← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ الإِسْلَامِ، وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ [٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). في هذا الحديث: دليل على أن الإسلام تتفاوت أعماله، وأن الإسلام له خصال، وأن من خير خصاله: إطعامَ الطعام، وإفشاءَ السلام. فإذا كنت في بلاد الإسلام، فألق السلام على من عرفت ومن لم تعرف، فالأصل أنه مسلم، إلا إذا كان الأكثرُ غيرَ مسلمين، فنعمل بالأغلب، ولكن في بلاد الإسلام الأصل أنه مسلم، فلا تنتقل عن هذا الأصل إلا بيقين، وإذا أيقنت أنه غير مسلم فلا تبدأه بالسلام. وأما المصافحة فشيء زيادة على السلام، وهي من أسباب حط الذنوب والخطايا. وفيه: أنه إذا أطلق الإسلام فقد دخل فيه الإيمان، كما أن الإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، لكن إذا اجتمعا اختص الإسلام بالأعمال الظاهرة، واختص الإيمان بالأعمال الباطنة، كما في حديث جبريل الطويل (١). والدليل على هذا ما تقدم: أن النبي ﷺ فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بالأعمال الظاهرة، فقال: أمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ ))، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لا

стр. 107

إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الخُمُسَ)) (١)، ففسره بخصال الإسلام، فالإيمان إذا أطلق دخل فيه الإسلام، والإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فخصال الإسلام هي خصال الإيمان، وخصال الإيمان هي خصال الإسلام. وما ذكر في الحديث من إطعام الطعام وإفشاء السلام هو من الأسباب الجالبة للمحبة، وفي الحديث الصحيح: ((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)) (٢).

стр. 108

[٤٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ)). [٤١] حَدَّثَنَا حسن الحلواني وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، قَالَ عبد: أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ)). [٤٢] وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الإِسْلامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ، وَيَدِهِ)). وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ المُسْلِمِينَ أَفْضَلُ؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. قوله: ((أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ))، أي: أكملهم إسلامًا، وهو من سلم المسلمون من لسانه بالسب، أو بالغيبة والنميمة، وسلموا- أيضًا- من يده بالاعتداء، أو بأخذ المال بغير حق أو غير ذلك، ومن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فهو ناقص الإسلام والإيمان. وفي هذا الحديث: دليل على أن خصال الإسلام تتفاوت، فهو كالإيمان في تفاوت خصاله.

стр. 109

بَابُ بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ [٤٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ)). حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا. قوله: ((طَعْمَ الإِيمَانِ)) معناه: أن لذة الإيمان وحلاوته معنوية، وهي الطمأنينة وانشراح الصدر. وفي هذا الحديث: شدة محبة المؤمنين لله ، كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾، فذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو

стр. 110

الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه، ثم قال: ﴿والذين آمنوا أشد حبًّا لله﴾، فلحبهم لله تعالى وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجؤون في جميع أمورهم إليه. وقوله: ((مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا))، يعني: خير له من أن يصير كذلك، قال النووي ﵀: ((وأما قوله ﷺ : (يعود) أو (يرجع) فمعناه: يصير، وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة)) (١).

стр. 111

بَابُ وُجُوبِ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرَ مِنَ الأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَإِطْلَاقِ عَدَمِ الإِيمَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِبَّهُ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ [٤٤] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ- وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ: الرَّجُلُ- حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). قوله: ((لَا يُؤْمِنُ))، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل الواجب، حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله، وأهله وولده، وفي اللفظ الآخر: ((حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))، وهذا كمال الإيمان الواجب، فإذا لم يكن كذلك نقص إيمانه، ويأثم إذا قدم محبة المال، أو محبة الولد، أو الأهل على محبة الرسول ﷺ ، وينقص إيمانه، ويضعف إيمانه، كما قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. فالإيمان الكامل الواجب، أن يقدم محبة الله ومحبة الرسول ﷺ على

стр. 112

محبة المال والأهل والولد والنفس؛ ولذلك لما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ)) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((الآنَ يَا عُمَرُ)) (١)، يعني: الآن بلغت المحبة، أو الإيمان الكامل.

