وقد جاء عن النبي ﷺ أنه توضأ: ثلاثًا ثلاثًا، وجاء عنه أنه توضأ: ثنتين ثنتين، غسل وجهه مرتين، ويده اليمنى مرتين، ويده اليسرى مرتين، ورجله اليمنى مرتين، ورجله اليسرى مرتين، وجاء نوع ثالث أن النبي ﷺ توضأ: مرة مرة، غسل وجهه مرة، ويده اليمنى مرة، ويده اليسرى مرة، ورجله اليمنى مرة، ورجله اليسرى مرة، أما الرأس فيمسح مرة واحدة ولا يكرر، وجاء عنه ﷺ نوع رابع أنه توضأ مُخالِفًا، يعني: غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يده اليمنى مرتين وغسل رجله مرة، كل هذا جاء عن النبي ﷺ .
وفي هذا الحديث دليل على أن من توضأ وأسبغ الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين يُقبل فيهما بقلبه على ربه ولا يحدث نفسه بشيء من الوساوس من أمور الدنيا يُغفر له ما تقدم من ذنبه، لكن هذا مشروط باجتناب الكبائر على الصحيح من أقوال أهل العلم، فإذا أدى الإنسان الفرائض واجتنب الكبائر كفرت الصغائر، وإن لم يجتنب الكبائر تبقى عليه الصغائر والكبائر، ويعطى حسنات بفعله هذا، ويبقى تحت مشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
والكبائر هي التي توعد الله عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب، أو وجب فيها حد في الدنيا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والغيبة والنميمة، فهذه لا بد فيها من توبة، يقول الله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وقال ﵊ في حديث أبي هريرة الذي سيأتي: ((الصلوات الخمس،
стр. 422
والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبَ الكبائر))، وفي حديث آخر قال ﷺ : ((ما لم تصب المقتلة)) (١)، والمقتلة: الكبيرة.
وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
فيه استحباب غسل الكفين ثلاثًا قبل الوضوء، كما في حديث عثمان أن النبي ﷺ غسل كفيه ثلاث مرار (٢)، ومن المستحب قبل أن يتوضأ أن يسمي الله، والتسمية جاءت في أحاديث فيها ضعف (٣) ولهذا ذهب الجمهور إلى أن التسمية مستحبة، وذهب الإمام أحمد إلى أنها واجبة مع التذكر؛ لأن أحاديث الباب يقوي بعضها بعضًا، فينوي- والنية محلها القلب- ثم يسمي، ثُمَّ يغسل كفيه ثلاث مرات، وهذا مستحب.
أما إذا استيقظ من نوم الليل فهذا يتأكد فيه غسل الكفين، كما سيأتي تفصيله في بابه.
وفيه استحباب تقديم المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، ولكن لو
стр. 423
غسل وجهه، ثُمَّ تمضمض واستنشق فلا حرج.
وفيه: أن مسح الرأس لا يكرر، فيمسح مرة واحدة وما جاء أنه ثلَّث فضعيف (١)، ويجزئه تعميم الرأس بالمسح على أي وجه، والسنة أن يبدأ بمقدم الرأس، ثُمَّ يرده إلى القفا، ثُمَّ يردهما إلى المكان الذي بدأ منه (٢).
وفيه أنه إذا صلى ركعتين بعد هذا الوضوء الذي أسبغه يقبل فيهما بقلبه على الله، ولا يحدث نفسه فيهما بشيء من أمور الدنيا، وفي لفظ آخر: ((مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا غفر الله له)) (٣)، أي: مع اجتناب الكبائر، كما سيأتي.
стр. 424
بَاب فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ عَقِبَهُ
[٢٢٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ إِسْحَاق: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، فَيُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا)).
وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ.
قوله: ((لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم)) أي: لولا الوعيد على كتمان العلم في هذه الآية ما حدثتكم: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾.
وفيه أن الوضوء والصلاة من أسباب المغفرة، وأنه يُغفر له ما بين الصلوات إذا اجتنب الكبائر، فإذا صلى الظهر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة العصر، وإذا صلى العصر غفر الله له ذنوبه إلى صلاة المغرب، وإذا صلى المغرب غفر الله ذنوبه إلى صلاة العشاء.
قوله: ((لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ)) فيه أن الإيمان والإسلام شرط في
стр. 425
صحة العبادة، فلو توضأ كافر فلا يعتد بوضوئه، وفيه شرط أن يحسن الوضوء، وإحسان الوضوء إسباغه وإكماله.
