← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

بَابُ التَّرْغِيبِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى لَأْوَائِهَا [١٣٧٤] حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ-: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ، وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ، فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ: حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ- فقَالَ النَّاسُ: وَاللهِ مَا نَحْنُ ههنا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ، مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ- مَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ- وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ- أَوْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَقَدْ هَمَمْتُ- أَوْ: إِنْ شِئْتُمْ- لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ- لَآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ، ثُمَّ لَا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، وَقَالَ: اللهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرَمًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا: أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ، إِلَّا لِعَلْفٍ، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا، حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا))، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: ((ارْتَحِلُوا))، فَارْتَحَلْنَا، فَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ- فَوَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ، أَوْ: يُحْلَفُ بِهِ- الشَّكُّ مِنْ حَمَّادٍ- مَا وَضَعْنا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 1927

الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعَنْا، وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ)). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا شَيْبَانُ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ- يَعْنِي: ابْنَ شَدَّادٍ- كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((إِلَّا لِعَلْفٍ)) دليل على جواز قطع الشجر لإعلاف الدواب في المدينة، بخلاف مكة فلا يجوز، وهذا يدل على أن المدينة أخف من مكة في الحرمة. وقوله: ((اللهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ)) فيه: دليل على أن النبي ﷺ دعا لأهل المدينة بالبركة مثل مكة ثلاث مرات، ويرجى أن الله أجاب دعوته، ولا يدل على أن المدينة أفضل من مكة، ولا أن المجاورة فيها أفضل من المجاورة بمكة. وقوله: ((مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ، وَلَا نَقْبٌ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا)) فيه: دليل على أن المدينة حُرِسَت في وقت خروج النبي ﷺ . وقوله: ((وَضَعْنا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يَهِيجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْءٌ)) فيه: دليل على أن المدينة كانت محروسة لحين خروجهم منها، وهذا كان خاصًّا بعهد النبي ﷺ ، وكذلك تحرس في وقت مجيء الدجال في آخر الزمان، كما ثبت في قوله ﷺ : ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ)) (١). والحاصل: أن المدينة تُحرس في حالتين: الأولى: في عهد النبي ﷺ في حال خروجهم منها.

стр. 1928

الثانية: تحرس في وقت مجيء الدجال. أما الأوقات الأخرى فليس هناك دليل على أنها تُحرس. وقوله: ((فقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَا تَفْعَلْ، الْزَمِ الْمَدِينَةَ)) فيه: أن أبا سعيد ﵁ نصح الرجل لما أراد أن ينتقل من المدينة لما أصابته الشدة، وقال له: ابقَ فيها، وذكر له ما خص الله به المدينة من البركة والحراسة. وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- مَوْلَى الْمَهْرِيِّ-: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الْحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الْجَلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وَكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وَأَخْبَرَهُ أَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)). قوله: ((إِذَا كَانَ مُسْلِمًا)) هذا قيد في الشفاعة، فالمعنى: أنه إذا كان كافرًا فلا، وكذلك إذا كان من المنافقين، أو من الزنادقة، وهذا القيد لا بد منه حتى لو لم يُنَصَّ عليه؛ لأنه معلوم من نصوص الشريعة، وقواعدها، قال الله تعالى للكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. وهذا الحديث فيه: فضل من صبر على لأواء المدينة وشدتها ومشقتها، ومن الشدة واللأواء: الصبر على الفقر احتسابًا لوجه الله. وهذا من فضائل المدينة، ومما يرغب في السكنى فيها.

стр. 1929

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنِّي حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ))، قَالَ: ثُمَّ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَأْخُذُ، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ. قوله: ((يَجِدُ أَحَدَنَا فِي يَدِهِ الطَّيْرُ فَيَفُكُّهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ))، يعني: إذا وجد أحدٌ أحدًا معه طير في المدينة فينزعه منه ويطلقه؛ لأنه لا يجوز أخذ الطير، وأما حديث: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ )) (١)، فيحمل على أن هذا الطير صِيدَ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها، أو أنه كان قبل التحريم. قال بعض العلماء: إذا صِيدَ الصيدُ خارج المدينة، ثُمَّ أدخله إليها فله إبقاؤه، على الصحيح. وقال بعضهم: يجب إطلاقه في الحرم المكي، ولا يمسكه، وأما في المدينة فلا بأس.

