رضي الله عنه، ثم لما تتابع الناس على شرب الخمر في عهد عمر ﵁، وفُتحت الفتوح، ونزلوا الأرياف، اجتهد ﵁ وشاور الصحابة، فأشاروا عليه، ((فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ))، فزاد عمر ﵁ أربعين، من باب التعزير.
[١٧٠٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ- عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ- وَاللَّفْظُ لَهُ- أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ- مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ الدَّانَاجِ- حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَبُو سَاسَانَ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ- أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: قُمْ يَا حَسَنُ فَاجْلِدْهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا- فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ- فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قُمْ فَاجْلِدْهُ، فَجَلَدَهُ، وَعَلِيٌّ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ.
زَادَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَ الدَّانَاجِ مِنْهُ، فَلَمْ أَحْفَظْهُ.
[خ: ٦٧٧٨]
في هذا الحديث: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط- وكان أمير الكوفة- شرب الخمر، وصلى بالناس ركعتين وهو سكران، ثم التفت إليهم، فقال: ((أَزِيدُكُمْ؟ ))، وفي اللفظ الآخر أنهم قالوا: ((مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ
стр. 2558
اليَومِ)) (١)، ((فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ- أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ-: أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، وَشَهِدَ آخَرُ: أَنَّهُ رَأَىهُ يَتَقَيَّأُ))، فوكَّل عثمانُ عليًّا ﵁، فقال: اجلده، فوكل ابنَه الحسن ﵁، فامتنع، فأمر علي ﵁ عبد الله بن جعفر فامتثل لأمره، فجلده وعلي ﵁ يَعُدُّ، فلما وصل أربعين، قال: ((أَمْسِكْ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ))، يعني: هذه سنة الرسول ﷺ ، وهذه سنة الخليفة الراشد.
وقول الحسن ﵁: ((وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا))، يعني: كما أن عثمان وأقاربه يتولون الخلافة ويختصون بها فهم يتولون نكدها وقاذوراتها، ومعناه: ليتول هذا الجلدَ عثمانُ ﵁ بنفسه، أو بعضُ خاصة أقاربه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنْتُ أُقِيمُ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ، فَأَجِدَ مِنْهُ فِي نَفْسِي، إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّهُ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((إِنْ مَاتَ وَدَيْتُهُ))، يعني: دفعت دِيَتَهُ؛ لأن النبي ﷺ إنما جلد أربعين، والزيادة تعزير من عمر ﵁، فلو مات وداه.
стр. 2559
بَابُ قَدْرِ أَسْوَاطِ التَّعْزِيرِ
[١٧٠٨] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ إِذْ جَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ، فَحَدَّثَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ)).
[خ: ٦٨٤٨]
في هذا الحديث: أنه لا يزاد في التعزيرات على عشرة أسواط، وأخذ به بعض العلماء كالحنابلة (١).
وذهب الجمهور إلى أنه يزاد على عشرة أسواط، حتى ولو وصل التعزير إلى القتل، وقالوا: إن هذا الحديث منسوخ، واحتجوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يزالوا يعزِّرون بعد وفاة النبي ﷺ ، ويزيدون على عشرة أسواط (٢).
ذَلِكَ، فَإِنْ غَشِينَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَانَ قَضَاءُ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ قَضَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ.
في هذه الأحاديث: أن هذه البيعة التي أخذها النبي ﷺ على الرجال هي البيعة التي أخذها على النساء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفيها: أن إقامة الحدود مكفرة للذنوب.
وفيها: أن ما دون الشرك من الذنوب فهو تحت المشيئة، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وقوله: ((وَلَا يَعْضَهَ بَعْضُنَا بَعْضًا))، أي: لا يَغْتَبْ بعضنا بعضًا، ولا ينمُّ بعضنا على بعض، كما في الحديث الآخر: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ قَالَ: هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ)) (١).
