وقوله: ((وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ)) دليل على أنه مسلم معه أصل الإسلام، لكن يعتبر ضعيفَ الإيمان والإسلام.
стр. 142
بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: يَا كَافِرُ
[٦٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)).
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)).
قوله: ((وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ))، وفي لفظ الحديث الآتي: ((إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ))، أي: رجع عليه، وهذا فيه وعيد شديد لمن كفَّر أخاه، بأن قال له: يا كافر، أو: يا مشرك، أو: يا يهودي، ومثله: قوله: يا خبيث، أو: يا فاسق، فإن كان أهلًا لذلك وقعت المقالة على المقول له، وإن لم يكن أهلًا لها رجعت على الذي قالها.
وهذا الحكم إذا كفر المسلم أخاه بغير تأويل، أما إذا كان بتأويل فهو مستثنى من ذلك، ودليله: قول عمر بن الخطاب ﵁ لحاطب بن أبي بلتعة ﵁ لما كتب كتابه لكفار قريش: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)) (١)، فعمر بن الخطاب ﵁ أطلق عليه اسم النفاق متأولًا.
وكذلك: ما حصل في قصة الإفك، لما خطب النبي ﷺ قال: ((مَنْ
стр. 143
يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَواللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي))، فقام سعد بن معاذ ﵁، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا- واللهِ- أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَكَ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ- وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ- فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَقَالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ، واللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ (١). فهذا من باب التأويل الذي لا يدخل في الوعيد.
وهذا الحديث يدل على أن قول الرجل لأخيه: ياكافر، من كبائر الذنوب، فإذا قال ذلك لأخيه دون سبب فهو ضعيف الإيمان؛ لأنه مرتكب لكبيرة، وهذا هو وجه إيراد هذا الحديث في كتاب الإيمان.
стр. 144
بَابُ بَيَانِ حَالِ إِيمَانِ مَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ
[٦١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)).
في هذا الحديث: الوعيد لمن ادعى لغير أبيه، أي: انتسب لغيره.
وقوله: ((إِلَّا كَفَرَ)) الكفر كفران: أكبرُ: وهو المخرج لصاحبه من الملة، وهو الذي يتضمن ناقضًا من نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالدين، أو سبِّ الله، أو كتابه، أو رسوله ﷺ ، أو دينه.
وأما إذا أطلق الكفر على المعصية- كما في هذا الحديث- فيكون كفرًا أصغرَ، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه وعيد على معصية، مثل: قوله ﷺ : ((أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا))، فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب.
وقوله: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ)) هذا قيد في تحقق الكفر وعدمه، فمن انتسب لغير أبيه وهو يعلم كفر كفرًا أصغر، لا يخرجه من الملة، ومن انتسب لغيره وهو لا يعلم، لم يكفر.
يقول النبي ﷺ : ((لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ)) (١)، أي: لا حلف
стр. 145
على الأشياء التي كانت في الجاهلية، مثل: الانتساب، والتوارث، وقد كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيأتي الرجل يحالف الرجل، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أنهى هذا النوع من التحالف، وصار عقد الإسلام كافيًا.
وقد يترتب على الانتساب إلى غير الأب مفاسدُ عظيمة، لها تعلق بالمحارم، والرضاع، والمصاهرة، والميراث، وغير ذلك، كاستحقاقِ أشياءَ لا يستحقها من انتسب لغير أبيه، واطلاعه على محارم لا يحل له الاطلاع عليها.
وقوله: ((وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا))، أي: من المسلمين، وبعض أهل العلم ألحق صيغة ((فَلَيْسَ مِنَّا)) بالكبائر، وكذلك ما نفى فيه النبي ﷺ الإيمانَ عن صاحبه.
وأصح ما قيل في ضابط الكبيرة: إنها كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة بالنار، أو اللعنة، أو الغضب (١).
وقوله: ((إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ))، أي: إلا رجع عليه، وهذا وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر.
[٦٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ)).
قوله: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ))، يعني: الانتساب إلى غير الأب، ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ)) فقد أتى بعمل من الأعمال الكفرية، فهذا من كفر الإحسان، وجحد نعمة الوالدين، وهذا وجه إدخاله في كتاب الإيمان، كما مر في الأحاديث السابقة.
