[٩٩٦] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).
قوله: ((إِذْ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ)): القهرمان- بفتح القاف-: الخازن القائم بحوائج الناس، وهو بمعنى الوكيل، ويسمى عند بعض التجار وبعض الأمراء: وزيرًا.
في هذا الحديث: أنه يجب على مالك الرقيق أن ينفق عليهم، وأنه إذا حبس النفقة عنهم يكون آثمًا؛ لقول النبي ﷺ : ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ)).
стр. 1402
بَابُ الِابْتِدَاءِ فِي النَّفَقَةِ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ أَهْلِهِ، ثُمَّ الْقَرَابَةِ
[٩٩٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا يَقُولُ، فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ)).
[خ: ٧١٨٦]
وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يعني: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَذْكُورٍ- أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ- يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوبُ- وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ.
قوله: ((فَبَيْنَ يَدَيْكَ))، يعني: أمامك.
وقوله: ((وَعَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ))، يعني: أن النفقة مرتبة، فيبدأ بالنفقة على النفس، ثم على الأهل، ثم على القرابة، ثم بعد ذلك على المساكين.
في هذا الحديث: جواز بيع المدبَّر- إذا لم يكن له مال غيره- لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته.
والمدبَّر: هو العبد الذي يعتقه الإنسان بعد موته، فيقول: هذا العبد عتيق بعد موتي، فإذا لم يكن له مال غيره فيجوز أن يبيعه لينفق على نفسه، ثم على أهله، ثم على قرابته.
стр. 1403
وفيه: دليل على أن نفس الإنسان مقدَّمة على غيره.
وفيه: جواز الحجر على المفلس، وبيع ماله، وكذلك جواز الحجر على السفيه، قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾، فالسفيه: الصغير، والمعتوه: ضعيف العقل، فيحجر عليه ولا يُعطَى مالَهُ حتى يكون رشيدًا، وكذلك المفلس إذا طلب غرماؤه ديونهم، وكان دينُه أكثرَ من ماله يُحجر عليه.
وفيه: الرد على الإمام مالك ﵀ القائل بأنه لا يجوز بيع العبد المدبَّر إلا إذا كان على سيده دين (١).
وقوله: ((بَخْ)): فيه لغات (١)، وهي كلمة لتفخيم الأمر وتعظيمه، قال ابن الأثير: ((بَخْ بَخْ)): كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وتكرَّر للمبالغة، وهي مبنية على السكون، فإن وُصلت جُرَّت ونُوِّنت، فيقال: بَخٍ بَخٍ، وربما شُدِّدت، وبخبختَ الرجل، إذا قلتَ له ذلك.
وقوله: ((ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ)) من الربح، وروي ((ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ)) (٢)، يعني: رايح أجره عند الله .
وفي هذا الحديث: أن النفقة على الأقارب مقدَّمة على النفقة على الأباعد؛ لأن النفقة على القريب صدقة، وصلة، بخلاف البعيد فإنها صدقة فحسب.
وفيه: فضل أبي طلحة ﵁ وقوة إيمانه، حيث تصدق بهذه الحديقة التي هي أَنْفَس أمواله وبذلها لله .
وفيه: جواز قول: يقول الله، أو قال الله كذا.
وفيه: أن بني العم يدخلون في الأقارب، ولو كانوا بعيدين؛ لهذا قسمها أبو طلحة لأبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وهو يجتمع معهم في الجد السابع، وكلما قربت الصدقة على الأقارب كانت أفضل.
[٩٩٩] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)).
[خ: ٢٥٩٤]
في هذا الحديث: أن صلة الرحم تكون بالمال، أو بالعبد يدفعه إليهم لخدمتهم، ويكون هذا أفضل من عتق العبد؛ لأن ميمونة ﵂ أعتقت هذه الوليدة، فقال لها الرسول ﷺ : ((لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ))،
стр. 1406
يعني: لو تصدقتي بها على أخوالك كان أفضل من العتق.
