أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ سَوَاءً.
قوله: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ)) الغدوة: بالفتح، المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج من أول النهار إلى انتصافه، والروحة: بالفتح- أيضًا- المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج في المساء من زوال الشمس إلى غروبها.
قوله: ((خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)) يعني: ذهاب المجاهد في سبيل الله خير له من الدنيا وما فيها، ورجوعه خير له من الدنيا وما فيها.
قوله: ((خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ))، أي: خير من الدنيا وما فيها.
هذا الحديث فيه: فضل الجهاد في سبيل الله، وأن الغدوة والروحة فيه خير من الدنيا وما فيها.
стр. 2837
بَابُ بَيَانِ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الدَّرَجَاتِ
[١٨٨٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ))، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ))، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
قوله: ((مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) من رضي بالله ربًّا، يعني: من آمن بالله وصدقه، ورضي بالإسلام دينًا فانقاد له واتبع أحكامه، وبمحمد ﷺ نبيًّا: فآمن به واتبعه وصدَّقه وحكَّم شريعته- فقد وجبت له الجنة.
هذا الحديث فيه: بيان فضل الجهاد في سبيل الله، وأن المجاهدين لهم درجات عالية في الجنة، وهذا الحديث كقول الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحسنى﴾ فالحسنى: الدرجات العليا من الجنة.
وفيه: أن الرضى يكون بالقلب بالتصديق وبالاتباع، وبتحكيم الشريعة.
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ)).
هذه الأحاديث فيها: فضل الإيمان والجهاد في سبيل الله.
وفيه: أن الشهادة في سبيل الله تكفِّر الخطايا إلا الدَّيْن فإنه من حقوق الناس، وحقوق الناس مبنية على المشاحَّة، لكن هذا الدَّيْن إن كان أخذه المدين وهو ينوي أداءه فإن الله تعالى يُرضي عنه الدائن، وإن كان أخذه لا يريد أداءه فهو مطالَب به؛ لما ثبت في صحيح البخاري ﵀ أن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ)) (١)؛ ولهذا لا يجوز للإنسان أن يأخذ أموال الناس، وهو لا ينوي الوفاء والأداء.
стр. 2840
بَابُ بَيَانِ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[١٨٨٧] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟ ! فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا.
قوله: ((سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ)) هو عبد الله بن مسعود، ويعرف بأصحابه؛ لأن مسروقًا من أصحابه، وكذلك عبد الله بن عمر إذا قيل: عبد الله يعرف بأصحابه، وكذلك ابن عباس يعرف بأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
هذا الحديث فيه: فضل الشهيد، وأنه يحيا حياة برزخية بعد قتله، وأن أرواح الشهداء تتنعم في البرزخ في جوف طير خضر؛ وذلك أن الشهيد لما بذل جسده لله وأبلي جسده عوَّض الله روحه جسدًا آخَرَ تتنعم بواسطته،
стр. 2841
وهي حواصل طير خضر؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ)).
وأما المؤمن غير الشهيد فإنه إذا مات تنتقل روحه للجنة، وتتنعم وحدها، وتأخذ شكل طائر، كما جاء في الحديث الآخر عن النبي ﷺ قال: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ ﵎ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ)) (١)، يعني: يأكل من ثمر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثون.
وفيه: أن أرواح الشهداء في عيش طيب، فإن الله تعالى يطلع عليهم فيقول لهم: ((هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا)).
وفيه: أنهم تمنوا أن ترد أرواحهم إلى أجسامهم ليُقتلوا في سبيل الله تعالى مرة أخرى حتى يزيد ثوابهم وأجرهم، والله تعالى كتب أن أهلها لا يرجعون.؟ !
والشهداء أحياء حياة برزخية بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ فهذا دليل على أنهم أحياء، وليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية خاصة، وليست كالحياة الدنيا.
стр. 2842
بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ
[١٨٨٨] حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
[خ: ٢٧٨٦]
حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فَقَالَ: ((وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ))، وَلَمْ يَقُلْ: ((ثُمَّ رَجُلٌ)).
