وعقوبته وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه فليكرهه بقلبه وليبرأ وأما من روى فمن عرف فقد برئ فمعناه والله أعلم فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقلبه وقوله ﷺ : ((وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ)) معناه ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع)) (١).
وقوله: ((لَا، مَا صَلَّوْا)) وفي حديث عوف الآتي: ((مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ)) وهو دليل على أن ترك الصلاة كفر.
هذا الحديث فيه: نهي عن الخروج على الولاة إذا كانوا يصلون، فدل على أنهم إذا لم يصلوا فَيُخرَج عليهم بالشروط المتقدمة؛ لأنهم- حينئذٍ- قد أتوا كفرًا بواحًا.
стр. 2803
بَابُ خِيَارِ الْأَئِمَّةِ وَشِرَارِهِمْ
[١٨٥٥] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)).
قوله: ((وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ)) الصلاة هنا: الدعاء.
قوله: ((قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ)) مفهومه أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يجوز الخروج عليهم، وهذا يدل على أن ترك الصلاة كفر.
قوله: ((وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)) فأهل السنة فلا يرون الخروج على ولاة الأمر بالمعاصي، بل يرون الصبر على ولاة الأمور، ولهذا فان أهل السنة حينما يكتبون عقائدهم يقولون فيها: (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ) (١).
بَابُ اسْتِحْبَابِ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ الْجَيْشَ عِنْدَ إِرَادَةِ الْقِتَالِ، وَبَيَانِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
[١٨٥٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ- وَهِيَ سَمُرَةٌ- وَقَالَ: بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ.
[خ: ٤١٥٤]
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ: سَمِعَ جَابِرًا يَسْأَلُ: كَمْ كَانُوا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: كُنَّا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، فَبَايَعْنَاهُ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِيَدِهِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ- وَهِيَ سَمُرَةٌ- فَبَايَعْنَاهُ، غَيْرَ جَدِّ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ.
هذا الحديث فيه: أن الجد بن قيس هذا لم يبايع النبي ﷺ ؛ لنفاقه- نسأل الله العافية- وجلس تحت بطن ناقته، فَحُرم هذا الخير العظيم.
وأهل بيعة الرضوان هم أفضل الناس، فقد أخبر الله تعالى أنه رضي عنهم، فَقَالَ : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
وثبت في صحيح مسلم من حديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) (١)، وهذا فضل عظيم لأهل بيعة
стр. 2806
الرضوان، وهي الحد الفاصل بين السابقين الأولين وغيرهم، فمن أسلم قبل الحديبية فهو من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أسلم بعدها فليس من السابقين الأولين في أصح قولي العلماء.
وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، وتسمى عمرة الحديبية، وذلك أن النبي ﷺ أحرم بالعمرة في السنة السادسة من الهجرة، فلما نزل بالحديبية، صده المشركون ومنعوه، فأرسل النبي ﷺ إليهم عثمان ليخبرهم أنه ما جاء لقتال، وإنما جاء للعمرة، فاحتبسوا عثمان، فشاع بين المسلمين أنه قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على قتال قريش، فلما سمعت قريش بذلك خافوا، وأطلقوا عثمان.
وقوله: ((بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ، وَلَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ)) والمعنى واحد، فقد بايعوه على الصبر على القتال، والاستمرار عليه حتى النصر، أو الموت، لكن المقصود: أن هذه البيعة حصلت على عدم الفرار، وقيل لسلمة بن الأكوع ﵁: على أي شيء بايعتم النبي ﷺ يوم الحديبية؟ قال: ((على الموت)) (١)، فالنبي ﷺ بايعهم على الصبر والثبات حتى الموت.
وفيه: جواز أن يبايع الإمام، أو قائد الجيش على عدم الفرار.
أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمْنَ الْمُهَاجِرِينَ.
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
[١٨٥٨] وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَعْرَجِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قَالَ: لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ.
وَحَدَّثَنَاهُ يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ يُونُسَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ)): هنا ذكر أن عددهم ألف وخمسمائة، وفي حديث ثانٍ أن عددهم ((أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً)) (١)، وفي ثالث أنهم ((أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ)) ويجمع بينها: بأن عددهم ألف وأربعمائة، وعدد دون المائة، فمن قال: ألف وأربعمائة حذف الكسر، ومن قال: ألف وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألف وثلاثمائة فهو لم يتيقن العدد، وإنما قاله عن تقدير.