стр. 1930

[١٣٧٥] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: أَهْوَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ)). [١٣٧٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وَاشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ شَكْوَى أَصْحَابِهِ قَالَ: ((اللهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا، وَمُدِّهَا، وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ)). [خ: ٦٣٧٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قولها: ((وَهِيَ وَبِيئَةٌ))، يعني: فيها الوباء، والمرض. وقوله: ((وَحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ)) دعا النبي ﷺ أن تنتقل الحمى إلى الجحفة؛ لأن ساكنيها في ذلك الوقت كانوا يهودًا. [١٣٧٧] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنا عِيسَى ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا- أَوْ: شَهِيدًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ يُحَنَّسَ- مَوْلَى الزُّبَيْرِ- أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عَنْدَ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ، فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فقَالَت: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ، فقَالَ لَهَا عَبْدُ اللهِ: اقْعُدِي لَكَاعِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا- أَوْ: شَفِيعًا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

стр. 1931

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنا الضَّحَّاكُ عَنْ قَطَنٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ يُحَنَّسَ- مَوْلَى مُصْعَبٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا- أَوْ: شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ-))، يَعْنِي: الْمَدِينَةَ. [١٣٧٨] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ، وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ- أَوْ: شَهِيدًا)). وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ. وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ))، بِمِثْلِهِ. في هذه الأحاديث: فضل سكنى المدينة والصبر على شدتها، وذلك لأن الجلوس في المدينة يذكِّر المسلم بالرسول ﷺ وبسيرته، وكذلك السكنى في منازل الصحابة يذكر بحالهم، فيكون سببًا في السير على منهاجهم. وهذه الأحاديث جاء فيها الإطلاق بالشفاعة منه ﷺ لساكن المدينة، وهي مقيدة بما تقدم في الرواية: ((إِذَا كَانَ مُسْلِمًا))، ولعموم النصوص- أيضًا.

стр. 1932

بَابُ صِيَانَةِ الْمَدِينَةِ مِنْ دُخُولِ الطَّاعُونِ، وَالدَّجَّالِ إِلَيْهَا [١٣٧٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، وَلَا الدَّجَّالُ)). [خ: ١٨٨٠] [١٣٨٠] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رسول الله ﷺ قال: ((يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ)). في هذه الأحاديث: فضل المدينة، وأنها محروسة من الدجال فلا يدخلها، وكذلك الطاعون، وهو: وباء يصيب الإنسان فيموت في ساعته، وهو غدة تخرج في الآباط والمراق. والدجال يأتي إلى سبخة، أو إلى الجرف، وينعق ثلاث نعقات، فيخرج إليه من المدينة كل كافر، وكل منافق، وكل يهودي، ولا يبقى فيها إلا المسلمون. وأما مكة فإنه ورد أنه لا يدخلها الدجال- أيضًا- وأنها محروسة منه. أما الطاعون فهل يدخل مكة، أو لا يدخل؟ الأقرب أنه خاص بالمدينة، والله أعلم.

стр. 1933

بَابُ الْمَدِينَةِ تَنْفِي شِرَارَهَا [١٣٨١] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أن رسول الله ﷺ قال: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ، وَقَرِيبَهُ هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ فِيهَا خَيْرًا مِنْهُ، أَلَا إِنَّ الْمَدِينَةَ كَالْكِيرِ تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). [١٣٨٢] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)). [خ: ١٨٧١] وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، جَمِيعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَا: ((كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ))، لَمْ يَذْكُرَا: ((الْحَدِيدَ)). قوله: ((أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى))، يعني: أُمِرْتُ بالهجرة إليها، واستيطانها. واختلف في معنى أكلها القرى، فقيل: المعنى: إنها مركز الجيوش في زمن النبي ﷺ ، وفي زمن الخلفاء. وقيل: المعنى: أن ميرتها وأكلها إنما يكون من البلدان المفتوحة. وفي هذا الحديث: دليل على خروج بعض الناس من المدينة إلى بلاد الخصب، والسعة، والرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون.

стр. 1934

وفيه: أن المدينة كالكير تنفي خبثها، أي: تُخرج الكفرة، والمنافقين، مثل النار التي تصفي الذهب والحديد والفضة من الوسخ، وهذا يتبين في وقت نزول الدجال فيخرج الكفرة والمنافقون من المدينة يتبعون الدجال، وتبقى المدينة سالمة من هؤلاء، ولا يبقى فيها إلا المسلمون، وأما قبل ذلك فمفهوم الحديث فلا يدل الحديث على نفيها. [١٣٨٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا)). [خ: ٧٢١١] وقوله: ((وَعْكٌ))، أي: حمى، فجاء إلى النبي ﷺ ، وقال: ((أَقِلْنِي بَيْعَتِي))، أي: افسخ بيعتي على الإسلام والهجرة، ((فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ) لأنه لا يجوز ترك الإسلام وترك الهجرة، وكررها ثلاثًا. وقوله: ((فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ))، أي: من المدينة. وقوله: ((وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا))، أي: يصفو، ويخلص طيبها ولا يبقى فيها إلا المؤمنون، ففي زمن النبي ﷺ فيه نفي لكنه ليس نفيا كاملا. في هذا الحديث: أن هذا الأعرابي لم يستقر الإيمان في قلبه؛ ولهذا لم يصبر عندما أصابه المرض. وفيه: أن هذا الرجل من الخبث الذي نفته المدينة؛ لأن الإيمان لم يستقر في قلبه.