стр. 113

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنْ خِصَالِ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ [٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ- أَوَ قَالَ: لِجَارِهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ- أَوَ قَالَ: لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). قوله: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ))، يعني: لا يؤمن الإيمان الكامل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، أو يحب لجاره ما يحب لنفسه، فإذا كان يحب لنفسه شيئًا ولا يحبه لجاره أو لأخيه- دل ذلك على نقص إيمانه، وضعف إيمانه، فكمال الإيمان أن تحب لأخيك أو لجارك ما تحبه لنفسك من الخير، وتكره له من الشر ما تكرهه لنفسك، فإن لم تكن كذلك دل ذلك على نقص الإيمان، والله تعالى يقول: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، وقال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾، فالولي يحب لوليّه الخير، وينصره، كما يحب المؤمن للعاصي ضعيف الإيمان أن يهديه الله تعالى، وأن يوفقه للمحافظة على الطاعات وغيرها.

стр. 114

بَابُ بَيَانِ تَحْرِيمِ إِيذَاءِ الْجَارِ [٤٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)). قوله: ((بَوَائِقَهُ))، أي: غوائله وشره. وفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على إيذاء الجار، وأنه من كبائر الذنوب، ومن المتوعَّد عليه بعدم دخول الجنة. وإذا كان الجار لا يأمنه جاره، دل على فسقه، وعلى تعديه وإيذائه، ففي الحديث الآخر: ((واللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ)) قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) (١)، وهذا يدل على نقص إيمانه وضعفه.

стр. 115

بَابُ الْحَثِّ عَلَى إِكْرَامِ الْجَارِ، وَالضَّيْفِ، وَلُزُومِ الصَّمْتِ إِلَّا عَنِ الْخَيْرِ، وَكَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الإِيمَانِ [٤٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيى، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ)). وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي حَصِينٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ)). [٤٨] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، جميعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ)). في هذه الأحاديث: الوصية بالجار، بالحث على إكرامه، والإحسان إليه، وعدم إيذائه، وقد ورد ذلك في ثلاث جمل: ((فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ))، و ((فَلا يُؤْذِ جَارَهُ))، و ((فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ))، كل هذا يدل على عظم حق الجار وخطره.

стр. 116

وفيها: بيان أنه من أخل بواحدة من هذه الشعب والخصال نقص إيمانه وضعف. وإن المتأمل في حال الناس اليوم يجد أن إكرام الضيف في المدن يكاد يكون مفقودًا؛ لأن المدن الآن صارت فيها الكثير المطاعم، فلا يحتاج الغريب القادم إلى تلك المدن طلب الضيافة من أحد، بخلافه في القرى والبوادي؛ فإنه لا يزال موجودًا، فيأتي الضيف ويطرق الباب، فيدخله صاحب البيت، ويكرمه، ويضيفه- على الأقل- يومًا وليلة، وهي الضيافة الواجبة.

стр. 117

بَابُ بَيَانِ كَوْنِ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبَانِ [٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَهَذَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ، قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فِي قِصَّةِ مَرْوَانَ وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ. في هذا الحديث: دليل على أن إنكار المنكر واجب، وأن هذا الإنكار على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: باليد، والثانية: باللسان، والثالثة: بالقلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه أبو سعيد ﵁: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)). ولكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث أصحابُها الذين تجب عليهم، فلا يجوز لهم أن يتجاوزوها إلى مرتبة غيرها، وبيان ذلك كالآتي:

стр. 118

المرتبة الأولى: الإنكار باليد: وهي للسلطان، وعمَّاله، وكل من كان يستطيع التغيير باليد، ويدخل في ذلك رب البيت مع أهل بيته، فيجب عليه أن يغير المنكر بيده إذا رآه منهم. المرتبة الثانية: الإنكار باللسان: وهي لمن عنده علم أن هذا الأمر منكر، فعليه أن ينكره بلسانه، ولا ينتقل عن هذه المرتبة إلى مرتبة الإنكار بالقلب إلا إذا عجز عن الإنكار باللسان. المرتبة الثالثة: الإنكار بالقلب، بمعنى: أنه يكره هذا المنكر ويبغضه في قرارة نفسه، ولا يجالس أهله، فإن ابتلي بهم فليظهر علامة الإنكار عليه، من تعبيس الوجه وتقطيبه؛ حتى يُعلم أنه منكر لهذا الشيء، وهذا أضعف الإيمان. فمن لم ينكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه فإن إيمانه ضعيف، ويكون ناقصَ الإيمان مقرًّا للمنكر، وهو حينها كفاعل المنكر، وفاعل المنكر- كالزاني والسارق وشارب الخمر- إيمانه ضعيف، ومن أقره على منكره ولم ينكر عليه فهو مثله ضعيف الإيمان، وفي لفظ الحديث الآتي: ((وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ))، وليس معنى ذلك: أنه كافر ليس عنده إيمان، بل عنده أصل الإيمان، وإنما قُصَارى الأمر أن هذا هو أضعف الإيمان بالنسبة لدرجات الإنكار. وفي هذا الحديث: أن مروان بن الحكم قدم خطبة العيد على الصلاة، فأنكر عليه رجل، وقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد ترك ما هنالك، يريد أن يقول: إن الناس لا يجلسون هنالك، فهو يريد أن يُسمعهم الخطبة؛ لأنه إذا صلى صلاة العيد، ثم خطب، انصرف الناس، فقال أبو سعيد: ((أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ))، أي: أدى الواجب المفروض عليه. وأما حكم إنكار المنكر فله اعتباران، فإن كان المنكر في المسائل المتفق عليها، فقد قال العلماء: إنه فرض على الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط

стр. 119

الإثم عن الباقين، ودليله: قول الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾، وهذا متفق عليه، ولم يخالف في هذا إلا الرافضة، فقالوا: ليس بواجب (١)، ولا عبرة بخلافهم. وأما المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا قويا فقد ذهب العلماء إلى عدم الإنكار على صاحبها، كما لو رأيت شخصا يصلي وقد أكل لحم جزور ولم يتوضأ، فلا تنكر عليه؛ لأن المسألة خلافية بين أهل العلم، فقد يكون فاعل ذلك يرى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، أو مقلدًا لمن يرى ذلك. وأما إذا كان المنكر في المسائل المختلف فيها اختلافا ضعيفًا، ليس له حظ من النظر، فحينئذٍ يحب الإنكار.

стр. 120

[٥٠] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ- وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)). قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَحَدَّثْتُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَنْكَرَهُ عَلَيَّ، فَقَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَنَزَلَ بِقَنَاةَ، فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَعُودُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثْتُهُ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ صَالِحٌ: وَقَدْ تُحُدِّثَ بِنَحْوِ ذَلِكَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ. وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْخَطْمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ- مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا كَانَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ كَانَ لَهُ حَوَارِيُّونَ، يَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِهِ))، مِثْلَ حَدِيثِ صَالِحٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: قُدُومَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَاجْتِمَاعِ ابْنِ عُمَرَ مَعَهُ. في هذا الحديث: دليل على أن الأنبياء السابقين كان لكل واحد منهم حواريون وأصحاب، والحواري: الصاحب الناصح المخلص الصادق، ومن ذلك: قول النبي ﷺ : ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ)) (١)، فالزبير

стр. 121

رضي الله عنه من خواص النبي ﷺ ، وممن ناصره، ومنه الحواريون أصحاب عيسى ﵊، قال تعالى: ﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم﴾. وقوله: ((خُلُوفٌ))، أي: عقب فاسد، يقول تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات﴾، فالخَلْف بإسكان اللام: العقِب الفاسد، وأما الخلَف بفتحها: فهو العقب الصالح (١). وقوله: ((ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ))، أي: تخالف أقوالُهم أفعالَهم، ويفعلون ما لم يأمرهم الله تعالى به، ولا رسوله ﵊؛ لانحرافهم، فهم عصاة يجب الإنكار عليهم، كما قال النبي ﷺ : ((فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)). وفيه: دليل على أن إنكار المنكر نوع من الجهاد، فقد سمى النبي ﷺ إنكار المنكر جهادًا، وإنما يكون الجهاد باليد، ويكون الجهاد باللسان، ويكون الجهاد بالقلب، وأعلى مراتب الجهاد قتال أعداء الله في سبيل الله بالسيف، وكل ما يقوم مقامه من آلات الحرب في العصر الحديث.

стр. 122

بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِيهِ وَرُجْحَانِ أَهْلِ الْيَمَنِ فِيهِ [٥١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا يَرْوِي عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ: نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: ((أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هَا هُنَا، وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ)). [٥٢] حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْفِقْهُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)). قوله: ((هَا هُنَا))، يعني: أشار إلى جهة اليمن وجهة تهامة. وقوله: ((الفَدَّادِينَ)) بتشديد الدال جمع فداد، وهو من الفديد، وهو الصوت الشديد، فهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم ونحو

