وقوله: ((مِنَ الْجُيُوشِ، أَوِ السَّرَايَا، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الْعُمْرَةِ)) هذه هي أسفار النبي ﷺ في الغالب.
وقوله: ((صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ))، أي: في نصره لأوليائه عامة، وفي نصره لنبيه ﵊ خاصة.
وقوله: ((وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) الأحزاب هم الكفار الذين تحزبوا وتجمعوا لقتال المسلمين يوم الخندق، وأحاطوا بالمدينة، فالله تعالى هزمهم، ونصر المسلمين بالجنود والملائكة والريح، كما أخبر الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، فالله تعالى هزمهم بالجنود، وأرسل عليهم ريحًا عظيمة صارت تقلع ثيابهم، وترفع قدورهم، وأرسل عليهم الملائكة تقذف الرعب في قلوبهم حتى رحلوا وانهزموا.
وقوله: ((إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ))، أي: صعد مرتفعًا، كبر تعظيمًا لله ، وأن الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وإذا هبط بوادٍ سبح تنزيهًا لله سبحانه عن السفول.
والفدفد: وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع، وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها، وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى، وقيل: الجلد من الأرض في ارتفاع، وجمعه: فدافد.
قال النووي: ((قوله ﷺ : ((صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ))، أي: صدق وعده في إظهار الدين وإظهار العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده سبحانه؛ إن الله لا يخلف الميعاد، وهزم الأحزاب وحده، أي: من غير قتال من آدميين، والمراد: الأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ ، فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها)) (١).
стр. 1892
هذا هو الراجح، وقيل: يحتمل أن المراد: أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن.
وفي هذا الحديث: استحباب هذا الذكر عند الرجوع من السفر.
قوله: ((مُعَرَّسَ)) معناه: مكان نزول المسافر بآخر الليل للاستراحة.
هذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ كان إذا رجع من الحج، ومن العمرة أناخ في ذي الحليفة، وهو الميقات، فكان ابن عمر ﵄ يفعل ذلك اتباعًا للنبي ﷺ .
والإناخة بالبطحاء ليست من مناسك الحج بالاتفاق، لكن اختلف العلماء هل هي مستحبة، أو لا؟
فذهب الإمام مالك إلى أن الإناخة بالبطحاء مستحبة (١).
وقال آخرون: إنها ليست بمستحبة، وإنما أناخ النبي ﷺ قرب المدينة حتى لا يدخل المدينة ليلًا، وحتى يتسامع به الناس فيدخلونها نهارًا (٢).
وكان ابن عمر ﵄ يتحرى أثر النبي ﷺ ويجتهد.
стр. 1895
بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَبَيَانُ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[١٣٤٧] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: ((لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
[خ: ١٦٢٢]
قوله: ((يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)) سمي بذلك؛ لأن معظم أعمال الحج تكون في يوم العيد؛ كالرمي، والنحر، والحلق، والطواف، والسعي.
وقيل: يوم الحج الأكبر هو يوم عرفة؛ لأنه يوم عظيم.
والصواب: الأول، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، والأذان إنما كان في يوم العيد.
وقوله: ((بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ))، يعني: أن النبي ﷺ أمَّر أبا بكر ﵁ على الناس في الحج في السنة التاسعة للهجرة، وأرسل معه مؤذنين يؤذِّنون في الناس، والأذان هو: الإعلام، يعني: يُعلِمون الناس
стр. 1896
ويخبرونهم بهذه الكلمات، بأنه: ((لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ))، وجاء في الحديث الآخر في غير الصحيح: ((بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ)) (١)، وهي:
الأولى: ألا يحج بعد العام مشرك.
الثانية: ألا يطوف بالبيت عريان.
الثالثة: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.
الرابعة: أن من كان له عهد فهو إلى عهده، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر.
