← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وفيه: أن توحيد الربوبية من أقر به وحده فلا ينفعه، ويدخل صاحبه النار، فكفار قريش آمنوا بتوحيد الربوبية، ولم ينفعهم، فالربوبية وحدها لا يحصل بها الخلاص من النار، حتى يوحد توحيد العبادة؛ لأن توحيد الربوبية مفطورة عليه جميع الأمم إلا من شذ، وليس هناك نزاع بين الأمم وبين الرسل فيه، وكفار قريش- وهم أشد عداوة للرسول ﷺ كانوا يقرون بالربوبية، إنما النزاع في توحيد العبادة، وقد يوجد بعض أهل الجاهلية ممن يشرك في الربوبية، كمن يعتقد أن روح الميت تخرج، وأنها تجيب من دعاها، وتنصر من لاذ في حماها، فهذا نوع من شرك الربوبية، ولكنه قليل. يقول النبي ﷺ : ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)) (١)، وقال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، أي: إذا أُنزل القرآن، وأُرسل الرسول فقد قامت الحجة. ومن مات على الشرك فيُشهد عليه على العموم بقوله ﷺ : ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)) (٢). كما أنه لا يُشهد لمؤمن بعينه بالجنة، إلا من شهدت لهم النصوص كالعشرة المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 387

بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [٢٠٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ، وَخَصَّ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا)). وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَحَدِيثُ جَرِيرٍ: أَتَمُّ وَأَشْبَعُ. قوله: ((غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا))، يعني: سأصلها بصلتها، شبَّه قطيعة الرحم بالحرارة، وشبه صلة الرحم بالماء الذي يخفف هذه الحرارة، وهو دليل على امتثاله ﵇ لقول الله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. وهذا الحديث فيه: دليل على أنه ﵊ لا يملك أن يخرج أحدًا من النار، ولا أن يدخل أحدًا الجنة، وأن هذا ليس بيده، بل بيد الله ، ولهذا قال: ((لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا)) حتى أقرب الناس إليه فاطمة ﵂ قال فيها كما في رواية أخرى: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))، فأنقذي نفسك من النار.

стр. 388

وفيه: الرد على من عبد الرسول ﷺ ، وظنوا أنه يملك شيئًا من هداية القلوب، وتفريج الكروب، وهذا كله بيد الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي﴾ فهو نبي كريم ﷺ يوحى إليه، وهو مبلغ عن الله، لكن ليس بيده شيء من هداية القلوب، وليس باستطاعته أن يخرج أحدًا من النار، ولا يدخل أحدًا الجنة، وإذا شفع ﵊ فإن الله يحدُّ له حدًّا. [٢٠٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَيُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: ((يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ)). قوله: ((لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ))، يعني: اسألوني الدنيا، أما الآخرة فلا أستطيع أن أنقذكم فيها من النار. وهذا الحديث فيه: الرد على الغلاة القائلين: إن الرسول ﷺ يملك الدنيا والآخرة، كما يقول البوصيري يخاطب الرسول ﷺ (١): يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ ... سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الحَادِثِ العَمَمِ يقول: ما لي إلا أنت إذا عمَّ الحادثُ العمِمُ، وهو يوم القيامة. ويقول (٢): فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا ... وَمِنْ عُلُومِكِ عِلْمُ اللَّوْحِ والقَلَمِ وهذا من أعظم الشرك! يقول: من جودك- يا محمد ﷺ الدنيا

стр. 389

وضرتها، وهي الآخرة، فأنت تملك الدنيا والآخرة، فماذا أبقى لله؟ ! لم يُبقِ شيئًا لله، فإن كان له الدنيا والآخرة، ومن علومه علم اللوح المحفوظ، والقلم الذي يكتب! وكيف يقال هذا والنبي ﷺ يقول: ((لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا))، ويقول الله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا والأمر يومئذٍ لله﴾، ولكنه عمى البصيرة- والعياذ بالله! [٢٠٦] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)). وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا. [٢٠٧] حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى: ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ، إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ، فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ)). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو وَقَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.

стр. 390

[٢٠٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحَاهْ))، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ))، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ! ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الأَعْمَشُ، إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وأَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ- بِهَذَا الإِسْنَادِ- قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الصَّفَا، فَقَالَ: ((يَا صَبَاحَاهْ))، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الآيَةِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾. قوله: ((إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ))، أي: إلى صخرة من صخور عظام بعضها فوق بعض. قوله: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا))، يعني: اشتروا أنفسكم بالتوحيد والأعمال الصالحة التي ينقذكم الله بسببها من النار، ولا تقولوا: إن قُرْبَنَا من محمد ﷺ سينقذنا من النار، فلن ينقذكم قربكم مني إلا بالعمل الصالح.

