صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِيهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُلِ)).
[خ: ٢٦٦٣]
[٣٠٠٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمِدَ الْمِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ- وَكَانَ رَجُلًا ضَخْمًا- فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْنُكَ؟ ! فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ)).
وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ. ح، وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنِ المِقْدَادِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ.
في هذه الأحاديث: النهي عن المدح؛ لِمَا يفضي إليه من العُجب، والكبر، والتعاظم، والخيلاء، فإنه إذا مدح إنسان إنسانًا وأكثر من مدحه، فإنه قد يسبب له ضررًا كبيرًا؛ لهذا نهى النبي ﷺ عن المدح، وقال للمادح: ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ))، وفي رواية ثانية: ((لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ- أَوْ: قَطَعْتُمْ- ظَهْرَ الرَّجُل))، يعني: تسببتم في هلاكه في دينه؛ لأن المدح الكثير يفضي إلى العجب، والكبر.
стр. 4553
ويُستثنى من هذا الشيءُ القليل الذي لا يؤثر، كما مدح النبيُّ ﷺ الصديقَ ﵁، ففي الحديث: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) (١)، وكما قال- في استرخاء إزاره ﵁: ((لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاءَ)) (٢)، وكما مدح عمرَ ﵁، فقال: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)) (٣)، وكما مدح عثمان ﵁، قال: ((أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ ! )) (٤).
وذكر النووي ﵀ وجه الجمع بين هذه الأحاديث، فقال: ((قال العلماء: وطريق الجمع بينها: أن النهي محمول على المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف عليه فتنة من إعجاب ونحوه إذا سمع المدح، وأما من لا يُخاف عليه ذلك؛ لكمال تقواه، ورسوخ عقله ومعرفته فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة كنشطه للخير، والازدياد منه، أو الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبًّا، والله أعلم)) (٥).
قلت: والذي يظهر لي: أن الشيء القليل هو الذي يستثنى، أما الكثير فلا ينبغي.
стр. 4554
وقوله: ((فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا أَحْسِبُهُ)): هذا الأمر ليس للوجوب، بل هو للاستحباب، بدليل أن النبي ﷺ لما مدح أبا بكر ﵁، وعمر ﵁، وعثمان ﵁ لم يقل لواحد منهم: أحسبه والله حسيبه؛ فدل على أن هذا الأمر للاستحباب.
وقوله: ((قَامَ رَجُلٌ يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَحْثِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ)): هذا الحديث حمله بعضهم على ظاهره، وأنه يُحثَى على وجه المادح التراب.
وبعضهم: تأوله، بأن المعنى: خيِّبوهم، فلا تعطوهم شيئًا لمدحهم.
وقال بعضهم: إذا مُدحتم فاذكروا أنكم من تراب، فتواضعوا، ولا تعجبوا بأنفسكم، وهذا ضعيف.
والصواب: القول الأول؛ أنه على ظاهره، وأنه يُحثى في وجه المادح التراب، ولكن هذا الحَثْيَ ليس للوجوب، بل للاستحباب، والدليل على أنه للاستحباب: قوله ﷺ : ((وَيْحَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ- مِرَارًا))، فقال: قطعت عنق الرجل، ولم يَحْث في وجهه الترابَ، فدل على أن حَثْيَ التراب في وجه المادح للاستحباب؛ لأن فيه اللوم والتوبيخ، ولكن هذا إذا لم يترتب عليه مفسدة، وهذا الأخير مأخوذ من نصوص أخرى، ومن قواعد الشريعة، أما إذا كان يترتب على هذا الفعل شر فلا يُحثَى على وجهه التراب، بل يُكتفَى بنصحه ووعظه.
стр. 4555
بَابُ مُنَاوَلَةِ الْأَكْبَرِ
[٣٠٠٣] حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرٌ- يَعْنِي: ابْنَ جُوَيْرِيَةَ- عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الْأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الْأَكْبَرِ)).
[خ: ٢٤٦]
في هذا الحديث: أن رؤيا الأنبياء نوع من أنواع الوحي، وهي حق يؤخذ منها الأحكام، قال الله تعالى- عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾، ثم قال الله بعد ذلك: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾.
وفيه: أن النبي ﷺ رأى في المنام أنه يتسوك، فجذبه رجلان، فدفع السواك إلى الأصغر منهما، فقيل له: ((كَبِّرْ))، أي: ادفعه إلى الأكبر منهما، فدفعه إلى الأكبر.
وجاء في قصة عبد الله بن سهل ﵁: أنه لما قُتل في خيبر، وجاء أخوه عبد الرحمن، وابنا عمه حويصة ومحيصة، فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغر منهم، فقال له النبي ﷺ : ((كَبِّرْ كَبِّرْ)) (١)، أي: ليتكلم الأكبر منكما.
وفيه: دليل على أن استعمال سواك الغير لا بأس به.
стр. 4556
وفيه: دليل على تقديم حق الأكبر من الجماعة الحاضرين، والبداية به في الأشياء التي فيها مساواة ولا يمكن قسمتها، أو إذا كان الحاضرون متساوِينَ في الفضل.
أما إذا كان الشيء يمكن قسمته بين الجميع وعن يمينه ويساره أشخاص فإنه يبدأ باليمين، كما في حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلامِ: ((أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاءِ؟ ))، فَقَالَ الغُلامُ: لَا- وَاللَّهِ- لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ)) (١).