стр. 1935

[١٣٨٤] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ- وَهُوَ الْعَنْبَرِيُّ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيٍّ- وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ- سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهَا طَيْبَةُ- يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- وَإِنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ، كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ)). [خ: ٤٥٨٩] [١٣٨٥] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ: طَابَةَ)). في هذا الحديث: أن من أسماء المدينة: طابة، وطيبة، وأما تسميتها: يثرب فهذه تسمية جاهلية؛ فلا ينبغي أن تسمى بها، وأما قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، فهذا إخبار من الله أنه من قول المنافقين، وأما تسميتها بالمدينة المنورة، فكلمة المنورة لا أصل لها، والأصل: المدينة النبوية. ولعل هذا الوصف من أوصاف الصوفية، ككلمة مكة المكرمة، فالله سماها مكة، قال تعالى: ﴿ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾.

стр. 1936

بَابُ مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ [١٣٨٦] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُحَنَّسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ: أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِسُوءٍ- يَعْنِي: الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو ابْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَرَّاظَ- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ- يُرِيدُ: الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)). قَالَ ابْنُ حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ يُحَنَّسَ- بَدَلَ قَوْلِهِ: ((بِسُوءٍ)) -: ((شَرًّا)). حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي هَارُونَ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، جَمِيعًا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. قوله: ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ)) هذا فضل المدينةـ وتخصيصها بهذا الوعيد الخاص ((أَذَابَهُ اللهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ))، ولكن العدوان على المؤمنين في أي مكان ليس خاصًّا بأهل المدينة، فكل من أراد المسلمين بسوء فعليه الوعيد الشديد، ولا شك أن حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة، فلا يجوز العدوان على المسلم بغير حق، قال النبي ﷺ : ((لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ

стр. 1937

بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) (١)، وقال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ) (٢)، وجاء في الحديث الآخر: ((وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ، أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ)) (٣). [١٣٨٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ، أَخْبَرَنِي دِينَارٌ الْقَرَّاظُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)). [خ: ١٨٧٧] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ عُمَرَ بْنِ نُبَيْهٍ الْكَعْبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((بِدَهْمٍ، أَوْ بِسُوءٍ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْقَرَّاظِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَعْدًا يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اللهُمَّ بَارِكْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مُدِّهِمْ))، وَسَاقَ الْحَدِيثَ: وَفِيهِ: ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)). قوله: ((بِدَهْمٍ، أَوْ بِسُوءٍ))، أي: بغائلةٍ، أو شرٍّ. وقوله: ((أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ))، وهذا ليس خاصًّا بالآخرة كما تقدم، بل في الدنيا- أيضًا- فمن أرادها فى الدنيا فلا يمهله الله، ولا يُمكِّن سلطانه، ويُذهبه عن قرب، كما تقدم.

стр. 1938

بَابَ التَّرْغِيبِ فِي الْمَدِينَةِ عَنْدَ فَتْحِ الْأَمْصَارِ [١٣٨٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ تُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَوْمٌ بِأَهْلِيهِمْ يَبُسُّونَ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). [خ: ١٨٧٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((يُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ-، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ- وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)). في هذه الأحاديث: معجزات للرسول ﷺ ، حيث أخبر بفتح هذه الأقاليم على هذا الترتيب، فوقع كما أخبر، وأن الناس يتحملون بأهلهم إليها ويتركون المدينة. وهذا يدل على فضل المدينة، وأنها هي ومكة أفضل البقاع، ومكة أفضل منها على الصحيح؛ لأن النبي ﷺ قال في مكة لما هاجر: ((وَاللهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْت)) (١).

стр. 1939

وقال بعض العلماء: المدينة أفضل من مكة. والصواب: القول الأول. والتحقيق كما قال شيخ الإسلام ﵀: ((الإقامة في كل موضع تكون الأسباب فيه أطوع لله ورسوله وأفعل للحسنات والخير بحيث يكون أعلم بذلك وأقدر عليه وأنشط له أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك. هذا هو الأصل الجامع. فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم)) (١). وفيها: أنهم يخرجون من المدينة بسبب الفقر، والحاجة، وضيق العيش إلى الشام، وإلى اليمن، وإلى العراق. وقوله: ((يَبُسُّونَ)) من الثلاثي بس بفتح الياء وكسر الباء الموحدة وضمها، أو يُبِسون من الرباعي من أبس بضم المثناة التحتية وكسر الباء الموحدة، قال أبوعبيد الهروي: ((يقال في زجر الدابة إذا سقتها: بس بس، وهو زجر للسوق، من كلام أهل اليمن، وفيه لغتان: بسست وأبسست)) (٢)، قال الحافظ النووي: ((الصواب الذي عليه المحققون أن معناه الإخبار عمن خرج من المدينة متحملا بأهله باسا في سيره مسرعا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر النبي ﷺ بفتحها)) (٣)، فالمعنى: يخرجون يتحملون بأهليهم وينتقلون إلى هذه البلاد المفتوحة من أجل الرخاء، ومن أجل السعة في العيش، ((والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)).

