← История

История · id 11998

تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار

الجبرتي

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الشيخ شكوكا وسبكوا الدعوى في قالب آخر وذلك أنه لم يسبه بالألفاظ التي ادعاها الحاج عمر وانه بعد التسابب صالحه وسامحه وغيروا صورة السؤال الأول بذلك واحضروه إلى الوالد فامتنع من الكتابة عليه فعاد به الشيخ حسن الكفراوى فحلف لا يكتب عليه ثانيا ابدا وتغير خاطر الحاج عمر من طرف الشيخ واختل اعتقاده فيه وسافر إلى دمياط ولم يبلغ قصده من النصراني ومات الشيخ بعد هذه الحادثة بقليل. وانتهت رياسة مصر إلى علي بك وارتفع شأن النصارى في أيامه بكاتبه المعلم رزق والمعلم إبراهيم الجوهرى فعملوا على نفي المترجم من دمياط فأرسلوا له من قبض عليه في شهر رمضان ونهبوا أمواله من حواصله وداره ووضعوا في رقبته ورجليه القيد وانزلوه مهانا عريانا مع نسائه وأولاده في مركب وأرسلوه إلى طرابلس الشام فاستمر بها إلى أن زالت دولة علي بك واستقل بامارة مصر محمد بك وأظهر الميل إلى نصرة الإسلام فكلم السيد نجم الدين الغزى محمد بك في شأن رجوعه إلى دمياط فكان أن يجيب لذلك وكنت حاضرا في ذلك المجلس والمعلم مخاييل الجمل والمعلم يوسف بيطار وقوف أسفل السدلة يغمزان الأمير بالاشارة في عدم الاجابة لأنه من المفسدين بالثغر ويكون السبب في تعطيل الجمارك فسوف السيد نجم الدين بعد أن كان قرب من الاجابة. فلما تغيرت الدولة وتنوسيت القضية وصار الحاج عمر كأنه لم يكن شيئا مذكورا رجع إلى الثغر وورد علينا مصر وقد تقهقر حاله وذهبت نضارته وصار شيخا هرما ثم رجع إلى الثغر واستمر به حتى توفي في السنة وكان له مع الله حال يداوم على الاذكار ويكثر من صلاة التطوع ولا يشتغل إلا بما يهمه رحمه الله تعالى. ومات الأمير الجليل إبراهيم كتخدا البركاوى وأصله مملوك يوسف كتخدا عزبان البركاوى نشأ في سيادة سيده وتولى في مناصب وجاقهم.

стр. 632

وقرأ القرآن في صغره وجود الخط وحبب إليه العلم وأهله. ولما مات سيده كان هو المتعين في رئاسة بيتهم دون خشداشينه لرئاسته وشهامته ففتح بيت سيده وانضم إليه خشداشينه واتباعه واشترى المماليك ودربهم في الآداب والقراءة وتجويد الخط وأدرك محاسن الزمن الماضي. وكان بيته مأوى الفضلاء وأهل المعارف والمزايا والخطاطين واقتنى كتبا كثيرة جدا في كل فن وعلم حتى أن الكتاب المعدوم إذا احتيج إليه لا يوجد إلا عنده ويعير للناس ما يرومونه من الكتب للانتفاع في المطالعة والنقل وبآخره اعتكف في بيته ولازم حاله وقطع أوقاته في تلاوة القرآن والمطالعة وصلاة النوافل إلى أن توفي في هذه السنة وتبردت كتبه وذخائره رحمه الله تعالى.

стр. 633

سنة تسع وتسعين ومائة وألف . استهل العام بيوم الإثنين فكان الفال بالمنطق واخذت الأشياء في الانحلال قليلا. وفي سابعه جاءت الأخبار بان الجماعة المتوجهين لإبراهيم بك في شأن الصلح وهم الشيخ الدردير وسليمان بك الأغا ومرزوق جلبي اجتمعوا بإبراهيم فتكلموا معه في شأن ذلك فأجاب بشروط منها أن يكون هو على عادته أمير البلد وعلى أغا كتخدا الجاويشية على منصبه. فلما وصل الرسول بالمكاتبة جمع مراد بك الأمراء وعرفهم ذلك فأجابوا بالسمع والطاعة وكتبوا جواب الرسالة وأرسلوها صحبه الذى حضر بها. وسافر أيضا أحمد بك الكلارجي وسليم اغا امين البحرين في حادى عشرة. وفي عشرينه وصلت الأخبار بأن إبراهيم بك نقض الصلح الذى حصل وقيل: إن صلحه كان مداهنة لأغراض لا تتم له بدون ذلك فلما تمت احتج باشياء اخر ونقض ذلك.

стр. 634

وفي سادس صفر حضر الشيخ الدردير واخبر بما ذكر وإن سليمان بك وسليم اغا استمروا معه. وفي منتصفه وصل الحجاج مع أمير الحاج مصطفى بك وحصل للحجاج في هذه السنة مشقة عظيمة من الغلاء وقيام العربان بسبب عوائدهم القديمة والجديدة ولم يزوروا المدينة المنورة على صاحبها افضل الصلاة وازكى السلام لمنع السبل وهلك عالم كثير من الناس والبهائم من الجوع وانقطع منهم جانب عظيم. ومنهم من نزل في المراكب إلى القلزم وحضر من السويس إلى القصير ولم يبق إلا أمير الحج واتباعه ووقفت العربان لحجاج المغاربة في سطح العقبة وحصروهم هناك ونهبوهم وقتلوهم عن آخرهم ولم ينج منهم إلا نحو عشرة انفار. وفي اثناء نزول الحج وخروج الأمراء لملاقاة أمير الحج هرب إبراهيم بك الوالي وهو اخو سليمان بك الأغا وذهب إلى أخيه بالمنية وذهب صحبته من كان بمصر من اتباع أخيه وسكن الحال أياما. وفي أواخر شهر صفر سافر أيوب بك الكبير وأيوب بك الصغير بسبب تجديد الصلح فلما وصلوا إلى بني سويف حضر إليهم سليمان بك الأغا وعثمان بك الأشقر باستدعاء منهم ثم اجاب إبراهيم بك إلى الصلح ورجعوا جميعا إلى المنية. وفي أوائل ربيع الأول حضر حسن اغا بيت المال بمكاتبات بذلك وفي اثر ذلك حضر أيوب بك الصغير وعثمان بك الأشقر فقابلا مراد بك وقدم مراد بك لعثمان بك تقادم ثم رجع أيوب بك إلى المنية ثانيا. وفي يوم الإثنين رابع ربيع الثاني وصل إبراهيم بك الكبير ومن معه من الأمراء إلى معادى الخبيرى بالبر الغربي فعدى إليه مراد بك وباقي الأمراء والوجاقلية والمشايخ وسلموا عليه ورجعوا إلى مصر وعدى في أثرهم إبراهيم بك ثم حضر إبراهيم بك في يوم الثلاثاء إلى مصر.

стр. 635

ودخل إلى بيته وحضر إليه في عصريتها مراد بك في بيته وجلس معه حصة طويلة. وفي يوم الأحد عاشره عمل الديوان وحضرت لإبراهيم بك الخلع من الباشا فلبسها بحضرة مراد بك والأمراء والمشايخ وعند ذلك قام مراد بك وقبل يده وكذلك بقية الأمراء وتقلد علي أغا كتخدا الجاويشية كما كان وتقلد علي أغا اغات مستحفظان كما كان فاغتاظ لذلك قائد أغا الذي كان ولاه مراد بك وحصل له قلق عظيم وصار يترامى على الأمراء ويقع عليهم في رجوع منصبه وصار يقول أن لم يردوا إلى منصبي وإلا قتلت علي أغا. وصمم إبراهيم بك على عدم عزل علي أغا واستوحش علي أغا وخاف على نفسه من قائد أغا ثم أن إبراهيم بك قال: إن عزل علي أغا لا يتولاها قائد أغا أبدا. ثم إنهم لبسوا سليما أغا امين البحرين وقطع منها امل قائد أغا وما وسعه إلا السكوت. وفي منتصف جمادى الآخرة خرج عثمان بك المذكور بمماليكه وأجناده مسافرا إلى الصعيد بنفسه ولم يسمع لقولهم ولم يلبس تقليدا لذلك على العادة فأرسلوا له جماعة ليردوه فأبى من الرجوع. وفيه كثر الموت بالطاعون وكذلك الحميات ونسي الناس أمر الغلاء. وفي يوم الخميس مات علي بك أباظة الإبراهيمي فأنزعج عليه إبراهيم بك وكان الأمراء خرجوا بأجمعهم إلى ناحية قصر العيني ومصر القديمة خوفا من ذلك. فلما مات علي بك وكثير من مماليكهم داخلهم الرعب ورجعوا إلى بيوتهم. وفي يوم الأحد طلعوا إلى القلعة وخلعوا علي لاجين وجعلوه حاكم جرجا ورجع إبراهيم بك إلى بيته أيضا وكان إبراهيم بك إذ ذاك قائمقام. وفيه مات أيضا سليمان بك أبو نبوت بالطاعون. وفي منتصف رجب خف أمر الطاعون.

стр. 636

وفي منتصف شعبان ورد الخبر بوصول باش مصر الجديد إلى ثغر سكندرية وكذلك باش جدة ووقع قبل ورودهما بأيام فتنة بالاسكندرية بين أهل البلد وأغات القلعة والسردار بسبب قتيل من أهل البلد قتله بعض أتباع السردار فثار العامة وقبضوا على السردار وأهانوه وجرسوه على حمار وحلقوا نصف لحيته وطافوا به البلد وهو مشكوف الرأس وهم يضربونه ويصعفونه بالنعالات. وفيه أيضا وقعت فتنة بين عربان البحيرة وحضر منهم جماعة إلى إبراهيم بك وطلبوا منه الاعانة على أخصامهم فكلم مراد بك في ذلك فركب مراد بك وأخذهم صحبته ونزل إلى البحيرة فتواطأ معه الاخصام ورشوه سرا فركب ليلا وهجم على المستعينين به وهم في غفلة مطمئنين فقتل منهم جماعة كثيرة ونهب مواشيهم وابلهم واغنامهم ثم رجع إلى مصر بالغنائم. وفي غاية شعبان حضر باشة جدة إلى ساحل بولاق فركب علي أغا كتخدا الجاويشية وأرباب العكاكيز وقابلوه وركبوا صحبته إلى العادلية ليسافر إلى السويس. وفي غرة رمضان ثارت فقراء المجاورين والقاطنين بالأزهر وقفلوا أبواب الجامع ومنعوا منه الصلوات. وكان ذلك يوم الجمعة فلم يصل فيه ذلك اليوم وكذلك أغلقوا مدرسة محمد بك المجاورة له ومسجد المشهد الحسيني وخرج العميان والمجاورون يرمحون بالاسواق ويخطفون ما يجدونه من الخبز وغيره وتبعهم في ذلك الجعيدية وأراذل السوقة. وسبب ذلك قطع رواتبهم واخبازهم المعتادة واستمروا على ذلك إلى بعد العشاء فحضر سليم أغا أغات مستحفظان إلى مدرسة الأشرفية وأرسل إلى مشايخ الاروقة والمشار إليهم في السفاهة وتكلم معهم ووعددهم والتزم لهم باجراء رواتبهم فقبلوا منه ذلك وفتحوا المساجد.

