← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمر الثالث: أن ينتهي، فيقرأ التفسير مثلًا، ولا يسترسل في هذه الوساوس، ويشتغل بعمله الديني أو الدنيوي، فهذه ثلاثة أمور جاءت في الأحاديث. الأمر الرابع: يتقل عن يساره ثلاثا، كما في المسند وسنن أبي داود: ((فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ)) (١). الأمر الخامس: وهو ما ورد في الحديث السابق؛ أن يقول: ((اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)). فهذه أمور خمسة، كلها علاج لهذه الوساوس التي ترد من الشيطان عند قوله: من خلقك؟ ومن خلق الله؟ وما أشبه ذلك من الوساوس.

стр. 247

بَابُ وَعِيدِ مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ فَاجِرَةٍ بِالنَّارِ [١٣٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، جميعًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- مَوْلَى الْحُرَقَةِ- عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاك)). وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ يُحَدِّثُ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من اقتطع مال مسلم بيمينه، وأن هذا من الكبائر، ولو كان قليلًا، سواء عند القاضي أو غيره، كأن يكون إنسان عنده حق لشخص، فينكر، ولا يكون لصاحب الحق بينة، فيقول له القاضي: ليس لك إلا يمين، فيحلف، فإذا حلف انتهت الخصومة، واقتطع مال أخيه بهذه اليمين. وفيه: أن هذا يدل على ضعف الإيمان، ونقصه؛ ولذا جاء ذكره في كتاب الإيمان.

стр. 248

[١٣٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِالْيَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ ))، فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: ((فَيَمِينُهُ))، قُلْتُ: إِذَنْ يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قوله: ((يَمِين صَبْرٍ))، أي: حبس، وكأنه حينما يحلف ويقتطع ماله وليس معه بينة، كأنه حبسه، وأخذ ماله، فهذا من الصبر؛ لأنه لا حيلة حينئذٍ لصاحب الحق. ولذا يقال: فلان قُتِل صبرًا، يعني: قُتل، وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وقوله: ((أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ)) هي كنية عبد الله بن مسعود ﵁.

стр. 249

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ)). قوله: ((شَاهِدَاكَ، أَوْ يَمِينُهُ))، يعني: صاحب الحق إما أن يأتي بالبينة، فإن لم يكن له بينة فليس له إلا يمين صاحبه مسلمًا كان أو كافرًا، ليس له إلا ذلك، وتنتهي الخصومة في الدنيا. وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَن، سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: هذا وعيد شديد للذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، فهذا الذي حلف وهو فاجر اشترى بيمينه هذا المال الذي أكله، فعليه الوعيد الشديد في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

стр. 250

وفي هذا الحديث قال ﷺ : ((لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، وفي الحديث الأول وعيد بأن الله لا يدخله الجنة، وهذا يدل على أنه من الكبائر العظيمة. [١٣٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو عاصم الحنفي- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ، إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْحَضْرَمِيِّ: ((أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: ((لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِك)) فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَدْبَرَ: ((أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ)). وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ وَائِلِ ابْنِ حُجْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتَزَى عَلَى أَرْضِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ قَالَ: ((بَيِّنَتُكَ))، قَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ، قَالَ: ((يَمِينُهُ))، قَالَ: إِذًا يَذْهَبُ بِهَا، قَالَ: ((لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ))، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ. هذا الحديث فيه: أنه ليس للمدعي إذا لم يكن عنده بينة إلا يمين الخصم، مسلمًا كان أو كافرًا.

стр. 251

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ أَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ الْقَاصِدُ مُهْدَرَ الدَّمِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ [١٤٠] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)). [١٤١] حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ- وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ أَنَّ ثَابِتًا- مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْنَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ، فَرَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَعَظَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ))؟ وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. هذا الحديث فيه: أن من قُتل دون ماله فهو شهيد. وفيه: دليل على مشروعية الدفاع عن المال، كما في حديث: ((أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ

стр. 252

قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ)) فهذا فيه: دليل على أنه يجوز للإنسان الدفاع عن ماله، وأنه إن قُتل دون ماله فهو شهيد، وإذا قتل الصائلَ فالصائلُ في النار. وفيه: أنه لو ترك ماله حقنًا لدمه فلا بأس.

стр. 253

بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْوَالِي الْغَاشِّ لِرَعِيَّتِهِ النَّارَ [١٤٢] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، قَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقَلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا لَمْ أَكُنْ حَدَّثْتُكَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَسْتَرْعِي اللَّهُ عَبْدًا رَعِيَّةً، يَمُوتُ حِينَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهَا، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ))، قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَوْ لَمْ أَكُنْ لَأُحَدِّثَكَ. وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ- يَعْنِي: الْجُعْفِيَّ- عَنْ زَائِدَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: كُنَّا عِنْدَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمَا. وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ عَادَ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ)).

