[١٢١٤] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنًى، قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الْأَبْطَحِ.
في هذا الحديث: دليل على أن الذي يريد الإحرام من المُحِلِّين من مكة أن يحرم من مكانه، وأنه لا يجب عليه أن يدخل إلى الحرم المكي، ويحرم من تحت الميزاب كما قال بذلك بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة (١).
وقول النووي: ((لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة وأفضله من باب داره وقيل من المسجد الحرام)) (٢).
والصواب أنه يحرم من مكة كما فعل الصحابة، فإنهم أحرموا من مكة، ولا ترجيح للإحرام من باب داره أو من المسجد الحرام إلا بدليل.
إذا رموا جمرة العقبة.
وقوله: ((فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ))، يعني: أنهم يكونون قريبي عهد بالجماع.
هذا الحديث فيه: بيان أن النبي ﷺ هو أصدق الناس وأبرهم وأتقاهم، عليه أفضل الصلاة والسلام.
وفيه: أن النبي ﷺ ندم وتمنى أنه لم يَسُقِ الهدي حتى يتحلل معهم، فقال: ((وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُق الْهَدْيَ)).
وفيه: أن عليًّا ﵁ اشترى الهدي، لا أنه من السعاية على الصدقة.
وفيه: جواز الإهلال المقيد بقيد، فيقول: أُهِلُّ بما أَهَلَّ به فلان، أو يقول: أحرمتُ بما أحرم به فلان، كما فعل علي ﵁، وأبو موسى الأشعري ﵁، فقد أهلَّا بما أهلَّ به النبي ﷺ .
وفيه: أن جواز فسخ الحج إلى العمرة مستمِرٌ إلى يوم القيامة، وليس لهذا العام فقط.
وقال بعض العلماء: إن هذا خاص بالصحابة ﵃ في هذا العام فقط، وأما غيرهم فلا يشرع لهم فسخ الحج إلى العمرة.
قوله: ((يَوْمُ التَّرْوِيَةِ))، أي: اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الناس كانوا يتروون فيه من الماء، أي: يحملونه معهم من مكة إلى عرفات؛ ليستعملوه في الشرب وغيره.
وقوله: ((وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ))، أي: حتى أذبح الهدي.
قوله: ((فَقَالَ النَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الْآنَ مَكِّيَّةً)) أي: تكون مفردا بالحج ولا تكون لك متعة، كأهل مكة.
عدم فسخ الحج إلى عمره.
وقوله: ((فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ))، يعني: اجعلوا الحجَّ مستقلًّا، والعمرة كذلك، وهذا اجتهاد منه ﵁.
قال المازري ﵀: ((اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل: هي فسخ الحج في العمرة، وقيل: بل هي العُمْرَةُ في أشهر الحج، ثُمَّ الحَجُّ بعدها، ويكون نهيه عن ذلك على جهة التَّرغيب فيما هو الأفضل الذي هو الإِفراد، وليكثر تَرَدُّدُ الناس إلى البيت)) (١)، والمشهور عن عمر ﵁ أنه ينهى عن العمرة في أشهر الحج، وكذلك الصديق وعثمان ﵄-كما سيأتي-؛ حتى يكثر الزوار.
وقوله: ((وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ ... )) هذه مسألة متعة النساء، وتلك متعة الحج، وقرت بينهما عمر لكون كل واحدة منهما تسمى متعة، لبيان حكم كل واحدة منهما.
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَزَادَ في الحديث: وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ، فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ.
قوله: ((عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ)) هو علي بن الحسين ﵀.
وهذا الحديث- وهو حديث جابر ﵁: منسك مستقل، بيَّن فيه صفة حجة النبي ﷺ من حين خروجه من المدينة إلى حين رجوعه، وله روايات تكمّله تأتي بعده.
وهو حديث انفرد به مسلم، وأخرجه أبو داود، وهو حديث عظيم اعتنى به أهل العلم، واستنبطوا ما فيه من الفقه وشرحوه، وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في البلوغ طرفًا كبيرًا منه (١).
قوله: ((أَذَّنَ فِي النَّاسِ))، يعني: أَعْلَمَ الناس بذلك، وأعلن بينهم أنه سيحج ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام، ويشهدوا أقواله وأفعاله.
وقوله: ((حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي))، يعني: تتحفظ بثوب؛ ليمتنع سيلان الدم.