стр. 146
[٦٣] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ- يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ وأبي بكرة، كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: ((مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ- وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ)).
في هذا الحديث: أن زيادا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه زياد ابن أبيه، وكان أميرًا على العراق في زمن معاوية ﵁، ثم ادعاه معاوية وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁.
وفيه: أن أبا عثمان قال لأبي بكرة: ((مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ )) - لأن زيادًا هو أخو أبي بكرة لأمه- أي: نسبتم زيادًا إلى غير أبيه، فقلتم: زياد بن أبي سفيان، قال النووي ﵀: ((ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكارُ أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، وكان أبو بكرة ﵁ ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا، وحلف أن لا يكلمه أبدًا، أو يكون مراده بقوله: (ما هذا الذي صنعتم؟ )، أي: ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته! ؛ فإن النبي ﷺ حرَّم على فاعله الجنة)) (١).
стр. 147
بَابُ بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ
[٦٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ))، قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ يَرْوِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ قَوْلُ زُبَيْدٍ لِأَبِي وَائِلٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
الفسق في اللغة: الخروج، والمراد به في الشرع: الخروج عن الطاعة (١).
وفي هذا الحديث: الوعيد الشديد على قتال المؤمن، وأنه من الأعمال الكفرية.
وقوله: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ))، أي: سبابه بدون حق، أما إذا سبه، ثم رد عليه سُبَّتَه فله ذلك، لكن إذا عفا فهو أفضل، كما بين الله تعالى بقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
стр. 148
فإذا قال له: يا فاسق، ثم رد عليه سُبَّتَه، فهذا معذور، وإذا زاد وقال: يا فاسق، أخزاك الله، فالكلمة الثانية ظلم، يؤاخذ بها، كما جاء في قوله ﷺ : ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ)) (١)، يعني: أن المتسابَّين على ما قالا، فالأول هو الظالم، وهو المعتدي، فإذا رد الثاني عليه السب فقد اقتص، أي: أخذ بحقه، فإذا اعتدى المظلوم وزاد صار مؤاخذًا بتلك الزيادة.
هذا يوم النحر بمنى في حجة الوداع.
وفي هذا الحديث: بيان حكم القتال بين المسلمين، وأنه كفر دون كفر، فهو من كبائر الذنوب، وهذا إذا كان القتال من أجل هوًى، أو مشاحناتٍ، أو تأوُّلٍ، ولم يُستحَلَّ، قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، فسماهم (مؤمنين) وهم يقتتلون، ثم قال بعد ذلك: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.
أما إذا استحَلَّ شخصٌ قتالَ المسلمين ففعله هذا كفر وردة.
وفيه: رد على المرجئة الذين يقولون: إن الكفر في مثل هذه المواضع مجازي، والمرجئة لا يقسمون الكفر إلى أصغر، وأكبر، بل عندهم الكفر قسم واحد فحسب، هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويجيبون عن هذه الأحاديث بأن تسمية الكفر فيها تسمية مجازية (١)، وهذا غلط؛ لأن القرآن ليس فيه مجاز، فالكفر في القرآن حقيقي، لكن في مثل هذه المواضع المراد به: الكفرُ الأصغرُ غيرُ الناقل من الملة.
стр. 151
بَابُ إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
[٦٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)).
قوله: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ)) هاتان الثنتان من الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة؛ لأنهما معصيتان، والوعيد إذا كان على المعصية فالكفر يكون أصغر، كما مر.
وقوله: ((الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ))، يعني: عيب الأنساب، وتنقُّصها، وذمها، والله تعالى بيَّن أنه جعل الناس شعوبًا وقبائل؛ ليتعارفوا، لا ليتفاخروا، ولا ليذم بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير﴾، فذمُّ الأنساب من أعمال أهل الجاهلية.
قوله: ((وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)) هو رفع الصوت بالبكاء على الميت، والصياح، والعويل، فهذا هو الممنوع، أما البكاء بدمع العين، فهذا لا يلام عليه الإنسان؛ لهذا بكى النبي ﷺ على أحد أولاد بناته لما توفي (١)، وقال-أيضًا- ﵊ لما مات ابنه إبراهيم-: ((إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) (٢).