((ثم يصلي المكتوبة)) يعني: الفريضة، والرواية السابقة يصلي ركعتين وهي تشمل الفريضة والنافلة.
وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا، وَاللَّهِ لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا))، قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾.
وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده أن المسلم إذا توضأ وأحسن الوضوء، ثُمَّ صلى ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه.
وفيه أن عثمان ﵁ والصحابة وأهل العلم إنما يبلغون الناس ما عندهم ولا يكتمونه، فأهل العلم أحرص الناس على تبليغ العلم ونشره، وأبعد الناس عن كتم العلم.
وفيه الوعيد الشديد لمن كتم العلم، قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون﴾ وهذه وإن كانت لبني إسرائيل فهي تشمل من كتم العلم من هذه الأمة، وورد في الحديث- وإن كان فيه ضعف-: ((من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)) (١).
стр. 426
وفيه أن من صفات الرابحين: العلم والعمل، ثُمَّ الدعوة والصبر، ولا بد من نشر العلم على حسب الحاجة، فإذا كان الناس محتاجين إليه ولم ينشره أثم، وكذلك إذا سئل وهو يعلم وكتم أثم، أما إذا قام غيره بنشر العلم فلا يأثم، لكن ينقص أجره إذا كان عنده علم؛ لذلك كان الصحابة يتدافعون الفتوى، وإذا أفتى واحد منهم أجزأ عن الباقين.
قوله: ((فيحسن الوضوء)) أي: يأتي به تامًّا بكمال صفته وآدابه، وفيه الحث على الاعتناء بتعلم آداب الوضوء وشروطه، والعمل بذلك، والاحتياط فيه، والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف؛ فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار واستيعاب مسح جميع الرأس ومسح الأذنين، ودلك الأعضاء، والتتابع في الوضوء، وترتيبه، وغير ذلك.
قال القاضي عياضٌ: ((للباجي في الحديث الأول ((لولا أنه)) بالنون، وقد اختلف رواة الموطأ عن مالك في هذين اللفظين، واختلف تأويل العلماء في ذلك، ففي الأم قول عُروة: الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا﴾، وعلى هذا لا تصح الرواية إِلَّا ((لولا آية)) بالياء)) (١).
стр. 427
[٢٢٨] حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ، قَالَ عَبْدُ، حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ فَدَعَا بِطَهُورٍ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ)).
((دعا بطَهور)) بفتح الطاء يعني: بماء يتطهر ويتوضأ به.
((ما لم يؤتِ كبيرةً)) وفيه تقييد تكفير الذنوب بعدم إتيان الكبيرة، والمعنى أنها تكفر الصغائر، أما الكبائر فلا بد لها من توبة؛ لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، ولحديث: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتَنب الكبائرَ)) (١)، وهذه النصوص الثلاثة وأمثالها تقيد النصوص المطلقة التي فيها مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، كالحديث السابق ((مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) (٢)، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصواب جمعًا بين النصوص، وعليه فإذا كان مرتكبًا لكبيرة، ثُمَّ فعل ما يوجب المغفرة، فإن ما فعله يُكفر الصغائر، أو يُكتب له حسناته، أما الكبائر فإنها تبقى عليه حتى يتوب، أو يعفو الله عنه، وقال بعض أهل العلم: إنها تكفر الكبائر والصغائر (٣).
وفيه تقييد المغفرة بإحسان وضوئها وخشوعها وركوعها.
стр. 428
قوله: ((وذلك الدهر كله)) أي: ما دام كلما توضأ أحسن الوضوء والركوع والخشوع، ولم يرتكب كبيرة، يكفر الله خطاياه الصغار ما دام يأتي بهذا القيد أبد الدهر.
[٢٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً))، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ فَتَوَضَّأَ.
قوله: ((وَكَانَتْ صَلَاتُهُ، وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً))، يعني غفر الله له بهذا الوضوء، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد زيادة في الأجر والثواب بحسنات تُكتب له في صحيفته.
[٢٣٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي أَنَسٍ، أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ، فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَزَادَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ أَبُو النَّضْرِ: عَنْ أَبِي أَنَسٍ، قَالَ: وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: ((عن أبي أنس)) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، وهو جد الإمام مالك بن أنس.
стр. 429
[٢٣١] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَإِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيْعًا عَنْ وَكِيْعٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ، إِلَّا وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً، وَقَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاتِنَا هَذِهِ- قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهَا الْعَصْرَ- فَقَالَ: ((مَا أَدْرِي أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ أَسْكُتُ))، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا)).