стр. 123

ذلك، أو الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم (١). وقوله: ((وَإِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ))، يعني: في قبائل المشرق، قبائل نجد وغيرها، فهؤلاء عندهم غلظةُ أصحابِ الإبلِ الفدادين. وقوله: ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً)) المراد بـ (اليمن): تهامة، وكل ما كان عن يمين الكعبة، ومِن ذلك سمي الركن اليماني، كما أن المراد بجهة تهامة: كل تهامة، وليس المراد الجهة الجغرافية المعروفة. والمراد بأهل اليمن في الحديث: خصوصُ من كانوا في ذلك الوقت، أما من جاء بعدهم فقد توجد الرقة فيهم إذا سلموا من الشبهات والشهوات وقبلوا الحق، وقد توجد فيهم القسوة، إذا لم يسلموا من ذلك، وأَبَوا قبول الحق واتباعه. وقد اختُلف في تحديد المقصود من ذِكر النبي ﷺ لأهل اليمن في الحديث، من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة، ثم من المدينة، على عدة أقوال: الأول: أنه أراد بذلك مكة؛ لأن مكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن. الثاني: أن المراد: مكة والمدينة؛ فإنه يروى أن النبي ﷺ قال هذا الكلام وهو بتبوك (٢)، ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة، فقال: ((الإيمَانُ يَمَانٍ))، ونسبهما إلى اليمن؛ لكونهما حينئذٍ إلى ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني، وهو بمكة؛ لكونه إلى ناحية اليمن. الثالث: ما ذهب إليه كثير من الناس، أن المراد بذلك: الأنصار؛ لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصارَه، ويرده قوله ﷺ ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ))، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك؛ فهم إذًا غيرهم.

стр. 124

والصواب: أن المراد بأهل اليمن: الوفود الذين وفدوا عليه في ذلك الوقت من اليمن، وهم أهل تهامة كلها، وليس المرادُ بلادَ اليمن الواقعة بين الحدود الجغرافية المعروفة الآن. ولا منافاة بين هذا الحديث، وبين قوله ﷺ : ((الإِيمَانُ فِي أَهْلِ الحِجَازِ))؛ لأن المرادَ بهؤلاء: الموجودون منهم حينئذٍ، لا كل أهل اليمن في كل زمان؛ فإنه لا يقتضيه، وهذا هو الحق- إن شاء الله- في هذه المسألة، ونحمد الله تعالى على هدايتنا له، والله أعلم. وقوله: ((الْفِقْهُ يَمَانٍ)) الفقه هنا عبارة عن الفهم في الدين، ثم اصطلح بعد ذلك الفقهاء والأصوليون على تخصيصه بـ: إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها (١). وقوله: ((الْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)) في المراد بالحكمة أقوالٌ كثيرة، وقد اقتصر كل قول على بعض صفات الحكمة، وقد صفي لنا منها: أن الحكمة عبارة عن العلم المقرون بالعمل، وهو قول النبي ﷺ في الحديث: ((لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا)) (٢). وقال النووي ﵀: ((قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، فهي حِكمة وحُكْمٌ، ومنه قول النبي ﷺ : ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)) (٣)، وفي بعض الروايات ((حُكْمًا)) (٤)، والله أعلم)) (٥). وفي الحديث- أيضًا-: منقبة لأولئك الذين قدموا على النبي ﷺ .

стр. 125

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْوَبَرِ)). وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ. في هذه الأحاديث: بيان أن السكينة في أهل الغنم، وهذا ملاحظ خاصة عند رعاة الغنم، وأما أهل الإبل وأهل الخيل فعندهم- في الغالب- كبر وخيلاء واستعلاء على عباد الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ، وَالإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ)). فتخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوقار بأهل الغنم، يدل على أن مخالطة الحيوان مما يؤثر في النفس، فتنتقل إليها هيئاتُ وأخلاقُ وطباعُ ذلك الحيوان المخالَط، فكلٌّ يرث من صفاتِ وطباعِ ما يرعاه ويخالطه؛ فلأجل ذلك ورث رعاة الغنم من صفاتها: الدعة والسكينة، وورث رعاة الإبل من صفاتها: الخيلاء والفخر. وقد ورد وصف أهل الخيل وأهل الإبل بروايتين: الأُولى: ((وَالْفَخْرُ

стр. 126

وَالْخُيَلَاءُ))، والثانية: ((والْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ))، وكلٌّ من هاته الصفات- أعني: الفخر والخيلاء والرياء- موجود- في الغالب- عند أهل الخيل وأهل الإبل. وقوله: ((أَهْل الْوَبَرِ)) المرد بهم: أهل الإبل؛ لأن ما يؤخذ من الإبل يسمى وبرًا، وما يؤخذ من الغنم يسمى صوفًا وشَعرًا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَضْعَفُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ، وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا، وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ، يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ)). وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح، وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ: وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَصْحَابِ الشَّاءِ. قوله: ((قِبَلَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ))، أي: الشرق، والمقصود: جهة الشرق كلها. وقوله: ((الشَّاء))، أي: الغنم.