стр. 637

وفي يوم الأحد ثامن شهر شوال الموافق لتاسع مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك وكانت زيادته كلها في هذه التسعة أيام فقط ولم يزد قبل ذلك واستمر بطول شهر أبيب وماؤه أخضر فلما كان أول شهر مسرى زاد في ليلة واحدة أكثر من ثلاثة أذرع واستمرت دفعات الزيادة حتى اوفى أذرع الوفاء يوم التاسع وفيه وقع جسر بحر أبي المنجا بالقلوبية فعينوا له أميرا فأخذ معه جملة أخشاب ونزل وصحبته ابن أبي الشوارب شيخ قليوب وجمعوا الفلاحين ودقوا له أوتاد عظيمة وغرقوا به نحو خمسة مراكب واستمروا في معالجة سده مدة أيام فلم ينجع من ذلك شيء وكذلك وقع ببحر مويس. وفي يوم الخميس خرج أمين الحاج مصطفى بك بالمحمل والحجاج وذلك ثاني عشر شوال. وفي يوم الإثنين ثامن عشر القعدة سافر كتخدا الجاويشية وصحبته أرباب الخدم إلى الأسكندرية لملاقاة الباشا والله تعالى اعلم. من مات في هذه السنة ممن له ذكر. مات الشيخ الإمام العارف المتفنن المقرىء المجود الضابط الماهر المعمر الشيخ محمد بن حسن بن محمد بن أحمد جمال الدين بن بدر الدين الشافعي الأحمدى ثم الخلوتي السمنودى الأزهرى المعروف بالمنير ولد بسمنود سنة ١٠٩٩ وحفظ القرآن وبعض المتون وقدم الجامع الأزهر وعمره عشرون سنة فجود القرآن على الإمام المقرىء علي بن محسن الرملي وتفقه على جماعة منهم الشيخ شمس الدين محمد السجيمي والشيخ علي أبي الصفا الشنواني وسمع الحديث على أبي حامد البديرى وابي عبد الله محمد بن محمد الخليلي وأجازه في سنة ١١٣٢ وأجازه كذلك الشيخ محمد عقيلة في آخرين وأخذ الطريقة ببلده على سيدى.

стр. 638

علي زنفل الأحمدى ولما ورد مصر اجتمع بالسيد مصطفى البكرى فلقنه طريقة الخلوتية وانضوى إلى الشيخ شمس الدين محمد الحفني فقصر نظره عليه واستقام به عهده فأحياه ونور قلبه واستفاض منه فلم يكن ينتسب في التصوف إلا إليه. وحصل جملة من الفنون الغريبة كالزايرجة والأوفاق على عدة من الرجال وكان ينزل وفق المائة في المائة وهو المعروف بالمئيني ويتنافس الأمراء والملوك لاخذه منه وأحدث فيه طرقا غريبة غير ما ذكره أهل الفن وقد قرأ القرآن مدة وانتفع به الطلبة وقرأ الحديث. وكان سنده عاليا فتنبه بعض الطلبة في الأواخر فأكثروا الأخذ عنه. وكان صعبا في الاجازة لا يجيز أحدا إلا إذا قرأ عليه الكتاب الذى يطلب الاجازة فيه بثمامه ولا يرى الاجازة المطلقة ولا المراسلة حتى أن جماعة من أهالي البلاد البعيدة أرسلوا يطلبون منه الاجازة فلم يرض بذلك وهذه الطريقة في مثل هذه الأزمان عسرة جدا. وفي أواخره انتهى إليه الشأن وأشير إليه بالبنان وذهبت شهرته في الآفاق وأتته الهدايا من الروم والشام والعراق وكف بصره وانقطع إلى الذكر والتدريس في منزله بالقرب من قننطرة لموسكى داخل العطفة بسويقة الصاحب ولازم الصوم نحو ستين عاما ووفدت عليه الناس من كل جهة وعمر حتى الحق الاحفاد بالاجداد واجاز وخلف وربما كتب الاجازات نظما على هيئة اجازات الصوفية لتلامذتهم في الطريق ولم يزل يبدى ويعيد ويعقد حلق الذكر ويفيد إلى أن وافاه الأجل المحتوم في هذه السنة وجهز وكفن وصلي عليه بالأزهر في مشهد حافل وأعيد إلى الزاوية الملاصقة لمنزله وكثر عليه الأسف. ومات الشيخ الإمام الفاضل الصالح علي بن علي بن علي بن علي ابن مطاوع العزيزى الشافعي الأزهرى أدرك الطبقة الأولى من المشايخ كالشيخ مصطفى العزيزى والشيخ محمد السحيمي والدفرى والملوى.

стр. 639

واضرابهم وتفقه ودرس بالجامع الأزهر وانتفع به الطلبة وقرأ دروسا بمشهد شمس الدين الحنفي وكان يسكن في بولاق ويأتي كل يوم إلى مصر لإلقاء الدروس. وكان إنسانا حسنا صبورا محتسبا فصيحا مفوها له اعتقاد في أهل الله. توفي تاسع ربيع الثاني سنة تسع وتسعين هذه. ومات الإمام الصالح الناسك المجود السيد علي بن محمد الغوصي البدرى الرفاعي المعروف بالقراء وهو والد صاحبنا العلامة السيد حسن البدرى ولد بمصر وحفظ القرآن وجوده على شيخ القراء شهاب الدين أحمد بن عمر الأسقاطي وبه تخرج واقرأ القرآن بالسبعة كثيرا بالجامع الأزهر وبرواق الأروام وانتفع به الطلبة طبقة بعد طبقة. وكان لع معرفة ببعض الأسرار والروحانيات وغير ذلك. ومات الاختيار المفضل المبجل علي بن عبد الله الرومي الأصل مولى درويش أغا المعروف الآن بمحرم افندى باش اختيار وجاق الجاويشية كان لكونه خدم عنده وهو صغير اشتغل بالخط وجوده على المرحوم حسن الضيائي وعبد الله الانبس وادرك الطبقة منهم ومهر فيه وانجب ولم يكونا اجازاه فعمل له مجلسا في منزل المرحوم علي أغا وكيل دار السعادة واجتمع فيه أرباب الفن من الخطاطين واجازه حسن افندى الرشدى مولى علي أغا المشار إليه وكان يوما مشهودا. ولقب بدرويش وكتب بخطه كثيرا وحج سنة ١١٧١ واجتمع بالحرمين على الأفاضل وتلقى منهم اشياء وعاد إلى مصر واجتمع بأديب عصره محمد بن عمر الخوانكي أحد تلامذة الشهاب الخفاجي فتعلق بعناية بالأدب وصار في محفوظيته جملة من أشعاره وقصائده وجملة من قصائد الارجاني وجملة من المقامات الحريرية وعني بحفظ القرآن فحفظه على كبره وتعب فيه وحفظ أسماء أهل بدر وكان دائما يتلوها. ولاجله ألف شيخنا السيد محمد مرتضى شرح الصدر في شرح أسماء أهل بدر في عشرين كراسا والتفتيش في.

стр. 640

معنى لفظ درويش كراسا. ولازم المذكور منذ قدم مصر وسمع عليه مجالس من الصحيح والمسلسل بالاسودين وبالعيد والشمائل والامالي وجود عليه شيخنا المذكور في الخط وقد صاهرت المترجم وتزوجت بربيبته في أواخر سنة خمس وتسعين برغبة منه وهي أم الولد خليل فتح الله عليه ولما حصلت النسابة والمصاهرة حولته بعياله إلى منزلي لتعب الوقت وتعطيل أسباب المعايش. ولما عاشرته بلوت منه خيرا ودينا وصلاحا وكان لا ينام من الليل إلا قليلا ويتبتل إلى مولاه تبتيلا فيصلي ما تيسر من النوافل ثم يكمل بتلاوة القرآن المرتلة مع التدبر لمعاني الآيات المنزلة وكان حسن السمت نظيف الثياب عظيم الشيبة منور الوجه وجيه الطلعة مهيب الشكل سليم الطوية مقبول الروحانية ملازما على حضور الجماعة حريصا على إدراك الفضائل. توفي في جمادى الأولى عن نيف وتسعين سنة ولم تهن قواه ولم يسقط له سن ويكسر اللوز باسنانه ودفناه بجوار الإمام أبي جعفر الطحاوى لأنه كان ناظرا عليه ﵀. ومات الأستاذ الفاضل والمستعد الكامل ذو النفحات والاشارات السيد علي بن عبد الله بن أحمد العلوى الحنفي سبط آل عمر صاحبنا ومرشدنا ووالده أصله من توقاد وولد. هو في مصر سنة ١١٧٣ وعانى الفنون ومهر وانجب في كل شيء عاناه في أقل زمن بحيث أنه إذا توجهت همته لعلم من العلوم الصعبة وطالع فيه أدركه وأظهر مخبئاته وثمراته وألف فيه وأظهر عجائب أسراره ومعانيه في زمن قليل وكان حاد الذهن جدا دراكا قوى الحافظة يحفظ كل شيء سمعه أومر عليه ببصره ولازم في مبتدأ أمره شيخنا السيد محمد مرتضى كثيرا وقرأ عليه الفصيح لثعلب وفقه اللغة للثعالبي وأدب الكاتب لابن قتيبة في مجالس دراية وسمع منه كثيرا من شرحه على القاموس وكتب عنه بيده اجزاء كثيرة وقرأ عليه الصحيح في اثنى عشر مجلسا في رمضان سنة ثمان وثمانين وسمع عليه.

стр. 641

أيضا الصحيح مرة ثانية مشاركا مع الجماعة مناوبة في القراءة في أربع مجالس ومدة القراءة من طلوع الشمس إلى بعد كل عصر وصحيح مسلم في ستة مجالس مناوبة بمنزل الشيخ بخان الصاغة وكتب الامالي والطباق وضبط الأسماء وقلد خط الصلاح الصفدى في وضعه فأدركه وقرأ عليه أيضا المقامات الحريرية ورسائل في التصريف وغير ذلك مما لا يدخل تحت الضبط لكثرته. وسمع المسلسل بالعيد وبالاسودين التمر والماء. وسمع عليه أوائل الكتب الستة والمعاجم والمسانيد في سنة تسعين بمنهل شيخه مع الجماعة وجزء نبيط بن شريط الأشجعي وبلدانيات السلفي وبلدانيات بن عساكر واحاديث عاشوراء تخريج المنذرى واحاديث يوم عرفة تخريج بن فهد وعوالي بن مالك وثلاثيات البخارى والدارمي وجزأ فيه أخبار الصبيان والخلعيات بتمامها وهي عشرون جزءا وعرف المترجم العالي من النازل واجتمع بشيخنا السيد العيدروس وقربه وادناه ولازمه وقرأ عليه أشياء من كتب الصوفية ومال إليه وصار ينطق بالشعر وأقبل على الأدب والتصوف ولا زال كذلك حتى صار يتكلم بكلام عال. والف كتابا في علم الأوفاق في كراريس لطيفة على نسق عجيب مفيد وامتزج بالروحانية حتى إني رأيته ينزل الوفق في الكاغد ويضعه على راحة كفه فيرتعش ويلتف ببعضه ثم ينبسط بنفسه كما كان وإذا أخذه غيره ووضعه على مثل وضعه لا يتحرك ابدا. ومارس في علم الرمل أياما فأدرك منتهاه واستخرج منه مالا يستخرج الممارس فيه سنين من الضمير والمدة وغير ذلك في أسرع وقت وألف فيه كتابا لخص فيه قواعده من غير مشقة. ومارس في الفلكيات مع سليمان أفندى كنباذ وصنف فيه وفي غيره. وبآخرة انجمع عن خلطة الناس واقبل على ربه وكان قد تزوج بامرأة وكانت تؤذيه وتشتمه وربما كانت تضربه وهو صابر عليها مقبل على شأنه وألف أورادا واحزابا واسماء على طريقة الأسماء.