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا جَمِيعًا، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ، يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ))، هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مُعَاذٍ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ غُنْدَرٍ: فِي إِمَارَةِ بِشْرٍ، وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ.
((يفيض)): يعني: يغتسل، من باب تفويض الوضوء.
((والنطفة)): الماء القليل، والمعنى: لم يكن يمر عليه يوم إلا اغتسل فيه؛ محافظة على تكثير الطهر.
وهذا فيه الفضل العظيم لعثمان.
قوله: ((فيتم الطهور الذي كتب الله عليه)) فيه بيان أنه لو اقتصر على الوضوء الواجب كفاه، فلو اقتصر على مرة وعمم كل عضو مرة كفاه، وكان هذا من أسباب المغفرة.
стр. 430
وفيه فائدة نفيسة: وهي أن هذا الفضل يحصل لمن أتى بالطهارة الواجبة وصلى الفروض المكتوبة، ولو ترك السنن والمستحبات، وإن كان الإتيان بالمستحبات والنوافل أشدَّ تكفيرًا للسيئات ورفعةً للدرجات.
قوله: ((في إمارة بشر)) هو بشر بن مروان (١)، وكان أمير العراق من قبل أخيه الخليفة عبد الملك بن مروان.
قوله: ((فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ)) وهذا من فضل الله على عباده أن الصلوات كفارة إذا اجتُنبت الكبائر، ولكن بشرط إسباغ الوضوء، والإتيان بالصلاة على وجهها الشرعي الصحيح مع الخشوع فيها.
وساوس ولا خواطر تشغله فيقبل بقلبه ووجهه على ربه، أما الصلاة التي تخالطها الوساوس والتي لا يدري صاحبها ما يقول فلا تكون سببًا لتكفير السيئات؛ إذ ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها.
وهذا الحديث من أحاديث الرجاء، فمن توضأ وأحسن الوضوء، ثُمَّ قال هذا الذكر: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله))، وفي لفظ آخر: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله)) إذا فعل ذلك فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. وهذا اللفظ أبلغ وأوفى من اللفظ في الرواية السابقة وفيه زيادة ((وحده لا شريك له)).
وجاء في رواية الترمذي بسند لا بأس به ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)) (١) فيستحب أن يقوله، وجاء- أيضًا- في لفظ: ((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك)) (٢).
مسألة: ما ضابط إسباغ الوضوء؟
والجواب: ورد ضابط إسباغ الوضوء في حديث عثمان: ((أنه دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثُمَّ أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنشق، ثُمَّ غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار ... )) (٣)، فالإسباغ: هو إبلاغ الماء إلى مواضعه، ويغسل كل عضو ثلاث مرات.
فيه جواز المخالفة بين أعضاء الوضوء في عدد الغسلات، فيغسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، إلا الرأس فإنه يمسح مرة واحدة، فقد غسل وجهه ثلاثًا، وغسل يديه مرتين، ولكن الأكمل أن يغسل وجهه ثلاثًا ويديه ثلاثًا وهكذا.
وفيه أنه توضأ واستنشق من كف واحدة، وهذا هو السنة، فيأخذ كفًّا ويتمضمض منه ويستنشق باليمين، ثُمَّ يستنثر بيده اليسرى، ويستحب أن يفعل ذلك ثلاث مرات، وإذا فعلها مرة واحدة كفى، وإن تمضمض من كفٍّ، واستنشق من كفٍّ أخرى فلا حرج، ولكن السنة أن يتمضمض ويستنشق بغرفة واحدة كما ورد.
والسنة في مسح الرأس أن يبدأ بمقدم رأسه، ثُمَّ يذهب بهما إلى قفاه، ثُمَّ يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهذا يعتبر مرة واحدة، وإن عكس فلا بأس، وإن مسح بيد واحدة من جميع الجهات فلا بأس.
стр. 437
[٢٣٦] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. ح وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ اسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، وَالأُخْرَى ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
هذا فيه أنه غسل كل عضو ثلاثًا، وسكب على رجليه حتى أنقاهما، والثلاث هي الأفضل، وهذا هو الإسباغ.