وفيه: جواز تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها؛ لأن ميمونة ﵂ أعتقت هذه الوليدة، ولم تستأذن النبي ﷺ ، ولم ينكر عليها النبي ﷺ ، ولكن إذا استأذنت المرأة زوجها تطييبًا لخاطره من باب حسن المعاشرة فهذا حسن.
وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: ((لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا)) (١) فيجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: أنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، والشاذ ضعيف لا يحتج به، وإن لم يكن شاذًّا فما في صحيح مسلم مقدَّم على غيره عند التعارض.
الجواب الثاني: أنه محمول على عطية المرأة من مال زوجها، لا من مالها.
إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ، فَقَالَ: ((نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ)).
[خ: ١٤٦٧]
وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ.
قوله: ((وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ)): هل يدل على أنه لا زكاة في الحلي؟
الجواب: أنه لا يدل على ذلك؛ لأن صدقة التطوع غير الزكاة.
وفي هذا الحديث: فضل الصدقة على الأيتام في الحجر، وفضل صدقة المرأة على زوجها، وأن فيها أجرين: أجر القرابة، وأجر الصدقة.
وهذه الصدقة قال فيها بعضهم: هي الزكاة، وقيل: هي صدقة التطوع، والأقرب: أنها صدقة التطوع، كما قال ذلك النووي رحمه الله تعالى: ((ونفقة أم سلمة على بنيها المراد به كله: صدقة تطوع، وسياق الأحاديث يدل عليه)) (١).
فإن قيل: إنَّ صَدَقَتَها كانت زكاةً، وعليه فيجوز دفع الزكاة من المرأة إلى زوجها، دون أولادها.
أجيب: بأنها تصدقت على زوجها، وعلى أولادها؛ والقول بأنها على الزوج زكاةٌ، وعلى الأيتام صدقةُ تطوعٍ- بعيدٌ، والأقرب: أنها صدقة تطوع للزوج وللأولاد.
وفي قول زينب ﵂: ((وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ))، ثم إخبار بلال ﵁ بهما إشكال، وهو: أنه قد يقال: إن بلالًا أخلف الوعد، وأفشى السر؟ !
والجواب: أن النبي ﷺ سأله، وجواب النبي ﷺ واجب، وهو مقدَّم على غيره.
وفيه: فضل النفقة من المرأة على أولادها، وأنها مأجورة كالرجل؛ لقول النبي ﷺ ((نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ)).
стр. 1409
[١٠٠٢] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً- وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا- كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً)).
[خ: ٥٣٥١]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((يَحْتَسِبُهَا)): الاحتساب معناه: أن يحتسب الأجر عند الله، ويتذكر أن الله أوجب عليه النفقة عليهم، وأنه ينفق عليهم قيامًا بالواجب، وابتغاءً لمرضاة الله.
وهو ليس قيدًا في الأجر، فالمعنى: أنه إذا احتسب فله أجر زائد على أجر النفقة.
وخالف النووي ﵀ واختار أنه قيد؛ لأنه يرى أن المحتسب هو الذي يؤجر، وأنه إذا أنفق مع الغفلة فلا يؤجر، وهذا مرجوح (١).
стр. 1410
[١٠٠٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ- أَوْ رَاهِبَةٌ- أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
[خ: ٢٦٢٠]
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي- وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ- فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)).
في هذا الحديث: أن أم أسماء ﵂ قَدِمَت عليها في الهدنة التي بين النبي ﷺ وبين قريش بصلح الحديبية.
وقولها: ((وَهِيَ رَاغِبَةٌ))، يعني: طالبة صلتي.
وفي الرواية الأولى: ((وَهِيَ رَاغِبَةٌ- أَوْ رَاهِبَةٌ)): وهذا شك من الراوي.
فاستفتت النبي ﷺ ، وقالت: ((أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ ))، فقال: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)).
وفيه: جواز صلة القريب الكافر والصدقة عليه إذا لم يكن حربيًّا، قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم﴾، وثبت: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ))، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا))، فَكَسَاهَا
стр. 1411
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا (١).