стр. 152
بَابُ تَسْمِيَةِ الْعَبْدِ الآبِقِ كَافِرًا
[٦٨] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ))، قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ- وَاللَّهِ- رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَا هُنَا بِالْبَصْرَةِ.
[٦٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).
[٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ)).
قوله: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ))، يعني: شرد وهرب، والمراد بالعبد: المملوك الذي يباع ويشترى، والعبيد كانوا موجودين لما كان المسلمون أقوياء، يقاتلون الكفرة وينتصرون عليهم، ويسترقون نساءهم، وأطفالهم، وكذلك رجالهم.
وفي هذا الحديث: الوعيد الشديد للعبد المملوك إذا هرب من سيده؛ لأنه تجب عليه طاعته، وليس له أن يهرب منه.
وقول منصور بن عبد الرحمن: ((وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَا هُنَا بِالْبَصْرَةِ)) معناه: أنه كان يكره أن يحدِّث بهذا الحديث بالبصرة؛ خوفًا من أن يتعلق به الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعاصي، فإذا سمعوا هذا الحديث صار حجة لهم على باطلهم في تكفير المسلمين بالمعاصي.
стр. 153
وقوله: ((لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ))، أي: أنه لا يثاب عليها، لكن صلاته صحيحة، فلا يؤمر بالإعادة، مثل قوله ﵊: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا)) (١).
وقوله: ((أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ))، أي: أن الناس انقسموا إلى قسمين بعد نزول هذا المطر، فمنهم مؤمن، ومنهم كافر.
وقوله: ((مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا))، قال النووي ﵀: ((وأما النَّوء ففيه كلام طويل، قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ فقال: النَّوْءُ في أصله ليس هو نفسَ الكوكب؛ فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءًا، أي: سقط وغاب، وقيل: أي نهض وطلع ... وكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما، وقال الأصمعي: إلى الطالع منهما ... ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوءًا، تسمية للفاعل بالمصدر)) (١).
وفي هذا الحديث: أنه إذا نُسب المطر إلى النجوم، والأنواء، فهذا من الأعمال الكفرية.
والحكم فيمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، لا يخلو:
- إما أن يعتقد أن النجم له تأثير في إنزال المطر، وأنه هو الذي يتصرف في ذلك، فهذا شركٌ أكبرُ مخرج من الملة.
- وأما إذا كان يعتقد أن المدبر هو الله، ومنزل المطر هو الله، وأما النجم فهو سبب في ذلك- فهذا كفر أصغر، وهكذا إذا قال: مُطرنا بنوء كذا أو بنجم كذا، بالباء.
- أما إذا قال: مطرنا في نوء كذا، أو في نجم كذا، أي: في وقت كذا، فهذا لا بأس به.
وقوله: ((أَلَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ))، يعني: أن القول لله تعالى لفظًا ومعنًى، فالحديث القدسي من الله لفظًا ومعنًى.
وقوله: ((لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ))، المراد بالأنصار في الحديث: الأوس والخزرج، سماهم رسول الله ﷺ بذلك؛ لأنهم نصروا الله ورسوله، ونصروا دينه ، فصار هذا الاسم علمًا عليهم دون غيرهم، وإن كان من شاركهم في معنى ذلك ممن نصر دين الله في كل زمان ومكان، كالعلماء، والدعاة، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كلٌّ بقسطه.
فإذا أبغضهم المرءُ لدينهم فهذا لا إيمان عنده، وأما إذا أبغضهم لشيء آخر فهذا قد لا يكون كفرًا أكبر، قال الحافظ ابن حجر ﵀: ((إن الحديث محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة- وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ أَثَّر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويُقرِّب هذا الحملَ زيادةُ أبي نعيم في المستخرج في حديث البراء بن عازب: ((مَنْ أَحَبَّ الأَنْصَارَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَ الأَنْصَارَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ)) (١) ... ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير، فلا يراد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده)) (٢).
стр. 159
[٧٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. ح، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زِرٍّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: ((أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِق)).
قوله: ((وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ)): فَلَقَ الحَبَّةَ، أي: شقها بالنبات، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، أي: خلق كُلَّ ذات فيها روح.
