← История

История · id 11998

تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار

الجبرتي

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

آية من كتاب الله تعالى. وكثيرا ما كان يقتصر على الخبز والزيت ويؤكل في بيته خواص الأطعمة وكان غالب أكله الرز بالزيت وتارة بالسمن البقرى وقل ما تراه في خلوته أو مع أصحابه إلا وهو مشغول في وظائف أوراد. وقال لي: مرة ربما أكون مع أولادى ألاعبهم وأضاحكهم وقلبي في العالم العلوى في السماء الدنيا أو الثانية أو الثالثة أو العرش وكثيرا ما كان تفيض على قلبه معرفة الحق سبحانه وتع إلى فيجعل يبكي ولا يشعر به جليسه. وقلت يوما للعارف بالله تعالى خليفته سيدى محمد بدير القدسي من كرامات الأستاذ أنه لا يسمع شيئا من العلم إلا حفظه ولا يزول من ذهنه ولو بعد حين فقال لي ﵁: بل الذي يعد من كرامات الشيخ أنه لا يسمع شيئا من العلم النافع إلا ويعمل به في نفسه ويداوم عليه. فقلت صدقت هذا والله حاله وكنت مرة أسمعته رياض الرياحين لليافعي فلما أكملته قال لي: بمحضر من أصحابه هل يوجد الآن مثل هؤلاء الرجال المذكورين في هذا الكتاب تكون لهم الكرامات فقال له بعض الحاضرين: الخير موجود يا سيدى في أمة الرسول ﵊ فقال الشيخ: قد وقع لي في الطريق أبلغ من ذلك واحكي لكم عما وقع لي في ليلتي هذه كنت قاعدا أقرأ في أورادي فعطشت وكان الزمن مصيفا والوقت حارا وأم الأولاد نائمة فكرهت أن اوقظها شفقة عليها فما استتم هذا الخاطر حتى رأيت الهواء قد تجسم لي ماء حتى صرت كأني في غدير من الماء وما زال يعلو حتى وصل إلى فمي فشربت ماء لم أشرب مثله ثم أنه هبط حتى لم يبق قطرة ماء ولم يبتل مني شيء. وبردت ليلة في ليالي الشتاء بردا شديدا وأنا قاعد أقرأ في وردى وقد سقط عني حرامي الذي أتغطى به وكان إذا سقط عنه غطاؤه لا يستطيع أن يرفعه بيده لضعف يده قال: فأردت أن أوقظ أم الأولاد فأخذتني الشفقة عليها فما تم هذا الخاطر حتى رأيت كانونا عظيما ملآنا من الجمر وضع بين يدى وبقى.

стр. 597

عندي حتى دفىء بدني وغلب وهج النار علي فقلت في سرى هذه النار حسية أم هي خيال فقربت أصبعي منها فلذعتني فعلمت أنها كرامة من الله تعالى ثم رفعت. والحاصل أن مناقبه ﵁ لا تكاد تنحصر وكان لكلامه وقع في النفوس عظيم إذا تكلم كأنما كلماته خرزات نظمن في جيد حسناء لا ينطق إلا بحكمة أو موعظة أو مسائل دينية أو حكاية تتضمن جوابا عن سؤال يسأله بعض الحاضرين بقلبه ولا تكاد تسمع في مجلسه ذكر أحد بسوء وكان كثير الشفقة والرحمة على خلق الله لا سيما أرباب الذنوب والمعاصي كثير التواضع كثير الاحسان للفقراء والمساكين لا يمسك من الدنيا شيئا جميع ما يأيتة ينفقة في طاعة الله. ما امسك بيده درهما ولا دينار قط آخذا بالورع في جميع أموره ليس له هم إلا أمور الآخرة لا يهتم لشأن الدنيا أقبلت أو أدبرت كفاه الله مؤنة الدنيا عنده خادم يقبض ما يأتي له من الدنيا ويصرف عليه فلا يزيد ذلك على حاجته ولا ينقص شيئا قال السيد شارح الرسالة: خدمته نحو عشر سنوات ما رأيته ارتكب صغيرة قط وللاستاذ ﵁ رسالة سماها السلوك لابناء الملوك وهي صورة مكتوب من املائه أرسله إلى رجل من أعيان المغرب يقال له ابن الظريف وكان الشيخ ﵁ أرسل له جوابا عن مكاتبة أرسلها فأرسل مراسلة أخرى والتمس الجواب ويكون متضمنا بعض النصائح فأملى تلك المراسلة فبلغت نحو ستة كراريس وصارت كتابا عظيم النفع سارت به الركبان وانتفع به القاصي والداني وكتب عليه كثير من العلماء وكانت وفاة الأستاذ ﵁ ثالث المحرم من هذه السنة وتولى غسله الشيخ سليمان الجمل وصلي عليه بالأزهر ودفن بالصحراء بجوار شيخه السيد مصطفى البكرى ﵄. ومات الأديب الماهر واللبيب الشاعر الشيخ علي بن عنتر الرشيدى كان.

стр. 598

متضلعا فصيحا مفوها له موشحات ومقاطيع كثيرة ونظم البحور الستة عشر كلها بالاقتباس منها قوله في الطويل: أطلت الجفا فأسمح بوصلك يا رشا. ... ولا تبدلن وعد الكئيب بضده. فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن. ... ولا تحسبن الله مخلف وعده. وقال في المديد ومنه الاكتفاء: في مديد الهجر قال اللواحي. ... دع هواه فالغرام جنون. فاعلاتن فاعلن فاعلاتن. ... واصطبر عن حبه قلت كونوا. وقال في الرجز: كملت محاسن منيتي فهديت في. ... روض غدا في وجنتيه نضيرا. متفاعلن متفاعلن متفاعلن. ... وكفى بربك هاديا ونصيرا. وقال في الرجر: ارجزفاني في هوى حلو اللما. ... مسى الورى أضحيت صبا هائما. مستفعلن مستفعلن مستفعلن. ... أن قل صبرى قال صبرى وما. وقال في الوافر: بوافر لوعتي صل يا غزالي. ... فكل متيم فإن وبالي. مفاعلتن مفاعلتن فعولن. ... ويبقى وجه ربك ذو الجلال. وقال في البسيط: بسطت في شادن حلو اللما غزلى. ... وقلت جدلي بوصل منك يا أملي. مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن. ... فقال لي خلق الإنسان من عجل. وقال في الرمل: قد رملت الوصف فيه قائلا. ... مذبدا الهندى من أهدا به. فاعلاتن فاعلاتن فاعلن. ... قل هو الرحمن آمنا به.

стр. 599

وقال في الخفيف: خفف الهجر عن فؤاد كليم. ... وامل كاس الوصال لي يانديمي. فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... وتوكل على العزيز الرحيم. وله ديوان شعر مشهور ولم يزل حتى مات بالثغر في ربيع الأول من السنة. ومات الشيخ الصالح الدين بقية السلف ونتيجة الحلف الشيخ أحمد ابن محمد بن أحمد بن عبد المنعم بن أبي السرور والبكرى الشافعي شيخ سجادة البكرية بمصر كان صاحب همة ومروءة وديانة وعفاف ومحبة وانصاف وتولى بعد موته أبيه فسار سيرا وسطا مع صفاء الباطن وكان الغالب عليه الجذب والصلاح والسلوك على طريق أهل الفلاح مع أوراد وأذكار يشتغل بها توفي يوم السبت ثاني عشر ربيع الثاني من السنة وصلي عليه بالجامع الأزهر بمشهد حافل ودفن اسلافه قرب مقام الإمام الشافعي ﵁. ومات الإمام الفصيح المعتقد الشهير الذكر الشيخ إبراهيم بن محمد ابن عبد السلام الرئيس الزمزمي المكي الشافعي مؤقت حرم الله الامين ولد بمكة سنة ١١١٠ وسمع من ابن عقيلة وعمر بن أحمد بن عقيل والشيخ سالم البصري والشيخ عطاء الله المصري وابن الطيب وحضر على الشيخ أحمد الأشبولي الجامع الصغير وغيره وأخذ عن السيد عبد الله ميرغني ومن الواردين من أطراف البلاد كالشيخ عبد الله الشبراوى والشيخ عمر الدعوجي والشيخ أحمد الجوهرى واجازه شيخنا السيد عبد الرحمن العيدروس بالذكر على طريقة السادة النقشبندية وألف بأسمه رسالة سماها البيان والتعليم لمتبع ملة إبراهيم ذكر فيها سنده وأجازه السيد مصطفى البكرى في الخلوتية وجعله خليفته في فتح مجالس الذكر وفي.

стр. 600

ورد سحر ولازم المرحوم الوالد حسن الجبرتي سنة مجاورته بممكة وهي سنة خمس وخمسين ملازمة كلية وأخذ عنه علم الفلك والأوفاق والاستخراجات والرسم وغير ذلك ومهر في ذلك واقتنى كتبا نفيسة في سائر العلوم بددها أولاده من بعده وباعوها بأبخس الاثمان. وكان عنده من جملة كتبه زيج الراصد الغيبك السمرقندى نسخة شريفة بخط العجم في غاية الجودة والصحة والاتقان وعليها تقييدات وتحريرات وفوائد شريفة لا يسمح الدهر بمثل تلك النسخة وكنت كثيرا ما أسمع من المرحوم الوالد ذكرها ومدحتها ونسخة الوالد مكتوب عليها بخط رستم شاه ما نصه قد اشترينا هذا الكتاب في دار سلطنة هراة بأثنى عشر ألف دينار. وتحت ذلك اسمه وختمه. فلما كان في سنة ست وتسعين ورد علينا بعض الحجاج الجزائرية وسألني عن كتب يشتريها من جملتها الزيج المذكور وأرغبني في زيادة الثمن فلم تسمح نفسي بشيء من ذلك ثم سافر إلى الحج ورجع وأتاني ومع خادمه رزمة كبيرة فوضعها بين أيدينا وفتحها وأخرج منها نسخة الزيج المذكورة وفرجني عليها وقال: أيهما أحسن نسختك التي ضننت بها أو هذه. وكنت لم أرها قبل ذلك فرأيتها شقيقتها وتزيد عنها في الحسن بصغر حجمها وكثرة التقييدات بهامشها وطيارات كثيرة بداخلها في المسائل المعضلة مثل التسييرات والانتهاءات والنمودارات وغير ذلك وجميعها بحسن الخط والوضع فرأيتها المخدرة التي كشف عنها القناع وإنما هي المعشوقة بالسماع فقلت له كيف وصلت إلى هذه اليتيمة وما مقدار ما دفعته فيها من المهر والقيمة. فأخبرني أنه اشتراها من ابن الشيخ بعشرين ريالا وكتاب المجسطي وكتاب التبصرة وشرح التذكرة ونسخة البارع في غاية الجودة وزيج ابن الشاطر وغير ذلك من الكتب التي لا توجد في خزائن الملوك وكلها بمثل ذلك الثمن البخس. فقضيت أسفا وأخذ الجميع مع ما أخذ وذهب إلى بلاده. وهكذا حال.