стр. 254

هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على غش الوالي للرعية، وأنه من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بعدم دخول الجنة، ولا يدل على أنه كافر؛ لأن غش الرعية ليس شركًا في العبادة، ولا ناقضًا من نواقض الإسلام، لكنه من الكبائر؛ للوعيد عليه في عدم دخول الجنة، وهو معصية تُنقص وتُضعف الإيمان، وهذا هو وجه إدخال الإمام مسلم ﵀ هذا الحديث في كتاب الإيمان. ولا يكفر غاش الرعية إلا إذا استحله، فاعتقد أن غش الرعية حلال. وهذه قاعدة عامة في جميع الكبائر: أن من استحل أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة الشرعية- كفر، لكن إذا لم يستحل ذلك يكون عاصيًا وناقص الإيمان. وفيه: أن معقل بن يسار ﵁ حدث عبيد الله بن زياد أمير العراق بهذا الحديث، ولعله ما حدثه إلا في الموت؛ ليريه ظلمه، فهو خشي من شره؛ فلذلك حدثه عند الموت، فقال: ((إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثْتُكَ))، وإنما حدَّثه إبراءًا للذمة، وخروجًا من إثم كتم العلم، ولعله يرتدع ويرعوي عن ظلمه.

стр. 255

بَابُ رَفْعِ الأَمَانَةِ وَالإِيمَانِ مِنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ، وَعَرْضِ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ [١٤٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ، قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، ثُمّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، قَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ، فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ أَخَذَ حَصًى فَدَحْرَجَهُ عَلَى رِجْلِهِ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ، وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا)). وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. قوله: ((حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ))، يعني: حديثين في الأمانة، أحدهما في نزول الأمانة في قلوب الرجال، والثاني في رفع الأمانة، وإلا فله أحاديث كثيرة.

стр. 256

وقوله: ((أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ)) فكانوا أمناء، فنزلت الأمانة في قلوبهم، ونزل القرآن، وجاءت السنة، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة، فعملوا بالأمانة، والمراد بالأمانة: الأمانة العامة، وهي أمانة التكليف، وليس المراد الوديعة، فالوديعة نوع من الأمانة، وتفسر الأمانة بالتكليف؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، فهي أمانة التكليف من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج. ومن ذلك: الأمانة في البيع والشراء التي تكون بينك وبين الناس، بألا تخفي عيوب السلعة، ولا تنفق السلعة بالحلف الكاذب، ولا تغش الأمانة فيما بينك وبين جيرانك، والأمانة بينك وبين أهلك، ومن الأمانة أن لا تأكل مال اليتيم، ومن الأمانة ألا تأكل الرشوة، ومن الأمانة ألا تتعامل بالربا، ومن الأمانة الوديعة وصيانتها. وقوله: ((مِثْلَ الْوَكْتِ)) هو الشيء اليسير الذي يكون في الجسد يغاير لون الجسد. وقوله: ((مثلَ المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلِك، فنَفِطَ، فتَراه مُنْتَبِرًا)) التنفُّط هو الذي يصير في اليد ويظَهَر فيها ما يشبه البَثْر من العمَل بِالأشياء الصلبة الخَشِنَة، قال النووي ﵀: ((نفط، بفتح النون وكسر الفاء، ويقال: تنفط، بمعناه، والتنفط: الذي يصير في اليد من العمل بفأس، أو نحوها، ويصير كالقبة فيه ماء قليل)) (١). وقوله: ((فتَراه مُنْتَبِرًا))، يعني: منتفخًا. وقوله: ((وليس فيه شيءٌ))، أي: فقاقيع، قد تكون مياهًا بيضاء. وقوله: ((فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ

стр. 257

مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ))، يعني: أنك تجد الناس كلهم يغشون، فإذا باعك يغشك، وإذا ائتمنته في شيء يغشك، ولا تجد أمينًا في التكاليف التي بينه وبين الله، بخلاف الجيل الأول. وقوله: ((وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ مِنْكُمْ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا)) هذا كان يقوله حذيفة ﵁ في الصدر الأول، فكيف لو رأى حال الناس في القرن الخامس عشر؟ ! وقوله: ((لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ))، أي: إن كان مسلمًا يرده عليه دينُه، فهو مسلم، ودينه يأمره بأداء الأمانة. وقوله: ((وَلَئِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ))، أي: واليه، فيكون واليه مسؤولًا عنه، وهو الذي يرد عليه. وهذا الحديث فيه: أن رفع الأمانة يدل على ضعف الإيمان، ونقص الإيمان، وهذا هو الشائع في أحاديث كتاب الإيمان. ورفع الأمانة يختلف حكمه، فقد يكون كفرًا، وقد يكون معصية، والأصل أنه معصية تُنقص الإيمان، إلا إذا كان هذا الشيء الذي خانه يؤدي إلا الكفر، فيكون كافرًا.