وفي هذا الحديث: بيان أن حب علي ﵁ دليل على الإيمان، وبغضه دليل على النفاق، وكذلك بقية المهاجرين، وبقية الصحابة من الأنصار، والمهاجرين.
والرافضة يبغضونهم، ويسبونهم؛ ولهذا يدخل النفاق الاعتقادي فيهم.
وقوله: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ))، يعني: السباب، والشتم.
وقوله: ((وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ)) العشير، بمعنى: المعاشِر، وهذا كفر الإحسان، إذا أحسن إليها الدهر، ثم رأت منه شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.
وقوله: ((فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ ! )) هذا يدل على وفور عقلها؛ حيث إنها سألت عن سبب كون النساء أكثرَ أهل النار، وذلك يعني: أنها تريد أن تعرف السبب لتتجنبه.
وقوله ﷺ : ((وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ))، يعني: مع كونها ناقصة عقل ودين، إلا أنها تأخذ بلب الرجل الحازم العاقل.
وقد بيَّن لهن النبي ﷺ وجه نقصان عقلهن، بأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، قال تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾.
كما بين لهن النبي ﵊ وجه نقصان دينهن، بأن إحداهن تمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان إذا جاءها الحيض، وهذا النقصان لا حيلة فيه.
وفي هذا الحديث: أمرُ النبي ﷺ للنساء بالصدقة.
وفيه: دليل على أن الصدقة تخفف العقوبة، وتدفع وهجَ النار ولهيبها؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((تَصَدَّقْنَ))، ثم بيَّن ذلك السبب، فقال: ((فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلَ النَّارِ))؛ لأن النساء يتعرضن لأسباب دخول النار أكثر.
وفيه: ما يدل على أن نقصان الدين يكون بنقص الأعمال، وهذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.
وفيه: الرد على المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص.
فهو كافر بإجماع المسلمين (١)، أما إذا تركها كسلًا، وتهاونًا، ويعلم أنها واجبة، فهذا كفر على الصحيح من أقوال العلماء؛ لأن النبي ﷺ جعل الصلاةَ الحدَّ الفاصلَ بين الكفر وبين الإيمان، والبينية تفصل بين الشيء، وبين الآخر، وهذا الذي أجمع عليه الصحابة، كما نقل الإجماع عبد الله بن شقيق ﵀ (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣)، وابن حزم ﵀ (٤)، ونقله غيرهم من العلماء، وهو الذي تدل عليه النصوص الكثيرة، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم.
وقال بعض أهل العلم (٥): إنه كافر كفرًا أصغر، لا يخرج من الملة، لكن هذا القول ضعيف.
والصواب: أن ترك الصلاة كفر أكبر، ولو لم يجحد وجوبها.
ومن الأدلة على أنه من الكفر الأكبر: مجيء الكفر معرفًا بـ (أل)؛ لأن (أل) للاستغراق، أما الكفر الأصغر فيأتي منكَّرًا، مثل ما سبق: ((اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ)).
стр. 164
بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ الأَعْمَالِ
[٨٣] وَحَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي: ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ)) قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ))، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
هذا الحديث فيه: بيان أن أفضل الأعمال هو الإيمان بالله ورسوله، وهو التصديق والاعتراف بربوبية الله، ووحدانيته، وألوهيته، وأنه مستحق للعبادة، وهذا أفضل الأعمال، وهو أساس الدين، وأساس الملة، وهو إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، ثم يتبعها عمل الجوارح، وعمل القلب اعتراف يتمِّمه المحبة، والانقياد، والنية، والإخلاص، فهذا أفضل الأعمال، ثم يليه الجهاد في سبيل الله، ثم يليه الحج المبرور، وهو الذي ليس فيه إثم.
وقُدِّم الجهاد في سبيل الله على الحج لأن نفعه متعدٍّ؛ إذ به تصان الحرمات، وبه يذاد عن الإسلام وأهله، وبه تعلو كلمة الله ، ثم يليه الحج؛ لأن الحج نفعه قاصر؛ فلذلك قُدِّم الجهاد على الحج.