стр. 4557
بَابُ التَّثَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ
[٢٤٩٣] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ- وَعَائِشَةُ تُصَلِّي- فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا، وَمَقَالَتِهِ آنِفًا؟ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ.
[خ: ٣٥٦٧]
في هذا الحديث: أن أبا هريرة ﵁ كان يحدِّث بمسجد النبي ﷺ ، وكانت حجرة عائشة ﵂ لها باب إلى المسجد، فكان أبو هريرة ﵁ يحدِّث، ويقول: ((اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ))، يعني: اسمعي يا عائشة، فإن كان عندكِ ما يخالف قولي فبينيه لي، ((فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا)) أي: لما سلَّمتْ أنكرت عائشة ﵂ على أبي هريرة ﵁ قوله، فـ ((قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا؟ وَمَقَالَتِهِ آنِفًا))، أي: قالت هذا لابن أختها عروة بن الزبير، ثم قالت: ((إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لَأَحْصَاهُ))، أي: لو أراد المستمع عدَّ كلماته، أو حروفه لأمكنه ذلك بسهولة حتى تُحفَظ، وقد قال ﵊: ((إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ)) (١)؛ لأن الكلام الكثير يُنسي بعضه بعضًا، فكأنها ﵂ كانت ترى عدم الإكثار، وأبو هريرة ﵁ له وجهة نظر وهي انتهاز الفرصة؛ ليبلِّغ ما عنده.
لكن إذا دعت الحاجة إلى التطويل فإن النبي ﵊ كان يطيل، كما ثبت من فعله ﷺ ، ومن ذلك: ما رواه عمرو بن أخطب ﵁: ((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ،
стр. 4558
فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ، وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا)) (١).
[٣٠٠٤] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
قوله ﷺ : ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)): هذا كان في أول الأمر؛ خشية أن يختلط الحديث بالقرآن، ثم بعد ذلك لما أُمن اللبس وزال المحظور أذن النبي ﷺ بالكتابة، كما في قوله ﷺ : ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ)) (٢)، وثبت عن أبي هريرة ﵁ قوله: ((مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلا أَكْتُبُ)) (٣).
وكُتب عنه عليه الصلاة السلام كتاب في الصدقات، والديات، فعملت به الأمة، ولم ينكره أحد، وقد أمر ﵇ أمته بالتبليغ، فإذا هي لم تكتب ذهب العلم.
وثبت أن عليًّا ﵁ كانت عنده صحيفة فيها: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وأسنان الإبل (٤).
стр. 4559
فكل هذا يدل على جواز الكتابة، وأن النهي منسوخ.
وقيل: إن النهي محمول على من يثق بضبطه وحفظه، وأما من كان حفظه ضعيفًا ولا يثق بحفظه فله أن يكتب.
وقيل: إن النهي عن الكتابة في صحيفة واحدة مع القرآن، أما إذا كان القران في صحيفة، والحديث في صحيفة أخرى فلا بأس.
والقول بإن النهي كان خشية أن يلتبس القرآن بالحديث، ثم بعد ذلك رَخَّص النبي ﷺ بالكتابة هو الصواب.
وقوله ﷺ : ((وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ)): فيه: إباحة الحديث عنه، وتبليغ ما سمع منه، وأما قوله ﷺ : ((وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ)) (١) فإنه يعني: في الأمور التي لا تخالف الشرع، أما ما يخالف شرعنا فهذا لا يُحدَّث به عنهم.
وقوله: ((وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ- قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: مُتَعَمِّدًا- فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)): فيه: وعيد شديد على من يتعمد الكذب، وأنه من كبائر الذنوب، بل بالغ بعضهم فقال: إن من تعمد الكذب على النبي ﷺ صار مرتدًّا (٢)، والمشهور عند العلماء: أن الكذب على النبي ﷺ من كبائر الذنوب العظيمة.
وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ)).
قوله: ((فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَأَعْجَبَهُ)): فيه: أنه لو لم يتعلم منه لهلك وصار مثل هؤلاء الكفار في زمانه.
وهذا الراهب هو من رهبان النصارى الذين كانوا على الحق قبل التغيير والتبديل.
وقوله: ((فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ)): فيه: أنه لا بأس بالكذب لإنقاذ النفس أو الغير من الهلاك.
وقوله: ((فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ آلسَّاحِرُ أَفْضَلُ، أَمِ الرَّاهِبُ أَفْضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ)): هذا أولًا ولم يكن قد تبين الأمر بعدُ، ولم يذق حلاوة الإيمان، فلما رأى هذه الدابة تمنع الناس من المرور أخذ حجرًا، ودعى ربه، فقال: اللهم إن كان أمرُ الراهب أحبَّ إليك فاقتل هذه الدابة؛ حتى يمر الناس، فرماها بحجر، فقتلها فمر الناس، ويحتمل أن تكون هذه الدابة حية، وجاء في رواية الترمذي: ((إِنَّ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَانَتْ أَسَدًا)) (١).
