← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وفيه: أن هذه القصة غير القصة التي حصلت لأبي عبيدة ﵁، فإن هذه القصة فيها رسول الله ﷺ ، وتلك سرية ليس فيها رسول الله ﷺ ، وأكل منها الصحابة شهرًا، أو ثمانية عشر يومًا حتى سمنوا، حتى ورد في الحديث: ((فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ)) (١).

стр. 4587

بَابٌ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: حَدِيثُ الرَّحْلِ [٢٠٠٩] حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ، فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي، فَقَالَ لِي أَبِي: احْمِلْهُ، فَحَمَلْتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَعَمْ، أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ، فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ظِلِّهَا، ثُمَّ بَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، ثُمَّ قُلْتُ: نَمْ- يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدْنَا، فَلَقِيتُهُ، فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى- قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ- فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ ))، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلَدٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا، فَقَالَ: ((لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، فَدَعَا عَلَيْهِ

стр. 4588

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا. [خ: ٣٦١٥] قوله: ((حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ))، يعني: حدثني عن هجرتك مع النبي ﷺ ، إلى المدينة فحدَّثه. وقوله: ((أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ))، يعني: حتى انتصف النهار. وقوله: ((حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا))، يعني: ظهرت لنا صخرة في البرية، فقصدناها. وقوله: ((فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ))، أي: قصدوا الظل، واتجهوا نحو صخرة، وفرش أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ ((فَرْوَةً)) كانت معه، وقال له: ((نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ))، يعني: أنظرُ ما حولنا مما يُخشى منه من عدو، أو غيره، وفي هذا: عناية أبي بكر ﵁ بالنبي ﷺ ، فبينما هو ينظر إذ رأى راعي غنم، فراح إليه وقال له: ((لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)): المراد بالمدينة هنا: مكة (١)؛ لأن المدينة لم تكن تسمى بالمدينة في ذلك الوقت، وإنما كانت تسمى يثرب، خلافًا للقائل: إن هذا وهمٌ من بعض الرواة (٢). وقوله: ((أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى- قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ- فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ)): في قَعْبٍ،

стр. 4589

يعني: في إناء من خشب، والكُثْبة: المقدار القليل من اللبن. وقد أورد النووي ﵀ إشكالًا وأجاب عنه من أوجه، فقال: ((وهذا الحديث مما يسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ ! وجوابه من أوجه: أحدها: أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه. والثاني: أنه كان لصديق لهم يدلون عليه، وهذا جائز. والثالث: أنه مال حربي لا أمان له، ومثل هذا جائز. والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود)) (١). قلت: قول النووي ﵀: إن هذا مال حربي هذا يكون بعد شرعية الجهاد، والجهاد شُرِع بعد ذلك بمدة، والأقرب في مثل هذا: الجواب الأول، وهو: أن الرعاة كان معهم إذن عام من أسيادهم في ذلك. وقوله: ((وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، يعني: كان أبو بكر ﵁ معه سقاء من جلد يضع فيه شيئًا من الماء، ويتوضأ منه، فلما حلب هذا الغلام اللبن وكان اللبن حارًّا- لأنه في وقت شدة الحر- أخذ الصديق ﵁ هذه الكثبة وصب عليها من القربة الصغيرة التي معه حتى بردت، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فوجده نائمًا، فكره أن يوقظه، ((فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، أي: في وقت استيقاظه، قال: ((فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ))، ولا يقال: إن صب الماء على اللبن غش؛ لأن هذا اللبن الذي أعده للنبي ﷺ إنما أضاف له الماء من أجل أن يبرد، لا من أجل أن يبيعه. وقوله: ((فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ))، أي: حتى تحققت أنه أخذ حاجته وروي،

стр. 4590

فأرضاني ذلك. ثم بعد ذلك قال النبي ﷺ : ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ ))، فقال الصديق ﵁: ((بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ))، فلما ارتحلا لحقهم فارس، وهو سراقة بن مالك، ففزع الصديق ﵁، وصار يكثر الالتفات، وقال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، فاستجاب الله دعاءه في الحال، فـ ((فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا))، يعني: نزلت قوائم فرس سراقة بن مالك في الأرض، وكان ذلك قبل إسلامه، حيث لحقهما، وكانت قريش تطلب النبي ﷺ وصاحبه، وجعلت مكافأة مجزية لمن يأتي بالنبي ﷺ وصاحبه ﵁ حيًّا، أو ميتًا، وهي مائة ناقة. وجاء في قصة اتباع سراقة للنبي ﷺ : ((جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وَفُلانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ، أَمْ لا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ- سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا

стр. 4591

لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلامِ، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ، أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي، وَلَمْ يَسْأَلانِي، إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١). وهذا من حماية الله تعالى لنبيه ﷺ وصاحبه ﵁، حيث جاء سراقة بن مالك معاديًا طالبًا لهما، وفي آخر الأمر رجع مسالمًا رادًّا عنهما. وقوله: ((كتاب أمن)) أي: كتاب موادعة ومصالحة وعلامة بينه وبين النبي ﷺ ، ولهذا دوعه للنبي ﷺ يوم حنين. وفي هذا الحديث: هجرة النبي ﷺ وصاحبه الصِّديق ﵁ من مكة إلى المدينة، وذلك لما اشتد الأذى من كفار قريش على النبي ﷺ وأصحابه أذن الله تعالى لنبيه ﷺ بالهجرة. وفيه: إثبات الصحبة الخاصة للصديق ﵁، فالصحابة ﵃ لهم شرف الصحبة العامة، والصديق ﵁ له شرف الصحبة الخاصة بالإضافة إلى الصحبة العامة. وفيه: إثبات معجزة للنبي ﷺ ، وهي استجابة دعائه في الحال، فحينما دعا أولًا على سراقة بن مالك ارتطمت ساق الفرس إلى بطنها في الحال، وكذلك خروج الفرس ونجاتها بعد أن أجاب الله دعاءه ﷺ في الحال. وفيه: حماية الله لنبيه ﷺ وأوليائه الصالحين. وفيه: إثبات المعية لله في قول النبي ﷺ : ((لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)).

стр. 4592

والمعية نوعان: الأولى: معية عامة للمؤمن، والكافر، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وقوله : ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾. الثانية: معية خاصة بالمؤمنين، وتأتي في سياق المدح والثناء، ومقتضاها: الحفظ والكلاءة والنصر والتأييد، كقوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، وقوله تعالى- لموسى وهارون-: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله تعالى: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، فهذه الآيات تدل على المعية الخاصة. وفيه: خدمة التابع للمتبوع. وفيه: فضل الصديق ﵁، وأن من توكل على الله حق التوكل كفاه الله ما أهمه، كما قال الله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، أي: كافيه.

стр. 4593

وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ البَرَاءِ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلًا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وقَالَ فِي حَدِيثِهِ: مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ، وَوَثَبَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَاءِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا؛ فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: ((أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ))، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. في هذا الحديث: بيان الثمن الذي اشترى به أبو بكر ﵁ الراحلة، وهو ثلاثة عشر درهمًا. وقوله: ((وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَاءِي))، يعني: لأخفين أمركم عمن ورائي وألبسه عليهم، حتى لا يتبعوكم، وقوله: ((وَهَذِهِ كِنَانَتِي، فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلْمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ))، يعني: يكون سهمُ كنانتي علامةً لغلماني في الطريق، حتى إذا أتيتهم وأعطيتهم العلامة عرفوها وأعطوك ما شئتَ من اللبن، أو الغنم، أو الإبل، وظاهر هذا: أن سراقة له إبل، وله رعاة في الطريق، فقال له النبي ﷺ : ((لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ))، أي: لا نحتاج إلى شيء من ذلك.

стр. 4594

وقوله: ((فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، أي: تجاذبوا ذلك، وحرصوا عليه. وقوله: ((فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ))، وكان هاشم قد تزوج امرأة من بني النجار، فولدت عبد المطلب؛ فلذلك كانوا أخواله، وفيه: أن الرجل العظيم إذا نزل في بلد وله أقارب ينزل على أقاربه؛ يكرمهم بذلك. وقوله: ((فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَوْقَ الْبُيُوتِ وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ، وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)): هذا خير عظيم ساقه الله إلى أهل المدينة، فصار الغلمان ينادون، والجواري ينادين من فوق السطوح: قدم محمدٌ ﷺ ، قدم رسول الله ﷺ ، وأما إنشاد البيتين التاليين: طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعْ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للهِ دَاعْ (١) فهو وهم من بعض الرواة، كما نبه على ذلك ابن القيم وقال: (لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام) (٢) وسند القصة معضل كما قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٣) فلعل ذلك في قدومه من تبوك. كل ذلك فرحًا وسرورًا بقدوم رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قال أنس ﵁: ((لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَقَالَ: مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا)) (٤). * * *

стр. 4595

كِتَاب التَّفْسِيرِ

стр. 4596

كِتَاب التَّفْسِيرِ [٣٠١٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا: حِطَّةٌ، يُغْفَرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ، فَبَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)). [خ: ٣٤٠٣] هذا الكتاب عقده المؤلف في التفسير؛ أَيْ: تفسير الآيات التي فسرها النبي ﷺ ، وهذا الكتاب ليس كبيرًا؛ لأن هذه هي الأحاديث التي أخرجها مسلم ﵀، وكانت على شرطه. وقوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب﴾، أي: باب البلدة، وهي بيت المقدس. وقوله: ﴿وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾ أي: قولوا: يا الله حُطَّ عنا خطايانا، واغفر لنا، ثم وعدهم بأن البلد ستفتح، فغيَّروا القول. وقوله: ((عَلَى أَسْتَاهِهِمْ))، يعني: على أدبارهم، وهو جمع: است. وقوله: ((حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)) قالوا مستهزئين: حبة في شعرة، وفي غير مسلم: ((حِنْطَةٌ فِي شَعَرَةٍ)) (١)، والشعرة هي: السنبلة. وفي هذا الحديث: أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الباب