стр. 601

الدنيا ولم يزل المترجم على حالة حميدة واشتهر أمره في الآفاق وعرف بالصلاح والفضل وأتته الهدايا والمراسلات من جميع الأطراف والجهات حتى لحق بربه سابع عشر ربيع الأول من السنة. ومات الشيخ الفاضل الصالح أحمد بن محمد الباقاني الشافعي النابلسي سمع الأولية من محمد بن محمد الخليلي ورافق الشيخ السفاريني في بعض شيوخه من أهل البلد وأجازه السيد مصطفى البكرى في الورد والطريقة ورد مصر أيام تولية المرحوم مصطفى باشا طوقان وكان له مذاكرة حسنة وورع وصلاح وعبادة وانتفع به الطلبة في بلاده ثم عاد إلى بلاده فتوفي في ثالث جمادى الثانية. ومات الأجل المفوه الشريف الفاضل السيد حسين بن شرف الدين ابن زين العابدين بن علاء الدين بن شرف الدين بن موسى بن يعقوب ابن شرف الدين بن يوسف بن شرف الدين بن عبد الله بن أحمد أبي ثور ابن عبد الله بن محمد بن عبد الجبار الثورى المقدسي الحنفي جده الاعلى أحمد بن عبد الله دخل حين فتح بيت المقدس راكبا على ثور فعرف بأبي ثور وأقطعه الملك العزيز عثمان بن يوسف بن أيوب ديرمار يقوص وبه دفن وذلك في سنة خمسمائة وأربعة وتسعين وجده الأدنى زين العابدين أمه الشريفة راضية بنت السيد محب الدين محمد بن كريم الدين عبد الكريم ابن داود بن سليمان بن محمد بن داود بن عبد الحافظ بن أبي الوفاء محمد بن يوسف بن بدران بن يعقوب بن مطر بن السيد زكي الدين سالم الحسيني الوفائي البدرى المقدسي ومن هنا جاء لحفيده المترجم الشرف وهي أخت الجد الرابع للسيد علي المقدسي ويعرف المترجم أيضا بالعسيلي وكأنه من طرف الامهات ولد ببيت المقدس وبها نشأ وقرأ شيئا من المبادىء ثم ارتحل إلى دمشق فحضر دروس الشيخ إسمعيل العجلوني.

стр. 602

ولازمه وأجازه بمروياته وجود الخط على مستعد زاده فمهر فيه وكتب بخطه اشياء ودخل مصر ونزل في رواق الشوام بالأزهر واقبل على تحصيل العلم والمعارف فحضر دروس مشايخ الوقت كالشبراوى والحفني والجوهرى ولازم السيد البليدى واستكتب حاشية على البيضاوى وسافر إلى الحرمين وجاور بهما وأخذ عن الشيخ محمد حياة والشيخ ابن الطيب ثم قدم مصر وتوجه منها لدار ملك الروم وأدرك بها بعض ما يروم وعاشر الأكابر وعرف اللسان وصار منظورا إليه عند الأعيان ثم قدم مصر مع بعض أمراء الدولة في أثناء سنة ١١٧٢ وانضوى إلى الشيخ السيد محمد أبي هادى بن وفا وكان صغير السن فألفه وأحبه وادبه وصار يذاكره بالعلم واتحد معه حتى صار مشارا إليه في الأمور معولا عليه في المهمات. ولما تولى نقابة السادة الأشراف مضافة إلى خلافة الوفائية كان هو كالكتخدا له في أحواله معتمدا عليه في أفعاله وأقواله وداوم على ذلك برهة من الزمان وهو نافذ الكلمة مسموع المقال حسن الحركات والأحوال إلى أن توفي الشيخ المشار إليه فضاقت مصر عليه فتوجه إلى دار السلطة وقطنها واتخذها دارا وسكنها وأقبل على الافادة ونشر العلوم بالاعادة. وبلغني أنه كتب في تلك الأيام شرحا على بعض متون الفقه في مذهب الإمام وصار مرجع الخواص والعوام مقبولا بالشفاعة عند أرباب الدولة حتى وافاه الحمام في هذه السنة ﵀ وكان اودع جملة من كتبه بمصر فأرسل بوقفها برواق الشوام فوضعوها في خزانة لنفع الطلبة. ومات الفقيه العلامة الصالح المعمر الشيخ عبد الله بن خزام أبو الطوع الفيومي وغيره وقدم الجامع الأزهر فأخذ عن فضلاء عصره وهو أحد من يشار إليه في بلده بالفضل وتولى الافتاء فسار بغاية التحرى وبلغني من تواضعه أنه كان يأتي إليه أحد العوام فيقول له: حاجتي في بلد.

стр. 603

كذا فقم معي تقضيها. فيطيعه ويذهب معه الميلين والثلاثة ويقضيها وقد تكرر ذلك منه وكان له في كل يوم صدقات الخبز على الفقراء والمساكين يفرقها عليهم بيده ولا يشمئز وكانت له معرفة تامة في علم المذهب وغيره من الفنون الغريبة كالفلك والهيئة والميقات وعند آلات لذلك. وكان إنسانا حسنا جامعا لادوات الفضائل. توفي يوم الجمعة حادى عشر ربيع الثاني من السنة ولم يخلف بعده مثله. ومات الفاضل الصالح الشيخ علي بن محمد الحباك الشافعي الشاذلي تفقه على الشيخ عيسى البراوى وبه تخرج وأخذ الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد كشك وإليه انتسب ولما توفي جعل شيخا على المريدين وسار فيهم سيرا مليحا. وكان يصلي إماما بزاوية بقلعة الجبل وكان شيخا حسن العشرة لطيف المجاورة طارحا للنكات متواضعا وقد صارت له مريديون وأتباع خاصة غير أتباع شيخه توفي في يوم الإثنين ثالث عشرين شعبان من السنة. ومات من الأمراء الأمير إبراهيم بك أوده باشه خنقه مراد بك عفا الله عنه والمسلمين.

стр. 604

سنة ست وتسعين ومائة وألف . فيها في صفر نزل مراد بك وسرح بالأقاليم البحرية وطاف البلاد بالشرقية وطلب منهم أموالا وفرض عليهم مقادير من المال عظيمة وكلفا وحق طرق معينين وغير ذلك مالا يوصف ثم نزل إلى الغربية وفعل بها كذلك ثم إلى المنوفية. وفي منتصف شعبان ورد اغا بطلب محمد باشا ملك إلى الباب ليتولى الصدارة فنزل من القلعة إلى قصر العيني وأقام بقية شهر شعبان ونزل في غرة رمضان وسافر إلى سكندرية. فكانت مدة ولايته ثلاثة عشر.

стр. 605

شهرا ونصفا. وهاداه الأمراء ولم يحاسبوه على شيء ونزل في غاية الاعزاز والاكرام وكان من افاضل العلماء متضلعا من سائر الفنون ويحب المذاكرة والمباحثة والمسامرة واخبار التورايخ وحكايات الصالحين وكلام القوم وكان طاعنا في السن منور الشيبة متواضعا وحضر الباشا الجديد في أواسط رمضان ونزل إليه الملاقاة وحضر إلى مصر في عاشر شوال وطلعوه قصر العيني فبات به وركب بالموكب في صبحها ومر من جهة الصليبة وطلع إلى القلعة وذلك على خلاف العادة. وفيه جاءت الأخبار على أيدى السفار الواصلين من اسلامبول بأنه وقع بها حريق عظيم لم يسمع بمثله واحترق منها نحو الثلاثة أرباع واحترق خلق كثير في ضمن الحريق وكان أمرا مهولا وبعد ذلك حصل بها فتنة أيضا ونفوا الوزير عزت محمد باشا وبعض رجال الدولة. وفي ليلة السبت ثامن عشر القعدة هرب سليم بيك وإبراهيم بيك قشطة وتبعهم جماعة كثيرة نحو الثمانين فخرجوا ليلا على الهجن وجرائد الخيل وذهبوا إلى الصعيد وأصبح الخبر شائعا بذلك فأرتبك إبراهيم بيك ومراد بيك ونادى الأغا والوالي بترك الناس المشي من بعد العشاء. من توفي في هذه السنة من الأعيان. توفي الأستاذ الوجيه العظيم السيد محمد افندى البكرى الصديقي نقيب السادة الأشراف بالديار المصرية كان وجيها مبجلا محتشما سار في نقابة الأشراف سيرا حسنا مع الإمارة وسلوك الانصاف وعدم الاعتساف ولما توفي ابن عمه الشيخ أحمد شيخ السجادة البكرية تولاها بعده بأجماع الخاص والعام مضافة لنقابة الأشراف فحاز المنصبين وكمل له الشرفان. ولم يقم في ذلك إلا نحو سنة ونصف. وتوفي يوم السبت عاشر شعبان فحضر مراد بيك إلى منزله وخلع على ولده السيد محمد.

стр. 606

افندى ما كان على والده من مشيخة السجادة البكرية ونقابة الأشراف وجهز وكفن وخرجوا بجنازته من بيتهم بالازبكية وصلوا عليه بالجامع الأزهر في مشهد حافل ودفن بمشهد اجداده بالقرافة. ومات الشريف العفيف الوفي الصديق محمد بن زين بأحسن جمل الليل الحسيني باعلوى التريمي الأصل نزيل الحرمين سكن بهما مدة واتصل بخدمة الشيخ القطيب السمد الشيخ باعبود فلوحظ بأنظاره وكان يحترمه ويعترف بمقامه ويحكي عن بعض مكاشفاته ووارداته وصحب كلا من القطب السيد عبد الله مدهر وعارفة وقتها الشريفة فاطمة العلوية والشيخ محمد ابن عبد الكريم السمان والشيخ عبد الله ميرغني وجماعة كثيرين من السادة والواردين على الحرمين من الافاضل وله محاورة لطيفة ولديه محفوظة ومعرفة بدقائق علم الطب وسليقة في التصوف. ورد إلى مصر سنة ١١٨١ هو عائد من الروم واجتمع بافاضلها وعاشر شيخنا السيد محمد مرتضى وأفاده وأرشده إلى أمور مهمة وسافر صحبته لزيارة الشهداء بدمياط ولاقاه أهلها بالاحترام. ثم توجه إلى الحرمين الشريفين وأقام هناك واجتمع به الشيخ محمد الجوهرى وآخاه في الصحبة وكان مع ما أعطى من الفضائل يتجر بالبضائع الهندية ويتعلل بما يتحصل منها وبآخرة سافر إلى الديار الهندية وبها توفي في هذه السنة. ومات العمدة الفاضل واللوذعي الكامل الرحلة الدراكة بقية السلف الورع الصالح الزاهد الشيخ موسى بن داود الشيخوني الحنفي إمام جامع شيبون وخطيبه وخازن كتبه وكان إنسانا حسنا عظيم النفس منور الشيبة ضخم البدن فقيها مستحضرا المناسبات مهذب النفس لين الجانب تقيا معتقدا ولما توقف الأمير أحمد باشجاويش كتبه التي جمعها وضعها بخزانة كتب الوقف تحت يد المترجم لاعتقاده فيه الديانة والصيانة رحمهما الله تعالى.