فلما كانت السنة التي بعدها، أي: السنة العاشرة من الهجرة، وعرف الناس هذه الأمور، والتزموا بها حج النبي ﷺ في الناس حجة الوداع، فلم يحج في هذه الحجة مشركٌ، ولم يطف بالبيت عريانٌ، كعادة أهل الجاهلية، ومن كان له عهد من المشركين يبقى على عهده، وبعد العهد إما أن يسلم، وإما أن يُقاتَل، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر، وهي المدة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، أي: لهم أربعة أشهر يبقون فيها ينظرون في أنفسهم، إما أن يسلموا، وأما أن يُقاتَلوا.
((إِنَّ اللهَ يُبَاهِي الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا)) (١)، وهذا الدنو من صفات الله ﵎ وهو كما يليق بجلاله وعظمته، فليس كدنو المخلوق، خلافا لمن تأوله بأنه دنو كرامة وتقريب، كما قال المازري عنه القاضي عياض ومن بعدهما النووي (٢)، وكذلك نزوله سبحانه عشية عرفة، ونزوله في ثلث الليل الآخر من كل ليلة لا يماثل نزول المخلوقين، فينزل كيف يشاء ، ولا يعلم كيفية نزوله إلا هو ، كما أنه لا يعلم كيفية استوائه، وكيفية علمه، وسمعه، وبصره إلا هو سبحانه.
وفيها: فضل الحج والعمرة، وأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الصغائر، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
والحج المبرور هو الذي يتجنب صاحبه فيه الرفث، والفسوق، والجدال.
يجوز بيعها، ولا تأجير دورها، ولا هبتها (١).
وتوسط الإمام أحمد وآخرون فقالوا: تجوز الإجارة، ولا يجوز البيع.
وقوله: ((أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ؟ )) أضاف الدار إلى النبي ﷺ ، فدل هذا على أنها تملك، وتباع، ولو كانت لا تملك، ولا تباع لما أقر بإضافة الدار إليه، ولَمَا أقرَّ عقيلًا على بيع الرباع.
والصواب: أن مكة فتحت عنوة، وقول الشافعي ﵀ ضعيف، وجاء في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: ((حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) (٢)، وهي الساعة التي دخل فيها النبي؛ فلو فتحت صلحًا ما قاتل النبي ﷺ .
وقوله: ((وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِح)) هذا الراوي ضعيف (٣)، لكنه هنا مقرون بحديث محمد بن حفصة، والضعيف إنْ قُرن بغيره فلا يضر.
وفيه: دلالة على أن المسلم لا يرث الكافر؛ لهذا فإن أبا طالب لما مات على الشرك ورثه عقيل وطالب؛ لأنهما كانا على دينه، ولم يرثه جعفر وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين.
والكافر لا يرث المسلم بالاتفاق، أما إرث المسلم للكافر ففيه خلاف سيأتي تفصيله في كتاب الفرائض، والصواب: أن المسلم لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم مطلقًا؛ لعموم قوله ﷺ : ((لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)) (٤).
وقوله: ((لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ بِمَكَّةَ))، أي: أن الذين هاجروا من مكة وتركوها لله لا يحل لهم البقاء فيها أكثر من ثلاثة أيام، وهي مدة الرخصة، ثُمَّ أبيح لهم أن يقيموا بعد فراغهم من حجهم ثلاثة أيام.
وقوله: ((بَعْدَ الصَّدَرِ))، أي: بعد الانتهاء من النسك إذا حج، وهذا خاص بمن هاجر من مكة إلى المدينة، أما المهاجر من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فيحتمل أنه كذلك، فلا يرجع إلى بلده.
وهذه الأحاديث استدل بها بعضهم على أن الإقامة ثلاثة أيام لا يقصر فيها المسافر؛ لأنه رخص للمهاجر أن يبقى ثلاثًا، قال: فما زاد عن ثلاثة أيام فإنه يقصر الصلاة.
والذي عليه الجمهور أنه إذا نوى الإقامة في مكان لأكثر من أربعة أيام فإنه يتم، فإن كانت نيته أربعة أيام فأقل فإنه لا يزال مسافرًا، وله أن يترخص برخص السفر (١).