وقوله: ((فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ))، يعني: صلى في مكان السجود؛ لأنه لم يكن هناك مسجد مبني في ذلك الوقت، وهذا كما قال ﵇: ((وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا)) (٢)، وجاء في الحديث الآخر أن
стр. 1734
النبي ﷺ قال: ((أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ)) (١)، ثُمَّ أحرم ﷺ لما ركب القصواء، أي: ركب دابته، ((حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ)) كرر الإحرام.
وقوله: ((فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ)) إشارة إلى قوله: ((لَا شَرِيكَ لَكَ)) مخالفًا لتلبية المشركين؛ لأن المشركين كانوا يشركون في تلبيتهم، فيقولون: ((لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَيْلَكُمْ قَدْ قَدْ، فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ: هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ)) (٢).
وقوله: ((وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ))، يعني: أن بعض الصحابة كانوا يزيدون ((لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا)) (٣)، فسمعهم النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم، ولازم تلبيته ﵊، فدل على أن الأفضل تلبية النبي ﷺ ، وإن زاد فلا حرج.
وقوله: ((فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا)) الرَّمَل هو: الإسراع في المشي، مع مقاربة الخطى في الأشواط الثلاثة الأولى، والاضطباع، أي: كشف الكتف الأيمن، فجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيسر، وطرفيه على عاتقه، فلما انتهى من الطواف نفذ إلى مقام إبراهيمَ، وقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾؛ لبيان أنه يعمل بالآية، ويمتثل أمر الله .
وقوله: ((كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾))، أي: بعد الفاتحة؛ لبيان أن المسلم إنما يعبد الله، ولا يعبد الكعبة، وإن قرأ بغير السورتين فلا حرج، أو صلاهما في غير هذا المكان فلا حرج-أيضًا.
وقوله: ((ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ
стр. 1735
الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾)) فيه: مشروعية استلام الحجر بعد الانتهاء من صلاة الركعتين، وقبل الذهاب إلى السعي، فإذا دنا من الصفا قرأ قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾.
وقوله: ((أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ))، يعني: ابدأ بالصفا، ثُمَّ بالمروة؛ لأن الله ﵎ بدأ الآية بالصفا، ثُمَّ المروة، وفي رواية: ((فَابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ)) (١) بصيغة الجمع، والأمر.
وقوله: ((فَرَقِيَ عَلَيْهِ))، أي: صعد عليه.
وقوله: ((حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))، يعني: إذا صعد الصفا أو المروة فيسن له أن يكبر الله، ويوحده، ويهلله، ويدعوه بهذا الذكر، ويكرره ثلاث مرات.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى))، يعني: أسرع في المشي، وهرول، والسعي يطلق على الذهاب، والقصد، ويطلق على الإسراع.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى))، أي: توقف عن الإسراع، ومشى، والآن وُضعت في مكان السعي علامتان إذا وصل إليهما الحاج أسرع بينهما.
فائدة: في الحج ستة مواطن تُرفع فيها الأيدي في الدعاء:
الموطن الأول: على الصفا.
الموطن الثاني: على المروة.
الموطن الثالث: في عرفة.
الموطن الرابع: في مزدلفة.
стр. 1736
الموطن الخامس: بعد الجمرة الأولى.
الموطن السادس: بعد الجمرة الثانية.
وقوله: ((وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ ﵂ مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا))، أي: أن عليًّا ﵁ لما قدم من اليمن رأى فاطمة ﵂ تحللت واكتحلت، ولبست ثوبًا مصبوغًا، فأنكر ذلك عليها، وقال لها: كيف تفعلين هذا والتحلل لا يكون إلا يوم العيد؟ ! فقالت: ((إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا)) فذهب علي ﵁ إلى النبي ﷺ ((مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ))، والتحريش: الإغراء، والمراد به هنا: أن يذكر له ما يقتضي عتابها، فقال النبي ﷺ : ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ)).
وقوله: ((كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا))، أي: يوم النحر، وقوله: ((فِي بَلَدِكُمْ هَذَا))، أي: في مكة، ((فِي شَهْرِكُمْ هَذَا))، أي: في ذي الحجة.
وقوله: ((وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ))، أي: موضوعة تحت قدمي هاتين، والمعنى أنها باطلة.
وقوله: ((وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ))، يعني: باطل.
وقوله: ((وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ))، أي: لأنهم كانوا يرابون في الجاهلية، فأبطله الرسول ﷺ .
وقوله: ((وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا))، أي: لم يُصَلِّ بين الظهر، والعصر شيئًا؛ لأن الصلاتين المجموعتين لا يُتنفل بينهما.
وقوله: ((ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا)).
