بَابُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ
[١١٦٠] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ.
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ولا يبالي من أيِّها كان، وكان النبي ﷺ يوصي أبا هريرة وأبا الدرداء ﵄ بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهذه الثلاثة أيام من أيِّ الشهر كان؛ من وسطه، أو من أوله، أو من آخره، متتابعةً، أو متفرقةً، وبصيامها يحصل له أجرٌ كأنما صام الدهر كله؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.
وجاء في غير الصحيح: أن النبيَّ ﷺ ، قال لأبي ذر: ((يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ)) (١)، وهذا الحديث صحيح ولا بأس بسنده، وعلى هذا فالأفضل للمسلم أن يصوم الأيام البيض، وإن لم يتيسر، أو فاتت عليه صامها من أيِّ الشهر.
صِيَامِ الدَّهْرِ، فَقَالَ: ((لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، أَوْ مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ)) قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ: ((وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ ! )) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ قَالَ: ((لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ)) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ قَالَ: ((ذَاكَ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ ﵇) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ: ((ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ- أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ)) قَالَ: فَقَالَ: ((صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ)) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)) قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ)).
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَسَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِ الْخَمِيسِ لَمَّا نُرَاهُ وَهْمًا، وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ: الِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَمِيسَ.
في هذا الحديث جملة من الفوائد، منها:
١ - أن النبي ﷺ غضب، وقد ذكر النووي ﵀ سبب غضبه، فقال: ((قال العلماء: سبب غضبه ﷺ : أنه كره مسألته؛ لأنه يحتاج إلى أن يجيبه، ويخشى من جوابه مفسدة، وهي: أنه ربما اعتقد السائل وجوبه، أو استقلَّه، أو اقتصر عليه، وكان يقتضي حاله أكثر منه، وإنما اقتصر عليه النبي ﷺ لشغله بمصالح المسلمين وحقوقهم، وحقوق أزواجه، وأضيافه والوافدين إليه؛ ولئلَّا يقتدي به كل أحد، فيؤدي إلى الضرر في حق بعضهم.
стр. 1620
وكان حق السائل أن يقول: كم أصوم؟ أو كيف أصوم؟ فيخص السؤال بنفسه؛ ليجيبه بما تقتضيه حاله، كما أجاب غيره بمقتضى أحوالهم، والله أعلم)) (١).
٢ - إثبات الغضب لله ، كما يليق بجلاله ، والرد على من أنكر الغضب من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية.
٣ - النهي عن صوم الدهر، وقد سبق تفصيل الخلاف فيه في بابه.
وقوله ﷺ : ((لَا صَامَ، وَلَا أَفْطَرَ))، يعني: ليس فيه فضيلة.
٤ - ترغيب النبي ﷺ في صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن هذا أرفقُ بالمسلم، وهو الذي يستطيع أن يقوم معه بالواجبات الأخرى.
٥ - فضل صيام يوم عرفة، وأن صيامه يُكفِّر الله به ذنوب سنتين؛ السنة التي قبله، والسنة التي بعده.
٦ - أن صيام عرفة يُكفِّر ذنوب الصائم في السنتين، والمراد: تكفير الذنوب الصغائر عند جمهور العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.
وقال بعض العلماء: المراد تكفير الذنوب الكبائر والصغائر، لكن ظاهر النصوص أن المراد بها: الصغائر.
стр. 1621
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: ((فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ)).
في هذا الحديث: فضل صيام يوم الاثنين، وأنه اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ ، واليوم الذي بُعث فيه وأُنزل عليه فيه الوحي.
وجاء في الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال عن يوم الاثنين، والخميس: ((ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)) (١) فدل على فضل صومهما.
وقال بعضهم: المراد وسط الشهر؛ لأن سرار كل شيء وسطه (١).
وذلك أن هذا الرجل كان معتادًا صيام آخر الشهر، أو أنه نذر فلم يصم آخِرَ شهر شعبان لمَّا سمع حديث: ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ)) (٢)، فظن أنه داخل في النهي، فسأله النبي ﷺ : ((هَلْ صُمْتَ مِنْ سُرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قال: لا، يا رسول الله، فقال: إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ، فَصُمْ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ))، يعني: قضاءً؛ لأن من كان له عادة فهو مستثنى من الحديث.
بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ إِتْبَاعًا لِرَمَضَانَ
[١١٦٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدّهْرِ)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخُوَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بِمِثْلِهِ، وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
في هذا الحديث: استحباب صيام ستة أيام من شوال، سواء كانت متفرقة، أو متتابعة، في أول الشهر، أو في وسطه، أو في آخره؛ لأن هذا يصدق عليه إتباع رمضان بست من شوال، وإذا بادر وصامها بعد العيد فهذا حسن.
وفيه: أن صيام ست أيام من شوال بعد رمضان كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصوم رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين.
وذهب المالكية إلى أنه يكره صيام ستة أيام من شوال (١)، ولعل مالكًا ﵀ لم يبلغه هذا الحديث.
стр. 1626
بَابُ فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِهَا، وَبَيَانِ مَحَلِّهَا، وَأَرْجَى أَوْقَاتِ طَلَبِهَا
[١١٦٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)).
[خ: ١١٥٨]
قوله: ((تَوَاطَأَتْ))، يعني: توافقت.
في هذا الحديث: أن السبع الأواخر أرجى لليلة القدر من غيرها، ولا يدل على أنها لا تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين، بل تكون في العشر الأواخر كلها- أشفاعها، وأوتارها- كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ)) (١).
فدل على أن الصواب في ليلة القدر: أنها متنقلة، تكون في الليالي الوترية أرجى من غيرها، وقد تكون في الأشفاع، والسبع الأواخر أرجى من غيرها، وليلة سبع وعشرين أرجى من غيرها.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً.
[خ: ٢٠١٦]
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ الْعَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَالَ: وَجَبِينُهُ مُمْتَلِئًا طِينًا وَمَاءً.
قوله: ((يُجَاوِرُ))، يعني: يعتكف.
والمراد: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواسط من رمضان، يطلب ليلة القدر، ثم لما خرج من معتكفه بعد أن مضت عشرون ليلة أعلمه الله بأنها في العشر الأواخر.
وفي هذا الحديث: أن ليلة القدر وقعت في تلك السنة في ليلة إحدى وعشرين، ورأى النبي ﷺ في الرؤيا أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، وانصرف النبي ﷺ من صبح إحدى وعشرين وعلى جبهته الماء والطين.
قُلْتُ: مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ؟ قَالَ: إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا ثنتان وعشرون، وَهِيَ التَّاسِعَةُ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ، فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وَقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ: مَكَانَ يَحْتَقَّانِ: يَخْتَصِمَانِ.
قوله: ((قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ))، يعني: قبل أن يبينها الله له، ويُعلمه إياها، ثم أبانها الله له أنها في العشر الأواخر.
وقوله: ((يَحْتَقَّانِ))، يعني: يطلب كل واحد منهما حقه، ويدعي أنه محقٌّ.
وفي هذا الحديث: أن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأن الخصومة قد تكون سببًا في العقوبة، وحرمان الخير؛ فإنه لما اختصم هذان الشخصان رُفع عِلم ليلة القدر، لكن في اللفظ الآخر قال النبي ﷺ : ((وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ)) (١)، أي: أنها أُخفيت على الناس حتى يجتهدوا في العشر كلها؛ لأنها لو كانت في ليلة معينة لاجتهد الناس في ليلة معينة، وتركوا بقية الليالي.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُحَدِّثُ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أُبَيٌّ- فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ-: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا شَكَّ شُعْبَةُ فِي هَذَا الْحَرْفِ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِهَا صَاحِبٌ لِي عَنْهُ.
في هذا الحديث: اجتهادُ أُبي بن كعب رضي الله؛ حيث كان يرى أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين، وحلف على ذلك.
وفيه: أن من علامات ليلة القدر: أنها تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع، قيل: هذه علامة جعلها الله عليها، وقيل: لكثرة الملائكة تمنع أنوار أجنحتهم شعاع الشمس.
[١١٧٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ- وَهُوَ الْفَزَارِيُّ- عَنْ يَزِيدَ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: تَذَاكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يَذْكُرُ حِينَ طَلَعَ الْقَمَرُ وَهُوَ مِثْلُ شِقِّ جَفْنَةٍ)).
قوله: ((شِقِّ جَفْنَةٍ)): الشق: النصف، والجفنة: الترس الذي يضعه الفارس يتقي به وقْعَ النبال، قال القاضي: ((يدل أنها لم تكن إلا فى آخر القمر؛ إذ لا يكون بهذه الصورة فى أوله عند طلوعه، ولا فى نصفه عند تمامه)) (١).