وقوله: ((فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَيَّ، أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى)): هذا اعتراف من الراهب بفضل الغلام، وقوله: ((أَيْ بُنَيَّ)): هذا تلطف من الكبير للصغير، وهذه البنوة ليست بنوة نسب، وإنما هي بنوة الكِبَر، والتعليم، والراهب قال هذا الكلام للغلام لما رأى الكرامة التي أكرمه الله بها من قتله للدابة، وتوجهه إلى الخير والاستقامة، وقال
стр. 4563
له: ((إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ))، وقد عرف الراهب هذا؛ لأن الله تعالى لا بد أن يمحص المؤمن ويبتليه لحكمته، وقد قال تعالى: ﴿ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ [؟ ؟ : ؟ ؟ ]، فيبتلى صاحب الدين أولَ أمره، فإذا نجح في الامتحان وصبر كانت له العاقبة.
وقوله: ((وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوَاءِ)): هذه كرامة من كرامات الأولياء، وأول الكرامات: أنه قتل الدابة، والثانية: أنه صار يبرئ الأكمه- وهو الذي يولد أعمى-، والأبرص، فيدعو الله أن يشفيهم على يديه فيشفيهم.
وفيه: إثبات الكرامات للأولياء، ولهذا أمثله كثيرة، ومن ذلك: ما حصل لمريم ﵍ من الكرامات، فقد كانت تأتيها فاكهة الشتاء في زمن الصيف، وفاكهة الصيف في زمن الشتاء (١).
وكما حصل لخبيب ﵁ لما أرادوا قتله وجدوا عنده قطفًا من العنب يأكل منه، حتى قيل فيه: ((وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ)) (٢).
وقوله: ((فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ، فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ))، يعني: أن هذا الأعمى كان كافرًا، وكان يجلس عند الملك، فلما سمع أن هذا الغلام يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله جاء إليه بهدايا كثيرة، وقال له: هذه الهدايا كلها لك إن شفيتني، فقال له الغلام: أنا لا أشفي؛ وإنما الشافي هو الله ، فإن آمنتَ بالله دعوتُ الله لك فشفاك، فآمن الأعمى، فدعى الله له فشفاه.
стр. 4564
وقوله: ((فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ)): هذا يدل على أن هذا الملك الكافر كان يدعي الربوبية- والعياذ بالله- مثل فرعون.
وقوله: ((فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِئْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِئْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ)): كل ذلك وهو صابر على دينه، وهذا يدل على أن هذا الراهب كان من علماء الحق الذين لم يغيروا أو يبدلوا، وإنما بقي ثابتًا على التوحيد، وكذلك كان جليس الملك قد تمكن الإيمان من قلبه؛ ولذا بقي ثابتًا حتى قُتل.
وقوله: ((فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ)): وهذا من كرامات الأولياء، فقد كفاه الله شرهم، وأهلكهم.
وقوله: ((فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ، فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ)): القُرقور: قيل: السفينة الصغيرة، وقيل: السفينة الكبيرة، وهذه كرامه ثانية، حيث وكل أمرهم إلى الله ، فأنجاه الله، ((فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ))، أي: انقلبت بهم السفينة وسلم منهم، فعاد إلى الملك يمشي، ((فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ)).
وقوله: ((إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي)): فيه: نصح هذا الغلام لله، ولدينه، وللدعوة إلى دين الله ، ولخلقه؛ لأنه أراد أن يشاهد الناس ذلك حتى يؤمنوا، ففعل الملك ما أمره به الغلام، ((فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ
стр. 4565
كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ ثُمَّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ))، فعلم الناس حينها أن الملك لم يستطع قتله إلا بالاستعانة بربِّ الغلام، وهذا الذي كان يريده الغلام، فقالوا جميعًا: ((آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ)).
وقوله: ((فَأُتِيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ- وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ-، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَخُدَّتْ))، أي: جيء للملك، وقيل له: هذا الذي كنت تخاف منه قد حصل، وهو إيمان الناس؛ حيث خدعك الغلام، فقال لك: اجمع الناس في صعيد واحد، وقل: بسم الله ربِّ الغلام، فستقتلني، ففعلتَ، فآمن الناس!
وقوله: ((وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ، فَأَحْمُوهُ فِيهَا أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ))، أي: أمر الملك بأن تُشقَّ الأرض، وتُحفر، وتُضرم فيها النيران، ثم يُقذف فيها من لم يرجع عن دينه، وهذا ابتلاء وامتحان لهؤلاء الناس الذين آمنوا بربِّ الغلام.
وقوله: ((فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ)): فيه: أن الله أنطق هذا الغلام وهو في المهد، فقال لأمه: ((يَا أُمَّهْ، اصْبِرِي؛ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ)): وهذا من الغلمان الذين تكلموا وهم في المهد.
وهؤلاء القوم هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله حالهم، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [؟ ؟ : ؟ ؟ ].
وفي هذا الحديث: أنه كان في شرع مَن قبلنا عدمُ جواز التكلم بكلمة الكفر، ولو أكره عليها، بأن عُذِّب، أو هُدِّد بالقتل، أو بالسجن؛ ولهذا فإن الراهب قُتل
стр. 4566
بالمنشار وشُق نصفين، ولم يتكلم بكلمه الكفر، وكذلك جليس الملك، ومن أُلقوا في النار لم يتلفظوا بكلمة الكفر، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا في حديث آخر، فقال ﷺ : ((كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) (١).