стр. 1904
بَابُ تَحْرِيمِ مَكَّةَ، وَصَيْدِهَا، وَخَلَاهَا، وَشَجَرِهَا، وَلُقَطَتِهَا، إِلَّا لِمُنْشِدٍ عَلَى الدَّوَامِ
[١٣٥٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ-: ((لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، وَقَالَ- يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ-: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، فقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ)).
[خ: ١٨٣٤]
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ عَنْ مَنْصُورٍ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ))، وَقَالَ بَدَلَ ((الْقِتَالِ)): ((الْقَتْلَ))، وَقَالَ: ((لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا)).
في هذا الحديث: بيان أن الهجرة انتهت بعد فتح مكة.
قوله: ((لَا هِجْرَةَ))، يعني: لا هجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنه لما فتحت مكة، وصارت بلد إسلام انتهت هذه الهجرة، وبقيت الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام إلى قيام الساعة، كما جاء في الحديث الصحيح: ((لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) (١).
стр. 1905
وقيل: المعنى: لا هجرة فضلها كفضل الهجرة من مكة إلى المدينة.
وقوله: ((وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ))، يعني: انتهت الهجرة من مكة إلى المدينة، وبقي من الأعمال الصالحة: الجهاد، ونية الخير.
وقوله: ((وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، يعني: إذا استنفر الإمام شخصًا للجهاد وجب عليه؛ لأن الجهاد فرض كفاية، وهو مستحب لكل أحد، إلا في أحوال ثلاثة:
الأولى: إذا استنفر الإمام واحدًا وجب عليه الجهاد بعينه.
الثانية: إذا وقف في الصف فليس له أن يخذل إخوانه ووجب عليه الجهاد، لكن قبل أن يقف في الصف فهو في حِلٍّ.
الثالثة: إذا داهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين وجب الجهاد على كل أحد رجالًا، ونساءً، ولا يُستأذن الأبوان، فإن لم يستطيعوا إخراج العدو وجب على من حولهم من البلدان، وهكذا حتى يجب على المسلمين جميعًا.
وقوله: ((إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، أي: أن النبي ﷺ بيَّن حرمة هذا البلد، وأنه لا يحل القتال فيه إلى يوم القيامة.
وقوله: ((وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، يعني: لا يُحَشُّ حشيشُهُ، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد، ليعرفها أبد الدهر، والآن توجد لجنة تقبل المفقودات جهة الصفا فيسلمها إليهم، وتبرأ ذمته، وهذا من خواص مكة.
وأما غير مكة فيعرِّفها سَنَة، وبعد السَّنَة يتملكها، ويضبط أوصافها، وإن جاء طالبها بعد الدهر دفعها له، وإلا فهي له.
وقوله: ((وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي)) فيه: تحريم القتال في مكة، إلا إذا قوتل أهل مكة فإنهم يدافعون عن أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾،
стр. 1906
وكذلك لا ينفر الصيد، ولا يعضد الشوك، ولا يقطع الشجر الأخضر إلا ما استنبته الآدميون فلهم أخذه.
وقوله: ((إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: إِلَّا الْإِذْخِرَ)) الإذخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب، والقين هو: الحداد، والصائغ، ومعناه: يحتاج إليه القين في وقود النار، وفي القبور لِتُسَدَّ به فُرَجُ اللحد المتخللة بين اللبنات، وفي سقوف البيوت بأن يجعل فوق الخشب.
[١٣٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ: أَنَّهُ قَالَ- لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي- أَيُّهَا الْأَمِيرُ- أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: أَنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ- يَا أَبَا شُرَيْح- إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
[خ: ١٠٤]
في هذا الحديث: امتثال أبي شريح لأمر النبي ﷺ : ((وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))، فبلَّغ أبا عمرو بن سعيد: أنه لا يجوز القتال في مكة، وتلطف ﵁، فقال: ((ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا))، وهذا من باب التأدب مع الأمراء.