стр. 391

بَابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي طَالِبٍ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ بِسَبَبِهِ [٢٠٩] وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدمي، ومحمد بن عبد الملك الأموي قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)). حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ، فَهَلْ نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ)). وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ. [٢١٠] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)). في هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ يشفع لعمه أبي طالب؛ وذلك لأن أبا طالب كان يحوط النبي ﷺ ، ويغضب له، وينصره، فخف كفره، فلما خف كفره شفع له النبي ﷺ شفاعة خاصة به، وهي مستثناة من قوله تعالى:

стр. 392

﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾، وهي ليست شفاعة في إخراجه من النار، وإنما شفاعة في تخفيف العذاب، وهي خاصة بالنبي ﷺ ، وخاصة بأبي طالب، فلا يشفع أحد في الكفار، ولا يُشفع في غير أبي طالب، ومع ذلك فهي شفاعة تخفيف العذاب، لا شفاعة إخراج من النار، فهو ((فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نَارٍ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)) وفي لفظ آخر، كما سيأتي: ((مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذابًا))، وهو أهون أهل النار عذابًا- نسأل الله السلامة والعافية. وقوله: ((وَلَوْلَا أَنَا)) يحتمل أنه تصرفٌ من بعض الرواة، وأنه روى الحديث بالمعنى، ويحتمل أن هذا كان أولًا، ثم نهي عن ذلك. وقوله: ((فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ)) يطلق الضحضاح على الماء القليل الذي يكون في قعر الإناء (١)، فأخرجه الله بشفاعة النبي ﷺ من غمرات النار التي كان منغمسًا فيها إلى ضحضاح قليل، يغلي منها دماغه. وقوله: ((فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ)) الكعب هو العظمتان الناتئان في جنب القدم، فالضحضاح يصل إلى الكعب، ومع ذلك يغلي دماغه من هذا الضحضاح- نسأل الله العافية. وقوله: ((يَغْلِي))، يعني: يضطرب ويتحرك، كما يغلي الماء الذي يكون في القدر الذي تحته النار، فإذا كان هذا في ضحضاح من نار فكيف بالذي في وسط الغمرات؟ ! - نسأل الله تعالى السلامة والعافية.

стр. 393

بَابُ أَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا [٢١١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، يَنْتَعِلُ بِنَعْلَيْنِ مِنَ نَارٍ، يَغْلِي دِمَاغُهُ مِنْ حَرَارَةِ نَعْلَيْهِ)). [٢١٢] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)). [٢١٣] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)). وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنَ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا، وَإِنَّهُ لَأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا)). في هذه الأحاديث: بيان أهون أهل النار عذابًا، وأنهم أربعة: الأول: مَن في ضحضاح من نار يغلي منها دماغه. الثاني: مَن له نعلان من نار يغلي منهما دماغه.

стр. 394

الثالث: مَن في أخمص قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه. الرابع: مَن له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، والشراكان هما السيران اللذان يكونان على ظهر القدم، ويكون على نعل القدم في كل رجل سير، فسير نعله يكون من نار يغلي منهما دماغه. وقوله: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ)) الظاهر: أنه أخف أهل النار من الكفرة، أما العصاة الموحدون فلا يقال عنهم: أهل النار؛ لأن دخولهم للتطهير. وقوله: ((أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَتَانِ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ)) الأخمص هو أسفل القدم في وسط الرِّجل بعد الأصابع وقبل آخر الرجل المنخفض في وسط الرجل (١). وقوله: ((يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِ الْمِرْجَلُ)) المرجل: القدر الذي تحته النار. وقوله: ((أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا)) يدل على أن كل واحد من هذه الأنواع مقارب للآخر، فهؤلاء الأربعة كلُّهم أخفُّ أهل النار عذابًا، ولا ينفي أن يكون هناك أحد يساويه، فهو أهونهم، لكن هناك من يساويه، فمن هو في ضحضاح يساويه، ومن له نعلان يساويه، ومن له شراكان يساويه، كقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه﴾، وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم من افترى على الله كذبًا﴾ فهذا أظلم الناس، ولا أحد أظلم منه، لكن هناك من يساوي له، كما في الآيات الأخرى التي فيها: ﴿ومن أظلم﴾، و ﴿فمن أظلم﴾.

стр. 395

بَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ [٢١٤] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: ((لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)). قوله: ((لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) المعنى: أنه لم يؤمن بيوم القيامة، وهذا كفر، والكافر لا ينفعه أي عمل، فابن جدعان كان لا يؤمن بيوم القيامة، ولا يؤمن باليوم الآخر، فلا ينفعه أي عمل. والكفر أنواع: منه: عدم الإيمان بالله تعالى، وعدم الإيمان بالملائكة، أو الكتب، أو الرسل، أو اليوم الآخر، أو القدر. وأهل الجاهلية كانوا يتفاوتون، لكن أغلبهم كان يعبد الأصنام والأوثان، ومنهم من يجمع بين ذلك كله، ومنهم من لا يؤمن بيوم القيامة كابن جدعان، ومنهم من كان يجمع بين الأمرين، فيعبد الأصنام، ولا يؤمن بالآخرة؛ ولهذا لم ينفعه عمله. وإن كان عمله هذا ينفعه في الدنيا، فهو في الآخرة لا حسنات له. فالأعمال شرط نفعها وشرط صحتها الإيمان، فإذا لم يكن الإنسان مؤمنًا فلا ينفعه أي عمل؛ كصلة الرحم، والصدقات، لكنها تنفعه في الدنيا، فَيُعجَّل له ثوابه. هذا الحديث فيه: بيان أن ابن جدعان قد بلغته الدعوة؛ ولهذا لم تنفعه أعماله الصالحة، فظاهر الحديث: أنه بلغته الدعوة مثل والد الرسول ﷺ ، الذي قال فيه: ((إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ)).