стр. 607

سنة سبع وتسعين ومائة وألف . فيها تسحب أيضا جماعة من الكشاف والمماليك وذهبوا إلى قبلي فشرعوا في تجهيز تجريدة وعزم مراد بك على السفر وأخذ في تجهيز اللوازم فطلب الأموال فقبضوا على كثير من مساتير الناس والتجار والمتسببين وحبسوهم وصادروهم في أموالهم وسلبوا ما بأيديهم. فجمعوا من المال ما جاوز الحد ولا يدخل تحت العد. وفي منتصف ربيع الآخر برز مراد بك للسفر وأخرج خيامه إلى جهة البساتين وخرج صحبته الأمير لاجين بك وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الأشقر وسليمان بك أبو نبوت وكشافهم ومماليكهم وطوائفهم وسافروا بعد أيام. وفي أواخر جمادى الثانية وردت الأخبار بان رضوان بيك قرابة علي بك حضر إلى مراد بك وانضم إليه فلما فعل ذلك انكسرت قلوب الآخرين وانخذلوا ورجعوا القهقرى ورجع مراد بك أيضا إلى مصر في منتصف شهر رجب وترك هناك مصطفى بك وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الأشقر. وفي يوم الخميس سادس عشرين رجب اتفق مراد بك وإبراهيم بك على نفي جماعة من خشداشينهم وهم إبراهيم بك الوالي وأيوب بك الصغير وسليمان بك الأغا ورسموا لايوب بك أن يذهب إلى المنصورة فأبى وامتنع من الخروج فذهب إليه حسن كتخدا الجربان كتخدا مراد بك واحتال عليه فركب وخرج إلى غيظ مهمشة ثم سافر إلى المنصورة. وأما إبراهيم بك الوالي فركب بطوائفه ومماليكه وعدى إلى بر الجيزة فركب خلفه علي بك اباظة ولاجين بك وحجزوا هجنه وجماله عند المعادى وعدوا خلفه فأدركوه عند الاهرام فأحتالوا عليه وردوه إلى قصر العيني ثم سفروه إلى ناحية السرو.

стр. 608

ورأس الخليج. واما سليمان بك فإنه كان غائبا بأقليم الغربية والمنوفية يجمع من الفلاحين فردا وأموالا ومظالم فلما بلغه الخبر رجع إلى منوف فحضر إليه المعينون لنفيه وأمروه بالذهاب إلى المحلة الكبرى فركب بجماعته واتباعه فوصل إلى مسجد الخضر فاجتمع بأخيه إبراهيم بك الوالي هناك فأخذه صحبته وذهبا إلى جهة البحيرة. وفي يوم الأحد غاية شهر رجب طلع الأمراء إلى الديوان وقلدوا خمسة من اغوات الكشاف صناجق وهم عبد الرحمن خازندار إبراهيم بك سابقا وقاسم أغا كاشف المنوفية سابقا وعرف بالموسقو وهو من مماليك محمد بك واشراق إبراهيم بك وحسين كاشف وعرف بالشفت بمعنى اليهودى وعثمان كاشف ومصطفى كاشف السلحدار وهؤلاء الثلاثة من طرف مراد بك. وفي شهر شعبان وردت الأخبار من ثغر سكندرية بوصول باشا إلى الثغر واسمه محمد باشا السلحدار واليا على مصر فنزل الباشا القديم من القلعة إلى القصر بشاطىء النيل. وفي أواخر شعبان وصل سلحدار الباشا الجديد بخلعة قائمقامية لإبراهيم بك. وفيه وصلت الأخبار بأن سليمان بك وإبراهيم بك رجعوا من ناحية البحيرة إلى طندتا وجلسوا هناك وأرسلوا جوابات إلى الأمراء بمصر بذلك وإنهم يطلبون أن يعينوا لهم ما يتعيشون به. وفيه أرسلوا خلعة إلى عثمان بك الشرقاوى بأن يستقر حاكما بجرجا زطلبوا مصطفى بك وسليمان بك أبا نبوت وعثمان بك الأشقر للحضور إلى مصر فحضروا واستقر عثمان بك الشرقاوى بجرجا. وفي غرة رمضان هرب سليمان بك الأغا وإبراهيم بك الوالي من طندتا وعدوا إلى شرقية بلبيس ومروا من خلف الجبل وذهبوا إلى جهة الصعيد.

стр. 609

رجع علي كتخدا ويحيى كتخدا وسليمان بك إلى مصر بالحملة والجمال وبعض مماليك وأجناد. وفي أواخر رمضان هرب أيضا أيوب بك من المنصورة وذهب إلى الصعيد أيضا وتواترت الأخبار بأنهم اجتمعوا مع بعضهم واتفقوا على العصيان فأرسلوا لهم محمد كتخدا أباظة وأحمد اغا جمليان وطلبوهم إلى الصلح ويعينون لهم أماكن يقيمون بها ويرسلون لهم احتياجاتهم فأتوا ذلك فطلبوا عثمان بك الشرقاوى ومصطفى بك للحضور فامتنعا أيضا وقالا لا نحضر ولا نصلح إلا أن رجع اخواننا رجعنا معهم ويردون لهم امرياتهم وبلادهم وبيوتهم ويعطلوا من صنجوقه وامروه عوضهم. فلما حضر الجواب بذلك شرعوا في تجهيز تجريدة وأخذوا يفتشون أماكن الأمراء المذكورين فأخذوا ما وجدوه بمنزل مصطفى بك واتهموا أناسا بأمانات وودائع لمصطفى بك وعثمان بك الشرقاوى منهم الدالي إبراهيم وغيره فجمعوا بهذه النكتة أموالا كثيرة حقا وباطلا. وفي يوم الخميس عشرين شهر شوال كان خروج المحمل والحجاج وأمير الحاج مصطفى بك الكبير ولما انقضى أمر الحج برزوا للتجريدة وأميرها إبراهيم بك الكبير وجمعوا المراكب وحجزوها من أربابها وعطلوا أسباب التجار والمسافرين وجمعوا الأموال كما تقدم من المصادرات والملتزمين والفلاحين وغير ذلك وكان أمرا مهولا أيضا وبعد أيام وصل الخبر بان إبراهيم بك ضمنهم للصلح واصطلح معهم وأنه وأصل صحبتهم جميعا. وفي سادس عشر ذى القعدة حضر إبراهيم بك ووصل بعده الجماعة ودخلوا إلى مصر وسكنوا في بيوت صغار ما عدا عثمان بك ومصطفى بك فإنهم نزلوا في بيوتهم وحضر صحبتهم أيضا علي بك وحسين بك الأسماعيلية فلم يعجب مراد بك ما فعله إبراهيم بك ولكن اسره في نفسه ولم يظهره.

стр. 610

وركب للسلام على إبراهيم بك فقط في الخلاء ولم يذهب إلى أحد من القادمين وسكن الحال على ذلك أياما وشرع إبراهيم بك في اجراء الصلح وصفاء الخاطر بينهم وبين مراد بك وأمرهم بالذهاب إليه فذهبوا إليه وسلموا عليه ثم ركب هو الآخر إليهم ما عدا الثلاثة المعزولين وكل ذلك وهو ينقل في متاع بيته وتعزيل ما فيه ثم أنه ركب في يوم الجمعة وعدى إلى جزيرة الذهب وتبعه كشافه وطوائفه وأرسل إلى بولاق وأخذ منها الارز والغلة والشعير والبقسماط وغير ذلك فأرسل له إبراهيم بك لاجين بك وسليمان بك أبا نبوت ليردوه عن ذلك فنهرهم وطردهم فرجعوا ثم أنه عدى إلى ناحية الشرق وذهب إلى قبلي وتبعه اغراضه وأتباعه وحملته من البر والبحر. وفي هذه السنة قصر مد النيل وانهبط قبل الصليبة بسرعة فشرقت الأراضي القبلية والبحرية وعزت الغلال بسبب ذلك وبسبب نهب الأمراء وانقطاع الوارد من الجهة القبلية وشطح سعر القمح إلى عشرة ريالات الأردب واشتد جوع الفقراء. ووصل مراد بك إلى بني سويف وأقام هناك وقطع الطريق على المسافرين ونهبوا كل ما مر بهم في المراكب الصاعدة والهابطة. من مات في هذه السنة من الأعيان. توفي الفقيه النبيه العمدة الفاضل حاوى أنواع الفضائل الشيخ أحمد ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد السجاعي الشافعي الأزهري ولد بمصر ونشأ بها وقرأ على والده وعلى كثير من مشايخ الوقت وتصدر للتدريس في حياة أبيه وبعد موته في مواضعه وصار من اعيان العلماء وشارك في كل علم وتميز بالعلوم الغربية ولازم الوالد وأخذ عنه علم الحكمة والهداية وشرحها للقاضي زاده قراءة بحث وتحقيق.

