سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا- حِينَئِذٍ- تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا وَيُلْقِينَ وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ حِينَ يَفْرُغُ فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي، لَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
[خ: ٩٧٨]
في هذه الأحاديث: بيان مشروعية صلاة عيدي الفطر، والأضحى.
وقد اختلف العلماء في حكم صلاة العيدين على أقوال:
القول الأول: الجمهور على أنها: سنة مؤكدة (١).
القول الثاني: قول الحنابلة أنها فرض كفاية، إذا صلاها البعض سقطت عن الآخرين (٢).
القول الثالث: قول عند الحنفية، يذهب إلى أنها فرض عين (٣)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وهذا هو الأقرب؛ لأنها صلاة سنوية، كما أن الصلوات الخمس فرائض يومية، وصلاة الجمعة فريضة أسبوعية.
والدليل على أنها فرض عين حديث أم عطية ﵂: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا
стр. 1228
رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ قَالَ: ((لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا)).
وعلى هذا فإذا فاتت إنسانًا صلاها في بيته، أو في المصلى، وكذلك المرأة إذا لم تُصلِّها مع الناس صلَّتها في بيتها.
وفيها: أن صلاة العيد تكون قبل الخطبة، بخلاف صلاة الجمعة، فالخطبة فيها قبل الصلاة، أما صلاة الاستسقاء فيجوز فيها الأمران؛ لأنه جاء ما يدل على أن النبي ﷺ صلى، ثم خطب بالناس (١)، وجاء ما يدل أنه خطب ثم صلى (٢)، لكن العمل الآن على أنها مثل صلاة العيد.
وفيها: مشروعية توجيه الخطبة إلى النساء إذا لم يسمعن الخطبة؛ لهذا لما خطب النبي ﷺ الناس ذهب إلى النساء فخطب فيهن ووعظهن.
وقوله ﷺ : ((أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ))، يعني: أنتن تلتزمن بهذه الأمور التي ذكرت بالآية؟
وقوله ﷺ : ((هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي)): الظاهر: أنه من كلام بلال، كما قال الحافظ النووي ﵀ (٣).
وقوله: ((فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ وَالْخُرْصَ وَالشَّيْءَ)): الخرص: هو ما يكون في أذن المرأة من الحلي، وفيه: دليل على أن المرأة الرشيدة لها أن تتصرف بمالها ولو لم تستأذن زوجها، أو أباها؛ لأن النبي ﷺ أقرهن على الصدقة، ولكن إن استأذنت زوجها من باب تطييب النفس فلا بأس.
وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا)) (٤)، فيجاب عنه بجوابين:
стр. 1229
أحدهما: أنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، والشاذ ضعيف، فلا يعارض الأحاديث الصحيحة (١).
الثاني: أنه محمول على عطية المرأة من مال زوجها.
وقوله: ((يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً)): هذا جائز على لغة قليلة، تسمى لغة: ((أكلوني البراغيث))، مثل: قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ومثل قوله ﷺ : ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَار)) (٢).
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: ((تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ))، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ)) قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ.
قوله: ((أَقْرِطَتِهِنَّ)): جمع قرط، وهو ما يكون في أذن المرأة من الحلي.
في هذا الحديث: بيان أن الخطيب يأمر الرجال بتقوى الله، ويعظهم، وكذلك النساء.
وقوله: ((فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ)): يؤخذ منه أن هذه
стр. 1230
المرأة كانت كاشفة وجهها، فقيل: يجوز للمرأة أن تكشف وجهها.
ويجاب عن هذا بجوابين:
الأول: أنها من العجائز القواعد، وقد قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾.
الثاني: أن هذا قبل أن ينزل الحجاب؛ لأن الحجاب شُرع في السنة السابعة من الهجرة.
وفيه: أن أكثر أهل النار النساء؛ لأنهن لا يسلمن من أمرين- غالبًا-:
الأول: كثرة اللعن، والشكاية، والتسخط.
الثاني: كفران العشير، والعشير: هو الزوج المعاشر، وفي لفظ آخر: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا)) (١).
وجاء في لفظ آخر بيان كيفية كفران العشير، في قوله ﷺ : ((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)) (٢).
