الحديث الآخر: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَسَفتِ الشَّمْسُ قَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كُشف له عن الجنة، وعن النار، وأنه لما كشف له عن الجنة تقدم، وتقدمت الصفوف، حتى كأنه يريد أن يتناول عنقودًا من العنب، كما سيأتي في الحديث الآخر، قال: ((إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) (١).
وفيه: جواز التقدم والحركة في الصلاة للحاجة، وأنه لا يبطل الصلاة؛ ولهذا تقدم النبي ﷺ ، وتقدمت الصفوف، وتأخر، وتأخرت الصفوف، فإذا كان الإنسان في الصف وأمامه فرجة، ثم تقدم ليسدها فلا حرج، وجاء عن سهل بن سعد ﵁ في حديث المنبر: ((فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ)) (٢).
стр. 1263
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
[خ: ١٠٤٦]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
[٩٠٢] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ: ((أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ)).
في هذا الحديث: مشروعية النداء لصلاة الكسوف، فينادى لها: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))، ويكرر هذا على حسب الحاجة.
وفيه: أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات في ركعتين.
وفيه: جواز الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، على الصحيح، وكذلك في خسوف القمر، خلافًا للنووي ﵀، فإنه قال: ((قوله: (جهر في صلاة الخسوف) هذا عند أصحابنا والجمهور محمول على كسوف القمر؛ لأن مذهبنا ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والليث بن سعد، وجمهور الفقهاء: أنه
стр. 1264
يُسِرُّ في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق وغيرهم: يجهر فيهما، وتمسكوا بهذا الحديث، أنه جهر في صلاة الكسوف)) (١).
والصواب: مشروعية الجهر بالقراءة في كل من الخسوف، والكسوف، وقول الجمهور هذا فيه نظر، والقاعدة: أن السنة حاكمة على الأقوال وعلى المذاهب.
والأحاديث جاءت صريحة في أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف.
[٩٠١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ- حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ-: ((أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا)).
وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
في هذا الحديث: أنه ﷺ صلى في الركعة الأولى ثلاث ركعات، وسجدتين، والثانية مثلها.
تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
وقال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، يعرضون على النار في قبورهم غدوًّا وعشيًّا.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، والأدلة في كتاب الله تعالى كثيرة.
ومن السنة: أن النبي ﷺ قال: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ)) (١).
وكان هذا الحديث أول ما جاء الوحي للنبي ﷺ في عذاب القبر.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه إذا أصاب الخيل مغل، أي: إمساك ((ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى)) (٢) وبَيَّن سبب ذلك، فقال: ((الكفار يعاقبون في قبورهم فتسمع أصواتهم البهائم، كما أخبر النبي ﷺ ... وإن البهائم إذا سمعت ذلك الصوت المنكر أوجب لها من الحرارة ما يذهب المغل)) (٣).
رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ تقدم، فتقدمت الصفوف، وتأخر، فتأخرت الصفوف، فدل على أن الحركة عند الحاجة إليها لا بأس بها.
وقوله: ((وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ)): يعني: رجعت إلى حالها.
وفيه: أن النبي ﷺ رأى صاحب المحجن يجر قصبه في النار، وصاحب المحجن: هو رجل معه عصا، طرفها منحنٍ، يسرق بها الحجاج، بأن يمد العصا، فيتعلق المتاع بالمحجن، فإن فطن له الناس قال: إن هذا المحجن تعلق دون اختياري، وإن لم يُفطن له أخذه.
وفيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ست ركوعات، في كل ركعة ثلاث ركوعات، وفي حديث آخر: أنه صلى في كل ركعة أربع ركوعات، وجاء في سنن أبي داود أنه صلى خمس ركوعات (١).
واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث في صلاة الكسوف:
فذهب الجمهور إلى ما دل عليه حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵄ من أن صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وهذا الذي
стр. 1270
اتفق عليه الشيخان: البخاري، ومسلم.
وأما ما رواه مسلم وغيره من حديث عائشة ﵂، وابن عباس ﵄، وجابر ﵁: أنه في كل ركعة ثلاث ركوعات، أو في كل ركعة أربع ركوعات، أو في كل ركعة خمس ركوعات، أو في كل ركعة ست ركوعات، فقالوا: إن هذه الروايات شاذة، والشاذ ضعيف، بخلاف الرواية الأولى، فهي أصح وأحفظ وأفضل كما بين ذلك النووي رحمه الله تعالى (١).
وقالوا: الكسوف لم يقع إلا مرة واحدة في المدينة يوم مات إبراهيم، فكيف تأتي هذه الروايات الأخرى، والنبي ﷺ ما صلاها إلا مرة واحدة؟ !
