قوله: ((يَقْرِيهِ)) - بفتح الياء-: من قرى الضيفَ يَقريه قِرًى: أضافه وأكرمه.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن إكرام الضيف من الواجبات؛ ولهذا قال النبي ﷺ أيضا- في الحديث الآخر: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ)) (١).
وفيها: أن الضيافة ثلاثة أيام، فاليوم والليلة واجبة، والثلاثة أيام مستحبة؛ ولهذا قال بعض العلماء ﵏ كالليث (٢) -: إن إكرام الضيف واجب، وقال الإمام أحمد: إنه واجب على أهل القرى والبوادي بخلاف أهل المدن (٣)، والجمهور على أنه مستحب (٤)، وتأولوا الحديث على الاستحباب، كما تقول العرب: حقك علي واجب.
وأما بعد الثلاثة أيام فليس للضيف أن يقيم، بل عليه أن ينصرف، وليس له أن يبقى عنده حتى يؤثمه، يعني: يجلس عنده وليس عنده ما يَقْرِيه به، كما أنه قد يكون سببًا في منعه من عمله، ومن كسبه.
بَابُ اسْتِحْبَابِ خَلْطِ الْأَزْوَادِ إِذَا قَلَّتْ، وَالْمُؤَاسَاةِ فِيهَا
[١٧٢٩] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ- يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ الْيَمَامِيَّ- حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ- وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ- حَدَّثَنَا إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَجَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا، فَبَسَطْنَا لَهُ نِطَعًا فَاجْتَمَعَ زَادُ الْقَوْمِ عَلَى النِّطَعِ قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ كَمْ هُوَ، فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ الْعَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: فَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : ((فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟ ))، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بِإِدَاوَةٍ لَهُ فِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا فِي قَدَحٍ فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً، أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((فَرِغَ الْوَضُوءُ)).
في هذا الحديث: عَلَمٌ من أعلام النبوة.
وفيه: بيان قدرة الله العظيمة، وأنه على كل شيء قدير، فهو تعالى كما قال عن نفسه: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾، فهؤلاء ألف وأربعمائة شخص أصابهم جوع شديد، فأمر النبي ﷺ أن يأتي كلٌّ بما عنده، فاجتمع شيء قليل كمربض العنز، فدعا النبي الصحابة ﵃ فأكلوا كلهم وشبعوا، وملؤوا أوعيتهم.
وكذلك الشأن في الماء، فقد أُتي النبي ﷺ بماء قليل فأُفرغ في إناء فدعا النبي ﷺ ربه أن يكثر الماء، فكثر الماء، وجعل يفور كالعيون حتى توضؤوا كلهم، وهم ألف وأربعمائة إنسان.
* * *
стр. 2597
كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ
стр. 2598
كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ
بَابُ جَوَازِ الْإِغَارَةِ عَلَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ الْإِعْلَامِ بِالْإِغَارَةِ .
[١٧٣٠] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ، قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ: جُوَيْرِيَةَ، أَوَ قَالَ: الْبَتَّةَ ابْنَةَ الْحَارِثِ.
[خ: ٢٥٤١]
وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَشُكَّ.
قوله: ((كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عن الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ)) أي: دعاء الكفار إلى الإسلام قبل القتال.
وقوله: ((فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ)) هذا القول ليس بجيد، والصواب: أن دعوة المشركين للقتال مشروعة مطلقًا، لكن إن كانت بلغتهم الدعوة فإن دعوتهم للإسلام مستحبة، أما إذا لم تبلغهم الدعوة فإنه يجب أن تبلغهم قبل القتال.
стр. 2599
والنبي ﷺ فعل هذا وهذا، فقد أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم؛ لأنهم بلغتهم الدعوة، ولما بعث النبي ﷺ عليًّا ﵁ للقتال في خيبر قال: ((انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ)) (١).
وهذا هو الصواب، خلافًا لمن قال: إن الدعاء يجب مطلقًا (٢)، ومن قال: إن الدعاء لا يجب مطلقًا (٣).
وهذا الحديث فيه: دليل على جواز استرقاق العرب؛ فإن بني المصطلق عرب من خزاعة.
حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، أَمْ لَا؟ )).
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هَذَا أَوْ نَحْوَهُ، وَزَادَ إِسْحَاقُ- فِي آخِرِ حَدِيثِهِ- عَنْ يحيى ابْنِ آدَمَ قَالَ: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ يحيى: يَعْنِي: أَنَّ عَلْقَمَةَ يَقُولُهُ لِابْنِ حَيَّانَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُسْلِمُ بْنُ هَيْصَمٍ عن النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ بُرَيْدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا، أَوْ سَرِيَّةً دَعَاهُ فَأَوْصَاهُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْفَرَّاءُ عن الحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا.