стр. 1940

بَابٌ فِي الْمَدِينَةِ حِينَ يَتْرُكُهَا أَهْلُهَا [١٣٨٩] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ. ح، وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْمَدِينَةِ-: ((لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي)) يَعْنِي: السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ. قَالَ مُسْلِم: أَبُو صَفْوَانَ هَذَا هُوَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، يَتِيمُ ابْنِ جُرَيْجٍ، كان في حجره عَشْرَ. [خ: ١٨٧٤] وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي- يُرِيدُ: عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ-، ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا)). قوله: ((لَيَتْرُكَنَّهَا أَهْلُهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُذَلَّلَةً لِلْعَوَافِي)) العوافي هي: السباع، والطير كما فسرها في الحديث، وهذا في آخر الزمان عند قيام الساعة. وقوله: ((ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا))، يعني: فيخران ميتين بسبب قيام الساعة، كما جاء في الحديث: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَأَىهَا النَّاسُ، آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ

стр. 1941

ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ، وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا)) (١)، وكذلك هذان الراعيان يحشران فيجدان المدينة وحشًا أو وحوشًا ليس فيها أحد، فيخران على وجوههما ميتينِ عند قيام الساعة. وقال بعضهم: المعنى: أن غنمهم انقلبت وحوشًا، والله أعلم.

стр. 1942

بَابُ مَا بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ [١٣٩٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)). [خ: ١١٩٥] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)). [١٣٩١] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)). [خ: ١١٩٦، ٤٤٢٢] وقوله: ((وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي)) قيل: حوض النبي ﷺ طوله مسافة شهر، ويمتد من أرض الشام إلى المدينة، فيكون منبره جزءًا من حوضه، وحوض النبي ﷺ في موقف القيامة يصب فيه ميزابان من نهر الكوثر. بين بيت النبي ﷺ ومنبره، وقيل في معنى: ((مَا بَيْنَ مِنْبَرِي، وَبَيْتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ)) إن هذا الموضع ينتقل بعينه إلى الجنة، وقيل: إن الصلاة فيه والعبادة تؤدي إلى دخول الجنة. والروضة مكانها معروف الآن، ما بين الحجرة النبوية إلى المنبر، والناس يصلون فيها الآن النافلة، أما الفريضة فينبغي أن يتقدم المصلى الصفوف الأمامية.

стр. 1943

وأما رواية: ((مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي)) (١) فهذه رويت بالمعنى، والمعروف: ((مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي))؛ لأنه ﵊ قال هذا في حياته.

стр. 1944

بَابٌ: أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ [١٣٩٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعَنْبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِي الْقُرَى، فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنِّي مُسْرِعٌ، فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِي، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ))، فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: ((هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). [١٣٩٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنِي حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)). قوله: ((يحبنا))، يعني: محبةً حقيقية، فالصواب أن هذا الحديث على ظاهره، خلافًا لمن تأوله، كما تقدم في الكلام على الحديث قريبا.

стр. 1945

بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ بِمَسْجِدَيْ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةَ [١٣٩٤] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). [خ: ١١٩٠] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ، قَالَ عبدَ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ- مَوْلَى الجُهَنِيِّينَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ- أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدَهُ آخِرُ الْمَسَاجِدِ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ نَشُكَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَنَعَنَا ذَلِكَ أَنْ نَسْتَثْبِتَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ، وَتَلَاوَمْنَا أَنْ لَا نَكُونَ كَلَّمْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُسْنِدَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِنْ كَانَ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ جَالَسَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ، وَالَّذِي فَرَّطْنَا فِيهِ مِنْ نَصِّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْهُ، فقَالَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَإِنِّي آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ مَسْجِدِي آخِرُ الْمَسَاجِدِ)).