стр. 642

السهروردية عجيبة المشرب بنفس عال غريب وصار يتكلم بكلام لا يطرق الأسماع نظيره ولم يزل على ذلك حتى تعلل ولحق بربه وتوفي في سادس ربيع الأول من السنة وأعقب ولدا من تلك المرأة التي كان تزوج بها وبالجملة والانصاف أنه كان من آيات الله الباهرة. ودفن بالقرافة بتربة علي أغا صالح رضي الله عنا وعنه ورحمنا أجمعين. ومات الشيخ الفقيه الدراكة العلامة السيد سليمان بن طه بن أبي العباس الحريثي الشافعي المقرى الشهير بالاكراشي وهي قرية شرقي مصر وحفظ القرآن وقدم الجامع الأزهر وطلب العلم وحضر الأشياخ وجود القرآن على الشيخ مصطفى العزيزى خادم النعال بمشهد الشيدة سكينة واعاده بالعشر على الشيخ عبد الرحمن الاجهوزى المقرى واجازه في محفل عظيم في جامع ألماس وسمع وحضر دروس فضلاء وقته ومهر في فقه المذهب ودرس في جامع الماس وغيره وسمع من شيخنا السيد مرتضى المسلسل وبالأولية بشرطه والمسلسل بالعيد وبالمحبة وبالقسم وبقراءة الفاتحة في نفس واحد وبالالباس والتحكيم وسمع الصيحين بطرفيهما في جماعة بجامع شيخون بالصليبة وسمع اجزاء البلدانيات للحافظ أبي طاهر السلفي وجزء النيل وجزء يوم عرفة ويوم عاشوراء وغير ذلك. وله تآليف وجمعيات ورسائل في علوم شتى. ولما اجتمع بشيخنا المذكور ورأى ملازمة السيد علي المترجم آنفا به في أكثر أوقاته ونظر نجابته وما فيه من قوة الفهم والاستعداد لأمه على ملازمته للسيد وانقطاعه عن بقية العلوم وقال له: هذا شيء سهل يمكن تحصيله في زمن قليل وقد قرأت وحصلت ما فيه الكفاية والأولى أن تشغل بعض الزمن بتحصيل المعقولات وغيرها فإن مثلك لا يقتصر على فن من الفنون والاقتصار ضياع. فقبل منه واشتغل عليه وعلى غيره وانقطع بسبب الأشتغال عن كثرة الترداد على الشيخ كعادته وعلم ذلك فأنحرف على كل منهما.

стр. 643

وبالخصوص على السيد علي وصعب عليه جدا وأدى ذلك إلى الانقطاع الكلي. ولما مات الشيخ العزيزى تنزل المترجم في مشيخة القراء بمقام السيدة نفيسة ﵂ وكان إنسانا حسنا جامعا للفضائل وحضر معنا الهداية في فقه الحنفية على شيخنا المرحوم العلامة الشيخ مصطفى الطائي الحنفي وكان يناقش في بعض المسائل المخالفة لمذهبه إلى أن وافاه الحمام في هذه السنة ﵀. ومات أوحد الفضلاء وأعظم النبلاء العلامة المحقق والفهامة المدقق الفقيه النبيه الأصولي المعقولي المنطقي الشيخ أبو الحسن بن عمر القلعي ابن علي المغربي المالكي قدم إلى مصر في سنة ١١٥٤ وكان لديه استعداد وقابلية وحضر اشياخ الوقت مثل البليدى والملوى والجوهرى والحفني والشيخ الصعيدى واتحد بالشيخ الوالد وزوجه زوجة مملوكه مصطفى بعد وفاته وهي خديجة معتوقة المرحوم الخواجا المعروف بمدينة وأقامت معه نحو الأربعين سنة حتى كبر سنها وهرمت وتسرى عليها مرتين ولما حضر المرحوم محمد باشا راغب واليا على مصر اجتمع به ومارسه وأحبه وشرح رسالته التي ألفها في علم العروض والقوافي ولما عزل راغب وذهب إلى دار السلطنة وتولى الصدارة سافر إليه المترجم فأجله وأكرمه ورتب له جامكية بالضربخانة بمصر ورجع إلى مصر وتولى مشيخة رواق المغاربة ثلاث مرات بشهامة وصرامة زائدة. وسبب عزله في المرة الوسطى أن بعض المغاربة تشاجر مع الشيخ علي الشنويهي وانتصر هو للمغاربة لحمية الجنسية ونهر الشيخ علي فذهب الشيخ علي واشتكاه إلى علي بك في أيام إمارته فأحضره علي بك فتطاول على الشيخ علي بحضرة الأمير وادعى الشيخ علي بانه لطمه على وجهه في الجامع فكذبه المترجم فحلف الشيخ علي بالله على ذلك فقال له المترجم: احلف بالطلاق فاغتاظ منه الأمير علي بك وصرفهما وأرسل في الحال واحضر الشيخ عبد الرحمن.

стр. 644

البناني وولاه مشيخة الرواق وعزل الشيخ أبا الحسن وانكسف باله لذلك ثم اعيد بعد مدة إلى المشيخة وكان وافر الحرمة نافذ الكلمة معدودا من المشايخ الكبار مهاب الشكل منور الشيبة مترفها في ملبسه ومأكله يعلوه حشمة وجلالة ووقار إذا مر راكبا أو ماشيا قام الناس إليه وبادروا إلى تقبيل يده حتى صار ذلك لهم عادة وطبيعة لازمة يرون وجوبها عليهم. وللمترجم تأليفات وتقييدات وحواش نافعة منها حاشية على الاخضرى على سلمه وحاشية على رسالة العلامة محمد أفندى الكرماني في علم الكلام في غاية الدقة تدل على رسوخه في علم المنطق والجدل والمعاني والبيان والمعقولات وشرح على ديباجه شرح العقيدة المسماة بأم البراهين للإمام السنوسي وله كتاب ذيل الفوائد وفرائد الزوائد على كتاب الفوائد والصلاة والعوائد وخواص الآيات والمجريات التي تلقاها من أفواه الأشياخ وكتاب في خواص سورة يس وغير ذلك. وأخذ عن المرحوم الوالد كثيرا من الحكميات والمواقف والهداية للابهرى والهيئة والهندسة. ولم يزل مواظبا على تردده عليه وزيارته في الجمعة مرتين أو ثلاثة ويراعي له حق المشيخة والصحبة في حياته وبعدها وكان سليم الباطن مع ما فيه من الحدة إلى أن توفي في ربيع الأول من هذه السنة ﵀. ومات الشيخ المعتقد عبد الله بن إبراهيم بن أخي الشيخ الكبير المعروف بالموافي الشافعي السندوبي الرفاعي نزيل المنصورة ولد ببلدة منية سندوب سنة ١١٤٠ وحفظ القرآن وبعض المتون وقدم المنصورة فمكث تحت حيازة عمه في عفة وصلاح وحضر دروس الشيخ أحمد الجالي وأخيه محمد الجالي وانتفع بهما في فقه المذهب فلما توفي عمه في سنة أحدى وستين اجلس مكانه في زاويته التي أنشأها عمه في مؤخر الجامع الكبير بالمنصورة وسلك على نهجه في أحياء الليالي بالذكر وتلاوة القرآن وكان يختم في كل يوم وليلة مرة وربى التلاميذ وصارت.

стр. 645

له شهرة زائدة مع الانجماع عن الناس لا يقوم لاحد ولا يدخل دار أحد وفيه الأستئناس وعنده فوائد يذاكر بها ويشتغل دائما بالمطالعة والمذاكرة واعتقده الخاص والعام. ولما سافرنا إلى دمياط سنة تسع وثمانين وجزنا بالمنصورة وطلعناها ذهبنا إلى جامعها الكبير ودخلنا إليه في حجرته فوجدته جالسا على فراش عال بمفرده بجانب ضريح عمه وهو رجل نير بشوش فرحب بنا وفرح بقدومنا وأحضر لنا طبقا فيه قراقيش وكعك وشريك وخبز يابس ولبن وبوسطة دقة وجبن فأكلنا ما تيسر وسقانا قهوة في فنجان كبير وتحدث معنا ساعة ودعا لنا بخير وودعناه وسافرنا في الوقت. ولم أره غير هذه المرة. وهو إنسان حسن جامع للفضائل توفي في السنة ولم يخلف بعده مثله. ومات السيد الإمام العلامة الفقيه النبيه السيد مصطفى بن أحمد ابن محمد البنوفرى الحنفي أخذ الفقه عن والده وعن السيد محمد أبي السعود والشيخ محمد الدلجي والشيخ الزيادى وغيرهم وحضر المعقول على علماء العصر كالشيخ عيسى البراوى وغيره ودرس في محل والده بالقرب من رواق الشوام إلا أنه لم يكن له حظ في الطلبة فكان يأتي كل يوم الجامع ويجلس وحده ساعة ثم يقوم ويذهب إلى بيته بسويقة العزى وكان لا يعرف التصنع وفيه جذب ويعود المرضي كثير الأغنياء والفقراء توفي في السنة ﵀. ومات العلامة المتقن والفهامة المتفنن أحد الأعلام الرواسخ وشيخ المشايخ الفقيه النحوى الأصولي المعقولي المنطقي ذو المعاني والبيان وحلال المشكلات باتقان الصالح لقانع الورع الزاهد الشيخ محمد ابن محمد بن محمد بن محمد بن مصطفى بن خاطر الفرماوى الأزهرى الشافعي البهوتي نسبة إلى قبيلة البهتة جهة الشرق ولد بمصر رباه والده وحفظ القرآن والمتون وحضر على أشياخ العصر الملوى والجوهرى والطحلاوى.