أما في شرعنا فإذا أُكره الإنسان إكراهًا حقيقيًّا مُلجِئًا، بأن يعذَّب، أو يهدَّد بالقتل، أو بالسجن، أو التعذيب- جاز له الأخذ بالرخصة، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، قال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، فهذا من التوسعة في شرعنا، والحمد لله، ومن صبر وتحمل كما تحمل الإمام أحمد ﵀ في فتنة القول بخلق القرآن وصبر فلا بأس.
أما إذا تكلم بكلمة الكفر من غير إكراه مختارًا ذاكرًا عالمًا فإنه يكفر، وكذلك من تكلم بكلمة الكفر هازلًا يكفر، وكذلك من تكلم بكلمة الكفر مكرهًا واطمئن قلبه بالكفر فإنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن من شرح بالكفر صدرًا﴾، ولقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾.
وهذا الغلام هل كان بعد موسى، أو بعد عيسى عليهما الصلاة والسلام؟
يحتمل أن يكون بعد عيسى ﵇؛ لأن هذا الغلام أوتي كرامات من جنس ما أوتي عيسى ﵇ حيث كان يبرئ الأكمه، والأبرص.
стр. 4567
ويحتمل أن يكون بعد موسى ﵇؛ لأنه أعطي كرامات من جنس ما اشتهر به موسى ﵇، حيث أعطاه الله شيئًا من الحق يقابل ما يفعله السحرة، كما أن موسى ﵇ أعطاه الله من الآيات ما فاق به السحرة، وعلموا أن ما هم فيه باطل، وأن موسى ﵇ على الحق.
هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا- وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ- رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ))، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
في هذا الحديث والأحاديث التي بعده: الحرص على طلب العلم، وأنه ينبغي للمسلم أن ينتهز الفرصة ما دام أهل العلم موجودين؛ ولهذا قال ﵁: ((خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا))، يعني: قبل أن يموتوا، ويذهب العلم بموتهم؛ لأن ذهاب العلم يكون بذهاب العلماء، كما جاء في قوله ﷺ : ((إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)) (١).
وقوله: ((فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ): أبو اليسر- بفتح المثناة التحتية وفتح السين المهملة- صاحب النبي ﷺ ، ((وَمَعَهُ غُلَامٌ))، أي: عبد مملوك.
وقوله: ((مَعَهُ ضِمَامَةٌ))، أي: رزمة من صحف.
وقوله: ((وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ)): البردة: شملة مخططة، وقيل: كساء مربع فيه صغر يلبسه الأعراب، والمعافري: بفتح الميم نسبة إلى بلدة في اليمن، تأتي منها الثياب المعافرية، وهذا فيه: أنه ساواه بنفسه، فألبسه مما يلبس.
وقوله ﵁: ((فَقَالَ لَهُ أَبِي))، يعني: الوليد.
وقوله: ((يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ؟ ))، أي: أرى تغيُّرًا على
стр. 4570
وجهك، قال: ((قَالَ: أَجَلْ، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ الْحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ)): كلمة: (أَجَلْ) هذه جواب، مثل: (نَعَمْ)، لكنها أقوى منها، وهي للتقريب، و (الحرامي) بالحاء المهملة والراء، نسبة إلى ابن حرام، بطن من الأنصار، وروي بالحاء، والزاي: (الحَزَامِيِّ)، لكن الأرجح: (الحَرَامِيِّ).
وقوله: ((فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: ثَمَّ هُوَ؟ )): فيه: مشروعية السلام عند الاستئذان على أهل شخص، و (ثَمَّ) ظرف مكان، و (ثَمَّ هُوَ)، أي: أَثَمَّ هُوَ؟ على حذف حرف الاستفهام، والمعنى: هل هو موجود في البيت؟ قالوا: لا.
وقوله: ((فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ))، يعني: خرج من البيت ابن صغير له قارب البلوغ، وقيل: ابن خمس سنين، وقيل: أقل من ذلك، فسأله: ((أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي)): الأريكة يعني: السرير فى الحجلة.
وقوله: ((فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ فَخَرَجَ))، أي: لقد علمت مكانك؛ لأن البيوت لم تكن بعيدة مثلما هو حاصل في البيوت الآن.
وقوله: ((فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ لَا أَكْذِبُكَ: خَشِيتُ- وَاللَّهِ- أَنْ أُحَدِّثَكَ فَأَكْذِبَكَ، وَأَنْ أَعِدَكَ فَأُخْلِفَكَ، وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنْتُ- وَاللَّهِ- مُعْسِرًا))، يعني: أنت صاحب رسول الله ﷺ ، ولك مكانة وقدر، وأنا معسر، وأخشى أن أحدثك فأكذب عليك، أو أعدك فأخلفك، والذي يحملني على ذلك الإعسار؛ لهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من المغرم، فكان يقول: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ، فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ)) (١)، وكما قيل: الدين همٌّ بالليل، مذلَّةٌ بالنهار.
وقوله: ((قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ، قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ)): استحلفه ثلاثَ مراتٍ ليتأكد من صدقه؛ ليُسقط عنه الدين.
стр. 4571
وقوله: ((قُلْتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ)): الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد جواب استفهام، والهاء فيهما مكسورة، والمعنى: بالله هل أنت صادق في قولك: إنك معسر؟
فلما استحلفه وحلف أتى بصحيفته، فمحى عنه الدَّين، ((فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِنِي، وَإِلَّا أَنْتَ فِي حِلٍّ)): قضاء يعني: دَينًا، فهي صفة قامت مقام الموصوف المحذوف، والتقدير: إن وجدتَ دينًا يكون قضاءً فاقضني، وهذا فيه: فضل أبي اليسر ﵁، ومبادرته ومسارعته إلى الخير.