قوله: ((ثم أدخل يده)) هكذا وقع في صحيح مسلم بلفظ الإفراد، وكذا في أكثر روايات البخاري، ووقع في رواية للبخاري في حديث عبد الله بن زيد هذا ((ثم أدخل يديه)) (١)، وفي صحيح البخاري- أيضًا- من رواية ابن عباس ﵄: ((ثم أخذ غرفةً فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى)) (٢)، فغسل اليدين له أنواع أخرى كأن يدخل يديه في الإناء، أو يغسل يده ويصب على الأخرى، وإن غسل بيد واحدة فلا بأس، ولكن إذا أفرغ على الأخرى يكون أبلغ في الغسل، أو يأخذ بيده اليمنى ويفرغ على اليسرى، ثُمَّ يمسح وإن أخذ بيد واحدة فلا بأس، ولكن الغالب بيد واحدة لا يبلغ.
ورد في رواية البيهقي: ((فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه)). (٣)
стр. 438
وقال ابن حجر- في البلوغ-: ((وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو المحفوظ)). (١)
وفيه أنه يستحب أخذ ماء جديد لمسح الرأس غير ما بقي في اليد من ماء غسل اليدين، وأما الأذنان فهما تبع للرأس، فهما كعضو واحد، وإن كان بعض العلماء يستحب أن يأخذ ماءً جديدًا للأذنين، لكن الصواب أنهما شيء واحد.
стр. 439
بَاب الإِيتَارِ فِي الِاسْتِنْثَارِ وَالِاسْتِجْمَارِ
[٢٣٧] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ جَمِيْعًا، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ وِتْرًا، وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ)).
وفيه الأمر بالإيتار في الاستجمار، والأمر بالاستنشاق، ثُمَّ الاستنثار، والاستنثار غير الاستنشاق، فالاستنشاق هو أن يجذب الماء بطرف أنفه، والاستنثار هو أن يخرج الماء بيده اليسرى.
أما الإيتار في الاستجمار فمحمول على الاستحباب؛ لما في الحديث الآخر: ((من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) (١)، والاستجمار: هو مسح محل القبل أو الدبر بعد الغائط أو البول بالأحجار، والمراد بالإيتار: أن يكون عدد المسحات ثلاثًا أو خمسًا أو فوق ذلك من الأوتار.
فإذا أراد أن يكتفي بالأحجار دون الماء فلا بد أن تكون ثلاثة أحجار فأكثر، بشرط أن تكون منقية، سواء كانت بالأحجار أو بالطين المتحجر أو بمناديل الورق، وأما الأثر اليسير الذي لا يزيله إلا الماء فهذا يعفى عنه، بشرط ألا يتجاوز الخارج موضع العادة، فلا ينتشر البول إلى حشفته، ولا ينتشر الغائط إلى الصفحتين، فإذا استجمر وأنقى بثلاث كان ذلك، وإن لم ينق بثلاث زاد رابعًا، فإن أنقى بالرابع فيستحب أن يزيد خامسًا حتى يستجمر وترًا، فإن لم ينق زاد حجرًا سادسًا فإن أنقى فيستحب أن يوتر،
стр. 440
ويأتي بحجر سابع، وإن لم يفعل فلا حرج.
وأما إذا تجاوز الخارج موضع العادة، أو كان حجران فأقل فإنه لا يكفي الاستجمار بحجرين، ولا بد من الماء، وإن جمع بين الحجارة والماء فهو أفضل.
قال النووي: ((وقال بعض أصحابنا: يجب الإيتار مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث)) (١).
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ)).
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ)).
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.
((فَلْيَسْتَنْشِقْ)) فيه الأمر بالاستنشاق، وتمسك به القائلون بوجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل، وهم الحنابلة.
في هذا الحديث أمران نبويان: لكن أحدهما محمول على الاستحباب، وهو
стр. 441
الاستجمار كما تقدم، والثاني: استدل به الظاهرية على وجوب الاستنثار.
وأما قوله ﷺ : ((فليجعل في أنفه ماءً، ثُمَّ لينتثر)) ففيه دلالةٌ ظاهرةٌ على أن الاستنثار غير الاستنشاق.
قوله: ((لينتثر)) فيه متمسك لأحمد وإسحاق على وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل، والجمهور على أن ذلك من السنن فيهما متمسكين فيه بأن فروض الوضوء محصورة في آية الوضوء، بدليل قول النبي ﷺ للأعرابي: ((فتوضأ كما أمرك الله)) (١) وليس في الآية ذكر الاستنشاق، وبدليل أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه اقتصر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يزد عليها، وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعله بواجب، وبدليل أن المأمور به حقيقةً في قوله: ((ثم لينتثر)) هو الاستنثار، وليس بواجب بالاتفاق.
واستدل الموجبون- أيضًا- بالرواية الأخرى ((إذا توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء، ثُمَّ لينثر)) (٢) وفيها دلالةٌ ظاهرةٌ على وجوب الاستنشاق، ولكن حمله على الندب محتملٌ؛ ليجمع بينه وبين الأدلة الدالة على الاستحباب، والله أعلم.