* * *
وشرعًا: المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.
ويسمى الاعتكاف: جوارًا.
والاعتكاف مستحب، إلا أن يوجبه على نفسه بنذر.
وإذا دخل المعتكف معتكفه فيجوز له أن يخرج، إلا إذا نذر ألَّا يخرج فيجب عليه الوفاء بنذره.
والاعتكاف مشروع في جميع المساجد، وليس خاصًّا بالمساجد الثلاثة، وأما حديث: ((لا اعْتِكَافَ إِلا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ)) (١)؛ فهو حديث ضعيف، لهذا بوب البخاري (بَاب: الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا) (٢)؛ لرد هذا الحديث الضعيف.
مسألة: اختلف العلماء في المسجد الذي يكون فيه الاعتكاف: هل يشترط أن يكون المسجد جامعًا، أو لا يشترط؟
الجواب: قال بعض العلماء: لا بد أن يكون المسجد جامعًا حتى لا يخرج إلى الجمعة، والصواب: أنه لا يشترط ذلك، بل يشترط أن تصلى فيه الصلوات الخمس، ويخرج إلى الجمعة ثم يرجع، ولا يضره ذلك.
مسألة: يجوز الاعتكاف في رمضان، وفي غيره؛ لأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال في بعض السنوات، حين عدل عَنِ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لما ضربت نساؤه الأخبية، فخاف عليهن من الغيرة.
مسألة: اختلف العلماء: هل يشترط الصيام للاعتكاف، أو لا يشترط؟
والجواب: في المسألة أقوال:
стр. 1638
القول الأول: قال الجمهور: يشترط الصيام للاعتكاف (١).
القول الثاني: لا يشترط الصيام للاعتكاف، وهو الصواب؛ لأن عمر ﵁ قال: ((نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فسألت النبي ﷺ ، فقال: ((أَوْفِ بِنَذْرِكَ)) (٢)، والليل ليس فيه صيام.
مسألة: اختلف العلماء في أقل الاعتكاف على قولين:
القول الأول: الجمهور على أن أقله يوم (٣).
القول الثاني: أنه لا حد لأقله (٤).
وفي هذه الأحاديث: مشروعية الاعتكاف، واستحبابه.
وفيها: فضل الاعتكاف في رمضان؛ لأن العمل في رمضان أفضل من غيره، وكذلك الاعتكاف في العشر الأواخر أفضل من غيرها، وإن اعتكف في غير رمضان فلا بأس.
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
في هذا الحديث: مشروعية اعتكاف المرأة في المسجد إذا أمنتِ الفتنة؛ بأن يكون معها زوجها، وبعض محارمها، ويكون لهم خباء في المسجد، أو غرفة، أما إذا خافتِ الفتنة فلا.
стр. 1639
بَابُ مَتَى يَدْخُلُ مَنْ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي مُعْتَكَفِهِ
[١١٧٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ، فَقَالَ: ((آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ ! ))، فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ.
[خ: ٢٠٣٣]
وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ. ح حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَابْنِ إِسْحَاقَ ذِكْرُ: عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ ﵅ أَنَّهُنَّ ضَرَبْنَ الْأَخْبِيَةَ لِلِاعْتِكَافِ.
في هذا الحديث: ترك رسول الله ﷺ الاعتكاف في رمضان في هذه السنة، والحكمة من ذلك- والله أعلم-: تأديب أزواجه، وتعزيرهن؛ لأنه خاف عليهن من الرياء، والمنافسة بسبب الغيرة بين الضرات، فأراد إعلامهن أن الاعتكاف، والعبادة يشترط فيها الإخلاص، والرغبة في الخير، لا عن منافسة، وغيرة، ورياء، ومباهاة، وفي رواية أخرى قال: ((مَا
стр. 1640
أَنَا بِمُعْتَكِفٍ، فَرَجَعَ)) (١).
وفيه: استحباب قضاء ما اعتاده الإنسان من الخير، واستحباب قضاء نوافل العبادات.
وفيه: دليل على جواز الاعتكاف في غير رمضان.
وفيه: دليل على أن اعتكاف المرأة لا بدَّ أن يكون في المسجد، ويشترط إذن زوجها، ولا يكفي اعتكافها في بيتها، خلافًا لأبي حنيفة القائل: لها أن تعتكف في مسجد بيتها (٢).
قوله: ((آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟ ! )): الهمزة للاستفهام، أي: أألبر تردن؟ ! فأدغمت الهمزتان وصارتا مدة، فصار: آلبر تردن؟ ! يعني: أَتُرِدْنَ بهذا البرَّ؟ وأنتن تفعلن هذه المنافسة وكل واحدة تضرب لها في المسجد خيمة.
стр. 1641
بَابُ الِاجْتِهَادِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ
[١١٧٤] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ.
[خ: ٢٠٢٤]
[١١٧٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
وفي الأحاديث: استحباب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان، وتخصيصها بمزيد من الاجتهاد؛ اقتداءً بالنبي ﷺ ، وتحريًا لليلة القدر، واغتنامًا للفضائل؛ لأن النبي ﷺ كان يخص العشر الأواخر بمزيد من الاجتهاد، فقد كان يُحيي الليل كله بخلاف العشرين الأول فإنه كان يخلطها بنوم.
قولها: ((وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)): قيل: معنى شد المئزر: أنه كناية عن اعتزال النساء، وقيل: كناية عَنِ الاجتهاد في العبادة.
стр. 1642
بَابُ صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ
[١١٧٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ.
وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَصُمْ الْعَشْرَ.
في هذا الحديث: تنفي أم المؤمنين عائشة أن النبي ﷺ صام عشر ذي الحجة، ولكن السنة ثابتة في استحباب صيامها، من قوله ﷺ : ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)) (١)، والصيام من أفضل الأعمال الصالحة، والسنة تثبت بقول النبي ﷺ ، أو فعله، أو تقريره.
وحديث عائشة يجاب عنه- كما قال النووي ﵀ (٢) - بأجوبة، منها:
الجواب الأول: أن النبي ﷺ لم يصمها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرها.
الجواب الثاني: أنها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر.
الجواب الثالث: أنه ترك صيامها؛ لئلَّا يشق على أمته، فقد كان النبي ﷺ
стр. 1643
يترك العمل خشية أن يشق على أمته.
وأما الحديث الذي أخرجه أحمد عَنْ هُنَيْدَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (١)، فهو حديث ضعيف عند أهل العلم.
* * *
والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) (١).
والحج لا يجب إلا بشروط خمسة- فإذا وجدت هذه الشروط وجب على الإنسان أن يحج-:
الشرط الأول: الإسلام، فالكافر لا يصح منه الحج حال كفره، وليس معنى ذلك أنه لا يعاقب على تركه، بل يعاقب؛ لأن الأعمال لا تصح إلا بالإيمان، وأعمال الكفار جميعها حابطة، قال تعالى: ﴾ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءًا منثورًا ﴿، وقال سبحانه: ﴾ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾، وقال: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾.
فما يعمله الكافر من صلة الرحم، والصدقات حال كفره قد يستفيد بها في الدنيا، فتكون صحة في بدنه، ووفرة في ماله، وولده، ثُمَّ يفضي إلى الآخرة ولا حسنة له.
الشرط الثاني: البلوغ، فالصبي لا يجب عليه الحج، لكن لو حج بإذن وليه صح منه حتى لو كان صبيًّا في المهد، ولكن لا يجزئه عن حجة الإسلام، كما سيأتي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه: لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: ((مَنِ الْقَوْمُ؟ ))، قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((رَسُولُ اللهِ))، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فقَالَت: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)) (٢).
الشرط الثالث: العقل، ففاقد العقل لا يصح منه الحج؛ لأنه مرفوع عنه القلم؛ لحديث: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى
стр. 1648
يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ)) (١).
الشرط الرابع: الحرية، فالعبد الذي يباع ويشترى لا يجب عليه الحج، لكن لو أذن له سيده صح منه الحج، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، فإذا أعتقه سيده وجب عليه أن يحج حجة الإسلام؛ لما ثبت في الحديث عن النبي ﷺ قال: ((أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٌّ حَجَّ، ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى)) (٢).
الشرط الخامس: القدرة، والاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴾ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا ﴿.
والقدرة، والاستطاعة نوعان:
استطاعة بالبدن، واستطاعة بالمال، فإذا وجدت الاستطاعتان وجب عليه أن يحج بنفسه.