وفيها: أن الصحابة ﵃ أفضل الناس، وأنهم أسرع الناس إلى العمل بالأحاديث، والمسابقة إلى الخيرات.
وقوله: ((فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ- وَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ- وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا)): هذا قول أبي حميد، ((بَصَرُ)): هو بفتح الصاد ورفع الراء، وسَمْعُ: بإسكان الميم ورفع العين، هذه رواية الأكثرين، ورواه جماعة بضم الصاد وفتح الراء (بصُر عيناي هاتان)، وبكسر الميم وفتح العين (سمِعَ أذناي هاتان)، وكلاهما صحيح لكن الأول أولى (١).
والمعنى: أنا متأكد مما أقول، فقد أبصرت عيني النبي ﷺ حين رأيت بياض إبطيه، وسمعت أذني كلامه. ووعيته بقلبي من رسول الله ﷺ .
وقوله: ((وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ)): وهو عرق معلَّق بالقلب.
وقوله: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ))، يعني: من صبر عليه، ولم يطالبه بالدين، أو وضعه عنه، والمعسر: من لا يقدر على النفقة، أو أداء ما عليه، وهذا فيه: فضل عظيم لمن أنظر معسرًا، أو وضع عنه الدين، وهو على مرتبتين:
الأولى: إنظار المعسر.
стр. 4572
الثانية: الوضع عنه بإسقاط بعض الدين.
وإنظار المعسر فريضة، والوضع عنه بإسقاط بعض الدين نافلة، والنافلة هنا أفضل من الفريضة، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني: إن كان المدين معسرًا ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: خبر بمعنى الأمر، أي: أنظِره إلى وقت الإيسار، وهذا فرض واجب، ﴿وأن تصدقوا﴾ يعني: بإسقاط بعض الدين فهو ﴿خير لكم﴾.
وقوله: ((أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ)): المراد ظل العرش، كما تقدم بيانه.
والقاعدة: أن ما أضيف لله نوعان:
الأول: معانٍ لا تقوم بنفسها، فهذه صفات لله، مثل: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر.
الثاني: أعيان قائمة بنفسها، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، تفيد التشريف، كإضافة عبد الله، وناقة الله.
وقوله: ((قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَوْ أَنَّكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلَامِكَ وَأَعْطَيْتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيْتَهُ بُرْدَتَكَ، فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ)): الحلة مكونة من ثوبين: إزار، ورداء، والمعنى: أن كل واحد منهما عليه حلة مكونة من ثوبين: إزار، ورداء، فأبو اليسر ﵁ أخذ بردة، واتزر بها، والمعافير جعلها على كتفيه، وكذلك فعل مع الغلام الذي معه، فصار كل واحد عليه إزار من نوع، ورداء من نوع آخر، فقال له الوليد: لماذا لا تأخذ البردة التي معه وتجعلها معك، فتكون حلة متساوية لك، وتعطيه المعافري التي معك، وتكون حلة متساوية له، فيتحصل من ذلك: أن يكون مع أحدهما: معافير إزار، ومعافير رداء، والثاني: معه بردة إزار، وبردة رداء، أو العكس، فتكون الحلة متناسبة، فقال له: لا، أنا أريد أن أساويه؛ لأن النبي ﷺ يقول: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ)).
стр. 4573
وهذا من باب الاستحباب عند أهل العلم، فلا يجب على الإنسان أن يسوي عبده بنفسه في الأكل واللباس، وإنما يطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس؛ لقول النبي ﷺ : ((لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ)) (١)، ولكن لا يجب عليه أن يطعمه مما يأكل من الطعام الفاضل الذي يأكله، أو اللباس الفاضل الذي يلبسه.
وإطعام العبيد على ثلاث أحوال:
الأولى: أن يطعم الرقيق مما يأكل طعامًا فاضلًا، ويلبسه مما يلبس لباسًا فاضلًا، كما فعل أبو اليسر ﵁، وأبو ذر ﵁، وهذا هو الأفضل والأكمل والمستحب. قال النووي ﵀: ((لو قتَّر السيد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله- إما زهدًا، وإما شُحًّا- لا يحل له التقتير على المملوك وإلزامه وموافقته إلا برضاه)) (٢).
الثانية: أن يطعمهم ويكسوهم مما يناسب أمثالهم، وهذا هو الواجب.
الثالثة: أن يطعم الرقيق مما تأكل البهائم، ويُكسوهم مما يلبسه الشحاذون، وهذا لا يجوز.
وقوله: ((فَمَسَحَ رَأْسِي))، يعني: أن أبا اليسر ﵁ أجاب الوليد، ومسح برأسه إيناسًا له، وشكر له على ملاحظته، ودعا له بقوله: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ))، وقال له: إن الذي جعلني ألبس إزارًا ورداءً ملفقًا وغلامي كذلك؛ خشية أن أفضِّل نفسي على غلامي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ)).
وقوله: ((وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)): خشي أبو اليسر ﵁ إن فضَّل نفسه على غلامه أن يكون قد أخل
стр. 4574
بالواجب، مع أن هذا ليس بواجب، لكنه من باب الورع والاحتياط.