стр. 1946

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا صَالِحٍ هَلْ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَذْكُرُ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ- أَوْ: كَأَلْفِ صَلَاةٍ- فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ [١٣٩٥] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ الْقَطَّانُ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح، وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِهِ. وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. [١٣٩٦] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فقَالَت: إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ، فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس، فَبَرَأَتْ، ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فقَالَت:

стр. 1947

اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ)). قولها: ((فَكُلِي مَا صَنَعْتِ))، يعني: ما أعددت من الطعام. وقولها: ((وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ )، أي: فإنه يكفيك، وقد جاء ما يدل على هذا، ففي السنن: ((أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: صَلِّ هَهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: صَلِّ ههنا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: شَأْنُكَ إِذًا)) (١)، فدل على أن من نذر أن يصلي في مكان، ثُمَّ أراد أن ينتقل إلى الأفضل فلا حرج، ومثل هذا- أيضًا-: لو نذر الإنسان أن يذبح شاةً، ثُمَّ أبدلها بخير منها جاز له فعل الأفضل. وفي هذا الحديث: فقه ميمونة ﵂؛ لأن هذه المرأة نذرت: ((إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ، فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس))، فقالت لها ميمونة ﵂: صلي في مسجد النبي ﷺ ؛ فإنه الأفضل، فأنت تنتقلين من الفاضل إلى الأفضل. وفيه: دليل على فضل مسجد النبي ﷺ ، وأن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وجاء في حديثٍ آخر: ((صَلاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِائَةُ أَلْفِ صَلاةٍ، وَصَلاةٌ فِي مَسْجِدِي أَلْفُ صَلاةٍ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلاةٍ)) (٢). مسألة: اختلف في أيهما أفضل: المسجد الحرام، أو مسجد النبي ﷺ ؟ القول الأول: الصلاة في مسجد النبي ﷺ أفضل.

стр. 1948

القول الثاني - وهو الصواب-: أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل، كما جاء في الأحاديث؛ ولهذا اختلف العلماء في المراد بالاستثناء في قوله: ((إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ)) على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل. قال النووي رحمه الله تعالى: ((قوله: عن ميمونة ﵂ إنها أفتت امرأة نذرت الصلاة في بيت المقدس أن تصلي في مسجد النبي ﷺ ، واستدلت بالحديث، هذه الدلالة ظاهرة، وهذا حجة لأصح الأقوال في مذهبنا في هذه المسألة، فإنه إذا نذر صلاة في مسجد المدينة، أو الأقصى هل تتعين؟ فيه قولان، الأصح: تتعين، فلا تجزئه تلك الصلاة في غيره، والثاني: لا تتعين، بل تجزئه تلك الصلاة حيث صلى، فإذا قلنا: تتعين، فنذرها في أحد هذين المسجدين، ثُمَّ أراد أن يصليها في الآخر ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يجوز الثاني: لا يجوز الثالث: - وهو الأصح- إن نذرها في الأقصى جاز العدول إلى مسجد المدينة دون عكسه، والله أعلم)) (١). وقال: ((قوله ﷺ : ((صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ)): اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيتهما أفضل، ومذهب الشافعي وجماهير العلماء أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وعكسه مالك وطائفة، فعند الشافعي والجمهور: معناه: إلا المسجد الحرام؛ فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي، وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. قال القاضي عياض: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض،

стр. 1949

وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، واختلفوا في أفضلهما)) (١). وقول القاضي: ((أجمعوا على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض)) غلط، ولا يوجد فيه إجماع؛ لأن الفضيلة ليست للبقعة، وإنما الفضيلة لجسد النبي ﷺ . والتحقيق في هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) لما سئل عن التربة التي دفن فيها النبي ﷺ : هل هي أفضل من المسجد الحرام؟ فأجاب: ((وأما التربة التي دفن فيها النبي ﷺ فلا أعلم أحدًا من الناس قال: إنها أفضل من المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو المسجد الأقصى، إلا القاضي عياض، فذكر ذلك إجماعًا، وهو قولٌ لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه، ولا حجة عليه، بل بدن النبي ﷺ أفضل من المساجد، وأما ما منه خُلق، أو ما فيه دُفن فلا يلزم إذا كان هو أفضل أن يكون ما منه خلق أفضل؛ فإن أحدًا لا يقول: إن بدن عبد الله أبيه أفضل من أبدان الأنبياء، فإن الله يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ونوح نبيٌ كريم، وابنه المغرَق كافر، وإبراهيم خليل الرحمن، وأبوه آزر كافر، والنصوص الدالة على تفضيل المساجد مطلقة لم يُستثنَ منها قبور الأنبياء، ولا قبور الصالحين، ولو كان ما ذكره حقًّا لكان مدفن كل نبي، بل وكل صالح أفضل من المساجد التي هي بيوت الله، فتكون بيوت المخلوقين أفضل من بيوت الخالق التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)) (٢). ((وسئل عن رجلين يتجادلان، قال أحدهما: إن تربة النبي محمد ﷺ أفضل من السماوات والأرض، وقال الآخر: الكعبة أفضل، فمع مَن الصوابُ؟ فأجاب: الحمد لله، أما نفس محمد ﷺ فما خلق الله خلقًا أكرم عليه منه،

стр. 1950

وأما نفس التراب فليس هو أفضل من الكعبة بيت الله الحرام، بل الكعبة أفضل منه، ولا يعرف أحد من العلماء فضَّل تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه أحد إليه، ولا وافقه أحد عليه، والله أعلم)) (١).