والنساء- أيضًا- أكثر أهل الجنة؛ لأن الجنة فيها الحور العين، ولكل واحد من أهل الجنة زوجتان، وهناك من له العديد من الزوجات، كما أنه ليس في الجنة عَزَبٌ، فهذا يدل على أن النساء أكثر.
стр. 1231
[٨٨٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ- يَوْمَئِذٍ- وَلَا إِقَامَةَ.
[خ: ٩٥٩]
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا، قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ، قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
[٨٨٧] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ.
قوله: ((أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ- يَوْمَئِذٍ- وَلَا إِقَامَةَ))، يعني: أن صلاة العيد ليس لها إقامة، ولا أذان، ولا نداء، ولا يقال فيها: صلاة العيد أثابكم الله، وإنما يأتي الخطيب فيقوم الناس من دون أذان، وكذلك صلاة الاستسقاء ليس فيها نداء، ولا أذان، فالأذان والإقامة يكونان في صلاة الفرائض، والنداء يكون في صلاة الكسوف خاصة، فيقال: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة.
قال النووي ﵀: ((يقول أصحابنا وغيرهم: إنه يستحب أن يقال: الصلاة جامعة، كما قدمنا، فيتأول على أن المراد: لا أذان ولا إقامة ولا نداء في
стр. 1232
معناهما، ولا شيء من ذلك)) (١).
وهذا التأويل خالف فيه النص ﵀، ولا شك أنه ليس بصحيح.
[٨٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
[خ: ٩٦٣]
[٨٨٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ، يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا))، وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ ابْنُ الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ.
[خ: ٩٥٦]
في هذا الحديث: بيان أن أبا سعيد الخدري ﵁ أنكر على مروان بن الحكم، وكان مروان يريد أن يقدم الخطبة حتى يسمعها الناس؛ لأنهم كانوا ينصرفون بعد الصلاة.
وقوله: ((مُخَاصِرًا مَرْوَانَ))، أي: مماشيًا له.
ولا تصلى في المسجد إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك من مطر ونحوه.
وقولها: ((يَخْرُجْنَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ))؛ ذلك لئلَّا يقطعن الصفوف.
стр. 1235
بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى
[٨٨٤] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَتُلْقِي سِخَابَهَا.
وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جميعًا عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
في هذا الحديث: أن صلاة العيد ليس لها سنة قبلها ولا بعدها، لكن إذا كانت الصلاة في المسجد فتصلَّى تحية المسجد.
وما يفعله بعض الناس إذا صلى العيد، أو الاستسقاء، أنه يذهب فيصلي سنة الضحى، فهذا تركُه أولى، والأفضل أن يصليها في البيت.
جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلَعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ؟ قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ: بَلْ حَبَشٌ.
قوله: ((تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ))، يعني: تضربان الدف.
قولها: ((يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ))، يعني: يرقصون، وهذا محمول على التوثب بالسلاح، واللعب به، والتوثب يشبه الرقص.
وقولها: ((العَرِبَة))، يعني المشتهية اللعب، المحبة له، وكانت عائشة ﵂ كذلك؛ لأنها كانت صغيرة السن.
وقوله: ((بِغِنَاءِ بُعَاثٍ)): بعاث هي: الحرب التي كانت بين الأوس والخزرج، والتي قضت على الأخضر، واليابس، وكان المنتصر فيها الأوس.
قولها: ((لِلَعَّابِينَ))، أي: للحبش الذين يلعبون في المسجد.
في هذه الأحاديث: جواز اللعب بالحراب في المسجد، ومثله ما يسمى بالعرضة: وهي عرض السيوف في المسجد، وكذلك عرض الرماح وآلات الحرب؛ لما فيه من التدرب على الجهاد في سبيل الله؛ لأن النبي ﷺ أقر الحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، وهذا كله إذا كان في المسجد متسع.
وفيها: جواز نظر المرأة إلى الرجال وهم يلعبون، أو يصلون، أو يمشون؛ لأن عائشة ﵂ كانت تنظر للحبشة، وأقرها النبي ﷺ على ذلك.
ونظر المرأة إلى عموم الرجال لا بأس به، بخلاف نظرها إلى الرجل الواحد والتأمل في محاسنه فلا يجوز؛ قال الله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾.