وقوله: ((سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ))، يعني: سمعت الرسول ﵊، ورأيته بعيني، ووعاه قلبي حين تكلم بهذا الكلام.
стр. 1907
وقوله: ((فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ))، يعني: إن جاء أحد فقال: إن النبي ﵊ قاتل في مكة، فقولوا له: لقد أرشدنا النبي ﷺ بأن نقول لك: إن الله رخص لرسوله، ولم يرخص لك.
وقوله: ((إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا))، أي: إن الحرم لا يمنع من قتال العاصي.
وقوله: ((وَلَا فَارًّا بِدَمٍ))، أي: إذا فر شخصٌ عليه دم، ثُمَّ لجأ إلى الحرم فلا يعيذه الحرم، بل لا بد أن يقتل.
وقوله: ((وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ))، يعني: بجناية كسرقة وخيانة.
شَاهٍ))، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِلَّا الْإِذْخِرَ)).
قوله: ((وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ))، أي: أباح لهم القتال فيها حتى يتم الفتح، وبيَّن أن حرمتها عادت كما كانت بالأمس.
وقوله: ((وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ))، يعني: أن ولي المقتول بالخيار؛ إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ الدية.
وقوله: ((اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ)) احتج بهذا أهل العلم على جواز كتابة الحديث، أما ما جاء من النهي عن كتابة الحديث في أول الإسلام فهو لأجل ألا يختلط شيء بالقرآن؛ لهذا قال ﷺ : ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ، فَلْيَمْحُهُ)) (١)، ثُمَّ أذن النبي ﷺ في الكتابة، لأبي شاه، فقال: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ))، أي: اكتبوا له هذه الخطبة.
стр. 1910
بَابُ النَّهْيِ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ بِمَكَّةَ بِلَا حَاجَةٍ
[١٣٥٦] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ)).
في هذا الحديث: دليل على تحريم القتال في مكة، وأنه لا يُحمَل فيها السلاح؛ إلا للضرورة، لأنها بلد يأمن فيه الناس؛ لهذا لما جاء النبي ﷺ في عمرة القضاء لم يحمل شيئًا من السلاح إلا شيئًا خفيفًا خوفًا من قريش، فكان الصحابة يحرسون النبي ﷺ خشية أن يرميه أحد من الكفار، أو يؤذيه.
قوله: ((قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ)) هذا من أدلة القراءة على الشيخ، فيقرأ عليه الطالب، والشيخ يقول: نعم، فللقارئ أن يقول بعد ذلك: حدثني.
وقوله: ((وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ)) فيه: دليل على جواز لبس الأسود، ولبس الملون، وإن كان الأفضل البياض؛ لأن النبي ﷺ لبس الأسود، والأبيض، والأصفر، والأحمر.
وقال بعضهم: جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُفَدَّمِ، قَالَ يَزِيدُ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا الْمُفَدَّمُ؟ قَالَ: الْمُشْبَعُ بِالْعُصْفُرِ)) (١).
وجاء في حديث أبي جحيفة: ((فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ)) (٢).
قال ابن القيم ﵀: ((وليس هو أحمر مصمتًا، كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك، وقد صح عنه ﷺ من غير معارض النهي عن لبس المعصفر وهو الأحمر (٣)، وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما (٤)، فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة، ثُمَّ يلبسه، والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر، أو كراهيته كراهية شديدة)) (٥).
والقول الأقرب للصواب هو الذي اختاره الجمهور: أنَّ النهي محمول على ما إذا كانت الحمرة خالصةً، أو ما فيه شهرة.
وقوله: ((بِغَيْرِ إِحْرَامٍ)) هذا يدل على أنه لا بأس بدخول مكة بدون إحرام
стр. 1913
لمن لم يُرِدِ الحج، والعمرة؛ لأنه لم يقصد النسك، وإنما دخل للقتال وفتح مكة، ويؤيد هذا حديث ابن عباس ﵄: ((فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)) (١)، يعني: المواقيت هن لمن أراد الحج، والعمرة، ومن لم يرد الحج والعمرة فلا يجب عليه الإحرام.
عَنْدَنَا فِي أَدِيمٍ خَوْلَانِيٍّ إِنْ شِئْتَ أَقْرَأْتُكَهُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ مَرْوَانُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ ذَلِكَ.
ورد في هذا الحديث: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا))، وفي الحديث الآخر: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ))، والجمع بينهما: أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وأما إبراهيم فإنه أظهر تحريمها بعد أن نسي الناس ذلك بأمر الله له، وإلا فإن تحريمها سابق.
وقوله: ((وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ))، يعني: بأمر الله ، فالله هو المحرِّم، والنبي ﷺ إنما هو مبلغ عن الله .
وقوله: ((وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا، وَمُدِّهَا))، يعني: أن النبي ﷺ دعا بالبركة للمدينة في صاعها، ومدها وثمرها، ((بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّة))، أي: دعا الله أن يجعل في المدينة من البركة ضعفي ما جعله لأهل مكة، ويرجى أن الله تعالى أجاب دعوة النبي ﷺ ، ومن كان في المدينة يجد البركة في ثمارها وصاعها ومدها.
[١٣٦٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَسْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا، لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا)).
قوله: ((عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ)) إذا أطلق جابر فالمراد به جابر بن عبد الله، وفي الصحابة جوابر كثر.
وقوله: ((مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)) هُما الحرتان الشرقية والغربية، على حدود حرم المدينة، وهذا من جهة الشرق، والغرب، وأما من جهة الشمال، والجنوب
стр. 1916
فـ ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ)) (١) كما جاء في الحديث الآخر.
[١٣٦٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا، وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا، أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ في الحديث: ((وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ- أَوْ: ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ)).
في هذا الحديث: دليل على أن المدينة لها حرمة، وأنه يحرم صيدها وقطع شجرها، إلا أن حرمتها أخف من حرمة مكة، كما سيأتي.
والحرم النبوي فيه خلاف في وجوب الجزاء؛ هل يجب الجزاء بأن يكون له سَلَب، كما سيأتي في الحديث: ((مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَصِيدُ فِي حُدُودِ الْمَدِينَةِ أَوْ يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِهَا فَخُذُوا سَلَبَهُ)) (٢)، أي: يؤخذ ما معه من السلاح والثياب والمركوب.
وفيه: دليل على تحريم قطع الشجر، وتحريم قتل الصيد في المدينة، قال النبي ﷺ : ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا))، وأن ينفر صيدها.
وليس في الدنيا إلا حَرَمَانِ على الصحيح:
стр. 1917
الحرم المدني، والحرم المكي.
واختُلف في حرم ثالث، وهو وادي (وج) موضع بناحية الطائف قريب من مكة، فقيل: إنه حرم، والصواب: أنه ليس بحرم.
وأما ما يقوله بعض الناس بأن المسجد الأقصى حرم، وأنه ثالث الحرمين الشرفين فهذا غلط، ومن الأخطاء الشائعة.
وقوله: ((وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) هذه بشارة لمن صبر من أهل المدينة على الشدة والمشقة فيها، بشرط أن يكون معه الإيمان والاحتساب وأن لا يكون مشركًا.
وفيه: أن من خرج من المدينة رغبةً عنها فإن الله يبدلها خيرًا منه، لكن من خرج لا رغبة عنها فلا حرج؛ لأن الصحابة ﵃ خرجوا إلى الأمصار ينشرون دين الله ، ويبلغون العلم، ويجاهدون في سبيل الله.
وفيه: وعيد شديد لمن أراد المدينة بسوء، وكذلك من أراد مكة فهو أشد؛ لأن تحريم حرمها أغلظ، ومضاعفة الصلاة فيها أكثر، وكل من أراد المسلمين بسوء فهو متوعَّد بهذا الوعيد الشديد.
وقوله: ((إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ)) ليس خاصًّا بالآخرة، قال القاضي عياض: ((هذه الزيادة (فى النار) ترفع إشكال الأحاديث التى لم تذكر فيها، وأن هذا حكمه فى الآخرة، وقد يكون المراد به: من أرادها فى حياة النبى ﷺ فى الدنيا، فيكفى أمره، ويضمحل كيده، كما يضمحل الرصاص، ويكون (في النَّارِ) مقدَّمًا فى اللفظ، كما قال في الحديث الآخر: (كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)، أو يكون ذلك لمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكن سلطانه، ويذهبه عن قرب، كما انقضى مِن شأن مَن حاربها أيام بني أمية، مثل: مسلم بن عقبة، وهلاكه منصرفه عنها، ثُمَّ هلاك يزيد بن معاوية
стр. 1918
مرسلة على إثر ذلك، وغيرهم ممن صنع مثل صنيعهم)).
[١٣٦٤] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، جَمِيعًا عَنِ الْعَقَدِيِّ، قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ.
في هذا الحديث: أن سعدًا ﵁ لما رأى عبدًا يقطع شجرة بالسيف في المدينة ((فَسَلَبَهُ))، يعني: أخذ ما معه من السلاح، والثياب، والمركوب.
وما صاده إن كان حيًّا أُطلق، وإن كان قتله فهو ميتة لا يؤكل.
وقوله: ((جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ، أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ))، أي: فجاء أهل العبد إلى سعد بن أبي وقاص ﵁، وقالوا له: أعطنا ما أخذت منه، فقَالَ: ((مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ )، يعني: كسَلَب القتيل من الكفار، فيدخل فيه فرسه وسلاحه ونفقته، وغير ذلك مما يدخل في سَلَب القتيل، ((وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ))، وجاء في حديث آخر: ((إِنْ شِئْتُمْ أنْ أعْطِيَكُمْ ثَمَنَهُ أَعْطَيْتُكُمْ)) (١)، لكن هذا لا أعطيكم إياه؛ لأن هذا نفلنيه رسول الله ﷺ .
وهذا إذا لم يترتب على سلبه مفسدة، يعني: إذا رأيت من يصيد وخشيت إن أخذت ثيابه، أو سلاحه، أو مركوبه، من حصول مضرة فتدرأ المفسدة، ويرفع الدعوة للمحكمة، ويثبت أنه رآه يصيد فَيُعطى سلبه؛ لأن درء
стр. 1919
المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وهذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أن من قطع شجرة، أو صاد صيدًا في المدينة فإن عقوبته بأن يسلب، ويؤخذ ما معه من السلاح، وليس فيه جزاء.
وقال آخرون من أهل العلم: فيه جزاء مثل حرم مكة، فالصيد فيه جزاء، والشجر فيه جزاء.
والراجح: ما دل عليه الحديث أن له سلبه.
[١٣٦٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو- مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي طَلْحَةَ-: ((الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي))، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ يُرْدِفُنِي وَرَاءَهُ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُلَّمَا نَزَلَ، وقَالَ في الحديث: ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا بَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: ((اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ)).
[خ: ٥٤٢٥]
وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)).
قوله: ((إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا))، وهما جبلا عير وثور جهتي الشمال والجنوب، أما جهة الشرق والغرب فما بين اللابتين، كما سبق.
في هذا الحديث: أن جبل أُحُد جعل الله فيه من الإحساس، وأنه يحب
стр. 1920
المسلمين، وهم يحبونه، والنبي ﷺ قال: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ))، والصواب أن هذا الحديث على ظاهره؛ فالله ﵎ جعل في بعض الجمادات إحساسًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شيء إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وثبت عن النبي ﷺ أنه حَنَّ له الجذع (١)، وسبَّح الطعام في يده (٢)، وقال: ((إنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ)) (٣)، وهذا خلافًا لما تأوله المازري إذ قال: ((يُحبنا أهله فحذف المضاف وَأقام المضاف إليه مقامه)) (٤)، فهذا من التأويل المردود.
[١٣٦٦] وَحَدَّثَنَاهُ حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا؛ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا- قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: هَذِهِ شَدِيدَةٌ- مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، قَالَ: فقَالَ ابْنُ أَنَسٍ: أَوْ آوَى مُحْدِثًا.
[خ: ٧٣٠٦]
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِيَ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
قوله: ((لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا))، أي: لا يُحش حشيشها.
قوله: ((أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا)) المراد بالحدث: المعاصي والبدع.
وقوله: ((أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ)) كأن يكون العبد عتيقًا لقريش، وينتمي إلى تميم؛ ليأخذ بذلك رفدهم، أو يكون مولى لتميم فينتمي إلى قريش، فهذا من الكبائر.
في هذه الأحاديث: الرد على الرافضة والشيعة الذين يقولون: إن النبي ﷺ خصَّ أهل البيت بخصائصَ، وخصَّ عليًّا ﵁ بخصائصَ ووصايا، وأنه سيكون الخليفةَ بعده.
وقوله: ((مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ))، يعني: ليس عندنا إلا كتاب الله، أو فهمًا يعطيه الله من شاء من عباده.
وقوله: ((فَمَنْ أَخْفَرَ)) أخفرت الرجلَ إذا نقضتَ عهده، وخفرته إذا أمَّنته، فيختلف المعنى بالتعدية بدخول همزة السلب على الفعل؛ وهي الهمزة التي تدخل على الفعل فتنقل معناه إلى ضده، فخفره، يعني: حماه، وأجاره، وصانه، وأخفره، يعني: نقض عهده وذمته، فخفر ضد أخفر.
وقوله: ((لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ)) الظباء جمع ظبي، وهي من الصيد، ((تَرْتَعُ بِالْمَدِينَةِ))، أي: ترعى.
وقوله: ((مَا ذَعَرْتُهَا))، يعني: ما نفرتها، وتركتها ترعى مرتاحة آمنة؛ لأنها في حرم آمن؛ لقول النبي ﷺ عن المدينة: ((الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ)) (١).
وفيها: أن من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
стр. 1924
[١٣٧٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ))، قَالَ: ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ، فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ.
في هذا الحديث: أنه كان يؤتى بأول الثمر، كالتمر أو العنب، أو ما أشبه ذلك، يؤتى بشيء منه للنبي ﷺ ، فيدعو فيقول: ((اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا)).
وقوله: ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ، وَخَلِيلُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ، وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ، بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَمِثْلِهِ مَعَهُ))، أي: أن النبي ﷺ خليل الله ، ولم يقل: أنا خليلك، إما تواضعًا مع جده إبراهيم؛ أو لأن الله لم يكن أعْلَمَهُ بأنه خليله، ثُمَّ أعلمه بعد ذلك، كما قال ﷺ : ((فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)) (١)، وفي لفظ آخر: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللهِ) (٢)، يعني: نفسه ﵊؛ ولهذا يقال: الخليلان: إبراهيم، ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
والخُلَّة أعلى درجة في المحبة، فهي نهايتها وكمالها، ويسمى الخليل خليلًا؛ لأن محبته تصل إلى سويداء القلب، هذا بالنسبة للمخلوق، أما خُلَّة
стр. 1925
الله تعالى فهي صفة من صفاته ، لا تُكَيَّف، ولا تُمَثَّل، فلا يشارك المخلوق في صفاته ، وقلب المخلوق لا يتسع لأكثر من خليل، أما المحبة فتتسع لآخرين.
ومن هنا يظهر الغلط عند بعض الخطباء الذين يقولون: صلوا على حبيب الله، أو صلوا على الحبيب، والأولى أن يقولوا: صلوا على خليل الله، فيوصف بالخُلَّة؛ لأن الخُلَّة أكمل.
