بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، يعني: الجراحات.
وقوله: ((فَنَكَأَهَا)): يعني: نقش الجرح، فخرج الدم، فلم ينقطع الدم حتى مات.
قال النووي ﵀: ((يحتمل أنه كان مستحِلًّا، أو يحرمها حين يدخلها السابقون والأبرار، أو يطيل حسابه، أو يحبس في الأعراف، وهذا محمول على أنه نكأها استعجالًا للموت)) (١).
стр. 212
بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ
[١١٤] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ))، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ.
هذا الحديث فيه: دليل على الوعيد الشديد على الغلول، وأن من غلَّ من الغنيمة فإنه يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب.
والغلول هو: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، فإذا قاتل المسلمون الكفار، ثم غنموا شيئًا من أموالهم، تجمع هذه الأموال، ثم يؤخذ الخمس، ويقسم خمسة أخماس، قسم لله ، ولرسوله ﷺ ، ولقرابة الرسول ﷺ ، ولليتامى، والمساكين، والمسلمين، وأربعة أخماس تكون للغانمين توزع عليهم.
والغالُّ يأخذ من الغنيمة قبل أن توزع، والغلول من الغنيمة من كبائر الذنوب، ومثلها- أيضًا-: الأخذ من الأموال المشتركة، كأن يأخذ من بيت مال المسلمين، أو من صدقات جُمِعَت، أو أوقاف جُمِعَت، فيسمى هذا غلولًا.
وفيه: أن المقاتل من المؤمنين إذا قُتِلَ في المعركة قالوا له: شهيد في
стр. 213
أحكام الدنيا، أما في الآخرة فأمره إلى الله؛ ولهذا أقرهم الإجماع على قولهم: فلان شهيد، وبوب البخاري ﵀: ((باب: لا يقول: فلان شهيد)) (١)، فهو لا يقال له: شهيد في أحكام الآخرة؛ لأن هذا أمره إلى الله، ويقال له: شهيد في أحكام الدنيا، وهذا هو الجمع بينهما، فإذا قُتل المسلم المجاهد في المعركة يسمى شهيدًا، وتجرى عليه أحكام الشهداء، لا يُغَسَّل، ولا يُصَلَّى عليه، ويدفن في ثيابه ودمائه؛ لأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ على قتلى أُحد، بل أمر بدفنهم بدمائهم وثيابهم، ولم يغسلهم (٢)، أما في الآخرة فأمر الشهيد إلى الله ، إذا كان صادقًا فله حكم الشهادة؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن رجل يقاتل شجاعة، ورجل يقاتل حمية، ورجل يقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)) (٣).
وفيه: أن الغالَّ لا يسمى شهيدًا؛ ولهذا لما ذكروا فلانًا، وقالوا: فلان شهيد، قال ﷺ : ((كَلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ))، يعني: أخذ بردة، أو عباءة من الغنيمة، قبل أن تقسم، فصارت تشتعل عليه نارًا.
هو حصن كان لقبيلتي دوس.
وقوله: ((فَأَبَى ذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ )، أي: امتنع من إجابة الطفيل.
وقوله: ((لِلَّذِي ذَخَرَ الله لِلأَنْصَارِ))، أي: رفض عرض الطفيل، لأن الله تعالى أراد أن يكرم الأنصار بهجرته إليهم، فلم يشرح صدره ﷺ بالهجرة لغيرهم.
وقوله: ((فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ))، أي: كرهها، قالوا: اجتويت المدينة إذا كرهتها، قال المازري: ((قال أبو عبيد: يقال اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كَانَتْ موافقة لك في بدنك. واستوبلتها إذا أحببتها وإن لم توافقك في بدنك)) (١).
وقوله: ((فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ)) المشاقص جمع مشقص، وهو السهم العريض، وقال الداودي: ((هو السكين، والبراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها)) (٢)، وقيل: البراجم رءوس السلاميات والرواجم بطونها وظهورها (٣).
هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من قتل نفسه.
وفيه: دليل على أن عقوبة الكبائر قد تسقط، وقد تُغفر بشفاعة النبي ﷺ ، وهذه شفاعة له في الدنيا، وقد يشفع له في الآخرة، ويشفع الأنبياء، ويشفع الأبرار لقوم استحقوا دخول النار فلا يدخلونها، بشفاعة الأنبياء والصالحين أو الأبرار.
وفيه: بيان أن هذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب ﵁ (٤).
стр. 217
وفيه: بيان فضل الهجرة في سبيل الله، والهجرة باقية من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وفي صحيح البخاري: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)) (١)، يعني: لا هجرة واجبة، فقد انتهت الهجرة لما فُتحت مكة، وصارت دارَ إسلام، فالمراد: لا هجرة من مكة بالخصوص.
стр. 218
بَابُ فِي الرِّيحِ الَّتِي تَكُونُ قُرْبَ الْقِيَامَةِ تَقْبِضُ مَنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الإِيمَانِ
[١١٧] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، وَأَبُو عَلْقَمَةَ الْفَرْوِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنْ الْيَمَنِ، أَلْيَنَ مِنَ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ))، قَالَ أَبُو عَلْقَمَةَ: ((مِثْقَالُ حَبَّةٍ))، وقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: ((مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ إِيمَانٍ، إِلَّا قَبَضَتْهُ)).
هذا الحديث فيه: بيان ما يكون في آخر الزمان عند أشراط الساعة، وهو أنه تأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، ولا يبقى إلا الكفرة، وعليهم تقوم الساعة، وهي ريح طيبة ألين من الحرير، جاء في الحديث الآخر أنها من قبل الشام (١)، وقيل: إنهما ريحان، وقيل: إنها ريح واحدة، تخرج من إحداهما، ثم تعتدل للجهة الأخرى.
وفي الحديث نفسه: ((حَتَّى لَوْ أن أَحَدَكُمْ دخل فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ)) (٢).
стр. 219
بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ
[١١٨] حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)).
هذا الحديث فيه: بيان الحث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن تأتي العوائق، والصوارف، والفتن التي تصرف، ولا يستطيع المسلم معها العمل.
ومن الصوارف والعوائق ما جاء في الحديث من قوله ﷺ : ((هَلْ تُنْظَرُونَ إِلَاّ إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) (١).
قوله: ((بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة)): فيه شهادة ومنقبة لثابت بن قيس بن شماس ﵁؛ ولهذا قال أنس ﵁: ((فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).
وقوله: ((يَا أَبَا عَمْرٍو، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، اشْتَكَى؟ قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى)): هذا وهمٌ من بعض الرواة، ورواية حماد معلولة، وإن كانت في مسلم، وهذه من الروايات التي انتُقدت على مسلم ﵀؛ لأن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إنما نزلت في السنة التاسعة عام الوفود، وسعد بن معاذ ﵁ توفي قبل ذلك في السنة الخامسة من الهجرة، في غزوة الخندق، فما حضر هذه القصة؛ ولهذا قال الحافظ ابن كثير في التفسير: ((والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل، سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة)) (١).
وثابت بن قيس ﵁ قُتل شهيدًا يوم اليمامة ﵁، وهو الذي له قصة الخلع من زوجته جميلة بنت أُبي سلول، لما كرهته؛ لأنها جميلة الخلقة، ((جاءت إلى رسول الله، فقالت: يارسول الله، ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين- وكان أصدقها حديقة- وإني أكره الكفر بعد الإسلام، إذا رأيته كرهته، فهو قصير القامة بين الناس، فقال ﷺ : ((أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ )) قالت: نَعَمْ، قال: ((اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً)) (٢).
стр. 222
بَابُ هَلْ يُؤَاخَذُ بِأَعْمَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟
[١٢٠] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ)).
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ)).
حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
هذا الحديث فيه: بيان أن من أسلم فإن الله تعالى يكفر عنه الشرك وأعماله السيئة السابقة، إذا كان قد أحسن في الإسلام، وحسن إسلامه، أما إذا أسلم ولم يحسن إسلامه، فإن الله تعالى يغفر الشرك، وتبقى سيئاته السابقة يؤاخذ بها.
مثال ذلك: أسلم شخص، وتاب من الشرك، وكان يشرب الخمر في كفره، وكان يسرق، وكان يزني، ثم تاب من الشرك، ومن الزنا، والسرقة، والخمر، فهذا أحسن في الإسلام؛ فيمحو الله تعالى الشرك، ويمحو الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وشخص آخر أسلم وتاب من الشرك، وكان يزني في الجاهلية، ويسرق، ويشرب الخمر، لكنه لم يتب من الزنا، ولا من
стр. 223
السرقة، ولا من شرب الخمر، فاستمر على الزنا، واستمر على السرقة، واستمر على شرب الخمر، فهذا أساء في الإسلام؛ يمحو الله بإسلامه الشرك، ويبقى عليه الزنا، يؤاخذ بفعل الزنا في الإسلام وفي الجاهلية، ويؤاخذ بفعل السرقة في الإسلام وفي الجاهلية، ويؤاخذ بشرب الخمر في الإسلام وفي الجاهلية.
هذا الحديث فيه: بيان أفضل ما يعده الإنسان لما بعد الموت، وهو التوحيد والإيمان، ولما سئل النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ)) (١).
وفيه: دليل على أن الإسلام يهدم ما قبله، ولكن بالتفصيل السابق؛ إذا أسلم، وحسن إسلامه هدم الإسلامُ الشركَ والمعاصي، وإذا أسلم وساء إسلامه هدم الإسلامُ الشركَ وبقيت عليه المعاصي التي استمر عليها، ولم يتب منها، وكذلك الهجرة تهدم ما قبلها، وكذلك الحج الذي ليس فيه فسوق ولا عصيان يهدم ما قبله من المعاصي.
وقوله: ((ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا))، أي: حصل له أشياء بعد وفاة النبي ﷺ ، من اتصاله بمعاوية ﵁، ومسألة التحكيم، والخلاف الذي حصل بين الصحابة، والقتال بينهم.
وقوله: ((فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ دَفْنِي، فَامْكُثُوا حَوْلِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا فَإِنِّي آنَسُ بِكُمْ حَتَّى أَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي)) وهذا اجتهاد منه ﵁؛ لأن هذه المدة مدة طويلة، فمقدار ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها ساعتان أو ثلاث، وهذا وقت طويل، والصواب: أنه لا يشرع الجلوس عند الميت هذه المدة الطويلة؛ لما فيها من المشقة، وهي غير مشروعة، ولا دليل عليها في السنة، فإذا دفن الميت يقف الإنسان عند قبره قليلًا ويدعو له، وينصرف، كما في حديث عثمان ﵁ قال ﷺ : ((اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)) (٢).
стр. 226
[١٢٢] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ- وَاللَّفْظُ لِإِبْرَاهِيمَ- قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا، فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا، فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، وَنَزَلَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
هذا الحديث فيه: بيان خبر التائبين، وهم أناس كانوا على الشرك، فزنوا، وسرقوا، ثم تابوا، وجاءوا إلى النبي ﷺ ، وقالوا: ((إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ، وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً))، فنزلت هذه الآية: أن من تاب من الشرك، والزنا، والسرقة، كفَّر الله ذنوبه، وإذا أتبعها بالعمل الصالح بُدِّلت السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾.
ولما سئل العلامة ابن باز ﵀: كيف نجمع بين هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) وقوله تعالى: ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾، وهل بينهما تعارض؟
فأجاب ﵀ فقال: ليس بينهما تعارض، فالآية الأولى في حق من مات على الشرك ولم يتب منه فإنه لا يغفر له ومأواه النار كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾،
стр. 227
وقال : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة. أما الآية الثانية وهي قوله سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فهي في حق التائبين، وهكذا قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين. والله ولي التوفيق (١).