стр. 611

والجغميني ولقط الجواهر والمجيب والمقنطر وشرح اشكال التأسيس وغير ذلك وله في تلك الفنون تعاليق ورسائل مفيدة وله براعة في التأليف ومعرفة باللغة وحافظة في الفقه. ومن تأليفه شرح على دلائل الخيرات كالحاشية مفيد وشرح على اسماء الله الحسنى قرظ عليه الشيخ عبد الله الادكاوى رحمه الله تعالى هذا وكان ممن منحه الله أسرارها وأظهر أنوارها فأوضح من معانيها ما خفي ومنح طلابها كنزا يتنافس في مثله انبل الفضلاء وافضل النبلاء أحمد الأسم محمود الصفات على الفعل حسن القول والذات نجل العلم العلامة العمدة الفهامة كعبة الافضال وقبلة الاجلال من تقصر عن تعداد محاسنه ولو طولت باعي مولانا الشيخ أحمد السجاعي حفظ الله عليه نجله الرشيد واراه منه ما يسر القريب والبعيد وحين لمحت عيني ما كتب مما حقه أن يرقم بدل الحبر بالذهب عوذته بالله من عين كل حسود وعملت أنه أن شاء الله تعالى سيسود وتطأ اخمصه اعناق الأسود. وسمع المترجم معنا كثيرا على شيخنا السيد محمد مرتضى من الامالي وعدة مجالس من البخارى وجزء بن شاهد الجيش والعوالي المروية عن أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر المسماة بسلسلة الذهب وغير ذلك. ومن فوائد المترجم أنه رأى في المنام قائلا يقول له: من قال: كل يوم يا الله يا جبار يا قهار يا شديد البطش ثلثمائة وستين مرة أمن من الطاعون. توفي ليلة الإثنين سادس عشر صفر من السنة بعد أن تعلل بالاستسقاء وصلي عليه بالغد بالجامع الأزهر ودفن عند أبيه بالبستان رحمه الله تعالى. ومات الشيخ الصالح الناسك الصوفي الزاهد سيدي أحمد بن علي ابن جميل الجعفرى الجزولي السوسي من ولد جعفر الطيار ولد بالسوس واشتغل بالعلم قليلا على علماء بلاده ثم ورد إلى مصر في ١١٨٢ فحج ورجع وقرأ معنا على الشيخ الوالد كثيرا من الرياضيات مع مشاركة.

стр. 612

سيدى محمد وسيدى أبي بكر ولدى الشيخ التاودى بن سودة حين وردا مع ابيهما في تلك السنة للحج والشيخ سالم القيرواني ثم غلب عليه الجذب فساح وذهب إلى الروم مجاهدا وأصيب بجراحات في بدنه وعولج حتى برأ وتعلم اللغة التركية وعرضت عليه الدنيا فلم يقبلها والغالب عليه اخفاء الحال. وورد إلى مصر في سنة أحدى وتسعين وتزوج بمصر وأقام بها مع كمال العفة والديانة وسلامة الباطن والانجماع عن الناس مع صفاء الخاطر والذوق المتين والميل إلى كتب الشيخ الأكبر والشعراني وزيارة القرافتين في كل جمعة على قدميه. أحببت لقاء الله تعالى توفي في ثالث ربيع الأول من السنة ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى. ومات العمدة العلامة والحبر الفهامة قدوة المتصدرين ونخبة المفهمين النبيه المتفنن الشيخ محمد بن إبراهيم بن يوسف الهيتمي السجيني الشافعي الأزهري الشهير بأبي الارشاد ولد سنة ١١٥٤ وحفظ القرآن وتفقه على الشيخ المدابغي والبراوى والشيخ عبد الله السجيني وحضر دروس الشيخ الصعيدي وغيره وأجاز أشياخ العصر وافتى ودرس وتولى مشيخة رواق الشراقوة بالأزهر بعد وفاة خاله الشيخ عبد الرؤوف واشتهر ذكره وانتظم في عداد المشايخ المشار إليهم بالأزهر وفي الجمعيات والمجالس عند الأمراء ونظار الأزهر وفي الأخبار وله مؤلفات في الفنون وكتب حاشية على الخطيب على أبي شجاع إلا أنها لم تكمل ورسائل في مستصعبات المسائل بالمنهج وصنف رسالة تتعلق بنداء المؤمنين بعضهم بعضا في الجنة. توفي في أواخر القعدة. ومات الإمام الهمام العلامة المقدام المتقن المتفنن المفيد الشيخ يوسف الشهير برزة الشافعي الأزهرى أحد العلماء المحصلين والأجلاء المفيدين تفقه على الشيخ العلامة الشيخ أحمد رزة وإليه انتسب وبه اشتهر وحضر على كل من الشيخ الحفناوى والشيخ أحمد البجرمي والشيخ عيسى.

стр. 613

البراوى ودرس الفقه والمعقول بالأزهر وأفاد وأفتى وصار في عداد المتصدرين المشار إليهم مع الانجماع والحشمة والكمال والرئاسة وحسن الحال ولم يتداخل كغيره في الأمور المخلة. ولم يزل مقبلا على شأنه حتى توفي في عاشر جمادى الأولى من السنة. ومات الشيخ الصالح الورع علي بن عبد الله مولى الأمير بشير جلبه مولاه من بلاد الروم وحبب إليه السلوك فلازم الشيخ الحفني ملازمة كلية وأخذ عنه الطريق وحضر دروسه وسمع الصحيح على السيد مرتضى بتمامة في منزله بدرب الميضاة بالصليبة وكذلك مسلم وأبو داود وغير ذلك من الاجزاء الحديثة ومسلسلات بن عقيلة بشروطها وغالبها بقراءة السيد حسين الشيخوني. وكان إنسانا حلو المعاشرة كثير التودد لطيف الصحبة مكرما محسنا خيرا له بر وصدقات خفية توفي في يوم الأحد تاسع عشرين رجب بعد أن تعلل بالفتق عن كبر وصلي عليه بسبيل المؤمنين ودفن بالقرب من شيخنا محمود الكردى بالصحراء. وكان منور الوجه والشيبة وعليه جلالة ووقار وهيبة يلوح عليه سيما الصلاح والتقوى رحمه الله تعالى. ومات الشيخ الصالح عيسى بن أحمد القهاوى الوقاد بالمشهد الحسيني وخادم النعال بالموضع المذكور كان رجلا مسنا سخيا بما يملك مطعاما للواردين من الغرباء المنقطعين وأدرك جماعة من الصالحين وكان يحكي لنا عليهم أمورا غريبة وله مع الله حال وفي فهم كلام القوم وذوق حسن وللناس فيه اعتقاد عظيم. وفي أخرة أعجزة الهرم والقعود فتوجه إلى طندتا في آخر ربيع الثاني ومكث هناك برحاب سيدي أحمد البدوى إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الثانية ودفن عند مقام الولي الصالح سيدي عز الدين خارج البلد في موضع كان أعده السيد محمد مجاهد لنفسه فلم يتفق دفنه فيه.

стр. 614

ومات العلامة الفاضل المحدث الصوفي الشيخ أحمد بن أحمد بن أحمد ابن جمعة البجيرمي الشافعي قرأ على أبيه وحضر درس العشماوى والعزيزى والجوهرى والشيخ أحمد سابق والحفني وآخرون ودرس وأكب على اقراء الحديث وألف في الفن وانتفع به الناس وكان يسكن في خانقاه سعيد السعداء مع سكون الاخلاق والانجماع عن الناس وملازمة محله ولا زال يفيد ويسمع حتى وافاه الحمام في يوم الجمعة ثاني رمضان وكانت جنازته خفيفة لاشتغال الناس بالصيام وكان يخبر عن والده أن جنازته كانت خفيفة ﵀. ومات الفاضل المبجل سيدى عيسى جلبي بن محمود بن عثمان ابن مرتضى القفطانجي الحنفي المصرى ولد بمصر ونشأ صالحا في عفاف وصلاح وديانة وملازمة لحضور دروس الأشياخ وتفقه على فضلاء وقته مثل الشيخ الوالد والشيخ حسن المقدسي وأخذ العربية والكلام عن الشيخ محمد الأمير والشيخ أحمد البيلي وغيرهما واقتنى كتبا نفيسة وكان منزله موردا للفضلاء وكان يعزم عليهم ويعمل لهم الضيافات في كل عام ببستان خارج مصر يعرف ببستان القفطانجي ورثه عن آبائه وكان نعم الرجل مودة وصيانة رحمه الله تعالى وسامحه.

стр. 615

سنة ثمان وتسعين ومائة وألف . فيها في المحرم سافر مراد بك إلى منية بن خصيب مغضبا وجلس هناك. وفيه حضر إلى مصر محمد باشا والي مصر فأنزلوه بقصر عبد الرحمن كتخدا بشاطىء النيل فأقام به يومين ثم عملوا له موكبا وطلع إلى القلعة من تحت الربع على الدرب الأحمر. وفي منتصفه اتفق رأى إبراهيم بك والأمراء الذين معه على إرسال محمد افندى البكرى والشيخ أبي الأنوار شيخ السادات والشيخ أحمد.

стр. 616

العروسي شيخ الأزهر إلى مراد بك ليأخذوا خاطره ويطلبوه للصلح مع خشداشينه ويرجع إليهم ويقبلوا شروطه ما عدا اخراج أحد من خشداشينهم. فلما سافروا إليه وواجهوه وكلموه في الصلح تعلل باعذار واخبر أنه لم يخرج من مصر إلا هروبا خوفا على نفسه فإنه تحقق عنده توافقهم على غدره فإن ضمنتهم وحلفتم لي بالايمان أنه لا يحصل لي منهم ضرر وافقتكم على الصلح وإلا فدعوني بعيدا عنهم. فقالوا له: لسنا نطلع على القلوب حتى نحلف ونضمن ولكن الذى نظنه ونعتقده عدم وقوع ذلك بينكم لانكم اخوة ومقصودنا الراحة فيكم وبراحتكم ترتاح الناس وتأمن السبل فأظهر الامتثال ووعد بالحضور بعد أيام وقال لهم: إذا وصلتم إلى بني سويف ترسلون لي عثمان بك الشرقاوى وأيوب بك الدفتردار لاشترط عليهم شروطي فإن قبلوها توجهت معهم وإلا عرفت خلاصي معهم. وانفصلوا عنه على ذلك وودعوه وسافروا وحضروا إلى مصر في ليلة الجمعة ثالث عشرين شهر صفر. وفي ذلك اليوم وصل الحجاج إلى مصر ودخل أمير الحج مصطفى بك بالمحمل في يوم الأحد. وفي يوم السبت مستهل ربيع الأول خرج الأمراء إلى ناحية معادي الخبير وحضر مراد بك إلى بر الجيزة وصحبته جمع كبير من الغز والاجناد والعربان والغوغاء من أهل الصعيد والهوارة ونصبوا خيامهم ووطاقهم قبالتهم في البر الآخر فأرسل إليه إبراهيم بك عبد الرحمن بك عثمان وسليمان بك الشابورى وآخرين في مركب فلما عدوا إليه لم يأذن لهم في مقابلته وطردهم ونزل أيضا كتخدا الباشا وصحبته إسمعيل افندى الخلوتي في مراكب أخرى ليتوجهوا إليه أيضا لجريان الصلح فلما توسطوا البحر ووافق رجوع الأولين ضربوا عليهم بالمدافع فكادت تغرق بهم السفن ورجعوا وهم لا يصدقون بالنجاة. فلما رأى ذلك إبراهيم بك ونظر امتناعه.