وقوله: ((الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ))، يعني: إذا أصابت أحدًا بيدها، أو بفمها، فإنه هدر، لا دية فيه.
وكون جرح العجماء جُبَارًا محله إذا لم يكن معها أحد، أما إذا كان معها سائق، أو قائد، أو راكب، فإن الدية تكون على العاقلة.
وقوله: ((والبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ))، يعني: البئرَ التي تُحفر، ثم يسقط فيها الإنسان فيموت، فإنه هدر لا دية فيه، وهذا إذا حفر في ملكه بئرًا فسقط فيها إنسان فليس فيه دية، أما إذا حفر في طريق الناس فإنه يضمن ديته.
وقوله: ((وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ)): الركاز هو: الموجود من دفن الجاهلية، فإذا وجده الإنسان دفع الخمسَ زكاةً؛ لأنه حصل له بغير تعب.
стр. 2564
كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ
стр. 2565
كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ
بَابُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
[١٧١١] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)).
[خ: ٤٥٥٢]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ)).
قوله: ((عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ)): هو نافع بن عمر الجمحي (١).
هذا الكتاب (كتاب الأقضية) من القضاء، والقضاء في الأصل: إمضاء الشيء والفراغ منه؛ وسمي القاضي قاضيًا؛ لأنه يُمضي الأحكام، ومنه قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾، أي: أمضينا.
وقيل: من من الإيجاب؛ لأن الحاكم يُوجِب الحكم، ويُلزِم به.
وقيل: القضاء مشتق من المنع؛ لأن الحاكم يمنع الظالم من الاعتداء على المظلوم، ومنه سميت الحِكْمة حِكْمَةً؛ لأنها تمنع السفيه من العمل
стр. 2566
بهواه، ومنه الحَكَمة، وهي: اللجام الذي يوضع على فم الدابة يمنعها من ركوب رأسها (١).
وأحكام القضاء تدور حول هذا الأصل، وهو أن البينة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه، وهو المنكِر؛ ولو أُعطي كل واحد ما يدعي لادعى أناس دماء قوم وأموالهم، كما في الحديث الأول من الباب، وهو قوله ﷺ : ((لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ))، وعند البيهقي: ((الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ)) (٢)، قال ابن حجر عن هذه الزيادة: ((وهذه الزيادة ليست في الصحيحين وإسنادها حسن)) (٣).
والقَسَامة لا تخرج عن هذا الباب؛ وذلك أن اليمين توجه أولًا إلى المدَّعين فيحلفون على شخص معين خمسين يمينًا؛ لأن معهم البينة، وهي اللوث، أو العداوة؛ فالبينة معهم، فإذا نَكَلوا وُجهت الأيمان على المدَّعى عليهم.
стр. 2567
بَابُ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ
[١٧١٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدٌ- وَهُوَ ابْنُ حُبَابٍ- حَدَّثَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ)).
في هذا الحديث: القضاء باليمين والشاهد، وأخذ بهذا جمهور العلماء (١)، وخالف في هذا الأحناف (٢)، والصواب: ما دل عليه الحديث؛ فإذا كانت البينة شاهدًا واحدًا فإن الحلف باليمين يقوم مقام الشاهد الثاني، أما إذا كانت البينة شاهدين فإنه يحكم له بالبينة من غير يمين.
الله اصطفاه بالنبوة والرسالة، فهو لا يعلم الغيب، وليس مخلوقًا من نور، كما يدعي بعض الغلاة، قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾، فهو ﵊ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب مخلوق من ماء أبيه وأمه كسائر الناس، وهو يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق ﵊.
وهناك طائفة يسمون (البريلوية) في الهند يقولون: إن الرسول يعلم الغيب، ويغلون في النبي ﷺ حتى يرفعوه إلى مقام الألوهية (١).
وفيه: أن النبي ﷺ إنما يحكم حسب البينات.