وفيه: أن الكافر- إذا كان والدًا- يُحْسَن إليه، ويُنفَق عليه، كما قال الله تعالى- في الوالدَين الكافرَين-: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾.
فإن قيل: كيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾؟
الجواب: أنه لا يلزم من الإنفاق عليهم مودتهم، فيستقيم أن يُنفِق عليهم وهو لا يحبهم.
стр. 1412
بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْمَيِّتِ إِلَيْهِ
[١٠٠٤] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
[خ: ١٣٨٨]
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: وَلَمْ تُوصِ، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ.
قوله: ((افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا))، يعني: ماتت فجأة.
في هذا الحديث: دليل على وصول ثواب الصدقة إلى الميت المسلم، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة، وخالفهم في هذا بعض أهل البدع، وقالوا بمنع وصول شيء للميت غير ما تسبَّب به في الحياة.
واتفق أهل السنة على وصول ثواب الدعاء، والحج، والعمرة، والأضحية، إلى الميت، واختلفوا في وصول ثواب الأعمال البدنية، على قولين:
القول الأول: قول الحنابلة والأحناف: أنها تصل إلى الميت (١).
القول الثاني: قول المالكية والشافعية: أنها لا تصل، وأنه يوقف عند النص، قالوا: يهدى للميت ثواب الصدقة، والدعاء، والحج، والعمرة،
стр. 1413
أما قراءة القرآن فيقرأ لنفسه، ويدعو للميت، ويسبح لنفسه، وهذا هو الصواب؛ لأن العبادات توقيفية (١).
أما الصيام الذي وجب على الميت، وتمكن من قضائه ولم يقضِهِ، فهذا يقضيه عنه وليُّه؛ لعموم قول النبي ﷺ : ((مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ)) (٢).
وفيه: أن جماع الرجل أهله صدقة.
وفيه: معرفة حكم الشيء من ضده؛ لهذا قال بعضهم: هذا من قياس العكس؛ لأن النبي ﷺ حين قالوا له: يا رسول الله، كيف يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ ! قال: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ))، فذكَّرهم بالضد.
وفيه: جواز القياس والرد على من أنكره.
[١٠٠٧] حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ- يعني: ابْنَ سَلَّامٍ- عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إن رسول الله ﷺ قال: ((إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإِنَّهُ يَمْشِي- يَوْمَئِذٍ- وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ))، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ: يُمْسِي.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زَيْدٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، وَقَالَ: فَإِنَّهُ يُمْسِي- يَوْمَئِذٍ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ- يعني: ابْنَ الْمُبَارَكِ- حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ))، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ: فَإِنَّهُ يَمْشِي- يَوْمَئِذٍ.
في هذا الحديث: أن كل إنسان رُكِّب على ستين وثلاثمائة مفصل: وهي
стр. 1416
السُّلامِيَّات، وأن عليه أن يتصدق عن هذه السُّلاميَّات، وأن الله تعالى قد نوَّع الصدقة؛ فالتسبيح، والتهليل والتكبير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر صدقات، وأنه إذا ركع ركعتين كفاه ذلك؛ لما ورد في رواية أخرى قوله ﷺ : ((يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى)) (١).
[١٠٠٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ))، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ)) قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ)) قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: ((يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ- أَوِ الْخَيْرِ)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)).
[خ: ١٤٤٥]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
في هذا الحديث: بيانٌ لأنواع المعروف والإحسان، وأنها خمس مراتب:
أولها: الصدقة.
ثانيها: العمل باليدين، فينفع نفسه ويتصدق.
ثالثها: إعانة ذي الحاجة الملهوف.
رابعها: الأمر بالمعروف.
خامسها: الإمساك عن الشر، وهو صدقة على نفسه.
стр. 1417
[١٠٠٩] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ قَالَ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ قَالَ: وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).
[خ: ٢٩٨٩]
قوله: ((تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ))، يعني: تصلح بينهما.
قوله: ((وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ))، ومن ذلك: أنك إذا أعنتَ إنسانًا على إصلاح سيارته، فيُعَدُّ هذا من الصدقات.