стр. 646

والبراوى والبليدى والصعيدى والشيخ علي قايتباى والمدابغي والاجهورى وأنجب في الفقه والمعقول ودرس وأفاد الطلبة واشتهر بالفتوح على كل من أخذ عنه حتى صار له المشيخة على غالب أهل العلم من الطبقة الثانية. وكان مهذب النفس جدا لين الجانب متواضعا منكسر النفس لا يرى لنفسه مقاما يجلس حيث ينتهي به المجلس ولا يتداخل فيما لا يعنيه مقبلا على شأنه ملازما على الأشتغال والافادة والمطالعة. ومما اتفق له أنه قرأ البخارى والمنهج صبيحة النهار والقطب على الشمسية في الضحوة والاشموني وقت الظهر وابن عقيل بعد العصر والشنشورى بعد المغرب كل ذلك في أن واحد ويحضره في ذلك جل الأفاضل وهذا لم يتفق لغيره من أقرانه ولم يزل على حالته حتى توفي في آخر يوم من رجب من السنة وخلف ولده العمدة الفاضل الصالح الشيخ مصطفى على قدم والده واسلافه من الإفادة وملازمة الاقراء أعانه الله على وقته ونفع به. ومات الشيخ الإمام العلامة والنحرير الفهامة محمد بن عبد ربه ابن علي العزيزى الشهير بأبن الست ولد سنة ١١١٨ بمصر وسبب تسميته بأبن الست أن والدته كانت سرية رومية اشتراها أبوه وأولدها اياه وكان قد تزوج بحرائر كثيرة فلم يلدن إلا الإناث حتى قيل: إنه ولد له نحو ثمانين بنتا فأشترى أم ولده هذا فولدته ذكرا ولم تلد غيره ففرح به كثيرا ورباه في عز ورفاهية وقرأ القرآن مع الشيخ علي العدوى في مكتب واحد فلذلك اعتشر بالمالكية وصار مالكي المذهب. ولما ترعرع أراد الانتقال إلى مذهب الإمام الشافعي ﵁ فرأى الشافعي في المنام وأشار عليه بعدم الانتقال فاستمر مالكي المذهب وتفقه على الشيخ سالم النفراوى واللقاني والشبراملسي وسمع على الشيخ عبد ابن علي النمرسي المسلسل بالأولية وأوائل الكتب الستة وسنن النسائي الصغرى المسماة بالمجتبي والمسلسل بالمصافحة والمشابكة والسبحة وغير.

стр. 647

ذلك وأخذ عليه أيضا ملا عصام على السمرقندية وشرح رسالة الوضع وشرح الجزرية لشيخ الإسلام وأوائل تفسير القاضي البيضاوى مع البحث والتدقيق وأجازه بما يجوز له وعنه روايته بشرطه وأخذ المعقول عن الشيخ أحمد الملوى والشيخ عبده الديوى والشيخ الاطفيحي والخليفي وأخذ طريق الشاذلية عن الشيخ أحمد الجوهرى والشيخ الملوى وهما اخذاها عن سيدى عبد الله بن محمد المغربي القصرى الكنكسي. وكان المترجم على قدم السلف لا يتداخل في أمور الدنيا ولا يتفاخر في ملبس ولا يركب دابة ولا يدخل بيت أمير ولا يشتغل بغير العلم ومدارسته ويشهد له معاصروه بالفضل واتقان العلوم والديانة. وسمعت منه المسلسل بالأولية وأجازني بمسموعاته ومروياته وتلقيت عنه دائرة الشاذلي وأجازني بوضعها ورسمها ونقطة مركزها كل ذلك في مجلس واحد بمنزلي ببولاق بشاطىء النيل سنة ١١٩٠. وكان يجيئني ويودني ويقول لي أنت ابن خالتي لكون والدتي ووالدته من السرارى. وصنف حاشية على الزرقاني على العزية وهي مستعملة بأيدى الطلبة وديباجة وخاتمه على أبي الحسن على الرسالة وخاتمة على شرح الخرشي وديباجة على أيساغوجي في المنطق وحاشية علي الحفيد على العصام وتكملة على العشماوية وشرحا على آية الكرسي وشرحا على الحوضية في التوحيد ولم يزل مقبلا على شأنه وحاله حتى توفي في هذه السنة عن أربع وثمانين سنة رحمه الله تعالى. ومات السيد الأجل المبجل السيد أحمد بن عبد الفتاح بن طه ابن عبد الرزاق الحسيني الحموى القادرى ولد أبوه السيد عبد الفتاح بحماه وارتحل بكريميه رقية وفاطمة ابنة السيد طه فزوج الأولى باحد أعيان مصر بن حسين الشمسي وهي أم أولاده حسن وحسين وعثمان ومحمود ورضوان وتزوجت السيدة فاطمة بعلي أفندى البكرى أخي سيدى.

стр. 648

بكرى الصديقي فأولدها محمد أفندى نقيب السادة الأشراف وهو والد محمد أفندى الاخير وأقام والده السيد عبد الفتاح بمصر مدة وتنزل في بعض المناصب ثم توجه إلى ملك الروم فأكرمه ووجه له بعناية بعض الأعيان نقابة الأشارف بمصر وحضر إلى مصر وقرىء المرسوم الوارد بذلك وكاد أن يتم له الأمر فلم يمكن من ذلك بتقوية بعض الأمراء وحنقوا عليه حيث توجه من مصر إلى الروم خفية ولم يأخذ منهم عرضا وجعل له شيء معلوم من بيت النقابة وبقي ممنوعا عنها. وكان سيدا محتشما فصيح اللسان بهي الشكل وتزوج ببنت سيدى مكي الوارثي وولد له منها السيد أحمد المترجم وتربى في العز والرفاهية ببيتهم المعروف بهم بالازبكية بخط الساكت وكان إنسانا حسنا مترفها في مأكله وملبسه منجمعا عن الناس إلا لمقتضيات لا بد له منها. توفي ﵀ في هذه السنة ولم يعقب. ومات الشيخ الصالح الماهر الموفق علي بن خليل شيخ القبان بمصر وكان ماهرا في علم الحساب وممعرفة الموازين والقرسطون المعروف بالقبان ودقائقه وصناعته ولما عني المرحوم الوالد أمر الموازين وتصحيحها وتحريرها في سنة اثنتين وسبعين وصنف في ذلك العقد الثمين فيما يتعلق بالموازين طالعه عليه وتلقاه عنه مع مشاركة الشيخ حسن بن ربيع البولاقي واتقنا ذلك وتميزا به دون أهل فنهما. وكان المترجم إنسانا بشوشا منور الشيبة ولديه آداب ونوادر ومناسبات وحج مرارا أو أثرى وتمول ثم تقهقر حاله ولزم بيته إلى أن توفي في هذا العام ولم يخلف بعده مثله. ومات الشريف الحسيب النسيب السيد مصطفى بن السيد عبد الرحمن العيدروس وهو مقتبل الشيبية وصلي عليه بالأزهر ودفن عند والده بمقام العتريس تجاه مشهد السيدة زينب وكانت وفاته رابع عشرين ربيع الأول من السنة ﵀.

стр. 649

سنة مائتين وألف . كان أول المحرم يوم الجمعة وفي ذلك اليوم وصل الباشا الجديد إلى برانبابة واسمه محمد باشا يكن فبات ليلة الجمعة هناك وفي الصباح ذهب إليه الأمراء وسلموا عليه على العادة وعدوا به إلى قصر العيني فجلس هناك إلى يوم الإثنين رابعه وركب بالموكب وشق من الصليبة وطلع إلى القلعة واستبشر الناس بقدومه. وفي يوم الخميس ثاني عشر صفر حضر مبشر الحاج بمكاتيب العقبة وأخبر أن الحجاج لم يزوروا المدينة أيضا في هذه السنة مثل العام الماضي بسبب طمع أمير الحاج في عدم دفع العوائد للعربان وصرة المدينة وإن أحمد باشا أمير الحاج الشامي أكد عليه في الذهاب وأنعم عليه بجملة من المال والعليق والذخيرة فاعتل بان الأمراء بمصر لم يوفوا له العوائد ولا الصرة في العام الماضي وهذا العام واستمر على امتناعه. وحضر الشريف سرور شريف مكة وكلمه بحضرة أحمد باشا وقال: إذا كان كذلك فنكتب عرض محضر ونخبر السلطان بتقصير الأمراء وتضع عليه خطك وختمك وللسلطان النظر بعد ذلك. فأجاب إلى ذلك ووضع خطه وختمه وحضر إليهم الجاويش في صبحها فخلعوا عليه كالعادة ورجع بالملاقاة وخرج الأمراء في ثاني يوم إلى خارج باجمعهم ونصبوا خيامهم. وفي يوم الإثنين وصل الحجاج ودخلوا إلى مصر ونزل أمير الحج بالجنبلاطية بباب النصر ولم ينزل بالحصوة أولا على العادة وركب في يوم الثلاثاء ودخل بالمحمل بموكب دون المعتاد وسلم المحمل إلى الباشا. وفي يوم الأربعاء اجتمع الأمراء ببيت إبراهيم بك وأحضروا مصطفى بك أمير الحج وتشاجر معه إبراهيم بك ومراد بك بسبب هذه الفعلة.

стр. 650

وكتابة العرضحال وادعوا أنه تسلم جميع الحمائل وطلبوا منه حساب ذلك واستمروا على ذلك إلى قرب المساء. ثم أن مراد بك أخذ أمير الحاج إلى بيته فبات عنده وفي صبحها حضر إبراهيم بك عند مراد بك وأخذ أمير الحاج إلى بيته ووضعه في مكان محجورا عليه وأمر الكتاب بحسابه فحاسبوه فاستقر في طرفه مائة ألف ريال وثلاثة آلاف وذلك خلاف ما على طرفه من الميرى. وفي يوم الجمعة طلع إبراهيم بك إلى القلعة واخبر الباشا بما حصل وأنه حبسه حتى توفي ما استقر بذمته فاستمر أياما وصالح وذهب إلى بيته مكرما. وفي ذلك اليوم بعد صلاة الجمعة ضج مجاورو الأزهر بسبب أخبازهم وقفلوا ابواب الجامع فحضر إليهم سليم أغا والتزم لهم باجراء رواتبهم بكرة تاريخه فسكنوا وفتحوا الجامع وانتظروا ثاني يوم فلم يأتهم شيء فأغلقوه ثانيا وصعدوا على المنارات يصيحون فحضر سليم أغا بعد العصر ونجز لهم بعض المطلوبات وأجرى لهم الجراية أناما ثم انقطع ذلك وتكرر الغلق والفتح مرارا. وفي ليلة خروج الأمراء إلى ملاقاة الحجاج ركب مصطفى بك الأسكندرى وأحمد بك الكلارجي وذهبا إلى جهة الصعيد والتفا على عثمان بك الشرقاوى ولاجين بك وتقاسموا الجهات والبلاد وافحشوا في ظلم العباد. وفي منتصف ربيع الأول شرع مراد بك في السفر إلى جهة بحرى بقصد القبض على رسلان والنجار قطاع الطريق فسافر وسمع بحضوره المذكوران فهربا فأحضر بن حبيب وابن حمد وابن فودة وألزمهم بإحضارهما فأعتذروا إليه فحبسهم ثم أطلقهم على مال وذلك بيت القصيد وأخذ منهم رهائن ثم سار إلى طملوها وطالب أهلها برسلان.

