خصها الله تعالى بهذه العبادة، وجعلها وقتًا لها، والعمرة حج أصغر، فأولى الأزمنة بها أشهر الحج وذو القعدة أوسطها، وهذا مما نستخير الله فيه، فمن كان عنده فضل علم فليرشد إليه)) (١).
والصواب: أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الأجر والثواب، وأنها أفضل من العمرة في ذي القعدة.
يدخلون من كَدا، ويخرجوا من كُدا، يقول أهل مكة: افتح وادخل، واضمم واخرج.
وكانت عادته ﵊ أنه يخالف طريقه في العيدين فيذهب من طريق، ويرجع من طريق.
واختلف العلماء في الحكمة من ذلك، فقيل: الحكمة من ذلك لتشهد له البقاع.
وقيل: ليقضي حاجة أصحاب الطريقين، أو لغير ذلك من الحكم.
في هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ كان يخالف الطريق إذا دخل مدينة يدخل من طريق، وإذا خرج يخرج من طريق.
قوله: ((بِذِي طَوًى)) مثلثة الطاء، فتقول: طُوى، أو طَوى، أو طِوى، وهو مكان خارج مكة.
وفي هذه الأحاديث: استحباب الاغتسال لدخول مكة.
وفيها: أن النبي ﷺ كان ينزل قرب مكة في هذا المكان، ويبيت، ثُمَّ يغتسل ويدخل مكة.
وفيها: أن ابن عمر ﵄ كان يفعل هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه يمضي مدة من إحرامه بالعمرة.
وقد خفيت عمرة الجعرانة على بعض العلماء؛ لأنه دخل ليلًا، وخرج ليلًا، فلم يعلم بها بعض الناس.
الحديث: دليل على سُنية الخَبَبِ والسعي في الثلاثة الأشواط الأولى في أول طواف يقدم به في حج أو عمرةٍ ما عدا ما بين الركنين اليماني، لأمر النبي ﷺ للصحابة بذلك في عمرة القضاء، لقول قريش: يقدم عليكم أصحاب محمد قد وهنتهم حُمى يثرب، فلما رأوهم قالوا: انظروا إليهم أجلد من أي شيء، وفي رواية عند أبي داود: كَأَنَّهُمُ الْغِزْلَانُ (١)، ثُمَّ أمرهم بعد ذلك في حجة الوداع بالخبب بين الركنين فاستقرت السنة كما في حديث جابر ﵁، قال النووي: ((فيه: بيان أن الرمل يشرع في جميع المطاف من الحجر إلى الحجر، وأما حديث بن عباس المذكور بعد هذا بقليل قال: ((وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ)) فمنسوخ بالحديث الأول لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهارا للقوة واحتاجوا إلى ذلك في غير ما بين الركنين اليمانيين لأن المشركين كانوا جلوسا في الحجر، وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين ويرونهم فيما سوى ذلك فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر رمل من الحجر إلى الحجر فوجب الأخذ بهذا المتأخر)) (٢).
قوله: ((كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ)) لأنهما على قواعد إبراهيم ﵊، بخلاف الركن العراقي والشامي فلا يستلمهما؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم ﵊؛ فلهذا اقتصر النبي ﷺ على استلام الركن اليماني، والركن الأسود.
وقول ابن عمر ﵄: ((مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ، وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا، فِي شِدَّةٍ، وَلَا رَخَاءٍ)) هذا اجتهاد من ابن عمر ﵄، حيث كان يزاحم على استلام الحجر، والركن اليماني.
والصواب: ألا يزاحم عليهما، وإنما يستلمهما إذا كان في رخاء، أما في الشدة فلا.
واستلام الحجر فيه أربع سنن:
السُّنة الأولى: استلام الحجر باليد اليمنى وتقبيله بالفم.
السُّنة الثانية: إذا لم يتيسر التقبيل يستلمه بيده ويقبل يده.
السُّنة الثالثة: يستلمه بعصا أو محجن وهو عصا معوجة الرأس، كالصولجان، ثُمَّ يقبله.
السُّنة الرابعة: إذا عجز يشير إليه بيده ويقبل يده، فإذا لم يتيسر ذلك كله فلا حرج عليه.