وفي هذا الحديث: بيان لأنواع من الصدقات: وهي الإصلاح بين الناس، وإعانة الرجل على دابته، والكلمة الطيبة، والخطوة إلى الصلاة، وإماطة الأذى عن الطريق.
стр. 1418
بَابُ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِكِ
[١٠١٠] وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ- وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ: أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)).
في هذا الحديث: فضل الإنفاق، وأن الله تعالى وكَّل للمنفق ملكًا يدعو له: ((اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا))، ووكَّل للممسك ملكًا يدعو عليه: ((اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)).
وهذان ملكان كريمان دعوتهما مستجابة؛ لأنهما يفعلان ذلك عن أمر الله ، فيُخشى على الممسك عن الواجبات أن يصيب ماله التلف؛ لأنه خالف أمر الله ، كما يُرجى للمنفق الخلف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
стр. 1419
بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّدَقَةِ قَبْلَ أَنْ لَا يُوجَدَ مَنْ يَقْبَلُهَا
[١٠١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا؛ فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا)).
[خ: ١٤١١]
[١٠١٢] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ)). وفِي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ: وَتَرَى الرَّجُلَ.
[خ: ١٤١٤]
قوله: ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ)): وذلك يكون بسبب كثرة المال، وإذا كانت الصدقة من الذهب ولا تجد من يقبلها، فغير الذهب من باب أولى.
وقوله: ((وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ)): هذا بسبب الحروب في آخر الزمان، والملاحم، والقتال، وتراكم الفتن، وقرب قيام الساعة، فيُقتل الرِّجال، ولا يبقى من القبيلة إلا الواحد، أو الاثنان، فتلوذ به أربعون امرأة حتى يدافع عنهن، ويقوم بحوائجهن، وينتسبن إليه، حتى لا يعتدي عليهن أحد، ولا يؤذيهن أحد.
وفي هذا الحديث: الحث على الصدقة، والمبادرة بها قبل فوات
стр. 1420
الأوان؛ لأنه قد يأتي وقت يتصدق فيه الإنسان فلا يجد من يقبل صدقته، ((فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا)).
ويحتمل أن يكون هذا في آخر الزمان بعد نزول عيسى ﵊، ويحتمل أن يكون في زمن المهدي.
[١٥٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا)).
[خ: ١٤١٢]
قوله: ((وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا))، أي: تصير كذلك بعد قلة المياه فيها، وصعوبة استخراجها من الآبار، والواقع الآن شاهد بذلك، فقد فاضت العيون على وجه الأرض.
والنووي ﵀ أوَّل الحديث بتأويل آخر، فقال: ((معناه- والله أعلم-: أنهم يتركونها ويُعرضون عنها، فتبقى مهملةً لا تُزرع ولا تُسقى من مياهها؛ وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به)) (١)، لكن هذا خلاف الظاهر، والصواب: أن الحديث على ظاهره، وأن أرض العرب تصير مروجًا وأنهارًا بعد قلة المياه فيها، وصعوبة استخراجها من الآبار، وقد وقع هذا، ولعله يزيد في آخر الزمان.
стр. 1421
وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ)).
[خ: ١٤١٢]
[١٠١٣] وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ- واللفظ لواصل- قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا)).
قوله: ((تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ))، أي: يوم العرض، والله أعلم بكيفية ذلك، هل تقيء الأرض بعد تسويتها، أو قبل تسويتها؟ الله أعلم.
وفي هذا الحديث: أن هذه المشاهد تكون يوم القيامة.
وقيل: يكون هذا في آخر الزمان حين يكثر المال، ويحتمل أنه يكون يوم القيامة؛ لقوله ﷺ في الحديث: ((فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي))، فلو كان هذا في آخر الزمان لما جاء القاتل، والقاطع، والسارق، كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في ((الكافية الشافية)) (١).
صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ ذَكَرَ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قَالَ: ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)).