стр. 651

ثم نهب القرية وسلب أموال أهلها وسبى نساءهم وأولادهم ثم أمر بهدمها وحرقها عن آخرها ولم يزل ناصبا وطاقه عليها حتى أتى على آخرها هدما وحرقا وجرفها بالجراريف حتى محوا أثرها وسووها بالأرض وفرق كشافه في مدة اقامته عليها في البلاد والجهات لجبي الأموال وقرر على القرى ما سولته له نفسه ومنع من الشفاعة وبث المعينين لطلب الكلف الخارجة عن المعقول فإذا استوفوها طلبوا حق طرقهم فإذا استوفوها طلبوا المقرر وكل ذلك طلبا حثيثا وإلا أحرقوا البلدة ونهبوها عن آخرها ولم يزل في سيره على هذا النسق حتى وصل إلى رشيد فقرر على أهلها جملة كبيرة من المال وعلى التجار وبياعي الارز فهرب غالب أهلها وعين على اسكندرية صالح أغا كتخدا الجاويشية سابقا وقرر له حق طريقه حمسة آلاف ريال وطلب من أهل البلد مائة ألف ريال وأمر بهدم الكنائس فلما وصل إلى اسكندرية هربت تجارها إلى المراكب وكذلك غالب النصارى فلم يجد إلا قنصل الموسقو فقال: أنا أدفع لكم المطلوب بشرط أن يكون بموجب فرمان من الباشا أحاسب به سلطانكم فانكف عن ذلك وصالحوه على كراء طريقه ورجع وارتحل مراد بك من رشيد. ولما وصل إلى جميجون هدمها عن آخرها وهدم أيضا كفرد سوق واستمر هو ومن معه يعبثون بالأقاليم والبلاد حتى أخربوها واتلفوا الزروعات إلى غرة جمادى الأولى. فوصلت الأخبار بقدومه إلى زنكلون ثم ثنى عنانه وعرج على جهة الشرق يفعل بها فعله بالمنوفية والغربية وأما صناجقه الذين تركهم بمصر فإنهم تسلطوا على مصادرات الناس في أموالهم وخصوصا حسين بك المعروف بشفت بمعنى يهودى فإنه تسلط على هجم البيوت ونهبها بأدنى شبهة. وفي عصرية يوم الخميس المذكور ركب حسين بك المذكور بجنوده وذهب إلى الحسينية وهجم على دار شخص يسمى أحمد سالم الجزار.

стр. 652

متولي رياسة دراويش الشيخ البيومي ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر إليه. وفي عصريتها أرسل جماعة من سراجينه بطلب الخواجا محمود ابن حسن محرم فلاطفهم وارضاهم بدراهم وركب إلى إبراهيم بك فأرسل له كتخداه وكتخدا الجاويشية فتلطفوا به وأخذوا خاطره وصرفوه عنه وعبى له الخواجا هدية بعد ذلك وقدمها إليه. وفي صبحها يوم الجمعة ثارت جماعة من اهالي الحسينية بسبب ما حصل في أمسه من حسين بك وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول والتف عليهم جماعة كثيرة من اوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيخ الدردير فوافقهم وساعدهم بالكلام وقال لهم: أنا معكم فخرجوا من نواحي الجامع وقفلوا أبوابه وطلع منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول وانتشروا بالاسواق في حالة منكرة واغلقوا الحوانيت. وقال لهم الشيخ الدردير: في غد نجمع أهالي الأطراف والحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم فلما كان بعد المغرب حضر سليم أغا مستحفظان ومحمد كتخدا ارنؤد الجلفي كتخدا إبراهيم بك وجلسوا في الغورية ثم ذهبوا إلى الشيخ الدردير وتكلموا معه وخافوا من تضاعف الحال وقالوا للشيخ أكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون. واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانصرفوا وركب الشيخ في صبحها إلى إبراهيم بك وأرسل إلى حسين بك فأحضره بالمجلس وكلمه في ذلك فقال: في الجواب كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بك ينهب وأنا أنهب كذلك. وانفض المجلس وبردت القضية. وفي عقبها بأيام قليلة حضر من ناحية قبلي سفينة وبها تمر وسمن.

стр. 653

وخلافه فأرسل سليمان بك الأغا وأخذ ما فيها جميعه وادعى أن له عند أولاد وافي مالا منكسرا ولم يكن ذلك لاولاد وافي وإنما هو لجماعة يتسببون فيه من مجاورى الصعايدة وغيرهم فتعصب مجاورو الصعايدة وأبطلوا دروس المدرسين وركب الشيخ الدردير والشيخ العروسي والشيخ محمد المصيلحي وآخرون وذهبوا إلى بيت إبراهيم بك وتكلموا معه بحضرة سليمان بك كلاما كثيرا مفحما. فاحتج سليمان بك بأن ذلك متاع أولاد وافي وأنا أخذته بقيمته من أصل مالي عندهم فقالوا هذا لم يكن لهم وإنما هؤلاء ربابه ناس فقراء فإن كان لك عند أولاد وافي شيء فخذه منهم فرد بعضه وذهب بعضه. وفي يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى قدم مراد بك من ناحية الشرق ودخل في ليلتها من المنهوبات من الجمال والأغنام والأبقار والجواميس وغير ذلك كثير يجل عن الحصر. وفيه سافر أيوب بك إلى ناحية قبلي لمصالحة الأمراء الغضاب وهم مصطفى بك وأحمد بك الكلارجي وعثمان بك الشرقاوى ولاجين بك لأنهم بلغوا قصدهم من البلاد وظلم العباد. وفي منتصف جمادى الثانية حضر عثمان بك الشرقاوى من ناحية قبلي. وفيه أنعم مراد بك على بعض كشافه بفردة دراهم على بلاد المنوفية كل بلد مائة وخمسون ريالا. وفيه اجتمع الناس بطندتا لعمل مولد سيدى أحمد البدوى المعتاد المعروف بمولد الشرنبابلية وحضر كاشف الغربية والمنوفية على جارى العادة وكاشف الغربية من طرف إبراهيم بك الوالي المولى أمير الحاج فحصل منه عسف وجعل على كل جمل يباع في سوق المولد نصف ريال فرانسة فاغار اعوان الكاشف على بعض الأشراف وأخذوا جمالهم.

стр. 654

وكان ذلك في آخر أيام المولد فذهبوا إلى الشيخ الدردير وكان هناك بقصد الزيارة وشكوا إليه ما حل بهم فأمر الشيخ بعض اتباعه بالذهاب إليه فامتنع الجماعة من مخاطبة ذلك الكاشف فركب الشيخ بنفسه وتبعه جماعة كثيرة من العامة. فلما وصل إلى خيمة كتخدا الكاشف دعاه فحضر إليه والشيخ راكب على بغلته فكلمه ووبخه وقال له: أنتم ما تخافون من الله. ففي أثناء كلام الشيخ لكتخدا الكاشف هجم على الكتخدا رجل من عامة الناس وضربه بنبوت فلما عاين خدامه ضرب سيدهم هجموا على العامة بنبابيتهم وعصيهم وقبضوا على السيد أحمد الصافي تابع الشيخ وضربوه عدة نبابيت. وهاجت الناس على بعضهم ووقع النهب في الخيم وفي البلد ونهبت عدة دكاكين وأسرع الشيخ في الرجوع إلى محله وراق الحال بعد ذلك وركب كاشف المنوفية وهو من جماعة إبراهيم بك الكبير وحضر إلى كاشف الغربية وأخذه وحضر به إلى الشيخ وأخذوا بخاطره وصالحوه ونادوا بالأمان. وانفض المولد ورجع الناس إلى أوطانهم وكذلك الشيخ الدردير فلما استقر بمنزله حضر إليه إبراهيم بك الوالي وأخذ بخاطره أيضا وكذلك براهيم بك الكبير وكتخدا الجاويشية. وفي سابع عشرة ركب حسين بك الشفت وقت القائلة وحضر إلى بيت صغير بسوق الماطيين وصحبته امرأة فصعد إليه ونقب في حائط وأخرج منه برمة مملوءة ذهبا فأخذها وذهب وخبر ذلك أن هذا البيت كان لرجل زيات في السنين الخالية فاجتمع لديه هذه الدنانير فوضعها في برمة من الفخار وافرج لها نقبا في كتف الحائط ووضعها فيه وبنى عليها وسواها بالجبس. وكانت هذه المرأة ابنة صغيرة تنظر إليه ومات ذلك الرجل وبيعت الدار بعد مدة ووقفها الذى اشتراها وتداولت الاعوام وآل البيت إلى وقف المشهد الحسيني وسكنه الناس بالاجرة ومضى.

стр. 655

على ذلك نحو الأربعين عاما وتلك المرأة تتخيل ذلك في ذهنها وتكتمه ولا يمكنها الوصول إلى ذلك المكان بنفسها وقلت ذات يدها واحتاجت فذهبت إلى حريم حسين بك المذكور وعرفتهن القضية واخبر الأمير بذلك فقال: لعل بعض الساكنين أخذها فقالت لا يعرفها أحد غيرى. فأرسل إلى ساكن الدار واحضره وقال له: أخل دارك في غد وانتظرني ولا تفزع من شيء ففعل الرجل وحضر الصنجق وصحبته المرأة فارته الموضع فنقبوه وأخرجوا منه تلك البرمة وأعطي صاحب المكان احسانا وركب وصاحب المكان يتعجب وركب أيضا قبل ذلك وذهب إلى بيت رجل يقال له: الشيخ عبد الباقي أبو قليطة ليلا وأخذ منه صندوقا مودعا عنده امانة لنصر ابن شديد البدوى شيخ عرب الحويطات يقال أن فيه شيئا كثيرا من الذهب العين وغيره وهجم أيضا على بيت بالقرب من المشهد الحسيني في وقت القائلة وكان ذلك البيت مقفولا وصاحبه غائب فخلع الباب وطلع إليه وأخذه منه عشرة أكياس مملوءة ذهبا وخرج وأغلق الباب كما كان وركب هو ومماليكه والاكياس في أحضانهم على قرابيس سروج الخيل وهو بجملتهم يحمل كيسا إمامه والناس تنظرهم. وفي هذا الشهر ثقب الشطار حاصلا في وكالة المسايرة التي بباب الشعرية وكان بظاهر الحاصل المذكور قهوة متخربة فتسلق إليها بعض الحرامية ونقبوا الحاصل وأخذوا منه صندوقا في داخله اثنا عشر ألف بندقي عنها ثلاثون ألف ريال في ذلك الوقت وفيه من غير جنس البندقي أيضا ذهب ودراهم وثياب حرير وطرح النساء المحلاوى التي يقال لها الحبر. وبعد أيام قبضوا على رجلين أحدهما فطاطرى والآخر مخللاتي بتعريف الخفراء بعد حبسهم ومعاقبتهم فأخذوا منهما شيئا واستمرا محبوسين. وفي عشرينه حضر أيوب بك ولاجين بك وأحمد بك من ناحية قبلي.

стр. 656

ودخلوا بيوتهم بالمنهوبات والمواشي وتأخر مصطفى بك. وفي يوم الثلاثاء سابع عشرينه هبت رياح عاصفة جنوبية نسفت رمالا واتربة مع غيم مطبق وأظلم منها الجو واستمرت من الظهر إلى الغروب. وفي يوم الخميس تاسع عشرينه حضر مصطفى بك أيضا. وفي غرة شهر رجب عزم مراد بك على التوجه إلى سد خليج منوف المعروف بالفرعونية وكان منذ سنين لم يحبس واندفع إليه الشرقي حتى تهور وشرق بسببه بحر دمياط وتعطلت مزارع الأرز. وفيه وصلت الأخبار من ثغر الأسكندرية بانه ورد إليها مركب البيليك وذلك على خلاف العادة وذلك أن مراكب البيليكات لا تخرج إلا بعد روز خضر ثم حضره عقيبة أيضا قليون آخر وفيه أحمد باشا والي جدة ثم تعقبهما آخر وفيه غلال كثيرة نقلوها إلى الثغر وشرعوا في عملها بقسهاطا فكثر اللغط بمصر بسبب ذلك. وفي عاشره ورد ططرى من البر وقابجي من البحر ومعهما مكاتبات قرئت بالديوان يوم الخميس ثاني عشرة مضمونها طلب الخزائن المنكسرة وتشهيل مرتبات الحرمين من الغلال والصرر في السنين الماضية واللوم على عدم زيارة المدينة. وفيه الحث والوعد والوعيد والأمر بصرف العلوفات وغلال الانبار. وفيه المهلة ثلاثون يوما. فكثر لغط الناس والقال والقيل واشيع ورود مراكب أخر إلى ثغر سكندرية وإن حسن باشا القبطان وأصل أيضا في أثر ذلك وصحبته عساكر محاربون. وفيه حضر معلم ديوان الأسكندرية قيل: إنه هرب ليلا ثم أن إبراهيم بك أرسل يستحث مراد بك في الحضور من سد الفرعونية ثم بعث إليه علي أغا كتخدا جاووجان والمعلم إبراهيم الجوهرى وسليمان اغا الحنفي وحسن كتخدا الجربان وحسن افندي شقبون كاتب الحوالة سابقا وأفندى الديوان حالا فأحضروه إلى مصر في يوم الثلاثاء ولم يتم سد الترعة.