стр. 396

بَابُ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُقَاطَعَةِ غَيْرِهِمْ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ [٢١٥] حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ- يَقُولُ: ((أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ، وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)). قوله: ((أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ))، يعني: ليسوا بأصحاب ولا أصدقاء ولا أهل مودة؛ لأنهم كفار. وقوله: ((إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ)): فيه أن أولياء النبي ﷺ هم المؤمنون، وإن بعدوا منه نسبًا، وأن غير المؤمنين ليسوا أولياءه، وإن قربوا منه نسبًا، فأولياء المؤمن هم المؤمنون، وإن بعُد نسبهم، وغير المؤمنين ليسوا له بأولياء، وإن قربوا نسبًا، وإن كانوا أباءه، أو إخوانه، أو أمهاته. وقوله: ((أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ)) قال الراوي: ((آلَ أَبِي- يَعْنِي: فُلَانًا))؛ لأنه يحتمل أن يترتب على تسميته مفسدة، وقال أبو بكر ابن العربي: المراد: آل أبي طالب، وقال غيره: المراد: آل أبي العاص بن أمية (١). وهذا الحديث فيه: دليل على أن ولي الإنسان هم المؤمنون، أما الكفار فليسوا أولياء وإن كانوا أقارب، لكن لا يمنع هذا من كون الإنسان يحسن إلى أقاربه الكفار إن كانوا غير حربيين، كما قال الله تعالى- في الوالدَين الكافرَين-: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾،

стр. 397

ثم قال: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفًا﴾، وثبت في الصحيحين أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ استفتت النبي ﷺ ، وقالت: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ )) قَالَ: ((نَعَمْ صِلِيهَا)) (١)، وقال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ فالإحسان الدنيوي شيء، والموالاة والمحبة شيء آخر.

стр. 398

بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى دُخُولِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ))، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)). وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ الرَّبِيعِ. حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ))، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)). قوله: ((فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ)) النمرة: قطعة من القماش مخططة (١).

стр. 399

وقوله: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)) هذا من الآداب الحسنة التي يعلمنا إياها النبي ﷺ ، فإن الرجل الآخر الذي قال: ((ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ)) يحتمل أن يكون منهم، ويحتمل أن لا يكون منهم، لكن النبي ﷺ سدَّ الباب؛ لأنه لو قال للآخر: أنت منهم، لقام ثالث، ثم رابع، وهكذا يتتابع الناس، ويحتمل أن يقوم من ليس منهم فيسأله مثلما سألوا فيكون رسول الله ﷺ حينها بين خيارين؛ الأول: أن يخبره بأنه ليس منهم، وهذا فيه جرح لمشاعره، والنبي ﷺ ليس من خلقه أن يواجه أحدا بمثل ذلك، والثاني: ألا يخبره ولا يدعو له، فيبقى في نفس السائل مترددا بين الأمرين، وفي كلتا الحالتين يسبب له إحراجا وهو ما لا يفعله رسول الله ﷺ لما أوتي من خلق كريم وأدب عظيم. فسدَّ النبي ﷺ الباب بأسلوب مناسب، وقال: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ))، حتى صار هذا مثلًا من الأمثال، يقال: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)) لمن أتى بعد الأول. هذا الحديث فيه: الشهادة لعكاشة بن محصن ﵁ بأنه من أهل الجنة، وأنه من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة من غير سابقة حساب ولا عذاب. وفيه: بيان أن من هذه الأمة سبعون ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب، وأنهم أول زمرة يدخلون الجنة، وأن وجوههم على صورة القمر ليلة البدر في الإضاءة، وجاء في حديث آخر: ((وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سبعين أَلْفًا، وَثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي)) (١)، ثلاث حثيات لا يعلم عددها إلا الله تعالى، وفي ذلك فضل عظيم. وفيه: دليل على أن من يدخل الجنة بغير حساب ليسوا قليلين، فهم سبعون ألفًا، مع كل ألف منهم سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات الله تعالى، فإذا ضربت سبعين ألفًا في سبعين فيكون الناتج: أربعة آلاف ألف وتسعمائة ألف، أي: حوالي خمسة ملايين، أضف إليها ثلاث حثيات من حثيات الله ، وهذا لا يعلم مقداره إلا الله، فالحثيات غير معلومة، فهذا

стр. 400

فضل الله الكبير، وجاء في حديث آخر من حديث المسعودي، قال: حدثني بكير بن الأخنس، عن رجل عن أبي بكر الصديق، قال: قال رسول الله ﷺ : ((فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا)) (١) لكنه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة، فإن فيه من لم يسم، وفيه المسعودي وقد اختلط. [٢١٧] وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا زُمْرَةٌ، وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ)). [٢١٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدٍ- يَعْنِي: ابْنَ سِيرِينَ- قَالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ)) قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، فَقَامَ عُكَّاشَةُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((أَنْتَ مِنْهُمْ))، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)). حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ عُمَرَ أَبُو خُشَيْنَةَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ الأَعْرَجِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ)) قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((هُمُ الَّذِينَ، لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)). قوله: ((هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) أضف إليه ما جاء في الحديث الآخر: ((وَلَا يَتَطَيَّرُونَ))، فتكون أعمالهم أربعة، وهي