[خ: ٦٥٣٩]
قوله: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ))، أي: من دون واسطة، والترجمان: هو الواسطة الذي ينقل الكلام.
وقوله: ((فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ))، أي: إلى جهة اليمين.
وقوله: ((وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ))، أي: إلى جهة الشمال.
وقوله: ((وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ))، أي: أمامه.
وفي هذه الأحاديث: أن الصدقة ستر وحجاب من النَّار، وأنها ظل يستظل به يوم القيامة، وأنه إذا لم يجد ما يتصدق به فالكلمة الطيبة تقوم مقامها، كما جاء في قوله ﷺ : ((اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ))، أي: اجعلوا بينكم وبينها وقاية بالصدقة، ولو بشق تمرة، أي: بنصف تمرة.
وفيها: بيان مشهد من مشاهد القيامة، وهو أن الله تعالى يكلم العباد، وهذا عام للمؤمن والكافر، ولكن الكافر محجوب عن رؤية الله، كما قال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
كلها ممنوعة؛ لقول النبي ﷺ : ((وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)) (١).
والبدعة هي: الحدث في الدين، قال ﷺ : ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ)) (٢).
وفي هذه الأحاديث: مشروعية الخطبة وحث الناس على الصدقة عند وجود أسبابها.
وفيها: فضل من أحيا السنن، وأمات البدع.
وفيها: أنه لما حث النبي ﷺ على الصدقة ((جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ))، فَسَنَّ للناس سنة حسنة، ((ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ))، واقتدوا به، حتى رأى الراوي ((كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ))، فقال النبي ﷺ حينئذٍ-: ((مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا)).
стр. 1429
بَابُ الْحَمْلِ بِأُجْرَةٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا، وَالنَّهْيِ الشَّدِيدِ عَنْ تَنْقِيصِ الْمُتَصَدِّقِ بِقَلِيلٍ
[١٠١٨] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يعني: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ قَالَ: فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾، وَلَمْ يَلْفِظْ بِشْرٌ بِالْمُطَّوِّعِينَ.
[خ: ١٤١٥]
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ إسحاق ابْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَا.
في هذا الحديث: بيان أن المنافقين لم يكن يسلم منهم أحد، فمن تصدق بقليل قالوا: إن الله ليس بحاجة إلى صدقته القليلة، ومن تصدق بكثير قالوا: هذا مُرَاءٍ.
وفيه: فضل الصحابة ﵃، وحرصهم على الصدقة والخير، فإنه لما حثهم النبي صلى الله عليهم وسلم على الصدقة، ولم يكن عندهم شيء- صاروا يحملون على ظهورهم، فما اجتمع معهم يتصدقون منه، وينفقون على أهلهم.
стр. 1430
بَابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
[١٠١٩] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَبْلُغُ بِهِ-: أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ، إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ.
[خ: ٢٦٢٩]
[١٠٢٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى فَذَكَرَ خِصَالًا، وَقَالَ: ((مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً غَدَتْ بِصَدَقَةٍ، وَرَاحَتْ بِصَدَقَةٍ، صَبُوحِهَا وَغَبُوقِهَا)).
وقوله: ((تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ)): العُسُّ: القدح والإناء يحلب فيه.
وقوله: ((صَبُوحِهَا)): الصَّبُوحُ: هو حليب النهار.
وقوله: ((وَغَبُوقِهَا)): الغَبُوقُ: حليب المساء.
والمعنى: يحلبونها صباحًا ومساءً، وهذا فيه فضل عظيم؛ لقول النبي ﷺ : ((إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ)).
وفي هذا الحديث: فضل المنيحة من الحيوان، وهي أن يعطي إنسان شخصًا أو أهلَ بيت ناقةً أو شاةً أو بقرةً؛ ليشربوا لبنها مدة معينة ثم يردوها إليه، ومثله: المنيحة من الثمار، فيمنح صاحبُ البستانِ الفقيرَ نخلة أو نخلات، يأكل ثمارها مدة من الزمن.