стр. 258

بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، وَأَنَّهُ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ [١٤٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ- يَعْنِي: سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ- عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الْفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ، قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)). قَالَ حُذَيْفَةُ وَحَدَّثْتُهُ: أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا، لَا أَبَا لَكَ، فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ؟ قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَابَ رَجُلٌ يُقْتَلُ أَوْ يَمُوتُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. قَالَ أَبُو خَالِدٍ: فَقُلْتُ لِسَعْدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنْكُوسًا. وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ عَنْ رِبْعِيٍّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ جَلَسَ فَحَدَّثَنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسِ لَمَّا جَلَسْتُ إِلَيْهِ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتَنِ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ، وَلَمْ

стр. 259

يَذْكُرْ تَفْسِيرَ أَبِي مَالِكٍ لِقَوْلِهِ: مُرْبَادًّا مُجَخِّيًا. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ يُحَدِّثُنَا، أَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ يُحَدِّثُنَا- وَفِيهِمْ حُذَيْفَةُ- مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ كَنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ رِبْعِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ، وَقَالَ، يعني: أَنَّهُ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: ((فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ))، فيه: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، وهذه لا يخلو منها أحد، يعني: ما يحصل بين الإنسان وبين أهله من كلام قد يكون فيه تجاوز، وما يحصل بينه وبين ولده، وما يحصل بينه وبين جيرانه من الكلام، وما يحصل بينه وبين أقاربه، هذه هي الفتنة، يعني: المعاصي، والمعاصي الصغائر تكفر بالصلاة، والصيام، والصدقة، وهذه لا يخلو منها إنسان، وفي ماله- أيضًا- فتنة، فقد يكون في كسبه للمال تقصير، فهذه تكفرها الصلاة، والصيام، والصدقة. وقوله: ((فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ))، يعني: هي فتن الحروب، والشهوات، والشبهات، فهذه الفتن هي التي تموج كموج البحر، فتنة تنشأ من الحروب الطاحنة، وفتنة الشهوات التي تنشأ منها المعاصي، والكبائر. وقوله: ((فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ)) هذا من باب التكريم له، والتكريم لأبيه الذي أنجبه، والتعجب معناه: إنك رجل ذكي، حفظت هذا الحديث. وقوله: ((لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ))، يعني: يتبع الهوى، ولا يفرق بين الحسن والقبيح، والخبيث والطيب، والمنكر

стр. 260

والمعروف، إلا ما وافق هواه. وقوله: ((قَالَ حُذَيْفَةُ: وَحَدَّثْتُهُ أَنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا يُوشِكُ أَنْ يُكْسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسْرًا لَا أَبَا لَكَ)) قول عمر: ((لا أبا لك)) هي كلمة تقال، وليس المقصود منها: الدعاء عليه بفقد أبيه، لكنها كلمة تجري على اللسان، مثل قوله ﷺ : ((عَقْرى حَلْقَى))، فهي تجري على اللسان، ولا يراد بها حقيقتها. وقوله: ((فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ، قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ))، يعني: إذا كسر كانت مصيبة، فإنه لا يمكن أن يعالج، لكن إذا فتح يغلق مرة ثانية. والمعنى: أن الفتن إذا فُتح بابها استمرت، والباب هو قتل عمر ﵁، فبقتله ﵁ انفتح باب الفتن، فتولى عثمان ﵁ بعد ذلك، ثم في آخر حياته حصلت الفتن، وجاء الثوار، وثاروا على أمير المؤمنين ﵁، وقتلوه، وهو شهيد المحراب ﵁، ثم حصل الاختلاف بعد ذلك لما بُويع للخلافة علي ﵁، فحصل خلاف وانشقاق ونزاع بينه وبين أهل الشام ومعاوية ﵁، وبينه وبين الخوارج، وحصلت الحروب. وقوله: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا)) قال النووي: ((ومعنى تعرض أنها تلصق بعرض القلوب أي جانبها كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه شدة التصاقها به قال ومعنى عودا عودا أي تعاد وتكرر شيئا بعد شيء)) (١).

стр. 261

[١٤٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ- يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)). [١٤٦] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الأَعْرَجُ قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ- عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)). [١٤٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)). قوله: ((إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا)) الغرابة هنا: القلة، فبدأ الإسلام بعدد قليل، والرسول ﷺ هو أول المؤمنين في هذه الأمة، ثم آمن به أبو بكر ﵁، وهو أول من آمن به من الرجال، وأول من آمن به من النساء زوجته خديجة ﵂، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، وأول من آمن به من الموالي زيد بن حارثة ﵁، وأول من أسلم به من العبيد بلال ﵁، فهم أشخاص معدودون، ثم تزايد العدد. وقوله: ((وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ))، يعني: في آخر الزمان يقل أهل الإسلام، فلا يبقى إلا العدد القليل. وقوله: ((فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)) شرح النووي على مسلم (٢/ ١٧٦) قال النووي ﵀: ((وأما معنى طوبى فاختلف