وأما الركن اليماني ففيه سُنَّتَان:
إحداهما: استلامه باليد بدون تقبيله، وقيل: بتقبيل اليد.
الثانية: الإشارة إليه، عند العجز كالحجر الأسود، وفي ثبوت دليلها نظر.
وأما استقبال البيت عند الاستلام فيكفيه أن يشير إليه وهو ماشٍ دون استقبال.
وهذه سنن، فمن تركها فلا حرج عليه، وطوافه صحيح.
رَسُولَ اللهِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا.
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ بِكَ حَفِيًّا، وَلَمْ يَقُلْ: وَالْتَزَمَهُ.
قوله: ((عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ)) بجيم مكسورة: صحابي جليل ﵁، قال البخاريُّ وابن حبان: له صحبة، وسكن البصرة. (١) قال ابن حجر: له عن النبيّ ﷺ أحاديث عند مسلم وغيره (٢).
وقوله: ((الْأَصْلَعَ))، وفي رواية: ((الْأُصَيْلِعَ)) هو عمر ﵁، وهو الذي ليس في رأسه شعر، وهذا ليس من التنابز بالألقاب؛ لأن عمر ﵁ لا يكره هذا.
وقوله: ((وَاللهِ إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ وَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَأَنَّكَ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ)) فيه: أنه قال ذلك خوفًا على قريبي العهد بالإسلام ممَّن أَلِفَ عبادة الأحجار، فبيَّن أنه لا يضر ولا ينفع بذاته، وإنما هو التأسي بالرسول ﷺ ، والاقتداء به.
وقال عمر ﵁ هذا في الموسم؛ ليشيع بين الناس، ويبين لهم أنه يفعله تأسيًا واقتداءً بالنبي ﷺ .
ويروى أن عليًّا ﵁ قال: ((بَلَى- يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- إِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ)) (٣)، وروى حديثًا عن النبي ﷺ : أنه قال- له-: ((وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ)) (٤)، لكن هذا الحديث ضعيف، ولو صح فلا ينافي ما ذكره عمر ﵁، ويكون هذا من باب أن البقعة تشهد لصاحبها.
أَنَّهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ))، قَالَتْ: فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
[خ: ١٦٣٣]
في هذه الأحاديث: دليل على أن من طاف راكبًا واستطاع أن يستلم الحجر بمحجن أو بعصا، فله أن يمد العصا، أو المحجن، فيمس الحجر، ثُمَّ يقبِّله، كما فعل النبي ﷺ ؛ لكن الآن لا يمكن للراكب أو المحمول أن يستلم الحجر؛ لما فيه من المشقة.
وفيها: دليل على أن العاجز له الطواف وهو راكب؛ لأن النبي ﷺ قال لأم سلمة: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)).
وقول أم سلمة ﵂: ((فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ)) كان هذا في حجة الوداع في صلاة الفجر في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، طاف النبي ﷺ طواف الوداع فأدركته الصلاة فصلى بالناس، وقرأ سورة (الطور).
ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ، مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
[١٢٧٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
[خ: ١٦٤٨]
قولها: ((مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)) لأن الطواف بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، وفي اللفظ الآخر: ((فَلَعَمْرِي، مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ))، وقولها: ((لَعَمْرِي)) تأكيد للقسم، لتأكيد الكلام، أما قول الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فهذا قسم من الله بحياة النبي ﷺ ، والله له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته.
وقولها: ((يُقَالُ لَهُمَا: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ)) قيل: إن إسافًا اسم لرجل، ونائلة اسم لأمرأة، زنيا في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فأخرجوهما ونصبوهما عند الكعبة، وقيل: بل على الصفا والمروة ليُعتبر بهما ويتعظ، ثُمَّ عبدا بعدُ، فلما فتح النبيُّ ﷺ مكةَ كسرهما (١).
أما قوله: ((عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ)) قال القاضي عياض: ((قوله: ((لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ))، وهَمٌ، فإنهما ما كانا قطُّ على شطِّ البحر، وإنما كانا على الصفا والمروة، إنما كانت (مناة) مما يلي جهة البحر)) (٢).