стр. 1240
وفيها: حسن خُلق النبي ﷺ ، وحسن معاشرة أهله، وهواية ما يهوونه، إذا لم يكن فيه محذور شرعي؛ لهذا أذن النبي ﷺ لعائشة ﵂ أن تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون.
وفيها: جواز إنكار التابع والتلميذ مع وجود شيخه ومعلمه، إذا كان يعتقد أن هذا الأمر الذي فُعل في حضور شيخه منكرًا، ثم إذا أخطأ سدده شيخه، أو خالفه، لهذا أنكر أبو بكر ﵁ على عائشة ﵂ وعلى الجاريتين الغناء؛ ظنًّا منه أن ذلك محرم، فبين له النبي ﷺ أن ذلك جائز.
وقوله: ((فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ؟ ))، يعني: من الفرس، أو الحبشة؟ وهذا شك من الراوي، والصواب: أنهم حبش.
وقولها: ((وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ))، يعني: مرة بين الأذن اليمنى والعاتق الأيمن، ومرة بين الأذن اليسرى والعاتق الأيسر.
[٨٩٣] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عَبْدُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((دَعْهُمْ يَا عُمَرُ)).
[خ: ٢٩٠١]
قوله: ((إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَحْصِبُهُمْ بِهَا)): الحصباء: الحصى الصغار.
في هذا الحديث: إنكار عمر اللعب في المسجد، مثل ما فعل أبو بكر ﵁ مع الجاريتين؛ ظنًّا منه أن ذلك لا يجوز، فقال له النبي ﷺ : ((دَعْهُمْ يَا عُمَرُ))، أي: فإنهم لم يفعلوا شيئًا منكرًا.
قال النووي ﵀ في إنكار عمر ﵁: ((وهو محمول على أن هذا لا
стр. 1241
يليق بالمسجد، وأن النبي ﷺ لم يعلم به، والله أعلم)) (١).
وهذا ليس بصحيح، والصواب: أنه يُحمل على أن عمر ﵁ ظن أن لعبهم ممنوع في المسجد، فأنكر عليهم، فبين له النبي ﷺ ، وأمره أن يتركهم.
* * *
وهو الصواب الذي دلت عليه النصوص (١).
القول الثاني: ذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنه لا يسن للاستسقاء صلاة، وقال: إنه يستسقى بدون صلاة (٢)؛ فلعله لم تبلغه الأحاديث، أو أنه تأولها.
وقوله: ((وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ)): فعل هذا تفاؤلًا بتغيير الحال، وأن الله يحول ما بهم من الجدب والقحط، إلى الخصب والسعة.
والاستسقاء على ثلاثة أحوال:
الأولى: وهي أكملها، أن يصلى صلاة الاستسقاء، ثم يخطب، ويدعو.
الثانية: أن يستسقي في خطبة الجمعة، ويرفع الإمام يديه للاستسقاء، ويرفع المأمومون أيديهم.
الثالثة: أن يدعو بغير صلاة، وبغير خطبة الجمعة، وهو قول أبي حنيفة ﵀ (٣)، وهو محجوج بالأحاديث.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ يَدْعُو اللَّهَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قوله: ((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يَسْتَسْقِي))، يعني: وعد الناس في يوم معين، وهذا هو الأفضل أن يحدد اليوم.
стр. 1245
وقوله: ((ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)): فيه: دليل على أنه لا بأس بأن تقدم الخطبة والدعاء على الصلاة؛ لأن ((ثُمَّ)) تفيد الترتيب والتراخي.
مسألة: متى يحول رداءه، قبل الدعاء، أو بعده؟
والجواب: الأمر في هذا واسع، فقد ورد أنه ﷺ حول رداءه، واستقبل القبلة، وورد أنه استقبل القبلة وقلب رداءه، والأقرب: أن يحول رداءه تفاؤلًا بتغيير الحال، ثم يتركه، ثم يدعو.
стр. 1246
بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ بِالدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
[٨٩٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
[خ: ١٠٣١]
في هذا الحديث: بيان مشروعية المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
وقوله: ((حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ)): فيه: دليل على أنه ﷺ أبيض مشرب بحمرة، ولو كان غير أبيض لقيل: يرى سواد إبطيه.