стр. 165
[٨٤] حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ))، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا))، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: ((تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالَ عبد: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَبِيبٍ- مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ- عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَتُعِينُ الصَّانِعَ، أَوْ تَصْنَعُ للأَخْرَقَ)).
قوله: ((أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قال: الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ)) فجعل الإيمان عملًا، وهو عمل قلبي، ويتبعه أعمال الجوارح؛ ولهذا قال: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ))، فالإيمان هو أساس الدين، وأساس الملة، وليس إقرارًا باللسان فقط، وإنما هو إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، ويتبعه عمل القلب، وعمل الجوارح.
وقوله: ((وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ))، أي: لما فيه من النفع المتعدي، وإعلاء كلمة الله ، والذود عن الإسلام وأهله، وصيانة حرمات الإسلام.
وقوله: ((قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا)) الرقاب جمع رقبة، والرقبة هي: العبد الذي يُعتَق، يقال له: رقبة، كما قال الله : ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة﴾
стр. 166
يقتحم بها الإنسان العقبة- وهي النار- بهذه الأعمال الصالحة.
وقوله: ((أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا)) هذا أفضل ما يعتق من الرقاب، كلما كانت الرقبة نفيسة، وثمنها كثير كلما كانت أفضل، وكذلك الأضحية أو غيرها أفضلها أنفسها وأغلاها عند أهلها.
وقوله: ((تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ))، أي: تعين الصانع صاحب الصنعة، فقد قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ فتساعد صاحب المهنة؛ أيَّ مهنة، سواء كانت تجارة، أو حدادة، أو خرازة، أو خياطة.
والأخرق هو الذي ليس بصانع، ولا يحسن الصنعة، يقال له: أخرق، يعني: لا يعرف شيئًا.
فالأخرق تقوم له بكل العمل، وأما الصانع إذا كان يعرف وعنده بصيرة ويحتاج إلى مساعدة، فتساعده.
وقوله: ((تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ))، أي: حينما تكف الأذى والشر عن الناس، فلا يأتيهم منك أذى، لا بالقول، ولا بالفعل- تكون صدقة تصدقت بها عن نفسك، حيث لم تحمِّلها الآثام والأوزار.
[٨٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِيَاسٍ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، فَمَا تَرَكْتُ أَسْتَزِيدُهُ، إِلَّا إِرْعَاءً عَلَيْهِ.
هذا الحديث فيه: دليل على فضل الصلاة في وقتها، وأنها أفضل الأعمال؛ لأنها أفضل الفرائض وأوجب الواجبات بعد الإيمان بالله ورسوله ﷺ .
стр. 167
وأداء الصلاة في وقتها من أفضل الأعمال، وكذلك يدخل في هذا أداؤها في الجماعة للرجل القادر.
وفي الحديث السابق قدم الجهاد على الحج، وهنا قدم بر الوالدين على الجهاد؛ وذلك لأن بر الوالدين فرض، بخلاف الجهاد في سبيل الله ، فقد يكون فرضًا، وقد يكون نفلًا، والأصل أنه مستحب إلا في حالات ثلاث:
الأول: إذا داهم العدو بلاد المسلمين، صار فرضًا على كل أحد.
الثاني: إذا استنفر الإمام طائفة أو شخصًا صار فرضًا عليه.
الثالث: إذا وقف في الصف.
ففي هذه الحالات الثلاث يكون الجهاد فرضًا، وما عداها يكون نفلًا، بخلاف بر الوالدين فهو فرض في كل حال؛ ولهذا قدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، وما كان فرضًا في جميع الأحوال مقدم على ما كان فرضًا في بعض الأحوال، ثم إن هذه الحالات الثلاث ليست على كل أحد، بخلاف بر الوالدين فهو فرض على كل أحد؛ ولهذا جاء في الحديث الآخر لما جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد قال: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ )) قَالَ: نَعَمْ، قال: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)) (١)، فدل على أن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله؛ لأنه فرض في جميع الأحوال.
وترتيب أفضل الأعمال عند الله في هذين الحديثين كالتالي:
الإيمان بالله ورسوله ﷺ .
ثم الصلاة على وقتها.
ثم بر الوالدين.
ثم الجهاد في سبيل الله.