وهذا عمدة أحكامنا في قولهم بحصر الوضوء في ستة، فإن النية مفهومة من قوله تعالى: ﴿إذا قمتم﴾ أي: إذا أردتم القيام، والماء المطلق في قوله: ﴿ولم تجدوا ماء﴾، والأربعة الأعضاء نص عليها في الآية، وما عدا ذلك من أحكام الوضوء فمأخوذ من فعل رسول الله ﷺ ، ومنها متأكَّد ويسمى سنةً، وغير متأكد ويسمى فضيلة، كما هو معروف في كتب أصحابنا.
стр. 442
[٢٣٨] حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ- يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ)).
[٢٣٩] حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ)).
وهذا فيه أمر بالاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لقوله: ((فإن الشيطان يبيت على خياشيمه))، والبيتوتة تكون بالليل، والأمر هنا للوجوب.
مسألة: هل هذه الثلاث قبل الوضوء، أم في الوضوء؟
والجواب: ظاهره أنها قبل الوضوء وخارجة عن ماهيته، وقال بعضهم: لعل المراد بها الاستنثار في الوضوء إذا استيقظ، وقد يقال للحائض والنفساء إذا قامت من نومها لا تريد الصلاة حسن لها أن تستنثر ثلاثًا.
وفيه أن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان على حقيقته، وما قاله بعضهم: إنه عبارة عن جراثيم وغير ذلك فهذا تأويل، والأصل الحقيقة، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والخيشوم منفذ من المنافذ، كما ورد في الحديث: ((يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيبَ النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)) (١).
стр. 443
بَاب وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ بِكَمَالِهِمَا
[٢٤٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَتَوَضَّأَ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَسْبِغِ الْوُضُوءَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)).
وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِه، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي، أَوْ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي جَنَازَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَمَرَرْنَا عَلَى بَابِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ ﵂، فَذَكَرَ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.
توفي سعد بن أبي وقاص ﵁ في المدينة النبوية سنة خمس وخمسين من الهجرة النبوية، وهو آخر من مات من العشرة المبشرين بالجنة، ودفن في البقيع، وقد حضرت عائشة ﵂ صلاة الجنازة على سعد بن أبي وقاص في المسجد مع الناس، فلما أنكر بعض الناس صلاة الجنازة في المسجد قالت عائشة: ((ما أسرع ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل
стр. 444
ابن بيضاء إلا في المسجد)) (١).
دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة أخته يوم وفاة سعد بن أبي وقاص فقالت له: يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ويل للأعقاب من النار))، ولما جاء النبي ﷺ إلى الصحابة وهم يتوضؤون عجالَى ليلحقوا الصلاة وأعقابهم تلوح نادى فيهم: ((ويل للأعقاب من النار))، كما سيأتي.
والويل: شدة الهلاك والعذاب، والعقب: هو مؤخر القدم، وهذا فيه دليل على أن الإسباغ: الإتمام، وإمرار الماء على العضو كاملًا؛ ولهذا قالت: ((أسبغ الوضوء)) فالذي يترك شيئًا من الرجل أو أي عضو من الأعضاء ما أسبغ الوضوء، وفي لفظ ((ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار)) (٢).
وما ورد عن أسامة بن زيد قال: ((دفع رسول الله ﷺ من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثُمَّ توضأ ولم يسبغ الوضوء، فقلت: الصلاة يا رسول الله)) فقال: ((الصلاة أمامك)) فركب، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء ... )) (٣)، أريد به الإسباغ الكامل وهو أن يغسل كل عضو ثلاث مرات، وليس المراد أنه ترك بعض أعضاء الوضوء دون غسل.
في هذا الحديث: الرد على من لم يرَ غسل الرجلين مثل الرافضة، وهذا من أبطل الباطل، وهو من المسائل العقدية التي خالفت فيها الرافضة أهل السنة والجماعة؛ ولهذا ذكرها العلماء في كتب العقائد، فإن أهل السنة يرون غسل الرجلين المكشوفتين والمسح عليهما إن كانتا في الخفين، أما الرافضة فلا ترى هذا ولا ذاك، وسيأتي تفصيل ذلك في باب المسح على الخفين.
* * *
стр. 447
بَاب وُجُوبِ اسْتِيعَابِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ
[٢٤٣] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، أَبْصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ))، فَرَجَعَ، ثُمَّ صَلَّى.