стр. 401

أعمال السبعين ألفًا. وقوله: ((وَلَا يَسْتَرْقُونَ))، أي: لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم؛ لأن الرقية فيها ميل إلى الغير، والتفات القلب إلى المخلوق، وإن كان الاسترقاء جائزًا، وهؤلاء الذين يدخلون الجنة بلا حساب لأنهم لا يفعلون الذي هو خلاف الأولى، فلا يطلبون من أحد أن يرقيهم، والهمزة والسين والتاء في الفعل: (اسْتَرقَى) وهو الماضي من قوله: ((يَسْتَرْقُونَ)) للطلب، يعني: لا يطلبون أحدًا أن يرقيهم، ولكن إذا دعت الحاجة إلى ذلك وتعيَّن طريقا للعلاج فلا بأس، فَيُحمل هذا على أنه يكون عند عدم الحاجة؛ لأن النبي ﷺ رقاه جبريل ﵇ (١)، وأمر أسماء بنت عميس ﵂ أن تسترقي لأولاد جعفر من العين (٢)، وإن لم يطلب جبريل من النبي ﷺ أن يرقيه، كما يقال: آخر الطب الكي. وقوله: ((لَا يَكْتَوُونَ)) الكي فيه تعذيب بالنار، فهم يجعلون الكيَّ آخِرَ الأمر، إذا لم يجدوا غيره في الطب يستعملونه؛ وذلك لما فيه من التعذيب بالنار، كما يقال: آخِرُ الطبِّ الكيُّ، إذا لم تجد غيره فلا بأس؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- أَوْ: يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ- خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ)) (٣)، فإذا دعت الحاجة إليه بأن تعيَّن للعلاج فلا بأس، لكن لا يبدأ به الإنسان، بل يجعله آخِرَ العلاج. وقوله: ((وَلَا يَتَطَيَّرُونَ)) هذا من الأعمال الشركية، والتطير هو: التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، بأن يتطير بشيء فيرده عن حاجته، أو يمضيه في حاجة بعد عدوله عنها، وهذا هو التطير، كما في الحديث: ((إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا

стр. 402

أَمْضَاكَ، أَوْ رَدَّكَ)) (١). والطِّيَرَة شرك أصغر، وقد تكون شركًا أكبر إذا اعتقد أن لها تأثيرًا في الأشياء، أو أن لها تصرفًا في الكون، أو صرف إليها شيئًا من أنواع العبادة، وإلا فإن الأصل أن الطيرة شرك أصغر، وهو ينافي التوكل. وقوله: ((وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) هذا ختام أعمالهم، أنهم يتوكلون على الله، ويفوضون أمورهم إليه، مع فعل الأسباب النافعة، فالتوكل يشمل أمرين: فعل الأسباب المشروعة والمباحة، وتفويض الأمر إلى الله في حصول النتيجة. [٢١٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي: ابْنَ أَبِي حَازِمٍ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ))، لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيَّهُمَا قَالَ: ((مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ)). [٢٢٠] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﵇ وَقَوْمُهُ،

стр. 403

وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ))، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَلَا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ((مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ ))، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: ((هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((أَنْتَ مِنْهُمْ))، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، ثُمَّ ذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ هُشَيْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِ. قوله: ((أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ)) لما قال: أنا، خشي أن يُظَنَّ أنه يصلي، فأراد أن يبعد عن نفسه شبهة الرياء، فقال: لم أكن أصلي، ولكن الذي جعلني أستيقظ في منتصف الليل أنه لدغتني عقرب. وفيه: بعد السلف عن الرياء، وحذرهم من أن يتزين الإنسان بما ليس فيه. وقوله: ((فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ ))، يعني: ماذا عملت حين لدغت؟ وقوله: ((قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ))، يعني: طلبت أحدًا يقرأ عليَّ الرقية. وقوله: ((قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ )): فيه مطالبة الإنسان بالدليل فيما لا

стр. 404

يعلمه، فكأنه قال: هاتِ الدليل، لماذا استرقيت؟ قال حصين: ((قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنْ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ))، يعني: من بلغه الدليل فعمل به فقد أحسن، لكن عندنا دليل آخر سأورده عليك. وقوله: ((لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ، أَوْ حُمَةٍ))، أي: لا رقية أشفى وأولى من الرقية في العينِ والحُمَةِ. والعين: إصابة العائن غيرَه بعينه، والعائن هو الذي تتكيف نفسه فيخرج من نفسه شيء، فتساعده الأرواح الشيطانية فيصاب المعين بالعين. والحُمَةُ: سُمُّ كلِّ شيءٍ يلدغ، أو يلسع. وليس معناه: أن الرقية لا تكون إلا في هذين النوعين، بل المعنى: أن الرقية في هذين النوعين أولى وأشفى من غيرها، وأما ما عداها من الأمراض فلا بأس في الرقية؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ((اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)) (١) فالرقية في كل شيء جائزة، ما لم يكن فيها شرك، لكن في هذين النوعين من المرض تكون أولى وأشفى. وقوله: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ)): فيه بيان عرض الأمم، وأنهم عرضوا على النبي ﷺ ، وهذا في ليلة الإسراء، عرضت عليه الأمم وأتباعهم، وأن بعضهم عرض عليه ومعه الرهيط، وهي تصغير رهط، والرهط من الثلاثة إلى العشرة، وبعضهم عرض عليه ليس معه إلا رجلان، وبعضهم ليس معه إلا رجل، وبعضهم ليس معه أحد، فهم يتفاوتون، ومع ذلك فقد بلَّغوا رسالة ربهم، وأدوا ما عليهم، قال تعالى: ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله

стр. 405

يهدي من يشاء﴾. وقوله: ((إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى ﵇ وَقَوْمُهُ)): فيه دليل على أن أتباع موسى كثيرون. وقوله: ((فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ)): فيه دليل على كثرة أتباع نبينا ﷺ ، وأنه أكثر الأنبياء تبعًا، كما قال ﵊: ((مَا مِنَ الأَنْبِياءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ- أو: آمَنَ- عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ)) (١)، وهذا الذي حصل، فهو أكثر الأنبياء أتباعًا ﷺ . وهذا الحديث ساقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب: (التوحيد)، باب: ((من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب)) (٢). وقوله: ((فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ)): فيه حرص الصحابة على الخير، فهم يقولون: من هم الذين يدخلون الجنة من غير حساب! حتى ذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ ، فأخبرهم بصفاتهم. وهذه الرواية فيها زيادة: ((هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون)) فالأحاديث السابقة فيها أربع صفات، وهنا زيادة: ((لا يَرْقُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ)). ولفظة: ((لَا يَرْقُونَ)) ذهب بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنها وهمٌ من الرواة (٣)، وهكذا قرر سماحة شيخنا عبدالعزيز بن باز ﵀؛ لأنه خلا منها أكثر الأحاديث، قال ابن القيم ﵀: ((زاد مسلم وحده ((ولا يَرْقُون)) فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذه الزيادة وهم من

стр. 406

الراوي لم يقل النبي- ﷺ : ((ولا يرقون))، لأن الراقي محسن إلى أخيه، وقد قال النبي ﷺ وقد سئل عن الرقى فقال: ((من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) (١)، وقال: ((لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك)) (٢)، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن نافع)) (٣). ويمكن توجيه الراقي كما وُجِّه المسترقي، وذهب إلى هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري، قال: ((وقد أنكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية هذه الرواية، وزعم أنها غلط من راويها، واعتل بأن الراقي يحسن إلى الذي يرقيه، فكيف يكون ذلك مطلوبَ الترك؟ ! وأيضًا فقد رقى جبريل النبي ﷺ ، ورقى النبي أصحابه، وأذن لهم في الرقى، وقال: ((من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل))، والنفع مطلوب، قال: وأما المسترقي فإنه يسأل غيره، ويرجو نفعه، وتمام التوكل ينافي ذلك، قال: وإنما المراد وصف السبعين بتمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم، ولا يكويهم، ولا يتطيرون من شيء، وأجاب غيره بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وسعيد بن منصور حافظ، وقد اعتمده البخاري ومسلم، واعتمد مسلم على روايته هذه، وبأن تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه، والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المسترقي؛ لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من غيره أن يرقيه تامُّ التوكل، فكذا يقال له، والذي يفعل غيرُه به ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه؛ لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل دلالة على المدَّعَى، ولا في فعل النبي ﷺ له- أيضًا- دلالة؛ لأنه في مقام التشريع وتبيين الأحكام، ويمكن أن يقال: إنما ترك المذكورون الرقى والاسترقاء

стр. 407

حسمًا للمادة؛ لأن فاعل ذلك لا يأمن أن يكل نفسه إليه، وإلا فالرقية في ذاتها ليست ممنوعة، وإنما مُنع منها ما كان شركًا، أو احتمله)) (١)، هذا توجيه الحافظ ﵀، لكن الأقرب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أن لفظة: ((لَا يَرْقُونَ)) وهمٌ، وأيضا فالقول بأن الزيادة من الثقة مقبولة هذا على طريقة المتأخرين، وأما على طريقة المتقدمين فيرون أن كل زيادة لها حكم.

стр. 408

بَابُ كَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ [٢٢١] حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ))، قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ))، قَالَ: فَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، مَا الْمُسْلِمُونَ فِي الْكُفَّارِ، إِلَّا كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي ثَوْرٍ أَسْوَدَ أَوْ كَشَعْرَةٍ سَوْدَاءَ فِي ثَوْرٍ أَبْيَضَ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ))، قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ))، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَاكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ)). حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مَالِكٌ- وَهُوَ ابْنُ مِغْوَلٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى قُبَّةِ أَدَمٍ، فَقَالَ: ((أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَتُحِبُّونَ أَنَّكُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ ))، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ )) قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ)).

стр. 409

هذا الحديث فيه: بيان فضل هذه الأمة، وأنها نصف أهل الجنة، حيث قال ﷺ : ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ)). ولا منافاة بين قوله هنا: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ))، وبين حديث: ((أنهم ثلثا أهل الجنة)) (١)، فيكون النبي ﷺ قد أخبر أولًا أن هذه الأمة نصف أهل الجنة، ثم زاده الله خيرًا، فأخبر أنهم ثلثا أهل الجنة. وقوله: ((قَالَ: فَكَبَّرْنَا)): فيه مشروعية التكبير عند رؤية ما يسر، فالسنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه أن يكبِّر، أو يسبِّح، كما في حديث أطيط العرش، قال: وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ؟ ! )) وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ (٢) - إنكارًا وتعجبًا- ولم يفعل ما يفعله بعض الناس من التصفيق، فالتصفيق من أخلاق الكفار، ومن أخلاق النساء؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، فالمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وقد كان المشركون يتعبدون بذلك، فلا ينبغي للمسلم أن يشاركهم. وقوله: ((أَلَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ)): فيه أن الجنة لا يدخلها إلا مسلم، وهذا مجمع عليه من أهل العلم.