ثم الحج المبرور الذي ليس فيه إثم، ولا كبيرة.
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ- أَوِ الْعَمَلِ-: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ)).
هذا الحديث فيه: الجمع بالواو، والواو لا تقتضي الترتيب، ولكن العمدة على الأحاديث السابقة في الترتيب.
стр. 170
بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحُ الذُّنُوبِ، وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ
[٨٦] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ))، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)).
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ))، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
قوله: ((أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ))، والند هو المثيل، فالندية لله هي: أن تجعل له مثيلًا في الربوبية، أو في الأسماء والصفات، أو في الألوهية، ((وَهُوَ خَلَقَكَ))، أي: أنه يدعي أن هناك مدبرًا مع الله، أو أن هناك خالقًا أو محييًا أو مميتًا، ويجعل لله نديدًا في الأسماء والصفات، أو يجعل لله ندًّا في العبادة، يدعوه من دون الله، أو يذبح له، أو ينذر له، فهذه أعظم الذنوب، وأشدها، وأكبرها، وهو الذنب الذي إذا لقي الإنسان ربه به فإنه لا يغفر له، وليكونن
стр. 171
من أهل النار، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، والجنة على صاحبه حرام، قال تعالى: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾.
والشرك أعظم الذنوب؛ لأن الإنسان بصرفه العبادة لغير الله، حينها يسوي الكامل- وهو الرب بالناقص- وهو المخلوق- وهذا أعظم الذنوب.
وحينما يعبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، فوقع في أعظم الظلم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وأشده وأعظمه أن توضع العبادة في غير محلها.
فالعبادة محلها واستحقاقها للرب ، فهو المستحق للعبادة، وإذا صرفها العبد لغيره وقع في أعظم الظلم، وأعظم الذنب، وهو الذنب الأكبر، وهو الشرك الذي لا يُغْفَر.
وقد يكون التنديد شركًا أصغر، كما لو قال: ما شاء الله وشئت، وحلف بغير الله، فهذا تنديد أصغر، لا يخرج من الملة.
وقوله: ((ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)) قتل الولد خشية النفقة من أعظم الذنوب؛ لأنه جمع ذنوبًا عداة:
أولًا: أنه قَتْلٌ بغير حق.
ثانيًا: أن فيه قطيعة رحم.
ثالثًا: أن فيه سوء ظن بالله ؛ لأنه قتله من أجل ألا يطعم معه.
وقوله: ((ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ))، أي: زوجة الجار، وهذا أعظم الذنوب؛ لأنه جمع شرَّين: الشر الأول: الزنا، والشر الثاني: إيذاء الجار، وإلحاق الضرر به، وجاء في الحديث الآخر: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ ))، قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ
стр. 172
نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ))، قَالَ: فَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ ))، قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: ((لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ)) (١) فالزنا بحليلة الجار، أو السرقة من بيت الجار ذنبه مضاعف؛ لما فيه من إيذاء الجار، وقد أُمر بالإحسان إليه.
وهذا الحديث فيه: بيان مراتب الذنوب، وقد سبق معنا بيان تفاضل الأعمال الصالحة وترتيبها، وأن أفضلها الإيمان بالله ورسوله، ثم الصلاة، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، ثم الحج.
وفيه: بيان أي الذنب أعظم، ثم ترتيب بعض الذنوب، فأعظمها: الشرك بالله ، وهو ضد الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، فأفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله ﷺ ، وأكبر الذنوب والمعاصي الشرك بالله، ثم يليه قتل الولد، ثم يليه الزنا بحليلة الجار.
стр. 173
بَابُ بَيَانِ الْكَبَائِرِ وَأَكْبَرِهَا
[٨٧] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، ثَلَاثًا: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ))، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.
هذا الحديث فيه: بيان أكبر الكبائر، وهو الشرك بالله ، وهذا أكبر الكبائر على الإطلاق.
وفيه: دليل على أن الشرك يسمى كبيرة، لكنه أعظم الكبائر، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور- أيضًا- من الكبائر، لكن قتل النفس، والزنا بحليلة الجار- كما سبق- مقدم على عقوق الوالدين، وشهادة الزور؛ ولهذا عطفها بالواو، ولم يرتبها، بينما حديث ابن مسعود ﵁ السابق ذُكرت فيه الكبائر مرتبة فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ))، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ))، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ)).