стр. 262

المفسرون في معنى قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ فروى عن بن عباس ﵄ أن معناه فرح وقرة عين وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة لهم وقال قتادة حسنى لهم وعن قتادة أيضا معناه أصابوا خيرا وقال ابراهيم خير لهم وكرامة وقال بن عجلان دوام الخير وقيل الجنة وقيل شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث والله أعلم)) (١). وجاء في الحديث الآخر تفسير الغرباء: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ)) (٢)، وفي لفظ: ((النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ)) (٣)، فهؤلاء الغرباء نُزَّاع، ينزع من القبيلة الفلانية واحد، ومن القبيلة الفلانية آخر. وقوله: ((بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ))، يعني: مسجد مكة، ومسجد المدينة (الحرم المكي، والحرم المدني). وقوله: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)): أي ينضَمَّ ويجتمع بعضه إلى بعض، كما تنضم الحيَّة في جحرها. وهذا الحديث فيه: الحث على لزوم الإسلام، والثبات عليه. وفيه: علامة من علامات النبوة، أنه سيقع ما أخبر به ﵊، فكما أن الإسلام بدأ غريبًا، فسيكون غريبًا في آخر الزمان.

стр. 263

بَابُ ذَهَابِ الإِيمَانِ آخَرِ الزَّمَانِ [١٤٨] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ)). حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ)). هذا الحديث فيه: بيان أن الساعة لا تقوم إلا على الكفار، كما في الحديث الآخر: ((إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)) (١)، وذلك لأنه في آخر الزمان تأتي ريح طيبة تقبض روح المؤمنين والمؤمنات، كما جاء في الحديث: ((حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْه عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَه)) (٢)، فلا يبقى إلا الكفار الذين لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، وفي ذلك حسن رزقهم وعيشهم جارٍ، فعليهم تقوم الساعة. وقوله: ((لَا تُقَامُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ)) قيل: المعنى: أنهم لا يقولون: لا إله إلا الله، فلا يعرفون لا إله إلا الله، وقيل: المعنى: لا يقولون حتى لفظ الجلالة، ويأمرهم الشيطان بعبادة الأصنام، إلى أن تقوم الساعة، فلا تقوم الساعة على موحدين. وأما الحديث الآخر: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)) فليس مخالفًا لهذه الأحاديث؛ لأن معنى هذا: أنهم لا يزالون على

стр. 264

الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، وعند تظاهر أشراطها، فأطلق في هذا الحديث بقاءهم إلى قيام الساعة على أشراطها، ودنوها المتناهي في القرب.

стр. 265

بَابُ جَوَازِ الِاسْتِسْرَارِ لِلْخَائِفِ [١٤٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- واللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، قَال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلَامَ؟ ))، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِائَةِ إِلَى السَّبْعِ مِائَةِ؟ قَالَ: ((إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا))، قَالَ: فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا. قوله: ((فَابْتُلِيَنَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا)) قد يكون قصده ما حدث بينهم وبين الخوارج، أو بين غيرهم، فكانوا يختفون، حتى يصلوا سرًّا، ويمكن أن يكون قصده الحروب بين علي ﵁، ومعاوية ﵁. هذا الحديث فيه: بيان لبعض الفتن التي حدثت بعد الرسول ﵊. وفيه: جواز الاستسرار بالصلاة للخائف عند الفتن.

стр. 266

بَابُ تَأَلُّفِ قَلْبِ مَنْ يُخَافُ عَلَى إِيمَانِهِ لِضَعْفِهِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْقَطْعِ بِالإِيمَانِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَاطِعٍ [١٥٠] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَوْ مُسْلِمٌ))، أَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا، ((أَوْ مُسْلِمٌ))، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ)). حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوْ مُسْلِمًا))، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوْ مُسْلِمًا))، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ)). حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟

стр. 267

هذا الحديث فيه: دليل لما قال به العلماء: إن الإيمان أخص من الإسلام، وأن الإنسان قد يطلق عليه الإسلام، ولا يطلق عليه الإيمان، وذلك كما إذا كان شخص مقصرًا في بعض الواجبات أو مرتكبًا لبعض المحرمات، فإنه يسمى مسلمًا، ولا يسمى مؤمنًا، كما في هذا الحديث. ولا يطلق الإيمان إلا على من أدى الواجبات، وابتعد عن المحرمات، أما المقصر فلا يطلق عليه لفظ الإيمان، وإن كان معه أصل الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إ نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، هؤلاء المؤمنون حقًّا، الذين أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وتوكلوا على الله، ووجلت قلوبهم عند ذكر الله، ويزدادون إيمانًا عند تلاوة القرآن، هؤلاء هم المؤمنون بإطلاق، وكما قال في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أما المؤمن العاصي فهذا لا يطلق عليه الإيمان المطلق، لكن معه أصل الإيمان، فيقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو: مؤمن ضعيف الإيمان، أو: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١). وذهب الإمام البخاري ﵀ وجماعة إلى أن الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما (٢)، وقرر هذا في صحيحه ﵀ في: ((كتاب الإيمان)) (٣)، وذهب