стр. 1805
وقولها: ((قَدْ سَنَّ))، يعني: شرع؛ لأنه إذا قيل: سَنَّ رسول الله ﷺ في اصطلاح المتقدمين، فتشمل الواجب، والمستحب، أما المتأخرون فاصطلحوا على تسمية السُّنة بالمستحب، والواجب يسمونه واجبًا.
والطواف بين الصفا والمروة، ظاهر النصوص أنه ركن (١): ((مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)).
وقال آخرون: الطواف بين الصفا والمروة واجب، يجبر بدم (٢).
وقيل: سنُّة (٣).
والصواب: أنه ركن.
وفي هذه الأحاديث: بيان دقة فهم عائشة ﵂، وفقهها في دين الله .
وفيها: أن معرفة سبب النزول قد يتوقف عليه فهم معنى الآية، فعُروة بن الزبير ﵁ فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ أنه لا حرج في ترك الطواف بين الصفا، والمروة، فبينت له عائشة ﵂ سبب النزول، فقالت له: ((وَهَلْ تَدْرِي فِيمَا كَانَ ذَاكَ؟ إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، يُقَالُ لَهُمَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ)) (٤)، فلما جاء الإسلام خافوا وظنوا أنه لا يطاف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾.
والطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، ولا يلزم من كون المسلمين يطوفون بهما أن يكون هذا مشابهًا لفعلهم في الجاهلية.
وفيها: أن أبا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أعجبه فهم عائشة
стр. 1806
رضي الله عنها للآية، فقال: ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ))، ولكن هناك علم آخر في فهم هذه الآية، فقال: ((لَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا كَانَ مَنْ لَا يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ)) فلا نطوف، ((وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِهِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾))، أي: أن الله ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى رفع الجناح، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، فصارت الآية- على ما أرى- أنها نزلت في الذين يقولون: إنه من أمر الجاهلية، وفي الذين يقولون: إن الله ذكر الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، ولرفع الجناح عمن تحرج من الطواف بهما؛ لأن المسلم لا يشرك بالله كما يشرك أهل الجاهلية.
стр. 1807
بَابُ بَيَانِ أَنَّ السَّعْيَ لَا يُكَرَّرُ
[١٢٧٩] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمْ يَطُف النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا: طَوَافَهُ الْأَوَّلَ.
استدل بهذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد.
وأجيب بأن المراد: لم يطف النبي ﷺ ، وأصحابه الذين ساقوا الهدي إلا طوافًا واحدًا، بدليل حديث عائشة ﵂ قالت: ((فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى)) (١).
وقوله: ((لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا أَصْحَابُهُ)) المراد بأصحابه: الذين ساقوا الهدي معه، وأما من لم يَسُقِ الهدي فإنهم حلوا من عمرتهم، ثُمَّ أحرموا بالحج في اليوم الثامن، ثُمَّ طافوا بين الصفا والمروة طوافًا آخر بعد أن رجعوا من مِنًى لحجهم.
قال النبي ﷺ : ((عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ))، وفي حديث آخر أنه: ((كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ، وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ)) (١)، وفي لفظ آخر قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ)) (٢)، أي: ليس بالإسراع، فينبغي للمسلمين أن يرفق بعضهم ببعض، ولا يؤذي بعضهم بعضًا.
٢ - استحباب الوضوء، كما توضأ النبي ﷺ ((وُضُوءًا خَفِيفًا))، يعني: توضأ مرة مرة، أو خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته ﷺ .
٣ - تنبيه المرؤوس لرئيسه، والتلميذ لشيخه فيما يظن أنه نسيه؛ لأن أسامة ابن زيد ﵁ قال: ((الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ)) لما ظن أن النبي ﷺ نسيها، فبين له ﷺ أن الصلاة مكانها في مزدلفة، وأن نزوله ووضوؤه كان لعارض.
٤ - أن السنة في صلاة المغرب، والعشاء أن تصلى جمعًا بمزدلفة ليلة العيد للحاج، لكن إذا خشي فوات الوقت بأن صار فيه ازدحام يصلي، ولو في الطريق ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.
٥ - جواز الاستعانة في الوضوء؛ لقوله: ((فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ)).
والإعانة في الوضوء على ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يحضر له الماء عنده، فهذا لا بأس به.
الثانية: أن يصب عليه الماء، ويتوضأ، فهذا كذلك لا بأس به.