وفيه: أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب؛ لما فيه من إنكار الجميل، وإنكار الإحسان، وقطيعة الرحم.
وفيه: أن شهادة الزور من كبائر الذنوب، والزور هو: الميل (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿تزاور عن كهفهم﴾، يعني: تميل؛ وسمي شاهدَ الزور؛ لأنه مال عن الحق إلى الباطل.
стр. 174
وقوله: ((وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا، فَجَلَسَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ))، يعني: رحمةً به وشفقةً عليه، فقد رأوا أنه تكلف ﵊، فأرادوا أن لا يشق على نفسه، فقالوا: ((لَيْتَهُ سَكَتَ)) عن تكرارها، وليس ذلك لأن شهادة الزور أكبر من غيرها، كالشرك، فالشرك أكبر وأعظم منها، وعقوق الوالدين كذلك، لكن كررها ﵊؛ لأن شهادة الزور ينتج عنها مفاسد كثيرة، فقد يشهد الإنسان الزور على شخص؛ فيُقتَل بغير حق، وقد يشهد الإنسان زورًا على شخص بأنه زانٍ، فيجلد، أو يرجم، وقد يشهد زورًا على شخص بأن له كذا وكذا عند شخص، فيلزم بدفع مال بسبب هذه الشهادة، فلهذا كررها النبي ﷺ واهتم بالزجر عنها؛ لأن الداعي إليها كثير، ولما يترتب عليها من المضار والمفاسد.
وشهادة الزور تدل على ضعف الإيمان ونقصه، وهذا هو وجه إدخال المؤلف هذه الأحاديث في كتاب الإيمان، وهو أن من فعل الكبيرة نقُص إيمانه، وإذا فعل الشرك خرج من الإيمان.
وفيه: دليل على أن الإيمان يزيد، وينقص، فالمؤمن الذي يؤدي الواجبات وينتهي عن المحارم إيمانُه كامل، والمؤمن الذي يفعل الكبائر والمعاصي إيمانه ناقص وضعيف، فالإيمان يتفاوت، يزيد وينقص، ويقوى ويضعف.
وإذا اجتنب الإنسان الكبائر وأدَّى الفرائض تُكَفَّر صغائر ذنوبه، قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني: الصغائر، وقال ﵊: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، والصَّوْمُ، والصَّدَقَةُ)) (١).
стр. 175
[٨٨] وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ، قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَوْلُ الزُّورِ)).
هذا الحديث فيه: ذِكر أربع كبائر: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقول الزور، وهي غير مرتبة، لكن أعظمها: الشرك بالله ، ثم ترتيبها كما سبق.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ- أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ))، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ.
قوله: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ- أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّور) هذا ليس على ظاهره المتبادر إلى الأذهان؛ وذلك لأن الشرك أكبر منه بلا شك، وكذا القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه محمول على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور، وعامل به.
الثاني: أنه محمول على المستحل، فيصير بذلك كافرًا.
الثالث: أن المراد: أنه من أكبر الكبائر- وهو الصواب إن شاء الله تعالى- أنه على تقدير ((مِنْ))، وهذا كثيرا ما تقدر به.
стр. 176
أما التأويل الأول بأنه محمول على الكفر؛ إذ الكافر شاهد بالزور فهذا بعيد، وكذلك- أيضًا- التأويل على المستحل بعيد، والمستحل ليس خاصًّا بهذا، فمن استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة كَفَرَ، وليس خاصًّا بشهادة الزور.
[٨٩] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ((الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)).
هذا الحديث فيه: تقديم أكل الربا، والرواية الثانية فيها تقديم أكل مال اليتيم على الربا، وهذا من الأحاديث التي أدرجها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ تحت باب: ((ما جاء في السحر))، في حديث أبي هريرة ﵁: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)) قالوا: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: ((الشِّرْكُ بِاللهِ .. )) (١).
وقوله: ((اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ)) الموبقات، يعني: المهلكات، وسميت مهلكات؛ لأنها تهلك صاحبها، وتوقعه في الإثم، ثم في النار.