стр. 410

بَابُ قَوْلِهِ: يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ [٢٢٢] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((يَقُولُ اللَّهُ : يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ))، قَالَ: فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ))، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ))، فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ)). حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا قَالَا: مَا أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ فِي النَّاسِ، إِلَّا كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَبْيَضِ، وَلَمْ يَذْكُرَا: أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ. هذا الحديث فيه: إثبات الكلام لله ، وأن الله تعالى تكلم بحرف وصوت يُسمع، وهو ينادي يوم القيامة: ((يَا آدَمُ)) فيسمع آدم الصوت،

стр. 411

فيقول: ((لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ))، فيقول الله : ((أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ))، يعني: الذين هم مهيئون وموجهون إلى النار، فيقول: ((وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ))، فاشتد ذلك على الصحابة ﵃، فقالوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: ((أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ)). ويأجوج ومأجوج أمتان كافرتان من ولد آدم، أمة يقال لها: يأجوج، والأمة الثانية يقال لها: مأجوج، وهو من الأجيج واختلاط الأصوات واللغط؛ لكثرتهم. ويأجوج ومأجوج هم الذين بنى ذو القرنين السد بينهم وبين الناس، ويقال: هم من الصين، وما حولها من الشرق، فإنهم يبلغون في الإحصائيات أكثر من مليار وثلث المليار، وأكثرهم كفار، فَمَن تركهم ذو القرنين خارج السد فهؤلاء سُموا: التُّرك، وهم من يأجوج ومأجوج، ومن كانوا داخل السد فهم يأجوج ومأجوج، فهاتان الأمتان الكافرتان منهم ألف في النار، ومن هذه الأمة واحد. والصواب: أنهم من ولد آدم وحواء، أما ما ذكره النووي ﵀ (١) عن كعب الأحبار أنهم ليسوا من حواء، وأن آدم احتلم، فاختلطت نطفته بالتراب، فخلق الله يأجوج ومأجوج- فهذا من أخبار بني إسرائيل، ولا وجه له، وهو قول باطل. * * *

стр. 412

كِتَاب الطَّهَارَةِ

стр. 413

٢ - كِتَاب الطَّهَارَةِ بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ [٢٢٣] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبَانٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى أَنَّ زَيْدًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ- أَوْ: تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا)). الطهارة لغة: النظافة، والطهارة من الأقذار (١)، وشرعًا: استعمال الماء، أو ما يقوم مقامه عند عدمه، أو العجز عَنْ استعماله على صفة خاصة بنية (٢). وكتاب الطهارة قصد به الإمام مسلم أن يذكر ما يتعلق بالطهارة في الوضوء والغسل من الجنابة، أو من الحيض والنفاس، وكذلك التيمم؛ لأنه طهارة، وكل ما يتعلق بها من أحكام. وهذا الحديث الذي صدر به كتاب الطهارة حديث عظيم، كل جملة منه تحتوي على معانٍ عظيمة، وقاعدة من قواعد الشرع.

стр. 414

يقول النبي ﷺ : ((الطهور شطر الإيمان)) الطُّهور بالضم: اسم للفعل، والطَّهور بالفتح: الماء الذي يُتطهر به، هذا هو المشهور، وقيل: يطلق كل منهما على الآخر، ومنه الوُضوء والوَضوء؛ فبالضم اسم للفعل، وبالفتح اسم للماء المتطهَر به، والشطر: النصف، ومعنى الطهور نصف الإيمان: أن الإيمان ينقسم إلى قسمين: طهارة ظاهرة، وطهارة باطنة؛ فالطهارة الباطنة هي سلامة المعتقد بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والسلامة من البدع والشرك. والطهارة الظاهرة هي استعمال الماء في تطهير الجسد والأعضاء، ولا يلزم من كونهما نصفين التساوي بينهما. ((والحمد لله تملأ الميزان)) هو الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة، وهو ميزان حسي له كفتان أعظم من السموات والأرض، وله لسان، خلافًا للمعتزلة وأهل البدع القائلين أن المراد بالميزان ميزان معنوي وهو العدل؛ فأنكروا الميزان الحسي، وقالوا: لا يحتاج للميزان إلا البقال والفوال، أما الله فلا يحتاج إلى ميزان، هكذا أوّلوا النصوص بآرائهم وعقولهم وزبالة أذهانهم وأفكارهم، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن المعتزلة دينهم مبني على العقل، حتى فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ قال: الرسول هو العقل. والصواب أنه ميزان حسي توزن فيه الأعمال، ويوزن فيه الأشخاص على حسب أعمالهم، قال الله تعالى عن الكفار: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾، وقال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾،

стр. 415

وفي الحديث: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة)) (١)، وثبت- أيضًا- في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان جالسًا ومعه بعض أصحابه فقام عبد الله بن مسعود ﵁ فكشفت الريح عن ساقيه فإذا هما دقيقتان، فضحك الصحابة، فقال النبي ﷺ : ((مم تضحكون)) قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، قال: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)) (٢). ((الحمد لله تملأ الميزان)) أي: أجرها وثوابها يملأ الميزان، وفي الحديث دليل على عظم هاتين الكلمتين ((الحمد لله)) و ((سبحان الله))؛ فجميع أنواع المحامد ملك لله، وهو المستحق لها دون غيره، بخلاف المخلوق فإن له من المدح ما يليق به. ((تملآن - أو: تملأ - ما بين السماء والأرض)) شك من الراوي. ((والصلاة نور)) أي: للعبد تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وتمنعه من المعاصي والموبقات، فالصلاة إذا أداها صاحبها كما أمر الله، وكما أمر رسوله ﷺ تنير للعبد الطريق، وتمنعه من الفحشاء والمنكر؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾. ((والصدقة برهان)) أي: حجة ودليل على إيمان صاحبها، والبرهان هو الدليل القوي. ((والصبر ضياء)) يستضيء به صاحبه حتى يؤدي ما أوجب الله عليه، وينتهي عما حرم الله عليه فلا يتسخط قضاء الله وقدره. والضياء: نور فيه حرارة؛ كالشمس فيها نور وحرارة، والقمر فيه نور بلا حرارة، فالصبر قال فيه النبي ﷺ ((والصبر ضياء))؛ لما يجده الإنسان الصابر من حرارة الصبر حيث