وفيه: دليل على أن الحاكم إذا حكم بالبينة تنتهي الخصومة في الدنيا، ولكن حكم الحاكم لا يحل الحرام، ولا يحرم الحلال، بل هناك محكمة أخرى وخصومة بين يدي الله .
والحاكم إذا استفرغ وسعه فإنه معذور، فلو أتى المبطِل بشهود زور، ثُمَّ حكم لهم القاضي فالقاضي معذور، ولكن المبطل ليس بمعذور، حتى لو كانت الخصومة مع ذمي، أو معاهَد فلا يجوز للإنسان أن يأخذ ماله، فمالهم محترم، ولذلك قال العلماء إن القيد في قوله ﷺ : ((بِحَقِّ مُسْلِمٍ)) خرج مخرج الغالب في الخصومة بين المسلمين، وإلا فمالُ الذمي والمعاهد كَمَالِ المسلم.
стр. 2570
بَابُ قَضِيَّةِ هِنْدٍ
[١٧١٤] حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ- امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي، وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ)).
[خ: ٥٣٦٤]
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٍ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
هذه المسألة مسماة عند أهل العلم: مسألة الظفر، وهو أن الإنسان إذا كان له حق على شخص قد أنكره، أو منعه من حقه، ثُمَّ استطاع أن يأخذه، فهل له أن يأخذه خفية؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:
قيل: يجوز مطلقًا، وقيل: لا يجوز مطلقًا.
وقيل: يجوز إن كان سبب الحق ظاهرًا، وأما إن لم يكن ظاهرًا فلا يجوز، وهذا هو الأرجح (١)، كالزوجة تأخذ من مال زوجها؛ لأنها تستحق عليه النفقة، وهذا سبب ظاهر.
ومثله- أيضا-: الضيف إذا نزل فطلب القِرَى، ثُمَّ مُنِعه، فإنه يأخذ مقدار
стр. 2571
حق القرى، كما ثبت هذا في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ)) (١).
وأما إذا كان السبب غيرَ ظاهر فلا ينبغي للإنسان أن يأخذ؛ لأنه سيُتهم بالسرقة، ويوصف بأنه خائن، وقد تُقطع يده إن لم يكن له دليل، فلا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه.
وفيه: دليل على أن المرأة تستفتي، ففيه: دليل على أن صوت المرأة ليس بعورة، لكن الممنوع الخضوع بالقول، والممنوع أن تتكلم بكلام فيه ترخيم وخضوع؛ لأن هذا يُطمِع الفاسق فيها، قال الله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا﴾، يعني: مرض الشهوة؛ ولهذا نهيت المرأة أن ترفع صوتها بالتلبية في الحج.
وفيه: دليل على أن المستفتي إذا تكلم في حق خصمه في شيء فليس هذا من الغيبة، فهند قالت: ((رَجُلٌ شَحِيحٌ))، ومثلها المظلوم إذا ظلمه شخص وأخذ حقه، فله أن يتكلم في حقه عند القاضي؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) (٢).
الواجد، يعني: الغني، وليُّه: امتناعه من أداء الحق الذي عليه ظلم، فهذا يُحِلُّ عرضه وعقوبته.
بَابُ النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ مَنْعٍ وَهَاتِ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ حَقٍّ لَزِمَهُ، أَوْ طَلَبِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ
[١٧١٥] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)).
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا))، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((وَلَا تَفَرَّقُوا)).
في هذا الحديث: أن الله تعالى يرضى لعباده ثلاثًا: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو توحيد الله، وهو الأمر الذي خلق الخلق من أجله، وأن يعتصموا بحبل الله ودينه وشرعه، وهو الثاني، وسقط أمر ثالث جاء في بعض الروايات: ((أَنْ تَنْصَحُوا لِوُلَاةِ الْأَمْرِ)) (١)، أي: أن تلزموا إمام المسلمين.
وفيه: أن الله تعالى ينهى عباده عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، والكراهة- هنا- كراهة تحريم، خلافًا للنووي فقد قال: إنها كراهة تنزيه (٢).