مسألة: ذهب الحنابلة إلى أن وقت الوقوف يبدأ من طلوع الشمس (١)، واستدلوا بحديث عروة بن مضرس ﵁ الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي
стр. 1737
الفجر بمزدلفة، فقال: ((جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ جَبَلِ طَيِّئٍ أَكْلَلْتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ حَبْلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ)) (١).
فقوله: ((لَيْلًا، أَوْ نَهَارًا)) أُخذ منه أن مبدأ الوقوف يوم عرفة، وهو من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وفي هذه المسألة قولان:
القول الأول: للحنابلة، وهو أن الوقوف يوم عرفة من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
القول الثاني: وهو مذهب جمهور العلماء أن وقت الوقوف يبدأ من زوال الشمس إلى غروبها، ويمتد إلى طلوع الفجر لمن جاء متأخرًا (٢)، وقالوا: إن حديث عروة بن مضرس ﵁ فَسَّره فعلُ النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ ما وقف إلا بعد الزوال.
ثمرة الخلاف: لو أن شخصًا وقف بعرفة قبل الظهر، ثُمَّ انصرف ولم يرجع هل يصح حجه، أو لا؟
عند الحنابلة: يصح؛ لأنه أدرك الوقوف في وقته.
وعند الجمهور: لا يصح؛ لأنه لم يدرك وقت الوقوف.
وهذا الموقف ينبغي الإكثار فيه من الدعاء، والتضرع، والابتهال إلى الله ؛ لأنه يوم عظيم وعشية عظيمة، ينزل فيها الرب إلى السماء الدنيا، ويباهي بأهل الموقف ملائكته، وفي الحديث: ((إِنَّ اللهَ لَيُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا)) (٣).
стр. 1738
فينصرف الناس من هذا الموقف وقد غُفرت ذنوبهم، ورجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.
وقوله: ((كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ))، يعني: كلما أتى الرمال المرتفعة أرخى عليها قليلًا حتى تصعد، وإذا كان هناك مضيق شد الزمام حتى لا تسرع.
وقوله: ((مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ يَجْرِينَ)) الظُّعُنُ: جمع ظعينة، والظعينة أصلها: الناقة التي عليها المرأة، والمراد: مرت نساء يجرين، فجعل الفضل ﵁ ينظر إليهن، وكان رجلًا وسيمًا، وجعلن ينظرن إليه، ((فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ)) فهذا فيه إنكار المنكر وتغييره باليد مع القدرة عليه، وفي الحديث الآخر: ((فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ)) (١).
وقوله: ((يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ)) الحصاة تكون أكبر من الحمصة قليلًا، أي: مثل حبة الفول، أو مثل بعرة الغنم، أما الرمي بالحجارة الكبار فهذا من الغلو، والنبي ﷺ قال: ((إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّه)) (٢)، فلا بد للإنسان أن يتأدب ويذكر الله، ويتأسى بالنبي ﷺ ، ويبتعد عن الأعمال السيئة.
وقوله: ((حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ))، أي: وهو واقف على راحلته ﵊، وكان ذلك يوم جمعة، ولم يؤذن قبل الخطبة، فدل على أنه لم يُصَلِّها جمعةً، فخطب خطبة عظيمة قرر فيها قواعد التوحيد، وهدم فيها الشرك، وحث الناس على لزوم الكتاب والسنة، ونهاهم عن القتال، وقال: ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
стр. 1739
رِقَابَ بَعْضٍ)) (١)، وبيَّن حق الرجل على امرأته، وحق المرأة على زوجها، وأمر بالرفق بالمرأة، وعدم إيذائها، وقال: ((فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ)) (٢)، يعني: أسيرات، ((أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ))، وفي رواية: ((وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ)) (٣)،
يعني: بعقد الزواج، وقال: ((فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ))، واستشهد النبيُّ ﷺ اللهَ على الناس، وقال: ((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللهُمَّ اشْهَدِ، اللهُمَّ اشْهَدْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))، ونحن نشهد أنه ﵊ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.
وقوله: ((وَكَانَتِ الْعَرَبُ يَدْفَعُ بِهِمْ أَبُو سَيَّارَةَ عَلَى حِمَارٍ عُرْيٍ)) أي: ليس عليه شيء، ((فَلَمَّا أَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ لَمْ تَشُكَّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ سَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ مَنْزِلُهُ ثَمَّ، فَأَجَازَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ))، أي: كانت قريش ومَن دان بدينها لا يتجاوزون الحرم فيقفون بمزدلفة، ولا يذهبون إلى عرفات، ويقولون: نحن أهل الحرم لا نتجاوزه، وأما بقية الناس فيقفون بعرفة، فلما حج النبي ﷺ ظنوا أنه سيفعل مثل فعلهم، ((فَأَجَازَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، حَتَّى أَتَى عَرَفَاتٍ فَنَزَلَ)).