والاستطاعة بالبدن: هي أن يستطيع الثبات على المركوب من الراحلة، أو الطائرة، أو السيارة، أو الباخرة، فإن كان شيخًا كبيرًا لا يثبت على مركوب، أو امرأة كبيرة، أو مريضًا فلا يجب عليه الحج ببدنه.
فإن فقد القدرة بالبدن وعنده مال وجب عليه أن يحج بماله؛ بأن ينيب من يحج عنه؛ لما ثبت: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: ((نَعَمْ، حُجِّي عَنْ أَبِيكِ)) (٣).
والاستطاعة بالمال: هي أن يكون عنده نفقة تكفيه في الحج ذهابًا وإيابًا، بعد نفقة أهله، وقضاء ديونه، وحوائجه الأصلية.
стр. 1649
والحوائج الأصلية مثل: المسكن، والدابة، وكتب طالب العلم، فهذه لا يلزمه أن يبيعها ويحج.
وقوله في الحديث: ((الْقَمِيصَ))، أي: ما خِيط على قدر البدن، ومثله: ما خِيط على عضو من الأعضاء كالقفازين، والشراب، والعمائم.
وقوله: ((وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ))، أي: ما خِيط على النصف الأسفل، سواء كان طويلًا، أو قصيرًا.
وقوله: ((وَلَا الْبُرْنُسَ)) البرنس: قال النووي: قال أهل اللغة: هو كل ثوب رأسه منه ملتصق به، من دراعة أو جبة أو غيرهما.
وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام (١)، ومثل ذلك الثياب المغربية المتصلة بها رؤوسها.
وقوله: ((وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ)) الورس: هو نبت أصفر تصبغ به الثياب ورائحته طيبة.
وقيل: هو ضرب من الطيب كالزعفران.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن المُحْرِمَ ممنوع من أشياء، منها: القمص، والعمائم، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما صبغ بالطيب، كالزعفران، والورس.
وفيها: أن السائل سأل النبي ﷺ عما يَلبسه المحرم، فأجابه النبي ﷺ بما لا يلبس، وهذا من الأسلوب الحكيم، والسبب في ذلك: أن الذي يلبسه المحرم كثير لا حصر له، أما الذي لا يلبسه فمحصور، فكأن النبي ﷺ قال: هذه الأشياء لا تلبسها، والباقي لك أن تلبسها.
وفي حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ))، وهذا قاله النبي ﷺ في خطبته في
стр. 1650
المدينة قبل أن يذهب للحج، ثُمَّ خطب الناس في يوم عرفة في حجة الوداع في حديث ابن عباس ﵄، وقال: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن)) (١)، ولم يقل: ليقطعهما أسفل من الكعبين، وقد حضر خطبته في حجة الوداع من لم يحضرها في المدينة.
فاختلف العلماء في الجمع بين الحديثين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن حديث ابن عباس ﵄ ناسخ لحديث ابن عمر ﵄؛ لأن حديث ابن عمر ﵄ فيه الأمر بقطع الخفين، وحديث ابن عباس ﵄ ليس فيه هذا الأمر؛ فدل ذلك على أنه لا بأس أن يلبس الخفين ولا يقطعهما؛ لأن المتأخر ينسخ المتقدم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذهب إلى هذا الإمام أحمد ﵀ (٢)، وعلل الحنابلة ذلك بأمرين:
الأول: أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ))، ولم يقل: فليفتق السراويل، فدل على أنه يلبسهما، ولا يفتقهما.
الثاني: أن قطع الخفين فيه إفساد لهما، وإضاعة لماليتهما، وقد جاءت النصوص بالنهي عن إضاعة المال، وهي تؤيد عدم القطع (٣).
القول الثاني: أن الأمر بالقطع محمول على الاستحباب، والصارف له عن الوجوب إلى الاستحباب حديث ابن عباس ﵄.
القول الثالث: وجوب قطع الخفين، وقالوا: يحمل المطلق على المقيد؛ لأن حديث ابن عباس ﵄ مطلق، ليس فيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عمر ﵄ فيه الأمر بالقطع، والقاعدة الأصولية عند أهل العلم أن المطلق يحمل على المقيد، فيجب القطع.
والأرجح: القول الثاني، ثُمَّ القول الثالث؛ لأنه متى أمكن الجمع فلا