تنبيه: قول النووي: (قال العلماء الرضى والسخط والكراهة من الله تعالى المراد بها: أمره ونهيه وثوابه وعقابه أو إرادته الثواب لبعض العباد) هذا الكلام من النووي تأويل على طريقة الأشاعرة الذين يؤولون الصفات، إما بلازم
بَابُ كَرَاهَةِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ
[١٧١٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: ((كَتَبَ أَبِي وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ- وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ-: أَنْ لَا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ)).
[خ: ٧١٥٨]
وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ.
في هذا الحديث: دليل على أن الحاكم لا يحكم وهو غضبان؛ لأن الغضب يغير شعوره، فيكون سببًا في عدم إصابة الحق، ويقاس عليه كل ما يكون سببًا في تغيير شعور الإنسان، وعدم سداده، مثل: الجوع المفرط، والشبع المفرط، والهم والحزن، أو أن يكون مشغولًا بأمر يفكر فيه، أو كان يدافع الأخبثين: البول، والغائط، فهذه الأمور وغيرها تشوش على القاضي، فعليه أن يؤجل الحكم حتى تزول هذه الأشياء.
стр. 2579
بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ
[١٧١٨] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ جَمِيعًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)).
[خ: ٢٦٩٧]
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ عَبْدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِنَ، فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؟ ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).
هذا الحديث قاعدة عامة وجليلة في إبطال البدع والمحدثات.
قوله: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ))، يعني: مردود عليه، وفي اللفظ الآخر: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)).
وهذا يرد على من فعل شيئًا من البدع وقد فعله غيره، ويقول: أنا لم أُحْدِثْه، فيقال له: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))، فهذا الحديث فيه: إبطال البدع، ويستوي أن يكون الفاعل هو محدِث البدعة، أو أن يكون متبعًا لغيره في بدعته.
стр. 2580
بَابُ بَيَانِ خَيْرِ الشُّهُودِ
[١٧١٩] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ: الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا؟ )).
في هذا الحديث: مدح للشاهد الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها، إلا أنه ورد في حديث آخر أن النبي ﷺ قال: ((ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ، وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)) (١)، وهذا فيه ذم، فكيف يجمع بينهما؟
والجواب: قال أهل العلم: إنه محمول على أحد أمرين:
الأول: أنه محمول على من كان عنده شهادة لشخص، وهو لا يعلم بها، فيأتي ويخبره.
الثاني: أنه محمول على الشهادة في الحِسبة في غير حقوق الآدميين، كشهادة الطلاق، والعتاق، والوصية، والحدود.
стр. 2581
بَابُ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ
[١٧٢٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉، فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا- يَرْحَمُكَ اللهُ- هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى. قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ)).
[خ: ٣٤٢٧]
في هذه القصة أن امرأتين صغرى وكبرى كل منهما لها ابن، وذهبتا إلى البرية، فأكل الذئب ابن الكبرى، وبقي ابن الصغرى، فغارت منها، فادعت أنه ابنها، ثُمَّ تحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى؛ لأسباب رآها، إما لأنه في شرعه أنه يحكم للكبرى، أو لأنه في يدها، أو لأجل علامة رآها.
ثم بعد ذلك خرجتا من عند داود ﵇، فلقيتا سليمان فأخبرتاه بالأمر، فتأمل تأملًا آخرَ وحكم بشق الصبي شقين، لكل منهما شق؛ لأجل أن يعرف من هي صاحبة الحق، فقالت الصغرى: لا تفعل، هو ابنها لا أريده، أما الكبرى فقالت: شُقَّهُ بيننا، فقضى به للصغرى، وقد قالت الصغرى ذلك شفقة على ابنها أن يشقة سليمان.
وقوله: ((ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا)): سميت السكين سكينًا؛ لأنها تُسكِّن حركة المذبوح.
стр. 2582
بَابُ اسْتِحْبَابِ إِصْلَاحِ الْحَاكِمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ
[١٧٢١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا)).