وفيه: أنه ﷺ يتعاهد شعر إبطيه، لهذا رؤي بياض إبطيه، فلو كان فيه شعر، لما قيل: يرى بياض إبطيه، والنبي ﵊ أرشد أمته إلى نتف الإبط، وأن لا يُترك أكثر من أربعين ليلة (١)، وهو من سنن الفطرة (٢).
стр. 1247
[٨٩٦] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
قوله: ((فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ)): هذا محمول على أنه بالغ في رفع اليدين، فصار- من شدة المبالغة- كأن ظهر كفيه إلى السماء، وإلا فإن السؤال يكون ببطون الأيدي لا بظهورها، كاستطعام المسكين.
قول أنس ﵁: ((كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ)): هذا محمول على المبالغة، يعني: أنه لا يرفع يديه مبالغةً إلا في الاستسقاء.
أو أنه خفي على أنس ﵁، أو نسي المواضع، أو الأماكن التي رفع يديه ﷺ فيها في الدعاء؛ وإلا فإنه ثبت أن النبي ﷺ رفع يديه في عدة مواضع:
منها ستة مواضع في الحج: في عرفة، ومزدلفة، وبعد الجمرة الصغرى، وبعد الجمرة الوسطى، وعلى الصفا، والمروة (١).
وقوله: ((قَحَطَ)): بفتح القاف وكسر الحاء وفتحها، أي: أمسك.
وفي هذا الحديث: قدرة الله العظيمة في إنزال المطر في الحال، وتوقيفه في الحال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ففي الجمعة الأولى لما دعا النبي ﷺ ، وقال: ((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا)) نزل المطر في الحال، وجاء في بعض الأحاديث: ((رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ ) (١)؛ ولهذا قال أنس ﵁: ((وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ))، وفي الجمعة الثانية أقلعت في الحال؛ لهذا قال أنس ﵁: ((فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ)).
وفيه: أن المطر استمر أسبوعًا كاملًا؛ ولهذا قال أنس ﵁: ((فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا))، يعني: أسبوعًا.
وفيه: دليل وشاهد على نبوة النبي ﷺ ، حيث استجاب الله دعاءه في الجمعة الأولى، وفي الجمعة الثانية، ولو كان كذابًا لما أيده الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾.
وفيه: أن للمأموم أن يكلم الخطيب، وله أن يطلب بعض الحوائج التي تهم المسلمين، كطلب السقيا، والدعاء للمجاهدين مثلًا، والإمام يجيب طلبه إذا كان وجيهًا، وإنما يمنع الكلام مع غير الخطيب؛ لقول النبي ﷺ ((وَمَنْ قَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَاحِبِهِ: صَهٍ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ)) (٢)، وفي الحديث الآخر: ((مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ
стр. 1251
الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)) (١).
وفيه: مشروعية الاستسقاء يوم الجمعة عند الحاجة، واستحباب رفع اليدين.
وفيه: أنه إذا دعا برفع المطر يقول: ((اللَّهُمَّ حَوْلَنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ))، ولا يقول: اللهم أمسكها عنا.
وفيه: أن الأنبياء والصالحين يُبتلون بالجدب، والقحط، والأمراض، فالنبي ﷺ أفضل الخلق، والصحابة أفضل الناس ﵃، ومجتمعهم أفضل المجتمعات، إلا أن الله ابتلاهم بالجدب والقحط والأمراض، ولا يدل هذا على نقصهم، بل يدل على كمالهم، كما في الحديث: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاء، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم)) (٢).
وقوله: ((وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تَهُمُّهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ))، يعني: أن المطر اشتد وكثر حتى صار الرجل الشديد القوي يشق عليه الوصول إلى أهله من كثرة الأمطار، أما الرجل الضعيف فلا يستطيع أن يصل إلى أهله من الأمطار.
وقوله: ((فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى))، أي: تشبيه انقطاع السحاب بالملحفة، أو الشيء الذي يطوى.
стр. 1252
[٨٩٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: ((لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى)).
في هذا الحديث: بيان مشروعية كشف بعض الجسد ليصيبه المطر؛ اقتداء بالنبي ﷺ .