قوله: ((تُخْفِرُوا)) من أخفر يُخفِر الذمة إذا لم يوف بها ولم تتم.
وهذا الحديث العظيم فيه: أن النبي ﷺ كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أوصاه بتقوى الله في خاصته ومن معه.
وفيه: وصية الإمام بأمرائه بتقوى الله ، وأن يغزوا بسم الله، ويقاتلوا من كفر بالله، فسبب القتال الكفر.
وفيه: النهي عن الغدر حتى مع الكفار؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، فإذا أراد المقاتلةَ يخبر العدو بنبذ العهد حتى يكون هو وإياه مستويين.
وفيه: تحريم الغلول من الغنيمة، وإخفاء شيء منها قبل قسمتها.
وفيه: النهي عن قتل الولدان والنساء، والشيوخ الكبار الذين لا يشاركون في القتال ولا رأي لهم، والرهبان في الصوامع الذين يتعبدون، إنما يُقاتَلُ الرجالُ الذين يُقاتِلون.
ولكن كما سيأتي أن الكفار إذا بُيِّتُوا ولم يتميز النساء والصبيان فإنهم يُقتلون
стр. 2602
معهم، وكذلك الشيوخ الكبار إذا كان لهم رأي في القتال، فإنهم يقتلون، كوريد بن الصمة كان له راى يوم حنين (١)، فقد كان شيخًا كبيرًا قد طعن في السن يُحمل على البعير، لكن كان يسيِّر الجيوش برأيه فهذا يُقتَل؛ لأن رأيه يؤثر.
وفيه: أن النبي ﷺ أمر بالدعوة إلى ثلاث خصال: الإسلام، أو الجزية، أو القتال، وقد أخذ منه الإمام مالك ﵀ وجماعة: أن الجزية تؤخذ من جميع الكفار؛ لأنه قال ﷺ : ((وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) فهذا عامٌّ، سواء من أهل الكتاب، أو من غيرهم، والجمهور على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب خاصة، وأما بقية المشركين فلا تؤخذ منهم؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ويلحق بهم: المجوس، ويكون هذا الحديث إما أن يراد به أهل الكتاب، أو أنه عام مخصوص.
وفيه: أنهم إذا دخلوا في الإسلام يُؤمرون بالهجرة إلى دار المهاجرين، فإذا فعلوا ذلك صار لهم من مال المسلمين من الغنيمة والفيء، وإن أبوا وبقوا في مكانهم صاروا كأعراب المسلمين يُعطَون من الزكاة إذا كانوا محتاجين، ولا يعطون من الغنيمة والفيء شيئًا.
وفيه: أن الأمير يعطيهم ذمته وذمة أصحابه، وهذا أسهل من كونه يعطيهم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ؛ لأنهم إذا نقضوا ذمته وذمة أصحابه فهو أسهل من نقضهم ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، وكذلك- أيضًا- إذا حاصروا حصنًا، وقال أهله: ننزل على حكم الله وحكم رسوله ﷺ ، فلا يعطيهم ذلك، وإنما يُنزلهم على حكمه وحكم أصحابه؛ لأنه لا يدري أيصيب حكم الله، أم لا؟
الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَالُ: ((هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ)).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عن الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ)).
[١٧٣٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ)).
[١٧٣٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُلَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
في هذه الأحاديث: الوعيد الشديد للغادر، وأنه يفضح يوم القيامة، واللواء هو العلم الكبير الذي يحمله القائد، أو غيره، ويشتهر به، والمعنى: أنه يُشهَّر به ويفضح، وجاء في الحديث قوله: ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ))، يعني: عند مقعدته.
стр. 2606
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْمُسْتَمِرُّ ابْنُ الرَّيَّانِ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ)).
قوله: ((الْمُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيَّانِ)) ثقة، روى له مسلم ﵀، وبعض أهل السنن، كما في التقريب.
وقوله: ((أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ)) فيه: أنه من أعظم الغدر غدر أمير العامة؛ لأن هذه خيانة، ولأنه لا حاجة للغدر؛ لأنه قادر ولا أحد يمنعه، كما جاء في الحديث الآخر: ((ثلاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ- قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ-: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِر)) (١)، فمنهم: ملك كذاب، وعائل مستكبر، فما الذي يدعو الملك إلى الكذب، وهو قادر على الصدق؟
وتأول بعضهم الحديث على أنه الغدر من قبل الرعية في الخروج عليه (٢)، لكن الأول هو الأظهر.