[خ: ٣٤٧٢]
هذه القصة فيها دليل على أن بني إسرائيل كان فيهم أخيار، كما قال الله تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾، وهذه القصة تجسد معنى الورع، فقد اشترى شخص من شخص أرضًا، فلما اشتراها وجد فيها جرة من ذهب، فذهب- لورعه- للبائع، وقال: أنا وجدت في الأرض جرة ذهب، فخذ ذهبك، قال: لا، أنا بعتك الأرض وما فيها، وهذا من ورعه- أيضًا- قال: لا أنا لم أشترِ إلا الأرض، ثُمَّ تخاصما إلى رجل وأصلح بينهما، فقال لأحدهما: ألك غلام؟ قال: نعم، وقال للثاني: ألك جارية؟ قال: نعم، قال: أنكحا الغلام الجارية، وأنفقا عليهما من الذهب، وتصدقا منه.
* * *
خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْتَرَفْ، فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ كُلْهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ)).
وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((فَإِنِ اعْتُرِفَتْ فَأَدِّهَا، وَإِلَّا فَاعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، وَعَدَدَهَا)).
هذه الأحاديث كلها تتعلق باللقطة، واللقطة فيها ألفاظ، يقال: لُقَطَة، ويقال: لُقْطَة، ويقال: لَقَطَة، ويقال: لُقَاطَة، وهي: المال، أو المتاع الذي لا يُعرف صاحبه فيجده إنسان فيأخذه (١).
وفي هذه الأحاديث جملة من الفوائد، منها:
١ - بيان حكم اللقطة، وهو: أن الإنسان مأمور بأخذها؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((خُذْهَا))، وهذا الأمر للاستحباب عند جمهور العلماء (٢)، وقال بعضهم: إنه للوجوب (٣).
٢ - أن اللقطة تُعرَّف سنة في مجامع الناس، في الأسواق، وعند أبواب المساجد، وفي المكان الذي وجدها فيه، ولا مانع من أن يعلن عنها في الصحف المحلية، قال بعضهم: في أول أسبوع يُعَرِّفها كل يوم، ثُمَّ في كل أسبوع.
٣ - أنه لا بد أن يعرف عِفَاصَها، وهو الوعاء، أو الكيس الذي وُجدت فيه، ووكاءَها، وهو الرباط الذي رُبطت به، ولا بد أن يعرف عددها إذا كانت دراهم، أو دنانير، ويعرف نوع الفئة، فئة مائة، أو فئة مائتين، أو فئة
стр. 2587
خمسمائة، أو غير ذلك.
فإن جاء من يعرف أوصافها دفعها إليه، وإذا مضت سنة فإنه يملكها، ويتصرف فيها فتكون كسائر ماله، إلا أنها تكون وديعةً عنده، بمعنى: أنه إذا جاء صاحبها يومًا من الدهر وذكر أوصافها دفعها إليه.
هذا إذا كانت اللقطة من الدراهم، أو الأمتعة وغيرها.
أما إذا كانت من بهيمة الأنعام فإذا كانت شاة يأخذها؛ لأن الشاة لا تمتنع من السباع، قال النبي ﷺ : ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ))، يعني: إن لم تأخذها أخذها أخوك، وإن لم تأخذها أنت ولم يأخذها أخوك أكلها الذئب.
فإذا أخذها فليعلفها، أو يجعلها مع غنمه، وإنْ أَحَبَّ أن يبيعها ويحتفظ بثمنها- إذا كان في إبقائها مشقة عليه- فلا بأس، وإن أحب أن يأكلها ويقدر ثمنها، ثم إذا جاء صاحبها دفعها إليه فلا بأس- أيضًا.
ويكون واجد اللقطة مؤتمنًا فيما وجد، وقاعدة المؤتمن: أنه إذا فرط فتسبب في موتها- مثلًا- فإنه يضمن، وإن لم يفرط فلا يضمن.