стр. 127

[٥٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ)). في هذا الحديث: بيانُ أنَّ الإيمان في أهل الحجاز، والحديث الأول فيه أن الإيمان في أهل اليمن، ولا مانع من أن ينطبق هذا الوصف على أهل الحجاز، وأهل اليمن، ومكة، والمدينة؛ لأن الحجاز من اليمن. وفيه: أن الفتن تأتي من قِبَل المشرق، وفي اللفظ الآخر: ((أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا)) (١)، وأشار بيده إلى المشرق، حيث يطلع قرنا الشيطان. والمشرق يشمل: المشرق الأعلى، والمشرق الأدنى. فأما المشرق الأدنى: فهو نجد، ومنه جاءت الفتن؛ فارتد العرب، وارتدت بنو حنيفة- وهم من نجد-، وخرج منهم مسيلمة الكذاب، وصار لهم شوكة قوية، حتى كسرها أبو بكر ومن معه من الصحابة ﵃ يوم اليمامة (٢)، وكذلك ارتد طليحة الأسدي، وسجاح وادعيا النبوة وصار لهما أتباع، ولا شك أن هذا من أعظم الفتن. وأما المشرق الأقصى: فهو العراق وخراسان وما وراءها، وقد حصلت فيها فتن عظيمة، كفتن الفرق الضالة، من الجهمية، والمعتزلة وغيرهما، وكلهم خرجوا من هناك، وكذلك- أيضًا- الدجال يخرج من هناك، ويأجوج ومأجوج، كلهم من جهة المشرق، فكل هذا يشمل فتنة المشرق وداخل فيها.

стр. 128

وليس معنى ذلك أن بقية الجهات سالمة من الفتن، بل قد تكون الفتن في المغرب، وفي الشمال، وفي الجنوب، لكن ما ورد في هذه الأحاديث يدل على أن هذا هو الأغلب والأكثر، وهو أن تكون الفتن من جهة الشرق.

стр. 129

بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَأَنَّ مَحَبَّةَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ إِفْشَاءَ السَّلَامِ سَبَبٌ لِحُصُولِهَا [٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)). وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا))، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٍ. في هذا الحديث: دليل على أن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن؛ لقوله ﷺ : ((لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا))، وقد ثبت- أيضًا- عن النبي ﷺ أنه أمر مناديًا ينادي في بعض الغزوات: ((أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)) (١)، وكذلك أمر عليًّا ﵁ المؤذنين في السنة التاسعة أن يؤذنوا من مِنًى بأربع كلمات، ومنها: ((وَأَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)) (٢). وفيه: دليل على أن إفشاء السلام من أسباب المحبة، التي هي دليل على الإيمان، الذي هو سبب في دخول الجنة. والمحبة سبب في الإيمان، وسببها: إفشاء السلام، وإفشاء السلام من الإيمان، ومن خصال الإسلام والإيمان، فينبغي للمسلم أن يفشي السلام، ويسلم على كل أحد.

стр. 130

وإفشاء السلام: أن تسلم على من عرفت، ومن لم تعرف، وبعض الناس لا يسلم إلا على من يعرف، وذلك مخالف للسنة، وفي الحديث الآخر: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) (١)، وذلك إذا كنت في بلد من بلاد المسلمين، فَسَلِّمْ حتى تعلم أنه غير مسلم، فإذا عرفت أنه غير مسلم أو غلب على ظنك أنه ليس من المسلمين فلا تبدأه بالسلام؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ((لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)) (٢). وفيه: دليل على أن الفُرقة تدل على عدم المحبة، ومن ذلك عدم إفشاء السلام؛ فإنه يؤدي إلى التهاجر والتقاطع.

стр. 131

بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ [٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)). حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ- سَمِعَهُ وَهوُ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. هذا حديث عظيم، ومن أفراد مسلم، رواه أبو تميم الداري ﵁، وليس له إلا هذا الحديث. وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﵊، لو كتب شرحه في مجلدات لكان حريًّا بذلك. قال النووي ﵀ عن هذا الحديث: ((هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام- أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام- فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده)) (١).