стр. 4597

سُجَّدًا؛ أي: يركعون تعظيمًا لله ، والركوع يسمى السجود، وذلك شكرًا لله. وفيه: عتو بني إسرائيل، وعنادهم، وتمردهم على أنبيائهم، ومعارضتهم لأمر الله وأمر رسوله ﷺ . وفيه: أنهم غيروا في القول، وفي الفعل؛ بسبب عتوهم وعنادهم. أما في الفعل: فلما أمرهم الله تعالى أن يدخلوا الباب سجدًا دخلوه يزحفون. وأما في القول: فقد غيروا، وقالوا: حنطة في شعرة، أو: حبة في شعرة، فزادوا النون في (حطة) فصارت (حنطة)، أو غيروها من (حطة) إلى (حبة) سخرية واستهزاء- لعنهم الله-، فغيروا في القول وفي الفعل- عياذًا بالله. والجهمية الذين أنكروا صفات الله أيضًا- غيروا؛ ففسروا- مثلًا-: ﴿استوى﴾ باستولى، فزادوا لامًا، كما أن اليهود زادوا نونًا في ﴿حِطَّة﴾؛ ولهذا يقول ابن القيم ﵀: أُمِرَ اليَهُودُ بِأَنْ يَقُولُوا حِطَّةً ... فَأَبَوْا وقَالُوا حِنْطَةً لِهَوانِ وَكَذَلِكَ الجَهْمِيُّ قِيلَ لَهُ اسْتَوَى ... فَأَبَى وَزَادَ الحَرْفَ لِلنُّقْصَانِ قَالَ اسْتَوَى اسْتَوْلَى وَذَا مِنْ جَهْلِهِ ... لُغَةً وَعَقْلًا مَا هُمَا سِيَّانِ (١) وفيه: الحث على امتثال أوامر الله ، واتباع نبيه ﷺ ، فالواجب على المسلم أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يتبع الأوامر، وأن يَحْذَر من التغيير والتبديل. ولما فعل هؤلاء هذا مع نبيهم ورفضوا الانقياد لموسى ﵊، وقالوا له: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾، أي: لا يمكن أن ندخل البلدة التي فيها قوم جبارون ما داموا فيها، قال لهم: إن الله

стр. 4598

وعدني إن أنتم صدَّقتم لينصرنكم، قالوا: لن نستطيع، اذهب قاتل أنت وربك؛ إنا ههنا قاعدون، فعاقبهم الله تعالى بالتيه، وقال: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾، أي: لا يهتدون. لكن البلدة فُتحت بعد ذلك لما هلك هؤلاء، وجاء أبناؤهم الذين نشؤوا تنشئة صالحة على الجهاد وعلى القتال، فدخلوا مع نبيهم ﵇ وفتح موسى بيتَ المقدس. [٣٠١٦] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- يَعْنُونَ: ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ- وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ اللَّهَ تَابَعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . [خ: ٤٩٨٢] في هذا الحديث: إكمال الوحي على النبي ﷺ ، وإكمال الدين وإتمامه، فقد تابع الله تعالى عليه الوحي، فكان أكثر ما يكون في آخر حياة النبي ﷺ .

стр. 4599

[٣٠١٧] حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ- وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: أَشُكُّ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. [خ: ٤٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتْ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا- مَعْشَرَ يَهُودَ- نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ- مَعْشَرَ الْيَهُودِ- لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ. قوله: ((لَيْلَةَ جَمْعٍ))، يعني: في ليلة عيد، والمراد: عشية عرفة، وقد نزلت

стр. 4600

يوم الجمعة على النبي ﷺ ، وهو واقف بعرفة. وفي هذا الحديث: أن هذا اليهودي كان في زمن خلافة عمر ﵁. وفيه: أن أعياد المسلمين شرعية، بخلاف أهل البدع الذين لهم أعياد بدعية. وفيه: معرفة اليهود للحق وعدم اتباعهم، فهم يعرفون أن هذا اليوم عيد، ومع ذلك لم يؤمنوا ولم يتبعوا الحق؛ عنادًا واستكبارًا.

стр. 4601

[٣٠١٨] حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ: الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ اليَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ؛ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. [خ: ٢٤٩٤] وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ.