стр. 416

يجد قوة ومشقة؛ لأن الصبر يحتاج إلى القوة والتحمل، ولا بد فيه من مجاهدة النفس، ومجاهدة النفس فيها مشقة وتعب، كالضياء الذي فيه حرارة، بخلاف الصلاة، قال عنها نور، كالقمر له نور بلا حرارة. ((والقرآن حجة لك، أو عليك)) القرآن حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن أعرضت عنه، وأهملته ولم تعمل به. ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها)) يعني: كل الناس يذهبون ويروحون ويتعامل بعضهم مع بعض؛ فمنهم من يبيع نفسه لله فيعتقها من النار فتسلم، ومنهم من يوبقها ويهلكها بعذاب الله فيبيعها للشيطان والهوى، فالناس نوعان: أناس يغدون في هذه الحياة يعملون ويكدحون ليكون عملهم لله، وأناس يبيعون أنفسهم للهوى وللشيطان ويهلكونها بالمعاصي، فيكون مصيرهم العذاب في النار- نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 417

بَاب وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ [٢٢٤] حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَلَى ابْنِ عَامِرٍ، يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ))، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ. ح قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَوَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. هذا الحديث فيه أن عبد الله بن عمر زار ابن عامر، وكان أميرًا على البصرة، وفيه أنه لا بأس أن يزور العلماء الأمراء لنصيحتهم؛ لأن الدين النصيحة، ولا سيما عند الموت لعله يتوب. ((لا تقبل صلاة بغير طهور)) في هذا الحديث دليل على وجوب الطهارة للصلاة، وأنه لا تصح الصلاة إلا بطهارة، وعليه الإجماع.

стр. 418

((ولا صدقة من غلول)) الغلول: هو الخيانة، والأخذ من مال الغنيمة قبل قسمتها، فإذا قاتل المسلمون الكفار وغنموا شيئًا من الأموال فإن هذه الغنائم تجمع ويخرج الخمس منها، ويقسم هذا الخمس إلى خمسة أخماس؛ لله ولرسوله، ولقرابة الرسول، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وأربعة أخماس يقسمها قائد الجيش، أو ولي الأمر على الغانمين؛ فلا يجوز للإنسان أن يأخذ شيئًا من الغنيمة قبل أن تقسم، وإن أخذ منها قبل القسمة يسمى غلولًا، وهو من كبائر الذنوب، ولما قتل مولى للرسول ﷺ في إحدى الغزوات قال الناس: هنيئًا له الجنة! فقال الرسول ﷺ : ((كلا، والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم- لم تصبها المقاسم- لَتشتعلُ عليه نارًا)) (١)، والشملة قطعة قماش أخذها من الغنيمة فالتهبت عليه نارًا، وهذا الغلول لو تُصُدِّق به لا يُقبل؛ لأنه مال حرام مسروق وسحت، ويُلحق به ما أُخذ من بيت المال بغير حق، وكذلك ما اختُلس من أموال الصدقات والأوقاف فهو غلول وخيانة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : ((لا تُقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)). قوله: ((وكنتَ على البصرة)) أي: وكنتَ يا ابن عامر واليًا على البصرة؛ فتعلقت بك أمور وتبعات، فكيف أدعو لك وأنت توليت ما توليت من أمور المسلمين، وحصل منك ظلم للرعية، فلا بد لك من التوبة- وكان معروفًا عنه الظلم - وإنما قال ابن عمر ذلك لابن عامر حثًّا له على التوبة، وزجرًا له عن ظلم الرعية، وإلا فلا بأس بالدعاء للفاسق، بل ويدعى للكافر، فإنه لما امتنعت دوس عن الدخول في الإسلام، فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا عصت وأبت، فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال: ((اللهم اهدِ دوسًا وأت بهم)) (٢)، فهداهم الله وأتى بهم، ودخلوا في الإسلام.

стр. 419

[٢٢٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). هذا الحديث أخرجه البخاري- أيضًا- في صحيحه، وفيه دليل على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة وأن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، وهذا إجماع من أهل العلم، فإذا صلى بغير طهارة ناسيًا فإنه يعيد ولا يعذر ولو بعد يوم، أو يومين؛ لأنها من باب الإيجاب، بخلاف النجاسة إذا كانت في الثوب أو في البدن، ثُمَّ نسيها وصلى، فالصواب أن الصلاة صحيحة ولا يعيد؛ لأن هذا من باب التروك.

стр. 420

بَاب صِفَةِ الْوُضُوءِ وَكَمَالِهِ [٢٢٦] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁، دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا، يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلَاةِ. هذا الحديث في ذكر أسبغ وأكمل وضوء؛ لأن فيه غسل الأعضاء كلها ثلاث مرات فيغسل الكفين ثلاثًا، ثُمَّ يتمضمض ثلاثًا، ويستنشق ثلاثًا، ثُمَّ يغسل وجهه ثلاثًا، ثُمَّ يغسل يده اليمنى ثلاثًا، ثُمَّ يغسل يده اليسرى ثلاثًا، ثُمَّ يمسح رأسه مرة، وأذنيه مرة، ثُمَّ يغسل رجله اليمنى ثلاثًا، ثُمَّ يغسل رجله اليسرى ثلاثًا. والمراد بالغسلة: التعميم، فإذا عمم العضو بغرفة فتعتبر هذه واحدة، وإذا لم يعممه بغرفة يأخذ غرفة ثانية فتكون غرفتين غسلة، وهذه تعتبر مرة واحدة.