وقوله: ((لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا))، يعني: لكفانا الماء الذي في البئر، فهذا مختصر من خبرهم في بئر الحديبية كما في صحيح البخاري عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً وَالحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا، حَتَّى لَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَفِيرِ البِئْرِ «فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي البِئْرِ» فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا، وَرَوَتْ، أَوْ صَدَرَتْ رَكَائِبُنَا (٢)، وهذا من قدرة الله العظيمة، ومن آياته الباهرة، وأنه على كل شيء قدير، ومن دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ ، حيث كثَّر الله الماء ببركة دعائه ﵊ وبصقه فيه، حتى قال جابر: ((لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا)).
[١٨٦٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ- مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ- قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
[خ: ٤١٦٩]
وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَلَمَةَ بِمِثْلِهِ.
[١٨٦١] وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحيَى عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: هَا ذَاكَ ابْنُ حَنْظَلَةَ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَقَالَ: عَلَى مَاذَا؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
[خ: ٢٩٥٩]
قوله: ((أَتَاهُ آتٍ)) وفي رواية البخاري: ((لما كان زمن الحرة أتاه آت)) (١)، والحرة وقعة وقعت في حرة المدينة في خلافة يزيد بن معاوية؛ وذلك أن أهل المدينة خلعوا يزيد بعدما انتقدوه ونقموا عليه أشياء، فبايع عبدالله بن المطيع وابن حنظلة الناس على الموت، فلما بلغ يزيد ﵁ الخبر أرسل جيشًا من الشام فقاتل أهل المدينة؛ لأنهم خلعوه، واستباح المدينة ثلاثة أيام عقوبة لهم.
فلما أراد ابن حنظلة وابن المطيع مبايعة عبدالله بن زيد على الموت قال: ((لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وكان كثير من الصحابة ما يزالون أحياءً زمن الحرة.
стр. 2811
بَابُ تَحْرِيمِ رُجُوعِ الْمُهَاجِرِ إِلَى اسْتِيطَانِ وَطَنِهِ
[١٨٦٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ: ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ ! قَالَ: لَا، وَلَكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ.
[خ: ٧٠٨٧]
هذا الحديث فيه: أن سلمة بن الأكوع أقر الحجاج على قوله: ((ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ؟ ! )).
وفيه: أنه لا يجوز للإنسان أن يسكن البادية ويتعرب ويترك المدن؛ لأنه في البادية يبتعد عن سماع المواعظ، وعن الجمع والجماعات، فقد جاء في الحديث الآخر: ((اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ... وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ)) (١)، إلا إذا كان في آخر الزمان، وظهر الفساد، ونُزع الخير من المدن والقرى، وخاف الإنسان على دينه من الفتن، ولم يوجد في المدن والقرى مواعظ ولا جمعة ولا جماعات، ولا تعلم ولا تعليم، ففي هذه الحالة يخرج الإنسان إلى البادية ويفر بدينه، كما جاء في الحديث: ((يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) (٢).
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ رَافِعٍ عَنْ يَحيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ- يَعْنِي: ابْنَ مُهَلْهِلٍ-.ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
قوله: ((لَا هِجْرَةَ))، يعني: من مكة إلى المدينة، ولكن بقي الجهاد والنية الصالحة.
وقوله: ((وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، أي: إذا طلب الإمام منكم النفير، يعني: الخروج إلى الجهاد، فانفروا، أي: فاخرجوا.
هذا الحديث فيه: دليل على أن الجهاد فرض كفاية، وقد يكون فرض عين، وذلك في حالة ما إذا استنفر الإمام الرعية، فمن استنفره الإمام فقد صار الجهاد فرض عين في حقه، وكذلك إذا احتل العدو بلدًا من بلاد المسلمين فقد صار الجهاد في حقهم فرض عين، فعليهم أن يدافعوا عن أرضهم حتى يندفع عدوهم، فإن لم يندفع وجب على من حولهم من القرى والبلدان المجاورة مساندتهم ومناصرتهم، وكذلك يصير فرض عين على المسلم إذا وقف في صف القتال، فليس له أن يفر، إلا أن يكون متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة.