стр. 617

عن الصلح وضربه بالمدافع أمر هو الآخر بضرب المدافع عليهم نظير فعالهم. وكثر الرمي بينهم من الجهتين على بعضهم البعض وامتنع كل من الفريقين عن التعدية إلى الجهة الاخرى وحجزوا المعادى من الطرفين. واستمر الحال بينهم على ذلك من أول الشهر إلى عشرين منه واشتد الكرب والضنك على الناس وأهل البلاد وانقطعت الطرق القبلية والبحرية برا وبحرا وكثر تعدى المفسدين وغلت الأسعار وشح وجود الغلال وزادت أسعارها. وفي تلك المدة كثر عبث المفسدين وأفحش جماعة مراد بك في النهب والسلب في بر الجيزة وأكلوا الزروعات ولم يتركوا على وجه الأرض عودا اخضر وعين لقبض الأموال من الجهات وغرامات الفلاحبن وظن الناس حصول الظفر لمراد بك واشتد خوف الأمراء بمصر منه. وتحدث الناس بعزم إبراهيم بك على الهروب فلما كان ليلة الخميس المذكور أرسل إبراهيم بك المذكور خمسة من الصناجق وهم سليمان بك الأغا وسليمان أبو نبوت وعثمان بك الأشقر وإبراهيم بك الو إلى وأيوب بك فعدوا إلى البر الآخر بالقرب من أنبابه ليلا وساروا مشاة فصادفوا طابورا فضربوا عليهم بالبندق فانهزموا منهم وملكوا مكانهم وذلك بالقرب من بولاق التكرور كل ذلك والرمى بالمدافع متصل من عرضي إبراهيم بك ثم عدى خلفهم جماعة اخرى ومعهم مدفعان وتقدموا قليلا من عرضي مراد بك وضربوا على الع رضي بالمدفعين فلم يجبهم أحدا فباتوا على ذلك وهم على غاية من الحذر والخوف. وتتابع بهم طوائفهم وخيولهم فلما ظهر نور النهار نظروا فوجدوا الع رضي خاليا وليس بة أحد وارتحل مراد بك ليلا وترك بعض اثقالة ومدافعة فذهبوا إلى الع رضي وأخذوا ما وجدوه وجلسوا مكانة ونهب اوباشة المراكب التى كانت محجوزة للناس. وعدى إبراهيم بك وتتابعوا في التعدية وركبوا خلفهم إلى الشيمى فلم يجدوا أحدا فأقاموا هناك السبت والاثنين والثلاثاء ورجع إبراهيم بك.

стр. 618

وبقية الأمراء إلى مصر ودخلوا بيوتهم. وانقضت هذة الفتنة الكذابة على غير طائل ولم يقع بينهم مصاف ولا مقاتلة وهرب مراد بك وذهب بمن معة يهلكون الزرع حصادا ويسعون في الأرض فسادا. وفي أواخر شهر جمادى الأولى اتفق رأى إبراهيم بك على طلب الصلح مع مراد بك فسافر لذلك لاجين بك وعلي أغا كتخدا جاووجان وسبب ذلك أن عثمان بك الشرقاوى وأيوب بك ومصطفى بك وسليمان بك وإبراهيم بك الوالي تحزبوا مع بعضهم وأخذوا ينقضون على إبراهيم بك الكبير واستخفوا بشأنه وقعدوا له كل مرصد وتخيل منهم وتحزر وجرت مشاجرة بين أيوب بك أغا كتخدا جاوجان بحضرة إبراهيم بك وسبه وشتمه وأمسك عمامته وحل قولانه وقال له: ليس هذا المنصب مخلدا عليك فاغتاظ إبراهيم بك لذلك وكتمه في نفسه وعز عليه علي أغا لأنه كان بينه وبينه محبة أكيدة ولا يقدر على فراقه فشرع في اجراء الصلح بينه وبين مراد بك فاجتمع إليه الأمراء وتكلموا معه فقال: نصطلح مع أخينا أولى من التشاحن ونزيل الغل بيننا لاجل راحتنا وراحة الناس ويكون كواحد منا وإن حصل منه خلل أكون أنا وأنتم عليه. وتحالفوا على ذلك وسافر لاجين بك وعلي أغا وبعد أيام حضر حسن كتخدا الجريان كتخدا مراد بك إلى مصر واجتمع بإبراهيم بك ورجع ثانيا وأرسل إبراهيم بك صحبته ولده مرزوق بك طفلا ومعه الدادة والمرضعة فلما وصلوا إلى مراد بك أجاب بالصلح وقدم لمرزوق بك هدية وتقادم ومن جملتها بقرة ولابنتها رأسان. وفي عاشر رجب حضر مرزوق بك وصحبته حسن كتخدا الجريان فأوصله إلى أبيه ورجع ثانيا إلى مراد بك وشاع الخبر بقدوم مراد بك وعمل مصطفى بك وليمة وعزم من بصحبته واحضر لهم آلات الطرب واستمروا على ذلك إلى آخر النهار.

стр. 619

وفي ثاني يوم اجتمعوا عند إبراهيم بك وقالوا له: كيف يكون قدوم مراد بك ولعله لا يستقيم حاله معنا فقال لهم: حتى يأتي فإن استقام معنا فيها وإلا أكون أنا وأنتم عليه. فتحالفوا وتعاهدوا وأكدوا المواثيق. فلما كان يوم الجمعة وصل مراد بك إلى غمازة فركب إبراهيم بك على حين غفلة وقت القائلة في جماعته وطائفته وخرج إلى ناحية البساتين ورجع من الليل وطلع إلى القلعة وملك الأبواب ومدرسة السلطان حسن والرميلة والصليبة والتبانة وأرسل إلى الأمراء الخمسة يأمرهم بالخروج من مصر وعين لهم اماكن يذهبون إليها فمنهم من يذهب إلى دمياط ومنهم من يذهب إلى المنصورة وفارسكور فامتنعوا من الخروج واتفقوا على الكرنكة والخلاف ثم لم يجدوا لهم خلاصا بسبب أن إبراهيم بك ملك القلعة وجهاتها ومراد بك وأصل يوم تاريخه وصحبته السواد الأعظم من العساكر والعربان ثم إنهم ركبوا وخرجوا بجمعيتهم إلى ناحية القليوبية ووصل مراد بك لزيارة الإمام الشافعي فعندما بلغه خبر خروجهم ذهب من فوره من خلف القلعة ونزل على الصحراء واسرع في السير حتى وصل إلى قناطر أبي المنجا ونزل هناك وأرسل خلفهم جماعة فلحقوهم عند شبرا شهاب وادركهم مراد بك والتطموا معهم فتقنطر مراد بك بفرسه فلحقوه واركبوه غيره فعند ذلك ولى راجعا وانجرح بينهم جماعة قلائل واصيب سليمان بك برصاصة نفذت من كتفه ولم يمت ورجع مراد بك ومن معه إلى مصر على غير طائل وذهب الأمراء الخمسة المذكورون وعدوا على وردان وكان بصحبتهم رجل من كبار العرب يقال له: طرهونة يدلهم على الطريق الموصلة إلى جهة قبلي فسار بهم في طريق مقفرة ليس بها ماء ولا حشيش يوما وليلة حتى كادوا يهلكون من العطش وتأخر عنهم اناس من طوائفهم وانقطعوا عنهم شيئا فشيئا إلى أن وصلوا إلى ناحية سقارة فرأوا أنفسهم بالقرب من الأبرام فضاق خناقهم وظنوا الوقوع.

стр. 620

فأحضروا الهجن وارادوا الركوب عليها والهروب ويتركوا اثقالهم فقامت عليهم طوائفهم وقالوا لهم كيف تذهبون وتتركونا مشتتين. وصار كل من قدر على خطف شيء أخذه وهرب فسكنوا عن الركوب وانتقلوا من مكانهم إلى مكان آخر. وفي وقت الكبكبة ركب مملوك من مماليكهم وحضر إلى مراد بك وكان بالروضة فاعلمه الخبر فأرسل جماعة إلى الموضع الذى ذكره له فلم يجدوا أحدا فرجعوا واغتم أهل مصر لذهابهم إلى جهة قبلي لما يترتب على ذلك من التعب وقطع الجالب مع وجود القحط والغلاء. وبات الناس في غم شديد. فلما طلع نهار يوم الأربعاء حادى عشرين رجب شاع الخبر بالقبض عليهم وكان من أمرهم أنهم لما وصلوا إلى ناحية الأبرام ووجدوا أنفسهم مقابلين البلد أحضروا الدليل وقالوا له: انظر لنا طريقا تسلك منه فركب لينظر في الطريق وذهب إلى مراد بك وأخبره بمكانهم فأرسل لهم جماعة فلما نظروهم مقبلين عليهم ركبوا الهجن وتركوا اثقالهم وولوا هاربين وكانوا كمنوا لهم كمينا فخرج عليهم ذلك الكمين ومسكوا بزمامهم من غير رفع سلاح ولا قتال وحضروا بهم إلى مراد بك بجزيرة الذهب فباتوا عنده ولما أصبح النهار أحضر لهم مراد بك مراكب وأنزل كل أمير في مركب وصحبته خمسة مماليك وبعض خدام وسافروا إلى جهة بحرى فذهبوا بعثمان بك وأيوب بك إلى المنصورة ومصطفى بك إلى فارسكور وإبراهيم بك الوالي إلى طندتا وأما سليمان بك فاستمر ببولاق التكرور حتى برأ جرحه. وفي منتصف شهر رمضان اتفق الأمراء المنفيون على الرهوب إلى قبلي فأرسلوا إلى إبراهيم بك الوالي ليأتي إليهم من طندتا وكذلك إلى مصطفى بك من فارسكور وتواعدوا على يوم معلوم بينهم فحضر إبراهيم بك إلى عثمان بك وأيوب بك خفية في المنصورة وأما مصطفى بك فإنه نزل في المراكب وعدى إلى البر الشرقي بعد الغروب وركب.