стр. 657

بعد أن غرق فيها عدة مراكب ومراسي حديد وأخشاب أخذوها من أربابها من غير ثمن وفرد على البلاد الأموال وقبض أكثرها وذهب ذلك جميعه من غير فائدة. ثم أن الأمراء عملوا جمعيات وديوانا ببيت إبراهيم بك وتشاوروا في تنجيز الأوامر. وفي أثناء ذلك تشحطت الغلال وارتفع القمح من السواحل والعرصات وغلا سعره وقل وجوده حتى امتنع بيع الخبز من الأسواق واغلقت الطواجين. فنزل سليم اغا وهجم المخازن واخرج الغلال وضرب القماحين والمتسببين ومنعهم من زيادة الأسعار فظهر القمح والخبز بالاسواق وراق الحال وسكنت الاقاويل. وفي هذا الشهر أعني شهر رجب حصلت عدة حريقات منها حريقتان في ليلة واحدة. احداهما بالازبكية واخرى بخطتنا بالصنادقية. وظهرت النار من دكان رجل صناديقي وهي مشحونة بالاخشاب والصناديق المدهونة عند خان الجلاية فرعت النار في الاخشاب ووجت في ساعة واحدة وتعلقت بشبابيك الدور وذلك بعد حصة من الليل وهاج الناس والسكان وأسرعوا بالهدم وصب المياه وأحضر الوالي القصارين حتى طفئت. وفيه أيضا من الحوادث المستهجنة أن امرأة تعلقت برجل من المجاذيب يقال له: الشيخ علي البكرى مشهور ومعتقد عند العوام وهو رجل طويل حليق اللحية يمشي عريانا واحيانا يلبس قميصا وطاقية. ويمشي حافيا فصارت هذه المرأة تمشي خلفه أينما توجه وهي بازارها وتخلط في ألفاظها وتدخل معه إلى البيوت وتطلع الحريمات واعتقدها النساء وهادوها بالدراهم والملابس وأشاعوا أن الشيخ لحظها وجذبها وصارت من الأولياء ثم ارتقت في درجات الجذب وثقلت عليها الشربة فكشفت وجهها ولبست ملابس كالرجال ولازمته أينما توجه ويتبعهما الأطفال والصغار وهوام العوام ومنهم من اقتدى بهما أيضا ونزع ثيابه وتخجل في مشيه وقالوا أنه اعترض على الشيخ والمرأة فجذبه الشيخ أيضا.

стр. 658

وأن الشيخ لمسه فصار من الأولياء. وزاد الحال وكثر خلفهم أوباش الناس والصغار وصاروا يخطفون اشياء من الأسواق ويصير لهم في مرورهم ضجة عظيمة وإذا جلس الشيخ في مكان وقف الجميع وازدحم الناس للفرجة عليه وتصعد المرأة على دكان أو علوة وتتكلم بفاحش القول ساعة بالعربي ومرة بالتركي والناس تنصت لها ويقبلون يدها ويتبركون بها وبعضهم يضحك ومنهم من يقول الله الله وبعضهم يقول دستور يا أسيادى وبعضهم يقول لا تعترض بشيء. فمر الشيخ في بعض الأوقات على مثل هذه الصورة والضجة ودخلوا من باب بيت القاضي الذى من ناحية بين القصرين وبتلك العكفة سكن بعض الاجناد يقال له: جعفر كاشف فقبض على الشيخ وادخله إلى داره ومعه المرأة وباقي المجاذيب فأجلسه وأحضر له شيئا يأكله وطرد الناس عنه وأدخل المرأة والمجاذيب إلى الحبس وأطلق الشيخ لحال سبيله وأخرج المرأة والمجاذيب فضربهم وعزرهم ثم أرسل المرأة إلى المارستان وربطها عند المجانين وأطلق باقي المجاذيب بعد أن استغاثوا وتابوا ولبسوا ثيابهم وطارت الشربة من رؤوسهم وأصبح الناس يتحدثون بقصتهم. واستمرت المرأة محبوسة بالمارستان حتى حدثت الحوادث فخرجت وصارت شيخة على انفرادها ويعتقدها الناس والنساء وجمعت عليها الجمعيات وموالد واشباه ذلك. وفيه ورد الخبر من الديار الشامية بحصول طاعون عظيم في بلادهم حصل عندهم أيضا قحط وغلاء في الأسعار. وفي يوم الثلاثاء ثاني شهر شعبان ركب سليم أغا في عصريته إلى جامع السلطان حسن بن قلاون الذى بسوق السلاح وأحضر معه فعلة وفتح باب المسجد المسدود وهو الباب الكبير الذى من ناحية سوق السلاح فهدموا الدكاكين التي حدثت أسفله والبناء الذى بصدر الباب وكان.

стр. 659

مدة سده في هذه المرة أحدى وخمسين سنة وكان سببها المقتلة التي قتل فيها الأحد عشر اميرا ببيت محمد بك الدفتردار في سنة تسع وأربعين وتقدم ذكرها في أول التاريخ. وسبب فتحه أن بعض أهل الخطة تذاكر مع الأغا في شأنه واعلمه بحصول المشقة على الناس المصلين في الدخول إليه من باب الرميلة وربما فاتهم حضور الجماعة في مسافة الذهاب وإن الأسباب التي سد الباب من أجلها قد زالت وانقضت ونسيت فاستأذن سليم أغا إبراهيم بك ومراد بك في فتحه فأذنا له ففتحه وصنع له بابا جديدا عظيما وبنى له سلالم ومصاطب واحضر نظاره وأمرهم بالصرف عليه ويأتي هو في كل يوم يباشر العمل بنفسه وعمروا ما تشعث منه ونظفوا حيطانه ورخامه وظهر بعد الخفاء وازدحم الناس للصلاة فيه وأتوا إليه من الاماكن البعيدة. وفي يوم الجمعة خامسة توفي مصطفى بك المرادى المجنون. وفي عشرين شعبان كثر الارجاف بمجيء مراكب الأسكندرية وعساكر وغير ذلك. وفي يوم السبت خامس رمضان حضر واحد أغا من الديار الرومية وعلى يده مكاتبة بالحث على المطلوبات المتقدم ذكرها فطلع الأمراء إلى القلعة ليلا واجتمعوا بالباشا وتكلموا مع بعضهم كلاما كثيرا وقال: مراد بك للباشا ليس لكم عندنا إلا حساب أمهلونا إلى بعد رمضان وحاسبنا على جميع ما هو في طرفنا نورده وأرسل إلى من وصل الأسكندرية يرجعون إلى حيث كانوا وإلا فلا نشهل حجا ولا صرة ولا ندفع شيئا. وهذا آخر الكلام كل ذلك وإبراهيم بك يلاطف كلا منهما ثم اتفقوا على كتابة عرضحال من الوجاقلية والمشايخ ويذكر فيه أنهم أقلعوا وتابوا ورجعوا عن المخالفة والظلم والطريق التي ارتكبوها وعليهم القيام باللوازم وقرروا على أنفسهم مصلحة يقومون بدفعها لقبطان باشا والوزير.

стр. 660

وباشة جدة وقدرها ثلثمائة وخمسون كيسا وقاموا على ذلك ونزلوا إلى بيوتهم. وفي ليلة الإثنين جمع إبراهيم بك المشايخ وأخبرهم بذلك الاتفاق وشرعوا في كتابة العرضحالات أحدها للدولة وآخر لقبطان باشا بالمهلة حتى يأتي الجواب وآخر لباشة جدة الذى في الأسكندرية. وفي صبحها وردت مكاتبة من أحمد باشا الجزار يخبر فيها بالحركة والتحذير واخبار بورود مراكب أخرى باسكندرية ومراكب وصلت إلى دمياط فزار اللغط والقال والقيل. وفيه ركب سليم أغا مستحفظان ونادى في الأسواق على الأروام والقليونجية والاتراك بانهم يسافرون إلى بلادهم ومن وجد منهم بعد ثلاثة أيام قتل. وفيه اتفق رأى إبراهيم بك ومراد بك أنهم يرسلون لاجين بك ومصطفى بك السلحدار إلى رشيد لاجل المحافظة والاتفاق مع عرب الهنادى ويطلبون أحمد باشا والي جدة ليأتي إلى مصر ويذهب إلى منصبه. فسافر وافي ليلة الخميس عاشر رمضان. وفي تلك الليلة ركب إبراهيم بك بعد الافطار وذهب إلى مراد بك وجلس معه ساعة ثم ركبا جميعا وطلعا إلى القلعة وطلع أيضا المشايخ باستدعاء من الأمراء وهم الشيخ البكرى والشيخ السادات والشيخ العروسي والشيخ الدردير والشيخ الحريرى وقابلوا الباشا وعرضوا عليه العرضحالات. وكان المنشي لبعضها الشيخ مصطفى الصاوى وغيره فأعجبهم انشاء الشيخ مصطفى وامروا بتغيير ما كان من انشاء غيره. وانخضع مراد بك في تلك الليلة للباشا جدا وقبل أتكه وركبتيه ويقول له: يا سلطانم نحن في عرضك في تسكين هذا الأمر ودفعه عنا ونقوم بما علينا ونرتب الأمور وننظم الأحوال على القوانين القديمة. فقال الباشا: ومن يضمنكم ويتكفل.