قَوْلِي لِامْرَأَةٍ، كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ)) (١).
قولها: ((فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ)): وفي لفظ في البخاري: ((فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ)) (٢) يشير إلى شرط الإيمان، ((فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ)): معناه فقد بايع البيعة الشرعية (٣).
هذا الحديث فيه: أنه يحرم على المسلم مصافحة المرأة الأجنبية التي ليست محرمًا، فيحرم عليه مصافحة مثل: زوجة الأخ، وزوجة العم، وزوجة الخال، وأخت الزوجة، وبنت العم، وبنت الخال، فهؤلاء ليسوا بمحارم، فلا يجوز مصافحتهن، ولو كانت إحداهن كبيرة في السن، ولا يقبل رأسها، وإنما يلقي ﵍ بالكلام، وهي ترد عليه بدون مصافحة، وبدون خضوع في القول.
وكذلك يحرم عليه الخلوة بمن ذُكر، ويجب أن يكون معهم محرم ثالث، ولا يكون هناك ريبة؛ ولهذا كان المس أشد من النظر، يعني: مس جسد المرأة أشد من النظر إليها.
وهنا نحب أن نلفت النظر إلى مسألة مهمة، وهي: أنه لا ينبغي للقراء أن يتساهلوا في رقية النساء، فتجد بعضهم يضع يده على رأس المرأة، أو كتفها، أو يدها، وهذا لا ينبغي له، وإنما له أن ينفث بدون مس؛ لأن هذا من أسباب الشر والفساد، وتحريك الشهوة.
وفيه: حرص النبي ﷺ على النساء كحرصه على الرجال، وبيعتهن إن دلت فإنما تدل على مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي، والاعتراف بتأثيرها الإيجابي في عدة جوانب إن التزمت بحدود الشرع؛ وتكون بذلك على ثغر من ثغور الإسلام.
بَابُ بَيَانِ سِنِّ الْبُلُوغِ
[١٨٦٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي.
قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ- وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ- فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ.
[خ: ٢٦٦٤]
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ- يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَاسْتَصْغَرَنِي.
وقوله: ((فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا)) المراد: أن يفرضوا له عطاء سنويًّا في بيت المال على انفراده؛ لأنه صار رجلًا، ومن كان دون ذلك فيكون في العيال تبعًا لأبيه، وهذا العطاء يشبه ما يسمى في المملكة العربية السعودية- الآن- بالمناخ، فيأتي الناس كل سنة ويُنيخون إبلهم عند الحكومة، وينزلون ضيوفًا، ويُعطَون مقررًا ماليًّا سنويًّا، وقد يُعطَون طعامًا وكسوةً.
هذا الحديث فيه: أن من بلغ خمس عشرة سنة من الصبيان فهو بالغ، هذا إذا لم ينبت له شعر خشن حول الفرج، ولم يحتلم، أما إذا احتلم قبل ذلك، أو نبت له هذا الشعر الخشن فهو بالغ؛ إذ للبلوغ علامات،
стр. 2819
فالعلامة الأولى: إنبات الشعر الخشن حول الفرج، والعلامة الثانية: إنزال المني في اليقظة، أو في النوم، والعلامة الثالثة: بلوغه خمس عشرة سنة، وتزيد الأنثى علامة رابعة، وهي: الحيض، فمن حاضت فإنها تكون بالغة، ولو كانت بنت تسع سنين.
стр. 2820
بَابُ النَّهْيِ أَنْ يُسَافَرَ بِالْمُصْحَفِ إِلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إِذَا خِيفَ وُقُوعُهُ بِأَيْدِيهِمْ
[١٨٦٩] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ.
[خ: ٢٩٩٠]
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ)).
قَالَ أَيُّوبُ: فَقَدْ نَالَهُ الْعَدُوُّ، وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ.
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ-.ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَالثَّقَفِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالثَّقَفِيِّ: فَإِنِّي أَخَافُ، وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ وَحَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ: مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ.