стр. 132

وقوله: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) النصيحة من النصح، والنصح في الأصل: خلوص الشيء وصفاؤه، وأصله مأخوذ من: نَصَحَ الإنسانُ الثوبَ إذا خاطه، ويقال: ذهب خالص إذا لم يكن فيه غش، ويقال: عسل خالص إذا لم يكن فيه شمع (١). وهذه كلمة عظيمة جامعة، تشمل الدين كله، ككلمة الفلاح، فهي كلمة عامة تشمل خير الدنيا والآخرة؛ ولهذا عممها النبي ﷺ لما سئل: ((لِمَنْ))؟ قال: ((لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)). فالنصيحة لله: بتوحيده، وإخلاص العبادة له، والإيمان به وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأداء حقه. والنصيحة لكتاب الله: بالإيمان به، وتلاوته، وتدبره، والعمل بما فيه، وتنفيذ أحكامه، وتصديق أخباره، والاتعاظ بمواعظه. والنصيحة للرسول ﷺ : بالإيمان به ﷺ ، وتصديقه ﵊ في أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد لله بما شرعه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . والنصح لأئمة المسلمين: وهم ولاة الأمور، بمحبة الخير لهم، وإسداء النصيحة لهم، وتنبيههم على أمور الخير، وتحذيرهم من أسباب الشر، وتبليغهم المظالم حتى ينصفوا المظلوم من الظالم، وموالاتهم، وعدم الخروج عليهم، فكل هذا من النصح لهم. وأما النصح لعامة المسلمين: فتكون بأن يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر، وبأن يعظ الجاهل، ويطعم الجائع، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلى غير ذلك. والدين إذا أطلق يشمل الإيمان، وهذا هو الشاهد لذكر الإمام مسلم ﵀

стр. 133

له في كتاب الإيمان، فالنصيحة من الإيمان، ومن الدين، ومن الإسلام، فالنصيحة إيمان وإسلام ودين، كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل لما ذكر مراتب الإيمان، والإسلام، والإحسان: ((أَتَاكُمْ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ))، فسماه دينًا، فالدين يشمل: الإيمان، والإسلام، والإحسان. والدين إذا أطلق يشمل الأقوال والأفعال، ويشمل الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة. [٥٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ. قوله: ((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ) هذه بيعة خاصة، حيث بايع النبي ﷺ جريرًا ﵁ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، فأعمال الجوارح هذه من الإيمان؛ فالإيمان كما يطلق على أعمال القلوب، يطلق- أيضًا- على أعمال الجوارح، وهذا هو الشاهد من إيراد الإمام مسلم لهذا الحديث في كتاب الإيمان، فإذا قصر الإنسان في إقامة الصلاة، أو في إيتاء الزكاة، أو قصر في النصيحة- ضعف إيمانه، ونقص.

стр. 134

وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ بايع جريرًا ﵁: ((عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ))، أي: على أن يطيع ولاة الأمور في طاعة الله، ولا يخرج عليهم، كما جاء في الحديث الآخر: ((اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)) (١)، وفي حديث آخر لأبي ذر ﵁: ((إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ)) (٢)، يعني: في طاعة الله ، وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد؛ لقول النبي ﷺ : ((لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) (٣). وفيه: أن النبي ﷺ لقَّن جريرًا ﵁ بعد أن بايعه على السمع والطاعة لولاة الأمور- كلمةَ: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُ))، وهذا القيد لا بد منه؛ لأن الإنسان لا يُكَلَّف إلا ما يستطيع، وقد دل على هذا القيد نصوصٌ أُخَرُ، مثل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقوله ﵊: ((إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم)) (٤). والولاية إذا أُطلقت قُصد بها الولاية العامة ابتداءً، كولاية الأب والزوج. فولي الأمر- مطلقًا- يطاع فيما أَمر به من طاعة الله، كما يطاع في المباحات، ولا ينفذ أمره في معصية الله، كما إذا أمر مَن كان تحت ولايته بشرب الخمر، أو بقتل مسلم بغير حق، فإنه لا يطاع؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)) (٥).