стр. 4602

قولها: ((هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا)): تُصُوِّرُ الإنسان الذي يكون وليَّ ابنةِ عمه، ليس لها ولي أقرب منه، فليس لها أب ولا أخ، فتنشأ عنده، فإذا كانت جميلة تزوجها- يعني: برضاها- وإن كانت دميمة تركها. وقولها: ((فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ))، أي: يريد أن يتزوجها بغير أن يعدل. وقولها: ((وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ))، يعني: أعلى مهورهن ومهور أمثالهن. وفيه: أن الله تعالى نهاهم أن يتزوج أحدهم يتيمة بغير إذنها، فلا بد أن تأذن، واليتيمة إذنها أن تسكت؛ لحديث: ((لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَنْ تَسْكُتَ)) (١)، فإذا استؤذنت وسكتت فهذا إذنها، وإن تكلمت فهو أبلغ، خلافًا لابن حزم ﵀ الذي يقول: ((وكل ثيب فإذنها في نكاحها لا يكون إلا بكلامها بما يعرف به رضاها، وكل بكر فلا يكون إذنها في نكاحها إلا بسكوتها فإن سكتت فقد أذنت ولزمها النكاح، فإن تكلمت بالرضا أو بالمنع أو غير ذلك فلا ينعقد بهذا نكاح عليها)) (٢)، وهذا جمود من الظاهرية، فهم يقولون: لا بد أن تسكت، أما إذا تكلمت فلا؛ لأنه خلاف الظاهر. وفي هذا الحديث: أن عائشة ﵂ فسرت هذه الآية كما فسرها النبي ﷺ ، وأن هذه الآية في اليتيمة في حجر وليها. وفيه: أن تعدد الزوجات هو الأصل، وأنه يُقتصر على الواحدة عند خوف عدم العدل. وفيه: أن من أراد أن يتزوج موليته فيجب أن يعطيها مهرها كاملًا، مثل مهر أمثالها.

стр. 4603

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ، وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، وَلَهَا مَالٌ، وَلَيْسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنْكِحُهَا لِمَالِهَا، فَيَضُرُّ بِهَا، وَيُسِيءُ صُحْبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، يَقُولُ: مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَدَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا، فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ. في هذا الحديث: أن هذه الآية نزلت في الولي كابن العم، يكون عنده اليتيمة فتكون عندها مال، فيضُرُّ بها ولا يُزَوِّجُهَا، بل يبقيها عنده حتى تموت، فيرثها؛ لأنه لو زَوَّجَها لشاركه زَوْجُهَا في إرثها، فهو لا يريد أن يتزوجها؛ لأنها ليست جميلة، ولا يُزَوِّجُها غَيْرَهُ؛ خشيةَ أن يُشاركه الزَوْجُ في إرثها إذا ماتت. وفيه: أن الواجب عليه أن يُزَوِّجَهَا، وأن يتقي الله . وهذا موجود عند بعض الناس، يُبقي موليته اليتيمة عنده تخدمه، أو تخدم زوجته، أو ترعى إبله أو غنمه، وهذا من الظلم والجور، والواجب عليه أن يُزَوِّجَهَا، وأن يلتمس لإبله أو غنمه خادمًا أو راعيًا.

стр. 4604

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ، فَيَرْغَبُ- يَعْنِي: أَنْ يَنْكِحَهَا- وَيَكْرَهُ أَنْ يُنْكِحَهَا رَجُلًا، فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعْضِلُهَا. قولها: ((قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ)): شَرِكَتْهُ: بكسر الراء، والْعَذْقُ: بِفَتْحِ العين: النخلة أو النخلات، وبكسر العين (عِذق): هو القِنو، والمراد هنا: الأول. وفي هذا الحديث: أن هذا الإرث يكون مشتركًا بينهما؛ كأن يكون وليها ابن عمها، فجدُّهما واحد، فتكون شريكة له في المال، حتى لو كان نخلات في بستان؛ لقولها: ((قَدْ شَرِكَتْهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ)): فيكون لها منه جزء، وله منه جزء.

стр. 4605

[٣٠١٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُهُ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. [خ: ٢٢١٢] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ. [٣٠٢٠] وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. في هذا الحديث: أن ولي مال اليتيم إذا كان ينمي ماله ويصلحه فإن كان الولي غنيًّا فعليه أن يستعفف، وإن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، فيأخذ الأقل من أجرته أو كفايته؛ بحيث إذا كانت أجرة أمثاله عشرة، وكانت كفايته ثمانية فليأخذ ثمانية، وإذا كان العكس؛ بأن كانت أجرة أمثاله ثمانية، وكانت كفايته عشرة فليأخذ ثمانية، وهو يأخذ ذلك؛ لأنه يتفرغ لتنمية مال اليتيم، وإن استعفف فهو أفضل. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ قَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ

стр. 4606

وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، أي: إذ جاء الأحزاب وتحزبوا وتجمعوا وأحاطوا بالمدينة. وفي هذا الحديث: أن هذه الآيات نزلت في غزوة الأحزاب، وتسمى- أيضًا- غزوة الخندق؛ لأن النبي ﷺ حفر خندقًا حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي ﵁، وقد كان معروفًا في فارس، فلما جاء الأحزاب وأحاطوا بالمسلمين أشار سلمان ﵁ بأن يُحفر خندق حول المدينة، وأن يجعل حرس في المداخل، فلما جاءت الأحزاب ليدخلوا المدينة وجدوا المدينة كلها محاطة بحَفْرٍ ما كانت لتستطيع عبوره ومجاوزته مباشرة، فتسقط فيه الخيل والإبل، فقال بعضهم: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها. [٣٠٢١] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ... ﴾ الْآيَةَ، قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنِّي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ. [خ: ٢٤٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي. في هذا الحديث: أن المرأة تكون عند رجل، ويريد أن يطلقها، ويكون لها أولاد وهي لا تريد أن تُطلَّق، فتقول له: أنا أُسقط بعض حقي وتبقيني، فَتُسْقِط بعض حقها؛ كليلتها مثلًا، أو بعض النفقة. ومن هذا الباب: أن سودة بنت زمعة ﵂ زوج النبي ﷺ لما كبر سنها

стр. 4607

وخشيت أن يطلقها النبي ﷺ قالت: يا رسول الله، أتبقيني عندك، وأهب ليلتي لعائشة؟ فبقيت عند النبي ﷺ ، وصار يقصد عائشة ﵂ ليلتين (١). ومن هذا القبيل: زواج المسيار الآن، كأن يتفق معها أن تسقط بعض حقها، كأن تسقط ليلة من حقها، أو تكتفي منه بأن يأتيها ليلة في الأسبوع، فالحق لها، وإذا أرادت أن ترجع فيما بعد فلها أن ترجع، فإن أعطاها حقها وإلا تطلب الطلاق. [٣٠٢٢] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي، أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَبُّوهُمْ. وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ. في هذا الحديث: أن هؤلاء المقصودين هم الخوارج والشيعة، فالخوارج سبُّوا عليًّا ﵁ وأصحابه، والشيعة الرافضة سبُّوا الصحابة ﵃ وكفَّروهم. وقولها: ((أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ )، أي: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فهذا أمر الله تعالى لمن أتى بعد الصحابة ﵃ أن يستغفروا للمهاجرين والأنصار بعد أن قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

стр. 4608

وقد سُمي الخوارج الذين سَبُّوا عليًّا وأصحابه بالنواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت. [٣٠٢٣] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ. [خ: ٤٥٩٠] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ، وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ: إِنَّهَا لَمِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ. في هذا الحديث: أن سعيد بن جبير ﵀ رحل إلى ابن عباس ﵄ ليسأله عن هذه الآية لمَّا اختلف أهل الكوفة في تفسيرها، وهذا أصل في الرحلة في طلب العلم. وفيه: أن العلماء ما زالوا يرحلون في طلب العلم؛ وذلك لأن العلم هو الذي يضبط للإنسان العمل، فليس هناك عمل صحيح إلا بالعلم، فالعلم هو وسيلة العمل، والعلم هو طريق السعادة والنجاة، وما زال العلماء يرحلون في طلبه؛ ولهذا قال العلماء: الرحلة في طلب العلم سُنَّة. وقد رحل الصحابة ﵃ في طلب العلم، ففي المسند: أن جابر بن عبد الله ﵄ رحل مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس ﵁ من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، واشترى بعيرًا خصَّصه لهذه المهمة، فلما وصل إليه، وسلم عليه قال: ((حَدِيثًا بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ

стр. 4609

اللهِ ﷺ فِي الْقِصَاصِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَمُوتَ، أَوْ أَمُوتَ قَبْلَ أَنْ أَسْمَعَهُ)) (١)، وهذا يدل على عناية العلماء بذلك؛ ولهذا لما ساق الإمام مسلم ﵀ الأحاديث، وتذكَّر المشقة والتعب الذي حصل له في جمعه لطرق الحديث روى الأثر القائل: ((لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ)) (٢)؛ ليبين لطالب العلم أن العلم لا يُنال إلا بالمشقة، ولا تجد عالمًا من العلماء، أو طالبَ علم حصَّل العلم براحة الجسم، بل بالسهر والتعب، والتضحية بالملذات والشهوات. وفيه: أن مقصود ابن عباس ﵄ من قوله: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ)): أن القاتل لا توبة له، وأنها آخر ما نزل، وهذا هو المشهور عن ابن عباس ﵁. وفيه: أنها نزلت بعد آية الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. والصواب الذي عليه جماهير الصحابة ﵃ ومن بعدهم من العلماء: أن القاتل له توبة إذا لم يستحِلَّ القتل، وكذلك المشرك إذا تاب التوبةَ النصوح قبل الموت بشروطها فله توبة (٣)؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم﴾، وقد أجمع العلماء على أنها نزلت في التائبين. والكل يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلا رسول الله ﷺ ، وإن اختلف أهل العلم من الصحابة وغيرهم وجب عرض أقوالهم على الكتاب والسنة، أما إذا قال الصحابي قولًا، وليس في المسألة دليل ولا نص ولم يخالفه صحابيٌّ آخر،