في الحديث دليل على أن من ترك شيئًا من أعضاء الوضوء فلم يغسله فلا يعذر ولا تصح صلاته ولو كان جاهلًا؛ لأن هذا من باب الإيجاد، بخلاف النجاسة فلو صلى وفي ثوبه نجاسة جاهلًا أو ناسيًا صحت صلاته؛ لأن هذا من باب التروك، وفرق بين الإيجاد والتروك، أما الوضوء فهو من باب الإيجاد فلا بد منه إذا ترك شيئا من الوضوء أو صلى بغير وضوء ولو كان جاهلًا أن يعيد الوضوء والصلاة ولا يعذر بجهله.
وفيه دليل على وجوب الموالاة بين أعضاء الوضوء، ومعنى الموالاة أن لا: يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله في الوقت المعتاد؛ لأن النبي ﷺ قال: ((ارجع فأحسن وضوءك)) ولم يقل له: ارجع واغسل اللمعة، وعلى هذا فينظر إن كان الوقت قريبًا ولم يطل الفصل؛ فإنه يغسل اللمعة، فإذا كانت اللمعة في يده غسلها، ثُمَّ مسح رأسه وغسل رجليه، وإن كانت اللمعة في رجله اليمنى غسلها، ثُمَّ غسل اليسرى، وإذا كانت اللمعة في رجله اليسرى غسلها واكتفى، أما إن طال الفصل فإنه يعيد الوضوء لفوات الموالاة.
وعلى هذا تكون فروض الوضوء ستة: غسل الوجه، ثُمَّ غسل اليدين، ثُمَّ مسح الرأس، ثُمَّ غسل الرجلين والترتيب الخامس والموالاة السادس.
стр. 448
بَاب خُرُوجِ الْخَطَايَا مَعَ مَاءِ الْوُضُوءِ
(٣٦٥) -[٢٤٦] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ، كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ، خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاء، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ)).
(٣٦٦) -[٢٤٧] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ)).
وهذا الحديث فيه فضل الوضوء وأنه من أسباب المغفرة لكن هذا مقيد باجتناب الكبائر كما سبق، فمن توضأ وغسل وجهه خرجت خطاياه التي نظر إليها بعينيه مع الماء، وإذا غسل يديه غفرت خطاياه التي بطشتها يداه، وإذا غسل رجليه غفرت خطاياه التي مشتها رجلاه، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب.
стр. 449
بَاب اسْتِحْبَابِ إِطَالَةِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فِي الْوُضُوءِ
(٣٦٧) -[٢٤٧] حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، قَالُوا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ، فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ)).
وهذا الحديث فيه إسباغ الوضوء وإتمامه، وهذا أكمل الوضوء وأسبغه، وفيه أن النبي ﷺ غسل يديه اليمنى حتى أشرع في العضد حتى يتمكن من غسل المرفقين، ثُمَّ اليسرى كذلك، ثُمَّ غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق حتى تجاوز الكعبين، ثُمَّ غسل رجله اليسرى كذلك.
وهذا أصرح دليل على أن المرفقين والكعبين داخلان في الوضوء والغسل وأنه لا بد منهما، وفيه دليل على أن (إلى) بمعنى (مع) في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ أي: مع المرافق، ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾.
وقد تأتي (إلى) ويكون ما بعدها داخلًا فيها، كما في قوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ فالكعب داخل في الغسل، والمرفق داخل في الغسل،
стр. 450
ومثله قوله تعالى في أموال اليتامى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ أي: لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم، وقد يكون ما بعد (إلى) ليس داخلًا فيما قبلها مثل: قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ فالليل ليس فيه صيام.
وهذا الوضوء الكامل من آثاره الغرة والتحجيل؛ ولهذا قال في رواية البيهقي: ((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء)) (١).
والغرة بياض في وجه الفرس، والتحجيل بياض في قوائمه، والمعنى: أن هذه الأمة تبعث يوم القيامة عليها علامات النور في وجوهها وأيديها وأرجلها علامةً وتمييزًا لها بين الأمم.
والراجح أن الوضوء ليس خاصًّا بهذه الأمة، وأنه عام، كما في الحديث: ((هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي)) (٢)، وفي قصة سارة امرأة الخليل إبراهيم ﵇ أنها قامت تتوضأ (٣)، لكن اختصت هذه الأمة بالغرة والتحجيل، فقد سئل النبي ﷺ : ((كيف تعرف أمتك فيما بين الأمم)) قال: ((هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى بين أيديهم ذريتهم)) (٤).