стр. 2607
بَاب جَوَازِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ .
[١٧٣٩] وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ- وَاللَّفْظُ لِعَلِيٍّ- وَزُهَيْرٍ، قَالَ عَلِيٌّ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)).
[خ: ٣٠٣٠]
[١٧٤٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)).
[خ: ٣٠٢٥]
قوله: ((الْحَرْبُ خَدْعَةٌ)) يقال: خَدعة، وخُدعة (١).
وهذا الحديث فيه: أنه لا بأس بالخداع في الحرب، ومن ذلك: التورية، فإذا أراد أن يغزو جهة الشمال سأل عن طريق جهة الجنوب، وإذا أراد أن يغزو جهة الشرق سأل عن طريق جهة الغرب؛ حتى يعمي على الكفار.
стр. 2608
بَاب كَرَاهَةِ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَالْأَمْرِ بِالصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ .
[١٧٤١] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ عن المُغِيرَةِ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)).
[خ: ٣٠٢٦]
هذا الحديث فيه: النهي عن تمني لقاء العدو؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يحصل له، ولأنه يدل على عدم مبالاة الإنسان وتزكيته لنفسه، فلا ينبغي أن يتمنى لقاء العدو، لكن إذا حصل اللقاء فعلى المسلم أن يصبر.
[١٧٤٢] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى- فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ يُخْبِرُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ))، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)).
[خ: ٣٠٢٥]
قال النووي ﵀: ((قوله: ((عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ)) قال الدارقطني: هو حديث صحيح، قال: واتفاق البخاري ومسلم
стр. 2609
على روايته حجة في جواز العمل بالمكاتبة والإجازة، وقد جوزوا العمل بالمكاتبة والإجازة، وبه قال جماهير العلماء من أهل الحديث والأصول والفقه، ومنعت طائفة الرواية بها، وهذا غلط. والله أعلم)) (١).
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان إذا لم يقاتل في أول النهار أخَّر حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر، وإذا كان في الصيف انتظر حتى تنكسر حرارة الشمس.
стр. 2610
بَاب اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْأَحْزَابِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اهْزِم الْأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ، وَزَلْزِلْهُمْ)).
هذا الحديث فيه: مشروعية الدعاء عند لقاء العدو، وأن المجاهد يجمع بين إعداد العدة الحسية والسلاح، وبين اللجوء إلى الله تعالى، وطلب النصر منه والعون، والدعاء على الكفار.
وفيه: التوسل إلى الله بأفعاله سبحانه، وأنه منزل الكتاب، ومجري السحاب.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ خَالِدٍ- غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: هَازِمَ الْأَحْزَابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ: اللَّهُمَّ، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: مُجْرِيَ السَّحَابِ.
[١٧٤٣] وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ)).
هذا الحديث فيه: إثبات القدر، وأن الله تعالى خالق كل شيء.
стр. 2611
وفيه: التسليم لقضاء الله وقدره.
وفيه: الرد على المعتزلة والقدرية الذين يقولون: إن العباد يخلقون أفعالهم.
стр. 2612
بَاب تَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْحَرْبِ .
[١٧٤٤] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْث. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
[خ: ٣٠١٤]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَغَازِي، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
في هذا الحديث: أن مِن عدل الإسلام أنه نهى عن قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، أما إذا قاتلوا فيقتلون، وكذلك إذا استدعت المصلحة الهجوم عليهم وقتلهم كما في الحديث التالي.
стр. 2613
بَابُ جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فِي الْبَيَاتِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ .
[١٧٤٥] وَحَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، فَقَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)).
[خ: ٣٠١٢]
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ فِي الْبَيَاتِ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: ((هُمْ مِنْهُمْ)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَنَّ خَيْلًا أَغَارَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَأَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ)).
في هذه الأحاديث: جواز قتل النساء والصبيان في البَيَات؛ لأنهم لم يتميزُوا، فإذا أُريدَ الهجومُ على الكفار وكان في وسطهم نساء وأطفال فَيُقتلون، أما إذا تميزوا فلا يُقتلون.
стр. 2614
بَاب جَوَازِ قَطْعِ أَشْجَارِ الْكُفَّارِ، وَتَحْرِيقِهَا .
[١٧٤٦] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ.
زَادَ قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ فِي حَدِيثِهِمَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.
[خ: ٤٠٣١]
قوله: ((لِينَةٍ)) يعني: نخلة.