стр. 4610

فإنه يكون حجةً على الصحيح، فإن خالفه قول صحابي آخر يُرجع إلى النصوص والقواعد الشرعية. وأما قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه لغير التائبين؛ لأن الله تعالى خص الشرك بأنه لا يُغفر، وعلَّق ما دونه على المشيئة. والقاتل داخل في عموم قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾ فمن تاب تاب الله عليه. لكن يُشترط لتوبة القاتل أداءُ ثلاثة حقوق: حق الله، وحق القتيل، وحق أولياء القتيل، فإذا أدى الحقوق الثلاثة صحت التوبة. أما حق أولياء القتيل: فأن يسلم نفسه إليهم ليصطلح معهم، إما أن يقتلوه قصاصًا، وإما أن يدفع لهم الدية، أو أكثر منها، وإما أن يعفوا عنه دون دية، أو قود، فإذا سلَّم نفسه إليهم سقط حقهم. وحق الله تعالى أن يتوب توبة نصوحًا، بأن يُقلع، ويندم، ويعزم عزمًا جازمًا على ألا يعود إليه، فإذا فعل سقط حق الله. وأما حق القتيل: فإن الله تعالى يرضيه يوم القيامة بما يعطيه من الثواب والأجر العظيم فيعفو عنه. وروي عن ابن عباس ﵄ أيضًا- رواية أخرى توافق رأي الجمهور، وهي: أن القاتل له توبة (١). وليس معنى قول ابن عباس ﵄: أنه لا توبة له: أنه مخلد في النار كالمشرك، بل المعنى: أنه لا يُعفى عنه، لكن يعذب بقدر جريمة القتل، ثم في النهاية يدخل الجنة، هذا إذا رجحت سيئاته على حسناته، أما إذا رجحت الحسنات فإنه يسقط منها ما يقابل جريمة القتل، ولا يدخل النار،

стр. 4611

بخلاف الكبائر الأخرى، فإن فاعلها تحت مشيئة الله، إما أن يعفو عنه دون استنقاص شيء من حسناته، وإما أن يعذبه. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ. [خ: ٤٧٦٥] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ- يَعْنِي: شَيْبَانَ- عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مُهَانًا﴾، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِي عَنَّا الْإِسْلَامُ، وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ... ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَلَا تَوْبَةَ لَهُ. قوله: ((وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ))، يعني: أشركنا، فالمشرك يعدل بالله تعالى غيره، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. وقد روي عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا النَّارُ، فَلَمَّا ذَهَبَ قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ: مَا هَكَذَا كُنْتَ تُفْتِينَا، كُنْتَ تُفْتِينَا أَنَّ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ مَقْبُولَةٌ، فَمَا بَالُ الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْسِبُهُ رَجُلٌ

стр. 4612

مُغْضَبٌ، يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، قَالَ: فَبَعَثُوا فِي أَثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ)) (١). وجُمِع بين فتواه ﵁ بأن القاتل له توبة، وفتواه بأنه ليس له توبة بأن هذا الذي قال له: لا توبة للقاتل قالها لما رآه متهيئًا للقتل، فأراد أن يزجره، والثاني جاء نادمًا تائبًا عليه علامة التوبة والذل والانكسار، فقال له: إن للقاتل توبة؛ لئلَّا يقنطه من رحمة الله تعالى. ولا شك أن القتل جريمة عظيمة من الجرائم البشعة، وهو من أعظم الذنوب، لكن الجرائم مهما بلغت من البشاعة والفحش فإن باب التوبة مفتوح. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى- وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ... ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ هَاشِمٍ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾. في هذا الحديث: أن الراجح من أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾: أنها عامة في أهل الشرك وفي غيرهم، وفي القاتل، وفي كل

стр. 4613

معصية، فمن تاب توبة نصوحًا وأَتبع التوبةَ بالعمل الصالح بدَّل الله سيئاتِهِ حسناتٍ- وإن دخل فيها الشرك- فالآية عامة؛ للقاعدة: أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وهناك دليل خاص في أن القاتل له توبة؛ وهو حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا (١). وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾: هذا جزاء القاتل إن جازاه، وإلا فهو تحت مشيئة الله. [٣٠٢٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ- وَقَالَ هَارُونُ: تَدْرِي- آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قَالَ: صَدَقْتَ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ- وَلَمْ يَقُلْ: آخِرَ- وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: آخِرَ سُورَةٍ، وَقَالَ: عَبْدِ الْمَجِيدِ، وَلَمْ يَقُلْ: ابْنِ سُهَيْلٍ. في هذا الحديث: بيان أن هذه السورة نزلت في آخر ما أنزل من القرآن، وقد نزلت جملة واحدة في آخر حياة النبي ﷺ ، وفيها الإعلام بأجل رسول الله ﷺ ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: ((كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾،