[٣٠٠٨] ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ، حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ! أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا- وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا- أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي كَيْفَ أَصْنَعُ، فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ ! )) قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ ! )) قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ ! ))، قُلْنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا))، ثُمَّ طَوَى ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: ((أَرُونِي عَبِيرًا))، فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ.
فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ.
قوله: ((حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ))، يعني: ليس عليه إلا قطعة واحدة، والصحابة ﵃ كانوا يلبسون الأُزُر والأردية، وأحيانًا يلبسون القُمُص، وفيه: دليل على جواز الصلاة في ثوب واحد مع وجود الثياب، لكن الأفضل أن يزيد على ثوب عند الإمكان، وإنما فعل جابر ﵁ هذا للتعليم.
стр. 4575
وقوله: ((يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ ))، أي: أتصلي في قطعة واحدة مع وجود غيرها؟ !
وقوله: ((فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي هَكَذَا- وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَوَّسَهَا- أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الْأَحْمَقُ مِثْلُكَ)): الأحمق هو: الجاهل الذي يعمل ما يضره مع علمه به، وهذا من باب التعزير، والتأديب، أي: كيف تعترض عليَّ يا أحمق، وأنا صاحب رسول الله ﷺ ، وهذا مما يعزَّر ويؤدَّب به المتعلم.
وجابر ﵁ خاطبه بذلك؛ لأنه يعلم أن الوليد لا يتأثر بهذا، والمعلم إذا كان يَعلم أن التلميذ لا يتأثر بمثل هذا جاز له أن يخاطبه بمثله، كما فعل جابر ﵄ مع الوليد، والصحابة ﵃ كالآباء للناس، والأصل: أنه لا ينبغي للمعلم أن يقابل المتعلم بمثل هذا، ويقول له: يا أحمق؛ لأن في هذا تنفيرًا له.
وقوله: ((أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ)): العرجون: هو عرجون النخل الذي يكون فيه التمر، وابْنِ طَابٍ: نوع من تمر المدينة، فلما رآى النبي ﷺ النخامة في قبلة المسجد حكَّها بالعرجون الذي كان في يده.
وقوله: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟ )): كررها ثلاثًا، يعني: أيكم يحب أن يعامله الله تعالى معاملة المعرِض عنه، فلا يثيبه؟ !
والإعراض من صفات الله ، وكما في الحديث عند البخاري في قصة الثلاثة نفر الذين أتوا النبي ﷺ ، وفيه: ((وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)) (١).
وصفة الإعراض من الصفات المتقابلة، أي: إعراض في مقابل إعراض العبد، مثل: المكر في مقابل الماكرين، والاستهزاء مقابل المستهزئين، وهذه الصفات إنما تكون كمالًا إذا كانت من باب المجازاة، والمقابلة، ولا يوصف بها الله استقلالًا، فلا يقال: من صفات الله: المكر، والكيد، والاستهزاء، والإعراض.
стр. 4576
وقوله: ((قَالَ: فَخَشَعْنَا)): الخشوع: السكون والتذلل.
وقوله: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ)): فيه: إثبات هذه الصفات لله ، وهي: (﵎)، وتبارك من صفات الله تعالى الخاصة به، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بروجًا﴾، وغيرهما من الآيات، فالله تعالى المبارِك وعبده المبارَك.
تنبيه: لهذا لا يقال: تباركت علينا، فهذا غلط؛ لأن تبارك خاص بالله تعالى، لكن يقال: تحصل البركة، أو أنت مبارك، كما قال الله تعالى على لسان عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾، وكما قال أسيد بن الحضير ﵁ وعباد بن بشر ﵁ لعائشة: ((مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْر؟ )) (١)، يعني: من بركتكم التي جعلها الله فيكم.
وقوله: ((أَرُونِي عَبِيرًا))، أي: أمر بالعبير، وهو أخلاط تجمع بالزعفران، وهو نوع من الطيب.
وقوله: ((فَقَامَ فَتًى مِنَ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ)): فيه: مشروعية تطييب المساجد، وتبخيرها، والعناية بها، وفرشها، وتنظيفها، وجعل الخلوق فيها.
وقوله: ((فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى)): فيه: تحريم بصق المصلي من أمامه، أو عن يمينه، وجوازه عن يساره تحت رجله اليسرى، وهذا في غير المسجد، أما إذا كان في المسجد فإنه يبصق في منديل، أو نحوه.
стр. 4577
وجاء في الحديث الآخر: ((وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى أَوْ عَنْ يَسَارِهِ)) (١)، وهذا في الصلاة، ولكن هل يجوز ذلك خارج الصلاة، أو لا يجوز؟
قال بعض العلماء: لا يجوز أن يبصق أمامه، أو عن يمينه حتى خارج الصلاة، ولكن يبصق عن يساره، ولكن الحديث مقيد بالصلاة، لكن إذا احتاط ولم يبصق أمامه، ولا عن يمينه حتى خارج الصلاة فهو أولى.
وفيه: إثبات أن الله تعالى قِبلَ المصلي، وأنه في ناحية منه، وهو فوق العرش أمام المصلي؛ لأنه من كان فوقك فهو أمامك.
وفيه: إثبات العلو لله ، والرد على من أنكره من الحلولية، والجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم.