стр. 268

إلى هذا طائفة من أهل العلم (١)، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قالوا: هذا بيت واحد، وُصف بالإيمان، ووُصف بالإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد. وأجيب بأن أهل بيت لوط اتصفوا بالإسلام واتصفوا بالإيمان. ومن الأدلة على أن لفظ الإسلام يغاير لفظ الإيمان: قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم الإيمان. وعند اجتماع الإسلام والإيمان يفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإعمال الباطنة، أما إذا افترقا فالإيمان يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وكذلك الإسلام يشملهُما. وقوله ﷺ : ((إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ))، يعني: أن هذا الشخص ضعيف الإيمان، فلو لم يعطه النبي ﷺ من الدنيا ارتد عن دينه، فكبه الله في النار، فهو يعطيه حتى يثبت الإيمان في قلبه، ويتألفه على الإسلام. وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: ((أَقِتَالًا، أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ)). قوله: ((أَقِتَالًا))، أي: أتقاتل قتالًا؟ أي: أى مدَافَعَةً ومكابَرةً، ولما كررَ سعدٌ

стр. 269

كلامه على النبى مرة بعد أخرى، وكل ذلك لا يقبله النبى ﷺ منه وهو يردده، أشبه المدافعة (١). وقوله: ((أَيْ سَعْدُ)) بمعنى يا سعد، وهي حرف نداء. وهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس أن يراجَع الكبير والفاضل لبعض الأحيان للتأكد من الأمر.

стр. 270

بَابُ زِيَادَةِ طُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ بِتَظَاهُرِ الأَدِلَّةِ [١٥١] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﵇؛ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، قَالَ: وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)). وَحَدَّثَنِي بِهِ- إِنْ شَاءَ اللَّهُ- عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى جَازَهَا. حَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ- يَعْنِي: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا. قوله: ((وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)): وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف، وجاء أهل القرية يراودونه عنهم. وقوله: ((رُكْن شَدِيد)): وهو الله . فبعد أن ساقت الملائكة الكرام بشرى الولد إلى إبراهيم ﵇، جاءوا لوطًا ﵇ في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة، فجاءه قومه يهرعون إليه، فشق ذلك على لوط ﵇ وفي قصة لوط قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، جاءته الملائكة

стр. 271

فظن أنهم من بني آدم، وقبل أن يعلم حقيقتهم خاف عليهم من هؤلاء الفسقة الظالمين، فاشتد به الكرب، كيف أمنع أضيافي من هؤلاء الفسقة؟ فلما رأوا شدة كربه: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إليك﴾، ثم إن لوطًا ﵊ خاف عليهم، واشتد به الأمر، وقال- من شدة حذره من هؤلاء واهتمامه بالأمر-: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، أي: من البشر، فليس له عشيرة تمنعه وتحميه من أن يُنال بسوء أو يُقصد بأذى. وقوله: ((وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ)) هذا من تواضعه ﵊، والمعنى: أن يوسف ﵊ مكث مدة طويلة في السجن؛ ما يقارب سبع سنين، ولما كان عنده الفتيان قال لأحدهما- وهو الذي ظن أنه ناجٍ منهما-: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، فلما خرج من السجن نسيه، ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، والبضع من ثلاثة إلى عشرة، ثم لما رأى الملك الرؤيا تذكر الذي خرج من السجن يوسف ﵇ الذي عبر له الرؤيا في السجن هو وصاحبه. فلما قيل له: إن يوسف ﵇ في السجن، وهو يعبر الرؤيا، جاءوا به وقالوا له: اخرج، قال: لا، لن أخرج، ﴿وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرسول﴾ ليخرجه من السجن، ﴿قَالَ ارجع إلى رَبّكَ﴾، أي: الملك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة﴾، أي: حال النسوة ﴿اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾، وإنما تثبت يوسف وتأنى في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة ليظهر برءاة ساحته عما رُمي به وسُجن فيه، فلما تبينت براءته خرج. فالنبي ﷺ من تواضعه قال: ((وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ))، أي: لخرجت، وما قلت له: ارجع، وهذا من تواضع نبينا ﷺ ؛ لأنه لا شك أن النبي ﷺ أفضل من يوسف وسائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.