هذا الحديث فيه: النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن تناله أيديهم بسوء، أو امتهان، وإذا انتفت هذه العلة جاز السفر بالقرآن، وقد انتفت هذه العلة في هذا الزمن، فإن القرآن موجود الآن عند الكفرة، ويطبعونه، ويذيعونه في إذاعاتهم.
وفي حكم السفر بالقرآن إلى أرض العدو ثلاثة أقوال للعلماء:
стр. 2821
القول الأول: جواز السفر بالقرآن مطلقًا.
القول الثاني: منعه مطلقًا.
القول الثالث: جواز السفر به إذا لم يُخَفْ أن تناله أيدي الكفار بسوء، أو امتهان، وهذا هو القول الوسط، الذي دل عليه الحديث.
قوله: ((وَخَاصَمُوكُمْ بِهِ))، أي: جادلوكم به.
العوض عليها في المسابقة.
والسبق بين الخيل مشروع؛ لما فيه من التدرب على الجهاد؛ لأن الخيل هي التي تعد للجهاد.
قوله: ((فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ))، يعني: قفز الفرس على جدار المسجد؛ لأن السباق كان ينتهي إلى المسجد، وكان جداره قصيرًا.
هذا الحديث فيه: مشروعية تضمير الخيل؛ لما فيه من التدرب على الجهاد والتمرين عليه.
وتضمير الخيل هو: أن تُطعم طعامًا كثيرًا حتى تسمن، ثم بعد ذلك تحبس في مكان ويقلل لها الطعام فلا تعطى إلا مقدارًا قليلًا يكفيها، ثم تجلل بالجلال حتى تعرق، ويذهب رهلها، ويخف لحمها، وتشتد سواعدها، وتكون قوية الساعدين، سريعة العَدْو.
وفيه: مشروعية التعلم على ضروب الرماية وأنواعها؛ لما فيه من التمرن والتدرب على الجهاد.
وفيه: مشروعية السباق على الخيل، وعلى الإبل، وعلى الأقدام، لكن إذا كان السباق بعوض فلا يجوز إلا في ثلاث: الخيل، والإبل، والسهام؛ لما جاء في الحديث: ((لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ)) (١).
والخف في الحديث: كناية عن الإبل، والحافر كناية عن الخيل، والنصل كناية عن السهم، وذلك بتقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي ذي خف، أو ذي حافر، أو ذي نصل، ونصل السهم حديدته، وسُمِّي السباق بالخيل رِهانًا، وبالسِّهام نضالًا.
أو غنيمة، فله إحدى الحسنين، إما: الشهادة، وإما الأجر والغنيمة.
وفيها: أن النبي ﷺ يود أن يخرج مع كل سرية، لكن الذي كان يمنعه من ذلك أن أصحابه يريدون أن يشاركوه، وكثير من الصحابة فقير ليست عندهم استطاعة ولا قدرة للجهاد، فيشق عليهم أن يتخلفوا عن النبي ﷺ ، وهو ليس عنده شيء يعينهم به في الجهاد؛ ولذلك كان لا يخرج في السرايا رفقًا بأصحابه.
وفيها: جواز أن يحلف الإنسان لتأكيد كلامه، وإن لم يطلب منه الحلف، و ((أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْلِفُ: «لا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ)) (١)، فنفوس العباد كلها بيد الله.
وفيها: إثبات اليد لله على ما يليق بجلاله.
وقوله: ((وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ)) العَرف: الريح، يعني: والريح ريح المسك.
وقوله: ((تَكَفَّلَ)) تكفل وتضمن بمعنًى، أي: أن الجنة مكفولة ومضمونة لمن فعل ذلك.
وقوله: ((وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ)) قيل: المراد بكلمته: كلمة الشهادة التي وعدها الله المجاهد في كتابه وعلى لسان رسوله، وكلمة الله تطلق على الخبر والأمر، فالخبر يصدَّق، والأمر ينفَّذ.
وقوله: ((لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ)) الكَلْم: الجرح، والمعنى: ما جُرح جرحًا في سبيل الله إلا ويأتي يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك.
وقوله: ((وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ)) - بفتح العين- من باب: فرح يفرَح، ومعناه: يتفجر.