وقوله: ((فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ، فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا))، أي: تفل في ثوبه، ورد بعضه على بعض.
وقوله: ((فَجَاءَ بِخَلُوقٍ)): هو طيب من أنواع مختلفة.
стр. 4578
[٣٠٠٩] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَطْنِ بُوَاطٍ، وَهُوَ يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبْعَةُ، فَدَارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ، فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ، فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأْ، لَعَنَكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ )) قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((انْزِلْ عَنْهُ، فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ، لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)).
قوله: ((النَّاضِحُ)): هو البعير الذي يُستقَى عليه.
وقوله: ((يَعْقُبُهُ)): العُقبة- بضم العين-: ركوب هذا نوبةً، وهذا نوبةً.
وقوله: ((فَتَلَدَّنَ))، أي: تلكَّأ وتوقَّف.
وقوله: ((شَأْ)): بشين مفتوحة بعدها همزة ساكنة، وهي كلمة زجر للبعير.
وقوله: ((فَلَا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ)): نهاه عن صحبته لهم في تلك الساعة؛ تعزيرًا له وزجرًا له ولغيره، ولم تزل ملكية صاحبه له، بل هو في ملكه، وقد سبقت قصة الجارية التي لعنت ناقتها، فقال النبي ﷺ : ((خُذُوا مَا عَلَيْهَا، وَدَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مَلعُونَةٌ)) (١).
وقوله: ((لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً)): فيه: النهي عن الدعاء على الأنفس والأولاد والأموال، وعلَّل النهيَ بأن الدعاء قد يوافق ساعة إجابة.
وقوله: ((أَفْهَقْنَاهُ))، أي: ملأناه.
وقوله: ((شَنَقَ لَهَا))، أي: كفها بزمامها.
وقوله: ((فَشَجَتْ فَبَالَتْ))، أي: رفعت رجليها لتبول.
وقوله: ((ثُمَّ عَدَلَ بِهَا، فَأَنَاخَهَا))، أي: مال بها.
وقوله: ((إِلَى الْحَوْضِ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ)): فيه: جواز الوضوء من الماء الذي شربت منه الإبل وغيرها من الحيوانات الطاهرة، وأنه لا كراهة فيه، ولو كان دون القُلَّتين.
وقوله: ((وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ))، أي: أهداب وأطراف.
وقوله: ((ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا))، أي: أمسكتُ عليها بعنقي؛ لئلَّا تسقط.
وقوله: ((حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ)): فيه: أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام، وفيه: أنه إذا وقف عن يساره أداره الإمام عن يمينه، ومن خلفه، وفيه: أنه يبني على صلاته بعد إدراة الإمام له عن يمينه، وفيه: جواز العمل اليسير في الصلاة، وفيه: أن العمل في الصلاة إذا كان لحاجة فلا يُكرَه.
وقوله: ((يَرْمُقُنِي)): فيه: جواز الرمق والنظر المتتابع في الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة.
وقوله: ((فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ- يَعْنِي: شُدَّ وَسَطَكَ)): فيه: جواز الإشارة في الصلاة، وأنه لا كراهة فيها للحاجة.
وقوله: ((حَقْوِكَ)) - بفتح الحاء-: مقعد الإزار، وفيه: جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا كان ساترًا للعورة، وأنه إذا كان ضيقًا اتزر به، وإن كان واسعًا خالف بين طرفيه على عاتقيه.
стр. 4581
[٣٠١١] سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ، وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا، وَنَأْكُلُ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا، فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُهُ، فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا، فَأُعْطِيَهَا، فَقَامَ فَأَخَذَهَا.
قوله: ((وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً)): تمرة واحدة يمصها، ثم يشرب عليها الماء، وفيه: بيان ما أصاب الصحابة ﵃ من الشدة، لكنهم صبروا وجاهدوا في سبيل الله، ونشروا دينه فأفلحوا.
وقوله: ((فَكَانَ يَمَصُّهَا، ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْبِهِ)): هذا لتبقى معه أطول وقت ممكن.
وقوله: ((لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ)): معناه: أنه قليل جدًّا، فلقلته مع شدة يبس باقي الشجب- وهو السقاء- لو أفرغته لأشنقه اليابس منه، ولم ينزل منه شيء (١).
وقوله: ((وَيَغْمِزُهُ بِيَدَيْهِ))، أي: يعصره.
وقوله: ((يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ))، أي: يا صاحب جفنة الركب، فحذف المضاف.
وقوله: ((فَأَتَى النَّاسُ، فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَوُوا)): وهذه معجزة أخرى للنبي ﷺ في تكثير الماء، وقد حصل هذا للنبي ﷺ مراتٍ.
[٣٠١٤] وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجُوعَ، فَقَالَ: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يُطْعِمَكُمْ))، فَأَتَيْنَا سِيفَ الْبَحْرِ، فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً، فَأَلْقَى دَابَّةً فَأَوْرَيْنَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخْنَا، وَاشْتَوَيْنَا، وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِعْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ- حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً- فِي حِجَاجِ عَيْنِهَا مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجْنَا، فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَوَّسْنَاهُ ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكْبِ، وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ.
قوله: ((سِيفَ الْبَحْرِ))، أي: ساحله.
وقوله: ((فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةً))، أي: علا موجه.