стр. 4614

فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ)) (١). ومعنى آيات السورة: أنه إذا فُتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فأكثر من الاستغفار والتسبيح، واستعِدَّ للقائنا؛ فإن مهمتك في الدنيا قد قضيت. [٣٠٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- قَالَ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿السَّلَامَ﴾. [خ: ٤٥٩١] في هذا الحديث: أن حفصًا والجمهور قرؤوا في هذه الآية: ﴿السلام﴾، وفي قراءة ثانية (السلم). ومعنى قوله تعالى: ﴿ألقى إليكم السلام﴾، أي: قال: السلام عليكم. وفيه: أنه يجب التثبت وعدم العجلة لمن أعلن إسلامه، فلا يجوز قتله، بل يمهَل المشركُ، ويُنظَر إذا قال: السلام عليكم، أو قال: أسلمتُ، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإن قالها وجب الكفُّ عنه، وحُكم بإسلامه، ثم يُنظَر بعد ذلك هل يلتزم بأحكام الدين، أم لا، فإذا لم يلتزم قُتل بعد ذلك ردةً. وفيه: أنهم أخذوا هذا الرجل وأخذوا غنيمته، فقال الله معاتبًا لهم: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، أي: تبتغون الغنيمة.

стр. 4615

ثم قال الله تعالى: ﴿كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا﴾، يعني: أنتم قبل ذلك كنتم مثله مشركين، فَمَنَّ الله عليكم بالإسلام، فتبينوا، يعني: فتثبتوا، وهي هكذا في قراءة: (فتثبتوا). وفيه: أن هذا خطأ حدث منهم اجتهادًا، مثل ما حصل لخالد بن الوليد ﵁ لما جاء إلى بني جذيمة، وجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، يريدون: أسلمنا، فجعل خالد يقتلهم، فشدد النبي ﷺ عليه، ورفع يده، وقال: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ- مَرَّتَيْنِ)) (١)، وغرم ديتهم، ومع ذلك لم يعزله عن قيادة الجيش؛ لأنه فعل ذلك عن اجتهاد، لكن الله تعالى يؤدِّب عباده ويعاتبهم. [٣٠٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولَ: كَانَتْ الْأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. [خ: ١٨٠٣] في هذا الحديث: أن سبب نزول هذه الآية: أن من الآصار التي كانت على الناس في الجاهلية: أنه إذا حج الواحد منهم، ثم أتى بيته لا يدخله من الباب، بل يتسلق الجدار، فأنزل الله هذه الآية؛ رفعًا للحرج والمشقة التي لحقتهم بهذه الآصار والأغلال الجاهلية.

стр. 4616

بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [٣٠٢٧] حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ. في هذا الحديث: أن أصحاب النبي ﷺ تربوا على هدي القرآن، وهذه الآية من آيات التربية القرآنية لهم. وفيه: دليل على أن هذه المدة كافية في تربيتهم واعتزازهم بدينهم وبُعدهم عن غيرهم من المسلمين. وفي الآية: تحريضهم على الخشوع، ونهيهم عن التشبه بالكافرين في قسوة القلوب والفسق.

стр. 4617

بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [٣٠٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. في هذا الحديث: أن الواحد في الجاهلية كان إذا خرج إلى مكة للحج والعمرة لا يطوف بثيابه؛ لأنه يقول: هذه ثياب عُصِيَ الله فيها، وقد تنجست، فيرميها، فإن وجد أحدًا يعطيه ثوبًا من أهل مكة طاف به، وإن لم يجد طاف عريانًا. وفيه: أنهم كانوا يتورَّعون عن الطواف بثياب المعصية مع فعلهم لما هو أعظم؛ وهو الشرك بالله .

стр. 4618

بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [٣٠٢٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ- حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فَابْغِينَا شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ، فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَا، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: غفور رحيم للفتيات المكرَهات. وفي هذا الحديث: أن قول الله تعالى: ﴿إن أردن تحصنًا﴾: ليس قيدًا، ولا يفيد الإذن بالزنا إذا لم يُرِدْنَ تحصُّنًا، بل المراد: بيان الواقع والحال ووصف الغالب، وهذا مثل: قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم﴾، ففيه بيان تحريم الربيبة التي في الحجر، وهذا ليس قيدًا، بل تحرم الربيبة ولو لم تكن في الحجر، وذُكرت لبيان الواقع، أو لبيان الأغلب، ومثله: قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه﴾ فدعاء غير الله شرك، ولكن قول الله: ﴿لا برهان له به﴾ لبيان واقع المشرك، وليس يدل على أنه إذا كان عنده برهان جاز الشرك.