стр. 661

بكم قال: أنا الضامن لذلك ثم ضماني على المشايخ والاختيارية. وفي ليلة الأحد ثالث عشرة وصلت الأخبار بوصول حسن باشا القبطان إلى ثغر الأسكندرية وكان وصوله يوم الخميس عاشره قبل العصر وصحبته عدة مراكب فزاد الاضطراب وكثر اللغط. فتمموا أمر العرضحالات وأرسلوها صحبة سلحدار الباشا والططرى وواحد أغا ودفعوا لكل فرد منهم ألف ريال وسافروا من يومهم. وفيه وردت الأخبار بان مشايخ عرب الهنادى والبحيرة ذهبوا إلى الأسكندرية وقابلوا أحمد باشا الجداوى فألبسهم خلعا وأعطاهم دراهم وكذلك أهل دمنهور. وفيه حضر صدقات من مولاى محمد صاحب المغرب ففرقت على فقراء الأزهر وخدمة الاضرحة والمشايخ المفتين والشيخ البكرى والشيخ السادات والعمريين على يد الباشا بموجب قائمة ومكاتبة. وفي يوم الثلاثاء حضر مصطفى جربجي باش سراجين مراد بك سابقا وسردار ثغر رشيد حالا وكان السبب في حضوره أنه حضرت إلى رشيد أحد القباطين وصحبته عدة وافرة من العسكر فطلع إلى بيت السردار المذكور وأعطاه مكاتبة من حسن باشا خطابا للامراء بمصر وأمره بالتوجه بها فحضر بتلك المكاتبة مضمونها التطمين ببعض ألفاظ. وفيه اتفق رأى الأمراء على ارسال جماعة من العلماء والوجاقلية إلى حسن باشا فتعين لذلك الشيخ أحمد العروسي والشيخ محمد الأمير والشيخ محمد الحريري ومن الوجاقلية إسمعيل افندى الخلوتي وإبراهيم أغا الورداني وذهب صحبتهم أيضا سليمان بك الشابورى وأرسلوا صحبتهم مائة فرد بن ومائة قنطار سكر وعشر بقج ثياب هندية وتفاصيل وعودا وعنبرا وغير ذلك فسافروا في يوم الجمعة ثامن عشر رمضان على أنهم يجتمعون به ويكلمونه ويسألونه عن مراده ومقصده ويذكرون.

стр. 662

له امتثالهم وطاعتهم وعدم مخالفتهم ورجوعهم عما سلف من افاعيلهم ويذكرونه حال الرعية وما توجبه الفتن من الضرر والتلف. وفي يوم السبت حضر تفكجي باشا من طرف حسن باشا وذهب إلى إبراهيم بك وأفطر معه وخلع عليه خلعة سمور وأعطاه مكاتبات وكان صحبته محمد أفندى حافظ من طرف إبراهيم بك أرسله الأمراء قبل بأيام عندما بلغهم خبر القادمين ليستوعب الأحوال ثم أن ذلك التفكجي جلس مع إبراهيم بك حصة من الليل وذهب إلى محله وحضر علي أغا كتخدا الجاويشية فركب مع إبراهيم بك وطلعا إلى الباشا في سادس ساعة من الليل ثم نزلا وسافر التفكجي في صبحها وصحبته الحافظ. وكان فيما جاء به ذلك التفكجي طلب إبراهيم بك أمير الحاج فلم يرض بالذهاب وكان لاجين بك ومصطفى بك لما سافرا للمحافظة بعد التوبة بيومين فعلوا أفاعيلهم بالبلاد وطلبوا الكلف وحرقوا وردان فضجت أهالي البلاد وذهبوا إلى عرضي حسن باشا وشكوا ما نزل بهم فأخذ بخواطرهم وكتب لهم فرمانا برفع الخراج عنهم سنتين وأرسل مع ذلك التفكجي العتاب واللوم في شأن ذلك. وفي تلك الليلة ذهب سليم أغا إلى ناحية باب الشعرية وقبض على الحافظ اسحق وأخذه على صورة أرباب الجرائم من أسافل الناس وذهب به إلى بولاق فلحقه مصطفى بك الأسكندراني ورده. وفي يوم الإثنين وصلت الأخبار بورود حسن باشا إلى ثغر رشيد يوم الأربعاء سادس عشرة وانه كتب عدة فرمانات بالعربي وأرسلها إلى مشايخ البلاد وأكابر العربان والمقادم وحق طريق المعينين بالفرمانات ثلاثون نصفا فضة لا غير وذلك من نوع الخداع والتحيل وجذب القلوب ومثل قولهم أنهم يقرروا مال الفدان سبعة أنصاف ونصف نصف حتى كادت الناس تطير من الفرح وخصوصا الفلاحين لما سمعوا ذلك. وأنه.

стр. 663

يرفع الظلم ويمشي على قانون دفتر السلطان سليمان وغير ذلك. وكان الناس يجهلون أحكامهم فمالت جميع القلوب إليهم وانحرفت عن الأمراء المصرية وتمنوا سرعة زوالهم. وصورة ذلك الفرمان وهو الذي أرسل إلى أولاد حبيب من جملة ما أرسل صدر هذا الفرمان الشريف الواجب القبول والتشريف من ديوان حضرة الوزير المعظم والدستور المكرم عالي الهمم وناصر المظلوم على من ظلم مولانا العزيز غازى حسن باشا ساري عسكر السفر البحري المنصور حالا ودونانمة همايون أيدت سيادته السنية وزادت رتبته العلية إلى مشايخ العرب أولاد حبيب بناحية دجوة وفقهم الله تعالى نعرفكم أنه بلغ حضرة مولانا السلطان نصره الله ما هو واقع بالقطر المصرى من الجور والظلم للفقراء وكافة الناس وإن سبب هذا خائنون الدين إبراهيم بك ومراد بك واتباعها فتعينا بخط شريف من حضرة مولانا السلطان أيده الله بعساكر منصورة بحرا لدفع الظلم ولايقاع الانتقام من المذكورين وتعين عليهم عساكر منصورة برا يسارى عسكر عليهم من حضرة مولانا السلطان نصره الله وقد وصلنا إلى ثغر اسكندرية ثم إلى رشيد في سادس عشر رمضان فحررنا لكم هذا الفرمان لتحضروا تقابلونا وترجعوا إلى أوطانكم مجبورين مسرورين أن شاء الله تعالى فحين وصوله اليكم تعملوا به وتعتمدوه والحذر ثم الحذر من المخالفة وقد عرفناكم. ثم أن الأمراء زاد قلقهم واجتمعوا في ليلتها ببيت إبراهيم بك وعملوا بينهم مشورة في هذا الأمر الذى دهمهم وتحققوا اتساع الخرق والنيل أخذ في الزيادة فعند ذلك تجاهروا بالمخالفة وعزموا على المحاربة واتفق الرأى على تشهيل تجريدة وأميرها مراد بك فيذهبون إلى جهة فوة ويمنعون الطريق ويرسلون إلى حسن باشا مكاتبات بتحرير الحساب والقيام بغلاق المطلوب ويرجع من حيث أتى. فان امتثل وإلا حاربناه وهذا آخر الكلام. ثم جمعوا المراكب وعبوا

стр. 664

الذخيرة والبقسماط وذلك كله في يوم الثلاثاء والاربعاء ونقلوا عزالهم ومتاعهم من البيوت الكبار إلى اماكن لهم صغار جهة المشهد الحسيني والشنواني والأزهر وعطلوا القناديل والتعاليق المعدة لمهرجان رمضان وزاد الارجاف وكثر اللغط ولاحت عليهم لوائح الخذلان ورخص أسعار الغلال بسبب بيعهم الغلال المخزونة عندهم. وفي يوم الخميس رابع عشرينه خرج مراد بك والأمراء المسافرون معه إلى ناحية بولاق وبرزوا خيامهم وعدوا في ليلتها إلى برانبابة ونصبوا وطاقهم هناك. وتعين للسفر صحبة مراد بك مصطفى بك الداوودية الذى عرف بالاسكندراني ومحمد بك الالفي وحسين بك الشفت ويحيى بك وسليمان بك الأغا وعثمان بك الشرقاوى وعثمان بك الأشقر وركب إبراهيم بك بعد المغرب وذهب إليهم وأخذ بخاطرهم ورجع فأقاموا في برانبابة يوم الجمعة حتى تكامل خروج العسكر وأخذ مراد بك ما احتاجه من ملائل الحج جمالا وبقسماطا وغيره حتى الذى قبض من مال الصرة وأرسلوا في ليلتها على أغا كتخدا الجاويشية وسليمان أغا الحنفي إلى الباشا وطلبوا منه الدراهم التي كانوا استخلصوها من مصطفى بك أمير الحاج وأودهوها عند الباشا فدفعها لهم بتمامها. وفي يوم السبت سادس عشرينه سافر مراد بك من برانبابة وأصحب ليكون سفيرا بينه وبين قبطان باشا. وفي ليلة الإثنين ثامن عشرينه مسافر مصطفى بك الكبير أيضا ولحق بمراد بك. وفي ليلة الثلاثاء حضر المشايخ ومن معهم من ثغر رشيد فوصلوا إلى بولاق بعد العشاء وباتوا هناك وذهبوا إلى بيوتهم في الصباح. فأخبروا أنهم اجتمعوا على حسن باشا ثلاث مرات الأولى للسلام فقابلهم بالاجلال والتعظيم وأمر لهم بمكان نزلوا فيه ورتب لهم ما يكفيهم من.

стр. 665

الطعام المهيأ في الافطار والسحور ودعاهم في ثاني يوم وكلمهم كلمات قليلة وقال له الشيخ العروسي: يا مولانا رعية مصر قوم ضعاف وبيوت الأمراء مختلطة ببيوت الناس. فقال: لا تخشوا من شيء فإن أول ما أوصاني مولانا السلطان أوصاني بالرعية وقال: أن الرعية وداعة الله عندى وأنا استودعتك ما أودعنيه الله تعالى. فدعوا له بخير ثم قال: كيف ترضون أن يملككم مملوكان كافران وترضونهم حكاما عليكم يسومونكم العذاب والظلم لم إذا لم تجتمعوا عليهم وتخرجوهم من بينكم. فأجابه إسمعيل أفندى الخلوتي بقوله يا سلطانم هؤلاء عصبة شديد والباس ويد واحدة. فغضب من قوله ونهره وقال: تخوفني ببأسهم فاستدرك وقال: إنما أعني بذلك انفسنا لأنهم بظلم أضعفوا الناس. ثم أمرهم بالانصراف. واجتمعوا عليه مرة ثالثة بعد صلاة الجمعة فأستأذنوه في السفر ثم تركهم يومين وكتب لهم مكاتبات وسلمها ليد سليمان بك الشابورى وأمرهم بالانصراف فودعوه وساروا وأخفيت تلك المكاتبات. وفي غاية رمضان أرسل الباشا عدة أوراق إلى افراد المشايخ وذكر انها وردت من صدر الدولة وأما العرضحالات التي أرسلوها صحبة السلحدار والططرى فانهما لما وصلا إلى اسكندرية واطلع عليها حسن باشا حجزها ومنع المراسلة إلى اسلامبول وقال: أنا دستور مكرم والأمر مفوض الي في أمر مصر. وسأل السلحدار عن الأوراق التي من صدر الدولة هل أرسلها الباشا إلى أربابها فأخبره أنه خاف من اظارها فاشتد غضبه على الباشا وسبه بقوله خائن منافق. فلما رجع السلحدار في تاريخه واخبر الباشا فعند ذلك أرسلها كما تقدم. وفي ثاني شوال اشيع مراد بك ملك مدينة فوة وهرب من بها من العسكر ووقع بينهم مقتلة عظيمة وانه أخذ المراكب التي وجدها على ساحلها ثم ظهر صحة ذلك.