وقوله: ((وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ))، يعني: والله أعلم بالمخلص الذي جرح في سبيل الله مِن الذي يريد الدنيا، أو المراءاة والشهرة، فالله أعلم
стр. 2831
بمن يجرح في سبيله عن إخلاص وصدق، فلا يقال: فلان شهيد في الآخرة؛ لأنه لا يعلم نيته إلا الله، وإن كان شهيدًا في أحكام الدنيا؛ فلا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن في ثيابه ودمائه، فالله أعلم بأحوال عباده.
стр. 2832
بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى
[١٨٧٧] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)).
[خ: ٢٨١٧]
هذا الحديث فيه: أن كل مؤمن يموت ويرى ما عند الله له من الكرامة، لا يريد أن يرجع إلى الدنيا حتى لو أعطي الدنيا كلها؛ لأنه قد استراح من الدنيا ونصبها وألمها ومتاعبها وهمومها، فلا يرضى الرجوع إليها إلا الشهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة والثواب العظيم، فهو يتمنى أن يعود فيقتل، ثم يعود فيقتل.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)).
[١٨٧٨] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْوَاسِطِيُّ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ ؟ قَالَ: ((لَا تَسْتَطِيعُونَهُ))، قَالَ: فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: ((لَا تَسْتَطِيعُونَهُ))، وَقَالَ- فِي
الشرع نهى عن التبتل (١)، وعن الوصال في الصوم (٢).
قوله: ((لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ)) هذا التحدث ورفع الصوت فى مساجد الجماعات، وإن كان فى باب الخير والعلم، إذا كان وقت اجتماع الناس وانتظارهم الصلاة.
أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ سَوَاءً.
قوله: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ)) الغدوة: بالفتح، المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج من أول النهار إلى انتصافه، والروحة: بالفتح- أيضًا- المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج في المساء من زوال الشمس إلى غروبها.
قوله: ((خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)) يعني: ذهاب المجاهد في سبيل الله خير له من الدنيا وما فيها، ورجوعه خير له من الدنيا وما فيها.
قوله: ((خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ))، أي: خير من الدنيا وما فيها.
هذا الحديث فيه: فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الغدوة والروحة فيه خير من الدنيا وما فيها.
стр. 2837
بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ
[١٨٨٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
قوله: ((مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) من رضي بالله ربًّا، يعني: من آمن بالله وصدقه، ورضي بالإسلام دينًا فانقاد له واتبع أحكامه، وبمحمد ﷺ نبيًّا: فآمن به واتبعه وصدَّقه وحكَّم شريعته- فقد وجبت له الجنة.
هذا الحديث فيه: بيان فضل الجهاد في سبيل الله، وأن المجاهدين لهم درجات عالية في الجنة، وهذا الحديث كقول الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى﴾ فالحسنى: الدرجات العليا من الجنة.
وفيه: أن الرضى يكون بالقلب بالتصديق وبالاتباع، وبتحكيم الشريعة.
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ)).
هذه الأحاديث فيها: فضل الإيمان والجهاد في سبيل الله.
وفيه: أن الشهادة في سبيل الله تكفِّر الخطايا إلا الدَّيْن فإنه من حقوق الناس، وحقوق الناس مبنية على المشاحَّة، لكن هذا الدَّيْن إن كان أخذه المدين وهو ينوي أداءه فإن الله تعالى يُرضي عنه الدائن، وإن كان أخذه لا يريد أداءه فهو مطالَب به؛ لما ثبت في صحيح البخاري ﵀ أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ)) (١)؛ ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذ أموال الناس، وهو لا ينوي الوفاء والأداء.
стр. 2840
بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[١٨٨٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا.
قوله: ((سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ)) هو عبد الله بن مسعود، ويعرف بأصحابه؛ لأن مسروقًا من أصحابه، وكذلك عبد الله بن عمر إذا قيل: عبد الله يعرف بأصحابه، وكذلك ابن عباس يعرف بأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
هذا الحديث فيه: فضل الشهيد، وأنه يحيا حياة برزخية بعد قتله، وأن أرواح الشهداء تتنعم في البرزخ في جوف طير خضر؛ وذلك أن الشهيد لما بذل جسده لله وأبلي جسده عوَّض الله روحه جسدًا آخَرَ تتنعم بواسطته،