قال النووي ﵀: ((وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر فتوسط في عدده، واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال، وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلاف صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة)) (٢).
قلت: هذا الجمع يفعله ضعفاء أهل الحديث، فكلما جاءهم حديث أشكل عليهم جعلوه نوعًا من أنواع صلاة الكسوف، كما فعل ضعفاء أهل الحديث في الإسراء والمعراج، والصواب: أن صلاة الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجدتان.
باليد؛ فإن عائشة ﵂ أَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وهي في الصلاة.
وفيه: إثبات فتنة القبر، كما قال الرسول ﷺ : ((وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))، وفتنة القبر هي: السؤال عن ربه، وعن دينه، وعن نبيه ﷺ ، فيقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فالمؤمن يثبته الله بالقول الثابت، فيقول: الله ربي، ومحمد ﷺ نبيي، والإسلام ديني، وإذا سئل: ما علمك بهذا الرجل؟ يقول: هو رسول الله ﷺ ، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا، وأطعنا، وأما المرتاب أو المنافق فإنه يقول: لا أدري، ولا يستطيع الإجابة، ويسأل عن نبيه، فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فقلته، وفي لفظ آخر: ((ثمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ)) (١).
تصح إحداهما بدون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لا يصح إيمانه، وكذلك من شهد أن محمدًا رسول الله، ولم يشهد أنه لا إله إلا الله لم يقبل منه، والحاصل: أنه إذا أُطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى.
وفيه: أنه ينبغي لمن حضر الميت أن يلقنه كلمة التوحيد برفق، فيقول أمامه: ((لا إله إلا الله))، ولا يضجره ويقول له: قل: ((لا إله إلا الله))، بل يُذَكِّرُه بها حتى يقولها، فإذا قالها سكت، فإن تكلم بشيء من كلام الدنيا أعاد عليه التلقين، حتى يكون آخر كلامه: ((لا إله إلا الله))؛ لما جاء في الحديث: ((مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) (١).
وقوله: ((لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ))، يعني: لقنوا مَن حضره الموت، وليس المراد بعد الموت.
وهذا كقوله ﷺ في الحديث الآخر: ((اقْرَءُوهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ)) (٢)، يعني: سورة ((يس))، أي: على محتضريكم، وليس المراد أن تُقرأ ((يس)) على الميت بعد الموت؛ لأن قراءة القرآن على الميت بعد الموت لا تشرع، وإنما تشرع قبل الموت.
وقيل: إن القراءة على المحتضر تخفف عليه سكرات الموت، وكذلك تلقينه لا إله إلا الله.
في هذا الحديث: فضل قول: ((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا))، واستحبابه عند المصيبة، والله وعد الصابرين وبشرهم ببشارة عظيمة، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
وفيه: أن هذا الدعاء دليل على الصبر.
وفيه: أن من قال هذا الدعاء آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها، بشرط أن يقوله موقنًا بما قاله النبي ﷺ ، فأم سلمة ﵂ قالته وهي موقنة، لما سمعت النبي ﷺ يقوله، ولكنها قالت في نفسها: ((أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، ولكن لما قالته عوضها الله، فقالت: ((فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ).
قوله: ((ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي)) يقول شيخ الإسلام: ((هل يجوز وصفه بالعزم؟ فيه قولان:
أحدهما: المنع كقول القاضي أبي بكر، والقاضي أبي يعلى.
والثاني: الجواز، وهو أصح، فقد قرأ جماعة من السلف: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: ((ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي)) وكذلك في خطبة مسلم: ((فعزم لي))، وسواء سمي ((عزما)) أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها في وقتها وأراد أن يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله)) (١) .
* * *
ويجب تغميضهما، ومما يدل على أنها تُقبض قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
وفيه: الرد على أهل الكلام الذين يخوضون في الروح، فبعضهم يقول: إنها صفة من صفات البدن، وبعضهم يقول: هي في الدم، وبعضهم يقول: هي طبيعة من طبيعة الجسد.
والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ منْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾، فقوله: ﴿من أمر ربي﴾، أي: من مخلوقاته التي خلقها، وسبب نزول هذه الآية سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح.
وفيه: الرد على أهل البدع الذين يكيفون الصفات، ويشبهونها بصفات المخلوقين، فهذه الروح مخلوق موجود بين يدي الإنسان، ولا تُعلم كيفيتها، ولا كنهها، ولا حقيقتها، فكذلك هم أعجز من أن يعلموا كيفية صفات الله وكنهها، وكذلك حقائق ما أخبر به الله عن الآخرة.