وهذا من الأشياء التي غيروا فيها دين إبراهيمَ ﵇، وغيروا فيها المناسك.
وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ إنما حج في السنة العاشرة من الهجرة، وأما فرضية الحج فقيل: في السنة السادسة، وقيل: في السنة التاسعة.
стр. 1740
وفيه: أن جابر بن عبد الله ﵁ قد كبر في السن وعمي.
وفيه: أنه أدخل يده في صدر علي بن الحسين من باب الإيناس له.
وفيه: جواز الصلاة في نِسَاجَةٍ، يعني: في ثوب واحد، ولو كان مكشوف الكتفين، وفي هذه المسأله قولان:
القول الأول: هو مذهب جمهور العلماء، واحتجوا بحديث جابر ﵁ هذا، وفي حديث آخر: ((صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ )) (١).
والقول الثاني: هو قول الإمام أحمد: لا يجوز كشف الكتفين إلا عند العجز (٢)، واستدل الحنابلة بحديث أبي هريرة ﵁: ((نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ)) (٣)، وفي لفظ: ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ)) (٤).
فإن كشفهما مع القدرة فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: قول الجمهور: إن الصلاة صحيحة، ولا إثم عليه (٥)، واستدلوا بحديث جابر ﵁ هذا.
والقول الثاني: أنها لا تصح؛ لقوله ﷺ : ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ))، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار سماحة شيخنا
стр. 1741
عبدالعزيز بن باز ﵀ (١).
والقول الثالث: أنها تصح مع الإثم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
والأقرب أنها تصح مع الإثم. لا بد من ستر الكتفين إذا كان الإنسان قادرًا على سترهما، أما إذا لم يكن قادرًا، ولم يجد ما يستر به فـ ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾.
وفيه: أن أسماء بنت عميس ﵂ ولدت محمد بن أبي بكر ﵁ في الميقات، فأرسلت إلى النبي ﷺ تسأله: ماذا تفعل؟ فأمر النبي ﷺ زوجَها أبا بكر ﵁ أن يأمرها بأن تستثفر بثوب، وتغتسل، وتُحرم، فدل على أن النفساء يشرع لها الاغتسال، وكذلك الحائض.
وفيه: أنه ﵊ أمر المُحِلِّينَ أن يُحرموا بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو الصواب.
وقال بعض أهل العلم: يحرمون بالحج إذا رأوا هلال ذي الحجة (٢).
وفيه: بيان السنة للحاج: أنه يصلي في منى خمسة فروض، كل صلاة في وقتها، قصرًا بلا جمع.
وفيه: دليل على أن المسافر- ولو كان مقيمًا- فإنه يشرع في حقه القصر دون الجمع، وإن جمع فلا حرج؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان نازلًا في تبوك، وجمع بين الظهر، والعصر، وجمع المغرب والعشاء، خلافًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فقال: لا يجمع إلا إذا كان جادًّا به السير (٣).
ولكن الأفضل أن يقصر إذا كان نازلًا، ولا يجمع، وهذا هو الأكثر من
стр. 1742
فعله ﵊.
وفيه: بيان أن الإقامة في منى في اليوم الثامن والمبيت ليلة التاسع سُنَّة، وليست واجبة؛ لأن النبي ﷺ صلى الصلوات الخمس وبات التاسع في مِنًى، ثُمَّ مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثُمَّ دفع إلى عرفة، فالسُّنة للحاج أن يدفع إلى عرفة بعد طلوع الشمس من اليوم التاسع.
وفيه: أن النبي ﷺ أمر بأن تُضرب له بِنَمِرَةَ قبةٌ من شَعر، فاستظل بها ﵊، وجلس حتى زالت الشمس، فدل على جواز استظلال المحرم بالخيمة، والشجرة، وكذلك له أن يستظل بسقف السيارة، أو الشمسية.
ومن العلماء من فَرَّق بينهما، فقال: له أن يستظل بالخيمة، وظل الشجرة؛ لأنهما ثابتتان، أما سقف السيارة، والشمسية فلا يستظل بهما، لأنهما متحركان، وهذا مذهب الحنابلة القائلين بأن الشيء الذي يتحرك بحركته، لا يستظل به (١).