قال النووي ﵀: ((ومعنى ((حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ))، أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه: أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها، فيتبرك بها)) (١).
فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)).
في هذا الحديث: بيان كمال معرفته ﷺ بربه وشدة خوفه منه؛ لأنه من كان بالله أعرف كان منه أخوف.
وفيه: استحباب هذا الدعاء عند الريح إذا عصفت: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)).
وفيه: أن المطر رحمة من الله يصيب بها من يشاء من عباده.
стр. 1255
بَاب فِي رِيحِ الصَّبَا وَالدَّبُورِ
[٩٠٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)).
[خ: ١٠٣٥]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ- يَعْنِي: ابْنَ سُلَيْمَانَ-، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
قوله ﷺ : ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)): الصَّبَا: ريح شرقية، وهي رحمة، ويقال لها القبول؛ لأنها تقابل باب الكعبة (١)، والدَّبُور: ريح غربية، وهي عذاب (٢)، كانت تقلع أشجارهم وتهدم بيوتهم وترميهم بالحجارة، وهو تبشير للأمة، وأن المجاهدين إذا هبت الصبا كان علامة النصر والظفر لهم.
قوله: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا))، أي: جعل الله هبوبَ ريح الصبا علامةً لنصره ﷺ في مواقف الجهاد وسببًا له.
ويحتمل أنه أُريد به في يوم الأحزاب؛ حيث قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهمْ رِيحًا ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٩]، ويحتمل الأعم من ذلك.
وقوله: ((وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)): كما حكاه الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦].
* * *
صلاة الكسوف: المشهور عند العلماء أنها سنة مؤكدة، وتشرع إقامتها جماعة وفرادى للمقيمين، والمسافرين، وللرجال والنساء.
يقال: كَسَفت الشمس، وخَسَفت الشمس، ويقال- أيضًا-: كَسَف القمر، وخَسَف القمر، هذا هو الصواب الذي قاله المحققون من أهل اللغة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
وقال بعضهم: المشهور في اللغة أن يقال للشمس: كَسفت، ويقال للقمر: خَسف، ولا يقال للشمس: خَسفت، ولا يقال للقمر: كَسف (١).
وقال آخرون: إذا ذهب بعض نور الشمس فهو الكسوف وإذا ذهب جميعه فهو الخسوف (٢).
والصواب: أنه يقال لكل منهما: كَسَف، وخَسَف.
وصلاة الكسوف مشروعة إذا وُجد السبب، وهو كسوف الشمس، أو خسوف القمر، سواء ذهب ضوء الشمس كاملًا، أو بعض ضوئها، وسواء أذهب ضوء القمر، أو بعض ضوئه.
وصلاة الكسوف لها سببان:
سبب شرعي: وهو تخويف الله لعباده، فهي من الآيات التي يخوف الله بها عباده: كالزلازل والبراكين، والرياح، والعواصف.
وقال كثير من العلماء: يصلَّى عند الزلزلة، وروي عن علي ﵁ أنه صلى لما حصلت زلزلة في الكوفة (٣).
وسبب حسي: وهو أن الكسوف والخسوف يُدرَك بالحساب، كما حقق
стр. 1259
ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)، والعلامة ابن القيم ﵀ (٢).
وصلاة الكسوف جاءت فيها أخبار متعددة، منها: حديث عائشة ﵂ وهو أول حديث في الباب، وحديث ابن عباس ﵄، كما سيأتي قريبًا، وحديث جابر ﵄ (٣)، وجماعة من الصحابة.
وفي هذا الحديث: وصفت صلاة الكسوف بأنها صلاة طويلة جدًّا، قيامها طويل، وركوعها طويل، وسجودها طويل، إلا أن كل قيام يكون أقل من القيام الذي قبله، وكل ركوع يكون أقل من الركوع الذي قبله، وكل سجود يكون أقل من السجود الذي قبله.
وفيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف ركعتين: في كل ركعة ركوعان، وسجودان، فتكون أربع ركوعات في أربع سجدات، هذا هو الثابت عن النبي ﷺ ، وهو الذي اتفق عليه الشيخان: البخاري، ومسلم في حديث عائشة وابن عباس ﵃ جميعًا.