وقوله: ((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ))، يعني: إذا أسلم الكافر وكان هناك أعمال صالحة يعملها في كفره، يقصد بها التقرب إلى الله، يكتب له أجرها في إسلامه، بشرط أن يكون قاصدًا بها التقرب إلى الله، فإذا كان يعتق الرقاب في الجاهلية، أو ينصر المظلوم، وينوي بهذه الأعمال التقرب إلى الله، فإنه تكتب له كل تلك الأعمال، ويحرزها بإسلامه، هذا المعنى الظاهر للحديث وهو الراجح، وإليه ذهب ابن بطال (١).
وقيل في معناه أقوال أخرى:
قال النووي ﵀: ((وقال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا يصح منه التقرب، فلا يثاب على طاعته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب، كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع فيه من حيث كان موافقًا للأمر والطاعة عندنا موافقة الأمر ولكنه لا يكون متقربا لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعد فإذا تقرر هذا علم أن الحديث متأول وهو يحتمل وجوها أحدها أن يكون معناه اكتسبت طباعا جميلة وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام وتكون تلك العادة تمهيدا لك ومعونة على فعل الخير والثاني معناه اكتسبت بذلك ثناء جميلا فهو باق عليك في الإسلام والثالث أنه لا يبعد أن يزاد في حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة وقد قالوا في الكافر إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به فلا يبعد أن يزاد هذا في الأجور)) (٢).
قلت: قوله: الكافر لا يصح منه التقرب، مراده: أنه لا يعتد له به في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، فإن أقدَمَ قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رُدَّ قوله بهذه السنة الصحيحة.
стр. 230
وقال النووي ﵀: ((قال القاضي عياض ﵀: وقيل معناه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام وأن من ظهر منه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة آخره وحسن عاقبته هذا كلام القاضي وذهب بن بطال وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله تعالى له كل حسنة زلفها ومحا عنه كل سيئة زلفها وكان عمله بعد الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله ذكره الدارقطني في غريب حديث مالك ورواه عنه من تسع طرق وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له في الإسلام كل حسنة عملها فى الشرك قال بن بطال رحمه الله تعالى بعد ذكره الحديث ولله تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء لا اعتراض لأحد عليه قال وهو كقوله ﷺ لحكيم بن حزام ﵁ أسلمت على ما أسلفت من خير والله أعلم)) (١).
هذا الحديث فيه: أن الأعمال الصالحة التي كان يعملها العبد في الجاهلية تكتب له في إسلامه بعد الإسلام.
وفيه: بيان همة حكيم بن حزام ﵁ العالية، فمائة رقبة أعتقها في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وقال: ((فَوَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَّا فَعَلْتُ فِي الإِسْلَامِ مِثْلَهُ)).
стр. 231
بَابُ صِدْقِ الإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ
[١٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)).
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى- وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ-.ح، وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، وحَدَّثَنا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: حَدَّثَنِيهِ أَوَّلًا أَبِي عَنْ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ عَنِ الأَعْمَشِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ.
هذا الحديث فيه: بيان ما ظنه الصحابة ﵃ من أن المراد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ هو مطلق الظلم، وهو المعاصي، فبين لهم الرسول ﷺ أن المراد بالظلم: الشرك، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
والظلم ثلاثة أقسام:
الأول: ظلم شرك.
الثاني: ظلم العباد في أموالهم، ودمائهم، وأعراضهم.
الثالث: ظلم النفس بالمعاصي.