وأعظمها وأشدها الشرك بالله، ثم السحر؛ لأنه نوع من الشرك، فالسحر الذي يتصل صاحبه بالشياطين لا بد أن يقع فيه في الشرك، ثم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ثم أكل الربا، ثم أكل مال اليتيم، ثم التولي يوم الزحف، والتولي، يعني: الفرار من الصف؛ إذا صُفَّ المسلمون حين
стр. 177
يلتقي الصفان للقتال، يهرب ويفر، فيخذل إخوانه المؤمنين، فهذا من الكبائر إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يفر من طائفة إلى طائفة أخرى من المسلمين، حتى يقويهم.
الحالة الثانية: أن يفر ليوهم العدو أنه فرَّ، ثم يكرُّ عليهم مرة أخرى، وقد قال : ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذٍ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ وهذا توعد بالنار والغضب، فدل على أنه من الكبائر.
ومن الكبائر المذكورة في الحديث: ((وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ))، والقذف، يعني: الرمي بالزنا، أو باللواط، يقذف امرأة محصنة عفيفة، حرة، غافلة، لا تخطر الفاحشة ببالها، ومثله إذا قذف رجلًا حرًّا محصنًا عفيفًا لا تخطر الفاحشة بباله، والحكم واحد، وهذا من أعظم الكبائر السبع.
[٩٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ
стр. 178
وَالِدَيْهِ؟ ))، يعني: أنهم استغربوا، كيف يمكن هذا؟ وهل يحصل هذا؟ فالوالدان أحسنا إليه، وهما السبب في وجوده، وربياه، ثم يشتمهما؟ ! فبين لهم النبي ﷺ أن هذا يكون بالتسبُّب، فقال: ((يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ))، يعني: يتسبب في شتمهما، فيكون كأنه ساب لهما؛ لأنه إذا سب آباء الناس سبوا أباه، وإذا سب أمهاتهم سبوا أمه.
هذا الحديث فيه: أن من أعظم العقوق شتم الرجل والديه، وصاحبه ضعيف الإيمان؛ ولهذا أدخله المؤلف في كتاب الإيمان.
وفيه: دليل على أن الوسائل لها حكم الغايات.
وفيه: تحريم سب آباء الناس وأمهاتهم، قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ وإذا سبهما مباشرة فهذا أعظم، ويوجد في هذا الزمن من يسب أبويه مباشرة وليس تسببًا، وهذا أعظم وأعظم، فالصحابة رضوان الله عليهم استنكروا كيف يشتم الرجل والديه؟
وأعظم من العقوق والسب: ضربهما، أو قتلهما، أو قتل واحد منهما عياذا بالله.
стр. 179
بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِهِ
[٩١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، جميعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنِي يَحْيَى ابْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ الْفُقَيْمِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)).
قوله: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)): فيه دليل على عظم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب، وقد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، فإن كان الكبر عن الإيمان والتوحيد وطاعة الله وعبادته صار كفرًا، وإن كان باحتقار الناس، ورد الحق الذي هو دون الإيمان والتوحيد صار معصية كبيرة.
وقوله: ((بَطَرُ الْحَقِّ)): البَطرُ أن يتكبر عن الحق فلا يقبله.
وقوله: ((غَمْطُ النَّاسِ))، أي: استحقارهم.
وفي هذا الحديث: أنه ليس من الكبر أن يلبس الإنسان ثيابًا حسنة أو نعلًا حسنة، فقد ظن الصحابة ﵃ هذا، فقال رجل منهم: ((إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)).
وفيه: إثبات اسم الله الجميل.
стр. 180
حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، قَالَ مِنْجَابٌ: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).
قوله: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)) هذا لأن الكبر والإيمان متقابلان، وإن كان هذا الكبر تكبرًا عن التوحيد والإيمان، فهذا لا يدخلها أبدًا، وإن كان الكبر دون التوحيد والإيمان، فهذا من باب الوعيد، ويكون كبيرة من كبائر الذنوب.
وهذا الحديث فيه: أن الإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا ينقص الإيمان حتى يكون مثقال حبة من خردل، ولا ينتهي الإيمان بالمعاصي ولو عظمت، لكن ينتهي إذا جاء الكفر والشرك بالله.