стр. 1951

بَابُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ [١٣٩٧] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ : ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)). [خ: ١١٨٩] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ)). وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ أَبِي أَنَسٍ حَدَّثَهُ أَنَّ سَلْمَانَ الْأَغَرَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُخْبِرُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ)). قوله: ((مسجد إِيلِيَاءَ)) هو المسجد الأقصى. وفي هذه الأحاديث: أنه إذا كان شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة غير جائز فمن باب أولى السفر وشد الرحال إلى القبور والمشاهد. ومعنى الأحاديث: لا تشد الرحال إلى بقعة للعبادة إلا للمساجد الثلاثة، أما السفر للزيارة، أو للتجارة، أو للسياحة، أو للتعزية، أو لطلب العلم فلا بأس بذلك ومثله لو سافر ليصلي مع فلان.

стр. 1952

بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى هُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ [١٣٩٨] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْخَرَّاطِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: مَرَّ بِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ سَمِعْتَ أَبَاكَ يَذْكُرُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: قَالَ أَبِي: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: ((هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا)) - لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ- قَالَ: فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذْكُرُهُ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ، فِي الْإِسْنَادِ. قوله: ((هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا))، يعني: مسجده ﷺ . وأما المسجد المذكور في قوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾، فهو: مسجد قباء، والمعنى: أنه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى فإن مسجد النبي ﷺ من باب أولى وأحرى أنه أسس على التقوى، وهذا لإزالة الوهم.

стр. 1953

بَابُ فَضْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَزِيَارَتِهِ [١٣٩٩] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَزُورُ قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. [خ: ١١٩٤] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعَنِ الرَّقَاشِيُّ زَيْدُ بْنُ يَزِيدَ الثّقَفِيُّ- بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ-، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى الْقَطَّانِ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً كُلَّ سَبْتٍ، وَكَانَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ. وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ

стр. 1954

ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً- يَعْنِي: كُلَّ سَبْتٍ- كَانَ يَأْتِيهِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: كُلَّ سَبْتٍ. في هذه الأحاديث: استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه لمن كان في المدينة، وجاء في الحديث: ((مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ)) (١). وفيها: أنه لا بأس بالركوب إذا كان المسجد في نفس البلد. وفيها: تسمية الأسبوع باليوم. * * *

стр. 1955

كِتَابُ النِّكَاحِ

стр. 1956

كِتَابُ النِّكَاحِ [١٤٠٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى-: أَخْبَرَنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِنًى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ، فقَالَ: لَهُ عُثْمَانُ: ((يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً شَابَّةً لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟ قَالَ: فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). [خ: ٥٠٦٥] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: ((إِنِّي لَأَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى إِذْ لَقِيَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: فَاسْتَخْلَاهُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَيْسَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَالَ: قَالَ لِي: تَعَالَ يَا عَلْقَمَةُ قَالَ: فَجِئْتُ، فقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا نُزَوِّجُكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ جَارِيَةً بِكْرًا لَعَلَّهُ يَرْجِعُ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ))، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ

стр. 1957

بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ((دَخَلْتُ أَنَا، وَعَمِّي عَلْقَمَةُ، وَالْأَسْوَدُ، عَلَى عبد الله بن مسعود قَالَ: وَأَنَا شَابٌّ- يَوْمَئِذٍ- فَذَكَرَ حَدِيثًا رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَزَادَ قَالَ: ((فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ)). حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَأَنَا أَحْدَثُ الْقَوْمِ))، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَلَمْ أَلْبَثْ حَتَّى تَزَوَّجْتُ)). بعد أن بَوَّب المؤلف ﵀ لأركان الإسلام الخمسة بدأ في كتاب النكاح، وكثير من المؤلفين يذكرون بعد أركان الإسلام الخمسة البيوع، كما فعل البخاري ﵀، إلا أن البخاري ﵀ قدم الحج على الصوم على ما جاء في بعض الروايات: ((وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)) (١)، ثم ذكر كتاب البيوع، ولكنَّ مسلمًا ﵀ قدم كتاب النكاح، ثم الطلاق، ثم العتق، ثم بعد ذلك بَوَّب للبيوع، وذكر الأحاديث التي فيها. والنكاح لغة: الضم والجمع، يقال: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، ويطلق النكاح على العقد، ويطلق على الجماع، فإذا قالوا: نكح فلان زوجته أرادو الجماع، وإذا قالوا: نكح فلان بنت فلان أرادو العقد، يعني: عقد عليها. وفي هذا الحديث: قصة عثمان بن عفان ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵁ أنه استخلاه، وقال: ألا أزوجك يا أبا عبد الرحمن جارية تذكرك ما كنت