الثالثة: أن يباشر المُعين أعضاء الوضوء لمن يعينه، فهذا إذا كان مريضًا، أو عاجزًا فلا بأس به.
٦ - أن التلبية تستمر للحاج حتى يشرع في رمي الجمرات.
وقيل: حتى ينتهي من الرمي.
وقيل: يقطعها من فجر يوم عرفة.
стр. 1811
وقيل: من ظهر يوم عرفة.
والصواب الذي دلت عليه الأحاديث: أن التلبية تستمر حتى يشرع في الرمي، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية؛ لأنه شرع في التحلل.
٧ - تواضع النبي ﷺ ، حيث أردف معه أسامة من عرفة إلى مزدلفة، وأردف الفضل بن عباس ﵃ من مزدلفة إلى منى، خلاف ما عليه أهل الكبر من عدم الإرداف لغيرهم.
وفيها: الرد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة.
وفيها: جواز التلبية والتكبيرن لأن الصحابة كان فيهم الملبي، وفيهم المكبر، ولا ينكر بعضهم على بعض، ولكن الأفضل التلبية.
стр. 1814
بَابُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، وَاسْتِحْبَابِ صَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمِيعًا بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ
[١٢٨٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ- مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ، قَالَ: ((الصَّلَاةُ أَمَامَكَ))، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
[خ: ١٣٩]
في هذا الحديث: أن أول شيء بدأ به ﷺ الصلاة، على خلاف العامة الذين يبدؤون بلقط الحصى.
وفيه: أنه صلى المغرب والعشاء بأذان، وإقامتين: إقامة لصلاة المغرب، وإقامة لصلاة العشاء، وسيأتي أن ابن عمر ﵁ قال: إنه صلى بإقامة واحدة.
قال بعضهم: إنه ﷺ لم يتوضأ وضوءً شرعيًّا، وإنما ورد أنه استنجى، وغسل بعض الأعضاء، لكن هذا ليس بظاهر.
عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
[١٢٩٤] وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ فِي ثَقَلِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ بِي بِلَيْلٍ طَوِيلٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ بِسَحَرٍ، قُلْتُ لَهُ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَمَيْنَا الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَيْنَ صَلَّى الْفَجْرَ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كَذَلِكَ.
[١٢٩٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِاللَّيْلِ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
[خ: ١٦٧٦]
قوله: ((وَقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ))، يعني: تدفع قبل زحمة الناس.
وقولها: ((من مفروح بِهِ))، أي: من مَا يفرح بِهِ من كل شَيْء.
وقوله: ((فِي الثَّقَلِ))، أي: في المتاع.
وقوله: ((أَيْ هَنْتَاهْ))، يعني: يا هذه.
وقوله: ((لَقَدْ غَلَّسْنَا))، يعني: بكَّرنا وتقدَّمنا على الوقت المشروع.
وقوله: ((قَالَتْ: كَلَّا أَيْ بُنَيَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ)) الظُّعُن هن النساء، والواحدة ظعينة، كسفينة وسفن، وأصل الظعينة: الهودج الذي تكون فيه المرأة على البعير، فسميت المرأة به مجازًا.
وقوله: ((نُغَلِّسُ))، يعني: نبكر في آخر الليل.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن سودة ﵂ استأذنت النبي ﷺ في أن
стр. 1823
تدفع من مزدلفة في آخر الليل، ((وَكَانَتِ امْرَأَةً ثَبِطَةً))، يعني: ثقيلة، فدل هذا على أن الضعفاء، والمرضى، والعجزة يرخص لهم في الدفع من مزدلفة آخر الليل.
وفيها: دليل على أن المبيت بمزدلفة واجب؛ لأنه لو لم يكن واجبًا لرخص للجميع، والرخصة لا تكون إلا لشيء واجب.
والظاهر من حديث أسماء ﵂: أنه أذن للنساء جميعًا.
وفيها: أن عائشة ﵂ كانت لا تنصرف إلا مع الإمام، والإمام لا ينصرف إلا بعد صلاة الفجر وبعد أن يذكر الله عند المشعر الحرام، وتمنت أنها استأذنت النبي ﷺ مثل ما استأذنت سودة ﵂.