وفيه: فضل التوحيد، وأن من مات على التوحيد فله الأمن والهداية في
стр. 232
الدنيا، وفي الآخرة، وأهل التوحيد على قسمين:
القسم الأول: أهل التوحيد الذين ماتوا على التوحيد الخالص، ولم يصروا على الكبائر، وهؤلاء لهم هداية كاملة، وأمن كامل، ولهم الهداية في الدنيا، والأمن في الآخرة، يأمنون من دخول النار، ومن العذاب فيها.
القسم الثاني: أهل التوحيد الذين ماتوا على الكبائر، ولم يتوبوا منها، فماتوا على الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، أو عقوق الوالدين، أو قطيعة الرحم، فهؤلاء لهم هداية ناقصة، وأمن ناقص، هدايتهم في الدنيا ناقصة، وأمنهم ناقص، فلهم الأمن من الخلود في النار، لكن ليس لهم أمن من دخولها.
وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ- مَوْلَى خَالِدٍ- قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((قُولُوا: سَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا، وَسَلَّمْنَا))، قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ: ((قَدْ فَعَلْتُ))، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، قَالَ: ((قَدْ فَعَلْتُ))، ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا﴾، قَالَ: ((قَدْ فَعَلْتُ)).
هذا الحديث فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه، بأن نَسَخَ هذه الآية التي فيها تقرير لشيء لا يطيقونه، وهي في قوله تعالى: ﴿وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾.
وقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، أي: إلا ما تطيق، والوسَاوِس لا يطيقها الإنسان، فلا يُكلَّف بها، وفي الحديث الآتي يقول النبي ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَتَكَلَّمْ به))، فالوسَاوِس معفوٌّ عنها.
стр. 235
بَابُ تَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرِ بِالْقَلْبِ إِذَا لَمْ تَسْتَقِرَّ
[١٢٧] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وُمُحَمَّدُ ابْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)).
حَدَّثَنَا عمرو الناقد، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ)).
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ. ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ شَيْبَانَ، جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
هذا الحديث فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، بأنه لا يؤاخذهم بحديث النفس، ما لم يتكلموا، أو يعملوا؛ لأن حديث النفس لا يستطيع الإنسان دفعه.
وفيه: دليل على أن الكلام إنما هو الذي يتلفظ به الإنسان، وينطق به، لا ما يكون بالنفس، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس، فالنبي ﷺ فرَّق بين ما يكون بالنفس، وبين ما يتكلم به
стр. 236
الإنسان، فأخبر أن الكلام إنما يكون بما ينطق به باللسان، أو يعمل به، أما حديث النفس فليس كلامًا، والأشاعرة يقولون: الكلام هو المعنى القائم بالنفس.
وفيه: دليل على أن الله تعالى لا يؤاخذ بوساوس النفس وحديث النفس، لكن ما استقر في القلوب واعتقده الإنسان، أو عزم عليه يؤاخذ به؛ ولهذا قال : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، فرتب العقوبة على الإرادة والتصميم، فالإرادة الجازمة والتصميم الجازم غير حديث النفس، فحديث النفس الذي لا يستقر لا يؤاخذ به الإنسان، أما ما استقر في النفوس فإنه يؤاخذ به.
فالإنسان يؤاخذ بما استقر في قلبه جازمًا به، من النفاق، أو الشرك، أو التكذيب،
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فالظن الذي ليس عليه دليل إثم، أما الوساوس التي لا تستقر فليست تكذيبًا، ولا كفرًا، ولا شركًا، ولا تصميمًا، ولا عزمًا، ولا إرادة جازمة، ولا شيئًا مستقرًّا، وإنما هو حديث يدور في النفس، فهذا لا يؤاخذ به الإنسان، وهو من فضل الله تعالى وإحسانه.
ويؤخذ من مجموع هذه الأحاديث الثلاثة: أن العبد إذا هم بالسيئة فتركها فله أحوال ثلاث:
الحال الأولى: أن يتركها غفلة وإعراضًا عنها، فهذا لا تكتب عليه.
الحال الثانية: أن يهم بالسيئة، ثم يتركها خوفًا من الله، فهذا تكتب له حسنة.