هذا الحديث فيه: أن أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه، وهذه هي التجارة الرابحة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ وهو في أعلى المنازل، ثم ((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ))، قال العلماء: إنما يكون هذا في أوقات الفتن والحروب، وانتزاع الخير من المدن والقرى، إذا لم يكن فيها جمعة ولا جماعات، ولا وعظ فيها ولا إرشاد، فمن خاف على نفسه أن يفتن
стр. 2843
في دينه فإن له أن ينتقل من المدن والقرى إلى البرية، يعبد الله في شعب من الشعاب، ويتخذ غنمًا، وهذا مثل الحديث الآخر الذي يقول فيه النبي ﷺ : ((يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ، وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ)) (١).
ثم إن من يخالط الناس، ويصبر على آذاهم، أفضل ممن لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، كما ورد في الحديث (٢)، وهذا هو طريق الأنبياء، يخالطون الناس، ويصبرون على آذاهم، ويدعون إلى الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعظون الناس ويرشدونهم.
قوله: ((فِي غُنَيْمَةٍ)) بضم الغين مصغرًا، تصغير غنم، أي: قطعة فيها.
وقوله: ((فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ)) الشعفة- بفتح الشين والعين-: أعلى الجبل.
هذا الحديث فيه: أن هذا الرجل الذي يمسك عنان فرسه، كلما سمع صوت الداعي للجهاد طار على ظهر فرسه، وسارع إلى الجهاد؛ يبتغي بذلك الشهادة.
ومن المسارعة للجهاد في سبيل الله: إعداد العدة، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة، ففي أوقات يكون بالخيل، وفي أوقات أخرى يكون بالسلاح، مثل الأسلحة المتطورة الحديثة، ويكون عنده استعداد وإلمام وتمرين، حتى إذا ما دعا داعي الجهاد سارع.
وأما الرجل الثاني فهو رجل في قطعة غنم في شعف الجبال يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، ويدع الناس من شره، وهذا في أوقات الفتن كما سبق.
وفيه: فضيلة الجهاد والرباط والحرص على الشهادة.
بَابُ مَنْ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ
[١٨٩١] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا)).
[١٨٩٤] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ))، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ)).
هذا الحديث فيه: أنه لا يجتمع المسلم مع الكافر في دركة واحدة؛ لأن دركة العاصي غير دركة الكافر، فالعاصي يعذَّب في الطبقة العليا من النار، ولا تصلاه النار من جميع الجهات، وكذلك: حرم الله على النار أن تأكل وجوه المصلين، وإذا دخل النار يعذب على قدر معاصيه، ثم يخرج منها.
بخلاف الكافر؛ فإن النار تصلاه من جميع الجهات، في الدركات السفلى من النار.
стр. 2848
بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَضْعِيفِهَا
[١٨٩٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ، فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةُ نَاقَةٌ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
قوله: ((مَخْطُومَةٌ)) الخطام قريب من الزمام، فخطام البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل في أحد طرفيه حلقة ثم يشد فيه الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقاد البعير، ثم يثنى على مخطمه. وأما الذي يجعل في الأنف دقيقا فهو الزمام (١).
هذا الحديث فيه: فضل النفقة في سبيل الله، وأنها تُضاعف لسبعمائة ضعف، وهذا الحديث كقول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.
وقوله: ((فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ)) القرن: الجعبة.
هذا الحديث فيه: مشروعية بعث العيون والجواسيس؛ لمعرفة أخبار العدو.
وفيه: أن الإمام قد يوري في الغزوة حتى لا يعلم الأعداء بأمره.
وفيه: طلب الشهادة والشوق إلى لقاء الله إذا قوي الإيمان.
وفيه: أنه لا بأس من الانغماس في صفوف الأعداء في وقت القتال، ولو أدى ذلك إلى شهادته، وأن هذا لا يعتبر من إلقاء النفس في التهلكة، واستدل به بعض المعاصرين على مشروعية الأعمال الانتحارية، بأن ينغمس أحدهم في الكفار ويفجر نفسه! وهذا فيه نظر؛ لأن عمير بن الحمام ﵁ لم يتعمد قتل نفسه، وإنما قتله الكفار، وكذلك الصحابة الذين شاركوا في غزو الروم لما جاء رجل ودخل في صف الكفار، وقالوا: ((سُبْحَانَ اللهِ يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ)) (١).
