان عشرة سنة.
وفيها جمع التّقيّ ابن رزين بين قضاء مصر والقاهرة، وكان قضاء مصر قبل ذلك مفردا عن قضاء القاهرة، ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة.
وفي سنة ثمان وسبعين خلع الملك السّعيد من السّلطنة، وسيّر إلى الكرك سلطانا بها، فمات من عامه، وولّوا مكانه بمصر أخاه بدر الدّين سلامش - وله سبع سنين - ولقّبوه ب «الملك العادل» وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدّين قلاوون، وضرب السّكّة باسمه على وجه، ودعي لهما في الخطبة، ثم في رجب نزع سلامش من السّلطنة بغير نزاع، وتسلطن قلاوون، ولقّب ب «الملك المنصور».
стр. 559
وفي سنة تسع وسبعين يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق.
وفي سنة ثمانين وصل عسكر التّتار إلى الشّام، وحصل الرّجيف، فخرج السّلطان لقتالهم، ووقع المصافّ، وحصل مقتلة عظيمة، ثم حصل النّصر للمسلمين؛ وللّه الحمد.
وفي سنة ثمان وثمانين أخذ السّلطان طرابلس بالسّيف، وكانت في أيدي النّصارى من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن، وكان أوّل فتحها في زمن معاوية؛ وأنشأ التّاج ابن الأثير كتابا بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه: وكانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلاّ من هو مشغول بنفسه، مكبّ على مجلس أنسه، يرى السّلامة غنيمة، وإذا عن له وصف الحرب لم يسأل إلاّ عن طرق الهزيمة، قد بلغ أمله من الرّتبة، وقنع بالسّكّة والخطبة، أموال تنهب، وممالك تذهب، لا يبالون بما سلبوا، وهم كما قيل: [من البسيط]
إن قاتلوا قتلوا، أو طاردوا طردوا … أو حاربوا حربوا؛ أو غالبوا غلبوا
إلى أن أوجد اللّه من نصر دينه، وأذلّ الكفر وشياطينه.
وذكر بعضهم أنّ معنى طرابلس باللّسان الرّوميّ: ثلاثة حصون مجتمعة.
وفي سنة تسع وثمانين مات السّلطان قلاوون في ذي القعدة، وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدّين خليل، فأظهر أمر الخليفة، وكان خاملا في أيّام أبيه؛ حتّى إنّ أباه لم يطلب منه تقليدا بالملك، فخطب الخليفة بالنّاس يوم الجمعة، وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام.
ولمّا فرغ من الخطبة صلّى بالنّاس قاضي القضاة بدر الدّين ابن جماعة، ثم خطب الخليفة مرّة أخرى خطبة جهاديّة، وذكر بغداد وحرّض على أخذها.
وفي سنة إحدى وتسعين سافر السّلطان فحاصر قلعة الرّوم.
وفي سنة ثلاث وتسعين وستّمائة قتل السّلطان بتروجة، وسلطنوا أخاه محمد بن المنصور، ولقّب «الملك النّاصر»، وله يومئذ تسع سنين، ثم خلع في المحرّم سنة أربع وتسعين، وتسلطن كتبغا المنصوري، وتسمّى ب «الملك العادل».
стр. 560
وفي هذه السنة دخل في الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكو ملك التّتار، وفرح النّاس بذلك، وفشا الإسلام في جيشه.
وفي سنة ستّ وتسعين وستّمائة كان السّلطان بدمشق، فوثب لاجين على السّلطنة، وحلف له الأمراء، ولم يختلف عليه اثنان، ولقّب «الملك المنصور» وذلك في صفر، وخلع عليه الخليفة الخلعة السّوداء، وكتب له تقليدا، وسيّر العادل إلى صرخد نائبا بها، ثم قتل لاجين في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين، وأعيد الملك النّاصر محمد بن المنصور قلاوون، وكان منفيّا بالكرك، فقلّده الخليفة، فسيّر العادل إلى حماة نائبا بها، فاستمرّ إلى أن مات سنة اثنتين وسبعمائة.
وفي سنة إحدى وسبعمائة توفّي الخليفة الحاكم إلى رحمة اللّه، ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، وصلّى عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة، وحضر جنازته [رجال] الدّولة والأعيان كلّهم مشاة، ودفن بقرب السيّدة نفيسة، وهو أوّل من دفن منهم هناك، واستمرّ مدفنهم إلى الآن، وكان عهد بالخلافة لولده أبي الرّبيع سليمان.