стр. 1431
بَابُ مَثَلِ الْمُنْفِقِ، وَالْبَخِيلِ
[١٠٢١] حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ عَمْرٌو: وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ- أَوْ جُنَّتَانِ- مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَإِذَا أَرَادَ الْمُنْفِقُ- وَقَالَ الْآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ- أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ- أَوْ مَرَّتْ- وَإِذَا أَرَادَ الْبَخِيلُ أَنْ يُنْفِقَ قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا، حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ)) قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ: يُوَسِّعُهَا فَلَا تَتَّسِعُ.
[خ: ١٤٤٣]
هذا الحديث وقع فيه أوهام، كما قال القاضي عياض ﵀ (١):
فمن هذه الأوهام: ما وقع في قوله: ((مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ))، فالصواب: ((مَثَلُ البَخِيلِ والمُتَصَدِّق)).
ومنها: ما وقع في قوله: ((كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُبَّتَانِ- أَوْ جُنَّتَانِ))، فالصواب: ((كَمَثَلِ رَجُلٍ عَلَيْهِ جُنَّتَانِ)) بالنون.
ومنها: ما وقع في قوله: ((وَقَالَ الْآخَرُ: فَإِذَا أَرَادَ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يَتَصَدَّقَ سَبَغَتْ عَلَيْهِ- أَوْ مَرَّتْ))، والصواب: ((أو مدَّت)) بدل: ((مَرَّتْ)).
ومنها: ما وقع في قوله: ((حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ)) فهذا وهمٌ؛ لأن هذا القول إنما جاء في المتصدق، لا في البخيل، وهو على الضد من ذلك، كما في قوله: ((قَلَصَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَوْضِعَهَا)).
الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفِّيَ أَثَرَهُ))؛ لأنه يجد انشراح صدر وراحة، كأنه هو الآخذ، أما البخيل- والعياذ بالله- فإنه: ((إِذَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِصَدَقَةٍ تَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ، وَانْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا، فَيَجْهَدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ))، أي: إذا أراد أن ينفق حصل له انقباض وضيق في الصدر، وكأنه مأخوذ منه شيء لا يستطيع رده؛ ولهذا ضرب له النبي ﷺ مثلًا بالجبة التي تقلصت عليه.
وفيه: ضرب المثل للبخيل والمتصدق بالجبتين؛ لأن المنفق يستره الله بنفقته، ويستر عوراته فى الدنيا والآخرة كستر هذه الجبةِ لابسَها، والبخيل بإمساكه عن نفقة ماله فيما يستره، ويستر عوراته، كهذا الذي لبس الجبة إلى ثدييه، بقي باديَ العورة مفتضحًا فى الدنيا والآخرة (١).
والمعنى: أن البخيل إذا حدَّث نفسه بالصدقة شحت نفسه، وضاق صدره، وانقبضت يداه.
стр. 1434
بَابُ ثُبُوتِ أَجْرِ الْمُتَصَدِّقِ وَإِنْ وَقَعَتِ الصَّدَقَةُ فِي يَدِ غَيْرِ أَهْلِهَا
[١٠٢٢] حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى ابْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، وَعَلَى سَارِقٍ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ)).
[خ: ١٤٢١]
في هذا الحديث: أنَّ مَن تحرى واجتهد في إخراج الصدقة ووَضَعها فيمن يغلب على ظنَّه أنه أهل لها فإن صدقته مقبولة- إن شاء الله تعالى-؛ لقوله ﷺ : ((فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ))، خلافًا للنووي ﵀، القائل: ((وفيه: ثبوت الثواب في الصدقة، وإن كان الآخذ فاسقًا وغنيًّا، ففي كل كبد أجر، وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزي دفعها إلى غني)) (١)، والصواب: قبولها؛ لأن المخرِج للزكاة، أو للصدقة قد أدى ما عليه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتبرأ ذمته بالاجتهاد، لكن إذا ظن أنه ليس أهلًا لها فلا بد من السؤال والتحري، فإن لم يتحرَّ وأخرجها له لم تجزئه.