[١٩٠٢] حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى التَّمِيمِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى- قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي- وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ))، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، آنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ، فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ.
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
[خ: ١٢٣]
في هذه الأحاديث: فضل الإخلاص لله عامة، وفي الجهاد خاصة، وأن الأعمال لا تكون مقبولة عند الله إلا بالإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وذلك دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ والإخلاص هو: قصد الإنسان بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد رياء ولا سمعة ولا حمية، ولا دنيا ولا جاهًا ولا منصبًا، ولا أي مقصد آخر، فإذا تخلف الإخلاص حل محله الشرك.
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ((إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) (١)، وفي الصحيحين- أيضًا- من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)) (٢)، وفي لفظ لمسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)) (٣).
أما القتال للدفاع عن الوطن، وعن النفس وعن الأهل، وعن المال، فإن المقتول في ذلك شهيد، لكنه ليس كشهيد المعركة الذي يُدفن في ثيابه، ولا يغسل ولا يُصلَّى عليه.
стр. 2864
فالمقتول للدفاع عن الوطن شهيد في الفضل والأجر؛ لذلك يُغسَّل وُيصلَّى عليه، وكذلك الشهداء الآخَرون، كالمبطون، والغريق، والحريق، والمقتول ظلمًا دفاعًا عن نفسه، أو أهله، أو بلده، أو وطنه، هؤلاء كلهم شهداء في الفضل والأجر.
قوله: ((تَفَرَّجَ النَّاسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة))، أي: تفرقوا بعد اجتماعهم.
هذا الحديث فيه: بيان عظم شأن الإخلاص، وأنه لا بد منه حتى يكون العمل مقبولًا، وفيه: دليل على أن الرياء محبطٌ للأعمال، ومن أسباب دخول النار.
وفيه: دليل على أن الفضل الوارد في المجاهدين، وفي العلماء، وفي غيرهم إنما هو للمخلصين الذين أخلصوا أعمالهم لله، أما المجاهدون الذين يجاهدون رياءً، وكذلك القراء والعلماء الذين يقرؤون ويتعلمون رياءً، وكذلك المنفقون الذين ينفقون في وجوه الخيرات رياءً- فإن أعمالهم حابطَة، وهم على خطر من دخول النار.
стр. 2867
بَابُ بَيَانِ قَدْرِ ثَوَابِ مَنْ غَزَا فَغَنِمَ، وَمَنْ لَمْ يَغْنَمْ
[١٩٠٦] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي هَانِئٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ)).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ، أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ)).
هذا الحديث فيه: فضل السرية إذا غزت، وأخفقت ولم تغنم، فإن أجرهم وثوابهم كامل عند الله ﵎، وهذا فيه تعزية لمن أصيب من المجاهدين.
وفيه: أنهم إذا غنموا وسلموا تعجلوا ثلثي أجرهم.
ومن ثم آثر كثير من السلف قلة المال وقنعوا به إما ليتوفر لهم ثوابهم في الآخرة وإما ليكون أقل لحسابهم عليه (١).
عبد الرحمن بن المهدي: ((ينبغي أن نضع هذا الحديث في كل باب)) (١).
وهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، وأجمع العلماء على صحته، مع أنه حديث صحيح غريب، ما رواه عن النبي ﷺ إلا عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولا رواه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولا رواه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم انتشر بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، ورواه عنه ما يقرب من مائتي إنسان.
قوله: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ))، أي: لا عمل إلا بالنية.
ثم مثَّل النبي ﷺ بعملين؛ أحدهما: مبني على النية الخالصة، والثاني: مبني على إرادة الدنيا، فَقَالَ: ((فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ))، يعني: من كان يقصد بهجرته الله والدار الآخرة فله أجر الهجرة، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو أمرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
وهذا الحديث فيه: بيان أن المجاهد ينبغي له أن يقصد في جهاده وجه الله والدار الآخرة وإعلاء كلمة الله.
стр. 2870
بَابُ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى
[١٩٠٨] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ)).
[١٩٠٩] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى- وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ- قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)).
وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ فِي حَدِيثِهِ: ((بِصِدْقٍ)).