стр. 1288
بَاب فِي شُخُوصِ بَصَرِ الْمَيِّتِ يَتْبَعُ نَفْسَهُ
[٩٢١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ العَلَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَلَمْ تَرَوْا الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ شَخَصَ بَصَرُهُ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ)).
وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ العَلَاءِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
في هذا الحديث: أن الروح تسمى نفسًا؛ لقوله ﷺ : ((فَذَلِكَ حِينَ يَتْبَعُ بَصَرُهُ نَفْسَهُ))، والأغلب أنها لا تسمى نفسًا إلا إذا كانت مع الجسد، فإذا كانت مفردة يقال لها: روح، ولكن هنا جاءت على غير الغالب، فسماها نفسًا، وقال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى ربك راضية مرضية﴾، فسماها عند خروجها نفسًا.
وقال تعالى- للمعذَّبين-: ﴿أخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، فسماها نفسًا، وسماها روحًا.
стр. 1289
بَابُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ
[٩٢٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ((لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لَأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ؛ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ - مَرَّتَيْنِ- فَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ، فَلَمْ أَبْكِ)).
قولها: ((أَقَبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّعِيدِ)): المراد بالصعيد هنا: عوالي المدينة، وأصل الصعيد: ما كان على وجه الأرض، مثل: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وقولها: ((تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي))، أي: تساعدني، وتبكي معي، فلما قال لها الرسول ﷺ : ((أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ - مَرَّتَيْنِ)) كفت عن البكاء.
وفيه: استجابة الصحابة، والصحابيات ﵃ أجمعين لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ ، وهذا هو الواجب على المسلم أن يقبل أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، وأن لا يكون له الخِيَرة في ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وفيه: أنه كان في الجاهلية إذا مات لهم أحد جاء من حولهم من الجيران- ولا سيما النساء- يبكون مع أهل البيت بكاءَ تصنُّع، ثم إذا حصل
وفي هذا الحديث: أنه إذا أراد إنسان أن يعزي أخاه وهو لا يتمكن من الحضور، أرسل إليه، ويقول له: ((لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)).
وفيه: حُسن خلقه ﵊، فإنه لما أرسلت ابنته إليه في الأول أرسل إليها يعزيها، فأرسلت إليه مرة أخرى، وهي تُقْسم عليه، فبرَّ قسمها ﵊.
وفيه: مشروعية إبرار المقسم.
وقوله: ((فَرُفِعَ إِلَيْهِ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ))، والشن هو الجلد اليابس وهو يريد تصوير حركة خروج الروح.
وقوله: ((فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))، أي: بكى ﵊ بدمع العين، رحمة له، ففيه: جواز البكاء بدمع العين بغير نوح.
وقوله: ((هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)): فيه: إثبات الرحمة لله سبحانه وأن الله يرحم من عباده الرحماء، وأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم عباد الله ﵀.
[٩٢٤] حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ((اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَشِيَّةٍ، فَقَالَ: أَقَدْ قَضَى؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ)).
[خ: ١٣٠٤]
في هذا الحديث: أن البكاء بدمع العين بدون النياحة من الرحمة؛ ولهذا
стр. 1292
قال النبي ﷺ : ((أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ))، يعني: الصياح والعويل والصراخ وقول ما فيه اعتراض، فهذا كله من التسخط على قضاء الله وقدره، وهو من الكبائر.
والبكاء بدمع العين من الرحمة، وليس من النياحة، وهو أفضل من التجلد، قال ابن تيمية ﵀: ((البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب وذلك لا ينافي الرضا؛ بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه وبهذا يعرف معنى قول النبي ﷺ لما بكى الميت، وقال: ((إن هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)) (١) فإن هذا ليس كبكاء من يبكي لحظه لا لرحمة الميت؛ فإن الفضيل بن عياض لما مات ابنه علي ضحك وقال: رأيت أن الله قد قضى فأحببت أن أرضى بما قضى الله به، فحاله حال حسن بالنسبة إلى أهل الجزع، وأما رحمة الميت مع الرضا بالقضاء وحمد الله تعالى كحال النبي ﷺ فهذا أكمل، كما قال تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ فذكر سبحانه التواصي بالصبر والمرحمة)) (٢).
والصبر واجب، وهو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عما يغضب الله من لطم، أو شق، قال النبي ﷺ : ((إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ- أَوِ الْمَيِّتَ- فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ)) (٣).
وأحوال الناس في المصيبة أربع:
الحال الأولى: حال الجازع والساخط على قضاء الله وقدره، وصاحبها آثم.
الحال الثانية: حال الصابر، لكنه ليس راضيًا بالمصيبة، وصاحبها أدى ما أوجب الله عليه، وحصَّل ثواب الصابرين.