стр. 1958

تعهد، وتذكرك ما مضى من زمانك؟ وفيه: بيان حسن خلق عثمان ﵁، ومداعبته لأصحابه، وهو الخليفة الراشد. وقوله: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ)): المعشر: الجماعة. وفيه: حث الشباب على الزواج لِما لهم من قوة الشهوة، وكذلك من يحتاج إلى الزواج من غير الشباب يأمرهم بالزواج، ومن لم تعفه الواحدة يأمره أن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة؛ قال الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقد دل هذا على أن الأصل هو التعدد. والزواج فيه مصالح عظيمة، مثل: تحصين النفس، وتحصين الفرج، وتحصين الزوجة، وإيجاد ذرية صالحة تعبد الله، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ ، فقد قال ﵊: ((تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ)) (١). وقول عبدالرحمن بن يزيد: ((رُئِيتُ أَنَّهُ حَدَّثَ بِهِ مِنْ أَجْلِي))، أي: ظننت، وفي رواية: رأيت، أي: علمت، وهما صحيحان، والمعنى: أنه ذكر هذا الحديث لكوني شابًّا يريد أن يتزوج.

стр. 1959

[١٤٠١] وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: ((أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي)). [خ: ٥٠٦٣] [١٤٠٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: ((رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا)). [خ: ٥٠٧٣] وحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: ((سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: رُدَّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلُ، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: ((أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَتَّلَ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا)). في هذا الحديث: أن هؤلاء الشباب جاؤوا يريدون أن يسألوا عن عبادة النبي ﷺ في السر، فسألوا أزواج النبي ﷺ ، فأخبرنهم أن النبي ﷺ كان يصلي بعض الليل وينام؛ فكان ينام أول الليل ويصلي آخر الليل، وكان يصوم بعض الأيام، ويفطر بعضها، وكان يتمتع بما أحل له الله من الطيبات، فيأكل

стр. 1960

اللحم ويتزوج النساء، فأراد هؤلاء الشباب أن يزيدوا على ما كان عليه عمل النبي ﷺ ، فقالوا: نبي الله مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نحن فما ندري ما حالنا؟ فلا بد أن نزيد؛ فكأنهم قد تَقَالُّوا عبادة النبي ﷺ ، أي: رأوها قليلة في أنفسهم، فقال بعضهم: أنا أصلي الليل ولا أنام على الفرش، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ما عشت، ولا أفطر، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء؛ لأن المرأة قد تشغل الإنسان وتعوقه عن العبادة، فهو لا يريد أن ينقطع، ولا يريد أن يشغل نفسه بالنساء ولا بالأولاد، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم تقشفًا وزهدًا، فلما جاء النبي ﷺ وأُخبر عن حالهم، حمد الله وأثنى عليه على عادته ﵊، ثم قال: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا))، ولم يقل: فلان وفلان، وجاء في حديث تسميتهم أنهم: علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وجماعة (١). وقوله: ((لَكِنِّي أُصَلِّي، وَأَنَامُ، وَأَصُومُ، وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي)): فيه: دليل على أن هذا هو الأفضل، وأنه ليس الأفضل التبتل؛ لأن التبتل معناه: الانقطاع إلى نوع من العبادة، وترك العبادات المتنوعة، وكون الإنسان يتزوج النساء ويقوم بحق الزوجة وينفق على الأولاد ويربيهم؛ فهذه عبادات متنوعة يُفَوِّتها المتبتل، كذلك كون الإنسان يصلي وينام، ويصوم ويفطر بعض الأيام، يتيح له ذلك أن يؤدي بقية العبادات الأخرى ويعطي جسده حقه، ويقابل الضيوف، أو ينفع الناس بشفاعته، أو بتوجيهه وإرشاده، أو ببدنه، أو بماله، وإذا كان يصوم النهار ويقوم الليل فلن يستطيع أن يقوم بهذه العبادات، ويفوت عليه الأكمل، أو ينفق على بعض المحتاجين، أو يوجه ويرشد إذا كان يمتلك أسلوب الإرشاد والتوجيه، أو يدرِّس ويعلِّم، أو يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ كل هذه عبادات متنوعة تفوت على المتبتل؛ ولهذا بيَّن النبي ﷺ أن