стр. 4619

بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [٣٠٣٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يُعْبَدُونَ، فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ. [خ: ٤٧١٤] حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الْإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ- يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ- عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ الْجِنِّيُّونَ وَالْإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَنَزَلَتْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. في هذا الحديث: أن نفرًا من الإنس كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم

стр. 4620

الجنيون، وبقي الإنس على عبادتهم، فأنزل الله تعالى القرآن يخبرهم فيه: أن أولئك الذين تعبدونهم يدعون الله ويخافونه ويرجون رحمته، فكيف تعبدونهم وهم يعبدون الله ويخافونه؟ ! والذي يخاف ويرجو لا يَصلح للعبادة.

стр. 4621

بَاب فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ، وَالْأَنْفَالِ، وَالْحَشْرِ [٣٠٣١] حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، قَالَ: آلتَّوْبَةِ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنْ لَا يَبْقَى مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا، قَالَ: قُلْتُ: سُورَةُ الْأَنْفَالِ، قَالَ: تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: فَالْحَشْرُ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ. [خ: ٤٨٨٢] قوله: ((آلتَّوْبَةِ؟ )): بتسهيل الهمزة، فأصلها: أألتوبة، ومعناه: أهي التوبة؟ وقوله: ((بَلْ هِيَ الْفَاضِحَةُ)): لأنها فضحت المنافقين بأوصافهم. وقوله: ((تِلْكَ سُورَةُ بَدْرٍ)): لأن قصة غزوة بدر ذُكرت في سورة الأنفال. وقوله: ((فَالْحَشْرُ؟ قَالَ: نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِيرِ)): جاء في البخاري: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الحَشْرِ، قَالَ: ((قُلْ سُورَةُ النَّضِيرِ)) (١) كأنه أراد ألا يظن أن المراد يوم القيامة، وإنما هو حشر خاص بإخراج بني النضير. * * *

стр. 4622

بَابٌ فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ [٣٠٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ- أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. [خ: ٥٥٨٨] وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلَاثٌ- أَيُّهَا النَّاسُ- وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ. ح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَيَّانَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ فِي حَدِيثِهِ: الْعِنَبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: الزَّبِيبِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُسْهِرٍ. في هذا الحديث: أن هذه الأشياء الخمسة كانت تُصنع منها الخمر في زمن الناس على عهد النبي ﷺ ، وليس المراد: حصر النص على هذه الخمسة، بل يلحق بها كل ما كان مسكرًا؛ ولهذا ذكر ذلك عامة، وقال:

стр. 4623

((الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ))، فكل ما يخامر العقل ويغطيه- بأي وسيلة- يسمى خمرًا، سواء كان مشروبًا، أو مشمومًا. وقد تُصنع الخمر من التمر، ويسمى هذا النوع: المريس، يُصَبُّ عليه الماء، ويبقى ثلاثة أيام في الحر ليتخمر، كذلك العنب يعصرونه، وكذلك الشعير والبر والحنطة يُعصر، ويُصَبُّ عليه الماء في شدة الحر، ويبقى ثلاثة أيام في الغالب. والآن وُجدت أنواع كثيرة لا حصر لها من المشروبات، وكلها إذا خامرت العقل فهي حرام. وفيه: أنه قد تخفى بعض مسائل العلم على بعض العلماء مع جلالتهم ووافر علمهم. وقوله: ((وَثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَدِدْتُ- أَيُّهَا النَّاسُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا: الْجَدُّ، وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا)): هذه الثلاثة أُشكلت على عمر ﵁، وهي معلومة. فأُشكل على عمر ﵁: هل يرث الجد مع الإخوة، أو لا يرث، والصواب الذي تدل عليه النصوص- وهو اختيار الصِّديق ﵁ (١): أن الجد حكمه حكم الأب؛ لأن الله تعالى سمى الجد أبًا، قال الله تعالى: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء﴾. وكذلك أشكلت الكلالة على عمر ﵁، وجاء تفسيرها بأنها: ميراث من لا ولد له، ولا والد (٢)، قال الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾

стр. 4624

والدليل: أنه ورَّث الإخوة، والإخوة لا يرثون مع وجود الأب؛ ولهذا يرث الإخوة مع البنات، لكن مع وجود الأب، والجد لا يرث الإخوة مع البنات؛ لأن الأب يحجبهم. وكذلك أبواب الربا كلها واضحة، لكن أُشكل هذا على عمر ﵁.

стр. 4625

بَابٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [٣٠٣٣] حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا: إِنَّ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ بَرَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. [خ: ٣٩٦٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يُقْسِمُ: لنَزَلَتْ ﴿هذَانِ خَصْمَانِ﴾، بِمِثْلِ حدِيثِ هُشَيْمِ. قوله: ((عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ)): عُبَاد: بضم العين وتخفيف الباء الموحدة، وما عداه فهو بفتح العين وتشديد الباء المفتوحة (١).