وفيه: مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف، وليس من شروط هذه الخطبة أن يقف الإمام على المنبر.
وفيه: رد على معتقَد أهل الجاهلية الذين كانوا يزعمون أن الكسوف والخسوف إنما يكونان لموت عظيم، أو ولادة عظيم، وقد صادف كسوف الشمس في عهد النبي ﷺ اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن النبي ﷺ ، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي ﷺ الناسَ وبيَّن الحكمة من الكسوف والخسوف في حديث آخر، فقال: ((وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ)) (٤).
стр. 1260
وفيه: مشروعية التكبير، والإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله، والصلاة والصدقة، وعتق الرقاب.
وقوله: ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ)): إن نافية، بمعنى: ما، يعني: ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، أي: أن الإنسان الذي عنده غيرة إذا رأى عبده يزني، أو أمته غار عليهما، فالله تعالى أغير منه، كما جاء في الحديث الآخر لما قال سعد بن معاذ ﵁: ((لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)) (١).
وفيه: إثبات الغيرة لله ، والغيرة من الصفات الفعلية على ما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، فهو لا يشابه المخلوقين في صفاتهم؛ خلافًا للجهمية، والأشاعرة، الذين أنكروا وصف الله تعالى بالغيرة وبالصفات الفعلية.
وقوله: ((يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا))، يعني: لو تعلمون ما أعلم ما عند الله من العقوبة للعاصي، ومن الشدائد التي في يوم القيامة لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا.
وفيه: الرد على من عبد الشمس والقمر من دون الله؛ ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وهذا زيادة في النكال بالكفرة الذين عبدوا الشمس والقمر- نسأل الله العافية والسلامة.
والشمس والقمر آيتان من آيات الله، مسخَّرات، ليس لهما من الأمر شيء، ولا يستحقان شيئًا من العبادة، قال الله تعالى: ﴿ومن آياته الليل
الحديث الآخر: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَسَفتِ الشَّمْسُ قَامَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كُشف له عن الجنة، وعن النار، وأنه لما كشف له عن الجنة تقدم، وتقدمت الصفوف، حتى كأنه يريد أن يتناول عنقودًا من العنب، كما سيأتي في الحديث الآخر، قال: ((إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ)) (١).
وفيه: جواز التقدم والحركة في الصلاة للحاجة، وأنه لا يبطل الصلاة؛ ولهذا تقدم النبي ﷺ ، وتقدمت الصفوف، وتأخر، وتأخرت الصفوف، فإذا كان الإنسان في الصف وأمامه فرجة، ثم تقدم ليسدها فلا حرج، وجاء عن سهل بن سعد ﵁ في حديث المنبر: ((فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ)) (٢).
стр. 1263
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
[خ: ١٠٤٦]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
[٩٠٢] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : ((أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ: ((أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ)).
في هذا الحديث: مشروعية النداء لصلاة الكسوف، فينادى لها: ((الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ))، ويكرر هذا على حسب الحاجة.
وفيه: أن صلاة الكسوف أربع ركعات وأربع سجدات في ركعتين.
وفيه: جواز الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، على الصحيح، وكذلك في خسوف القمر، خلافًا للنووي ﵀، فإنه قال: ((قوله: (جهر في صلاة الخسوف) هذا عند أصحابنا والجمهور محمول على كسوف القمر؛ لأن مذهبنا ومذهب مالك، وأبي حنيفة، والليث بن سعد، وجمهور الفقهاء: أنه
стр. 1264
يُسِرُّ في كسوف الشمس، ويجهر في خسوف القمر، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق وغيرهم: يجهر فيهما، وتمسكوا بهذا الحديث، أنه جهر في صلاة الكسوف)) (١).
والصواب: مشروعية الجهر بالقراءة في كل من الخسوف، والكسوف، وقول الجمهور هذا فيه نظر، والقاعدة: أن السنة حاكمة على الأقوال وعلى المذاهب.
والأحاديث جاءت صريحة في أن النبي ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف.
[٩٠١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ- حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ-: ((أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا)).
وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ: ((أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ)).
في هذا الحديث: أنه ﷺ صلى في الركعة الأولى ثلاث ركعات، وسجدتين، والثانية مثلها.