وهذا الحديث فيه: أن النبي ﷺ والمسلمين حاصروا بني النضير مدة، فقطعوا النخيل إغاظةً للعدو، ومنهم من لم يقطع، فأقر الله تعالى الفريقين، فمن قطع النخيل فله وجه، وهو إغاظة الكفار، ومن أبقى فله وجه؛ لأنه مال سيؤول للمسلمين، فأقر الله تعالى هؤلاء وهؤلاء، وقال: ﴿ما قطعتم من لينة﴾، يعني: من نخل، ﴿أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ وهو الإذن الشرعي.
وفيه: أنه فتح قرية، فدعا الله أن تُحبس له الشمس، فحبسها الله حتى تم الفتح يوم السبت.
وفيه: دليل على أن الشمس حُبست ليوشع بن نون ﵇، ولم تُحبس لغيره على الصحيح، وما يذكره بعضهم كالطحاوي ﵀ أنها حُبست للنبي ﷺ في إحدى أيامه في الخندق حتى صلى فهذا ضعيف (١)، وكذلك- أيضًا- ما قاله في أنها حبست في صبيحة الإسراء، كل هذا لا أصل له، وكذلك بعض الشيعة والرافضة يدعي أن الشمس حُبست لعلي ﵁، وهو باطل كذلك.
وفيه: أن يوشع ﵇ قال لهم: ((لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ))، يعني: عقد على امرأة ولم يدخل بها، ((وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا، أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا))؛ لأن هؤلاء تتعلق نفوسهم بما خلَّفُوا وراءهم، فالرجل الذي عقد بامرأة نفسه تتشوق للدخول بها، وكذلك من له خليفات تتعلق نفسه بأولادها، ومن له بيوت لم يرفع سقفها بعد تكون متعلقة نفسه بهذا، فتضعف همتهم، ولا يكون عندهم النشاط والتحمس والرغبة في الجهاد.
وفيه: أن الله تعالى حبس عليهم الشمس حتى تم الفتح، فجمعوا الغنائم، فوضعوها في الصعيد على وجه الأرض، فلم تأتِ النار لتطعمها، وكانت الأمم السابقة لا تحل لهم الغنائم وإنما يجمعونها، ومن علامة قبول الله لها: أن تأتي نار من السماء فتأكلها، ولما جمعُوا الغنائم في هذه الغزوة التي غزاها يوشع ﵇ لم تأتِ النار، فقال: ((فِيكُمُ غُلُولٌ)) وهو الإخفاء، أو أخذ شيء من الغنيمة، ثم قال: ((فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ)) يعني: في قبيلتك، فاعترفوا، فأتوا بشيء
стр. 2618
أخفوه من الغنيمة، مثل رأس البقرة من الذهب، فأتوه به، ووضعوه فجاءت النار فأكلته.
وفيه: دليل على إباحة الغنيمة لأمتنا، وأن هذا من خصائصها.
стр. 2619
بَابُ الْأَنْفَالِ .
[١٧٤٨] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبِ ابْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخَذَ أَبِي مِنَ الْخُمْسِ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: ((هَبْ لِي هَذَا))، فَأَبَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ، أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلْنِيهِ؟ فَقَالَ: ((ضَعْهُ))، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((ضَعْهُ))، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفِّلْنِيهِ، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قوله: ((نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ)) لم يذكر هنا من الأربع إلا هذه الواحدة وقد ذكر مسلم الأربع بعد هذا في كتاب الفضائل وهي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قوله: ((أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ)) أي: كمن لا كفاية له، يقال: ما عند فلان غناء أي لا يغتنى به.
قوله: ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ)) قال القاضي عياض ﵀: ((فيه: حجة ألا نفل إلا من الخمس، وأن أخذ سعد هذا كان قبل الخمس، ألا تراه كيف قال: " ضعه من حيث أخذته "، ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول حكم الغنائم وتحليلها والحكم فيها، وهو الأظهر والصواب وعليه يدل الحديث)) (١).
[١٧٤٩] حَدَّثَنَا يحيى بْنُ يحيى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً وَأَنَا فِيهِمْ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا.
[خ: ٣١٣٤]
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ، وَفِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ، وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا سِوَى ذَلِكَ بَعِيرًا، فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قوله: ((سَرِيَّةً)) السرية: هي القطعة من الجيش تخرج وليس فيها النبي ﷺ ، فإذا كان فيها النبي ﷺ تسمى غزوة.
قوله: ((وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا)) والتنفيل هو الزيادة على حقه ونصيبه من الغنيمة، أي: نفلهم قائد الجيش بعيرًا، بعيرًا، وأقره
مفهوم العبارة هنا، والصحيح أن التنفيل من الخمس هو الزيادة، والنصيب يكون من أربعة الأخماس؟
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ.