* * * وممّن مات في أيّام الحاكم من الأعلام: الشّيخ عزّ الدّين ابن عبد السّلام، والعلم اللّورقي، وأبو القاسم القبّاري الزّاهد، والزّين خالد النّابلسي، والحافظ أبو بكر ابن مسدي، والإمام أبو شامة، والتّاج ابن بنت الأعزّ، وأبو الحسن بن عدلان، ومجد الدّين ابن دقيق العيد، وأبو الحسن بن عصفور النّحوي، والكمال سلاّر الإربلي، وعبد الرّحيم بن يونس صاحب «التّعجيز»، والقرطبي صاحب «التّفسير» و «التّذكرة»، والشّيخ جمال الدّين ابن مالك، وولده بدر الدّين، والنّصير الطّوسي رأس الفلاسفة وخاصّة التّتار، والتّاج ابن السّاعي خازن المستنصريّة، والبرهان ابن جماعة، والنّجم الكاتبي المنطقي، والشّيخ محيي الدّين النّووي، والصّدر سليمان إمام الحنفيّة، والتّاج ابن ميسّر المؤرّخ، والكواشي المفسّر، والتّقي ابن رزين، وابن خلّكان صاحب «وفيات الأعيان»، وابن إياز النّحوي، وعبد الحليم بن تيميّة، وابن جعوان، وناصر الدّين ابن المنير، والنّجم ابن البارزي، والبرهان النّسفي صاحب التّصانيف في الخلاف والكلام، والرّضيّ الشّاطبي اللّغويّ، والجمال الشّريشي،
стр. 561
والنّفيسي شيخ الأطبّاء، وأبو الحسين ابن أبي الرّبيع النّحوي، والأصبهاني شارح «المحصول»، والعفيف التّلمساني الشّاعر المنسوب إلى الإلحاد، والتّاج ابن الفركاح، والزّين ابن المرحّل، والشّمس الخويّيّ، والعزّ الفاروقي، والمحبّ الطّبري، والتّقي ابن بنت الأعزّ، والرّضي القسطنطيني، والبهاء ابن النّحّاس النّحوي، وياقوت المستعصمي صاحب الخطّ المنسوب؛ وخلائق آخرون.
* * *
стр. 562
المستكفي باللّه، أبو الرّبيع (١)
المستكفي باللّه: أبو الرّبيع، سليمان بن الحاكم بأمر اللّه.
ولد في نصف المحرّم، سنة أربع وثمانين وستّمائة، واشتغل [بالعلم] قليلا.
وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى، سنة إحدى وسبعمائة، وخطب له على المنابر في البلاد المصريّة والشّاميّة، وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلاميّة، وكانوا يسكنون بالكبش، فنقلهم السّلطان إلى القلعة، وأفرد لهم دارا.
وفي سنة اثنتين هجم التّتار على الشّام، فخرج السّلطان ومعه الخليفة لقتالهم؛ فكان النّصر عليهم، وقتل من التّتار مقتلة عظيمة. وهرب الباقون.
وفيها زلزلت مصر والشّام زلزلة عظيمة، هلك فيها خلق تحت الهدم.
وفي سنة أربع أنشأ الأمير بيبرس الجاشنكير المنصوري الوظائف والدّروس بجامع الحاكم، وجدّده بعد خرابه من الزّلزلة، وجعل القضاة الأربعة مدرّسي الفقه، وشيخ الحديث سعد الدّين الحارثي، وشيخ النّحو أبا حيّان.
وفي سنة ثمان خرج السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون قاصدا للحجّ، فخرج من مصر في شهر رمضان المعظّم، وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردّهم، فلمّا اجتاز بالكرك عدل إليها، فنصب له الجسر، فلمّا توسّطه انكسر به، فسلم من كان قدّامه، وقفز به الفرس فنجا، وسقط من وراءه فكانوا خمسين، فمات أربعة وتهشّم أكثرهم في الوادي تحته، وأقام السّلطان بالكرك، ثم كتب كتابا إلى الدّيار المصريّة يتضمّن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك القضاة بمصر، ثم نفّذ
стр. 563
على قضاة الشام، وبويع الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير بالسّلطنة في الثّالث والعشرين من شهر شوّال، ولقّب «الملك المظفّر» وقلّده الخليفة، وألبسه الخلعة السّوداء والعمامة المدوّرة، ونفّذ التّقليد إلى الشّام في كيس أطلس أسود، فقرئ هناك، وأوله ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ﴾ (١).
ثم عاد الملك النّاصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك، ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء؛ فدخل دمشق في شعبان، ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة، وكان المظفّر بيبرس فرّ في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيّام، ثم أمسك وقتل من عامه؛ وقال العلاء الوداعيّ في عود النّاصر إلى الملك: [من السريع]
الملك النّاصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشّمس
عاد إلى كرسيّه مثل ما … عاد سليمان إلى الكرسي
وفي هذه السّنة تكلّم الوزير في إعادة أهل الذّمّة إلى لبس العمائم البيض وأنّهم قد التزموا للدّيوان بسبعمائة ألف دينار كلّ سنة زيادة على الجالية، فقام الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة في إبطال ذلك قياما عظيما، وبطل وللّه الحمد.
وفيها أظهر ملك التّتار خربندا (٢) الرّفض في بلاده، وأمر الخطباء أن لا يذكروا في الخطبة إلاّ عليّ بن أبي طالب، وولديه، وأهل البيت، واستمرّ ذلك إلى أن مات سنة ستّ عشرة، وولي ابنه أبو سعيد؛ فأمر بالعدل، وأقام السّنّة والتّرضّي عن الشّيخين، ثم عثمان، ثم عليّ في الخطبة، وسكن كثير من الفتن، وللّه الحمد.