стр. 666

وفي يوم السبت نزلت الكسوة من القلعة على العادة إلى المشهد الحسيني وركب إبراهيم بك الكبير وإبراهيم بك أمير الحاج إلى قراميدان ونزل الباشا كذلك وأكد على أمير الحاج في التشهيل فأعتذر إليه بتعطيل الأسباب فوعده بالمساعدة. وفي يوم الأحد اشاعوا اشاعة مثل الأولى مصطنعة واظهروا البشر والسرور وركب إبراهيم بك في ذلك اليوم وذهب إلى الشيخ البكرى وعيد عليه ثم إلى الشيخ العروسي والشيخ الدردير وصار يحكي لهم. وتصاغر في نفسه جدا وأوصاهم على المحافظة وكف الرعية عن أمر يحدثوه أو قومة أو حركة في مثل هذا الوقت فإنه كأنه يخاف ذلك جدا وخصوصا لما اشيع أمر الفرمانات التي أرسلها الباشا للمشايخ وتسامع بها الناس وفي وقت ركوب إبراهيم بك من بيت الشيخ البكرى حصلت زعجة عظيمة ببركة الأزبكية وسببها أن مملوكا أسود ضرب رجلا من زراع الملقاتى فجرحه فوقع الصياح من رفقائه واجتمع عليهم خلق كثير من الأوباش وزاد الحال حتى امتلأت البركة من المخلوقات وكل منهم يسأل عن الخبر من الآخر ويختلقون أنواعا من الأكاذيب. فلما رجع إبراهيم بك إلى داره أرسل من طرد الناس وفحصوا عن أصل القضية وفتشوا على الضارب فلم يجدوه فأخذوا المضروب فطيبوا خاطره واعطوه دراهم. وفيه أرسل مراد بك بطلب ذخيرة وبقسماط وركب أيوب بك الصغير وذهب إلى مصر العتيقة وعثمان بك الطنيرجي إلى بولاق ونزلوا جملة مدافع ومنها الغضبان وابو مايلة وكان أيوب هذا متمرضا مدة شهور ومنقطعا في الحريم فغرق وشفي في ساعة واحدة. وفي يوم الإثنين كان مولد السيد أحمد البدوى ببولاق وكراء مشايخ الأشاير المراكب ليسافروا فيها فأخذوها بأجمعها لاجل الذخيرة والمدافع.

стр. 667

ووسقوها وأرسلوا منها جملة. وفي ليلة الثلاثاء حضرت مراكب من مراكب الغائبين وفيها مماليك ومجاريح واجناد واخبروا بكسرة مراد بك ومن معه وأصبح الخبر شائعا في المدينة وثبت ذلك ورجعت المراكب بما فيها واخبروا عما وقع وهو أنه لما وصل مراد بك إلى الرحمانية عدى سليمان بك الأغا وعثمان بك الشرقاوى والالفي إلى البر الشرقي فحصل بينهم اختلاف وغضب بعضهم ورجع القهقرى فكان ذلك أول الفشل. ثم تقدموا إلى محلة العلويين فأخلوا منها الأورام فدخلوا إليها وملكوها وأرسلوا إلى مراد بك يطلبون منه الامداد فأمر بعض الأمراء بالتعدية إليهم فامتنعوا وقالوا نحن لا نفارقك ونموت تحت اقدامك فحنق منهم وأرسل عوضهم جماعة من العرب ثم ركبوا وقصدوا أن يتقدموا إلى فوة فوجدوا إمامهم طائفة من العسكر ناصبين متاريس فلم يمكنهم التقدم لوعر الطريق وضيق الجسر وكثرة القنى ومزارع الارز فتراموا بالبنادق فرمح سليمان بك فعثر بقناة وسقط فحصلت فيهم ضجة وظنوها كسرة فرجعوا القهقرى ودخل الرعب في قلوبهم ورجعت عليهم العرب ينهبونهم. فعدوا إلى البر الآخر وكان مراد بك مستقرا في مكان توصل إليه من طريق ضيقة لاتسع إلا الفارس بمفرده فاشاروا عليه بالانتقال من ذلك المكان وداخلهم الخوف وتخيلوا تخيلات. وما زالوا في نقض وابرام إلى الليل ثم أمر بالاتحال فحملوا حملاتهم ورجعوا القهقرى وما زالوا في سيرهم وأشيع فيهم الانهزام وتطايرت الأخبار بالكسرة وتيقن الناس أن هذا أمر الهي ليس بفعل فاعل. وفي ذلك اليوم حصلت كرشة من ناحية الصاغة وسببها عبد مملوك أراد الركوب على حمار بعض المكارية فازدحموا عليه الحمارة ورمحوا خلفه فصارت كرشة ورمحت الصغار فاغلقوا الدكاكين بالاشرفية.

стр. 668

والغورية والعقادين وغير ذلك ثم تبين أن لا شيء ففتح الناس الدكاكين. وفي ذلك اليوم حضر أناس من المماليك مجاريح وزاد الارجاف فنزل الباشا وقت الغروب إلى باب العزب واراد إبراهيم بك أن يملك أبواب القلعة فلم يتمكن من ذلك. وأرسل الباشا فطلب القاضي والمشايخ فطلع البعض وتأخر البعض إلى الصباح وبات السيد عند الباشا ذكرها بعد ذلك الباشا لحسن باشا وشكره عليها واحبه وذهب للسلام عليه عند قدومه دون غيره من بقية المشايخ فلما أصبح نهار الأربعاء طلعوا بأجمعهم وكذلك جماعة الوجاقلية ونصب الباشا البيرق على باب العزب ونزل جاويش مستحفظان وجاويش العزب وإمامهم القابجية والمناداة على الالضاشات وغيرهم وكل من كان طائعا لله وللسلطان يأتي تحت البيرق فطلع عليه جميع الالضاشات والتجار وأهل خان الخليلي وعامة الناس وظهرت الناس المخفيون والمستضعفون والذين أنحلهم الدهر والذى لم يجد ثياب زيه استعار ثيابا وسلاحا حتى امتلأت الرميلة وقراميدان من الخلائق وأرسل محمد باشا يستحث حسن باشا في سرعة القدوم ويخبره بما حصل وكان قصد حسن باشا التأخر حتى يسافر الحاج وتأتي العساكر البرية فاقتضى الحال ولزم الأمر في عدم التأخر. وأما إبراهيم بك فإنه اشتغل في نقل عزاله ومتاعه بطول الليل في بيوته الصغار فلم يترك إلا فرش مجلسه الذى هو جالس فيه ثم أنه جلس ساعة وركب إلى قصر العيني وجلس به. وأما إبراهيم بك أمير الحج فإنه طلع إلى باب العزب وطلب الأمان فأرسل له الباشا فرمانا بالامان واذن له في الدخول وكذلك حضر أيوب بك الكبير وأيوب بك الصغير وكتخدا الجاويشية وسليمان بك الشابورى وعبد الرحمن بك وعثمان وأحمد جاويش المجنون ومحمد كتخدا أزنور ومحمد كتخدا اباظة وجماعة كثيرة من الغز والاجناد وكذلك رضوان بك بلغيا فكان كل من حضر لطلب الأمان فإن كان من الأمراء الكبار فإنه يقف عند الباب ويطرقه ويطلب الأمان ويستمر

стр. 669

واقفا حتى يأتيه فرمان الأمان ويؤذن له في الدخول من غير سلاح وإن كان من الأصاغر فإنه يستمر بالرميلة أو قراميدان أو يجلس على المساطب. فلما تكامل حضور الجميع أبرز الباشا خطا شريفا وقرأه عليهم وفيه المأمورات المتقدم ذكرها وطلب إبراهيم بك ومراد بك فقط وتأمين كل من يطلب الامان. واستمر أمير الحج على منصبه ثم أنه خلع على حسن كاشف تابع حسن بك قصبة رضوان وقلده أغاة مستحفظان وخلع على محمد كتخدا أزثور وقلده الزعامة وقلد محمد كتخدا اباظة أمين احتساب ونزلوا إلى المدينة ونادوا بالامان والبيع والشراء وكذلك نزل الأمراء إلى دورهم ما عدا إبراهيم بك أمير الحاج فإن الباشا عوقه عنده ذلك اليوم. وكذلك اذنوا للناس بالتوجه إلى اماكنهم بشرط الأستعداد والإجابة وقت الطلب ولم يتأخر إلا المحافظون على الأبواب. واما مراد بك فإنه حضر إلى برانبابة واستمر هناك ذلك اليوم ثم ذهب في الليل إلى جزيرة الذهب وركب إبراهيم بك ليلا وذهب إلى الآثار. وفي عصر ذلك اليوم نزل الأغا ونبه على الناس بالطلوع إلى الأبواب. وفيه حضر سليمان بك الأغا وطلب الأمان فأعطوه فرمان الأمان وذهب إلى بيته وأصبح يوم الخميس فنزلت القابجية ونبهت على الناس بالطلوع فطلعوا واجتمعت الخلائق زيادة على اليوم الأول وحضر أهالي بولاق ونزل الأغا فنادى بالامن والأمان. وفي ذلك اليوم قبل العصر ركب عثمان خازندار مراد بك سابقا وذهب إلى سيده وكان من جملة من أخذ فرمانا بالامان فلما نزل إلى داره أخذ ما يحتاجه وذهب فلما بلغ الباشا هروبه اغتاظ من فعله. ثم أن الباشا تخيل من إبراهيم بك أمير الحاج فأمره بالنزول إلى بيته فنزل إلى جامع السلطان حسن وجلس به فأرسل له الباشا بالذهاب إلى منزله.

стр. 670

فذهب. وفي صباح ثاني يوم ركب سليمان بك وأيوب بك الكبير والصغير وخرجوا إلى مضرب النشاب وركب إبراهيم بك أمير الحاج وذهب إلى بولاق واحب أن يأخذ الجمال من المناخ فمنعه عسكر المغاربة ثم ذهب عند رفقائه بمضرب النشاب فلما بلغ الباشا ذلك أرسل لهم فرمانا بالعودة فطردوا الرسول ومزقوا الفرمان وأقاموا بالمصاطب حتى اجتمعت عليهم طوائفهم وركبوا ولحقوا بأخوانهم فلما حصل ذلك اضطربت البلد وتوهموا صعودهم على الجبل بالمدافع ويضربوا على القلعة وغير ذلك من التوهمات وركب قائد أغا بعد صلاة الجمعة وعلي أغا خازندار مراد بك سابقا وصحبتهم جملة من المماليك والعسكر وهم بالطرابيش وبيدهم مكاحل البندق والقرابينات وفتائلها موقودة فوصلوا إلى الرميلة فضربوا عليهم مدفعين فرجعوا إلى ناحية الصليبة ونزلوا إلى باب زويلة ومروا على الغورية والاشرفية وبين القصرين وطلعوا من باب النصر وإمامهم المناداة أمان واطمئنان حكم ما رسم إبراهيم بك ومراد بك وحكم الباشا بطال فلما سمع الناس ذلك ورأوه على تلك الصورة انزعجوا واغلقوا الدكاكين المفتوحة وهاجت الناس وحاصوا حيصة عظيمة وكثر فيهم للغط. ولما بلغ الباشا هروب المذكورين حصن القلعة والمحمودية والسلطان حسن وأرسل الأغا فنادى على الالضاشات بالطلوع إلى القلعة. وفي تلك الليلة ضرب المنسر كفر الطماعين ونهبوا منه عدة أماكن وقتل بينهم اشخاص وانقطعت الطرق حتى إلى بولاق ومصر القديمة وصارت التعرية من عند رصيف الخشاب. وفي يوم السبت ركب إبراهيم بك وحسين بك وأتوا إلى المناخ أيضا وأرادوا أخذ الجمال فمنعهم المغاربة وقيل: أخذوا منهم جملة وعربدوا في ذلك اليوم عربدة عظيمة من كل ناحية وأرسل الباشا قبل المغرب فطلب.
следующие страницы →