قوله: ((قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمْسُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ كُلِّهِ)) النفل: الزيادة، وفيه: أن الغنائم تجمع وتقسم للغانمين، فالغنيمة يؤخذ خمسها، ويقسم خمسة أخماس: خمس لله، وللرسول، ولقرابة الرسول، ولليتامى، وللمساكين، ولابن السبيل، كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وأربعة الأخماس تقسم على الغانمين.
وفيه: أنه للإمام أن ينفل، يعني: يعطي زيادة لبعض الذين لهم تأثير في القتال، كبعض السرايا التي تخرج من الجيش وترجع إليه؛ ولهذا قال سعد ﵁ في الحديث السابق: ((أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟)) أي: كمن لا كفاية له؟
قال النووي ﵀: فيه إثبات النفل، وهو مجمع عليه، واختلفوا في محل النفل: هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس، وهي ثلاثة أقوال للشافعي (١)
стр. 2622
واختلف العلماء في الجمع بين الآيتين: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾، و ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ فقيل: إن الأولى منسوخة بالثانية، وقيل: إنها ليست منسوخة، بل محكمة (١).
وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلَّا لَا يُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسُدِ اللَّهِ، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ.
[خ: ٣١٤٢]
هذا الحديث فيه: أن الصحابة ﵃ اُبتُلوا يوم حنين، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾؛ وذلك لأنهم أُعجبوا بكثرتهم، قال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فعُوقبوا، وكانت هوازن قد كمنت لهم فرشقوهم من كل جانب، ثم ولوا مدبرين، ثم ناداهم النبي ﷺ ، فرجعوا (١)، ثم ﴿أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا﴾.
وفيه: أن أبا قتادة ﵁ رأى رجلًا من المشركين قويًّا نشيطًا قد علا رجلًا من المسلمين في هذه الغزوة، فاستدار عليه أبو قتادة من خلفه وضربه بالسيف في عاتقه، فالتفت إليه هذا المشرك وضمه ضمة شديدة؛ لأنه أقوى من أبي قتادة ﵁، ثم أحس المشرك بالموت فتركه، يعني: لولا أنه أحس بالموت لكان قد قضى على أبي قتادة ﵁.
وفيه: أن سلب المقتول كله للقاتل، والسلب: ما يكون معه من السلاح والدرع والثياب، وهذا تشجيع للمجاهدين، فأبو قتادة ﵁ قتل هذا الرجل، فلما انتهت المعركة قال النبي ﷺ : ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُه)).
وفيه: أنه لا بد من البينة؛ ولذا قام أبو قتادة ﵁، وقال: ((مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ )) أني قتلت هذا الرجل؟ فلم يجد أحدًا، ثم قال: ((مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ))، فلم
الذى رأيت أمامى " (١).
وقوله: ((حتى يموت الأعجل منا)) قيل: هو شيء استُعمل فى كلام العرب، كأنه يريد الأعجل أجلا والأقرب موتا (٢).
هذا الحديث فيه: أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو من السابقين الأولين الكبار- كان يوم بدر بين شابين حديثة أسنانهما، وهما: معاذ ابن عمر ابن الجموح، ومعاذ بن عفراء ﵄، فقال في نفسه: تمنيت لو أكون بين الكبار بدل أن أكون بين الشباب الصغار.
وجاء في رواية: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قتله (٣)، وجُمع بينهما كما قال النووي ﵀: ((قال القاضي: هذا قول أكثر أهل السير، قلت: يحمل على أن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح، وجاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق، فحز رقبته)) (٤).
وقوله: ((أَنَاخَهُ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ)) أي: ركبه، ثم بعثه.
وقوله: ((فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ)) وفي رواية أن النبي ﷺ قال: ((اطْلُبُوهُ، وَاقْتُلُوهُ)) (١).
وقوله: ((نَاقَةٍ وَرْقَاءَ)): الورقاء من النوق التي يخالط بياضها سواد، والذَّكَر أورق.
وهذا الحديث فيه: أن هذا الرجل الوارد ذكره في الحديث جاء ليتجسس على المسلمين وينظر حالهم، فرأى فيهم ضعفًا ورقة وقلة في الإبل، ثم أراد الإسراع بالذهاب إلى الكفار ليخبرهم بحال المسلمين.
وفيه: دليل على جواز قتل الجاسوس، ولا خلاف في قتل الجاسوس من الكفار، ويُقتل سواء كان حربيًّا أو ذميًّا، وإذا كان ذميًّا فقد انتقض عهده بالتجسس.
وفيه: أن هذا السلب ليس من الخمس، وإنما هو من رأس الغنيمة.
* * *