هذا الحديث فيه: فضل طلب الشهادة بصدق، وأن من طلب الشهادة بصدق ثم مات على فراشه كتب الله له أجر الشهيد، وهذا الفضل مقيد بأن يسعى بصدق في طلب الشهادة، فمن كان هذا شأنه فإن الله سبحانه يبلغه منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.
стр. 2871
بَابُ ذَمِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ
[١٩١٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)).
قَالَ ابْنُ سَهْمٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
قوله: ((فَنُرَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) هذا التقييد من عبد الله بن المبارك اجتهاد منه ﵀.
أما كون هذا الحديث خاصًّا بمن كان على عهد الرسول ﷺ ففيه نظر، والصواب: أنه عام في كل زمان وعهد، وأن من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق.
فينبغي على الإنسان أن يكون على استعداد لجهاد الكفار والمشركين، وأن يتهيأ لذلك، بحيث يحدث به نفسه، ويكون له على بال، فإذا حصلت فرصةٌ جاهد في سبيل الله؛ حتى لا يكون من المعرضين المتخلفين عن الجهاد كالمنافقين.
стр. 2872
بَابُ ثَوَابِ مَنْ حَبَسَهُ عَنِ الْغَزْوِ مَرَضٌ، أَوْ عُذْرٌ آخَرُ
[١٩١١] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ)).
وَحَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ يَحيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ)).
قوله: ((شَرِكُوكُمْ)) - بكسر الراء-، بمعنى: شاركوكم.
هذا الحديث فيه: أن الإنسان إذا أراد العمل الصالح ومنعه منه مانع فإنه يحصل له الأجر بنيته، والدليل على ذلك: حديث أبي موسى: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)) (١)، يعني: من كان يصلي في الليل ثم مرض ولم يستطع القيام فإن الله يكتب له في مدة مرضه أجر صلاته التي لم يصلها، ومن كان يصوم الاثنين والخميس ثم مرض ولم يستطع صومهما لمرض، أو سفر فإن الله يكتب له أجر الصوم.
فَغَزَا فِي الْبَحْرِ، فَحَمَلَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ قُرِّبَتْ لَهَا بَغْلَةٌ، فَرَكِبَتْهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا.
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، وَيَحيَى بْنُ يَحيَى قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ حَبَّانَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ خَالَتِهِ- أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ- أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
وَحَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ابْنَةَ مِلْحَانَ- خَالَةَ أَنَسٍ- فَوَضَعَ رَأْسَهُ عِنْدَهَا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحيَى بْنِ حَبَّانَ.
هذا الحديث فيه: أن أم حرام بنت ملحان كان بينها وبين النبي الله ﷺ محرمية، قال النووي ﵀: ((اتفق العلماء على أنها كانت محرما له ﷺ ، واختلفوا فى كيفية ذلك، فَقَالَ بن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة (١)، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار)) (٢).
قلت: وهذا أولى ممن قال: إنها ليست محرمًا له، وأن هذا خاص بالنبي ﷺ أنه يدخل على غير محارمه، وهذا ليس بشيء.
وفيه: دليل على أن المحرم يدخل على محرمه وتفلي رأسه وتطعمه ويخلو بها، والنبي ﷺ كغيره في ذلك.
стр. 2875
وفيه: عَلَم من أعلام النبوة؛ حيث أخبر النبي ﷺ : أن أُمَّ حَرَامٍ ستكون من الذين يركبون البحر كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ فكانت منهم.
وفيه: جواز ركوب البحر للرجال والنساء.
وفيه: أن المجاهد إذا خرج للجهاد ثم مات في الطريق- ذهابًا أو إيابًا- فهو في سبيل الله، كما في قصة أم حرام؛ فإنها لما رجعت سقطت من دابتها، فصرعتها دابتها فماتت، فاعتبرها النبي ﷺ من الغزاة المجاهدين الأولين، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وفيه: أن المرأة إذا خرجت فإنها لا تباشر القتال، كما سبق في الأحاديث، وإنما تكون مع الغزاة تطعمهم وتسقيهم، وتداوي الجرحى.
وفيه: حرص أُمِّ حرام ﵂ على الخير.