الحال الثالثة: حال الراضي بقضاء الله وقدره، وفعله هذا مستحب على
стр. 1293
الصحيح، وقد يكون الإنسان راضيًا وتدمع عينه، ويحزن قلبه، فهذا لا ينافي الرضى؛ لأن البكاء رحمة جعلها الله في قلوب الرحماء.
الحال الرابعة: حال الشاكر، وهي أن يشكر الله على المصيبة؛ لأنه يعتبرها نعمة؛ حيث إن الله يكفر بها الخطايا، ويرفع بها الدرجات، فهؤلاء تنقلب المحن في حقهم مِنَحًا، وهم عباد الله المخلَصون، ولا يقوى على هذا إلا القلة الموَفَّقون.
وأما قول أبي العباس القرطبي: ((فأما النياحة التي كانت الجاهلية تفعلها؛ من تعديد خصال الميت، والثناء عليه بما كان فيه من الخصال الدُّنيوية المذمومة، والصراخ الذي يُخرجه الجزع المفضي إلى السخط والعبث؛ من ضرب الخدود، وشق الجيوب؛ فكل ذلك محرَّم، من أعمال الجاهلية، ولا يختلف فيه، فأما بكاء وصراخ لا يكون معه شيء من ذلك فهو جائز قبل الموت، مكروه بعده)) (١).
فهذا جوابه: أن الصراخ ليس عليه دليل، بل ممنوع قبل الموت، وبعده، وإنما الجائز: البكاء بدمع العين كفعل النبي ﷺ .
стр. 1294
بَابٌ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى
[٩٢٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عُمَارَةَ- يَعْنِي: ابْنَ غَزِيَّةَ- عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَخَا الْأَنْصَارِ، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟ فَقَامَ، وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ، وَلَا خِفَافٌ، وَلَا قَلَانِسُ، وَلَا قُمُصٌ، نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ)).
في هذا الحديث: مشروعية زيارة المريض ماشيا، وله ان يركب، فقد جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ ركب على جمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة (١).
وفيه: زيارة الرئيس، والمتبوع، والعالم مع أصحابه للمريض، وإظهار السُّنة.
وفيه: رحمة رسول الله ﷺ بأمته، وتفقده لأحوال أصحابه.
стр. 1295
بَابٌ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى
[٩٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ-، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى)).
[خ: ١٢٨٣]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، وَاصْبِرِي، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي؟ ! فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ، أَوَ قَالَ: عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ)).
وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ-.ح، وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. ح، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بِقِصَّتِهِ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ: ((مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ)).
في الحديث: بيان أن محل الصبر عند حدوث الصدمة الأولى من المصيبة لدى استقبال الخبر، ففيها يظهر مدى ثبات المرء ورسوخه وقوة تحمله، أما إذا طالت المدة وبعد العهد، فإن المصيبة يخف وقعها ويُسَرَّى عن الإنسان.
وقد احتج الجمهور بهذا الحديث على جواز زيارة المرأة للقبور، لكن هذا ليس بظاهر، فيحتمل أنه كان قبل النهي.
قوله: ((إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ)): هذا البعض هو الذي يكون فيه الصياح ورفع الصوت، وأما البعض الآخر فلا يعذب به، وهو الذي يكون بدمع العين.
في هذه الأحاديث: أن عائشة ﵂ جزمت أن النبي ﷺ لم يقل: ((إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))؛ لهذا قالت: ((يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ))، وهذا اجتهاد منها ﵂، واستدلت عليه بقوله ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، وبالآية فقالت: ((حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾))، فظنت أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه يعارض الآية.
وعائشة ﵂ أفقه امرأة، ولكنها ليست معصومة، فقد أخطأت في تغليطها عمر ﵁، ثم هي- أيضًا- وقعت فيما فرت منه ﵂، فقالت: ((إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ))، فكيف يعذب الكافر بعمل غيره؟
واختلف العلماء في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، هل يكون مطلقًا؟
فذهب الجمهور: إلى أنه لا يعذب إلا إذا أوصى أهله بالبكاء عليه، فإنه يعذب، وفي هذه الحالة يكون من عمله، ولا يعارض الآية (١).
وقال آخرون: يعذب إذا أوصى، أو سكت ولم ينههم عن النياحة، أما إذا نهاهم وحذرهم فلا يعذب.
والصواب: أن هذا مستثنى من الآية، وأن العذاب شيء خاص الله أعلم بكيفيته، وجاء في بعض الأحاديث: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ بِاكَيهِ، فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسَيِّدَاهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، إِلَّا وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَلْهَزَانِهِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟ )) (٢).
وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄، قَالَ: ((أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ،