[١٠٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)).
[خ: ١٤٢٥]
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)).
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا))، يعني: من طعام زوجها الذي في بيتها، ونبَّه بالطعام؛ لأنه الذي يُسمح به في العادة، وأما ما زاد عن العادة فلا، وكذلك ما خيف عليه من الفساد، بخلاف الدراهم والدنانير فلا بد فيها من الإذن الصريح.
وقوله: ((كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ))، يعني: لزوجها مثله من الأجر، ولا يلزم من هذا التساوي.
وفي هذا الحديث: أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة له أجره كاملًا، لا ينقص من أجرهم شيء.
стр. 1437
بَابُ مَا أَنْفَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ
[١٠٢٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ)).
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يعني: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ- يعني: ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا)).
وقوله ﷺ : ((نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ))، يعني: قسمين.
وفي هذا الحديث: أن جواز تصدق العبد بغير إذن سيده محمول على التصدق بشيء يظن أن سيده يرضى به.
وفيه: أن العبد إذا تصدق بمال سيده بما جرت به العادة فله أجر، ولسيده أجرٌ مثله.
وظاهر اللفظ الأول أن عميرًا ﵁ استأذن سيده في الصدقة بقدرٍ يعلم رضاه به.
أما اللفظ الثاني فمحمول على أن عميرًا ﵁ تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به، ولم يرضَ به مولاه فلعمير ﵁ أجر لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنية الطاعة، ولمولاه أجر؛ لأن ماله تلف عليه.
стр. 1438
[١٠٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ)).
[خ: ٥١٩٢]
قوله: ((لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ))، أي: حاضر غير مسافر، فإن كان مسافرًا فلها أن تصوم، والمراد بالصوم هنا: صوم التطوع، أو الصوم الواجب على التراخي، كمن كان عليه قضاء من رمضان؛ لقول عائشة ﵂: ((كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (١)، وليس لها أن تصوم إلا بإذنه إذا كان حاضرًا؛ لأن له حقَّ الاستمتاع بها، والصوم يمنعه من الاستمتاع، فإذا أذن لها صامت، وإلا أفطرت.
وقوله: ((وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، أي: لا تأذن لأحد بدخول بيته إلا لأحد يرضاه.
وقوله: ((وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ))، يعني: ما أنفقت من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره.
وفي هذا الحديث: أن الإذن نوعان، كما قال النووي (٢):
النوع الأول: الإذن الصريح في النفقة والصدقة.
стр. 1439
النوع الثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم.
وأهل الصلاة: من صلى الفرائض، ولو لم يتطوع، وكذلك أهل الصدقة: كل من أدى الزكاة، ولو لم يتطوع، وأهل الصيام: كل من صام رمضان، ولو لم يتطوع بالصيام.
وفي هذا الحديث: فضل أبي بكر ﵁ فقد كان سَبَّاقًا للخيرات؛ ولهذا قال له النبي ﷺ : ((وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))، أي: ممن يُدعى من تلك الأبواب كلها.
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ! هَلُمَّ))، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)).
[خ: ٢٨٤١]
قوله: ((أَيْ فُلُ))، يعني: أي فلان، وأي: حرف نداء، بمعنى: يا، قال الحريري (١):
وَنَادِ مَنْ تَدْعُو بِـ: يَا أَوْ بِـ: أَيَا أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ أَيْ وَإِنْ شِئْتَ هَيَا
وقوله: ((أَيْ فُلُ)): ترخيم، وهو أسلوب عربي معروف، ومن ذلك: قول النبي ﷺ : ((يَا عَائِشَ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلامَ)) (٢).
وقوله: ((ذَلِكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ))، يعني: لا هلاك عليه.
стр. 1442
وقوله: ((هَلُمَّ))، يعني: تعال، أي: أن خزنة الجنة يدعونه، فإذا كان من أهل الصدقة دعاه خزنة باب الصدقة، وإن كان من أهل الجهاد دعاه خزنة باب الجهاد.
وفي هذا الحديث: أن المدح القليل قد يُعفَى عنه في بعض الأحيان إذا لم يُخَفْ على صاحبه الإعجاب؛ لأن النبي ﷺ مدح أبا بكر ﵁، وأثنى عليه، وقال: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ))، وإلا فالمدح ممنوع، كما جاء في النصوص التي فيها النهي عن المدح، من مثل قوله ﷺ : ((إذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ)) (١).
[١٠٢٨] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- يعني: الْفَزَارِيَّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا قَالَ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ))، قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)).
قوله: ((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))، يعني: في يوم واحد.
وفي هذا الحديث: منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق ﵁.
فتستكثريه، فيكون سببًا لانقطاع إنفاقك.
وقوله: ((وَلَا تُوعِي))، يعني: ولا تدخريه في الوعاء وتمسكيه.
وفي هذه الأحاديث: الحث على النفقة، وعدم الإحصاء.
стр. 1445
بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ، وَلَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْقَلِيلِ لِاحْتِقَارِهِ
[١٠٣٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ)).
[خ: ٢٥٦٦]
قوله: ((وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ)): الفِرْسِن: الظلف، ويراد به الكراع، ومعلوم أن هناك من يأكله، ويباع نيا ومطبوخا، والمراد لو كان قليلا أو يستفاد منه بإزالته مقدمة الصلب وطبخه كما هو موجود عند المطاعم بإعداده، وقد يكون مفيدا، والمراد: نهى المعطية ألا تمنع من الصدقة والهدية لجارتها لاستغلالها واحتقارها الموجود عندها.
وفي هذا الحديث: الحث على الهدية، ولو بالشيء القليل، فالهدية بين الجيران والأقارب من أسباب الألفة والمحبة.
وفيه: اعتناء الشارع بالجار والهدية له.
* * *
стр. 1446
بَابُ فَضْلِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ
[١٠٣١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جميعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي خُبَيْبُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)).
[خ: ٦٦٠]
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ، إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ.
قوله: ((يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه)): ظاهر الحديث يثبت الظل لله ، وأنه صفة من صفاته؛ لأنه أضافها إليه كسائر صفاته (١)، إلا أن الصحيح كما قال النووي: ((والمراد هنا: ظل العرش، كما جاء في حديث آخر مبينًا)) (٢)، أي قوله (: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) (٣).
ففيه إضافة الظل للعرش؛ وقد جاؤ في رواية لحديث الباب عن سلمان
стр. 1447
موقوفًا، وفيه: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ)) (١) وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده (٢)، فيكون المراد به ظل العرش؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
وفي هذا الحديث: بيان فضل هؤلاء السبعة المذكورين.
وبدأ النبي ﷺ بالإمام العادل؛ لعموم نفعه وتعديه؛ لأن الإمام العادل تصلح به البلاد والعباد، ويقيم الله به الأمن وينتصف به المظلوم من الظالم، ويؤخذ به على يد السفيه، وتقام الحدود بسببه.
وقوله: ((وَرَجُلٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ)): وفي رواية أخرى: ((إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ))، ليس المعنى: أنه يجلس في المسجد ولا يخرج، بل المعنى: أنه يخرج إلى الأسواق ويبيع ويشتري، لكن عنده عناية بالصلاة.
وقوله: ((وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ))، يعني: اجتمعا على المحبة، لا لأجل النسب، أو الشراكة في المال، أو لمصالح أخرى.
وقوله: ((وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ))، يعني: دعته إلى الفاحشة، فقال: إني أخاف الله ، ومثله المرأة إذا دعاها رجل ذو منصب وجمال، فقالت: إني أخاف الله ، فلها هذا الفضل.
وقوله: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ)): هذا وهمٌ من الناقلين، كما قال القاضي ﵀ (٣)، وقد رواه البخاري في صحيحه، على الصواب: ((حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)) (٤)؛ لأن النفقة تكون باليمين، لا بالشمال.
وقوله: ((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))، يعني: فاضت عيناه من خشية الله وهو خالٍ ليس عنده أحد، بخلاف ما إذا كان عند الناس، فقد يكون رياءً، ومثله المرأة إذا ذكرت الله خاليةً ففاضت عيناها، فلها هذا الفضل.
стр. 1448
بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ صَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ .
[١٠٣٢] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)).
[خ: ١٤١٩]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ فَقَالَ: ((أَمَا- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّهُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْبَقَاءَ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ)).
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟
قوله: ((أَمَا- وَأَبِيكَ- لَتُنَبَّأَنَّهُ)): الصواب: أن هذا الحلف بأبيه كان قبل النهي عن الحلف بغير الله ، قال ﷺ : ((أَلا، إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ)) (١).
وفي هذا الحديث: بيان أفضل الصدقة بالنسبة لحال الشخص: وهو أن يتصدق وهو صحيح شحيح يخشى الفقر، ويأمل الغنى؛ لأن المال في هذه الحالة يكون محبوبًا لنفسه، والنفس تشح به، بخلاف ما إذا كان في مرض الموت فإن المال يرخص، ويعلم صاحبه أنه سينتقل عنه.
стр. 1449
بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَأَنَّ السُّفْلَى هِيَ الْآخِذَةُ
[١٠٣٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ-: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ)).
[خ: ١٤٢٩]
[١٠٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، جميعًا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ- أَوْ: خَيْرُ الصَّدَقَةِ- عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ)).
[خ: ١٤٢٧]
قوله: ((وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)): اليد العليا هي: المنفقة، والسفلى هي: الآخذة.
وقوله: ((وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، يعني: ابدأ بمن يجب عليك عولهم، والإنفاق عليهم، أي: أن العيال والقرابة أحق من الأجانب.
وفي هذه الأحاديث:
١ - الحث على أن تكون يد الإنسان عليا.
٢ - الحث على كسب المال من وجوه مشروعة حتى يتصدق منه.
٣ - التحذير من السؤال.
٤ - بيان أفضل الصدقة بالنسبة للمال: وهو ما كان ((عَنْ ظَهْرِ غِنًى))، أي: ما زاد عن حاجة الإنسان من نفقته على نفسه، وأهله، وأولاده، ومن كان تحت يده من الدواب والبهائم.
стр. 1450
٥ - بيان أفضل الصدقة بالنسبة للمتصدَّق عليه، وهي: الصدقة على الأقارب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))، وقال في الحديث الآخر: ((دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ)) (١).
وجاء في قصة ميمونة ﵂ لما أعتقت وليدة لها: أن النبي ﷺ قال لها: ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)) (٢).
[١٠٣٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)).
[خ: ١٤٧٢]
في هذا الحديث: أن حكيم بن حزام ﵁ سأل النبي ﷺ شيئًا من المال فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه- ثلاث مرات- ثم نصحه بنصيحة انتفع بها، فقال له النبي ﷺ : ((إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ))، يعني: تميل إليه النفس، فالشيء الأخضر مرغوب فيه، وكذلك الحلو مرغوب فيه.
وقال له: ((فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ))، يعني: من أخذه بسخاوة نفس فلم يتطلع إليه، ولم يسأل، بارك الله له فيه، ((وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ)) وتاشراف: تطلع النفس وتعرضها وطمعها في الحصول عليه، ((لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ)).
стр. 1451
فانتفع حكيم بن حزام ﵁ بهذه النصيحة، وقال- كما في اللفظ الآخر-: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى الْعَطَاءِ، فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ ﵁ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ)) (١).
[١٠٣٦] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)).
قوله: ((أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ)): بفتح همزة أن، والمعنى: بذلُكَ الفاضلَ عن حاجتك وحاجة عيالك خيرٌ لك؛ لبقاء ثوابه.
وقوله: ((وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ)): بفتح همزة أن، والمعنى: وإمساكُكَ الفاضلَ شرٌّ لك؛ لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه، وإن أمسك عن المندوب نقص ثوابه، فهو في كلا الحالين شر؛ لتفويته مصلحة نفسه في آخرته.
وقوله: ((وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ))، يعني: أن لا لوم على صاحب المال في إبقاء ما يحتاج إليه منه، للنفقة على نفسه، وأهله، وأولاده؛ حتى لا يحتاج إلى غيره.
стр. 1452
بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ
[١٠٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)).
وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ، فَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَعْطَيْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَشَرَهٍ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ)).
[خ: ٧١]
قوله: ((وَشَرَهٍ)): الشَّرَهُ: هو التطلع والسؤال.
وقوله: ((وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ))، يعني: إنما أنا خازن على المال الذي يكون بيدي، ومؤتَمَن عليه، والله تعالى هو الذي يأمرني بتوزيعه، وإنفاقه، وفي لفظ قال: ((وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي اللَّهُ)) (١).
هذا الحديث له منطوق، ومفهوم؛ فمنطوقه: أن الفقه في الدين من علامة إرادة الله الخير للعبد، ومفهومه: أن من لم يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا- ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي هذا الحديث: نصيحة من معاوية ﵁، حيث يقول: ((إِيَّاكُمْ وَأَحَادِيثَ إِلَّا حَدِيثًا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يُخِيفُ النَّاسَ فِي اللَّهِ )؛ لأن عمر ﵁ كان إذا حدَّثه أحدٌ طلب منه التثبت، بأن يأتي بمن يشهد له أنه سمعه من النبي ﷺ ، كما جاء: ((أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
يكفيه، وليس عليه علامة الفقر، فلا يُفْطَن له، فهذا الذي ينبغي البحث عنه، والتعرف عليه، والتصدق عليه؛ لأنه أشد حاجة من الطَّوَّاف؛ لأن هذا ((الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ))، وفي لفظ: ((الَّذِي تَرُدُّهُ الْأُكْلَةَ وَالْأُكْلَتَانِ)) (١) قد يجتمع عنده ما يسد حاجته، أما المسكين فلا يفطن له الناس ليتصدقوا عليه، فقد يموت في بيته، ولا يعلم به أحد.
стр. 1456
بَابُ كَرَاهَةِ الْمَسْأَلَةِ لِلنَّاسِ
[١٠٤٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ- أَخِي الزُّهْرِيِّ- عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)).
[خ: ١٤٧٤]
وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَخِي الزُّهْرِيِّ هَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مُزْعَةُ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)).
في هذا الحديث: التحذير من السؤال بغير حق، فلا يزال الإنسان يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وقد سقط لحم وجهه- نعوذ بالله من ذلك.
[١٠٤١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ)).
في هذا الحديث: أن الذي يأخذ أموال الناس تكثُّرًا يصير هذا المال له جمرًا يُكوى به يوم القيامة.
رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ ))، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ )) قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: ((عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا- وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا))، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
قوله: ((وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً)): إنما أسر هذه الكلمة دون ما قبلها؛ لأن ما قبلها وصية عامة، وهذه الجملة مختصة ببعضهم، والمراد بالكلمة: المعنى اللغوي، وهي الجملة، وهذه الكلمة جاء تفسيرها في الحديث قَالَ: ((وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا))، وعند الإمام أحمد وابن حبان: ((ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ كَلِمَةً خَفِيَّةً، )) فَقَالَ: ((لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا)) (١).
وقوله: ((وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا)): شَيْئًا: نكرة في سياق النهي، والقاعدة الأصولية: أن النكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط تَعُمُّ، فأخذ الصحابة بهذا العموم فلم يسألوا الناس شيئًا مطلقًا، فكان بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم وهو على دابته، فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه، بل ينزل ويأخذ سوطه بنفسه.
стр. 1459
بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ
[١٠٤٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ، حَدَّثَنِي كِنَانَةُ ابْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: ((أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)) قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوَ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ- أَوَ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ- فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا)).
في هذا الحديث: أن المسألة لاتحل إلا لواحد من هؤلاء الثلاثة:
الأول: رجل تحمل في ذمته دينًا يصلح به بين الناس، حتى تزول المحن، فهذا يعطى من الزكاة، ولو كان غنيًّا؛ تقديرًا لعمله النبيل، ثم يمسك إذا أخذ ما تحمله.
الثاني: رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله؛ كحريق، أو ريح، وكأن يكون صاحب بستان مثلًا، ولم يبقَ عنده شيء ينفق منه على نفسه، وعلى أهله، فهذا يسأل حتى يجد ما ينفق على نفسه وعلى أهله، ثم يمسك.
الثالث: رجل أصابته فاقة وفقر شديد، ويشهد له ثلاثة من قومه من أصحاب العقول أن فلانًا أصابته فاقة، فيسأل حتى يأخذ ما يسد فاقته، ثم يمسك.
стр. 1460
والبينات أنواع:
فمنها: ما لا يُقبل فيه إلا ثلاثة؛ كالذي يدَّعي الفقر.
ومنها: ما لا يُقبل فيه إلا أربعة عدول من الرجال، كالبينة التي يثبت بها حدُّ الزنا.
ومنها: ما لا يُقبل فيه إلا عدلان من الرجال، وهو ما يوجب القصاص، أو الحد غير الزنا.
ومنها: ما يُقبل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، كالأموال والديون، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾.
ومنها: ما يقبل فيه امرأة واحدة، كالرضاع، والبكارة، والثيوبة، ونحوها مما لا يَطَّلع عليه إلا النساء.
ومنها: ما يُقبل فيه شاهد ويمين المدعي، وهي: الأموال والديون عند عدم وجود الشاهدَين.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ الْمَالِكِيِّ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ، أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ وَأَجْرِي عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ؛ فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ)).
وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الصَّدَقَةِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
قوله: ((أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ))، يعني: أعطاني أجرة عملي.
قال القاضي عياض ﵀ في التعليق على سند هذا الحديث: ((فى حديث قتيبة: بسر بن سعيد عن ابن الساعدي المالكي، وبعده فى حديث هارون: عن ابن السعدي، وهو الصواب، واسمه قدامة، وقيل: عمرو، وهو قرشي عامري، مالكي، من بني مالك بن حنبل بن عامر بن لؤى، وإنما قيل له: السعدي؛ لأنه استُرضع في بني سعد بن بكر، وأما الساعدي فلا أعرف له وجهًا، وابنه عبد الله من الصحابة)) (١).
وفي هذا الحديث: جواز أخذ العِوض على أعمال المسلمين، سواء كان لدِين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، والتدريس، والدعوة إلى الله؛ لأن هذا من بيت مال المسلمين، وكذلك الأعمال الأخرى.
ثم ضرب النبي ﷺ مثلًا، فقال: ((إِنَّ كُلَّ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا، أَوْ يُلِمُّ))، أي: أن الربيع له نضرة، تستهوي الدابة فتأكل الدابة منه، وتستكثر من الأكل حتى تصاب بالتخمة فتهلك، أو تقارب الهلاك.
وقوله: ((وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ، لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ)): المراد به: الذي ينفق المال بعد أن يجمعه في وجوه الخير والبر.
وفي هذا الحديث: التحذير من الانخراط في زينة الدنيا وما يبسط منها، والمفاخرة بها، والتحذير من أخذ المال بغير حقه، وعدم إنفاقه في الوجوه المشروعة.
والنبي ﷺ ضرب في هذا الحديث مثلين: مثلًا لمن يجمع المال ويمسكه ولا ينفقه، ومثلًا لمن يجمع المال من وجوهه المشروعة، وينفقه في وجوهه المشروعة.
فمثَّل الذي يجمع المال ولا ينفقه في وجوهه المشروعة بالدابة التي تأكل في الربيع، وتُكثر، ثم تصاب بالتخمة؛ فتهلك.
ومثَّل للذي يجمع المال ويصرفه في وجوهه المشروعة بالدابة التي تأكل، ثم بعد ذلك تخرج ما في بطنها؛ فإنها تسلم من شره.
والنبي ﷺ أنصحُ الناس للناس؛ لهذا خطبهم على المنبر، وحذرهم من الاغترار بالدنيا، وإيثارها على الآخرة، والتعسف في جمع المال من حلال أو حرام، وهذه نصيحة منه ﵊ لأمته كلها إلى يوم القيامة، وليست خاصة بالصحابة.
стр. 1470
بَابُ فَضْلِ التَّعَفُّفِ وَالصَّبْرِ
[١٠٥٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ- فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ)).
[خ: ١٤٦٩]
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَه.
في هذا الحديث: بيان جود وكرم النبي ﷺ وإيثاره المسلمين على نفسه.
وفيه: فضل العفة والصبر على ضيق العيش ومكاره الدنيا، والاستغناء بالله عن غيره من المخلوقات.
وفيه: لطيفة من دقائق الأمور وهي: أن الصفات الطيبة: " وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ"، والأخلاق الحميدة تُكتسَب، وذلك لمن تكلَّفها وتمرَّن عليها ابتغاء وجه الله ؛ فيكرمه الله ﵎ بها.
стр. 1471
بَابُ فِي الْكَفَافِ وَالْقَنَاعَةِ
[١٠٥٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ- وَهُوَ ابْنُ شَرِيكٍ- عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ)).
قوله: ((قَدْ أَفْلَحَ)): الفلاح هو: الحصول على المطلوب، والنجاة من المرهوب.
وقوله: ((وَرُزِقَ كَفَافًا)): الكفاف: ما يكفي الإنسان عن الحاجة إلى الناس.
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ علق الفلاح بثلاثة أشياء:
الأول: الإسلام.
الثاني: رزق الكفاف.
الثالث: القناعة.
فمن هداه الله لهذه الثلاث، فقد أفلح.
[١٠٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا)).
[خ: ٦٤٦٠]
قوله: ((قُوتًا))، أي: ما يُقِيتُ الإنسانَ، ويكفيه، ويسد رمقه وحاجته.
стр. 1472
بَابُ إِعْطَاءِ مَنْ سَأَلَ بِفُحْشٍ وَغِلْظَةٍ
[١٠٥٦] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ قَالَ: ((إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ، أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ)).
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ قد يعطي السائل وإن كان لا يستحق؛ لأنه لا يَرُدُّ ﵊ سائلًا، ولا يحب أن يُبَخَّل، أي: أن يقال: بخيل؛ ولهذا لما تعلَّق به الأعراب بمرجعه من حنين، وأعطاهم ما عنده، حتى اضطروه إلى شجرة من شجر البادية فخطفت رداءَه، قال: ((أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا)) (١).