стр. 1435
بَابُ أَجْرِ الْخَازِنِ الْأَمِينِ، وَالْمَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ بِإِذْنِهِ الصَّرِيحِ، أَوِ الْعُرْفِيِّ
[١٠٢٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، قَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدٌ عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ- وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ)).
[خ: ١٤٣٨]
قوله: ((مُوَفَّرًا)): تأكيد لقوله: ((كَامِلًا)).
وقوله: ((طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ))، يعني: يعطيها من غير أذى، ولا مماطلة؛ لأن الخازن مثل الأمين، فإذا أمره، وقال: أعطِ فلانًا كذا، فالواجب عليه أن يبادر بتنفيذ أمر صاحب المال، فإذا دفع ما أمره به كاملًا ولم ينقص منه شيئًا طيبةً به نفسه، صار له أجر المتصدق.
وقوله: ((أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ)): بالتثنية، وروي: ((أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ)) (١) بالجمع، فبالتثنية يعني: صاحب المال، والخازن، وبالجمع يعني: هو واحدٌ من المتصدقِين.
стр. 1436
[١٠٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا)).
[خ: ١٤٢٥]
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا- غَيْرَ مُفْسِدَةٍ- كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)).
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
قوله: ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا))، يعني: من طعام زوجها الذي في بيتها، ونبَّه بالطعام؛ لأنه الذي يُسمح به في العادة، وأما ما زاد عن العادة فلا، وكذلك ما خيف عليه من الفساد، بخلاف الدراهم والدنانير فلا بد فيها من الإذن الصريح.
وقوله: ((كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ))، يعني: لزوجها مثله من الأجر، ولا يلزم من هذا التساوي.
وفي هذا الحديث: أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة له أجره كاملًا، لا ينقص من أجرهم شيء.
стр. 1437
بَابُ مَا أَنْفَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ
[١٠٢٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُمَيْرٍ- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَأَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ)).
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يعني: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ- يعني: ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا- مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ- قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: ((الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا)).
وقوله ﷺ : ((نَعَمْ، وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ))، يعني: قسمين.
وفي هذا الحديث: أن جواز تصدق العبد بغير إذن سيده محمول على التصدق بشيء يظن أن سيده يرضى به.
وفيه: أن العبد إذا تصدق بمال سيده بما جرت به العادة فله أجر، ولسيده أجرٌ مثله.
وظاهر اللفظ الأول أن عميرًا ﵁ استأذن سيده في الصدقة بقدرٍ يعلم رضاه به.
أما اللفظ الثاني فمحمول على أن عميرًا ﵁ تصدق بشيء يظن أن مولاه يرضى به، ولم يرضَ به مولاه فلعمير ﵁ أجر لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنية الطاعة، ولمولاه أجر؛ لأن ماله تلف عليه.
стр. 1438
[١٠٢٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَصُمِ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ)).
[خ: ٥١٩٢]
قوله: ((لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ))، أي: حاضر غير مسافر، فإن كان مسافرًا فلها أن تصوم، والمراد بالصوم هنا: صوم التطوع، أو الصوم الواجب على التراخي، كمن كان عليه قضاء من رمضان؛ لقول عائشة ﵂: ((كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (١)، وليس لها أن تصوم إلا بإذنه إذا كان حاضرًا؛ لأن له حقَّ الاستمتاع بها، والصوم يمنعه من الاستمتاع، فإذا أذن لها صامت، وإلا أفطرت.
وقوله: ((وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ))، أي: لا تأذن لأحد بدخول بيته إلا لأحد يرضاه.
وقوله: ((وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ))، يعني: ما أنفقت من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعين، ويكون معها إذن عام سابق متناول لهذا القدر وغيره.
وفي هذا الحديث: أن الإذن نوعان، كما قال النووي (٢):
النوع الأول: الإذن الصريح في النفقة والصدقة.
стр. 1439
النوع الثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت العادة به، واطرد العرف فيه، وعلم بالعرف رضاء الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك حاصل وإن لم يتكلم.