стр. 451
(٣٦٨) -[٢٤٨] وحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)).
(٣٦٩) -[٢٤٩] حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ)).
قوله ﷺ : ((إِنَّ حَوْضِي)) يدل على أن هذا الحوض خاص بنبينا محمد ﷺ وأمته، ولكل نبي من الأنبياء حوض.
وفيه إثبات الحوض للنبي ﷺ ، وأنه من أيلة الشام إلى عدن اليمن، طوله مسافة شهر، وعرضه مسافة شهر، وأوانيه عدد نجوم السماء، وهو أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (١) نسأل الله من فضله.
وفيه أنه يذاد عن حوضه الذين بدلوا وغيروا بعده، يذادون كما تذاد الإبل الغريبة.
والسمة: العلامة، مثل: قوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم﴾.
стр. 452
(٣٧٠) -[٢٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ، وَأَنَا أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِبِلَ الرَّجُلِ عَنْ إِبِلِهِ))، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتَعْرِفُنَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ، فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ، فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ )).
قوله: ((وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ)) فيه أنه يذاد عن الحوض قوم غيَّروا وبدَّلوا، كالمرتدين من الأعراب، ((أعرفهم ويعرفوني)) (١)، فأقول: ((يا ربِّ أصحابي أصحابي)) (٢) وفي لفظ آخر يقول: ((ربِّ أُصيحابي أُصيحابي، فَلَيُقالَنَّ لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) (٣).
وفي قوله: ((وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )) دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، ويرد على من قال: إن الرسول ﷺ يعلم مفاتيح الغيب من الطوائف التي غلت، فهو لا يدري ما تعمله أمته من بعده، مثل الأعراب الذين ارتدوا وقاتلهم الصديق والصحابة وغير ذلك.
مسألة: مَن الذين يذادون عن الحوض، وهل هم أهل البدع والمعاصي، أم غيرهم؟
والجواب: اختلف في ذلك العلماء، والأقرب أن أهل المعاصي والبدع الذين لا تصل بدعتهم إلى الكفر لا يذادون عن الحوض؛ لأنهم مؤمنون، وإنما يذاد عن الحوض المنافقون الذين كانوا مع المسلمين في الدنيا،
стр. 453
والمرتدون، والكفار الذين يكفِّرون الصحابة ويفسِّقونهم وقد زكَّاهم الله، فهم مكذِّبون لله، ويعبدون آل البيت فهؤلاء الرافضة لا شك أنهم يذادون عن الحوض، وأما الخوارج فهم عند الجمهور مبتدعة، وكفَّرهم بعض العلماء.
وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر: ((كلُّ من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به فهو من المطرودين عن الحوض؛ كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخِفُّون بالمعاصى، وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع، فكُلّ هؤلاء يخافُ عليهم أن يكونوا ممن عُنُوا بهذا الخبر، ولا يخلد في النار إلا كافر جاحد ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)) (١).
الفرط: السابق، وهو الذي يتقدم القوم ليعد لهم الماء، ففرطكم يعني: متقدمكم، وقوله: ((سُحْقًا، سُحْقًا)) أي: بعدًا بعدًا.
وفيه أن الصحابة يسمون أصحابًا وإخوانًا، وأما من يأتون من بعدهم فيسمون إخوانًا، وليسوا أصحابًا، فالصحبة خاصة بالصحابة والأخوة لمن بعدهم.
وفيه استحباب هذا الدعاء للموتى عند المرور بالمقبرة، وإذا دخل عليهم يسلم.
стр. 456
بَاب تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ
(٣٧٣) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ، أَنْتُمْ هَاهُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ، حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ)).
وهذا يدل على أن أبا هريرة فعل ذلك باجتهاده، أما فعل النبي ﷺ فإنه يغسل يده حتى يشرع في العضد، ويغسل رجله حتى يشرع في الساق، كما ورد في الباب السابق، فهذا هو السنة، وأما ما فعله أبو هريرة باجتهاده فإنه لا يستحب.
قوله: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ)) الحلية: ما يُتحلى به من الذهب والفضة للتزين والتجمل، ومنه تحلي المرأة بالذهب والفضة في يديها ورجليها وعنقها وأذنيها، والمراد: أن المؤمن في الجنة تبلغ حليته التي يتحلى بها في الجنة في يديه ورجليه حيث يبلغ الوضوء، قال تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا﴾، فأراد أبو هريرة أن يزيد من الوضوء حتى تزيد حليته في الجنة، وأهل الجنة جرد مرد مكحلون، ليس لهم لحى طول الواحد منهم ستون ذراعًا (١)، وجاء في حديث آخر: ((سبعة أذرع)) وفيه ضعف (٢).