стр. 421

وقد جاء عن النبي ﷺ أنه توضأ: ثلاثًا ثلاثًا، وجاء عنه أنه توضأ: ثنتين ثنتين، غسل وجهه مرتين، ويده اليمنى مرتين، ويده اليسرى مرتين، ورجله اليمنى مرتين، ورجله اليسرى مرتين، وجاء نوع ثالث أن النبي ﷺ توضأ: مرة مرة، غسل وجهه مرة، ويده اليمنى مرة، ويده اليسرى مرة، ورجله اليمنى مرة، ورجله اليسرى مرة، أما الرأس فيمسح مرة واحدة ولا يكرر، وجاء عنه ﷺ نوع رابع أنه توضأ مُخالِفًا، يعني: غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى مرتين وغسل رجله مرة، كل هذا جاء عن النبي ﷺ . وفي هذا الحديث دليل على أن من توضأ وأسبغ الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين يُقبل فيهما بقلبه على ربه ولا يحدث نفسه بشيء من الوساوس من أمور الدنيا يُغفر له ما تقدم من ذنبه، لكن هذا مشروط باجتناب الكبائر على الصحيح من أقوال أهل العلم، فإذا أدى الإنسان الفرائض واجتنب الكبائر كفرت الصغائر، وإن لم يجتنب الكبائر تبقى عليه الصغائر والكبائر، ويعطى حسنات بفعله هذا، ويبقى تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. والكبائر هي التي توعد الله عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو وجب فيها حد في الدنيا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة، فهذه لا بد فيها من توبة، يقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وقال ﵊ في حديث أبي هريرة الذي سيأتي: ((الصلوات الخمس،

стр. 422

والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبَ الكبائر))، وفي حديث آخر قال ﷺ : ((ما لم تصب المقتلة)) (١)، والمقتلة: الكبيرة. وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). فيه استحباب غسل الكفين ثلاثًا قبل الوضوء، كما في حديث عثمان أن النبي ﷺ غسل كفيه ثلاث مرار (٢)، ومن المستحب قبل أن يتوضأ أن يسمي الله، والتسمية جاءت في أحاديث فيها ضعف (٣) ولهذا ذهب الجمهور إلى أن التسمية مستحبة، وذهب الإمام أحمد إلى أنها واجبة مع التذكر؛ لأن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا، فينوي- والنية محلها القلب- ثم يسمي، ثُمَّ يغسل كفيه ثلاث مرات، وهذا مستحب. أما إذا استيقظ من نوم الليل فهذا يتأكد فيه غسل الكفين، كما سيأتي تفصيله في بابه. وفيه استحباب تقديم المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، ولكن لو

стр. 423

غسل وجهه، ثُمَّ تمضمض واستنشق فلا حرج. وفيه: أن مسح الرأس لا يكرر، فيمسح مرة واحدة وما جاء أنه ثلَّث فضعيف (١)، ويجزئه تعميم الرأس بالمسح على أي وجه، والسنة أن يبدأ بمقدم الرأس، ثُمَّ يرده إلى القفا، ثُمَّ يردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٢). وفيه أنه إذا صلى ركعتين بعد هذا الوضوء الذي أسبغه يقبل فيهما بقلبه على الله، ولا يحدث نفسه فيهما بشيء من أمور الدنيا، وفي لفظ آخر: ((مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا غفر الله له)) (٣)، أي: مع اجتناب الكبائر، كما سيأتي.

стр. 424

بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ [٢٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا)). وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ. قوله: ((لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم)) أي: لولا الوعيد على كتمان العلم في هذه الآية ما حدثتكم: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾. وفيه أن الوضوء والصلاة من أسباب المغفرة، وأنه يُغفر له ما بين الصلوات إذا اجتنب الكبائر، فإذا صلى الظهر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة العصر، وإذا صلى العصر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة المغرب، وإذا صلى المغرب غفر الله ذنوبه إلى صلاة العشاء. قوله: ((لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ)) فيه أن الإيمان والإسلام شرط في

стр. 425

صحة العبادة، فلو توضأ كافر فلا يعتد بوضوئه، وفيه شرط أن يحسن الوضوء، وإحسان الوضوء إسباغه وإكماله. ((ثم يصلي المكتوبة)) يعني: الفريضة، والرواية السابقة يصلي ركعتين وهي تشمل الفريضة والنافلة. وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللَّهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا))، قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده أن المسلم إذا توضأ وأحسن الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه. وفيه أن عثمان ﵁ والصحابة وأهل العلم إنما يبلغون الناس ما عندهم ولا يكتمونه، فأهل العلم أحرص الناس على تبليغ العلم ونشره، وأبعد الناس عن كتم العلم. وفيه الوعيد الشديد لمن كتم العلم، قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾ وهذه وإن كانت لبني إسرائيل فهي تشمل من كتم العلم من هذه الأمة، وورد في الحديث- وإن كان فيه ضعف-: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)) (١).
следующие страницы →