стр. 135

مسألة: هل يطاع ولي الأمر في المسائل المختلف فيها؟ إذا كان الأمر مختلفًا فيه، وأمر ولي الأمر به، فيجب طاعته في هذا الأمر؛ لأنه اختار أحد القولين، فحكم القاضي والحاكم يرفع الخلاف. مثل تارك الصلاة كسلًا: اختُلف فيه، هل هو كافر أم ليس بكافر؟ ثم رُفع شخص تارك للصلاة للقاضي، فحكم عليه بأنه مرتد، وقتله، فهنا ارتفع الخلاف.

стр. 136

بَابُ بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي، وَنَفْيِهِ عَنِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْيِ كَمَالِهِ [٥٧] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولَانِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ))، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُلْحِقُ مَعَهُنَّ: وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي))، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، يَذْكُرُ مَعَ ذِكْرِ: النُّهْبَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ذَاتَ شَرَفٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِلَّا: النُّهْبَةَ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ: النُّهْبَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: ذَاتَ شَرَفٍ. وَحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا

стр. 137

عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ- مَوْلَى مَيْمُونَةَ- وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّ هَؤُلَاءِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّ الْعَلَاءَ وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ، وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ: يَرْفَعُ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا، وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ، وَزَادَ: وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَإِيَّاكُمْ، إِيَّاكُمْ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ)). حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَفَعَهُ- قَالَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ. قوله: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) النفي هنا لكمال الإيمان، وليس نفيًا لأصله، فالزاني يُنفى عنه الإيمان، وكذا السارق، وشارب الخمر، ومن انتهب نهبة، فهؤلاء عندهم أصل الإيمان، فلا نقول عن أحدهم: إنه مؤمن بإطلاق، كما لا نقول: إنه ليس بمؤمن، بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. وعند النفي نقول: ليس بصادق الإيمان، أو ليس بمؤمن حقًّا، ولا نقول:

стр. 138

ليس بمؤمن، ونسكت؛ لأنك إذا قلت: ليس بمؤمن، فأطلقت النفي فقد وافقت الخوارج والمعتزلة، وإذا قلت: مؤمن، فأطلقت الإثبات وافقت المرجئة، فلا بد من القيد فتقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن ضعيف الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. والذي يدل على أن معهم أصل الإيمان: أن الزناة والسُّرَّاق لا يُقتلون، ولو كان هؤلاء مرتدين لوجب قتلهم؛ لقول النبي ﷺ : ((مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)) (١). وقوله: ((لَا يَغُلُّ)): الغُلُول هو: الأخذ من الغنيمة قبل القسمة، ومثلها الأخذ من بيت المال، أو من الصدقات التي تُجمع (٢)، ومن فعل هذا نقص إيمانُه. وقوله: ((وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ)) من فضل الله وإحسانه أن التوبة معروضة للعاصي وغيره، حتى الكافرُ معروضةٌ له، إذا تاب قبل الموت تاب الله عليه.

стр. 139

بَابُ بَيَانِ خِصَالِ الْمُنَافِقِ [٥٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ. [٥٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُهَيْلٍ نَافِعُ ابْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ- مَوْلَى الْحُرَقَةِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلَاثَةٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ)). حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زُكَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)). وَحَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ التَّمَّار وَعَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَلَاءِ، ذَكَرَ فِيهِ: ((وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى، وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)).

стр. 140

قوله: ((آية))، أي: علامة. وقوله: ((إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ))، يعني: ديدنه وعادته الكذب في الحديث. وقوله: ((وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ))، أي: دأبه إخلاف الوعد، وعدم الوفاء به. في هذه الأحاديث: بيان خصال النفاق، فالحديث الأول ذكر أربع خصال، والحديث الثاني ذكر ثلاث خصال، فمجموع الحديثين فيهما ذِكرُ خمس خصال من خصال المنافقين. وفيها: أن الفجور في الخصومة، والخيانة في الأمانة، والغدر في العهود كذلك من خصال المنافقين، وهي معاصٍ، وهذه المعاصي من النفاق العملي، وهي تجر صاحبها إلى النفاق الأكبر، فمن كانت فيه خصلة منهن كان ذلك دليلًا على ضعف إيمانه، ونقصه، وهذا هو الشاهد من إيراد هذه الأحاديث في كتاب الإيمان. وقوله: ((كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا))، وقوله: ((وَإِذَا كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا)) قال العلماء: المعنى: أن كل واحدة من هذه الخصال معصية، وكذلك إذا اجتمعت، لكن في الغالب إذا اجتمعت هذه الخصال في صاحبها، واستحكمت منه، وكملت فيه- جرَّته إلى النفاق الأكبر، وهو نفاق الاعتقاد، وهو كفر، والعياذ بالله. والنفاق في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاق الأكبر: هو نفاق الاعتقاد، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويبطنَ ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أن أهله في الدرك الأسفل من النار. الثاني: النفاق الأصغر: وهو نفاق العمل، وهو أن يظهر الإنسان علانية صالحة، ويبطن ما يخالف ذلك، وأصول هذا النفاق يرجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث.