الحال الثالثة: أن يهم بالسيئة، ويعزم عليها، ويصمم عليها، ويفعل الأسباب التي توصله إليها، لكن يتركها عجزًا عنها، فهذا تكتب عليه سيئة الهم والتصميم، ومن ذلك: حديث: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ))، فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ )) قَالَ: ((إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ))، فعوقب المقتول بهمِّه وحرصه على قتل صاحبه، وبذله للأسباب، وأنه ما منعه إلا العجز، لم يمنعه الخوف، ولا الغفلة.
بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَارِثِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ ﷺ فِي الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ ))، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ؛ إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا اللَّهُ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ قَالَ: فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: قُومُوا قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي.
قوله: ((قُومُوا قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي))، يعني: رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث فيه: إشارة إلى ذم كثرة السؤال، والاستفتاء عن الأمور التي لا يحتاج إليها، وأن ذلك يجر إلى السؤال عما لا يجوز، فينبغي للإنسان اجتنابه؛ حذرًا مما يجر إليه.
стр. 245
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَيَسْأَلَنَّكُمُ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَقُولُوا: اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ )).
[١٣٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: مَا كَذَا، مَا كَذَا، حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ )).
حَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ: قَالَ اللَّهُ: إِنَّ أُمَّتَك.
هذه الأحاديث فيها: دليل على أن الشيطان يوسوس للإنسان في التوحيد، والإيمان بالجنة، والنار، وفي الله ، وفي الرسول ﷺ ؛ حتى يؤذيه؛ لأن الشيطان حريص على إيذاء بني آدم، وإفساد دينهم عليهم، ولكن الرسول ﷺ بين لنا العلاج من هذه الوساوس، فالشيطان إذا أتى للإنسان وقال له: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ ثم قال: من خلق الله؟ فعلى المسلم أن يفعل أمورًا خمسة:
الأمر الأول: أن يقول ((آمَنْتُ باللهِ وَرُسُلِهِ)) ففي لفظ قال: ((آمَنْتُ باللهِ))، وفي لفظ آخر قال: ((وَرُسُلِهِ))، فبالروايتين يقول: ((آمَنْتُ باللهِ ورُسُلِهِ)).
الأمر الثاني: أن يستعيذ بالله من الشيطان؛ لأن هذه الوساوس من الشيطان، ومعنى ((أعوذ بالله))، أي: ألتجأ إلى الله، وأحتمي به من شر هذا الشيطان العدو اللدود.
стр. 246
الأمر الثالث: أن ينتهي، فيقرأ التفسير مثلًا، ولا يسترسل في هذه الوساوس، ويشتغل بعمله الديني أو الدنيوي، فهذه ثلاثة أمور جاءت في الأحاديث.
الأمر الرابع: يتقل عن يساره ثلاثا، كما في المسند وسنن أبي داود: ((فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ)) (١).
الأمر الخامس: وهو ما ورد في الحديث السابق؛ أن يقول: ((اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)).
فهذه أمور خمسة، كلها علاج لهذه الوساوس التي ترد من الشيطان عند قوله: من خلقك؟ ومن خلق الله؟ وما أشبه ذلك من الوساوس.
стр. 247
بَابُ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ بِالنَّارِ
[١٣٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى الْحُرَقَةِ- عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك)).
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من اقتطع مال مسلم بيمينه، وأن هذا من الكبائر، ولو كان قليلًا، سواء عند القاضي أو غيره، كأن يكون إنسان عنده حق لشخص، فينكر، ولا يكون لصاحب الحق بينة، فيقول له القاضي: ليس لك إلا يمين، فيحلف، فإذا حلف انتهت الخصومة، واقتطع مال أخيه بهذه اليمين.
وفيه: أن هذا يدل على ضعف الإيمان، ونقصه؛ ولذا جاء ذكره في كتاب الإيمان.