وكان هذا من خير ملوك التّتار وأحسنهم طريقة، واستمرّ إلى أن مات سنة ستّ وثلاثين، ولم يقم لهم من بعده قائمة، بل تفرقوا شذر مذر.
وفي سنة عشر زاد النّيل زيادة كثيرة لم يسمع بمثلها، وغرق منها بلاد كثيرة وناس كثيرون.
стр. 564
وفي سنة أربع وعشرين زاد النّيل أيضا كذلك، ومكث على الأرض ثلاثة أشهر ونصفا، وكان ضرره أكثر من نفعه.
وفي سنة ثمان وعشرين عمّرت سقوف المسجد الحرام بمكّة والأبواب وظاهره ممّا يلي باب بني شيبة.
وفي سنة ثلاثين أقيمت الجمعة بإيوان الشّافعيّة من المدرسة الصّالحيّة، بين القصرين، وذلك أوّل ما أقيمت بها.
وفيها فرغ من الجامع الذي أنشأه قوصون خارج باب زويلة وخطب به، وحضره السّلطان والأعيان، وباشر الخطابة يومئذ قاضي القضاة جلال الدّين القزويني، ثم استقرّ في خطابته فخر الدّين ابن شكر.
وفي سنة ثلاث وثلاثين أمر السّلطان بالمنع من رمي البندق، وأن لا تباع قسيّه؛ ومنع المنجّمين.
وفيها عمل السّلطان للكعبة بابا من الآبنوس عليه صفائح قضّة زنتها خمسة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وكسر، وقلع الباب العتيق فأخذه بنو شيبة بصفائحه، وكان عليه اسم صاحب اليمن.
وفي سنة ستّ وثلاثين وقع بين الخليفة والسّلطان أمر؛ فقبض على الخليفة واعتقله بالبرج، ومنعه من الاجتماع بالنّاس، ثم نفاه في ذي الحجّة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله، ورتّب لهم ما يكفيهم، وهم قريب من مائة نفس؛ فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون، واستمرّ المستكفي بقوص إلى أن مات بها في شعبان سنة أربعين وسبعمائة، ودفن بها، وله بضع وخمسون سنة.
قال ابن حجر في «الدّرر الكامنة» (١): كان فاضلا، جوادا، حسن الخطّ جدّا، شجاعا، يعرف بلعب الأكرة ورمي البندق، وكان يجالس العلماء والأدباء، وله عليهم إفضال، ومعهم مشاركة، وكان بطول مدّته يخطب له على المنابر حتّى في زمن حبسه ومدّة إقامته بقوص.
стр. 565
وكان بينه وبين السّلطان أوّلا محبّة زائدة، وكان يخرج مع السّلطان إلى السّرحات، ويلعب معه الكرة، وكانا كالأخوين.
والسّبب في الوقيعة بينهما أنّه رفع إليه قصة عليها خطّ الخليفة بأن يحضر السّلطان بمجلس الشّرع الشّريف، فغضب من ذلك، وآل الأمر إلى أن نفاه إلى قوص، ورتّب له على واصل المكارم أكثر ممّا كان له بمصر (١).
وقال ابن فضل اللّه في ترجمته من «المسالك»: كان حسن الجملة، ليّن الحملة.
* * * وممّن مات في أيّام المستكفي من الأعلام (٢): قاضي القضاة تقيّ الدّين ابن دقيق العيد، والشّيخ زين الدّين الفارقي شيخ الشّافعيّة، وشيخ دار الحديث وليها بعد وفاة النّووي إلى الآن، ووليها بعده صدر الدّين ابن الوكيل، والشّرف الفزاري، والصّدر ابن الزّرير بن الحاسب، والحافظ شرف الدّين الدّمياطي، والضّياء الطّوسي شارح «الحاوي»، والشّمس السّروجي شارح «الهداية» من الحنفيّة، والإمام نجم الدّين ابن الرّفعة إمام الشّافعيّة في زمانه، والحافظ سعد الدّين الحارثي، والفخر التّوّزي محدّث مكّة، والرّشيد بن المعلّم من كبار الحنفيّة، والأربوي، والصّدر ابن الوكيل شيخ الشّافعيّة، والكمال ابن الشّريشي، والتّاج التّبريزي، والفخر ابن بنت أبي سعد، والشّمس ابن أبي العزّ شيخ الحنفيّة، والرّضي الطّبري إمام مكة، والصّفي أبو الثّناء، ومحمود الأرموي، والشّيخ نور الدّين البكري، والعلاء ابن العطّار تلميذ الإمام النّووي، والشّمس الأصبهاني صاحب «التّفسير»، و «شرح مختصر ابن الحاجب»، وشرح «التّجريد»، وغير ذلك، والتّقيّ الصّائغ المقرئ خاتمة مشايخ القرّاء،