стр. 1961

هذا هو الأكمل وأن هذا هو السنة، وما كان عليه النبي ﷺ هو أكمل من حال هؤلاء الشباب. وفيه: أنه رد على عثمان بن مظعون ﵁ التبتل. وقوله: ((وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا)): الاختصاء هو: قطع الخصيتين، وهذا لا يجوز؛ لما فيه من قطع النسل، لكن في الدواب لا بأس به؛ لأن فيه مصلحة تكثير اللحم وتطييبه. وأصل التبتل (١): الاستمرار في العبادة، كالصلاة، والصيام، وترك العبادات الأخرى، كالزواج، والقيام بالحقوق.

стр. 1962

بَابُ نَدْبِ مَنْ رَأَى امْرَأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَيُوَاقِعَهَا . [١٤٠٣] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ: ((أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً، فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)). حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ أَبِي الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى امْرَأَةً))، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً، وَلَمْ يَذْكُرْ: تُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ)). وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ)). قوله: ((تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا))، يعني: تدلك جلد ذبيحة لها. وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ رأى امرأة، فوقع في نفسه شيء، فأتى زوجته زينب، فقضى حاجته منها، يعني: جامعها، وقال: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ))، فإذا رأى امرأة مثلا في الشارع فوقع في نفسه شيء من ذلك من الشيطان، فإنه يُستحب له أن يذهب إلى زوجته أو أمتِه ويجامعها، حتى يردَّ ما في نفسه مما أوقعه الشيطان.

стр. 1963

بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ثُمَّ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَاسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . [١٤٠٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ بِشْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: ((كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾)). [خ: ٤٦١٥] وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: ((ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةَ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: ((كُنَّا وَنَحْنُ شَبَابٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَسْتَخْصِي؟ ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((نَغْزُو)). في هذا الحديث: تشريع نكاح المتعة، وقد رُخِّص أن ينكح بالمتعة إلى أجل، ولكنها حُرِّمت، وعبد الله بن مسعود ﵁ لم يبلغه التحريم؛ ولهذا قال: ((ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾))، وظاهر هذا- كما سيأتي-: أنه بقي على رأيه، وهو أن نكاح المتعة جائز، ومثله جابر ﵁، وجماعة غيره، يرون جوازه، لم يبلغهم النهي، وسيأتي في الحديث تحريم نكاح المتعة.

стр. 1964

[١٤٠٥] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا: ((خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا- يَعْنِي: مُتْعَةَ النِّسَاءِ)). [خ: ٥١١٨] وحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْقَاسِمِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَانَا، فَأَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ)). في هذا الحديث: بيان تحليل المتعة، وأنها أُحلت في بداية الإسلام للضرورة؛ فقد كان الصحابة ﵃ يذهبون للغزو فتشتد عليهم العزوبة، فأبيح لهم نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجل، ليس فيه عقد ولا ولي، يتفق معها ويعطيها شيئًا من مهر، ثم حُرِّم ذلك. وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاء: ((قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ، فقَالَ: نَعَمِ اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ)). في هذا الحديث: دليل خفي على تحريم المتعة، وهو قوله: ((اسْتَمْتَعَنْا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ))، يعني: فعل ذلك مَن لم يعلم بالتحريم، قال: ثم نهانا عمر، كما سيأتي. وفيه: أن جابرًا ﵁ قد خفيت عليه النصوص التي فيها تحريم المتعة،

стр. 1965

كما خفيت على عبد الله بن مسعود ﵁، والحجة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ((كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ، وَالدَّقِيقِ، الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ)). قوله: ((كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ)): يقال: بالقُبضة، ويقال: بالقَبضة، أي: يعطي المرأة أجرة نكاحها إلى أجل، يوم، أو يومين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو أسبوع، حتى نهى عنه عمر ﵁، أي: أظهر النهي، ومنع، وأدَّب مَن فعل ذلك، وقد فعله بعض من لم يعلم بالتحريم، أو لم يلتزمه، فألزمهم بترك المتعة، وإلا فالناهي هو الرسول ﷺ . حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ- يَعْنِي: ابْنَ زِيَادٍ- عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: ((كُنْتُ عَنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فقَالَ جَابِرٌ: فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا)). قوله: ((اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ))، أي: في متعة الحج ومتعة النساء، ومتعة الحج بأن يحرم بالعمرة، ثم يحرم بالحج من عامه، والمتعة الثانية هي: متعة النساء، وقوله: ((فعلناها على عهد النبي ﷺ ، ثم نهانا عن ذلك عمر))، فيه دليل على أن جابرًا ﵁ قد خفي عليه التحريم.
следующие страницы →