стр. 621

وسافر فركب خلفه رجل يسمى طه شيخ فارسكور وكان بينه وبين مصطفى بك خرازة وأخذ صحبته رجلا يسمى الأشقر في نحو ثلثمائة فارس وعدوا خلفه فلحقوه آخر الليل والطريق ضيقة بين البحر والارز المزروع فلم يمكنهم الهروب ولا القتال. فأراد الصنجق أن يذهب بمفرده فدخل في الارز بفرسه فانغرز في الطين فقبضوا عليه هو وجماعته فعروهم وأخذوا ما كان معهم وساقوهم مشاة إلى البحر وانزلوهم المراكب وردوهم إلى مكانهم محتفظين عليهم. وأرسلوا الخبر إلى مصر بذلك. واما الجماعة الذين في المنصورة فإنهم انتظروا مصطفى بك في الميعاد فلم يأتهم ووصلهم الخبر بما وقع له فركب عثمان بك وإبراهيم بك وساروا وتخلف أيوب بك المنصورة فلما قربوا من مصر سبقتهم الرسل إلى سليمان بك فركب من الجيزة وذهب اليهما وذهبوا إلى قبلي وأرسل مراد بك محمد كاشف الالفي وأيوب كاشف فأخذا مصطفى بك من فارسكور وتوجها به إلى ثغر سكندرية وسجنوه بالبرج الكبير. وعرف من اجل ذلك بالاسكندراني. واحضروا أيوب بك إلى مصر واسكنوه في بيت صغير وبعد أيام ردوه إلى بيته الكبير وردوا له الصنجقية أيضا في منتصف شوال. وفي يوم الإثنين سادس شهر شوال الموافق التاسع عشر مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك ونزل الباشا يوم الثلاثاء في عربة وكسر السد على العادة. وفي يوم الإثنين حادى عشرين شوال كان خروج المحمل صحبة أمير الحاج مصطفى بك الكبير في موكب حقير جدا بالنسبة للمواكب المتقدمة ثم ذهب إلى البركة في يوم الخميس وقد كان تأخر له مبلغ من مال الصرة وخلافها فطلب ذلك من إبراهيم بك فأحاله على مراد بك من الميرى الذى طرفه وطرف اتباعه واحال عليه أمير الحاج وركب من البركة راجعا إلى مصر وتركه وأياه فلم يسع مراد بك إلا الدفع وتشهيل الحج وعاد إلى مصر.

стр. 622

وخرج إلى قصره بالروضة وأرسل إلى الجماعة الذين بالوجه القبلي فلما علم إبراهيم بك بذلك أرسل إليه يستعطفه وترددت بينهما الرسل من العصر إلى بعد العشاء ونظر إبراهيم بك فلم يجد عنده أحدا من خشداشينه. واجتمه وأكلهم على مراد بك فضاق صدره وركب إلى الرميلة فوقف بها ساعة حتى أرسل الحملة صحبة عثمان بك الأشقر وعلي بك أباظة وصبر حتى ساروا وتقدموا عليه مسافة ثم سار نحو الجبل وذهب إلى قبلي وصحبته علي اغا كتخدا الجاويشية وعلي أغا مستحفظان والمحتسب وصناجقه الأربعة فلما بلغ مراد بك ركوبه وذهابه ركب خلفهم حصة من الليل ثم رجع إلى مصر وأصبح منفردا بها وقلد قائد اغا اغات مستحفظان وصالح اغا الوالي القديم وجعله كتخدا الجاويشية وحسن اغا كتخدا ومصطفى بك محتسب وأرسل إلى محمد كاشف الالفي ليحضر مصطفى بك من محبسه بثغر اسكندرية ونادى بالامان في البلد وزيادة وزن الخبز وأمر باخراج الغلال المخزونة لتباع على الناس. وفي ليلة الثلاثاء خامس القعدة حضر مصطفى بك ونزل في بيته اميرا وصنجقا على عادته كما كان. وفيه قلد مراد بك مملوكه محمد كاشف الألفي صنجقا مصطفى كاشف وصنجقا الاخميمي صنجقا أيضا. وفي يوم الأحد سابع عشر القعدة حضر عثمان بك الشرقاوى وسليمان بك الأغا وإبراهيم بك الوالي وسليمان بك أبو نبوت وكان مراد بك أرسل يستدعيهم كما تقدم. فلما حضروا إلى مصر سكنوا بيوتهم كما كانوا على إمارتهم. وفي أواخره وصل واحد أغا من الدولة وبيده مقرر للباشا على السنة الجديدة فطلب الباشا الأمراء لقراءاته عليهم فلم يطلع منهم أحد واهمل ذلك مراد بك ولم يلتفت إليه.

стр. 623

وفي يوم الجمعة رابع عشر الحجة رسم مراد بك بنفي رضوان بك قرابة علي بك الكبير الذى كان خامر على إسمعيل بك وحسن بك الجداوى وحضر مصر صحبة مراد بك كما تقدم وانضم إليه وصار من خاصته فلما خرج إبراهيم بك من مصر اشيع أنه يريد صلحه مع إسمعيل بك وحسن بك بك فصار رضوان بك كالجملة المعترضة فرسم مراد بك بنفيه فسافر من ليلته إلى الأسكندرية. وفي يوم السبت خامس عشرة أرسل مراد بك إلى الباشا وأمره بالنزول فأنزلوه إلى قصر العيني معزولا وتولى مراد بك قائم مقام وعلق الستور على بابه فكانت ولاية هذا الباشا أحد عشر شهرا سوى الخمسة أشهر التي أقامها بثغر سكندرية وكانت أيامه كلها شدائد ومحنا وغلاء. وفي أواخر شهر الحجة شرع مراد بك في اجراء الصلح بينه وبين إبراهيم بك فأرسل له سليمان بك الأغا والشيخ أحمد الدردير ومرزوق بك ولده فتهيأوا وسافروا في يوم السبت ثامن عشرينه. وانقضت هذه السنة كالتي قبلها في الشدة والغلاء وقصور النيل والفتن المستمرة وتواتر المصادرات والمظالم من الأمراء وانتشار أتباعهم في النواحي لجبي الأموال من القرى والبلدان واحداث أنواع المظالم ويسمونها مال الجهات ودفع المظالم والفردة حتى أهل كوا الفلاحين وضاق ذرعهم واشتد كربهم وطفشوا من بلادهم فحولوا الطلب على الملتزمين وبعثوا لهم المعينين في بيوتهم فاحتاج مساتير الناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم بسبب ذلك مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عن ذلك وتتبع من يشم فيه رائحة الغنى فيؤخذ ويحبس ويكلف بطلب اضعاف ما يقدر عليه وتو إلى طلب السلف من تجار البن والبهار عن المكوسات المستقيلة. ولما تحقق التجار عدم الرد استعوضوا خساراتهم من زيادة الأسعار ثم مدوا أيديهم إلى المواريث فإذا مات الميت أحاطوا بموجوده.

стр. 624

سواء كان له وارث أولا. وصار بيت المال من جملة المناصب التي يتولاها شرار الناس بجملة من المال يقوم بدفعه في كل شهر ولا يعارض فيما يفعل في الجزئيات وأما الكليات فيختص بها الأمير. فحل بالناس مالا يوصف من أنواع البلاء إلا من تداركه الله برحمته أو اختلس شيئا من حقه فإن اشتهروا عليه عوقب على استخراجه. وفسدت النيات وتغيرت القلوب ونفرت الطباع وكثر الحسد والحقد في الناس لبعضهم البعض فيتتبع الشخص عورات أخيه ويدلي به إلى الظلم حتى خرب الاقليم وانقطعت الطرق وعربدت أولاد الحرام وفقد الأمن ومنعت السبل إلا بالخفارة وركوب الغرر وجلت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره فلا يجد الزبال شيئا يكنسه من ذلك واشتد بهم الحال حتى أكلوا الميتات من الخيل والحمير والجمال فإذا خرج حمار ميت تزاحموا عليه وقطعوه وأخذوه ومنهم من يأكله نيئا من شدة الجوع ومات الكثير من الفقراء بالجوع. هذا والغلاء مستمر والأسعار في الشدة وعز الدرهم والدينار من أيدى الناس وقل التعامل إلا فيما يؤكل وصار سمر الناس وحديثهم في المجالس ذكر المآكل والقمح والسمن ونحو ذلك لا غير ولولا لطف الله تعالى ومجيء الغلال من نواحي الشام والروم لهلكت أهل مصر من الجوع. وبلغ الأردب من القمح ألفا وثلثمائة نصف فضة والفول والشعير قريبا من ذلك وأما بقية الحبوب والابزار فقل أن توجد. واستمر ساحل الغلة خاليا من الغلال بطول السنة والشون كذلك مقفولة وارزاق الناس وعلائفهم مقطوعة وضاع الناس بين صلحهم وغبنهم وخروج طائفة ورجوع الاخرى ومن خرج إلى جهة قبض أموالها وغلالها. وإذا سئل المستقر في شيء تعلل بما ذكر. ومحصل هذه الافاعيل بحسب الظن الغالب انها حيل على سلب الأموال والبلاد.

стр. 625

وفخاخ ينصبونها ليصيدوا بها إسمعيل بك. وفي أواخره وصلت مكاتبة من الديار الحجازية عن الشريف سرور ووكلاء التجار خطابا للامراء والعلماء بسبب منع غلال الحرمين وغلال المتجر وحضور المراكب مصبرة بالاتربة والشكوى من زيادة المكوسات عن الحد فلما حضرت قرىء بعضها وتغوفل عنها وبقي الأمر على ذلك. رجع لخبر العجلة التي لها رأسان. وهو أنه لما أرسل إبراهيم بك ولده مرزوق بك غلاما صغيرا لمصالحة الأمير مراد بك واعطاه هدية ومن جملتها بقرة وخلفها عجلة برأسين وحضر بهما إلى مصر وشاع خبرها فذهبت بصحبة أخينا وصديقنا مولانا السيد إسمعيل الوهبي الشهير بالخشاب فوصلنا إلى بيت ام مرزوق بك الذى بحارة عابدين ودخلنا إلى اسطبل مع بعض السواس فرأينا بقرة مصفرة اللون مبياض وابنتها خلفها سوداء ولها رأسان كاملتا الاعضاء وهي تأكل بفم أحدى الرأسين وتشتر بفم الرأس الثانية فتعجبنا من عجيب صنع الله وبديع خلقته فكانت من العجائب الغريبة المؤرخة. من مات في هذه السنة من أعيان الناس. مات الشيخ الفقيه الصالح المشارك الشيخ درويش بن محمد بن محمد ابن عبد السلام البوتيجي الحنفي نزيل مصر حضر دروس كل من الشيخ محمد أبي السعود والشيخ سليمان المنصورى والشيخ محمد الدلجي وغيرهم وتميز في معرفة فروع الفقه وافتى ودرس وكان إنسانا حسنا لا بأس به توفي في هذه السنة. ومات العمدة العلامة والرحلة الفهامة المفوه المتكلم المتفقه النحوى الأصولي الشيخ عبد الله بن أحمد المعروف باللبان الشافعي الأزهرى أحد.