تنبيه: قال القاضي عياض ﵀: ((وفيه: تخصيص الرئيس في العلم والسلطان بالهدية والطرفة تفضيلًا له، وتقديمًا، ورجاء بركة دعائه)) (١)، هذه الفائدة ليست ظاهرة، لا في تخصيص الرئيس في العلم والسطان، ولا في بركة دعائه، فلا يدل الحديث على ذلك، بل الثمرة يعطاها كل أحد، والبركة يدعو بها كل أحد في أول الثمر وأوسطه وآخره.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِأَوَّلِ الثَّمَرِ، فَيَقُولُ: اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَفِي ثِمَارِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَفِي صَاعَنْا بَرَكَةً مَعَ بَرَكَةٍ، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنَ الْوِلْدَانِ)).
في هذا الحديث: أنه كان إذا أُتِيَ النبي ﷺ بشيء من الرطب أو العنب أول ما يظهر يدعو بالبركة، ثُمَّ يدعو الصبيان ويعطيهم هذا التمر؛ لأن الصبيان تتشوف نفوسهم إلى الثمار، ولا يصبرون بخلاف الكبار.
الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ)).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا شَيْبَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ شَدَّادٍ- كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((إِلَّا لِعَلْفٍ)) دليل على جواز قطع الشجر لإعلاف الدواب في المدينة، بخلاف مكة فلا يجوز، وهذا يدل على أن المدينة أخف من مكة في الحرمة.
وقوله: ((اللهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ)) فيه: دليل على أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة مثل مكة ثلاث مرات، ويرجى أن الله أجاب دعوته، ولا يدل على أن المدينة أفضل من مكة، ولا أن المجاورة فيها أفضل من المجاورة بمكة.
وقوله: ((مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا)) فيه: دليل على أن المدينة حُرِسَت في وقت خروج النبي ﷺ .
وقوله: ((وَضَعْنا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ)) فيه: دليل على أن المدينة كانت محروسة لحين خروجهم منها، وهذا كان خاصًّا بعهد النبي ﷺ ، وكذلك تحرس في وقت مجيء الدجال في آخر الزمان، كما ثبت في قوله ﷺ : ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ)) (١).
والحاصل: أن المدينة تُحرس في حالتين:
الأولى: في عهد النبي ﷺ في حال خروجهم منها.
стр. 1928
الثانية: تحرس في وقت مجيء الدجال.
أما الأوقات الأخرى فليس هناك دليل على أنها تُحرس.
وقوله: ((فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ)) فيه: أن أبا سعيد ﵁ نصح الرجل لما أراد أن ينتقل من المدينة لما أصابته الشدة، وقال له: ابقَ فيها، وذكر له ما خص الله به المدينة من البركة والحراسة.
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ-: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)).
قوله: ((إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)) هذا قيد في الشفاعة، فالمعنى: أنه إذا كان كافرًا فلا، وكذلك إذا كان من المنافقين، أو من الزنادقة، وهذا القيد لا بد منه حتى لو لم يُنَصَّ عليه؛ لأنه معلوم من نصوص الشريعة، وقواعدها، قال الله تعالى للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾.
وهذا الحديث فيه: فضل من صبر على لأواء المدينة وشدتها ومشقتها، ومن الشدة واللأواء: الصبر على الفقر احتسابًا لوجه الله.
وهذا من فضائل المدينة، ومما يرغب في السكنى فيها.
стр. 1929
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ))، قَالَ: ثُمَّ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ.
قوله: ((يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ))، يعني: إذا وجد أحدٌ أحدًا معه طير في المدينة فينزعه منه ويطلقه؛ لأنه لا يجوز أخذ الطير، وأما حديث: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ )) (١)، فيحمل على أن هذا الطير صِيدَ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها، أو أنه كان قبل التحريم.
قال بعض العلماء: إذا صِيدَ الصيدُ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها فله إبقاؤه، على الصحيح.
وقال بعضهم: يجب إطلاقه في الحرم المكي، ولا يمسكه، وأما في المدينة فلا بأس.