وأما ضالة الإبل فإن وجدها فلا يأخذها؛ ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن ضالة الإبل قال: ((مَا لَكَ وَلَهَا؟ ! مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا))؛ لأن أخفافها تتحمل وتمشي وتقطع المسافات، وترد الماء وتُخزِّنه في بطنها وتصبر على عدمه مدة أيام، فلا حاجة إلى أخذها.
٤ - دليل على أن الغضب اليسير لا يؤثر، وهذا- أيضًا- يستدل به على أن المفتي، أو الحاكم إذا غضب غضبًا يسيرًا فلا يضر.
٥ - أن من وسائل التعليم، أو الدعوة: تَبْيِينَ الغضب في وجه الداعي، أو المفتي إذا سئل عن شيء يغلب على الظن أن السائل يعرف حكمه.
بْنِ كُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعًا: ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، إِلَّا حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: عَامَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَة، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ: ((فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا، وَوِعَائِهَا، وَوِكَائِهَا، فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ))، وَزَادَ سُفْيَانُ فِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ: ((وَإِلَّا فَهِيَ كَسَبِيلِ مَالِكَ))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: ((وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا)).
في هذه الأحاديث: شكٌّ من الراوي؛ حيث قال: ((لَا أَدْرِي بِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلٍ وَاحِدٍ))، فيُطرَح الشك، ويؤخذ بالأحاديث الأخرى الوارد فيها الحول، أو يعرفها ثلاثة أحوال على الزيادة من باب الورع والفضيلة، ويكون الحول هو الواجب، وما زاد عليه يكون نافلة.
стр. 2590
بَاب فِي لُقَطَةِ الْحَاجِّ
[١٧٢٤] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ.
في هذا الحديث: نهي عن لقطة الحاج، وهذا النهي محمول على أنه إذا لم يعرفها؛ جمعًا بينه وبين الحديث الآخر: أن النبي ﷺ قال- في لقطة مكة-: ((وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ)) (١)، فأباح النبي ﷺ أن يلتقطها المنشد.
فمن خصائص مكة: أنها لا تُملك لقطتُها، بل يعرِّفها مدى الدهر (٢).
ويحتمل أن هذا النهي خاص بالحاج، يعني: في أيام الموسم؛ لأنه إذا تركها جاء صاحبها ووجدها في مكانها.
[١٧٢٥] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا)).
قيل: إن المراد بالضالة- هنا-: الإبل خاصة، من لم يعرفها فهو ضال تائه عن الصواب.
стр. 2591
وقيل: المراد: العموم، يعني: من أخذ اللقطة فهو ضال إلا إذا عرفها، وهذا مما يؤيد أنه يجب تعريفها إذا أخذها وإلا فليتركها.
قوله: ((يَقْرِيهِ)) - بفتح الياء-: من قرى الضيفَ يَقريه قِرًى: أضافه وأكرمه.
وفي هذه الأحاديث: دليل على أن إكرام الضيف من الواجبات؛ ولهذا قال النبي ﷺ أيضا- في الحديث الآخر: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ)) (١).
وفيها: أن الضيافة ثلاثة أيام، فاليوم والليلة واجبة، والثلاثة أيام مستحبة؛ ولهذا قال بعض العلماء ﵏ كالليث (٢) -: إن إكرام الضيف واجب، وقال الإمام أحمد: إنه واجب على أهل القرى والبوادي بخلاف أهل المدن (٣)، والجمهور على أنه مستحب (٤)، وتأولوا الحديث على الاستحباب، كما تقول العرب: حقك علي واجب.
وأما بعد الثلاثة أيام فليس للضيف أن يقيم، بل عليه أن ينصرف، وليس له أن يبقى عنده حتى يؤثمه، يعني: يجلس عنده وليس عنده ما يَقْرِيه به، كما أنه قد يكون سببًا في منعه من عمله، ومن كسبه.