стр. 626

المتصدرين في العلماء الأزهرية حضر أشياخ الوقت كالملوى والجوهري والحفني والصعيدي والعشماوي والدفرى وتمهر في الفقه والمعقول وقرأ الدروس وختم الختوم وتنزل أياما عند الأمير إبراهيم كتخذا القازدغلي واشتهر ذكره في الناس وعند الأمراء بسبب ذلك وتحمل حاله وكان فصيحا ملسانا مفوها يخشى من سلاطة لسانه في المجالس العلمية والعرفية. وسافر مرة إلى اسلامبول في بعض الارساليات وذلك سنة ست وثمانين عندما خرج علي بك من مصر ودخل محمد بك وكان بصحبة أحمد باشجاويش أرنؤد. ومات الإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن جاد الله البناني المغربي وبنانه قرية من قرى منستير بافريقية ورد إلى مصر وجاور بالجامع الأزهر وحضر دروس الشيخ الصعيدي والشيخ يوسف الحفني والسيد محمد البليدى وغيرهم من أشياخ العصر ومهر في المعقول وألف حاشية على جمع الجوامع اختصر فيها سياق بن قاسم وانتفع بها الطلبة ودرس برواق المغاربة وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد الأسكندرى وغيره وتولى مشيخة رواقهم مرارا بعد عزل السيد قاسم التونسي وبعد عزل الشيخ أبي الحسن القلعي فسار فيها سيرا حسنا. ولم يتزوج حتى مات. ومن آثاره ما كتبه على المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الادكاوى. ولم يزل مواظبا على التدريس ونفع الطلبة حتى تعلل أياما وتوفي ليلة الثلاثاء ختام شهر صفر. ومات الشيخ الفاضل العلامة عبد الرحمن بن حسن بن عمر الاجهورى المالكي المقرى سبط القطب الخضيرى أخذ علم الأداء عن كل من الشيخ محمد بن علي السراجي اجازة في سنة ١١٥٦ وعن الشيخ عبد ربه ابن محمد السجاعي إجازة في سنة أربع وخمسين وعن شمس الدين السجاعي فس سنة ثلاث وخمسين وعن عبد الله بن محمد بن يوسف القسطنطيني جود عليه إلى قوله المفلحون بطريقة الشاطبية والتيسير بقلعة الجبل حين.

стр. 627

ورد مصر حاجا في سنة ثلاث وخمسين وعلى الشيخ أحمد بن السماح البقرى والشهاب الأسقاطي وآخرين وأخذ العلوم عن الشبراوى والعماوى والسجيني والشهاب النفراوى وعبد الوهاب الطندتاوى والشمس الحفني وأخيه الشيخ يوسف والشيخ الملوى وسمع الحديث من الشيخ محمد الدفرى والشيخ أحمد الأسكندراني ومحمد بن محمد الدقاق واجازه الجوهرى في الاحزاب الشاذلية وكذا يوسف بن ناصر واجازه السيد مصطفى البكرى في الخلوتية والأوراد السرية ودخل الشام فسمع الأولية على الشيخ إسمعيل العجلوني وسمع عليه الحديث وأخذ فن القراءات على الشيخ مصطفى الخليجي ومكث هناك مدة ودخل حلب فسمع من جماعة وعاد إلى مصر فحضر على السيد البليدى في تفسير البيضاوى بالأزهر وبالاشرفية وكان السيد يعتني به ويعرف مقامه. وله سليقة تامة في الشعر وله مؤلفات منها الملتاذ في الأربعة الشواذ ورسالة في وصف أعضاء المحجوب نظما ونثرا وشرح تشنيف السمع ببعض لطائف الوضع للشيخ العيدروس شرحين كاملين قرظ عليهما علماء عصره. ولا زال يملي ويفيد ويدرس ويجيد ودرس بالأزهر مدة في أنواع الفنون واتقن العربية والأصول والقراءات وشارك في غيرها وعين للتدريس في السنانية ببولاق فكان يقرأ فيها الجامع الصغير ويكتب على أطراف النسخة من تقاريره المبتكرة ما لو جمع لكان شرحا حسنا. وتوفي المترجم رحمه الله تعالى في سابع عشرين رجب. ومات الأجل المبجل والعمدة المفضل الحسيب النسيب السيد محمد ابن أحمد بن عبد اللطيف بن محمد بن تاج العارفين بن أحمد بن عمر ابن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن علي بن حسين بن محمد بن شرشيق بن محمد ابن عبد العزيز بن عبد القادر الحسيني الجيلي المصرى ويعرف بأبن بنت الجيزى من بيت العز والسيادة والكرامة والمجادة جدهم تاج العارفين.

стр. 628

تولى الكتابة بباب النقابة ولا زالت في ولده مضافة لمشيخة السادة القادرية ومنزلهم بالسبع قاعات ظاهر الموسكي مشهور بالثروة والعز وكان المترجم اشتغل بالعلم حتى أدرك منه حظا وافرا وصار له ملكة يقتدر بها على استحضار النكات والمسائل والفروع وكان ذا وجاهة وهيبة واحتشام وانجماع عن الناس ولهم منزل ببركة جناق يذهبون إليه في أيام النيل وبعض الأحيان للنزاهة توفي رحمه الله تعالى في هذه السنة وتولى منصبه أخوه السيد عبد الخالق. ومات السيد الفاضل السالك على بن عمر بن محمد بن علي بن أحمد ابن عبد الله بن حسن بن أحمد بن يوسف بن إبراهيم بن أحمد ابن أبي بكر بن سليمان بن يعقوب بن محمد بن القطب سيدى عبد الرحيم القناوى الشريف الحسيني ولد بقنا وقدم مصر وتلقن الطريقة عن الأستاذ الحفني ثم حبب إليه السياحة فورد الحرمين وركب من جدة إلى سورت ومنها إلى البصرة وبغداد وزار من بهما من المشاهد الكرام ثم دخل المشهد فزار أمير المؤنين علي بن أبي طالب ﵁ ثم دخل جراسان ومنها إلى غزنين وكابل وقندهار واجتمع بالسلطان أحمد شاه فأكرمه واجزل له العطاء ثم عاد إلى الحرمين وركب من هناك إلى بحر سيلان فوصل إلى بنارس واجتمع بسلطانها وذهب إلى بلاد جاوة ثم رجع إلى الحرمين ثم سار إلى اليمن ودخل صنعاء واجتمع بإمامها ودخل زبيد واجتمع بمشايخها وأخذ عنهم واستأنسوا به وصار يعقد لهم حلق الذكر على طريقته وأكرموه ثم عاد إلى الحرمين ثم إلى مصر وذلك سنة اثنتين وثمانين وكانت مدة غيبته نحو عشرين سنة. ثم توجه في آخر هذه السنة إلى الصعيد واجتمع بشيخ العرب همام رحمه الله تعالى فأكرمه أكراما زائدا ودخل قنا فزار جده ووصل رحمة ومكث هناك شهورا ثم رجع إلى مصر وتوجه إلى الحرمين من.

стр. 629

القلزم وسافر إلى اليمن وطلع إلى صنعاء ثم عاد إلى كوكبان وكان إمامها إذ ذاك العلامة السيد إبراهيم بن أحمد الحسيني وانتظم حاله وراج أمره وشاع ذكره وتلقن منه الطريقة جماعة من أهل زبيد واستمال بحسن مذاكرته ومداراته طائغة من الزيدية ببلدة تسمى زمرمر. وهي بلدة باليمن بالجبال وهم لا يعرفون الذكر ولا يقولون بطرق الصوفية فلم يزل بهم حتى أحبوه وأقام حلقة الذكر عندهم وأكرموه ثم رجع من هناك إلى جدة وركب من القلزم إلى السويس. ووصل مصر سنة أربع وتسعين فنزل بالجمالية فذهبت إليه بصحبته شيخنا السيد مرتضى وسلمنا عليه وكنت أسمع به ولم أره قبل ذلك اليوم فرأيت منه كمال المودة وحسن المعاشرة وتمام المروءة وطيب المفاكهة وسمعت منه أخبار رحلته الاخيرة وترددنا عليه وتردد علينا كثيرا وكان ينزل في بعض الأحيان إلى بولاق ويقيم أياما بزاوية علي بك يصحبة العلامة الشيخ مصطفى الصاوى والشيخ بدوى الهيتمي وحضر إلى منزلي ببولاق مرارا باستدعاء وبدون استدعاء ثم تزوج بمصر وأتى إليه ولده السيد مصطفى من البلاد زائرا وما زال على حاله في عبادة وحسن توجه إلى الله مع طيب معاشرة وملازمة الاذكار صحبة العلماء الاخيار حتى تمرض بعلة الأستسقاء مدة حتى توفي ليلة الثلاثاء غرة جمادى الأولى من السنة وصلي عليه بالأزهر ودفن بالقرافة بين يدى شيخه الحفني. وكان ابنه غائبا فحضر بعد مدة من موته فلم يحصل من ميراثه إلا شيئا نزرا وذهب ما جمعه في سفر الله حيث ذهب. ومات الوجيه النبيل والجيلي الأصيل السيد حسين باشيجاويش الأشراف بن إبراهيم كتخدا تفكجيان بن مصطفى افندى الخطاط كان إنسانا حسنا جامعا للفضائل واللطف والمزايا واقتنى كتبا كثيرة في الفنون وخصوصا في التاريخ وكان مألوف الطباع ودودا شريف النفس.