стр. 141

وقوله: ((وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)) دليل على أنه مسلم معه أصل الإسلام، لكن يعتبر ضعيفَ الإيمان والإسلام.

стр. 142

بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِرُ [٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)). وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)). قوله: ((وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ))، وفي لفظ الحديث الآتي: ((إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ))، أي: رجع عليه، وهذا فيه وعيد شديد لمن كفَّر أخاه، بأن قال له: يا كافر، أو: يا مشرك، أو: يا يهودي، ومثله: قوله: يا خبيث، أو: يا فاسق، فإن كان أهلًا لذلك وقعت المقالة على المقول له، وإن لم يكن أهلًا لها رجعت على الذي قالها. وهذا الحكم إذا كفر المسلم أخاه بغير تأويل، أما إذا كان بتأويل فهو مستثنى من ذلك، ودليله: قول عمر بن الخطاب ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما كتب كتابه لكفار قريش: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)) (١)، فعمر بن الخطاب ﵁ أطلق عليه اسم النفاق متأولًا. وكذلك: ما حصل في قصة الإفك، لما خطب النبي ﷺ قال: ((مَنْ

стр. 143

يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَواللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي))، فقام سعد بن معاذ ﵁، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا- واللهِ- أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، واللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ (١). فهذا من باب التأويل الذي لا يدخل في الوعيد. وهذا الحديث يدل على أن قول الرجل لأخيه: ياكافر، من كبائر الذنوب، فإذا قال ذلك لأخيه دون سبب فهو ضعيف الإيمان؛ لأنه مرتكب لكبيرة، وهذا هو وجه إيراد هذا الحديث في كتاب الإيمان.

стр. 144

بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ [٦١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)). في هذا الحديث: الوعيد لمن ادعى لغير أبيه، أي: انتسب لغيره. وقوله: ((إِلَّا كَفَرَ)) الكفر كفران: أكبرُ: وهو المخرج لصاحبه من الملة، وهو الذي يتضمن ناقضًا من نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالدين، أو سبِّ الله، أو كتابه، أو رسوله ﷺ ، أو دينه. وأما إذا أطلق الكفر على المعصية- كما في هذا الحديث- فيكون كفرًا أصغرَ، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه وعيد على معصية، مثل: قوله ﷺ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا))، فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب. وقوله: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ)) هذا قيد في تحقق الكفر وعدمه، فمن انتسب لغير أبيه وهو يعلم كفر كفرًا أصغر، لا يخرجه من الملة، ومن انتسب لغيره وهو لا يعلم، لم يكفر. يقول النبي ﷺ : ((لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ)) (١)، أي: لا حلف

стр. 145

على الأشياء التي كانت في الجاهلية، مثل: الانتساب، والتوارث، وقد كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيأتي الرجل يحالف الرجل، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أنهى هذا النوع من التحالف، وصار عقد الإسلام كافيًا. وقد يترتب على الانتساب إلى غير الأب مفاسدُ عظيمة، لها تعلق بالمحارم، والرضاع، والمصاهرة، والميراث، وغير ذلك، كاستحقاقِ أشياءَ لا يستحقها من انتسب لغير أبيه، واطلاعه على محارم لا يحل له الاطلاع عليها. وقوله: ((وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا))، أي: من المسلمين، وبعض أهل العلم ألحق صيغة ((فَلَيْسَ مِنَّا)) بالكبائر، وكذلك ما نفى فيه النبي ﷺ الإيمانَ عن صاحبه. وأصح ما قيل في ضابط الكبيرة: إنها كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة بالنار، أو اللعنة، أو الغضب (١). وقوله: ((إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ))، أي: إلا رجع عليه، وهذا وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر. [٦٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ)). قوله: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ))، يعني: الانتساب إلى غير الأب، ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ)) فقد أتى بعمل من الأعمال الكفرية، فهذا من كفر الإحسان، وجحد نعمة الوالدين، وهذا وجه إدخاله في كتاب الإيمان، كما مر في الأحاديث السابقة.
следующие страницы →