стр. 457
بَاب فَضْلِ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ
(٣٧٤) -[٢٥٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، جَمِيعًا عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ )) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
هذا حديث عظيم يبين فيه النبي ﷺ ما يحصل به تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فيدفع الله عنه شر الخطايا وآثارها بمحوها، وأما الدرجات فيحصِّل بها الإنسان مرضاة الله، ويتحصل بها على الثواب العظيم.
قوله: ((إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ)) أي: إبلاغه مواضعه على وصف الشدة والكراهة؛ بأن يكون الماء باردًا في الشتاء، وكذلك إذا كان الماء حارًّا، فإن الإنسان يشق عليه مس الماء البارد وكذلك الحار، فإذا أسبغ أو أبلغ أو خلَّل مابين الأصابع فإن هذا مما يكفر الله به السيئات، ويرفع به الدرجات.
قوله: ((وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)) المعنى: انتظار الصلاة بقبله، واهتمامه ومراقبته للصلاة حتى يعود إليها في المسجد إذا جاء وقتها، وليس المراد أنه يجلس في المسجد ويعطل أعماله وواجباته، والنبي ﷺ أفضل الخلق ما كان يجلس في المسجد، بل كان يخرج للدعوة إلى الله، وزيارة المريض، واتباع الجنائز، وزيارة بعض أصحابه، وقضاء حوائج أهله وحوائج الناس، بل لو جلس في المسجد وعطل الواجبات لكان آثمًا، بل إن هذا جريمة ومنكر.
فانتظار الصلاة بعد الصلاة نوع من الرباط والمرابطة في سبيل الله،
стр. 458
والمرابط في سبيل الله ليس ملازمًا للمكان، يذهب ليأكل، ويبيع ويشتري، ويقضي حوائجه، لكنه مستعد للدفاع عند الحاجة ومنتبه ومهتم ومراقب، وكذلك المنتظر للصلاة، ينتظرها بقلبه، وإن كان يخرج من المسجد لقضاء حوائجه وأداء الواجبات والمستحبات، وإذا جلس بين العشاءين في المسجد بعض الأحيان للتلاوة، أو لطلب العلم، فهذا نوع من المرابطة.
حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ: الرِّبَاطِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ثِنْتَيْنِ: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
قوله: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)) التكرار في هذه الرواية للتأكيد.
стр. 459
بَاب السِّوَاكِ
(٣٧٥) -[٢٥٤] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ))، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْر: ((عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)).
((والسواك)): عود لين يشوص به الإنسان فاه، يدلك به فاه وطرف لسانه، وعود الأراك من أحسن وألين ما يتسوك به، وإلا فليس التسوك خاصًّا بعود الأراك، وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يجد شيئًا تسوك ولو بإصبعه؛ لأن المقصود إزالة الرائحة.
قوله: ((لأمرتهم بالسواك)) أي: لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا فقد أمرهم ﷺ بالسواك أمر استحباب، وحثهم عليه.
وفيه فضيلة السواك، وأنه مستحب ومتأكد عند الصلاة، وعند الوضوء، وعند دخول البيت، وعند الاستيقاظ من النوم، وعند تغير رائحة الفم، وروى أحمد بسند جيد: ((السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)) (١)، أي: يرضي الله، ويطهر الفم بإزالة الرائحة الكريهة.
وذكر العلماء للسواك فوائد كثيرة تزيد على مائة فائدة، منها: أنه يذكر الشهادة عند الموت (٢).
стр. 460
(٣٧٦) -[٢٥٥] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ.
(٣٧٧) -[٢٥٥] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، بَدَأَ بِالسِّوَاكِ.
وهذا يدل على تأكد استعمال السواك عند دخول البيت.
(٣٧٨) -[٢٥٦] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ وَهُوَ ابْنُ جَرِيرٍ الْمَعْوَلِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ.
وهذا من محبته ﷺ للسواك، بل إنه كان آخر فعله ﷺ قبل أن تخرج روحه إلى بارئها، قالت عائشة: ((دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ﷺ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبدَّه رسول الله ﷺ بصره، فأخذت السواك فقصمته، ونفضته وطيبته، ثُمَّ دفعته إلى النبي ﷺ فاستن به، فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه، فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه)) ثم قال: ((في الرفيق الأعلى)) ((ثلاثًا، ثُمَّ قضى)) (١).