وقوله: ((فَأَوْرَيْنَا))، أي: أوقدنا.
وقوله: ((حِجَاجِ عَيْنِهَا)): هو عظمها المستدير بها.
وقوله: ((وَأَعْظَمِ كِفْلٍ فِي الرَّكْبِ)): الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه؛ لئلَّا يسقط.
стр. 4586
وفيه: أن هذه القصة غير القصة التي حصلت لأبي عبيدة ﵁، فإن هذه القصة فيها رسول الله ﷺ ، وتلك سرية ليس فيها رسول الله ﷺ ، وأكل منها الصحابة شهرًا، أو ثمانية عشر يومًا حتى سمنوا، حتى ورد في الحديث: ((فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْنِهِ)) (١).
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا اللَّهَ، فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا.
[خ: ٣٦١٥]
قوله: ((حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا لَيْلَةَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ))، يعني: حدثني عن هجرتك مع النبي ﷺ ، إلى المدينة فحدَّثه.
وقوله: ((أَسْرَيْنَا لَيْلَتَنَا كُلَّهَا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ))، يعني: حتى انتصف النهار.
وقوله: ((حَتَّى رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا))، يعني: ظهرت لنا صخرة في البرية، فقصدناها.
وقوله: ((فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ، فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ))، أي: قصدوا الظل، واتجهوا نحو صخرة، وفرش أبو بكر ﵁ للنبي ﷺ ((فَرْوَةً)) كانت معه، وقال له: ((نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوْلَكَ))، يعني: أنظرُ ما حولنا مما يُخشى منه من عدو، أو غيره، وفي هذا: عناية أبي بكر ﵁ بالنبي ﷺ ، فبينما هو ينظر إذ رأى راعي غنم، فراح إليه وقال له: ((لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)): المراد بالمدينة هنا: مكة (١)؛ لأن المدينة لم تكن تسمى بالمدينة في ذلك الوقت، وإنما كانت تسمى يثرب، خلافًا للقائل: إن هذا وهمٌ من بعض الرواة (٢).
وقوله: ((أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفَتَحْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ شَاةً، فَقُلْتُ لَهُ: انْفُضِ الضَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى- قَالَ: فَرَأَيْتُ الْبَرَاءَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يَنْفُضُ- فَحَلَبَ لِي فِي قَعْبٍ مَعَهُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ)): في قَعْبٍ،
стр. 4589
يعني: في إناء من خشب، والكُثْبة: المقدار القليل من اللبن.
وقد أورد النووي ﵀ إشكالًا وأجاب عنه من أوجه، فقال: ((وهذا الحديث مما يسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟ ! وجوابه من أوجه:
أحدها: أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة إذا مر بهم ضيف، أو عابر سبيل أن يسقوه اللبن ونحوه.
والثاني: أنه كان لصديق لهم يدلون عليه، وهذا جائز.
والثالث: أنه مال حربي لا أمان له، ومثل هذا جائز.
والرابع: لعلهم كانوا مضطرين، والجوابان الأولان أجود)) (١).
قلت: قول النووي ﵀: إن هذا مال حربي هذا يكون بعد شرعية الجهاد، والجهاد شُرِع بعد ذلك بمدة، والأقرب في مثل هذا: الجواب الأول، وهو: أن الرعاة كان معهم إذن عام من أسيادهم في ذلك.
وقوله: ((وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ، فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، يعني: كان أبو بكر ﵁ معه سقاء من جلد يضع فيه شيئًا من الماء، ويتوضأ منه، فلما حلب هذا الغلام اللبن وكان اللبن حارًّا- لأنه في وقت شدة الحر- أخذ الصديق ﵁ هذه الكثبة وصب عليها من القربة الصغيرة التي معه حتى بردت، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فوجده نائمًا، فكره أن يوقظه، ((فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ))، أي: في وقت استيقاظه، قال: ((فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ))، ولا يقال: إن صب الماء على اللبن غش؛ لأن هذا اللبن الذي أعده للنبي ﷺ إنما أضاف له الماء من أجل أن يبرد، لا من أجل أن يبيعه.
وقوله: ((فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ))، أي: حتى تحققت أنه أخذ حاجته وروي،
стр. 4590
فأرضاني ذلك.
ثم بعد ذلك قال النبي ﷺ : ((أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلِ؟ ))، فقال الصديق ﵁: ((بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ))، فلما ارتحلا لحقهم فارس، وهو سراقة بن مالك، ففزع الصديق ﵁، وصار يكثر الالتفات، وقال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا، فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ )، فاستجاب الله دعاءه في الحال، فـ ((فَارْتَطَمَتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا))، يعني: نزلت قوائم فرس سراقة بن مالك في الأرض، وكان ذلك قبل إسلامه، حيث لحقهما، وكانت قريش تطلب النبي ﷺ وصاحبه، وجعلت مكافأة مجزية لمن يأتي بالنبي ﷺ وصاحبه ﵁ حيًّا، أو ميتًا، وهي مائة ناقة.
وجاء في قصة اتباع سراقة للنبي ﷺ : ((جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ، أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ، أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلانًا وَفُلانًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ، فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ، وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ، حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا: أَضُرُّهُمْ، أَمْ لا، فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الأَزْلَامَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ لا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ- سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ، حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً، إِذَا