والصواب: أنه لا بأس بالاستظلال بالخيمة، أو بالشجرة، أو بالشمسية، أو بسقف السيارة، وإنما الممنوع الملاصق للرأس كالعمامة، والطاقية.
وفيه: دليل على أن الرب في العلو، وأنه فوق العرش؛ ولهذا رفع النبي ﷺ إصبعه إلى السماء يستشهد الله عليهم.
وفيه: الرد على الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم من أهل البدع الذين ينكرون أن يكون الله في العلو، ويمنعون الإشارة إلى السماء، حتى إنهم من شدة إنكارهم للعلو لو خلا جهمي بأحد من أهل السنة يرفع إصبعه للسماء لقطعه (٢).
ولما أنهى خطبته ﷺ أمر بلالًا فأذن، ثُمَّ أقام، فصلى الظهر ركعتين، ولم
стр. 1743
يجهر فيهما بالقراءة- فدل على أنها ليست جمعة، ودل على أن المسافر لا يصلي الجمعة-، ثُمَّ أقام، فصلى العصر ركعتين جمعًا وقصرًا.
ثم استقبل القبلة، قال: ((فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ))، أي: لما وقف بعرفة ﵊ جعل جبل إلال- وهو المسمى جبل الرحمة- بينه وبين القبلة، وجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل الجبل بين يديه، ولم يزل ﵊ واقفًا رافعًا يديه يدعو، ويتضرع إلى الله حتى غربت الشمس، حتى إنه ﵊ كان آخذًا بزمام ناقته، فلما سقط زمام الناقة أخذ الزمام بيده الأخرى، والأخرى بقيت مرفوعة ﵊.
والوقوف معناه: الوجود على أرض عرفة، سواء أكان واقفًا، أو جالسًا، حتى لو كان نائمًا يسمى واقفًا.
ولم يزل ﵊ واقفًا متضرعًا حتى غربت الشمس، واستحكم غروبها، وغاب قوس الشمس، ثُمَّ دفع إلى مزدلفة، وخالف هديُه هديَ المشركين ﵊؛ لأن المشركين كانو ينصرفون من عرفة إذا صارت الشمس فوق الجبال كعمائم الرجال، فخالفهم النبي ﷺ ، وقال: ((فَخَالَفَ هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ»)) (١) وجعل يقول للناس: ((أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ)) (٢)، أي: ارفقوا؛ فإن البر ليس بالإسراع حتى لا يضر بعضهم بعضًا.
وكان ﷺ إذا وجد متسعًا أرخى الزمام لناقته حتى تصعد، وأكثر من التلبية في طريقه ﵊ إلى عرفة، وأردف أسامة بن زيد وجعله خلفه، وهذا من حسن خلقه ﵊، خلافًا للمتكبرين الذين يأنفون من الإرداف.
فلما وصل مزدلفة أمر المؤذن فأذن، ثُمَّ صلى المغرب ثلاث ركعات، ثُمَّ أمر بأن تحط الرحال عن الإبل، ثُمَّ أقيمت صلاة العشاء، ففصل بين الصلاتين بحط الرحال، وليس بينهما سبحة، يعني: لم يصلِّ بينهما نافلة،
стр. 1744
ثُمَّ نام ﵊ من أول الليل؛ ليكون ذلك أعون له على أداء الوظائف يوم العيد، ولا يمنع هذا من كونه أوتر، وإن لم يكن في حديث جابر ﵁؛ لأنه معروف ﵊ أنه لا يترك الوتر حضرًا، ولا سفرًا.
ثم لما تبين له الفجر ﷺ صلى الراتبة، ثُمَّ صلى الفجر في أول وقتها مبكرًا على غير المعتاد؛ ولهذا قال ابن مسعود: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ لِغَيْرِ مِيقَاتِهَ)) (١)، يعني: في غير ميقاتها المعتاد، وليس المراد أنه صلاها قبل الوقت، والحكمة في ذلك حتى يتسع وقت الوقوف.
وقوله: ((حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ)): يعني: لما وصل الجمرة رماها بسبع حصيات متعاقبات من بطن وادي، يكبر مع كل حصاة.
وقد قال العلماء: إذا وصل وادي محسر يسرع قدر رمية حجر.
واختلفوا في السبب:
فقيل: لأن هذا المكان عُذِّب فيه أصحاب الفيل.
والصواب: أن المكان الذي عُذِّب فيه أصحاب الفيل هو مغمس.