стр. 630

مهذب الاخلاق فلم يخلف بعده مثله رحمه الله تعالى. ومات الأمير محمد كتخدا أباظة وأصله من مماليك محمد جربجي الصابونجي ولما مات سيده كما تقدم تركه صغيرا فخدم ببيتهم ثم عند حسين بك المقتول ولم يزل ينمو ويترقى في الخدم حتى تقلد كتخدائية محمد بك أبي الذهب فسار فيها بشهامة وصرامة ولم يزل مبجلا بعده في أيام مماليكه معدودا من الأمراء وله عزوة مماليك واتباع حتى تعلل ومات في هذه السنة. ومات التاجر الخير الصدوق الصالح الحاج عمر بن عبد الوهاب الطرابلسي الأصل الدمياطي سكن دمياط مدة وهو يتجر واختص بالشيخ الحفني فكان يأتي إليه في كل عام يزوره ويراسله بالهدايا ويكرم من يأتي من طرفه وكان منزله مأوى الوافدين من كل جهة ويقوم بواجب أكرامهم وكان من عادته أنه لا يأكل مع الضيوف قط إنما يخدم عليهم ما داموا يأكلون ثم يأكل مع الخدم وهذا من كمال التواضع والمروءة. وإذا قرب شهر رمضان وفد عليه كثير من مجاورى رواق الشوام بالأزهر وغيره فيقيمون عنده حتى ينقضي شهر الصوم في الإكرام ثم يصلهم بعد ذلك بنفقة وكساوى ويعودون من عنده مجبورين. وفي سنة ثلاث وثمانين حصلت له قضية مع بعض أهل الذمة التجار بالثغر فتطاول عليه الذمي وسبه فحضر إلى مصر وأخبر الشيخ الحفني فكتبوا له سؤالا في فتوى وكتب عليه الشيخ جوابا وأرسله إلى الشيخ الوالد فكتب عليه جوابا وأطنب فيه ونقل من الفتاوى الخيرية جوابا عن سؤال رفع للشيخ خير الدين الرملي في مثل هذه الحادثة بحرق الذمي ونحو ذلك وحضر ذلك النصراني في اثر حضور الحاج عمر خوفا على نفسه وكان إذ ذاك شوكة الإسلام قوية فأشتغل مع جماعة الشيخ بمعونة كبار النصارى بمصر بعد أن تحققوا حصول الانتقام وفتنوهم بالمال فأدخلوا على.

стр. 631

الشيخ شكوكا وسبكوا الدعوى في قالب آخر وذلك أنه لم يسبه بالألفاظ التي ادعاها الحاج عمر وانه بعد التسابب صالحه وسامحه وغيروا صورة السؤال الأول بذلك واحضروه إلى الوالد فامتنع من الكتابة عليه فعاد به الشيخ حسن الكفراوى فحلف لا يكتب عليه ثانيا ابدا وتغير خاطر الحاج عمر من طرف الشيخ واختل اعتقاده فيه وسافر إلى دمياط ولم يبلغ قصده من النصراني ومات الشيخ بعد هذه الحادثة بقليل. وانتهت رياسة مصر إلى علي بك وارتفع شأن النصارى في أيامه بكاتبه المعلم رزق والمعلم إبراهيم الجوهرى فعملوا على نفي المترجم من دمياط فأرسلوا له من قبض عليه في شهر رمضان ونهبوا أمواله من حواصله وداره ووضعوا في رقبته ورجليه القيد وانزلوه مهانا عريانا مع نسائه وأولاده في مركب وأرسلوه إلى طرابلس الشام فاستمر بها إلى أن زالت دولة علي بك واستقل بامارة مصر محمد بك وأظهر الميل إلى نصرة الإسلام فكلم السيد نجم الدين الغزى محمد بك في شأن رجوعه إلى دمياط فكان أن يجيب لذلك وكنت حاضرا في ذلك المجلس والمعلم مخاييل الجمل والمعلم يوسف بيطار وقوف أسفل السدلة يغمزان الأمير بالاشارة في عدم الاجابة لأنه من المفسدين بالثغر ويكون السبب في تعطيل الجمارك فسوف السيد نجم الدين بعد أن كان قرب من الاجابة. فلما تغيرت الدولة وتنوسيت القضية وصار الحاج عمر كأنه لم يكن شيئا مذكورا رجع إلى الثغر وورد علينا مصر وقد تقهقر حاله وذهبت نضارته وصار شيخا هرما ثم رجع إلى الثغر واستمر به حتى توفي في السنة وكان له مع الله حال يداوم على الاذكار ويكثر من صلاة التطوع ولا يشتغل إلا بما يهمه رحمه الله تعالى. ومات الأمير الجليل إبراهيم كتخدا البركاوى وأصله مملوك يوسف كتخدا عزبان البركاوى نشأ في سيادة سيده وتولى في مناصب وجاقهم.

стр. 632

وقرأ القرآن في صغره وجود الخط وحبب إليه العلم وأهله. ولما مات سيده كان هو المتعين في رئاسة بيتهم دون خشداشينه لرئاسته وشهامته ففتح بيت سيده وانضم إليه خشداشينه واتباعه واشترى المماليك ودربهم في الآداب والقراءة وتجويد الخط وأدرك محاسن الزمن الماضي. وكان بيته مأوى الفضلاء وأهل المعارف والمزايا والخطاطين واقتنى كتبا كثيرة جدا في كل فن وعلم حتى أن الكتاب المعدوم إذا احتيج إليه لا يوجد إلا عنده ويعير للناس ما يرومونه من الكتب للانتفاع في المطالعة والنقل وبآخره اعتكف في بيته ولازم حاله وقطع أوقاته في تلاوة القرآن والمطالعة وصلاة النوافل إلى أن توفي في هذه السنة وتبردت كتبه وذخائره رحمه الله تعالى.

стр. 633

سنة تسع وتسعين ومائة وألف . استهل العام بيوم الإثنين فكان الفال بالمنطق واخذت الأشياء في الانحلال قليلا. وفي سابعه جاءت الأخبار بان الجماعة المتوجهين لإبراهيم بك في شأن الصلح وهم الشيخ الدردير وسليمان بك الأغا ومرزوق جلبي اجتمعوا بإبراهيم فتكلموا معه في شأن ذلك فأجاب بشروط منها أن يكون هو على عادته أمير البلد وعلى أغا كتخدا الجاويشية على منصبه. فلما وصل الرسول بالمكاتبة جمع مراد بك الأمراء وعرفهم ذلك فأجابوا بالسمع والطاعة وكتبوا جواب الرسالة وأرسلوها صحبه الذى حضر بها. وسافر أيضا أحمد بك الكلارجي وسليم اغا امين البحرين في حادى عشرة. وفي عشرينه وصلت الأخبار بأن إبراهيم بك نقض الصلح الذى حصل وقيل: إن صلحه كان مداهنة لأغراض لا تتم له بدون ذلك فلما تمت احتج باشياء اخر ونقض ذلك.

стр. 634

وفي سادس صفر حضر الشيخ الدردير واخبر بما ذكر وإن سليمان بك وسليم اغا استمروا معه. وفي منتصفه وصل الحجاج مع أمير الحاج مصطفى بك وحصل للحجاج في هذه السنة مشقة عظيمة من الغلاء وقيام العربان بسبب عوائدهم القديمة والجديدة ولم يزوروا المدينة المنورة على صاحبها افضل الصلاة وازكى السلام لمنع السبل وهلك عالم كثير من الناس والبهائم من الجوع وانقطع منهم جانب عظيم. ومنهم من نزل في المراكب إلى القلزم وحضر من السويس إلى القصير ولم يبق إلا أمير الحج واتباعه ووقفت العربان لحجاج المغاربة في سطح العقبة وحصروهم هناك ونهبوهم وقتلوهم عن آخرهم ولم ينج منهم إلا نحو عشرة انفار. وفي اثناء نزول الحج وخروج الأمراء لملاقاة أمير الحج هرب إبراهيم بك الوالي وهو اخو سليمان بك الأغا وذهب إلى أخيه بالمنية وذهب صحبته من كان بمصر من اتباع أخيه وسكن الحال أياما. وفي أواخر شهر صفر سافر أيوب بك الكبير وأيوب بك الصغير بسبب تجديد الصلح فلما وصلوا إلى بني سويف حضر إليهم سليمان بك الأغا وعثمان بك الأشقر باستدعاء منهم ثم اجاب إبراهيم بك إلى الصلح ورجعوا جميعا إلى المنية. وفي أوائل ربيع الأول حضر حسن اغا بيت المال بمكاتبات بذلك وفي اثر ذلك حضر أيوب بك الصغير وعثمان بك الأشقر فقابلا مراد بك وقدم مراد بك لعثمان بك تقادم ثم رجع أيوب بك إلى المنية ثانيا. وفي يوم الإثنين رابع ربيع الثاني وصل إبراهيم بك الكبير ومن معه من الأمراء إلى معادى الخبيرى بالبر الغربي فعدى إليه مراد بك وباقي الأمراء والوجاقلية والمشايخ وسلموا عليه ورجعوا إلى مصر وعدى في أثرهم إبراهيم بك ثم حضر إبراهيم بك في يوم الثلاثاء إلى مصر.

стр. 635

ودخل إلى بيته وحضر إليه في عصريتها مراد بك في بيته وجلس معه حصة طويلة. وفي يوم الأحد عاشره عمل الديوان وحضرت لإبراهيم بك الخلع من الباشا فلبسها بحضرة مراد بك والأمراء والمشايخ وعند ذلك قام مراد بك وقبل يده وكذلك بقية الأمراء وتقلد علي أغا كتخدا الجاويشية كما كان وتقلد علي أغا اغات مستحفظان كما كان فاغتاظ لذلك قائد أغا الذي كان ولاه مراد بك وحصل له قلق عظيم وصار يترامى على الأمراء ويقع عليهم في رجوع منصبه وصار يقول أن لم يردوا إلى منصبي وإلا قتلت علي أغا. وصمم إبراهيم بك على عدم عزل علي أغا واستوحش علي أغا وخاف على نفسه من قائد أغا ثم أن إبراهيم بك قال: إن عزل علي أغا لا يتولاها قائد أغا أبدا. ثم إنهم لبسوا سليما أغا امين البحرين وقطع منها امل قائد أغا وما وسعه إلا السكوت. وفي منتصف جمادى الآخرة خرج عثمان بك المذكور بمماليكه وأجناده مسافرا إلى الصعيد بنفسه ولم يسمع لقولهم ولم يلبس تقليدا لذلك على العادة فأرسلوا له جماعة ليردوه فأبى من الرجوع. وفيه كثر الموت بالطاعون وكذلك الحميات ونسي الناس أمر الغلاء. وفي يوم الخميس مات علي بك أباظة الإبراهيمي فأنزعج عليه إبراهيم بك وكان الأمراء خرجوا بأجمعهم إلى ناحية قصر العيني ومصر القديمة خوفا من ذلك. فلما مات علي بك وكثير من مماليكهم داخلهم الرعب ورجعوا إلى بيوتهم. وفي يوم الأحد طلعوا إلى القلعة وخلعوا علي لاجين وجعلوه حاكم جرجا ورجع إبراهيم بك إلى بيته أيضا وكان إبراهيم بك إذ ذاك قائمقام. وفيه مات أيضا سليمان بك أبو نبوت بالطاعون. وفي منتصف رجب خف أمر الطاعون.
следующие страницы →