стр. 272

هذا الحديث فيه: بيان تواضع النبي ﷺ ، فمن تواضعه ﵇ ما قاله عن الأنبياء، وعن جده إبراهيم ﵇، قال: ((نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ﷺ ) إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، فإبراهيم ﵇ لم يشك، والرسول ﷺ لم يشك، ومعروف أن الشك في البعث كفر، فالمراد بالشك هنا: أنه أحب الانتقال من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين؛ لأن اليقين على ثلاث مراتب: علم اليقين: وهي ما يعلمه الإنسان بقلبه ويتصوره، فهذا علم، كما لو أخبرك ثقة أنت تتيقن أنه صادق. وعين اليقين: ما يشاهده الإنسان بعينه ويبصره، وهذا حينما تشاهد الشيء، ولو كان الذي أخبرك صادق. حق اليقين: وهو أن تباشره بجسمك، أو بيدك، مثال ذلك: أخبرك إنسان أن الوادي سال، وأنت تعلم هذا وتتيقن؛ لأنك تعلم أن المخبر ثقة وصدوق، فإذا أخبرك بعد ذلك ثقتان زاد اليقين، فإذا لقيت بعدهما عشرة زاد، فإذا لقيت بعدهم مائة زاد، لكن إذا ذهبت أنت وأبصرت بعينك الوادي يجري فهذا أقوى من العلم الذي بلغك، فلقد وصلتَ إلى درجة عين اليقين، فإذا نزلتَ في الوادي وباشرته فهذا حق اليقين. وإبراهيم ﵊ مؤمن ومصدق بأن الله تعالى يحيي الموتى، وما سأل ربه كيف يحيي الموتى إلا لأنه أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، ينتقل من درجة إلى درجة، ومن مرتبة إلى مرتبة. قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾، فهذه عين اليقين، وقال في سورة الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾، فالمؤمنون يؤمنون بما أخبر الله تعالى به من حقائق الآخرة كالجنة والنار، ولا يعتري الشك مسلم، فإذا رأى المؤمنون الجنة وصلوا لمرتبة عين اليقين، فإذا دخلوها وصلوا إلى مرتبة حق اليقين.

стр. 273

بَابُ وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَنَسْخِ الْمِلَلِ بِمِلَّتِهِ [١٥٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). قوله: ((وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) المراد به: القرآن، وهو المعجزة المستمرة الخالدة إلي يوم القيامة، وإلا فقد أوتي ﷺ معجزات أخرى، فلقد أوتي ﷺ تكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع إليه، وغيرها، فهناك معجزات كثيرة، لكن المراد المعجزة المستمرة الخالدة وهي الوحي. وقوله: ((فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) هذا رجاء حق، فالنبي ﷺ أكثر الأنبياء تابعًا، وهذا يدل على أن الله تعالى أزال المعذرة، وقطع الحجة، وليس لأحد حجة على الله، فكل نبي أعطاه الله من المعجزات ما على مثله آمن البشر، حتى ما يكون هناك عذر لأحد، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. هذا الحديث فيه: بيان أن كل نبي أوتي من الآيات والمعجزات الدالة على نبوته ما على مثله آمن البشر.

стр. 274

[١٥٣] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)). وقوله: ((لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)) ذلك لأنه قامت عليه الحجة، أما من لم يسمع بالرسول ﵊ ومات فهذا من أهل الفترة، وأهل الفترات يمتحنون يوم القيامة، وهذا أصح ما قيل فيهم. وأما حديث: ((اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي)) (١). فيجاب عنه بأن الظاهر: أنها بلغتها دعوة إبراهيم ﵇، وذلك كحديث: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ))، (٢)، ويحتمل أنها ماتت في الجاهلية، وأهل الجاهلية لا يُستغفر لهم، ولا يدعى لهم، وأمرُهم إلى الله. هذا الحديث فيه: أنه ﷺ نبي الثقلين: الإنس، والجن.

стр. 275

[١٥٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، سَأَلَ الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ)). ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((يَا أَبَا عَمْرٍو)) هذه كنية الشعبي ﵀. وقوله: ((خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ))، يعني: خذ هذا الحديث بدون تعب، أو مشقة، وقد كان الإنسان يرحل في هذا الأمر إلى المدينة وهو في خراسان، وربما كانت المسافة أكثر من شهر من أجل طلب حديث واحد، وأنت أخذت الحديث بدون تعب، فلا سافرتَ، ولا تعبتَ! وما حالنا الآن والكتب موجودة بين أيدينا مطبوعة طباعة فاخرة، ولا قراءة، وإن كانت القراءة فأين الفهم؟ فإن كانا فأين العمل؟ ! وقوله: ((ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ)) وذلك لأن كل واحد عمل عملين.

стр. 276

والنفر الثلاثة هم: الأول: ((رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ)) وأجره الأول: في إيمانه بنبيه، وأجره الثاني: في إيمانه بنبينا محمدٍ ﷺ . والثاني: ((وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ)) أجره الأول: لأنه أدى حق الله تعالى، وأجره الثاني: أنه أدى حق أسياده. والثالث: ((وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ)) أجره الأول: أجر التأديب والإحسان، وأجره الثاني: أجر العتق والزواج.

стр. 277

بَابُ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حَاكِمًا بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ [١٥٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ، حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ. ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: إِمَامًا مُقْسِطًا وَحَكَمًا عَدْلًا، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: حَكَمًا عَادِلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِمَامًا مُقْسِطًا، وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: حَكَمًا مُقْسِطًا، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ، وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَةَ. قوله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)) قَسَم فيه إثبات اليد لله ، وهو الصادق ﷺ وإن لم يحلف. وقوله: ((لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ ﵇)، يعني: يقرب أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇. وقوله: ((حَكَمًا مُقْسِطًا))، يعني: عادلًا؛ لأنه يحكم بالشريعة الإسلامية، إذا نزل في آخر الزمان، ويكون فردًا من أفراد الأمة المحمدية؛ لأن شريعته

стр. 278

نُسخت بعد النبي ﷺ ، وكل نبي بعثه الله أخذ الله عليه العهد والميثاق لئن بُعِثَ محمد ﷺ وأنت حي لتتبعنه، وعيسى ﵇ هو أفضل هذه الأمة بعد نبينا ﷺ ، ثم يليه الصديق ﵁. وعيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان، يحكم بالشريعة، في وقت ولاية المهدي، ويكون هو الحاكم بعد أن يتخلى المهدي عن الولاية، ويقتل المسيحَ الدجالَ مسيحَ الضلالة، ويخرج يأجوج ومأجوج في زمانه ﵇. وقوله: ((فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ))، أي: يكسر الصليب الذي يزعم النصارى أن عيسى ﵇ صُلب عليه؛ مبالغة في إبطال ما عليه النصارى الذين يزعمون أنهم على دين عيسى ﵇. وهذا الصليب يدل على جهل النصارى وسخافة عقولهم؛ فإن النصارى يجعلون الصليب شعارهم، ويعبدونه، ويعتقدون أن عيسى ﵇ صُلب عليه، وأنه قُتِل، فيقال لهم: إذا كنتم تعتقدون بصلبه فكيف تعبدون الصليب؟ يفترض عليكم أن تكسروا الصليب، ولا تعبدونه. وقوله: ((وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ)) هذا حيوانٌ يشبه الكلب، حتى قال بعض العلماء: إن ما ولغ فيه الخنزير يُغسل كالذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، إحداهن بالتراب (١)، وهو يأكل الجيف والخبائث. وقتل الخنزير من قبيل إنكار المنكر؛ لأن النصارى يأكلونه. وقوله: ((وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ))، أي: لا يقبل الجزية من اليهود والنصارى. واليهود والنصارى الآن يخيَّرون بين الإسلام، وبين الجزية، وبين القتال، فإذا نزل عيسى ﵇ لا يبقى لهم إلا الإسلام أو السيف، ولا يقبل الجزية من يهودي ولا نصراني؛ لأن نبينا ﷺ أخبرنا بأنه ينتهي وقتها بنزول عيسى ﵇. وقوله: ((حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)) يحتمل: أنه

стр. 279

أراد السجدة على ظاهرها، ويحتمل أن المراد: الصلاة، فمعناه: تكون الصلاة أحب إليه من الدنيا وما فيها؛ لأمرين: الأمر الأول: أن الناس تكثر رغبتهم في الصلاة وسائر الطاعات لعلمهم بقرب الساعة. والأمر الثاني: أن أجرها خير لمصليها من صدقته بالدنيا وما فيها لفيض المال حينئذٍ وهوانه، وقلة الشح به، وقلة الحاجة إليه. هذا الحديث فيه: بيان ما يكون من أشراط الساعة، وهو نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، وفي قراءة: ((وإِنَّهُ لعَلَمٌ))، يعني: علامة. وفيه: مشروعية قتل الخنزير. والجمهور على جواز قتل الخنزير الآن إذا تمكنا منه (١)، ومن قال: إنه لا يُقتل إلا إذا حصل منه أذى، فهذا قولٌ شاذ (٢). قال النووي ﵀: ((فيه دليلٌ للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور: أنا إذا وجدنا الخنزير فى دار الكفر أو غيرها وتمكنا من قتله قتلناه، وإبطالٌ لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم فقال: يترك إذا لم يكن فيه ضراوة)) (٣). وقال الخطابي: ((وفي قوله: ((ويقتل الخنزير)) فيه دليل على وجوب قتل الخنازير، وبيان أن أعيانها نجسة)) (٤). وقال ابن حجر رحمه الله تعالى: ((والجمهور على جواز قتله مطلقًا)) (٥).

стр. 280

لكن يَرِدُ على هذا: أن الكلب لا يُقتل الآن؛ لما ثبت أن النبي ﷺ نهى عن قتل الكلاب، بعد أن أمر بقتلها، وقال ﷺ : ((لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ)) (١)، وإذا كانت الكلاب مثل الخنازير، فلماذا تقتل الخنازير إذن؟ الجواب: تقتل لإبطال دين النصارى؛ لأنهم يأكلونها. وهذه المسألة تحتاج إلى مزيد بحث وتأمل؛ لأن فعل عيسى ﵇ ليس صريحًا في جواز قتل الخنزير الآن. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ، فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ، فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ)). قوله: ((وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ)) هذا عَلم من أعلام النبوة، والقلاص هي: الإبل الفتية الشابة، تترك ((فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا))، أي: فما يركب عليها، ولا يستخدم عليها، مع أنها هي الراحلة، وهي التي يشد الناس عليها في الأسفار، وحمل الأثقال، فأخبر النبي ﷺ أنها تترك. والعلماء ﵏ اجتهدوا في فهم هذا النص: ((وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ)) فقالوا: المعنى زهد الناس فيها، وفي كثرة المال، وقلة رغبتهم في الدنيا، ورؤيتهم علامات الساعة، فهم لا يحتاجون إليها، هكذا فسرها العلماء، ولم يدر بخلدهم ما نحن فيه الآن، وذلك أن الله جل شأنه ألهم الناس أن

стр. 281

يصنعوا هذه المركوبات الحديثة من سيارات وطائرات وقطارات وغيرها، فهي داخلة في قول الله : ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالناس الآن تركت الإبل، فلا يركب عليها، ولا يسعى عليها، والآن في عصرنا ظهر لنا مصداق هذا الحديث، وهذه الأمور عَلَم من علامات النبوة، ومعجزة له ﵊. ويحتمل أن هذه المركوبات تنتهي، وأن البترول ينضب، ويرجع الناس إلى ما كانوا عليه سابقًا، ويدل على هذا ما جاء في الأحاديث، في بيان الغزوات التي يعقبها الدجال، قال النبي ﷺ : ((إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ)) (١)، وهذا دليل على أنهم يقاتلون على الخيل، وأنها هذه المركوبات الجديدة انتهت، وكذلك- أيضًا- ما جاء أنه عند فتح القسطنطينية ((فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ، قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ)) (٢)، فدل على أنهم يرجعون للسلاح القديم، السيف، والخيول. والآن يقر العلماء أن البترول سينضب، وأنه لن يبقى، والله أعلم بما يؤول إليه الحال. ومن علامات النبوة التي أخبر بها النبي ﷺ بعد نزول عيسى ﵇ قوله: ((وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ))، أي: بين الناس. ومنها: قوله ﷺ : ((تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ)) (٣)، أي: جماعات من الناس.

стр. 282

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ )). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَأَمَّكُمْ؟ )). وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ- مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ )). فَقُلْتُ لِابْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي، قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِّكُمْ ﵎، وَسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ . قوله: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ))، يعني: يحكم فيكم بالكتاب والسنة؛ لأنه فرد من أفراد الأمة المحمدية، يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ولا يأتي بشريعة جديدة، فشريعة نبينا محمد ﷺ هي آخر الشرائع، وهو آخر الأنبياء ﵊، ولا نبي بعده.

стр. 283

[١٥٦] حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ- وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، قَالَ: ((فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ)). قوله: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) هذه بشارة بأن الحق لا يزول، وأنه باقٍ في هذه الأمة إلى قرب قيام الساعة، وهذه الطائفة هم أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، تقل وتكثر، تقل في بعض الأزمنة، وتكثر في بعض الأزمنة، وتتنقل، وقد تكون متفرقة، وقد يكون منها جزء في القطر الثاني، وقد يكون منها جزء في القطر الثالث، وهم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ بقوله: ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)) (١)، وقد يكون منهم الفقير، والمحدِّث، والمزارع، والتاجر. وقوله: ((تَعَالَ صَلِّ لَنَا))، يعني: تقدم فصلِّ بنا إمامًا. هذا الحديث فيه: بشارة لهذه الأمة أنه: ((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، يعني: حتى تقرب الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلا على الكفرة، وأنه تأتي ريح طيبة فتأخذ كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيهم، فعليهم تقوم الساعة.

стр. 284

بَابُ بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ فِيهِ الإِيمَانُ [١٥٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ وأبو كريب قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِ حَدِيثِ العَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: ((حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)): فيه أن طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة الكبرى، وهي الاشراط المتأخرة التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المهدي، والدجال، ونزول عيسى ﵇، فهذه من أشراط الساعة الكبرى المتقدمة، وهي عشرة أشراط، منها أربعة متوالية مرتبة، وهي: خروج المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى ﵇، ثم خروج يأجوج ومأجوج. ومن آخر علامات الساعة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، فإذا

стр. 285

طلعت الشمس من مغربها أُغلق باب التوبة، فيبقى كلٌّ على ما كان عليه، فالمؤمن يبقى على إيمانه، والكافر يبقى على كفره، فليس هناك إيمان جديد؛ ولهذا قال : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، فالمراد بآيات ربك: طلوع الشمس من مغربها، كما فُسِّر ذلك بهذا الحديث. [١٥٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْرَقُ، جَمِيعًا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا، إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ)). قوله: ((ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ)) المراد: إذا خرجن مجتمعات لا ينفع الإيمان الجديد، والحكم معلق بطلوع الشمس من مغربها، والدابة قرينة لطلوع الشمس من مغربها، فأَيَّتُهَا خَرَجَتْ فَالأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا، أي: قريبًا.
следующие страницы →