ثم بعد ذلك ذبح الهدي ﵊ ونحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة، على قدر سني عمره ﵊ يطعنها بالحربة في الوهدة وهي قطع العروق في أسفل العنق عند الصدر، وبهذا يفترق عن الذبح؛ لأن القطع في أعلى العنق، والنحر في أسفله، وتكون الإبل قائمة معقودة يدها اليسرى، أي: قائمة على ثلاث أرجل، ثُمَّ أمر عليًّا ﵁ فنحر ما بقي وهي سبعٌ وثلاثون، ثُمَّ أمر ﵊ بأن يؤخذ له من كل بدنة قطعة من اللحم، وجُعلت في قِدر، فطُبخت، فأكل شيئًا منها، وشرب من مرقها، ثُمَّ أمر ببقيتها فوزعت لحومها وجلودها
стр. 1745
على الفقراء والمساكين.
ثم حلق رأسه ﵊، وأعطاه زوجُ أم سليم ﵂ أبا طلحة ﵁ يوزعه على الناس شعرة شعرة؛ للتبرك به؛ لما جعل الله فيه من البركة ﵊.
ثم بعد ذلك ركب ناقته، وأفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة، وصلى الظهر بمكة لما أدركته الصلاة، وجاء إلى بني عبد المطلب وهم يسقون بزمزم، فناوله دلوًا، فشرب قائمًا ﵊، وقال: ((انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ)) (١)، ثُمَّ ذهب إلى مِنًى، فوجد أصحابه مجتمعين ينتظرونه، فصلى بهم الظهر، فصارت في حقه نافلة، ولهم فريضة.
وفي يوم العيد طاف ﷺ طواف الإفاضة، ولم يسع؛ لأنه سعى مع طواف القدوم.
ثم أقام ﷺ بمنى اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، في كل يوم يرمي الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس، سبع حصيات متعاقبات، ورخص في ليلة مزدلفة في ترك بها للعجزة والمرضى، ورخَّص لأم سلمة ﵂ أن تدفع آخر الليل لترمي قبل الفجر.
ولما قيل له: أين تنزل غدًا؟ قال ﷺ : ((بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ))، أي: المكان الذي أعلنت فيه قريش قطيعة بني هاشم.
стр. 1746
بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَابِرٍ- فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((نَحَرْتُ هَهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ ههنا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ)).
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا.
قوله: ((نَحَرْتُ ههنا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ))، وفي اللفظ الآخر: ((وفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ)) (١)، يعني: أن النحر عام في أي مكان من أرض الحرم، لكن الآن تغير الوضع، فصار الذبح في المجزرة فقط.
وقوله: ((وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ))، أي: أنه ﵊ وقف في عرفة، عند الصخرات، خلف جبل الرحمة، وقال للناس: وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ومكان موقفه ﷺ هذا هو الأفضل إن تيسر، وإلَّا فعرفة كلها موقف.
стр. 1747
بَابٌ فِي الْوُقُوفِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
[١٢١٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ: الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ- وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ- كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ.
قَالَ هِشَامٌ: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: الْحُمْسُ هُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَكَانَ الْحُمْسُ يُفِيضُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، يَقُولُونَ: لَا نُفِيضُ إِلَّا مِنَ الْحَرَمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ رَجَعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.
في هذا الحديث: أن الناس في الجاهلية كانوا ينزعون ثيابهم التي جاؤوا فيها، فلا يطوفون بها، ويتصدق عليهم أهل مكة بثياب يطوفون بها، فالرجال يعطون الرجال، والنساء تعطي النساء، ومن لم يجد أحدًا يعطيه طاف عاريًا، حتى المرأة كانت تطوف عارية إذا لم تجد من تعطيها ثوبًا، وتضع يدها على فرجها، وتطوف بالبيت، وتقول:
стр. 1748
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ (١)
تعني: فرجها، وهذا من جهلها تكشف عورتها للناس، وتقول هذا الكلام.
[١٢٢٠] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ ههنا؟ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَدُّ مِنَ الْحُمْسِ.
[خ: ١٦٦٤]
في هذا الحديث: أن النبي ﷺ حج قبل الهجرة قبل أن يوحى إليه، فلما تجاوز مزدلفة، ووقف بعرفة، كان جبير بن مطعِم خارجًا من مزدلفة يبحث عن بعيره الذي ضاع منه، فذهب إلى عرفة، فوجد النبي ﷺ واقفًا، فتعجب من وقوفه، فقال: ((وَاللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنَ الْحُمْسِ)).